عائلتك النموذجية بين الماضي والحاضر
ذكرياتك سجني وصوتك يجلدني...
وأنا بين الشوارع وحدي وبين المصابيح وحدي
أتصبب بالحزن بين قميصي وجلدي، ودمي
قطرة -بين عينيكِ- ليست تجف!
فامنحيني السلام! امنحيني السلام!
-أمل دنقل-
الجزء الثالث من ليست عائلتك النموذجية
(تحتوي على علاقات مثلية)
.مدخل
بين رفوف المتجر وبين همهمات الزبائن، كان كيرلس يتفحص علبة شاي حين ناداه صوت مألوف
"كيرلس، إزيك؟"
التفت مبتسماً، صافحه الرجل بحرارة وقال
"عاش من شافك يا عم حسام، فينك من زمان؟"
"الدنيا بقى"
رد الرجل باقتضاب، قبل أن يقطعه صوت إبراهيم من بعيد
"هجيب قهوة، عايز حاجة؟"
هز كيرلس رأسه
"لا، ملوش لزوم"
لكن حين التفت مرة أخرى إلى حسام، لاحظ تغير ملامحه. لم يكن مجرد ارتباك، بل نظرة ذعر حقيقية سكنت عينيه
"إنت تعرفه منين؟"
سأل حسام بصوت منخفض كأنه يخشى أن يُسمع
"ده صاحبي، إبراهيم"
أجاب كيرلس ببساطة
لكن ملامح حسام اشتعلت
"صاحبك!، دا ظابط يا كيرلس، دا واحد من اللي بسببه ماتوا ناس زيي وزيك"
"إبراهيم مش ظابط، دا عنده شيلتر للحيوانات، شخص كويس"
قاطعته نظرة حسام الحادة
"اسأل بسيوني، شوف هو يقولك إيه"
ابتسم كيرلس، بثقة
"بسيوني هو اللي عرفني عليه أصلاً"
سكت حسام لحظة، ثم انفجر
"إنتوا مجانين!، إزاي بتتعاملوا معاه كأن حاجة ما حصلتش؟، اللي عمله في الناس وقت الثورة مش سهل، واللي زيكم المفروض آخر ناس تنسوا"
ثم أضاف بصوت أكثر مرارة
"الثورة ماتت وفشلت، وحتى وصم اللي شاركوا في قتل الناس اللي فيها راح، مش قادر حتى تكره ظابط؟، يا عيني على اللي ماتوا"
مضى حسام، تاركاً كيرلس واقفاً في مكانه، يحمل علبة الشاي في يد، وأفكار ثقيلة في رأسه
لم يعد يعرف إن كان قلبه أضعف من أن يواجه الماضي، أم أن عقله تعب من القتال
ظل كيرلس واقفاً مكانه، كأن قدميه التصقتا بالأرض الهواء من حوله صار أكثر كثافة، والأصوات في المتجر تحولت إلى طنين باهت، كأن جسده بقي هناك بينما روحه انسحبت إلى مكان أبعد، مكان يعرفه جيداً
صور قديمة بدأت تتسلل إلى ذهنه، ملامح أصدقاء لم يعودوا، صراخ في الشوارع، دخان، وعيون محمولة على الأمل والحلم والخذلان
"صاحبي"، قالها منذ لحظات، والآن يرددها في رأسه بدهشة، هل أصبح إبراهيم "صاحبه"؟
هل من السهل أن يتحول الجلاد إلى رجل مسالم وينسى الناس كل اخطاءه؟
اقترب إبراهيم، يحمل كوب القهوة ثم تحدث قاطعاً أفكار كيرلس التي غمرته
"يلا نحاسب، جبت اللي عايزه؟"
أومأ كيرلس بصمت
بين يديه كانت علبة الشاي، وفي قلبه سؤال واحد يصرخ
"هل ما يفعله هو الشيئ الصحيح؟، أن يغفر للجلاد كل ما مضى ويتعامل وكأن شيئ لم يكن؟"
وهو يخطو نحو المحاسب، أحس بأن كل خطوة تزن ذكريات، وخيانة محتملة، وكأنه يعجز عن مواجهة حقيقة واحدة
أن الماضي لا يُدفن بسهولة، خاصة إن كان مدفوناً في صدر من تُبادله الابتسامة يومياً
.
1. التشافي
"بابا"
جاء الصوت الطفولي المتذمر ليوقظ كيرلس من شروده، نظر إلى ملاك فوجد وجهه معقود الحاجبين، شفتيه مضمومتين وعيناه تضجان بعتاب
"خير يا حبيبي؟"
رد عليه كيرلس بلطف، وقد لمح خيبة صغيرة ترتسم على ملامحه البريئة
"عمال أكلمك وإنت مش معبرني!"
تذمر ملاك، وهو يعبر عن استيائه
"أنا آسف يا حبيبي، كان بالي مشغول"
سكت لحظة ثم ارتبك، فماذا عساه أن يقول؟
هل يخبره أن الرجل الذي صار يُشاركهما الوجبات والضحكات، كان فيما مضى يركل المقهورين ويكمم أفواههم؟
هل يقول له إن الرفيق الذي يحبه ربما يكون خصماً لأحلام والده المكسورة؟
"كنت بتقول إيه؟"
سأل متحاشياً مواجهة السؤال الأصعب
ولحسن حظه، لم يُصر ملاك على الفضول كان منشغلاً بحماسه، فابتسم وقال
"في بيجاما داي عندنا في المدرسة. عايز بيجامة جديدة"
ضحك كيرلس، ثم مدّ ذراعيه وجذب ملاك إلى حضنه، قبّله على خده وقال
"بس كده؟ عنيا ليك. هننزل سوا نشوف واحدة تعجبك."
"عايزة بيجامة سبايدرمان!"
قالها ملاك بحماس
"عنيا، حاضر"
رد بإبتسامة دافئة
جهز كيرلس ملابس ملاك وساعده في انتعال الحذاء ثم خرج معه ليشتري له البيجامة، واختار بيجامة الرجل العنكبوت كما كان يرغب
ضحك كيرلس من قلبه، لكنه حين عاد إلى المنزل، بينما كان ملاك يقفز في الردهة ويغني بسعادة، انطفأ داخله شيء، جلس في الصالة، ورأى انعكاس وجهه في زجاج النافذة، وجه رجل يبتسم لطفله لكنه يحمل في قلبه آلاف العائلات المنهارة
كم والد لم يعد؟ كم ابناً خُطِف من حضن أمه؟
كم صراخاً انطلق في زنزانة ولم يصل؟
كم مرة كان الجاني يرتدي نفس الزي الذي ارتداه إبراهيم يوماً؟
هل غير الندم ما فعله؟ وهل يغير اللطف ما ضاع؟
اليس من السطحية أن يسامح إبراهيم بهذه السهولة؟
(لقد ضاعت الثورة وفشلت فشلاً كاملاً فحتى رجال الشرطة لم يتم وصمهم لجرائمهم)
كان يتذكر ما قاله الرجل ويفكر به
إبراهيم في الوقت الحالي رجل جيد، لكن هل هذا يغفر له ما قد فات؟
"هل أُسامحه؟ وهل الغفران نوع من التواطؤ؟"
أخرج هاتفه، اتصل برقم يحفظه جيداً، رجل لا يعِظه بل يصغي، ولا يُجامل بل يُنصت
وفور أن أجاب، قال كيرلس دون مقدمات
"بيسو، عايز أسألك حاجة"
"أكيد، اتفضل"
"إزاي اتخطيت موضوع إبراهيم؟"
سكت بسيوني لثوانٍ، ثم سأل
"أنهي موضوع؟"
ابتلع كيرلس ريقه، محاولاً ابتلاع بعض التوتر معه قبل أن يحمحم
"إنه كان ظابط"
أجاب بسيوني بعد تنهيدة
"آه، فهمتك، قررت أسامحه عشان حسيته عنده قابلية يكون إنسان كويس، بس دا مش معناه إن الكل لازم يسامحه، كل واحد فينا بيعاني وبيتشافى بطريقته، أنا اخترت أسامح عشان أقدر أكمل، غيري مش هيسامحه وده حقه"
هز كيرلس رأسه رغم أن الآخر لا يراه
هذا الكلام المنطقي زاده ارتباكاً
هو لم يتصل ليُعطى حرية، بل ليُعطى رأياً، أراد أن يُقال له
"دا صح" أو "دا غلط" لا أن يُترك يتخبط في بحر الشك
"يعني، فاهمني؟"
قالها بسيوني بحنان.
فصمت كيرلس قليلاً قبل أن يقول
"أنا قابلت حسام ياسر"
"ياه!، عامل إيه؟، بقالي كتير ما شفتهوش"
"هو اللي خلاني حيران، قالي إننا بنفرط في حق الناس اللي ماتت في الثورة أما نسامح الشرطة"
"بص، هو عنده وجهة نظر، بس ما ينفعش يفرضها عليك، هو شايف إنك تصاحب الظباط خيانة للثورة حتى لو اتغيروا، ممكن إنت تبص للموضوع أنه اتغير وأن دا معناه إننا نقدر ننقص عدد الشرطة ونضمهم لينا، كل واحد بيفكر بطريقته، سواء كده أو كده إنت حر"
"إنت مش بتساعد"
قالها كيرلس وهو يزفر، لقد أتعبه التفكير
ضحك بسيوني ضحكة قصيرة وقال
"أنا مش هنا عشان أقولك تفكر إزاي، أنا هنا عشان افكرك إن رأيك له قيمة، حتى لو متلخبط، القرار بتاعك، والتصالح معاه هو اللي هيريحك، مش إنك تمشي ورا رأيي أو رأي غيري"
انهى المكالمة وتنهد بعمق وانتبه عندها لصوت فيروز الذي يصدر من المذياع
لا أنت حبيبي ولا ربينا سوا
قصتنا الغريبة شلعها الهوى
وصرت عنك غريبة، أنساني يا حبيبي
"بابا؟"
رفع إبراهيم عينيه عن شاشة الحاسوب على صوت تيام، الذي كان يقف عند باب الغرفة، متردداً بعض الشيء
أغلق الجهاز برفق ليعطيه كامل انتباهه
"أيوة يا حبيبي!"
قالها وهو يربت على المقعد المجاور له، فأتى تيام وجلس، يُمسك طرف أكمامه كعادته حين يشعر بالقلق
"خدنا درس النهاردة في الدين عن التوحيد، لأستاذة قالت إن التوحيد طريق للحرية"
أومأ إبراهيم، مشجعاً إياه على المتابعة
"وسألتها يعني إزاي الإيمان بربنا حرية؟ قالت بإن التوحيد هو طريق الحرية، بس إزاي الايمان حرية وهو فيه قواعد كتير، هو إيه تعريف الحرية؟، خفت أقولها تتضايق بس أنا ما اقتنعتش"
ابتسم إبراهيم بتفاهم، فقد عرف هذه النظرات من قبل، نظرات الحيرة الأولى حين تبدأ أسئلة الطفل تتجاوز المقررات، وتتحدى الإجابات الجاهزة
ترك الحاسوب جانباً تمامًا، ثم قال بهدوء
"بص يا تيام، مفيش إجابة واحدة صحيحة، لكن خليني أقولك رأيي، وأنت حر تتفق أو تختلف"
هز تيام رأسه موافقًا، كأنه دخل في حوار أكبر من عمره لكنه متعطش له
"الإيمان، زي ما بيقوله في الدين، هو تسليم، يعني تؤمن بحاجة من غير دليل، من غير تجربة شخصية، من غير ما يكون في منطق واضح، بيتباهوا بده، بيقولوا إن ده إيمان صادق لأنه مش مبني على دليل، لكن في رأيي هو إيمان أعمى"
"يعني مينفعش الواحد يسأل؟"
تابع تيام أسئلته الفضولية
"اجاباتهم عبثية، عندك مثلاً إبراهيم اللي كان بيكلم ملك في القرآن وقاله إن الله يأتي من الشمس من المشرق فإتي بها من المغرب فا بُهت على طول العبيط، دا بدل ما يقوله ما تجيبها إنت يا فالح"
"بابا هو صح نتكلم كده عن الدين؟"
سأل تيام بتردد
هنا هدأ إبراهيم قليلاً، شعر بتردد ابنه، بالخوف الذي تعلّمه في المدرسة أو من البيئة، ذاك الخوف من طرح الأسئلة
مد يده وربت على يد تيام قائلاً
"احنا بنتكلم، التفكير عمره ما كان غلط، بس اللي بيمنع الأسئلة بيخاف من الجواب"
"يعني؟، دا صح ولا لا؟"
"التاريخ والدين لا يتفقان، هتلاقي قصص في الدين ملهاش أي أثر تاريخي وقصص تاريخية منسوخة في كتب الأديان"
"بس ديننا هو اللي صح ولا إيه؟"
كان حائراً
"الفكرة لو إله واحد اللي منزل الأديان السماوية ليه كل دين بيكفر التاني؟، ليه مثلاً منزلش دين واحد على كذا مرحلة زي ما حرم الخمور وغيرها؟، ولا إيه الفضا دا اللي خلاه ينزل أكتر من دين عشان كل ملة تلعن التانية؟"
أضاف إبراهيم بسرعة
"اوعى تقول دا قدم الأستاذ، دي فيها فصل"
قهقه ساخراً
"أول مرة أعرف إن دا رأيك"
قال بدهشة وعندها سأل إبراهيم
"إنت إيه رأيك؟"
رن جرس المنزل قاطعاً حديثهما وعندها استقام إبراهيم واقفاً
"لسه هنكمل كلامنا"
فتح الباب ووجد رياض أمامه، ظلا صامتين يتبادلان النظرات حتى سأل رياض
"مش هتدخلني"
افسح له إبراهيم فوراً
"اتفضل"
.
لا أنت حبيبي

.
2. آخر أيام الصيفية
استفاق من نومه وهو يلهث، شهقة ثقيلة شقت سكون الغرفة، وقطرات عرقٍ باردة انزلقت من جبهته إلى عنقه لم يكن حلماً، بل ذاكرة مقنعة بكابوس
رائحة دخان، صراخ يمزق الأذن، أجساد تتدافع كأنها تُطارد الخلاص، وفجأة، تُنتزع قدمه عن الأرض، يُسحب من بين الجموع إلى سيارة شرطة
عصابة سوداء تُغلق عينيه، ثم ظلام لا يشبه الليل، بل يشبه القبور
في مركز الشرطة، الصعقات تمزق جسده، كأن الألم يسأله عن اسمه، عن هويته، عن ولائه وعن سبب خروجه للشارع في مثل هذا الوقت
وفي النهاية، وجه يظهر أمامه، حاد الملامح، بارد النظرة، كان إبراهيم
كيف له أن ينسى؟
كيف يُطوى ذلك اليوم كأنه صفحة من دفتر مدرسي؟
أيام الثورة محفورة في أعماقه، لا ينام إلا وتصحو معه
ولماذا إبراهيم؟
لماذا لا يُحب رجلاً عادياً، بملف نظيف، لا يحمل في ماضيه صراخاً كهربياً ووجوهاً ملثمة؟
كان من الممكن أن يختار قلباً أبسط، لكنه اختار قلباً عليه آثار التعذيب، قلباً يُشبه بلاده القاسية
نهض ودخل الحمام ليغتسل من العرق، جفف وجهه بعنف بالمنشفة ووقف ينظر لنفسه في المرآة، هناك هالات سوداء واضحة تحت عينيه بسبب الكوابيس التي يحلم بها منذ أن قابل حسام
كان يشعر بالإرهاق، بالتعب، واليأس، أنه يحتاج إستراحة من كل هذا
تفقد هاتفه ووجد رسالة من والدته تخبره أنها تريد رؤيته قبل أن يقتلها الزهايمر، وهو وجدها فرصة جيدة ليرتاح من القاهرة وضجيجها
ذهب لغرفة ملاك، طرق الباب حتى سمح له بالدخول، دفع الباب برفق ووجد ملاك يلعب بجهازه اللوحي وينام بجواره الجرو
"حبيبي أنا رايح عند تيتة تيجي معايا ولا تقعد عند بيسو؟"
"هقعد عند بيسو"
رد بلا تفكير
اقترب كيرلس منه ثم مال وقبلَ رأسه
"خلي بالك من نفسك يا حبيبي"
"ما تقلقش، أنا راجل"
قال بفخر وضحك كيرلس
"ماشي يا سيدي"
جهز كيرلس حقيبته ثم حقيبة ملاك، اتصل ببسيوني وسأله أن يبيت ملاك عنده لأسبوع والآخر وافق فوراً، اوصل كيرلس ملاك لمنزل بسيوني ثم قاد سيارته لمنزل والدته في بورسعيد
"تشرب إيه؟"
سأل إبراهيم ورد رياض
"ملوش لزوم"
جلس إبراهيم ثم عقد ذراعيه أمام صدره
"خير!"
بعد صمت طويل مريب وكأن رياض كان يكافح ليخرج الكلمات من فمه تحدث أخيراً
"مفيش أخبار عن أمجد؟"
"يهمك يعني؟"
"دا إبني"
"طالما ابنك رافضه ليه؟"
تنهد رياض بضيق
"اتكلمنا في دا قبل كده"
"طب وإيه اللي جد؟، ليه جاي تتكلم تاني؟"
"هو ما غيرش رأيه؟"
"لا"
"للدرجة دي ما اهمهوش؟"
"ليه مخلي الموضوع عنك؟، ليه مش بتفكر فيه؟، ابنك تعب عشان يتقبل نفسه وفي الآخر رفضته"
"أنا مش مصدق إنك شايف دا مقبول!، طب والناس؟"
انفعل إبراهيم ورفع صوته
"كسم الناس، ابنك ولا الناس؟"
ظل الصمت سيد الموقف حتى قال رياض بصوت منخفض
"أنا خايف عليه"
"خايف عليه ولا خايف منه؟"
صحح إبراهيم وفتح رياض فمه مراراً محاولاً الرد لكنه فشل، لا يعلم هل عقله خاوي من الإجابة أم أنه لا يجروء على البوح بها
"أنا خلاص عرفت الإجابة"
قال إبراهيم ثم استقام واقفاً واتجه للمطبخ
"هصبلك عصير"
فتح الثلاجة وأخرج علبة العصير ثم ملأ الكأس بها، ترك العلبة على الطاولة ثم خرج بالكأس وناوله لرياض الذي شكره ثم بدأ يشرب، كان يبدو عطشاً حقاً
جلس إبراهيم من جديد، وأسند مرفقه على ذراع المقعد، نظر لوجه رياض المتعب، ثم سأله بصوت هادئ، لكن كلماته كانت كالسكاكين
"إنت ليه شايف الحب المثلي مرض؟، وكأنك بتتكلم عن تجربة شخصية"
في اللحظة التالية اختنق رياض بالعصير، كأن الكلمة اصطدمت بحنجرته قبل أن تصل إلى أذنه، سعل بشدة، اختنق، ارتجف، ووضع الكأس على الطاولة وهو يلوح بيده كأن الهواء صار سميكاً
إبراهيم لم يتحرك، فقط راقبه
وعندما هدأ السعال، أضاف
"هي تجربة شخصية بجد ولا إيه؟"
ساد صمت ثقيل
عيون رياض تهرب من نظرة إبراهيم، تطوف في أنحاء الغرفة بحثاً عن مهرب، عن منفذ
أخيراً، نطق بصوت خافت
"آه"
هز إبراهيم رأسه ببطء، كأنه كان قد سبق واستنتج الأمر
"مش لازم تجربتك تمشي على الكل"
"أنا حتى بوسته"
أضاف محاولاً اثبات وجهة نظره
"عادي، في ناس بتهاف سكس مع ناس بعدين بيسيبوا بعض، هل دا معناه في المجمل أن العلاقات كلها مش حقيقية ولا تجربة الشخص دا اللي فشلت؟، ماينفعش تفرض تجربتك على الكل"
"وإيه اللي يمنع أن تجربته هو كمان تكون غلط بس مطول شوية؟"
كان مُصراً على رأيه، ومقتنع اقتناع تام به
تنهد إبراهيم، كأن الكلام أصبح ثقيلاً جداً على صدره، كان يشعر بأن حديثه بلا معنى وأن رياض يرهقه فقط
"دي حاجة هو يقررها مش إنت"
"ماشي لو قولنا أنا مصدق أنه مش مرض، هو إزاي هيواجه العالم كده؟"
رد إبراهيم ببساطة
"دي برضه حاجة ترجعله، وإنك تكون معاه وهو بيواجه العالم أحسن ما تكون إنت والعالم ضده"
"صدقني أنا فاهم شعوره، مريت بيه، بس اتكسفت من نفسي بعدها، دا مش حب"
كان مقتنعاً أن الحب المثلي عبارة عن تعلق مرضي فقط
"تجربتك ما بتمشيش على كل الناس"
أضاف بعدها بعد أن ضاق ذرعاً
"رياض إحنا الإتنين عندنا نفس الأب وعايشين في نفس البيت بس بابا اختار يغتصبني أنا، ويتجنبك إنت، فا إزاي مقتنع إن تجربتك بيمر بيها الكل؟"
بعد ما قاله إبراهيم لم يكن رياض ليتجرأ على الحديث مرة أخرى، حل صمت ثقيل حتى استأذن رياض وغادر في النهاية
تنهد إبراهيم بضيق ثم انتبه للوقت وعندها انتعل حذائه وخرج ليصعد في سيارته ويذهب ليصطحب لوجين من المدرسة
فتح كيرلس ستائر غرفته، ثم أزاح النافذة ليدخل هواء نقي لطالما افتقده خلال إقامته في القاهرة، حيث الهواء ثقيل ممزوج برائحة العوادم وضجيج لا يهدأ
كانت غرفته مرتبة، اوراق جدرانها باللون الأصفر الفاتح الباهت ومرسوم عليها زهور، هناك مكتبة صغيرة اعلى طاولة المكتب، تحوي كتب ودفاتر قديمة، وخزانة في الركن، وعلى الجدران هناك أوراق لصحف متعددة عن أخبار الثورة، وأخبار موت، واختفاء أشخاص يعرفهم وآخرون لا يعرفهم، وأخيراً فوق الباب معلق صليب خشبي
رغم الهواء النقي الذي كان يستنشقه فقد شعر بغصة في حلقة وهو ينظر لأوراق الجرائد بعد أن بدأ يتذكر كل الأحداث وكأنها كانت البارحة
"كيرو، أنا عملت الغدا"
جاءه صوت والدته من المطبخ لينقذه من غرقه في الذكريات المظلمة، لم يجب، بل تحرك تلقائياً خارج الغرفة، يسير في الممر الضيق بخطى ثابتة نحو المطبخ
المطبخ صغير، لكنه نظيف ومنظم بعناية، رائحة الطعام المنزلي تملأ المكان، دافئة وعائلية، تلتف حول القلب قبل الأنف
كانت والدته واقفة قرب الطاولة، تضع الصحون، امرأة في أواخر التسعينات من عمرها، ظهرها مقوس قليلاً، ويداها ترتعشان برفق مع كل حركة، لكن ملامحها ما زالت تحمل مزيجاً من الحزم والحنان
رغم سنها، لا تزال تُصر على أداء الأعمال المنزلية بنفسها، تقول دوماً أن الحركة تحفظ لها ما تبقى من عافيتها، وأن التوقف عن العمل هو أول الطريق نحو الانطفاء، ولهذا، لا تزال تخرج إلى السوق، وتطهو، وتنظف، كما لو أنها تدافع عن حضورها اليومي ضد مرور الزمن
شغلت والدته المذياع قبل أن تجلس على مقعدها، كان يذيع أغنية لفيروز، كانت مغنية والدته المفضلة
آخر أيام الصيفية، والصبية شوي شوي
وصلت ع ساحة ميس الريم
وانقطعت فيها العربية
آخر ايام المشاوير
في غيمة زرقة وبرد كتير
وحدي منسية بساحة رمادية
أنا والليل وغنية
.
آخر أيام الصيفية

.
3. ذنب لا يزول
"هتتغدى معايا؟"
سأل إبراهيم زين الذي مر عليه في الملجأ ليقضي بعض الوقت معه كالعادة
"لا، هتغدى في البيت، عندنا ضيف النهاردة، ما تيجي"
رفع إبراهيم حاجبيه بتعجب
"يعني عندكم ضيف، اجي أنا ليه؟، خازوق؟"
قهقه زين بخفة ثم صفع كتفه
"ما تتباردش، عادي يعني إنت من العيلة"
"لا يا عم خليكم مع ضيفكم"
"إنت الخسران"
رد بغرور ثم استقام واقفاً
"هروح اجيب تيام ويوسف من المدرسة"
"خلي بالك وإنت بتسوق"
"ليه؟، ظابط مرور؟"
رد ساخراً ثم خرج من الملجأ بينما يقهقه إبراهيم
ظل إبراهيم يبتسم لدقيقة، قبل أن يقطب جبينه فجأة إثر صوت ضوضاء مفاجئ، ثم سمع بكاء طفل قريب من الباب الخارجي. تحرك بسرعة إلى الخارج، ليجد طفلاً صغيراً يمسك بمقبض الباب بشدة، بينما يحاول رجل جذبه بعيداً
"لو سمحت، ممكن أفهم في إيه؟"
سأل إبراهيم وهو يقترب بحذر، مستعداً للتدخل إن لزم الأمر
التفت الرجل، وكان حسام، وبمجرد أن وقعت عينه على إبراهيم، شحب وجهه وسرت قشعريرة قوية في جسده ارتعشت يداه، ثم أفلت الطفل وسقط على الأرض مغشيًا عليه، كأن شبحاً باغته
انحنى إبراهيم بسرعة نحو الطفل، أسنده بلطف، وسأله وهو يتحقق من سلامته
"مين دا يا حبيبي؟، كان بيحاول يخطفك؟"
هز الطفل رأسه وقال بامتعاض طفولي
"دا خالو حسام، مش عايزني أجيب كلب"
"معلش، هحاول اقنعهولك"
قال ثم اقترب من حسام بحذر، وقلق واضح في عينيه، ثم حمله وأدخله إلى الملجأ، ووضعه على الأريكة، التفت إلى الطفل مجدداً وسأله
"هو خالو بياخد أي أدوية يا حبيبي؟"
رد الطفل ببراءة وبلا مبالاة
"معرفش"
أومأ إبراهيم بصمت، ثم ابتسم وربت على كتف الطفل
"ما تخافش، تعالى العب مع الكلاب عقبال ما يفوق"
رغم أن الطفل لم يكن يبدو خائفًا إطلاقاً، إلا أنه تحمس فور ذكر الكلاب، وركض إلى الحديقة الخلفية حيث كانت الجراء تلعب، وتولى أحد الموظفين الإشراف عليه
أما إبراهيم، فركز على إفاقة حسام مستخدماً أساليب الطوارئ التي تعلمها سابقاً، بعد دقائق، بدأت أنفاس الرجل تنتظم، وفتح عينيه ببطء، وبمجرد أن وقعت عيناه على إبراهيم، ارتعد مجدداً وتراجع في جلسته كما لو كان يتوقع أن يُصفع أو يُعتقل
"حضرتك كويس؟"
سأل إبراهيم بلطف وعندها تذكر حسام ما قاله كيرلس عن أن إبراهيم الآن رجل مسالم صاحب ملجأ للحيوانات
"فين آدم؟"
سأل وهو يلتفت حوله بقلق متصاعد
"بيلعب مع البابيز"
رد إبراهيم ببساطة، مشيرًا إلى الخارج
"هاته، هنمشي"
"ليه بس؟، شكله بيحب الكلاب أوي، إيه سبب اعتراضك عليهم؟"
سأل بلطف، كان يحاول اقناعه بأن يتبنى آدم جرواً
جز حسام على أسنانه ونظراته مشتعلة بمرارة متراكمة ثم قال بغضب
"إنت هتعمل فيها ملاك؟، خلاص متبري من السنين اللي قضتها في الداخلية بتشوط فينا وعملت شيفت كارير كملاك بجناحات؟"
وقف إبراهيم في مكانه، لا يتحرك، كأن الكلمات أصابته في صميم ذاكرة كان قد أقفل عليها بإحكام. لم يتوقع أن يسمع ذلك بصوتٍ عالٍ من رجل غريب قابله بالصدفة، ولا من أي أحد
أكمل حسام بغضب
"إنت فاكر عشان قررت تفتح شلتر وتعمل ملاك رحمة يبقى اللي فات مات؟، إنت هتفضل وسخ طول حياتك"
نهض حسام وهو يلتقط أنفاسه كمن خرج للتو من معركة لم يربحها لكنه نجى منها
بدأ يبحث عن آدم بعينين حادتين، حتى وجده في الحديقة الخلفية، يركض بين الجراء
أمسكه من يده بعنف، دون كلمة، وجره معه خارج الملجأ بخطوات سريعة، دون أن يلتفت أو يعتذر
أما إبراهيم، فظل واقفاً هناك، كتمثال من خجلٍ ورماد
كل شيء عاد
روائح الغاز، صرخات المتظاهرين، ضوء الكشافات وسط الهتاف، الأوامر التي لم يناقشها، والندم الذي لم يسمح له بالعيش
لقد أخفاه، نعم، لكنه لم يمحه
كيف نسي كل ذلك؟
بل كيف سمح لنفسه أن ينسى؟
كان النسيان درعاً ضد الانهيار، لكن الدرع اليوم سقط، وظهر تحته الجرح كما هو مفتوحاً، قبيحاً، حياً
"كيرو"
استفاق من شروده على صوت والدته وعندها ابتسم بتلقائية ونظر إليها
"أيوة يا حبيبتي!"
"سرحان ليه يا واد؟، بتحب؟"
سألت بخبث وهو قهقه
"بحب إيه بس يا أمي؟، أنا كبرت على الكلام الفاضي ده"
"واما إنت كبرت مش عايز تتجوز ليه؟، عايزة أشوف أحفادي"
كان الزهايمر قد تمكن منها وانساها أن كيرلس تزوج ولديه طفل، وكان كيرلس لا يمانع نسيانها للأمر لأنها لو تذكرت ستغضب منه وستطلب منه العودة لزوجته لأن الطلاق خطيئة لا تغتفر
كان كل ما تتذكره هو ذكريات بسيطة عن طفولة كيرلس ومراهقته، نسيت الكثير من الأشخاص لكنها لم تنسه، فقد كانت تحبه بشدة حتى بعد شجارهما الأخير، بعد أن قطعت التواصل معه كانت تقلق عليه وترغب بمحادثته لكنها لم تفعل كي تضغط عليه عله يطيعها، وفي النهاية ربح الزهايمر وانساها كل شيئ فعادت لمحادثته وكأن شيئاً لم يكن
"هعملك حاجة حلوة بتحبيها"
قال بمرح وهو يستقيم واقفاً
"إيه؟"
سألت بفضول طفولي، فعندما يصاب الكبار بالزهايمر يبدأون بالتصرف كالأطفال
"إيه الحاجة الحلوة اللي بتحبيها؟"
سأل وهو يفتح خزانة المطبخ بينما تفكر حتى وجدته يخرج كيس الشعرية وعندها هتفت
"شعرية بلين"
قهقه كيرلس وهو يخرخ وعاء ليضع به كمية من الشعرية
"صح، اروبه"
"منا ممكن اعملها أنا"
استقامت واقفة واقتربت محاولةٍ أخذ الوعاء منه لكنه منعها
"لا، طبعاً، هعملها أنا، اقعدي لو سمحتي"
بدأ يقوم بإعداد الشعرية بينما يستمع لفيروز
يا حبيبي الهوى مشاوير
وقصص الهوى مثل العصافير
لا تحزن يا حبيبي إذا طارت العصافير
وغنية منسية ع دراج السهرية
رجعت الشتوية، رجعت الشتوية
بعد أن انتهى ملأ طبقاً بالشعرية ثم سحب بعض الحليب عليه وناول الطبق لوالدته
"بالهنا يا حبيبتي"
قال وهو يبتسم بحب
مع غروب الشمس خرج للتسوق وبينما يقف أمام رف القهوة سمع صوتاً مألوفاً
"كيرو!"
التفت ثم ابتسم عند رؤية الرجل
"مارو!"
عانقه بحرارة وبدأ يسأل عن حاله
"عاش من شافك يا عم دنا قلت مش هتيجي تاني، إيه مامتك رفعت الحظر؟"
"ربنا يخلي الزهايمر"
قال وعندها قهقه مروان بصخب ثم صفع كتف كيرلس بخفة
"ابقى تعالى اقعد معايا شوية"
"إنت لسه قاعد مع أمك؟"
"لا، ربنا افتكرها، قاعد أنا وفتافيت، قطتي"
قوس حاجبيه بإستغراب
"فتافيت!، إيه الاسم المعرص دا؟"
قهقه مروان بصخب مرة أخرى، كان مستمتعاً برفقة كيرلس
"ما تيجي تبات معايا النهاردة؟"
"اسيب أمي؟، إنت عبيط؟، تعالى إنت"
"اوكي، معنديش مانع"
رد ببساطة وتفاجأ كيرلس لأنه لم يتخيل أن مروان سيوافق بهذه السهولة، هو حتى لم يسأله إلا مرة واحدة
"هاتلي قهوة محوجة ما بحبش السادة"
قال ثم أخذ عبوة قهوة ثم وضعها في سلة تسوق كيرلس
"هتجيب حاجة تانية؟"
.
رجعت الشتوية

.
4. فات الميعاد
كان الوقت متأخراً، والشارع هادئ إلا من صوت سيارة عابرة بين حين وآخر، أضواء البيت كانت خافتة، والجو يحمل سكون آخر الليل
وسط الليل الصامت، طرقت أنامل مترددة الباب
فتح زين بعيون ناعسة بينما يقوم بتفريش أسنانه وبقايا معجون الأسنان على زاوية فمه، تفاجأ عند رؤية إبراهيم بالأخص أن الوقت كان متأخراً
"هيما!"
قالها بدهشة مكتومة، وهو يزيح الفرشاة من فمه بسرعة
إبراهيم كان واقفاً أمامه، وجهه منهك، وعيناه مطفأتان كأن النوم لا يعرف طريقاً إليهما
"زياد موجود؟"
سأل إبراهيم وهز زين رأسه بصمت ثم افسح له ليدخل ودخل لغرفة زياد ليناديه
جلس إبراهيم على المقعد في غرفة الجلوس وبدأت عيناه تتجولان بها وكأنه يحاول الهرب من أفكاره
"هاي!"
القى زياد التحية باسماً
"هاي!"
جلس زياد ثم سأله
"خير!"
كان إبراهيم حائراً ومحرجاً، بالأخص أن زياد وبسيوني يعرفان عن ماضيه جيداً، بدأ يفرك يديه ببعضها بتوتر ثم سأل
"هو أنا أعمل إيه عشان"
حمحم منظفاً حلقه وكأنه يحاول بصق الكلمات العالقة به ثم أكمل
"عشان أكون حد كويس"
قوس زياد حاجبيه بإستغراب ثم هز رأسه بالسلب
"لا، مش فاهم بصراحة"
تنهد إبراهيم بعمق محاولاً استجماع ما يريد قوله ثم بدأ يتحدث
"أنا عملت سكيب لحتة اني كنت شغال في الشرطة دي وعملت نفسي ولا كأني كنت شغال فيها وكملت حياتي، بس مش حاسس دا صح، ما ينفعش الغي فصل كامل من حياتي خصوصاً أنه اذى ناس كتير"
هز زياد رأسه
"كويس"
"أقدر أعمل ايه؟"
"تسمحلي اقولك إن دي حاجة ما ينفعش تقولهالي أنا المفروض تتكلم مع مختص، هو هيساعدك أحسن مني، وأنا مش بشجع أبداً إن الصاحب يكون واخد دور المعالج في حياة صاحبه، عشان كده لو سمحت روح لمختص"
كان يتحدث بحرص شديد، يراقب تعبيرات وجه إبراهيم بدقة، كمن يريد أن يطمئنه ويضع له حدودًا في آنٍ واحد
كان إبراهيم حائراً في البداية لكنه رد في النهاية
"تمام، إنت صح"
ابتسم زياد ابتسامة خفيفة، وقال بنبرة تؤكد المعنى الذي أراد إيصاله منذ البداية
"أنا موجود كصاحبك دايماً"
لم يكن يريد لإبراهيم أن يظن أنه يرفضه أو يبتعد عنه، بل أراده أن يفهم أن ماضيه يستحق معالجة جادة، لكن ذلك لا يلغي صداقتهما أو يقلل من قيمته في حياته
بعد صمت دام لما يقارب الدقيقة تنهد إبراهيم
"تمام"
قرر إبراهيم حجز موعد عند معالج نفسي غير معالجه السابق لأنه لم يرده أن يعلم عن ماضيه كشرطي لأنه يخجل منه، اراد شخصاً يرمي له سره الماضي ليختفي بعدها كما يشاء
"إنت مستعد تتحمل نتايج افعالك السابقة؟"
سأله المعالج
بدأ إبراهيم يفكر ثم سأل
"دا هيخلصني من شعوري الحالي؟"
"الشعور بالذنب جزء طبيعي، والمهم هو إزاي نتعامل معاه، أحياناً بيبقى مفيد نحاول نفهم إحنا ليه عملنا اللي عملناه، وإزاي نقدر نكون شخص مختلف النهارده"
"أعمل ايه مثلاً؟"
"هل شايف إن في حاجة تقدر تعملها النهارده تساعدك تحس إنك بتتصالح مع نفسك؟"
بدأ إبراهيم يفكر بعمق ثم قال
"نفسي الراجل دا يغير فكرته عني"
"تعرفه؟"
"لا"
"وعايزه يغير فكرته ليه؟"
"نفسي أعوض أي حد اذيته"
همهم الطبيب
"بس دي حاجة مش سهلة"
"عارف، بس نفسي"
"لو قابلت الراجل دا تاني هتعوضه إزاي مثلاً؟"
احتار إبراهيم وبدأ يفكر ثم رد
"هعتذرله"
ظل الطبيب صامتاً ينتظره أن يكمل حديثه حتى أكمل
"وهشوفه عايز إيه عشان يسامحني"
"دا تصرف نبيل منك إنك عايز تصلح ماضيك، بس تفتكر دا هيفيده؟"
زادت حيرة إبراهيم فقال بضيق
"مش عارف"
"أنا مش عايزك تضغط على نفسك، عايزك تاخد وقتك في التفكير، عشان توصل لحاجة تعملها تحسسك بالرضا عن نفسك، عايزك تاخد وقتك كله، اسبوع، اتنين، شهر، بس فكر إزاي ممكن تعمل حاجة مفيدة تصلح بيها اللي فات، تكون مفيدة ليك وللطرف التاني وإنتم الإتنين ترتاحوا"
حل الصمت لثواني وعندها اضاف الطبيب
"اوكي!"
هز إبراهيم رأسه بالايجاب فإبتسم الطبيب بود
"تمام، كده خلصت جلستنا، انبسطت جداً اني شفتك النهاردة"
"اتفضل"
قدم كيرلس كوب قهوة لمروان
كانا يجلسان في الشرفة
كانت الشرفة نصف مظلمة، يضيئها مصباح أصفر معلق في منتصفها، ينشر ضوءاً خافتاً على الأرضية والسور الحديدي الباهت، نسمة ليلية عليلة تحركت بينهما، تحمل معها رائحة ياسمين من شجرة مزروعة أسفل البناية، في الخلفية كانت أصوات ابواق سيارات بعيدة
"شكراً"
شكره مروان ثم أخذ الكوب منه
"إيه اللي جابك بقى؟"
سأل كيرلس بحاجبين مرفوعين بتعجب
رفع مروان حاجبيه بالمثل، ثم قهقه ضاحكاً وهو يضع الكوب بجانبه للحظة
"شوف الواد!، دا بدل ما تقولي منور؟"
"انجز"
قال بقلة صبر
ابتسم مروان في خبث، ثم مال إلى الوراء في مقعده، مستندًا إلى المسند الحديدي
"إنت إيه اللي جابك؟"
حول سؤاله إليه
أجاب كيرلس دون أن ينظر إليه مباشرة
"ماما اتصلت بيا"
رفع مروان رأسه متصنعاً الدهشة، وقال وهو يهز رأسه كمن كشف سراً
"ومن امته إنت ابن مطيع كده؟، إنت شكلك عامل عملة وجاي هنا تستخبى"
"خف فرجة على مسلسلات محمد رمضان"
رد ساخراً ومد يده ونقر جبهة مروان
"لو عايز تقول اتطمن أنا ستر وغطا عليك"
حاول محايلته ليتحدث
"أقول إيه هو إنت بتخترع حاجة وعايزني أكملها كمان؟"
واصل كيرلس التهرب
"أنا معنديش حد اكلمه، ما تبقاش عيل"
كان يطمئنه أن سره لن يكشف
بدأ كيرلس يفكر هل يخبره أم لا، ثم قرر في النهاية أن يخبره عله يصل لحل معه
قال وهو ينظر إلى فنجان القهوة كأنه يفتش فيه عن كلمات مناسبة
"دلوقتي لو قابلت واحد كويس جداً ولطيف، بس عرفت أنه زمان كان شغال في الشرطة، هتعمل إيه؟"
"زمان اللي هو امته؟، وانهي شرطة؟"
تردد كيرلس للحظة، لم يكن واثقًا إن كان يجب أن يكمل، لكن بما أنه بدأ، لم يعد هناك مجال للتراجع، أخذ نفساً عميقاً وقال بصوت منخفض
"مكافحة الشغب"
همهم مروان مفكراً
"يعني احتمال اعتقل ناس وعذبهم!"
"احتمال كبير، أيوه"
رد كيرلس، بنبرة أقرب للاعتراف منها للتبرير
أمسك مروان فنجانه بيده، لكنه لم يشرب، نظر بعيداً، كأن الذكريات التي لم يعشها مرت أمامه، قال بهدوء، لكن بكلمات واضحة ومباشرة
"بصراحة عن نفسي عمري ما اسامح الشرطة على اللي عملوه، إن حد يقرر ينضف صورته ويبدأ من جديد كأن ما فيش حاجة حصلت، دا بالنسبالي قمة الأنانية
بيتهرب من المسؤولية، بيتبرأ من اللي عمله، بس الضحايا، مافيش زرار ينسيهم"
كان مروان هو الآخر قد عانى بسبب الشرطة فقد كان ثورياً ككيرلس وحسام وبسيوني وزياد، كانت الشرطة كابوساً يطاردهم ويرسم بالسوط والكهرباء على اجسادهم
صمت كيرلس، شعر بثقل الكلام على صدره، كأن مروان قال بالضبط ما كان يخشى سماعه
خفض كيرلس نظره إلى الأرض، راقب بقعة ضوء المصباح الأصفر على البلاط المتآكل، ثم تمتم بصوت منخفض
"أنا مش عارف اخد قرار"
"قرار إيه؟، عن الشرطي اللي في حياتك؟، براحتك، أنا قلت رأيي بس إنت مش ملزم بيه"
سادت لحظات من الصمت بعد كلماته، لم تكن خانقة، بل متأملة، كأن كيرلس كان في حاجة لتلك الثواني ليعيد ترتيب أفكاره، أو ليعترف لنفسه بأنه عالق بين ما يشعر به وما يتمنى أن يشعر به وبين ما مضى وما لم ينتهِ بعد
.
5. كارت محروق
كانت الساعة تقترب من الثالثة فجراً، والمدينة تغط في صمت ثقيل، إلا من صوت مساكة الأحلام قرب النافذة تتأرجح ببطء
جلس إبراهيم على طرف سريره، والحاسوب المحمول بين يديه، يضيء وجهه الشاحب وهالات عينيه المنهكتين بضوء أزرق باهت
فتح موقع ريديت فقد سبق وحادثه زين عنه كثيراً
أنشأ حساباً باسم مستعار
توقف أمام مربع الكتابة، وعيناه تتابعان المؤشر يومض بلا رحمة، كأنه يتحداه أن يبدأ
كتب
"كنت شرطي قبل كده"
حدق في الجملة قليلاً ثم مسحها
كأن الكلمات أثقل من أن تُحمل، وأضعف من أن تُقال
كتب مجدداً
"في حاجة مضايقاني من زمان"
تنهد، شعر بأنها لا تصف ما يشعر به
ليست صادقة بما فيه الكفاية، وليست مؤلمة كما يشعر
حذفها مرة أخرى
أغلق الحاسوب نصف إغلاق، كأنما يهرب
ثم فتحه من جديد بعصبية
كتب
"كنت في الداخلية، شاركت في قمع مظاهرات"
ضغط زر الإدخال دون قصد، فظهرت الجملة أمامه كاملة، قلبه انتفض
بسرعة، محاها
نهض عن السرير، راح يتجول في الغرفة الصغيرة
دخل الحمام، رش وجهه بالماء البارد، نظر لنفسه في المرآة لثانية، ثم ابتعد
عاد إلى مكانه
جلس
ظل يحدق في الشاشة، لا يتحرك
همس لنفسه
"أنت جبان بس بتحاول"
مد يده وكتب هذه المرة دون توقف
"أنا كنت ظابط شرطة قبل كده. اشتغلت في وحدات مكافحة الشغب، شاركت في فض مظاهرات، قبضنا على ناس، وضربناهم، عذبناهم، كنت شايف نفسي بعمل شغلي، لكن دلوقتي مش قادر أبص في المراية.
مش ناسي وشوش الناس اللي اتظلمت، ولا عياطهم وهما بيترعشوا من الخوف
بطلت الشغل ده من فترة، لكن الندم لسه بيطاردني
مش بنام. مش عارف أعيش.
نفسي أعمل حاجة تكفر عن اللي حصل، حاجة تمحي ولو جزء من اللي فات.
لو حد عنده فكرة، يقولي.
حتى لو بتكرهوني، أنا مش جايلكم كظابط أنا جايلكم كإنسان تايه.
قرأ الكلمات، كأنها ليست منه
كأنها خرجت من شخص آخر يسكن داخله ولا يعرفه تمامًا
تردد
ثم ضغط زر "نشر"
ظل جالساً لدقائق، يستمع إلى دقات قلبه، التي صارت أوضح من أي صوت في الغرفة
أغلق الحاسوب ببطء، ثم تمدد فوق الفراش، دون أن يغير ثيابه أو يطفئ الضوء
لم يشعر بالراحة، ولا بالسلام
لكنه شعر بشيء يتحرك داخله للمرة الأولى منذ زمن
شيء يشبه الشجاعة
ظل يتنقل في البيت كمن يحاول الهرب من نفسه
دخل المطبخ، غسل بعض الصحون التي لم تتسخ أصلاً، فتح الثلاجة دون سبب، ثم أغلقها دون أن يأخذ شيئاً سقى نبتة قديمة في الزاوية رغم أن تربتها لا تزال رطبة من سقي الأمس
شغل التلفاز دون أن يرفع الصوت، تركه يعرض فيلماً بلا صوت كديكور لا أكثر، ثم جلس على الأرض، أسند ظهره للحائط
كان يعرف أن الردود قد بدأت بالوصول، لكنه لم يجرؤ بعد على المواجهة، كان يعلم أنه ارتكب جريمة ولا يريد أن يرى ردات الفعل عليها
جلس إبراهيم أمام حاسوبه في الساعات الأولى من الصباح، وقد خف ظلام الليل حتى كاد أن يختفي، تاركاً خلفه اشعة الشمس تتسلل عبر زجاج النافذة، تنفس بعمق، ثم مرر أصابعه المترددة فوق لوحة المفاتيح، وفتح المتصفح
ظهر أمامه الموقع، ومنشوره الذي كتبه منذ ساعات
نظر إلى العنوان للحظة طويلة قبل أن يضغط على الزرّ الذي يفتح الردود، وقلبه يدق كطبول تحذير في صدره لم يكن يعلم ما الذي سيقرأه، هجوم؟ سخرية؟ أم فرصة؟
ضغط، وبدأت الكلمات تظهر واحدة تلو الأخرى
"إنت فاكر إن كام كلمة هيمسحوا اللي عملتوه؟، في ناس ماتت بسببكم، وفي اللي لسه بيعاني لحد النهارده! ما تستناش الغفران ده مش بتاعك"
"سؤال بسيط ليه ما سألتش "أنا بعمل إيه؟" وإنت لابس البدلة وماسك العصاية؟ ليه استنيت لحد ما الناس بدأت تسألك وتتهرب منك وتبصلك بنص عين؟
الغفران مش لنفسك، ومش ع المدى القصير
الناس اللي ماتت، واللي اندفنت أحلامها، واللي اتصنفوا "خونة" لأنهم قالوا "حرية"، كل دول كان عندك خيار تبقى معاهم، واخترت تكون ضدهم
فلو بتدور على وسيلة للتكفير، فابدأ من وجعهم مش من وجعك، مشاعر الذنب مش كفاية، الغفران مش شيء تستحقه، ده شيء تتمنى تحققه بعد عمر من الاعتراف والشغل الصامت"
"الندم بداية مش نهاية، في ناس ما بيوصلوش للي إنت وصلتله، لو فعلاً ناوي تصلح، اشتغل في أماكن بتدافع عن حقوق الناس، ساعد ضحايا عنف الدولة، إحكي قصتك علشان اللي جاي بعدك ما يكررهاش"
"عارف ليه مش بنصدقكم؟ لأن أنتم مش بتندموا غير لما النظام يرميكم، اما تبقوا كارت محروق
طول ما كنت شغال معاهم، كنت شايف القهر عادي، تشوف ست بتصرخ جنب ابنها اللي دمه بيغرق الأرض
إحنا تعبنا من الاعتذارات بعد الخراب، إنت كنت أداة تخويف، وبتتكلم دلوقتي كأنك طفل تايه، طيب لو رجع الزمن، كنت هتختار نفس المسار؟
الغفران مش ملكك، الغفران ملك اللي دهستهم، وساعات، الناس دي مش بتعيش لحد ما تغفر، فعيش بذنبك زي ما عشنا بخوفنا"
"ماتضحكش على نفسك، إنت بتدور على ارتياح لنفسك مش على تكفير حقيقي"
"هو الاعتراف سهل لما الدنيا تهدى، بس وقت الدم ما كنتوش بتترددوا، ما تتوقعش حد يصفقلك عشان ندمت دلوقتي"
"ماحدش بينضف قلبه غير لما يتكسر، سامح نفسك، وابدأ صلي للناس اللي أذيتهم، حتى لو مش شايفهم يمكن هما يسامحوك وإنت مش عارف"
"ما تبقاش زي اللي قتل القتيل وبيعيط في الجنازة
انت مش فرد بسيط، انت كنت ترس في آلة قمع ضخمة، النظام كان بيستقوى بيك وبأمثالك علشان يخوفنا ضربتنا، سحلنا، حرقت قلوبنا على اصحابنا واخواتنا، وده مش هيتصلح بتدوينة ندم ولا إنك تفتتح مركز خيري
لو عندك دم حقيقي، ابدأ من المكان اللي انتهت فيه جريمتك، اعترف، سمي، افتح ملفات، ساعد ضحاياك لو لسه عايشين، أي محاولة لغسل الايدين من الدم من غير كشف الحقيقة ما هي إلا استغباء لينا، واحنا زهقنا من الاستغباء"
قرأ إبراهيم كل جملة سقطت عليه كحجر من جدار كان يظنه بدأ ينهار، فاكتشف أنه لا يزال قائماً لكن هذه المرة، ينهار عليه هو، لم يقرأ جميع التعليقات، كان قد اكتفى بما قرأه
أغلق الحاسوب دون أن ينظر للشاشة لم يجرؤ على الرد، لم يجرؤ على الدفاع، نهض من مكانه، مشى ببطء إلى المطبخ، فتح الصنبور، غسل يديه كما لو كانت التعليقات قد تلطخت بها ثم وقف ساكناً، يحدق في الماء الجاري
كان يريد أن يصرخ، أن يكتب رداً يقول فيه أنه تغير، أنه نادم، أنه ضحية نظام قاسي صنع منه جلاداً ثم تخلى عنه
لكنه صمت
لأنهم على حق
ليس لأن النوايا لا تهم، بل لأن آثار أفعاله لا تُمحى بكلمات
جلس على الأرض في المطبخ، مستنداً إلى الحائط، وأخذ نفساً عميقاً، شعر أنه يكافح وهو يشهق وكأن الهواء فارغ من الاكسجين
لم يكن يعرف إن كانت هذه البداية أم النهاية
.
6. زهرة الياسمين
"بابا، مش هتنزل الشغل النهاردة؟"
سأل تيام بينما يحدق إبراهيم في الفراغ ثم رد
"لا"
"إنت كويس؟"
اقترب تيام بقلق وهو يرى عيني إبراهيم المنتفختين
"أيوة يا حبيبي، تعبان شوية بس"
مسح على رأسه وهو يبتسم بلطف محاولاً أن يطمئنه
"روح العب جيمز براحتك"
قال ليشغله عنه لأنه اراد وقتاً وحده، وتركه تيام بالفعل وخرج ليلعب
فور خروجه تلاشت إبتسامته وبدأ يذرفع الدموع، كان يشعر بأنه لا توجد وسيلة للتكفير عما قام به، وأن عليه قتل نفسه
"بابا"
عاد تيام للغرفة فمسح إبراهيم عينيه بخشونة
"أيوة يا حبيبي!"
تفاجأ تيام، رفع حاجبيه وانفتح ثغره بصدمة
"بابا إنت بتعيط؟"
"لا، التراب دخل في عيني من الشباك وأنا بنفضه"
برر بسرعة ولم يكن تيام ليصف والده بالكاذب لذا لم يعلق
"في حاجة يا حبيبي؟"
سأل إبراهيم ثم حمحم لأن صوته خرج مهزوزواً وعندها تذكر تيام سبب قدومه لغرفته
"ممكن أعزم يوسف يلعب معايا؟"
سأل بخجل وهو يهز قدمه بتوتر
ابتسم إبراهيم محاولاً جعل تيام يشعر بشعور أفضل ثم رد بحماس
"أكيد، ينورنا"
أضاف بعدها
"بيسو هيجيبه ولا اروح أنا اجيبه؟"
"لا، بيسو هيجيبه، هكلمه"
خرج بحماس ليتحدث مع بسيوني ثم بدأ يعد الدقائق وينظر من الشرفة حتى رأى سيارة زياد، ركض للباب وفتحه ثم نزل السلالم وفتح البوابة وهو يقفز بحماس فور رؤيته ليوسف عانقه بقوة
قهقه زياد
"طب وأنا؟"
شعر تيام بالخجل ثم عانق زياد الذي قبلَ جبينه
"انجوي يا حبايبي"
غادر زياد في النهاية وشابك تيام يده بيد يوسف ثم سحبه ليصعد معه السلالم ثم يدخل المنزل
كان يوسف قد ازداد طولاً بشكل واضح، كتفاه اتسعتا، وصوته أصبح أكثر عمقاً، بينما ظل تيام كما هو، بنفس الطول تقريباً، وجهه ما زال أملساً، وصوته يحمل تلك الرنة الطفولية الخفيفة التي يحاول جاهداً أن يخفيها أحياناً في ثقلٍ مصطنع، يظنه نضجاً
"تاكل إيه؟، بعرف أعمل بانكيك"
سأل بحماس وهو يفتح الثلاجة
"اكلت قبل ما اجي"
رد يوسف بتحفظ
"اعملك شاي بلبن؟"
سأل وعيناه تلمعان برجاء، يتمنى أن يوافق يوسف لأنه يريد اعداد شيئ من أجله
استسلم يوسف أمام عينيه المترجتين في النهاية
"اوكي"
بدأ تيام يقوم بإعداد الشاي بالحليب ثم قدمه ليوسف وقدم معه قطعة كعكة سبق وقام بتحضيرها
"تسلم ايدك"
قال يوسف باسماً ثم بدأ يأكل من قطعة الكعك
"يوسف هو إنت بتعمل إيه عشان تكبر؟"
سأل واختنق يوسف بقطعة الكعك وبدأ يسعل ثم شرب من الشاي بالحليب ليبتلع القطعة ويعود للتنفس بشكل طبيعي
"سوري، بتقول إيه؟"
سأل كرر تيام سؤاله، أكثر جدية هذه المرة، وكأنما يعرض مشكلة حقيقية تحتاج إلى حل
"بتعمل إيه عشان تكبر، تبقى أطول، وصوتك صوت راجل، أنا عامل زي العيال لسه"
احتار يوسف للحظة ثم تنهد واستجمع الرد في رأسه وقال بهدوء
"تيام، كل واحد مننا بيكبر بطريقته، وكل واحد له جسم معين بخواص معينة، جسمي مش زي جسمك، ومش زي جسم العيال التانيين، في أكبر وفي اصغر، احنا مختلفين ومتنوعين، ودا مش معناه إن الأطول راجل والأقصر لا، إنت مثلاً أشطر مني في الطبخ، أنا مش شاطر خالص لا في طبخ ولا خبز، دي حاجة إنت متميز فيها"
"بس أنا نفسي ابقى أطول"
تذمر تيام
"لو مضايقك أوي في حقن بتزود الطول، بس اسأل بيسو وزيكو الأول عشان يعملولك الفحوصات"
"بجد!"
"أيوة، بس ما تقلقش، متأكد هتطول بعدين"
ربت على رأسه ثم أكمل
"وطولك مش هيأثر على حب الناس ليك"
"بجد؟، هتحبني وأنا قصير وصوتي زي العيال؟"
سأل بعينان مترقبتين
"أكيد، هحبك بأي طول وأي صوت، حتى لو بقيت تنونو"
عبس تيام ثم صفع كتف يوسف معتقداً أنه يسخر منه
"ما تتباردش"
قهقه يوسف بخفة
"مش قصدي"
توقف عن القهقهه ثم نظر لعيني تيام الذي كان عابساً، مد يده ابعد خصلات شعره عن جبينه وشعر بحاجة ملحة لتقبيله، لذا مال وطبع قبلة دافئة على جبينه، قبلة صامتة لكنها تعني كل شيئ
"يوسف"
التفت يوسف ليجد طالباً على وجهه كدمات واضحة
كان الوقت وقت الاستراحة، والباحة تعج بحركةٍ فوضوية مألوفة، لكن صوت رامي جاء مختلفاً ليس عالياً، ولا ضعيفاً، بل يحمل شيئاً من الرجاء، وكثيراً من التردد
اقترب يوسف ببطء، وعيناه تتفحصان وجه رامي الكدمات لا تزال واضحة، واحدة قرب عينه، وأخرى على زاوية فمه، آثار لم تُمح بعد من آخر واقعة ضرب
"رامي!"
نطق اسمه بقلق، متقدماً خطوة إضافية
"حد ضايقك؟"
هز رامي رأسه بالنفي
"لا، دا من المرة اللي فاتت، كنت عايز أقولك شكراً"
تذكر يوسف الحادثة فوراً، كانت قبل ثلاثة أيام قد تدخل حين رآه محاصراً من ثلاثة طلاب أكبر سناً، يتبادلون الضربات والضحك، فقط لأن رامي مختلف، كان يحب التحدث مع الفتيات أكثر من الفتيان، يعتني بشعره بدقة، يتحدث بلطف، بصوت ناعم، ويبدو هشاً أمام أعين تسعى دائماً لصيد المختلف
"على إيه؟، لو حد ضايقك قولي"
كان رامي يبدو متردداً وقبل أن ينصرف يوسف أوقفه بعد أن عقد العزم على التحدث
"ممكن أقولك حاجة؟"
رفع يوسف حاجبيه بتعجب
"أيوة!"
بدأ رامي يحاول تحريك شفتيه وعندما لاحظ يوسف توتره قال
"ما تجبرش نفسك تتكلم، في أي وقت ممكن تقولي"
"أنا بنت"
بصق الكلام من فمه ثم بدأ يلهث، وكأن جسده بأكمله كان غريقاً تحت هذا السر، والآن قد خرج
رمش يوسف عدة مرات، كان يفكر في أفضل ردة فعل قد يقوم بها، حتى تنحنح ثم قال
"تحب البرونانوس هي هيم برضه ولا شي هير؟"
ظل رامي هادئاً يلتقط أنفاسه ثم بدأ يذرف الدموع وعندها ارتبك يوسف وشعر بأنه قام بشيئ خاطئ
"أنا آسف، مش قصدي أضايقك"
في الحقيقة بكى رامي لأنه لأول مرة يسأله أحد هذا السؤال، فلم يصدقه أي أحد عندما قال أنه فتاة
بعد ثواني من البكاء مسح دموعه بخشونة
"شي هير"
ردت ثم سأل يوسف مشجعاً
"اخترتي اسم تاني؟"
"مش عارف"
ردت بحيرة
"في حاجة مميزة بتحبيها؟"
سأل محاولاً مساعدتها في اختيار اسم
بدأت تفكر لما يقارب الدقيقة، تستجمع فيها كل شيئ تحبه ثم هتفت
"وردة الياسمين"
"ياسمين!، تحبي دا يكون اسمك؟"
سأل بود وهي فكرت لبعض الوقت ثم هزت رأسها بالايجاب
"نايس تو ميت يو ميس ياسمين"
قال بطريقة مسرحية جعلتها تبتسم ضاحكة والدموع متجمعة في عينيها
"شكراً"
"على إيه؟، طالما شايفة نفسك كده يبقى أنا مين عشان أحدد بدالك؟، انتي ادرى بنفسك"
قال بثقة ثم مد يده
"تسمحيلي!"
مسح الدموع عن خديها ثم أخرج منديلاً ومده اليها
"اتفضلي"
"شكراً"
اخذت منه المنديل لتمسح مخاط انفها
"يوسف"
كان تيام يحمل علبة طعامه، اقترب وعندها قلقت ياسمين
"هشوفك بعدين"
هربت ياسمين وسأل تيام بإستغراب
"في حاجة؟"
"لا"
رد ثم سأل محاولاً تشتيت انتباهه عن ياسمين
"الغدا بتاعك إيه؟"
.
7.فاميلي باي شويز
يا يا يا واد يا تقيل
يا يا يا مشيبني
ياه د انا بالي طويل
وإنت إنت عاجبني
يا يا يا يا يا يا يا يا يا واد يا تقيل
كان كيرلس يرقص بحماسة وسط المطبخ، يلوح بذراعيه كما لو كان على خشبة مسرح، ويتمايل بجسده مع كلمات الأغنية التي تنطلق من هاتفه الموضوع على الطاولة صوته يعلو ويخفت مع الإيقاع
كانت والدته تجلس على كرسي الطاولة تراقبه بعينين ضاحكتين، تبتسم بخفة وهي تهز رأسها من فرط حيويته
بدا المشهد عاديًا، دافئًا، كأن الزمن قد عاد بهما سنوات إلى الوراء، إلى لحظات بسيطة لا تشوبها توترات كبرى
اعتدلت والدته واقفة لتتفقد الطعام على الموقد، راقبها كيرلس بصمت للحظة، وعيناه تتفحصان ملامح وجهها التجاعيد الدقيقة حول عينيها، تلك النظرة الحنونة التي لم تفقد بريقها، وإن غابت عنه أحياناً
أحب والدته حباً عميقاً، متجذراً، لكن محفوفاً بالخذلان، منذ طفولته، كان يرى فيها الأمان والحكمة والدفء، لذا عندما قرر أن يخبر والديه بميوله، فعل ذلك من منطلق الثقة، من رغبة عميقة في مشاركتهما حياته، لم يتخيل أن يُقابل ذلك بالرفض، بالقطيعة، بالصمت المؤلم الذي امتد سنوات طويلة
عادت علاقته بها بشكل هش بعد زواجه، ظن أنها غفرت، أنه ربحها من جديد، ثم خسرها مجدداً بعد طلاقه، كل ذلك جعله يقدر كل لحظة تشبه هذه، حين تقف إلى جواره وكأن شيئاً لم يحدث، حتى إن كانت تلك اللحظات مؤقتة
أكلمه بحراره يرد بالقطاره
الرجل الغامض بسلامته متخفي بنضاره
توقفت الأغنية، وظهر اسم على شاشة الهاتف يهتز في صمت
إبراهيم
تجمد للحظة، خف بريق وجهه، ومال بجسده ليلتقط الهاتف، لا يريد أن تلفت والدته نظرها إليه، ضغط على الشاشة، وأسرع بالدخول إلى غرفته
داخل الغرفة، أغلق الباب خلفه بهدوء، وقف لحظة قبل أن يرد، ثم حمحم بصوت خافت، كما لو كان يُعيد ترتيب نبرة صوته أو يبعد عنها أي ارتباك
"الو؟"
"ممكن اتكلم معاك شوية؟"
سأل واستشعر كيرلس التعب في نبرته
أحس كيرلس بشيء يتحرك في صدره، شيء غير محدد مزيج من الترقب، والقلق، والضعف الذي لم ينجُ منه تماماً، رغم كل ما حدث
كان لا يزال يميل لإبراهيم، لم يتعافى منه كلياً، لا من ناحية مشاعره، ولا وجدانياً
"أكيد"
"كيرلس هو أنا حد يستاهل فرصة تانية؟"
سأل وعندها جف حلق كيرلس، الكلمات خانته، حتى رأسه لم يطاوعه ليفكر، لم تُسعفه أي من تلك الجُمل المُنمقة التي كان يتدرب عليها في عزلته
فقط فراغ داخلي، صوت طنين خافت في الأذن، وقلب يخفق بعشوائية
فلو كان كيرلس يملك إجابة لهذا السؤال، لما قضى الأسابيع الماضية معتكفاً في منزل والدته، غارقاً في صمته، يهرب من الناس ومن نفسه، يفر من مرآته التي تُعيد عليه السؤال ذاته كل ليلة دون رحمة
حل صمت ثقيل بينهما، دام ما يقارب الدقيقة، دقيقة بدت كأنها دهر، سمع كيرلس خلالها فقط أنفاس إبراهيم الثقيلة، المتقطعة، وكأنه يحاول أن يُبقي دموعه داخل عينيه بالإكراه، صوت مألوف له، سمع مثله كثيراً، لكنه اليوم بدا هشاً على غير العادة
حمحم إبراهيم، يحاول أن ينظف حلقه، ثم غير السؤال بصوت مرتعش، يخفي وراءه محاولة فاشلة للتماسك
"طب إنت شايفني انسان كويس؟"
رف كيرلس بعينيه، كأن السؤال الآخر لم يزل يتردد في رأسه، والآن جاء هذا الثاني ليُثقل عليه أكثر، كان من المفترض أن يكون هو الغاضب، هو الذي يُحاسب، لكنه الآن أمام رجل ينهار ببطء، يتوسل تقييماً، يبحث عن مرآة يرى فيها ذاته وقد غُفِر لها
فتح كيرلس فمه ليجيب لكنه أغلقه، ليس لأن الإجابة صعبة فقط، بل لأنها كثيرة، متشعبة، ليست بـ"نعم" أو "لأ"، بل رواية كاملة لا يمكن اختصارها في لحظة
"خلاص فهمت الإجابة"
جاء صوته هذه المرة خافتاً، كأن خيبة ثقيلة سقطت عليه فجأة ثم انهى المكالمة
"هو صح إن عندك اخ ترانس؟"
سألت ياسمين بصوت منخفض بعد أن قابلت يوسف في المكتبة
كانت المكتبة شبه خالية في هذا الوقت من اليوم، لم يكن هناك سوى بضع طاولات مشغولة ببعض الطلبة المتجهمين المنكبين على المذاكرة، الهواء كان ساكناً، والصمت لا يقطعه إلا صوت تقليب الصفحات أو طقطقة خفيفة من لوحة مفاتيح حاسوب بعيد
"أيوة فعلاً، اسمه مُلهم"
رد يوسف بنفس النبرة المنخفضة
"اهلك عملوا إيه اما عرفوا؟"
صمت يوسف لثواني وهو يحدق في الكتاب بين يديه ثم نظر لياسمين
"احنا فاميلي باي شويز"
أخذت بعض الوقت لتستوعب ما قاله ثم سألت
"يعني معندكمش أب؟"
"لا، لا"
رد بسرعة ثم حمحم وخفض صوته
"عندنا أكتر من أب، وهما داعمين جداَ، بس كان لازم أعرفك أننا مش عيلة بايولوجية"
"داعمين؟، يعني ساعدوا اخوك؟"
سألت بفضول ممزوج بدهشة
"أيوة، بابا زيكو كان هو اللي بيجيبله الادوية الهرمونية، وراح معاه للفحوصات وحضر معاه عمليات التصحيح هو وبابا بيسو"
"يعني ممكن أعيش كبنت؟ وأعمل عمليات أنا كمان؟"
سألت بتردد وترقبت رده
"طبعاً، مش ضروري عيلتك البيولوجية تدعمك خالص، بابا زيكو وبابا بيسو بيدعموا أي حد محتاج حضن"
"إزاي؟، هو إنت كده مش بتدبسهم في أي حد وخلاص؟"
كانت تشعر بأنه من الخطأ اللجوء لعائلة لا تجمعها أي صلة بها، وبأنها حمل ثقيل
"خالص، هما بيحبوا يساعدوا خصوصاً الكويرز، بيدوروا على أي حد محتاج مساعدة على طول، وربونا على نفس الحاجة"
رد وهو يبتسم بود ثم أضاف
"تحبي تقابليهم؟"
"لا، شكراً"
ردت بسرعة لأنها كانت مرتبكة
"في أي وقت تحبي تقابليهم قوليلي"
قال بإبتسامة ودودة وابتسمت ياسمين بدورها
"صباحو"
هتف سليمان وهو يدخل المنزل ويحمل حقيبة مطعم
نظر له مُلهم بطرف عينيه وهو منشغل بلعبة الفيديو ثم رد
"خرجوا"
"وإنت هنا بتحرس البيت ولا إيه؟"
رد سليمان ساخراً
"واما أقوم ادوقك زبي دلوقتي؟"
حذره مُلهم بضيق ورد سليمان بلا مبالاة
"اوه نو بليز"
أضاف ساخراً
"غالباً هيبقى طعمه لولي بوب"
رمى مُلهم ذراع اللعب على سليمان الذي لم يستطع تجنبها لأنه تفاجأ من فعلته، اصابت معدته وتحسسها بألم
"يا ابن ال"
نهض مُلهم بسرعة وركض هارباً لغرفته ثم أغلق الباب، تبعه سليمان وبدأ يطرق الباب
"مش هتطلع يعني؟"
"ولا تقدر تعمل حاجة"
رد مُلهم من خلف الباب
"ومستخبي ليه طالما مقدرش أعمل حاجة؟"
"هقول لزيكو إنك اتريقت عليا"
"هتقوله إيه؟، إني قلت طعم يور ديك لولي بوب؟"
قال ساخراً وعندها سمع صوت حمحمة، التفت ووجده بسيوني
"بتعملوا إيه؟"
سأل بإستغراب وعندها خرج مُلهم من الغرفة واختبأ خلفه
"سليمان عمال يقول كلام فيه ميساجوني"
"نعم!"
استنكر سليمان جملته
"بالراحة، إيه اللي حصل؟"
سأل بسيوني وكان مُلهم خجلاً من أن يروي ما حدث
"خلاص يا بيسو، أنا غلطان، حقك عليا يا لولي بوب برينسيس"
قال سليمان وهو ينظر لمُلهم بتحدي الذي عبس بسبب اللقب
"دنتا بضان"
"أنتم هتتخانقوا قدامي؟، اجيبلكم عمكم إبراهيم؟"
تدخل بسيوني ليقطع شجارهما
"بنهزر عادي"
رد سليمان ببساطة ثم نظر لمُلهم وتابع
"صح!"
ظل مُلهم عابساً ثم رد في النهاية
"صح"
.
يا واد يا تقيل

.
8.تعاطف انتقائي
فتح إبراهيم الباب ببطء، وكان وجهه يحمل آثار قلة النوم والإنهاك، ما إن رأى رياض واقفاً أمامه حتى تنهد تنهيدة طويلة، كمن يتهيأ لعبء ليس مستعد لحمله، لم يتكلما في البداية، فقط تبادلا نظرة صامتة، ثم مال إبراهيم بجسده جانباً ليفسح له الدخول دون كلمة ترحيب
"تشرب إيه؟"
قالها إبراهيم بصوت خافت، دون أن ينتظر رداً، وهو يتجه نحو المطبخ
تجاهل رياض سؤاله وسأل بقلق
"سمعت انك بقالك فترة ما بتنزلش الشغل"
لم يتوقف إبراهيم، وكأن السؤال لم يُطرح أصلاً، فتح الثلاجة، أخرج زجاجة عصير قديمة، وسكب منها في كوب شبه متسخ، ثم عاد وقدمه لرياض دون أن ينظر في عينيه، جلس على الأريكة بانهاك واضح، وأشار له بالجلوس
أخذ رياض الكوب لكنه لم يشرب، ظل واقفاً مكانه، ثم قال بصوت هادئ فيه نبرة تعزية
"دا أحسن وقت ترجع فيه لربنا"
رفع إبراهيم حاجبيه ببطء، وكأن الجملة أُطلقت في وجهه كطلقة باردة، زفر من أنفه بضيق، ثم مال برأسه للخلف، ونظر للسقف قبل أن يتمتم بإنزعاج واضح
"مش ناقصك إنت وربك دلوقتي"
سكت لحظة، ثم أضاف بحدة منخفضة
"وجودك إنت وهو زي بعض، ملوش لازمة"
تلبك الجو، شعر رياض بحرارة خفية تمتد من كلام إبراهيم إلى صدره، لكنه لم يرد الانسحاب، قال بهدوء متماسك، وهو يجلس على طرف الأريكة
"مش هتعرف إلا اما تجرب"
حاول رياض محايلته
انفجر إبراهيم غاضباً وصرخ بوجه أحمر وعروق بارزة
"رياض، إنت شايف إن دا الوقت المناسب اللي تروج فيه لدينك؟، أنا مش طايق دين أم حد دلوقتي"
ظل صدره يعلو ويهبط بعد أن انهى جملته، وهو يشعر وكأن النيران تنتشر في جسده لا الدماء من فرط غضبه
ورغم موجة الغضب حل الصمت لثواني ثم تحدث رياض بهدوء فقد كان متمسكاً برأيه ويشعر بأنه الحل الأمثل
"ما البحث عن ربنا وقت الأزمات أحسن حل"
"دي رؤيتك الضيقة كمؤمن، أنا بدور على دين أم حلول مش حد اعيطله واقوله صلحلي حياتي"
تنهد بضيق ثم قال
"رياض لو جاي تنشر الإسلام ارجع بيتك مش عايزك"
ارتبك رياض
"مش قصدي، احنا اخوات ملناش إلا بعض"
نظر إبراهيم لرياض لثواني بينما يفكر في السنوات الفائتة بعد أن استوعب أمراً ثم سأله
"إيه رأيك في شغلي كشرطي؟"
"ماله؟"
سأل ببلاهة
"كان كويس؟"
رفع كتفيه وحاجبيه ببلاهة
"أيوة بس مكنش شغفك فا عادي يعني، ناوي ترجعله؟"
في تلك اللحظة، شعر إبراهيم أن صمته أطول من الزمن نفسه. ظل يحدق في أخيه دون أن يرمش، حدة نظراته لا تنبع من غضب، بل من اكتشافٍ مُر، كأن هذه الجملة العابرة كشفت له فراغاً في وعي رياض لم يكن يراه من قبل
رياض، الذي كان يظنه أقرب من يفهمه، يبدو اليوم وكأنه لا يدرك شيئاً بل أسوأ من ذلك، هو لا يهتم أن يدرك
"وإيه رأيك في إني عذبت صاحبك بسيوني؟"
سأل وتردد رياض وبدى أنه كان قد نسي الأمر وتذكره للتو
"يعني، كان يبقى أحسن لو معملتش كده لبيسو"
هنا انكشفت الحقيقة بكل قبحها
لم تكن المشكلة عند رياض في أن أخاه مارس التعذيب، بل فقط أنه مارس التعذيب على "شخص يعرفه"
الحق في قاموسه مرتبط بالأشخاص، لا بالمبادئ الجريمة لا تُدان بذاتها، بل بناءً على من وقعت عليه
استند إبراهيم إلى الوراء، وأسند رأسه على ظهر الأريكة، كمن أنهكته مواجهة الحقيقة
تنهد بعمق، ثم ساد صمت ثقيل، إلى أن قطعه رياض بصوته المُتردد
"مش هتقولي إيه مضايقك؟"
لم يكن إبراهيم ليتحدث عما يفكر به بعد سماعه لرد رياض عن عمله، فقد وجد الأمر عديم الجدوى
"مفيش، محتاج شوية وقت لوحدي"
"ممكن اخد العيال"
عرض رياض محاولاً تقديم المساعدة
"شكراً، هما عند بيسو"
"ممكن اخدهم من عنده"
عرض رياض وعندها قوس إبراهيم حاجبيه بإستغراب
"ليه؟، هما بيحبوا يقعدوا هناك"
"إبراهيم إنت لسه متضايق من اني قولتلك انك راميلي عيالك؟"
هنا وضحت الرؤية، وفهم سبب تمسكه بأخذ الأطفال لمنزله
"لا، خالص، بس هما عند بيسو ومبسوطين، سيبهم"
"أنا بجد مكنش قصدي"
اعتذر رياض معتقداً أن إبراهيم مازال مستائاً من جملته التي قالها وقت غضبه
"صدقني مفيش حاجة، بس بجد ملهاش لازمة إنك تاخدهم وهما مبسوطين عند بيسو، بيحبوا يقضوا وقت مع العيال هناك"
"براحتك"
رد رياض في النهاية
انصرف رياض وفتح إبراهيم حاسوبه ليكمل قراءة الردود على منشوره، فهو شعر بأنه يستحق أن يؤذي نفسه ويكمل القراءة، فهذا أقل ما قد يقدمه
"عايز تكفر عن اللي فات؟، موت نفسك، وبرضه مش هيكفي، دنتم زبالة، وجاي دلوقتي تندم؟، اللي زيك لازم يفضل موصوم للموت"
"إنت جزء من نظام وسخ داس على الناس بالبيادة، لو فاكر إن ضميرك اللي صحي فجأة بعد ما بطلت تبقى جلاد هينقذك من اللي عملته، فأنت مغيب، مفيش تكفير في حساب"
"مفيش عفو في قاموسنا، مفيش فرصة تانية للي باع روحه للسلطة وشارك في تعذيبنا، إحنا مش معالجين نفسيين علشان نسمع تفاهاتك عن الذنب بعد كل اللي عملته"
"تكفر عن ذنبك؟، الكفارة تكون بينك وبين ربك، إنما إحنا؟ إحنا مش لازم نغفرلك، إحنا لازم نفضحك، عشان اللي زيك مهما تظاهروا بالندم، دايماً بيرجعوا يبرروا لنفسهم ويطلعوا نفسهم الضحايا، الست عضتني وانا بخنقها تقولش عدوتها"
"مش دورك تسامح نفسك ولا دورك تنضف صورتك، اقعد واتوجع، اقعد واتعفن في إحساس الذنب، خليه ينهش فيك، يمكن ده أول خطوة في فهم حجم الخراب والعذاب اللي شاركت فيه"
"بنبسط اما بسمع أخبار عن انتحار ناس شاركت في قتل الناس في الحروب أو المظاهرات، أحلى أخبار بقرأها، بتمنالكم حياة مليانة كوابيس وموتة وسخة"
"هاي"
القت ياسمين التحية بخجل بعد أن اصطحبها يوسف لمنزل بسيوني وزياد
كانت ترتدي ملابس المدرسة الصبيانية ولكن هذا لم يمنع بسيوني وزياد من التحدث معها بضمائرها الصحيحة
"نورتي يا قمر"
ابتسمت بخجل ثم صافحتهما بتحفظ، دخل زين القى التحية
"هاي يا مزة"
ثم نظر لسليمان وقال
"سليمان شفت حوار أنهم رافعين هاشتاج على تاليا دا؟"
كان مجموعة رجال يقومون برفع القضايا على أي امرأة لا تروق لهم وكانت تاليا احد أهدافهم لأن محتواها عروض راقصة، ولأنها مصرية وليست أجنبية
"اللي أبوه راجل يبقى يعتب البيت أو يقرب جمبها، الحكومة عارفة حدودها فين"
قال سليمان بلا مبالاة
شعرت ياسمين بالقلق بينما سليمان يقترب من زين لاحظ وجودها ابتسم بود عند رؤيتها
"هاي يا كتكوتة؟، إنتي بقى صاحبة يوسف؟"
هزت رأسها بالإيجاب وعندها تابع
"منورانا، دا احنا زارنا النبي، نعملك شاي بلبن؟"
كان جديد عليها أن يحادثها الجميع بصيغة المؤنث، شعرت ببعض الثقة في ظنونها، عندما كان يشك والديها في حديثها ويخبرانها أنها مجرد أفكار غبية كانت تشعر بالشك وأنها ربما تتخيل الأمر، لكن الراحة التي شعرت بها بسبب تحدثهم معها بالضمائر المؤنثة جعلتها تتأكد أنها حقاً فتاة
"زيكو أنا هاخد العربية"
كان مُلهم ماراً، وانتبهت ياسمين إليه، كان جميلاً بشعره الطويل
بينما ينتعل حذائه ناداه زين عندما لاحظ أنها تبدو منبهرة به
"ما تيجي تسلم"
اقترب مُلهم ثم مد يده لمصافحتها
"هاي!"
صافحته بحذر ولم تستطع السيطرة على نظراتها المنبهرة
"إنت جميل أوي"
رمش مُلهم عدة مرات بإستغراب ثم رد بإرتباك وهو يحك مؤخرة رقبته
"شكراً"
ساد الصمت لما يقارب الدقيقة وقبل أن ينصرف مُلهم سألته
"ممكن اسألك سؤال؟"
"أكيد"
رد مُلهم فوراً
"إزاي اتأكدت إنك فعلاً عايز الجندر دا؟"
كانت تسأل بتوتر وتردد
لو سأله شخص آخر هذا السؤال كان ليعتبره مهيناً، لكن فتاة مراهقة صغيرة مثلها، كان يعلم أن سؤالها حقيقي وليس ساخراً وينم عن حيرتها
رد بهدوء وبإبتسامة ودودة واثقة
"امشي ورا احساسك، احساسك دايماً صح"
"عايزة تسألي حاجة كمان؟"
سألها وهزت رأسها بالسلب وعندها قال
"عندي مشوار، لو احتاجتيني في أي وقت قولي ليوسف، باي"
لوح مودعاً ثم غادر المنزل
.
9. الجندر مش كتالوج
قرر إبراهيم الخروج للملجأ بعد أن اكتفى من الجلوس في المنزل لأن الأفكار الانتحارية كادت تقتله
وبينما يتصفح فيسبوك وجد حساب حسام، فتحه فوراً وبدأ يتفقد منشوراته، عرف لأي مدرسة يذهب ابن اخته من خلال ملابسه المدرسية وقرر الذهاب ليحاول الحديث معه عله يصل لحل ليكفر عن ماضيه ويشعر بحال أفضل
تفقد الوقت ليتأكد أنه مناسب للذهاب إلى المدرسة، انتظر حتى موعد الإنصراف وعندها قاد للمدرسة وبدأ يراقب الطلاب حتى لمح نفس الفتى
نزل من سيارته وكانت والدة الفتى تتحدث معه، اقترب ثم القى التحية
"مساء الخير!"
استفربت الأم بينما الفتى تذكر إبراهيم فوراً وقال بمرح
"ازيك يا اونكل؟"
"تعرفه؟"
سألت والدته
"دا عمو صاحب الشلتر اللي ساعد خالو"
رد الفتى ببراءة
"واقدر اوفرلك اليف في أي وقت، يا ترى حضرتك موافقة ولا معترضة زي خاله"
سأل والدته بنبرة ودودة
ابتسمت الأم ضاحكة
"أنا بس مش حمل تربية كلاب، وعارفة ابني مش اد المسؤولية، فا حرام نجيب اليف نظلمه معانا"
"فاهمك"
حول نظره للطفل وأكمل
"خلاص لو عايز اليف لازم تهتم إنت بيه"
رد الطفل بثقة وحماس
"أيوة، اقدر اهتم بيه"
"يبقى تعالى الشلتر نعملك اختبارات"
"موافق"
رد بحماس
"بعد ما يعمل الهومورك بتاعه يبقى يجي"
قالت الأم وعندها عبس الطفل
"ليه؟"
"عشان لازم نعمل الهومورك"
وافقها إبراهيم وقال باسماً
"ماما صح، خلص الهومورك وتعالى، كده كده الشلتر مفتوح ومش هيطير"
"يلا قول لعمو باي"
قالت الأم ولوح له الطفل ثم صعد مع والدته في السيارة، وبعدها صعد إبراهيم في سيارته وتنهد بعمق بعد أن شعر ببعض الأمل يتسلل لحياته
قاد سيارته للملجأ ليقوم بعمله بشكل طبيعي محاولاً أن يعود لروتينه آملاً أن ينزاح الاكتئاب عنه بعدها
"هيما!"
هتف زين ثم اندفع نحوه كطفل يركض نحو والده في المطار.، بشعره الطويل الكثيف الذي يصل لكتفيه، متطايراً خلفه من شدة الحماس، وعيناه تلمعان بفرح صافٍ، كان زين كعادته، كأن الحياة لا تزال قادرة على منح الدفء رغم الخراب
لم يمنح إبراهيم فرصة حتى لرفع يده، بل احتواه بعناق مفاجئ، واسع، خالٍ من الشروط
تردد إبراهيم للحظة، جسده مازال متيبساً من الداخل، لكن الدفء الذي انساب من جسد زين إلى قلبه كان أقوى من الحذر، فأغمض عينيه، ودفن وجهه في كتف زين، شعره الطويل يلامس وجهه في لفتة حنونة غير مقصودة، كأنه يخفف عنه حتى بشعره
عانقه بشدة، كما لو أن العالم سينهار إن تراجع خطوة ضمه كمن يستجدي النجاة، من لا يثق في الأرض لكنها لا تسقطه الآن بفضل هذا العناق
"أخيراً فكيت الحظر؟"
قال زين ولم يفصل عناقه، كان يقصد أنه سعيد برؤيته في الملجأ بعد الغياب الطويل
"غصب عني"
رد إبراهيم وفصل زين العناق لينظر لوجهه ثم سأل بقلق
"إنت كويس؟"
حدق إبراهيم بوجه زين القلق لثواني ثم مد يده وبعثر خصلات شعره وهو يبتسم ضاحكاً
"ما تقلقش، أنا زي الفل"
"هيما أنا شفت البوست على ريديت، ومتأكد إن دا كان إنت"
ارتبك إبراهيم
"بوست!، بوست إيه؟"
"مش عيب تبقى في السن دا وتكدب؟"
استنكر زين وهو يرفع حاجبه الايسر
تنهد إبراهيم بقلة حيلة
"بحاول"
"ممكن أساعدك، وصلت لإيه؟"
سحبه ليجلس بجواره على الاريكة
"في واحد بحاول اتواصل معاه عشان اللاقي طريقة اكفر بيها عن اللي فات"
"مين دا؟"
سأل وعندها فتح إبراهيم صفحة حسام على فيسبوك
حدق زين في الحساب ثم قال بدهشة
"حُس!"
رفع إبراهيم حاجبيه بدهشة
"تعرفه؟"
"أيوة طبعاً، دا صاحب بيسو، كنت بشوفه على طول، دا أصلاً كان لسه عندنا الأسبوع اللي فات، ماله بقى؟"
"دا اللي صارحني بالحقيقة، بإني مليان ندوب مش عارف اعالجها، عايز أسأله أعمل إيه عشان اكفر عن اللي فات"
"مستني حُس يقولك تعمل إيه؟، دا عايز اللي يقوله يعمل إيه"
قال زين ساخراً
"أنا تايه ومش عارف أعمل إيه، وبيسو أكيد مش هيقولي أعمل إيه، بس حد زي حسام والطريقة اللي كلمني بيها أكيد عنده حل"
"ومالو، عايزني اجيبهولك يعني ولا إيه؟"
"بس خليه يروح مع ابن اخته اما يكون جاي الشلتر"
"اوكاي، عنيا"
قبلَ خد إبراهيم ثم سأل بدلال
"حاجة تانية؟"
"لا، شكراً"
رد باسماً وقفز زين ليعتدل واقفاً ثم لوح مودعاً
"اشوفك بعدين"
لوح إبراهيم له وعلى شفتيه ابتسامة ودودة، كان يحب وجود زين، فقد كان يتعامل معه بود لا يجرؤ أطفاله حتى على التعامل معه بنفس الطريقة، كان زين يفرض نفسه، وجوده كان مصدر للحيوية دوماً
"طب ما يمكن ما اكونش ست مناسبة"
كانت ياسمين تتحدث مع مُلهم
"يعني إيه ست مناسبة؟"
"جسم، صوت، كده"
شرحت مقصدها
"بس الستات ملهاش كتالوج، الستات أجسادهم متنوعة ومختلفة عادي، أفتكري إنك ككوير جزء من نظام هدفه الغاء فكرة الجندر، فا لازم تفكري برا القوالب"
"يعني إيه الغاء الجندر؟"
سألت بإستغراب وعندها رد مُلهم على سؤالها بسؤال آخر
"إيه سبب الفجوة بين الرجال والنساء؟"
بدأت ياسمين تفكر ثم اجابت بنبرة إستفهامية
"النظام الذكوري؟"
هز رأسه بالسلب
"السبب هو فكرة الفصل بين الجندرين عموماً، فا هدفنا أننا نلغي القوالب الجندرية، ما يبقاش في راجل أو ست، احنا بشر متساويين"
كانت ياسمين منبهرة مما تسمعه لأول مرة
"هو دا ممكن؟"
"ليه لا؟، شوية اجتهاد وهنعملها، زمان كان المساواة بين الاعراق وانهاء العبودية شيئ خيالي بس دلوقتي كلنا متساويين، اينعم بالاسم بس والحقيقة إن المواطن الأبيض أهم مننا بس ع الأقل تاعبين نفسهم وبيمثلوا قدامنا اننا زي بعض، وبقى في ناس بتستنكر افعالهم وتشاور عليهم وتقولهم كسمكم"
استطرد
"المهم طالما إنتي شايفة نفسك ست يبقى إنتي ست، ما تسيبيش القوالب الجندرية تحددلك حياتك"
أشار بسبابته عليها
"إنتي اللي بتحددي"
حل الصمت لثواني ثم سألت
"الحياة بعد عمليات التصحيح حلوة؟"
"بعمليات تصحيح أو بدونها دي حاجة إنتي اللي تحدديها، في ناس ارتاحت من غيرها، وفي ناس ما حستش بالفخر بنفسها إلا بعدها، إنتي اللي تحددي عايزة تعملي ولا لا، ودا مش هيأثر على رؤيتنا ليكي، إنتي بنت في كل الأحوال، سواء عملتي أو معملتيش"
كان شيئ تحتاج أن تسمعه ياسمين فقد كانت خائفة أنها مهما بذلت من مجهود فلن تكون كباقي النساء وستظل امرأة مختلفة عنهم، لذا احتاجت سماع شخص يخبرها أن القوالب هراء وأن النساء متنوعين
.
10. زوبعة في فنجان
يحب آرمن الرقص التراثي، ذلك النوع من الحركات التي تحمل في طياتها ذاكرة الأجداد، كأن خطواته تحيي أرضاً طال نسيانها، وكأن التواءات جسده تهمس بلغات سابقة للعقل والمنطق.
كان يرقص بكل كيانه، بذراعيه المرتفعتين كأغصان، وبقدميه الملتصقتين بالأرض كأنها نبع يتغذى منه
أما رئيف، فكان يعزف على التشيلو، آلة تشبهه كبيرة، صامتة، تتكلم فقط حين تجرحها، كان يعزف مغمض العينين، كأن الرؤية الزائدة تعيقه عن الغوص في النغمة صوته يخرج من التشيلو كأنين شخصٍ يكتب وصيته الأخيرة، كأن كل وتر يحكي خيبة، أو يترجى فرصة ثانية
لم تتح لرئيف الفرصة أن يرى رقص آرمن، ليس لأنه لم يرغب، بل لأنه كان دوماً في عالمه المغلق، في صمته الطوعي الذي لا يرى إلا عبر النغمات، آرمن كان يرقص في الخلفية، وكان رئيف يعزف في الأمام
لا أعين، فقط سمع، لا لقاء بين الفنين، فقط توازٍ لا يلتقي
إلى أن جاء ذلك اليوم.
حادث سخيف.
زلة بسيطة.
ذراع مكسورة.
لم يكن الكسر في العظم فقط، تشقق إلى شيء أعمق.
رئيف، الذي اعتاد أن يتحدث عبر التشيلو، صار صامتاً فعلاً، لم يعد يعزف، ولم يعد يبتسم، جلس أياماً يحدق في الجدار كأن فيه حفرة تؤدي إلى داخله.
أصدقاؤه، بحثوا عن أي طوق نجاة، دعوة لحفلة، عرض راقص لفرقة محلية، أرادوا فقط أن يخرجوه من ذلك الظل الذي حبس روحه به
جلس رئيف في الصف الثالث، الإضاءة خافتة، يد معلقة داخل الجبس، قلب متورم، صامت
ثم صعد آرمن إلى الخشبة.
ولأول مرة، رأى رئيف ما فاته، لم تكن مجرد رقصات. كان طقساً خاصاً، كان التمرد على الانكسار، آرمن لم يكن يرقص، بل كان يصرخ بجسده، يتوسل، يتمزق، كل خطوة كانت كأنها تدق على باب رئيف المغلق منذ زمن، الباب الذي لم يجرؤ أحد على طرقه.
أحسّ رئيف أن قلبه يضيق.
كأن جسده صار هو التشيلو، وأن آرمن يعزف عليه بقدميه، بخطواته، كل التفافة من آرمن كانت وكأنها تقطع وتراً في روحه
اختنق.
انهمرت دموعه.
عند آخر الرقصة، حين سقط آرمن على ركبتيه، انقطع شيء ما في داخل رئيف.
لقد مات، نعم، ولكن ليس موتاً بيولوجياً
لقد مات فداءً للحظة، للحب الذي لم يُعلن، للرقصة التي لم يشهدها من قبل، وللنغمة التي لن يعزفها مجدداً
مات لأنه لم يتحمل أن يرى كل هذا الجمال
بعد فوات الأوان.
توقف مُلهم عن الكتابة وحدق في الصفحة التي كتبها ثم قام بنشرها، اعتدل جالساً على سريره، سحب طبق المقرمشات إلى حضنه وبدأ يأكل ببطء، بلا شهية حقيقية، فقط حاجة ميكانيكية للقرمشة، للصوت الذي يغطي ضجيجاً داخلياً لا يتوقف، أمسك كوب العصير، وارتشف منه قليلاً، ليمر الطعم البارد على حلقه اليابس
كانت مدونته مشهورة بين مجتمع المثليين، تحظى بقراء مخلصين، وغرباء متطفلين، اعتاد أن يتلقى تعليقات لاذعة من حسابات مجهولة، بعضها وقح، وبعضها فضولي أكثر من اللازم، لكنه تعمد تجاهلها، هو يكتب لأنه يحب الكتابة، لا ليرضي جمهوراً لا يعرفه، ولا ليبرر وجوده لأحد
وصله اتصال من أمجد بالصوت والصورة وعندها رد فوراً وابتسم
"هاي!"
ظهر وجه أمجد على الشاشة، وبدا عليه القلق
"هو زيكو مش بيرد على تليفونه ليه؟"
"خرج مع بيسو وسابوا موبايلاتهم، ديتوكس"
رد وفتح برنامج الرسم على جهازه اللوحي وامسك القلم الالكتروني ليكمل رسم لوحة بها شاب يعزف على التشيلو
"كله تمام؟"
سأل مُلهم وعندها تنهد أمجد بضيق
"سمعت إن بابا اتخانق مع اونكل"
"عادي، دول أخوات، كأنك اتخانقت إنت وزين، مفيهاش حاجة"
رد مُلهم ببساطة ليطمئنه
"يعني الموضوع مش كبير؟"
"دي حاجة ما تخصكش، إتنين أخوات، سيبهم ياخدوا وقتهم"
قال ثم أخرج من تحت وسادته سيجارة الكترونية وبدأ يدخن
"بتدخن!"
استغرب أمجد
"أوقات"
رد بتوتر ثم عض سفليته ونفث دخان السيجارة
"إنت متوتر؟"
تنهد مُلهم بضيق
"شوية"
"عايز تتكلم؟"
قالها أمجد بصوتٍ يحمل من الحنان أكثر مما يحمل من الفضول
"معرفش، حاسس إني ضايع، بحب أكتب بس هو اللي بعمله دا الصح؟، لو كان اللي بيقرألي مش كويرز إيه فايدة كتاباتي؟، بحاول أبعد اللي بيفيتشوا بس هما برضه موجودين، مش عارف صح اكتب ولا لا"
كان يتحدث بإرتباك واضح
"يعني إنت بدل ما تثبت وجودك شايف إن الهرب حل؟"
استنكر أمجد
"منا عشان كده محتار، لو قفلت المدونة وسبت الساحة للي ميعرفوش أي حاجة عننا هما اللي ببكتبوا عننا هيبقى الموضوع اسوأ، بس هل وجودي يفرق أصلاً؟، هل بيأثر؟"
"طبعاً وجود كوير مهم، عن نفسي عمري ما هقرأ لولاد العرص دول وهدور على كوير شبهي، خليك موجود عشان الكويرز يلاقوك اما يدوروا على حد شبههم"
ابتسم مُلهم، ابتسامة امتنان صامتة، فقد شعر بأن أمجد بذل جهده ليحسن مزاجه
"شكراً"
"برينسيس"
كان سليمان الذي فتح الباب الغرفة فجأة
"هو إنت يا عرص مش في حاجة اسمها برايفسي؟، ما بتخبطش ليه؟"
صرخ مُلهم به
"دا سليمان؟"
سأل أمجد ضاحكاً متجاهلاً صراخ مُلهم
"دا أمجد؟"
سأل سليمان ثم أقترب ومال ليظهر في الصورة ثم لوح له
"ازيك؟"
"أحسن منك"
رد أمجد مازحاً
"حقك يا عم ما إنت مش في مصر"
قال سليمان ضاحكاً
"ممكن تخرج بقى؟"
تذمر مُلهم
"مالك مش طايقلي كلمة كده ليه؟"
سأل سليمان ساخراً ثم مال وقبض على فك مُلهم ثم قبلَ خده
"فك كده"
مسح مُلهم خده بسرعة ودفعه
"كتك القرف"
"نعم!، دنا بوستي عسل"
تذمر سليمان ثم اقترب مرة أخرى وقبلَ شفتيه هذه المرة
اصدر مُلهم اصوات قيئ ومسح شفتيه عدة مرات بينما قال سليمان بغرور
"هو إنت تطول؟"
"هاي!"
القى إبراهيم التحية على الطفل الذي دخل الملجأ وحده ثم سأله
"اومال فين خالو؟"
"برا"
رد وعندها خرج من الملجأ بخطوات ثابتة، وعيناه تمسحان الموقف الصغير أمام المبنى. لمح سيارة رمادية قديمة مركونة في المكان المخصص للزوار، فاقترب منها ببطء.
وقف أمام الزجاج الجانبي، انحنى وطرق عليه برفق
في الداخل، انتفض حسام في مقعده كأن أحدهم باغته بسرقة أفكاره، ثم خفض الزجاج وهو يحاول أن يبدو هادئًا لكن أصابعه كانت تعبث بعجلة القيادة كأنها تبحث عن مخرج
ضغط زر انزال زجاج النافذة
"خير!"
قالها بنبرة دفاعية، كمن استُدعي فجأة للتحقيق ولم يكن مستعداً
"ممكن نتكلم شوية؟"
سأل إبراهيم بهدوء
هز حسام رأسه على الفور، ويده أمسكت بعجلة القيادة كما لو أنها طوق نجاة
"مش شايف إن في داعي"
"أنا شايف"
رد إبراهيم، صوته هادئ، فيه نبرة إصرار
"أنا عايز اسألك سؤال بس، مش قصدي اضغط عليك"
"مش مشكلتي"
رد ببساطة رغم خوفه فقد تماسك أثناء حديثه
"ارجوك، عايز أقولك حاجة بعدين مش هتشوف وشي تاني"
ترجاه إبراهيم وتفاجأ حسام من اصراره وقرر الموافقة ليتخلص منه
"ماشي"
"أنا آسف جداً على أي تصرف صدر مني اما كنت شرطي، وأنا عارف إنك ممكن ما تصدقنيش بس أنا اتغيرت، أنا اتعلمت من اللي فات وبجد عايز اكفر عن اللي فات"
كان يترجاه ويتحدث بصدق
رغم ترجي إبراهيم، لم يتزحزح شيء في ملامح حسام لم تلن عيناه، لم يرتخ فكه، بل على العكس، بدا كأن الكلمات حفرت تحته طبقة جديدة من الغضب، أعمق وأبرد، زم شفتيه للحظة، ثم أدار وجهه قليلًا للنافذة، كأنه يخفي اشتعالًا ما في عينيه، قبل أن يعود بنظره لإبراهيم ويقول
"عايز تكفر عن ذنبك؟"
قالها بنبرة مشبعة بالمرارة، كأنها تخرج من جرح لم يلتئم
"أخرج في مظاهرة، أهتف ضد النظام، اثبت إنك فعلاً عايز التغيير ونادم، ما تستخدمش امتيازاتك واتعامل زيك زي أي مواطن عادي خرج للتظاهر واما تحس بينا ساعتها بس ممكن تطلب المغفرة"
كان صوته يرتفع تدريجياً يقطع الهواء كالسكاكين، عيناه تحدقان في إبراهيم بلا رحمة
"انت جيتلي هنا، مش لأنك بتدور على غفران، إنت جاي تطمن ضميرك، تثبت لنفسك إنك كويس، إنك اتغيرت، بس التغيير مش بيبدأ بكلام، بيبدأ لما تحط نفسك مكان اللي عذبتهم، مش بإنك تعيش دور الضحية"
هنا، بلع حسام ريقه، كأن الكلمات الأخيرة أحرقته من الداخل، ثم أضاف وهو ينظر أمامه بدلًا من النظر لإبراهيم
صمت إبراهيم، كانت هناك جملة جاهزة في حلقه، لكنه ابتلعها، لم يعد يصلح الكلام هنا، لا في وجه هذا الكم من الألم، كل ما استطاع فعله هو أن يخفض نظره للحظة، ثم يرفعه من جديد، بلا دفاع، بلا تبرير، فقط احترام لصمت حسام وغضبه
ورغم أن حسام لم يطلب منه الإنصراف فقد شعر بأن وقته قد إنتهى، وانصرف عائداً للملجأ
.
11. تمرد
كان مُلهم يلعب ألعاب الفيديو بوجه متجهم، كأن الغضب يعصر ملامحه في صمت، لم يكن يضغط الأزرار باندفاع حماسي، بل بعصبية كأن اللعبة وسيلة للهرب أو للانفجار
فجأة، سمع صوت سليمان خلفه
"يو اوكاي؟"
لم يكن صوته ساخراً ولا متطفلًا، فقط قلق حقيقي
رد مُلهم دون أن يلتفت، بنبرة خالية من الحياة
"ياه، ام فاين"
لكنه ظل عابساً، وعيناه تائهتان في الشاشة
جلس سليمان بجواره، وقبل أن ينطق بكلمة، خطف منه ذراع التحكم وعندها صرخ مُلهم
"إنت مالك؟"
"كلمني زي ما بكلمك، مالك في إيه؟"
سأل وعندها زفر مُلهم بضيق
فكر لثواني ثم استسلم وباح بما يفكر به
"بفكر اقفل المدونة وافتح واحدة انجليزي"
قوس سليمان حاجبيه بتعجب
"الانجليزي لغة بضان، والروايات فيها مصطلحتها سخيفة، العربي لغة غنية وبتوصل المشاعر أحسن"
"دا على اساس أن عمرك قرأتلي حاجة؟"
استنكر مُلهم"
"أيوة، قرأتلك هُم، وياء على الهامش"
تفاجأ مُلهم أن سليمان قد قرأ له بالفعل، نظر إليه ولاحظ للتو أنهما قريبان من بعضهما
"إنت قرأتلي بجد؟"
اتسعت عينا مُلهم بدهشة، ونظر إليه للمرة الأولى كأنه يراه فعلاً، خرج سؤاله هامساً
"أيوة، إيه الغريب في كده؟"
لم يفهم سبب استغرابه
"أنا صحيح بكتب بس عمري ما حسيت إن كتاباتي حقيقية، أو إن ناس حقيقية بتقرأها"
أجاب بصدق واستغرب سليمان
"دا إنت عندك قاعدة جماهيرية كبيرة، إزاي بتقول كده؟"
"الناس على النت مجرد ناس على النت، مش بحسهم حقيقيين"
قهقه سليمان بخفة
"مش حقيقيين!، اشباح يعني؟"
"معنديش ثقة في إن كتاباتي كويسة"
قال بتردد واضح وهو يتجنب النظر لسليمان
"كويسة جداً، أكتر شخصية حبيتها كان شهيد"
تفاجأ مُلهم وقال بدهشة بعد أن ابتسم بسبب تفاعل سليمان معه
"أول مرة حد يقولي أنه حب شهيد، هو شخصيتي المفضلة برضه، معرفش الكل حب ريوان المتخلف دا ليه"
"عشان متخلفين زيه"
رد ضاحكاً وعندها ضحك مُلهم بدوره
"يعني لو كتبت انجليزي هترتاح أكتر؟"
استطرد سليمان
ارتبك مُلهم
"مش عارف، أنا بس نفسي الناس المجانين تبعد عني"
"فا هتكتب انجليزي؟، المجانين اللي بيقرأوا انجليزي أكتر بكتير خصوصاً انها أكتر لغة دارجة، مجانين من كل الجنسيات، تخيل بقى اللي هيقولولك انت مش بتكتب سكس سينز عشان عندك ضعف جنسي، إنت خليت الشخصية دي تعطس عشان عندك فاميلي ايشوز"
تابع
"بعدين بجد الكتابة الانجليزي بضان، وطبعاً هتبعد عن ستايلنا العربي وتكتب بستايل اوروبي!، ساعتها فين هويتك في رواياتك؟، المميز فيك هو هويتك ولمستك في الروايات، من غيرها الروايات ملهاش قيمة حقيقية"
"إنت بتحس بهويتي في رواياتي؟"
سأل بدهشة
"طبعاً، كتاباتك مميزة وليها هوية خاصة"
رد بثقة
مال أكثر على مُلهم ثم مد يده وبعثر خصلات شعره
"حافظ على هويتك لأنها مميزة بجد"
شعر مُلهم بروحه تهتز مع لمسة سليمان العفوية
"شكراً بجد"
شكره بخجل، كانت أول مرة يخجل مع وجود سليمان فهُما دائماً كانا يتشاحنان كمراهقان
"ويلكم، عارف إني لو شديت حيلي وكتبت هقفل ملفك بس سايبك تاكل عيش بس"
كعادته يحب المشاحنات الطفولية
"بتعرف تكتب مراسيل؟"
سأل مُلهم
"طبعاً، كنت بكتب مراسيل لاصحابي دايماً"
رد بغرور
"أنا مش أشطر حد فيها، ممكن تكتب مرسال من انهار لتمارا؟"
كان يتحدث عن شخصيتان في روايته
"بجد!، عايزني أكتب بدل شخصياتك؟"
تفاجأ سليمان وأعتبره حدثاً مهماً
"منا مش شاطر في المراسيل، نشوفك شاطر بجد ولا بتألف"
قال وعندها رد سليمان بثقة
"شاطر، وشاطر أوي كمان"
استقام مُلهم واقفاً
"هجيبلك التاب تكتب عليه"
ذهب لغرفته واحضر الجهاز اللوحي ثم عاد مهرولاً بحماس وعندها تعثر في طرف السجادة وسقط على الاريكة
"احا، يو اوكاي!"
سأل سليمان وهو يحاول كبح ضحكه بينما يضع مُلهم يديه على انفه متألماً وعينيه تدمعان
"ما تضحكش يا عرص"
صرخ مُلهم ثم صفع كتف سليمان الذي انفجر بالضحك
"خلاص، خلاص، الف سلامة"
قال سليمان وهو يكبح ضحكه ثم مال وقبلَ انف مُلهم
دفعه مُلهم ليبتعد
"دنتا بارد"
"الحق عليا اني بحاول أحسن مزاجك، ما بيطمرش فيك حاجة"
تذمر سليمان ثم أخذ الجهاز اللوحي الذي كان في حضن مُلهم وفتح برنامج الكتابة ليبدأ كتابة الخطاب
فتح إبراهيم الباب ووجد رياض أمامه، تنهد بضيق
"أتمنى ما تكونش دعوة للهداية"
"لا"
رد بسرعة وعندها افسح له إبراهيم ليدخل
"اتفضل"
دخل رياض وجلس إبراهيم على الأريكة، كان المنزل في حالة فوضى، الأرضية في حاجة للتنظيف، هناك أكواب وأطباق متسخة على الطاولة
"ممكن اكلملك أم شريف تيجي تظبطلك البيت"
عرض رياض
تنهد إبراهيم بضيق
"ماشي..ماشي"
تردد رياض قبل أن يتحدث
"أنا فكرت في كلامك، وعايز أكلم أمجد"
شعر إبراهيم أنه سمع بشكل خاطئ، نظر له وسأله
"إيه؟"
"عايز أكلم ابني، في مشكلة؟"
سأل وشعر إبراهيم بأن هناك أمل
"أكيد، بس مش هتقوله كلام فيه هوموفوبيا صح؟"
"يعني إيه؟"
سأل ببلاهة
"يعني مش هتبضن عليه، عايز تطمن عليه صح؟"
"أيوة، مش هبضن عليه"
رد واستشعر إبراهيم الصدق في حديثه لذا قرر الوثوق به
"اوكاي، هكلمه"
أخرج هاتفه واتصل بأمجد
"في حد عايز يكلمك"
"حد!، حد مين؟"
سأل أمجد بإستغراب
"والدك"
رد إبراهيم واستغرب أمجد
"بجد!"
"أيوة، اديله فرصة، ماشي؟"
ترجاه واستسلم أمجد في النهاية
ناول إبراهيم الهاتف لرياض ثم بدأ يجمع الاطباق والأكواب المتسخة ويدخلها المطبخ، شعر ببعض الحيوية لذا بدأ ينظف
غسل الأطباق ثم لاحظ انعكاس وجهه على الصينية المعدنية، كان ذقنه وشواربه قد نمت ونسي حلقها بسبب اكتئابه، وضع الصينية في مكانها ثم دخل الحمام ووقف أمام المرآة لبعض الوقت قبل أن يشغل ماكينة الحلاقة، وكأن صوتها يقطع صمته الداخلي كما يقطع الشعر المتشابك
كل شعرة تسقط كانت جزءاً من مرحلة يريد دفنها
وبعد الحلاقة شعر بحكة طفيفة، فقرر أن يكمل طقسه ويستحم
دخل تحت الماء الدافئ، أغمض عينيه، وترك الماء ينساب على وجهه، كأنه يعمده للحياة من جديد
حين خرج من الحمام، كانت الرطوبة قد خفت في الهواء، وملابسه النظيفة تنعشه وتمنحه شعورٍ يشبه الأمل
كان رياض قد انهى المكالمة
"سو.. عملت إيه؟"
سأل إبراهيم وهو يجفف شعره بالمنشفة بينما يجلس على الأريكة
"تمام، كله تمام"
رد باسماً وشعر إبراهيم بأن كل شيئ على ما يرام وأن رياض أصلح علاقته بأمجد
تقدم رياض نحو إبراهيم، وعانقه بحركة مفاجئة لكن مليئة بالامتنان
كان عناقاً صامتاً لكنه قال كل شيء
فيه شكر لرؤية الابن قد عاد إلى حياته، ولأن إبراهيم بدأ يلتئم، يعيد بناء الروابط المكسورة
كان عناقاً يحمل في طياته كل التقدير، والتهنئة الصامتة على الشجاعة التي أظهرها إبراهيم
وبعد دقائق، غادر رياض، تاركاً خلفه إبراهيم يشعر بالسعادة وبأنه شارك في عودة علاقة أمجد ورياض
تابع إبراهيم تنظيف المنزل بنشاط، كأن ترتيب الأشياء في مكانها هو وسيلته لترتيب الفوضى بداخله
كنس الأرض، مسح الأسطح، وضع مفارش جديدة، ثم جلس أمام الحاسوب وفتح حساب بسيوني على فيسبوك
رجل ثوري، لا يهدأ، دائم الاعتراض على الظلم، عليه متابعته ليعرف أي قضية سيتبناها لينفذ ما طلبه منه حسام ليكفر عما فعله
بعد ساعات من الغرق في منشورات بسيوني، شعر إبراهيم بشيء يتحرك داخله، ليس فقط فكراً بل وجداناً
كلماته لم تكن حماسية فحسب، بل كانت حقيقية، مشبعة بغضب نبيل، وغصة لا تزول
كل منشور كان كصفعة توقظه من سباته، كأن بسيوني يكتب له شخصياً، يواجهه، لا يسمح له بالاختباء خلف عذره القديم(أنا كنت مجرد أداة)
لا، لم يعد هذا كافياً
في البداية، كان يظن أنه يريد الاعتراض فقط ليتطهر من ماضيه، ليكفر عن الذنب الذي يلاحقه كظل
لكن شيئاً ما تغير
بدأ يقتنع أن المسألة أكبر من ماضيه الشخصي
إنها عن كل من عُذب، وأُهين، واختفى
عن الشباب الذين ماتوا في اقسام الشرطة، عن الامهات اللاتي يبتن على أبواب السجون، عن الحكايات اللي كان جزءاً منها أو سكت عنها
كان عليه أن يعترض، لا ليغسل يده مما مضى، بل لأنه بات يؤمن، ولأول مرة، أن الاعتراض حق بل واجب
قرأ عن وقفة احتجاجية، حدق في تفاصيلها، ثم نظر إلى نفسه في شاشة الحاسوب المنطفئة
كان يعرف تماماً ما قد يصيبه، الاعتقال، الضرب، التشهير، وربما أكثر
لكن الغريب أنه لم يشعر بالخوف
بل العكس تماماً زادت رغبته في الذهاب
كأن قلبه كان ينتظر هذه الفرصة ليقف، ليُرى، ليُحاسب
ربما إن تلقى شيئاً مما تلقاه من تسبب في أذاهم، سيهدأ
ربما حين يضربه أحدهم بعصى مواجهة الشغب، أو يُجبر على الوقوف لساعات، أو تُنتهك خصوصيته، يشعر للمرة الأولى أنه اقترب، ولو قليلاً، من الفهم
لعل العواقب تكون بوابته للمغفرة.
.
12. قبلات مسروقة
"خلصت"
قالها سليمان وهو يضع القلم جانباً، بعد أن انتهى من كتابة الخطاب، وصوته بالكاد يسمع، التفت نحو مُلهم فوجده ممدداً على الأريكة، نصف عينيه مغمضتان، يتنفس ببطء كمن يخوض معركة بين النوم والتيقظ، اكتفى مُلهم بهمهمة خافتة، لم تكن موافقة ولا اعتراضاً، فقط محاولة يائسة لإسكات العالم والنوم بسلام
"طب ما تنام على السرير؟"
سأل سليمان، لكن الرد جاء بهمهمة أخرى، هذه المرة أشبه بتنهيدة، بدا واضحًا أن مُلهم لا يريد سوى السكون، لا نقاش ولا حركة
تنهّد سليمان، ثم نهض من مقعده ببطء، اقترب من مُلهم وانحنى عليه، لم يوقظه، بل حمله بحذر وكأن بين ذراعيه شيئاً نادرًا، هشاً يخاف من أن ينكسر
كان جسد مُلهم أخف مما توقع، أو ربما ثقله تلاشى أمام رغبة سليمان في حمايته، رغبة لا يعرف من أين جاءت، سار به نحو السرير بهدوء، وخلال ثوانٍ كان قد أسنده على الفراش بلطف بالغ
تقلب مُلهم قليلًا وهو يُطلق تأفافة ناعسة، بدا منزعجاً من شيء ما، تساقطت خصلات شعره الطويل على وجهه، فأخفت جزءاً من ملامحه، مد سليمان يده بحذر وأبعد الشعر عن وجهه، لمسة سريعة لكنها متروية
ثبت بصره عليه للحظة، كانت ملامح مُلهم مسترخية، كطفل مر بيوم طويل، هناك جمال هادئ في وجهه، ليس جمالاً صارخاً، بل شيء عميق، مثل ملامح لا تُفهم إلا حين تُطيل النظر فيها
انحنى سليمان نحو جبينه وقبله، قبلة خفيفة بالكاد لامست الجلد، لكنها حملت في داخلها آلاف الكلمات التي لم يعرف كيف ينطقها
رفع رأسه، نظر إليه مرة أخيرة، ثم تنفس ببطء كمن يُكافح رغبة جارفة في التكرار، في البقاء، في الغرق أكثر. لكنه قاوم، خرج من الغرفة وهو يغلق قبضته بقوة، محاولة أخيرة للسيطرة على زلزالٍ داخلي يوشك أن ينفجر
لطالما رأى سليمان مُلهم وسيماً، لكن الوسامة لم تكن هي ما جعل قلبه يخفق هذه الليلة، منذ حادثة اصابة عينه، حين اضطرا لقضاء وقت أطول معاً، بدأ يرى ما لم يره من قبل، الصمت الذي يسبق كلمات مُلهم، الحزن الخفي في ضحكاته، وتلك النظرات التي تقول كل شيء ثم تتراجع كأنها ندمت، كان قلبه يرفرف في كل مرة يضحك فيها مُلهم بصدق من قلبه
لم يعد يستطيع أن يسمي ما يشعر به صداقة
ولم يجرؤ على تسميته حباً أيضاً
لكنه كان شيئاً جديداً، مؤلماً وجميلاً في آنٍ واحد
"يوسف"
هتف تيام بصوت مرتفع وهو يجلس بين مقاعد الجمهور، كان يقوم بتشجيع يوسف الذي يلعب مباراة كرة القدم
كان صوت تيام يجعل نبضات قلب يوسف تتسارع أكثر، أكثر حتى مما يجعله الركض، رغم كل شيئ فحتى الآن لم يحرز يوسف أي تقدم بشأن علاقته هو تيام
كليهما يتعاملان بشكل مبهم، ما بين الصداقة والحب، ولا يعترفان صراحةٍ ما نوع علاقتهما
انتهت المباراة، وتلاشت أصوات الهتاف، وبدأ الجمهور يغادر. تيام كان أول من وصل إلى يوسف، تبادلا عناقًا طويلًا لم يكن مجرد تهنئة على الأداء، بل كان نوع من الاحتياج الهادئ، والسكينة المتبادلة
ظلا وحدهما بعد أن خلى الملعب، فبدأ يوسف يركل الكرة باتجاه تيام، يحاول تعليمه بعض المهارات البسيطة، لكن تيام بعد دقائق رفع يديه مستسلماً وقال وهو يلهث
"أنا ما بعرفش ألعب كورة"
كانت نبرته نصف يائسة ونصف ضاحكة، مزيج يليق به تماماُ
ضحك يوسف، واقترب منه ومد له الكرة من جديد "ممكن تتعلم"
هز تيام رأسه بابتسامة واسعة
"لا، مليش فيها خالص، إنت اللي شاطر فيها"
ضحك يوسف، ليس من الكلام، بل من أثر الابتسامة على وجه تيام، تلك الابتسامة التي كانت تفتك بكل جدية في الكون، وتجعله يشعر أنه طفل يلعب في عالم لا يحتاج فيه إلى أن يبرر شيئاً
جلسا بعدها على مقعدين في الصف الأول من المدرجات، الشمس كانت تغرب ببطء، والملعب يكتسي بلون ذهبي ناعم
مد يوسف يده إلى حقيبته الرياضية، أخرج لوح بروتين وبدأ يأكل منه بلا اهتمام، ثم أسند رأسه على كتف تيام كأن الكتف خلق لذلك فقط، لم يتزحزح تيام أو يعترض، فقط ظل صامتاً يتأمل الملعب أمامه
"عايز تبقى مشهور؟"
سأل تيام فجأة، صوته هادئ كأن السؤال خرج وحده دون تفكير
"نات ريلي"
رد يوسف وهو يمضغ
"بحب أتسلى بس، مش عايز الكورة تبقى شغلانتي، ساعتها مش هتكون مسلية"
سكت لحظة، ثم أضاف
"هتختار علمي ولا أدبي؟"
"مش لسه بدري؟"
سأل تيام بإستغراب
رفع رأسه عن كتفه لينظر إليه
"يعني لسه ما قررتش؟"
"إنت قررت؟"
"علمي طبعاً، عايز ادخل فنون جميلة، مع اني حاسس هيكرهوني في الرسم بس ادينا هنجرب"
كان يتحدث بثقة وهو ينظر لغروب الشمس ثم نظر لوجه تيام
"تفتكر هبقى فنان شاطر؟"
"إنت شاطر في أي حاجة"
رد بتلقائية جعلت يوسف يقهقه
"بكاش!"
كان تيام يفكر في شيئ بتردد ثم قرر الإفصاح عنه
"تيجي حفلة مسار اجباري معايا؟"
"بس دي بتبقى للي فوق الواحد وعشرين سنة بس"
استغرب يوسف طلبه
"لو عندك واسطة ممكن تدخل"
رفع يوسف حاجبيه بدهشة
"وإنت عندك واسطة؟"
"أيوة"
رد بثقة
قهقه يوسف بمرح
"اوكاي، يلا بينا"
عاد تيام للمنزل مع يوسف، جهزا ملابسهما ثم ودعهما زياد بقُبلة وأوصلتهما تاليا
"انجوي"
هتفت ولوحت مودعة بعد أن نزلا من السيارة
كانا يرتديان بنطال أسود وكنزة رمادية، كانت الواسطة التي سبق وتحدث عنها يوسف عن طريق صديق لزين، الذي ادخلهما بكل سرور
كان هناك مجموعة شباب يحملون زجاجات بيرة، عرض تيام شراء واحدة منهم لكنهم اعطوها له مجاناً
"شكلكم أول مرة تحضروا حفلة، انجوي"
كان تيام متحمساً وبدأ يتقاسمها مع يوسف، كان يشعر بالحماس يتدفق لعروقه
أنا هويت وانتهيت وليه بقى لوم العزول
أنا هويت وانتهيت وليه بقى لوم العزول
يحب إني اقول ياريت الحب ده عني يزول
كان تيام يتمايل بجسده الصغير بخفة، يغمض عينيه أحياناً ويفتحهما ليجد يوسف يحدق به
وعندما التقيا بالنظرات، لم يتكلم أي منهما
ضحك يوسف بهدوء، كأن شيئاً قد اشتعل في داخله دون أن يعرف سببه
اقترب تيام أكثر، والمسافة بينهما بدأت تختفي، صوت الأغنية أصبح خلفية سينمائية لمشهد لا أحد يخطط له، لكنه يتكون لحظة بلحظة
ثم دون مقدمات، دون تفكير، مال تيام على يوسف، حتى تلاشت تلك المسافة القليلة، وطبعت شفتاه على شفتي يوسف قبلة مشبعة بكل الترددات التي سبقتها، وكل الرغبات التي لم تُقال
كانت القبلة ناعمة، ساخنة، مربكة
بدا كأن الوقت توقف، حتى الموسيقى تراجعت في خلفية وعي يوسف
ظل جامداً لثوانٍ، لم يعرف كيف يرد أو إن كان عليه أن يرد، عيناه كانت متسعتين، وشفتيه ما تزال تحملان أثر الدهشة
أما تيام، فقد انسحب ببطء، ونظر إليه بعينيه الناعستين، لم يقل شيئاً، فقط ابتسم ابتسامة صغيرة مترددة ثم حاول تكرار القبلة مرة أخرى لكن يوسف وضع يده على شفتيه ليمنعه، تفاجأ تيام وشعر بالخيبة ثم فقد توازنه وسقط على الأرض
.
أنا هويت

.
13.من يطرق باب الزنزانة
"تحفة"
علق مُلهم بإبتسامة على الخطاب الذي كتبه سليمان
"إنت شاطر أوي بجد"
رد سليمان بلا مبالاة
"دا أقل حاجة عندي، برينسيس"
"ما تبطل برود وبضن"
كان مُلهم يكره لقب أميرة لأنه يشعر بأن سليمان يشكك في رجولته ويسخر منه
تجاهله سليمان وسأل
"مش هتديني حاجة مقابل إني كسبت الرهان؟"
"عايز إيه؟"
عندي فرح أحضره، تيجي معايا كأنك الجيرلفريند بتاعتي"
"هو مش قلت أنها مرة واحدة؟"
استنكر مُلهم طلبه
"المرة دي بس بجد، بعدين الجندر شيئ خيالي، مش المفروض التنقل بينه يقلقك، ما تبقاش مليان توكسيك ماسكلينتي"
تأفأف مُلهم بضجر
"فاين"
قبلَ سليمان خده بقوة
"مش هتندم، هتنبسط"
مسح مُلهم خده مكان القبلة بتقزز
"كفاية قرف بقى"
"عيب ما تمسحش مكان بوسة جوزك"
قبلَ خده مرة أخرى ودفعه مُلهم
"بس بدل مش جاي معاك في حته"
قهقه سليمان
"ماشي..ماشي، خلاص"
كان كيرلس يجلس على المقعد الهزاز في شرفته الصغيرة، يحاول الاستسلام لصوت الأرجحة الخفيف وكأنها تهدهده عن التفكير. الشمس كانت تميل للغروب، والسماء تحولت إلى لون برتقالي باهت، أغمض عينيه وأسند رأسه للخلف، يتنفس ببطء كأنه يحاول دفع الضوضاء داخل رأسه بعيداً
لكن الهاتف رن
فتح عينيه ببطء، تأفف وهو يخرج الهاتف من جيبه ونظر إلى الاسم، زياد
رد بهدوء، صوته لا يزال مغمور بالنعاس
"الو، زياد!"
لكن هدوءه تلاشى تدريجياً مع كل كلمة سمعها
كان زياد يتحدث بصوت متوتر، يسأله عن إبراهيم
قال إنه اختفى منذ يومين، لا يجيب على هاتفه، لم يعد إلى الملجأ، ولا أحد رآه أو سمع عنه شيئاً
شد كيرلس نفسه، جلس معتدلًا في مقعده، نظراته أصبحت أكثر يقظة لكنه تمسك بنبرة مطمئنة
"يمكن بس حابب ياخد وقت لنفسه"
تبادل الطرفان بعض العبارات القلقة، ثم انتهت المكالمة على وعد بأن يتصل كل منهما إن جد جديد
مرت 48 ساعة أخرى، ثقيلة، مليئة بالصمت والأسئلة التي تأكل الأعصاب
وفي صباح اليوم الرابع، تلقى زياد مكالمة من محامي معتقلي الوقفة الاحتجاجية
المحامي أخبره، أنه أثناء زيارته للمحتجزين في القسم، سمع شيئاً غريباً
قال له أحد الشباب هناك أن هناك رجل تم القبض عليه معهم رجل لم يسأل عنه أحد
كان صامتاً، لا يتحدث، لا يحتك بأحد، يجلس في الزاوية وكأنه قرر أن يتلاشى
وحين سألوه عن اسمه، قال
" إبراهيم"
لم يسأل عنه أحد، لم تأتي له زيارة واحدة، وكأنه على الهامش
كان كيرلس يحاول أن يتمسك بالهدوء، لكن قلبه كان يسابق الساعة، يحاول إقناع نفسه بأن إبراهيم ربما قرر فقط أن يأخذ وقتاً لنفسه، يختلي بذاته، يراجع أفكاره أو يهرب قليلًا من ضجيج العالم، من ماضيه، وربما منه هو أيضاً
لكن حتى هذه الفرضيات لم تعد تكفي لتسكين القلق الذي بدأ يتسلل إلى أطرافه
"فين؟ كله تمام؟"
كتبها سريعاً على الهاتف، ثم بقي يحدق في الشاشة، ينتظر تلك الثلاث نقاط الصغيرة التي تشير إلى أن زياد يكتب الرد. أصابعه بدأت تتحرك دون وعي، يعض أظافره بتوتر، عادة قديمة عاد إليها حين يفقد السيطرة
ثم وصلته الرسالة
"لقيناه، بس محبوس عشان كان في الاحتجاج"
شعر كيرلس وكأن أحدهم سحب الأرض من تحته اتسعت عيناه، وانقبض صدره، بقي صامتاً للحظة، كأن عينيه لا تستوعبان الجملة، ثم أعاد قراءتها، يظن أن هناك خطأ ما
بدأ قلبه يدق كطبول إنذار، قام من مجلسه بسرعة، حاول أن يتحرك لكنه تردد، ثم عاد وأمسك هاتفه، أخذ مفاتيح السيارة، ارتدى معطفه وهو لا يزال يحاول تجميع شتات نفسه، ثم خرج من المنزل وكأن شيئاً ما يدفعه للركض بأقصى ما يمكنه
صعد سيارته، وأدار المحرك بيد مرتجفة، ثم بدأ القيادة بسرعة غير معتادة، وكأن الطريق نفسه أصبح ثقيلاً على قلبه
في طريق العودة إلى القاهرة، كانت أفكاره تتزاحم وتتداخل كالمطر في زجاج أمامي مكسور لم يكن يرى أمامه بوضوح لا الطريق ولا مشاعره
فكر في الغفران
هل غفر لإبراهيم حقاً؟، أم أنه فقط قرر أن يؤجل المواجهة؟ هل كان عائداً إلى حياته، أم عائداً ليفتح الجرح مرة أخرى؟، وهل الغفران يعني أن يتركه يختفي دون أن يحاول منعه؟
ثم تسللت تلك المشاعر المتخبطة
مشاعر لم يملك لها اسماً واضحاً، لكنها ترتجف داخله كلما فكر في إبراهيم
الغضب، الحنين، الخذلان، والقلق، وحتى ذلك الخيط الرقيق من الحب، الحب المتحول، المركب، الذي لا يشبه الحب الذي يروج له الناس
"لماذا؟ لماذا يفعل إبراهيم شيئًا خطرًا كهذا؟"
هل كان يعاقب نفسه؟
أم كان يحاول التكفير؟
أم أنه فقط لم يتحمل صوته الداخلي، فقرر أن يُسكته بالذل والاختفاء؟
نظر كيرلس إلى وجهه في مرآة السيارة، عينيه متعبة، شفتاه مشدودتان، كأنه يحاول التشبث بالعقل وسط فوضى المشاعر
وصل كيرلس إلى القاهرة مع أول خيوط الفجر، المدينة التي لا تنام بدت منهكة أكثر من المعتاد، كأنها انعكاس لصوته الداخلي. عينيه حمراء من السهر، يده مشدودة على عجلة القيادة، وجسده متوتر كوتر كمان مشدود على آخره
توقف أمام القسم، أخذ نفساً عميقاً، ثم ترجل من السيارة، العرق يتسلل إلى عنقه رغم برودة الجو
دخل بخطى ثابتة رغم أن قلبه يهتز داخله
أوضح للضابط اسمه واراه بطاقته الشخصية، وذكر اسم إبراهيم، فطلبوا منه الانتظار في الخارج
جلس على مقعد خشبي متهالك، أمام حائط مليء بالإعلانات الممزقة والورق القديم، راح يحدق في الأرض، يحاول أن يستعد، لكنه لم يكن يعرف لأي شيء بالضبط
هل سيجده محطماً؟، غاضباً؟، أم مكسوراً؟
هل سيشعر نحوه بالشفقة أم بالحنين؟
مرت دقائق وكأنها ساعات، حتى خرج أحد الأمناء من الداخل وقال له بجفاف
"تعالى، خمس دقايق بس"
دخل خلفه، كان الممر ضيقاً، والإضاءة صفراء باهتة، والجدران مشبعة برائحة قديمة من العرق والتراب
فتح له الباب الحديدي، وهناك، في الزاوية، كان إبراهيم جالساً بصمت
شعر كيرلس أن قلبه انكمش
إبراهيم كان يبدو كجثة، كأنه فقد روحه، كان جالساً على الأرض، ظهره للحائط، ذقنه غير حليقة، وعيونه مطفأة
حين ارتفع صوت المزلاج، لم يرفع إبراهيم رأسه
كان قد اعتاد على فتح الأبواب دون أن يحمل معه أحد، فلا أحد يعلم بمكانه
لكنه شعر هذه المرة بشيء مختلف، لا صوت الأقدام، بل الصمت الذي صاحبها
رفع رأسه ببطء، وحين وقعت عيناه على كيرلس، شعر وكأن الهواء عاد إلى صدره دفعة واحدة لكنه لم يُدخل الطمأنينة، بل كاد يخنقه
اتسعت عيناه، وكأن الزمن توقف للحظة
لم يكن يتوقع هذا اللقاء
كان قد أقنع نفسه أن كيرلس لن يأتي، أنه إن جاء، فسيأتي غاضباً
لكن ها هو أمامه ليس غاضباً بل حقيقياً كما اعتاده دائماً، يحمل في وجهه شيئاً من اللوم، وشيئاً آخر لم يستطع إبراهيم تسميته ربما الأمل؟
في تلك اللحظة، اجتاحت إبراهيم مشاعر متضاربة، كأن جسده لا يعرف ما يشعر به
الذنب، الخجل، الحنين
والخوف، خوف أن يكون هذا اللقاء بداية النهاية، لا بداية الغفران
أراد أن ينهض، أن يتكلم، أن يبرر، أن يختبئ، كل شيء في آنٍ واحد
لكنه لم يفعل شيئاً
فقط نظر إلى كيرلس بعينين خائفتين، كأن وجوده فتح نافذة على الضوء بعد أيام في الظلام، استقام واقفاً بضعف
"أنا مش عايز شفقة، أنا باخد اللي بستحقه"
قال ودحرج عينيه بعيداً عن كيرلس
تنهد كيرلس واغلق قبضته ليتماسك ثم قال
"أنا مش بشفق عليك، أنا بتمنى أنك تكون مؤمن بالقضية اللي إنت ممسوك عليها، مش بتعمل دا تكفير ذنوب بس أو عشان تثبتلي حاجة"
ارتفع حاجبا إبراهيم بدهشة مصحوبة بالخذلان، التفت إليه كمن تلقى لكمة في صدره، وقال بانفعال كاد أن يتحول إلى غضب
"إنت شايفني بالدناءة دي؟، إني اتحبس وأعمل دا كله عشان اراضيك؟"
تقدم خطوة واحدة، وقلبه يخفق بعنف، ليس من الخوف، بل من تلك الفجوة التي شعر بها تتسع بينه وبين كيرلس
"أنا يمكن غلطت، آه، بس ما كنتش كداب، ما دخلتش الوقفة دي عشان أعمل شو"
تبادلا النظرات الصامتة وشعر كيرلس بأنه ظلم إبراهيم، تفقد جسده بعينيه ثم رأى الكدمات، تلك التي لم يحاول إبراهيم أن يخفيها أو أن يظهرها
في عنقه، على ساعده، عند موضع قلبه تقريباً، بدت كخريطة لجسد مر بعاصفة
ارتجف قلب كيرلس، شيء بداخله تهشم دون صوت
ارتعشت أطرافه، وشعر بغصة تخنق حلقه، فقد اجتاحت ذاكرته صور كان يظن أنه دفنها
صور أصدقائه في الزنزانة، حين كانوا يُسحبون واحداً تلو الآخر، يعودون بأجساد تحمل ندوباً، بعيون ميتة فقدت طريقها للنور ولم تعد ترى للحياة معنى
.
14.المية تكدب الغطاس
وضع يوسف تيام برفق على السرير، سحب الغطاء ليغطيه حتى كتفيه، ثم وقف للحظة يتأمل ملامحه المسترخية في النوم
لم يكن في الأمر أي رومانسية، فقط إحساس ثقيل بالمسؤولية، وشيء آخر غامض يشبه الخوف
غادر الغرفة بخطوات بطيئة واتجه إلى المطبخ، ملأ كوباً بماء بارد وبدأ يشربه على مهل
عقله ظل مشغولاً بالقبلة
لم يكن يرفض فكرة تقبيل تيام، بل العكس، كان جزء منه يتوق لذلك منذ وقت طويل، لكن أن يحدث الأمر في لحظة ثمالة؟، هذا ما جعله يشعر بالاشمئزاز
ليس من تيام، بل من الموقف ذاته، في نظره، الكحول لا يغيب العقل فقط، بل يطمس الحدود، ويلغي الرضا الواعي، وهذا بالنسبة له خط أحمر تعلمه من زياد وبسيوني، (لا تستغل شخصاً أثناء ثمالته) (أي تصرف يصدر من شخص ثمل يجب حمايته وليس إستغلاله)
أدار الكوب بين يديه، يحرك الماء ببطء وكأنه يحرك أفكاره المتشابكة، أراد القبلة، لكن بشروطه، في وقت يختاره كلاهما بصفاء ووعي، لا كخطأ يمكن أن يُمحى في صباح اليوم التالي
وضع الكوب على الطاولة، وعندما التفت، فوجئ بزين يدخل المطبخ وهو يفرك عينيه، كان شعره محميًا بقبعة ساتان وردية، وعلى رقبته غطاء عين معقود، وبيجامته الزهرية الفضفاضة تمنحه مظهراً أقرب لشخص خرج تواً من إعلان عن وسائد مريحة
"مورنينج!"
تمتم زين بصوت ناعس، ثم عبث بخصلات شعر يوسف واتجه إلى الحوض ليملأ كوب ماء
ملأ كوب ماء ليشرب بينما يراقبه يوسف ويفكر ثم في النهاية قرر أن يسأله
"ممكن اسألك سؤال؟"
التفت زين إليه بنظرات تعجب
"أكيد"
وضع الكوب على الطاولة ثم جلس على المقعد، بدأ يوسف يفكر كيف يتحدث وعندما لاحظ زين ارتباكه سأله
"روحت الحفلة؟"
"أيوة"
رد بإرتباك
"هاو ووز ايت؟"
تابع زين اسئلته
كانت عيني يوسف تتجولان في المطبخ وكأنه سيجد اجابة حوله
"فن، بس.."
أخذ شهيقاً عميقاً ثم زفيراً بطيئاً
"بس حصل حاجة غريبة"
"أنا سامعك كويس وعمري ما هجادج"
اراده أن يشعر أنه يسانده وأنه لن يطلق الأحكام عليه أو يسيئ الظن به
"أنا وتيام شربنا، وهو بقى درانك، و.."
حمحم ثم تحدث بسرعة وكأنه يخطف الكلمة
"باسني"
حل صمت مريب لثواني ثم قال بسرعة
"بس أنا بعدته، أنا عمري ما استغل حد درانك"
"وبعدين؟"
ترقب زين بقية حديثه
ارتفع صوت يوسف قليلاً
"حاسس نفسي متضايق إن دا حصل وهو درانك، هو دا معناه إيه؟"
"ايدونو، فكرت تسأله؟"
رد بسرعة وبإنفعال
"نو، دا اوكورد أوي، وهحرجه"
"بس التخمين عمره ما هيديك إجابة حقيقية"
قال زين ثم استقام واقفاً بينما يتبعه يوسف بعينيه
"مش هضغط عليك بس التجنب هيخلي الموضوع اسوأ، خد وقتك في التفكير بس أحسن حل هو انكم تنفتحوا لبعض وتتكلموا بصراحة"
مسح على شعر يوسف ثم مال وقبلَ رأسه
"شوف هتنام ولا هتصحى ولا هتعمل إيه"
دخل زين غرفته وترك يوسف يفكر حتى شروق الشمس
"صباح الخير يا حبيبي!"
كان بسيوني بصوته الناعس، مال وقبلَ رأسه
"انبسطت امبارح؟"
اومأ يوسف بالايجاب
"أيوة"
"عايز حاجة معينة على الفطار؟"
سأل وهو يفتح الثلاجة
"لا"
رد بإقتضاب ثم سمع صوتاً وعندما التفت وجده تيام، كان يسير بخطوات غير متزنة، اقترب ثم سحب مقعداً وجلس حول الطاولة وهو يفرك عينيه
"صباح الخير يا تيمو"
مال بسيوني وقبلَ رأسه
نظر تيام ليوسف وعندها بدأ يتذكر أحداث الليلة الفائتة، وتذكر ابعاد يوسف له، استقام واقفاً بسرعة اقلقت يوسف وبسيوني
"يو اوكاي؟"
"أيوة، عطشان بس"
قال بصوت مبحوح ثم حمحم
ناوله بسيوني كوب ماء، أخذه بصمت ثم بدأ يشرب وهو يتذكر مراراً وتكراراً تقبيله ليوسف وإبعاد يوسف له
شعر بالخزي، بالعار، بأنه مكروه، فحتى أثناء شرب يوسف لم يرغب في تقبيله، هل يتقزز منه لتلك الدرجة؟
غرق في الأفكار السوداء حتى استفاق على صوت بسيوني
"فطارك"
كان يضع على الطاولة طبق به توست على الطريقة الفرنسية وكوب حليب
"شكراً"
شكره بإبتسامة متكلفة ثم جلس ليبدأ تناول الطعام بعقل مشوش، مزدحم، مليئ بالصرخات والتأنيب
كيف تجرأ على فعل كهذا؟
لابد أن يوسف يشعر بالتقزز منه الآن
استيقظت ياسمين، شعرت بالقلق لأنها لم تكن قد اعتادت بعد على المنزل
"صباح الخير يا حبيبتي"
قال بسيوني بود ثم قبلَ رأسها هي الأخرى، جفلت للحظة واغمضت عينيها ثم اطمأنت عندما شعرت بشفتيه فقط على رأسها
لم تكن معتادة على الحنان، فقد أعتادت على أن يضربها والديها دوماً لأتفه الأسباب، حتى الآن لا تصدق أنها بعيدة عنهما أخيراً، وتشعر بأنهما سيأتيان لجرها من شعرها وسحلها للمنزل
جلست على المقعد والقى يوسف التحية بود
"صباح الخير!"
"صباح النور"
ردت باسمة بدورها
"مورنينج"
القى زياد التحية ثم اقترب من بسيوني ليُقبل شفتيه بلهفة لا تتغير، وهو يشابك يديهما معاً، كانت طاقة حبهما مبهرة دائماً مهما تكرر فعلهما أمام يوسف فقد كان يشعر بطاقة حب عظيمة، هو لم يرى والديه يوماً يتعاملان بحميمية، وكأي طفل عربي تربى أن الحميمة (عيب) يمكن للزوج ضرب زوجته أمام الأطفال ولكن لا يمكنه تقبيلها فهذا غير لائق، لم يكن يوسف يعلم كم يحتاج لرؤية الحميمة بين الوالدين إلا بعد رؤيته لزياد وبسيوني، الحميمية بين الوالدين تجعل الأطفال يشعرون بالأمان، السعادة والحب
التفت زياد اليهم وبدأ يقبل خدهم واحد تلو الآخر بحنان وابتسامة واسعة
"شكلك ما نمتش كويس"
علق زياد رافعاً حاجبيه وهو ينظر لوجه يوسف
"مش متعود على الحفلات"
برر يوسف وهو يدحرج عينيه بعيداً، كان خائفاً أنه لو حدث اتصال بصري فسوف يكشف كذبه
قهقه زياد بخفة
"معلش، بكرة تتعود"
رغم الأصوات حوله فقد كان رأس يوسف مشغولاً بالتفكير في القبلة فقط، لم يكن يسمع أي شيئ حوله، فقط أصوات رأسه
استقام تيام واقفاً
"هرجع البيت"
"مش بدري!، استنى اتغدى معانا"
استغرب بسيوني
"لا، أنا همشي دلوقتي"
قال ثم سار للباب بسرعة وتبعه بسيوني
"اوكاي، استنى"
لم يكن بسيوني وزياد قد اخبرا تيام أن إبراهيم معتقل، لذا كان عليهما التصرف كي يمنعاه من العودة للمنزل، أما عن لوجين فقد كانت مع رياض تقضي وقتها مع بشرى
حاولوا طلب المساعدة من سليمان لكنه رفض وقال بأن إبراهيم عليه أن يتذوق من نفس الكأس الذي اذاقه للناس أولاً ثم سيتوسط له ويخرجه
نجح بسيوني في اقتاع تيام بالعدول عن قراره واعاده ليجلس على الأريكة ثم شغل له العاب الفيديو ليشغله
بدأ تيام اللعب بذهن مشغول، مما جعله يخسر في اللعبة بإستمرار
"هاي!"
القى يوسف التحية بتردد وشعر تيام بالخجل والخزي
"هاي!"
جلس يوسف على الأريكة ثم سأل بود
"ممكن العب معاك؟"
"شور"
رد تيام دون النظر ليوسف بسبب خجله
"ممكن!"
أشار يوسف لذراع اللعب بجوار تيام الذي اسرع واستوعب الموقف ثم مدها إليه
بينما يأخذ يوسف الذراع منه تلامست ايديهما مما جعل القشعريرة تسري في جسد تيام
"شكراً"
شكره يوسف ثم بدأ يشغل اللعبة
.
15. على قد الشوق
توقف كيرلس أمام بقالة صغيرة على ناصية الشارع، واشترى علبة سجائر وولاعة، أشعل واحدة، وسحب نفساً عميقاً حتى شعر بالدخان يملأ صدره، كان يحاول أن يطمس به ضوضاء أفكاره، خطواته كانت بطيئة وهو يبتعد عن مركز الشرطة، كأن كل متر يقطعه يثقل على قلبه
ما الذي يشعر به حقاً تجاه إبراهيم؟
هل ما زال معجباً به، أم أن الأمر أكبر من الإعجاب وأخطر؟
وما هو هذا الألم الذي يضغط على صدره، كأنه حجر ثقيل لا يريد أن يزول؟
ركب سيارته وأسند رأسه للخلف، أغمض عينيه للحظة ثم مد يده لتشغيل المذياع
رفع الصوت حتى يغرق أفكاره في ضجيج صوت المذيع
لكن حتى هذا لم يفلح، فكيف يُعقل أن ينجذب لرجل يحمل على كتفيه ماضياً مثقلاً بالخطايا؟
وهل هو مستعد أصلًا لأن يمنحه فرصة للمسامحة؟
بدأ يركز في صوت مذيع الراديو ليشتت أفكاره
الفرصة التانية مش بس فرصة عادية، دي كأنها تذكرة VIP من الحياة بتقولك: "يلا جرب تاني" مش مهم إنك غلطت قبل كده، المهم إنك قمت واتعلمت
الفرصة دي مش مضمونة النجاح، بس أكيد هتخليك ما تكررش نفس الغلط، وتمشي خطوة أقوى وأحسن
وزي ما المثل ما بيقول (ما يقعش إلا الشاطر)
ودلوقتي نسمع أغنية على قد الشوق زي ما طلبت مننا الأستاذة دنيا
على قد الشوق اللى فى عيونى يا جميل سلم
أنا ياما عيونى عليك سألونى وياما بتألم
اعتدل في جلوسه ثم اطفأ السيجارة وشغل السيارة، ادار المقود ثم مر على منزل بسيوني ليتفقد ابنه ملاك الذي عانقه بشوق فور رؤيته، شعر كيرلس بدفء صغير يملأ ذراعيه، بحب نقي لا تشوبه ظلال، حب لا يحتاج تبرير ولا يخضع لماضٍ أو مستقبل
لكن مع إبراهيم الأمر مختلف
هناك حب مشوب بالوجع، رغبة تتحرك معها غصة في الحلق، شعور متناقض يجعل قربه يؤلمه وبعده يؤلمه أكثر
بدأ يفكر وهو يمسح على رأس ابنه
ماذا لو لمس إبراهيم؟
لو تشابكت أيديهما في لحظة ضعف؟
لو عانقه حتى اختفى كل شيء حولهما؟
ولو قبله؟
"كيرو"
هتف زياد ثم صافحه بحرارة
"ممكن تسيبنا شوية يا ملوك؟"
سأل زياد بود واومأ ملاك ثم هرول للأريكة ليجلس ويراقب مُلهم وهو يلعب العاب الفيديو
جلس زياد ثم تنهد وسأله
"ها إيه الأخبار؟"
تردد إبراهيم ثم رد
"مش عارف"
"إيه اللي بتفكر فيه طيب؟"
بدأ كيرلس يرتب أفكاره ثم رد
"هو أنا من حقي أفكر في المغفرة أو عدمها؟"
"عادي، إنت كنت واحد من المتضررين من الشرطة، حتى لو مش من إبراهيم نفسه، ستل إنت واحد من المتضررين"
"هو إزاي بيسو عملها؟، إزاي بيتعامل عادي معاه؟"
سأل بيأس فقد كان يشعر بالفشل والعجز وأنه الوحيد الذي توقفت حياته بسبب مشكلته مع إبراهيم بينما الباقون اختاروا موقفهم معه سواء اكان المسامحة أم لا
"مين قال إن بيسو تجاوز كل حاجة؟، أوقات بتجيله بانيكس، بس بنسيطر عليها"
رد زياد بهدوء
"وقرر يسامحه؟"
كان متعجباً فقد اعتقد أن بسيوني تجاوز الأمر
"كل واحد له طريقته في التعامل مع الإساءة، بيسو قرر يسامح، وإنت حر تسامح أو لا"
كان دائماً ينبهر من هدوء بسيوني وزياد وطريقتهما في حل الأمور
عاد كيرلس بظهره للخلف ونظر إلى السقف لثواني ثم اعتدل في جلوسه ثم قال بضيق
"ولو مش عارف اخد قرار؟"
"خد وقتك، أكيد هتقرر وقت ما تقدر"
كان زياد لطيفاً في حديثه وشعر كيرلس أنه لا يستحق هذا اللطف
عاد كيرلس إلى منزله مع ملاك، وحاول أن ينشغل بترتيب الأغراض وغسل الصحون وإعداد وجبة بسيطة، لكن ذهنه ظل يتجول بعيداً عن كل ما تلمسه يداه، كان عقله مسرحًا صاخباً للأفكار
مر يومان وهو يتنقل بين العمل والمنزل بلا طاقة حقيقية، حتى جلس ذات مساء أمام التلفاز، يبحث بين القنوات عن أي فيلم عشوائي عله يهرب إلى عالم آخر. لكنه لم يهرب، بل وجد نفسه ينسحب إلى داخل الشاشة
في مشهد القبلة، لم يرى الممثلين، بل رأى نفسه مكان البطل، وإبراهيم أمامه، بنفس النظرة الحادة التي تحمل ضعفاً خفياً
حدق في الشاشة بعينين نصف مغمضتين، وكأن الصورة ليست أمامه بل بداخله، وشعر بشفتيه تكادان تتحركان من تلقاء نفسيهما، كان هناك عطش لا يرويه ماء، عطش لرؤية إبراهيم ولمس وجهه، للانحناء نحوه وتذوق تلك المسافة التي تفصل بينهما
أطفأ التلفاز فجأة وكأن المشهد أحرجه أمام نفسه، ثم أمسك هاتفه واتصل ببسيوني، لم ينتظر مقدمات، بل ترجاه بصوت منخفض متوتر أن يتحدث مع سليمان، أن يتوسط لإخراج إبراهيم
وعندها علم بسيوني أن كيرلس قد سامحه بالفعل وطلب من سليمان الذي وافق في النهاية، ليس من أجل إبراهيم أو حتى كيرلس بل لأن سليمان حتى هذه اللحظة رغم كل ما حدث لا يمكنه رفض طلب لبسيوني
بمجرد توسط سليمان لإبراهيم حصل على إخلاء سبيل، قرر كيرلس الذهاب لاصطحابه وبعد أن وصل لقسم الشرطة شعر بأنه ينقصه شيئ ما، لذا بدأ القيادة مجدداً وذهب لمتجر للزهور، اشترى باقة ثم تركها في السيارة ونزل ليدخل القسم ليستلم إبراهيم
كان إبراهيم يبدو مرهقاً بعيون انطفأ منها الأمل، ولم يتجرأ على النظر في عيني كيرلس، خرج معه من القسم ثم صعد في سيارته، ظل الهدوء سيد الموقف حتى مال كيرلس على إبراهيم وعانقه بقوة
كان إبراهيم خجلاً لأن ملابسه متسخة، ولم يستحم منذ مدة، لكن كيرلس لم يكن مهتماً وكان يشد على عناقه، ابعد رأسه عن كتفه لينظر لوجهه، وضع يده تحت ذقنه ثم مسح شفتيه بإبهامه بينما يراقب إبراهيم ما يحدث وهو يشعر بأنه في حلم
ابعد كيرلس ابهامه ثم محي المسافة مُقبلاً شفتيه بلهفة، لم يكن إبراهيم يستوعب شيئاً بينما يعمق كيرلس قُبلته ثم فصلتها وتنهد بلوعة
"وحشتني"
بعد ثواني من ارتفاع صدره وهبوط اثر تنفسه استوعب ما فعله وعندها بدأ ينتابه الفزع وشعر بأن إبراهيم سيكرهه
"سوري..سوري بجد أنا مش عارف عملت دا إزاي"
كانت مشاعر إبراهيم متخبطة، مبهمة، لا يستطيع فهمها، لكنه بالتأكيد ليس كارهاً للمثلية، وليس منزعجاً من قبلة لطيفة
"اتس فاين"
رد وهو يعتدل في جلوسه بينما يشعر بالحرارة تتصاعد في وجهه
بدأ كيرلس القيادة مع شعوره بالخجل والتوتر بينما يحاول إبراهيم استوعاب ما حدث، هو لم يكره القبلة، لكن هل أحبها؟
اوصله كيرلس لمنزله وهناك اخذ إبراهيم حماماً مريحاً، حلق ذقنه وشاربه، وبدل ملابسه لملابس نظيفة ثم رش من عطره المفضل ورتب شعره
كان جسده يؤلمه بسبب التعذيب لكنه لم يتذمر، ولم يهتم بتعقيم الجروح أو وضع مرهم للكدمات، بعد دقائق رن الجرس، فتح ووجده كيرلس الذي كان طيلة الوقت ينتظر في الخارج
شعر ببعض الارتباك لكنه افسح له ليدخل، دخل كيرلس للحمام وأخرج المطهر ومرهم الكدمات ثم اقترب من إبراهيم
"ممكن تقلع البلوفر لو سمحت؟"
أطاعه إبراهيم في النهاية وبدأ كيرلس يعقم الجروح، وبعد أن أنتهى وزع مرهم الكدمات على الكدمات، ثم ساعده في ارتداء الكنزة وجهز له كوب كاكاو ساخن
"شكراً"
شكره إبراهيم دون النظر لعينيه
"إبراهيم أنا آسف بجد إني عملت حاجة زي دي من غير موافقتك"
كان يعتذر عن القبلة
"محصلش حاجة، خلاص"
رد محاولاً أن ينهي الموضوع لأنه كان يوتره
"المرة الجاية هسألك"
قال وعندها ارتعشت يد إبراهيم وكاد يسقط الكوب لكنه أمسكه في آخر لحظة، ابتلع ريقه بحذر ثم نظر لكيرلس ليجده ينظر له بشكل مباشر
"هبقى اجيبلك العيال بكرة"
قال كيرلس ثم مال وقبلَ خد إبراهيم ثم لوح له
"باي"
غادر تاركاً إبراهيم غارقاً في أفكاره
.
على قد الشوق

.
16.قبلات قانونية
كان تيام يقف بجوار يوسف في شرفة تطل على البحر، كانت الأمواج ترتطم في الصخور بصوت قوي، والهواء البارد يصفع وجهه برفق
يوسف كان يراقب الأفق في صمت، وفي عينيه بريق غامض كأنهما تحملان كلمات لم ينطق بها
ابتلع تيام ريقه واقترب خطوة صغيرة، حتى شعر بأن أنفاسه تتشابك مع أنفاس يوسف، وقال بصوت منخفض متردد
"أنا كنت عايز أقولك حاجة"
لم ينتظر رده، بل اقترب أكثر، أغمض عينيه ببطء، وحينما لم يعد بينهما سوى مسافة أنفاس، مد يده ومال إلى الأمام، وطبع شفتيه على شفتي يوسف
كانت لحظة قصيرة ودافئة، شعر فيها أنه أخيراً يجرؤ على فعل ما كان يخشاه
لكن فجأة، دفعه يوسف بعيداً بعنف، وصرخ بنبرة قاطعة جافة
"إيه ده؟، إنت مقرف"
تجمد تيام في مكانه، كأن الكلمة اخترقت صدره مباشرة، أخذ يحدّق في وجه يوسف بعينين مذعورتين، يبحث عن أي بادرة مزاح أو لين، لكن ملامحه كانت قاسية، تنضح بالاشمئزاز
تراجع يوسف خطوتين إلى الوراء، نظر إليه نظرة أخيرة، ثم استدار مبتعداً، تاركاً تيام واقفاً وحده، والبحر خلفه يصفق بأمواجه كأنه يسخر منه، وصوت الكلمة يرن في رأسه بلا توقف "مقرف... مقرف"
حاول تيام أن يمد يده، أن يقول شيئاً، يبرر أو يعتذر، لكن صوته اختنق في حلقه
الهواء صار ثقيلاً، والمكان بدأ يظلم، ووجه يوسف يبتعد أكثر فأكثر حتى اختفى
وفجأة، فتح تيام عينيه، فوجد نفسه على سريره، وقطرات العرق تبلل جبينه، وقلبه يخفق بجنون
بقي صامتاً يلهث لثوانٍ، حتى أدرك أنه كان حلماً
لكن الإحساس بالطعنة ظل في صدره، وكأن الأمر قد حدث حقاً
نهض وسار للمطبخ وملأ كوب ماء ثم شربه دفعة واحدة
"شكلك مش بتاع شرب خالص"
التفتت ورأى زين يقف ببيجامته وقبعة الستان
"عمري ما هشرب تاني"
قال وعندها قهقه زين
"ليه؟، الشرب فن على فكرة، مش وحش"
تردد تيام لثواني ثم سأل زين الذي فتح الثلاجة وأخرج زجاجة نبيذ ليسكب لنفسه كأساً
"عمرك بوست حد وإنت درانك؟"
"قصدك في حد ما بوستهوش وإنت درانك؟، أنا بوست الناس كلها، أنا حتى بوست أمجد، دا اللي بيحصل اما تتربى في بيت البوس فيه عادي زيه زي السلام"
كان يتحدث بنبرة مرحة
"مفيش حد كان اجريسف معاك؟"
"عادي يعني، منا درانك، مش بتيك ايت بيرسونال"
رد ببساطة ثم شرب كأس النبيذ دفعة واحدة
صمت لثواني ثم قال
"في حاجة عايز تقولها؟"
"يعني البوس وقت الشرب بيبقى حاجة سطحية؟"
"حاجة غير اخلاقية كمان، لو الطرف التاني مدكش قلم واستغل الموضوع وباسك يبقى هو عرص"
"ويت!، إزاي لو باسني يبقى عرص؟"
استغرب تيام
بدأ زين يشرح بحرص
"وإنت درانك بتكون مش في وعيك، لو حد عام على عومك يبقى بيستغلك، أحسن تصرف أنه يبعدك عشان دا مش أخلاقي، دا أول درس بتتعلمه من الشرب، بيسو وزيكو هيكلموك عنه بعدين"
"يعني مش ضروري يكون الشخص التاني بيكرهني؟"
"عشان بعدك؟، دا الف باء أخلاق، إنت لو حد باسك وهو درانك هتبوسه؟"
بدأ تيام يفكر وعندها نقر زين جبهته بإبهامه
"مش المفروض تفكر، المفروض تقول لا، احنا مش بنستغل الناس وهما درانك"
تحسس جبهته متألماً
"اوكاي"
"شاطر"
ربت على رأسه برفق ثم عاد لغرفته وترك تيام وحيداً في المطبخ مع ضوء المصباح الخافت البرتقالي
بدأ يفكر في الإعتذار، ربما سيختفي شعوره بالذنب والتقزز من نفسه إن اعتذر
سمع صوتاً وعندها نظر للممر ووجد يوسف يفرك عينيه تحت النظارة الطبية، كان أغلب الوقت يستخدم العدسات لكن أحياناً تشعر عينيه بالإرهاق منها لذا يستخدم النظارة أحياناً
كان يشعر بثقة أقل بنفسه عندما يضعها لذا كان يتعمد وضعها عندما يكون في المنزل فقط
تبادلا النظرات لثواني ثم ابتسم يوسف
"هاي!"
اقترب ثم ملأ كوب ماء من الصنبور وشربه ثم جلس على مقعد الطاولة
"مش عارف تنام ولا إيه؟"
سأل بينما يفكر تيام هل يعتذر أم يتجاهل الأمر
لكن شعوره بالإشمئزاز من نفسه كان قوياً لذا قال بإندفاع
"أنا آسف"
بدأ يلتقط أنفاسه وكأنه أطلق طلقة من مسدس بينما يوسف لم يكن يفهم
"فور وات؟"
"كيسينج يو!"
قالها بتوتر وصوت منخفض بسبب شعوره بالعار ثم حمحم وهو ينظر للأرض بخجل
"ام سو سوري، كوني درانك مش مبرر"
"اتس فاين"
رد يوسف بود ثم مد يده ليلمس يد تيام على الطاولة
"محصلش حاجة، ما تضايقش نفسك"
نظر تيام إلى عيني يوسف وشعر بأنه لا يستحق المسامحة فقال
"ما تبقاش كده، أنا استاهل عقاب على اللي حصل"
"وأنا مش متضايق خالص ومش شايف الموضوع يستاهل"
كان يتحدث ببساطة بنبرة حنونة ثم ربتَ على يد تيام وأكمل
"أنا ملاحظ إنك قاسي أوي على نفسك، بالراحة، الموضوع بسيط"
بعد صمت مثير للريبة قرر يوسف قطع أفكار تيام المشككة قائلاً
"أنا مش مشكلتي خالص مع الكيس مشكلتي انك كنت درانك"
ارتجف قلب تيام، لم يتخيل يوماً أن يسمع هذه الجملة من يوسف، وكأن باباً من الضوء فُتح أمامه فجأة
"إيه؟"
تمتم بذهول، فكرر يوسف ببطء، ضاغطاً على كل كلمة وكأنه يريد أن ينقشها بداخله
"مشكلتي إنك كنت درانك بس"
تجمعت الدموع في عيني تيام، تلك الدموع التي لم تكن دموع حزن بقدر ما كانت مزيجاً من الارتياح والحيرة
انهمرت بهدوء، وكل دمعة كانت تمحو أثر فكرة خاطئة ظلت تلازمه، يوسف لم يتقزز منه أبداً، كان كل شيء في رأسه هو، من صنع خياله
لكن ماذا يقصد بأن مشكلته هو أنه كان ثملاً، ايعني هذا أنه لا يمانع تقبيله في حالته الطبيعية؟، أم أنه يقول هذا بدافع التهذيب فقط؟
"معناه مش هتمانع لو مكنتش درانك؟"
كان يفكر لكن بعد رؤيته لتعابير وجه يوسف ادرك أنه قالها بصوت مسموع، ابعد يده بسرعة ثم استقام واقفاً وفر هارباً للغرفة وهو يكاد يقتل نفسه بسبب خجله
داخل الغرفة، جلس على طرف السرير، ودفن وجهه بين كفيه، ثم بدأ يصفع نفسه بخفة في محاولة يائسة لإيقاظ نفسه من هذا الموقف المحرج
لكن صوت طرق خفيف على الباب أوقفه
"تيام؟"
جاء صوت يوسف دافئاً، خالياً من أي توتر، قبل أن يفتح الباب ويدخل بخطوات هادئة، يقترب منه حتى وقف أمامه مباشرة
مد يديه وأمسك كفي تيام ليوقف حركته، وأجبره على رفع رأسه قليلاً ليلتقي بعينيه
لحظات من الصمت تبادلا فيها النظرات، وكأن بينهما حديثاً غير منطوق، حتى قطع يوسف المسافة بالكلمات
"معنديش مانع لو إنت مش درانك"
قالها بوضوح، بنبرة معتدلة، لم يهمس بها وكأنها سر، بل قالها بكل فخر وثقة
مال على تيام ثم قبلَ شفتيه بنعومة قبلة سريعة
"الموافقة شيئ ضروري، ومفيش موافقة أو رضا لو إنت درانك، سو دا غير أخلاقي"
شرح يوسف بينما تيام لا يستوعب القبلة، هل قام يوسف بتقبيله حقاً؟
بهذه السهولة وبهذه السرعة؟
عقله غارق في دوامة أسئلة
كيف يمتلك يوسف هذه الشجاعة المذهلة؟
كيف يتخذ قراراته الحاسمة في ثوانٍ، بينما يظل هو أسير أفكاره لأيام طويلة قبل أن يجرؤ على فعل شيء؟
كيف يكون بهذا القدر من التميز والهدوء والوضوح؟
ولماذا يبدو وكأنه دائماً يعرف بالضبط ما يريد، في الوقت الذي يقف فيه تيام على حافة التردد؟
بقي تيام جالساً في مكانه بعد أن خرج يوسف، يحدّق في الفراغ وكأن الغرفة من حوله صارت مشوشة الألوان، كأن شيئاً ما انكسر في داخله وشيئ آخر بدأ يتكون مكانه
رفع يده ببطء ولمس شفتيه، ما زالا دافئتين من أثر القبلة، فشعر بقشعريرة خفيفة تسري على طول ذراعيه
ألقى جسده على السرير، ودفن وجهه في الوسادة وهو يضحك بصوت مكتوم ممزوج بأنين خجل، ضحكة لا يدري إن كانت من الفرح أم من الإحراج الشديد
كلما تذكر ثبات يوسف ونبرة صوته وهو يقول
"معنديش مانع"
شعر وكأن قلبه يخفق في عنقه، وكأن الكلمات لم تكتفِ بالدخول إلى أذنه بل شقت طريقها إلى أعماق صدره
أغلق عينيه محاولًا استعادة الموقف لحظة بلحظة، حتى أصغر التفاصيل
لمعة عين يوسف، دفء يديه وهو يمسك بكفيه، المسافة التي انكمشت بينهما حتى لم تعد إلا نفس مشترك ثم تلك القبلة الخاطفة التي كانت قصيرة لدرجة تدفعه للجنون، لكنها عميقة لدرجة تجعله يود أن يعيش عمره كله في لحظتها
شد الغطاء فوق رأسه محاولًا كتم ابتسامة كانت تتسع رغماً عنه، وكأن يوسف لم يترك قبلة فقط على شفتيه، بل ترك وعداً خفياً بأن القادم لن يكون غامضاً كالماضي
.
17. قمرين
استيقظ إبراهيم بعد سماعه لصوت جرس منزله، نهض بعينين نصف مفتوحة وسار مترنحاً للباب ثم فتحه ووجد كيرلس أمامه ومعه ولديه، تيام ولوجين
"بابا"
هتف تيام وعانقه بقوة وتبعته لوجين
شدهما إبراهيم إلى صدره، وعانقهما وكأنه يحاول أن يعوض في لحظة عن أيام كاملة من الغياب، وكأن لمسهما هو الشيء الوحيد القادر على مداواة ما في صدره، لم يكن الطفلان يعلمان عن اعتقاله شيئًا، لكنهما شعرا بصدق الحنين في ذراعيه، قبل أن يفلت سراحهما، فيهرولا نحو غرفة المعيشة ليفتحا ألعاب الفيديو، وكأن شيئاً لم يحدث
مسح إبراهيم بيده على وجهه وفرك عينيه، ثم نظر إلى كيرلس الذي كان يحمل أكياس تسوق ممتلئة
"اتفضل"
قالها بخجل، وكأن بينهما سر لا يريد لأحد أن يراه، سر ثقيل ظل عالقاً منذ قبلة الليلة الماضية
دخل كيرلس وشق طريقه للمطبخ ثم بدأ يرتب الأغراض في الثلاجة والخزانة، تبعه إبراهيم ثم بدأ يساعده، وحين مدّ يده ليضع آخر كيس معكرونة في الخزانة، أغلق بابها بهدوء، واستدار ليجد كيرلس واقفاً خلفه مباشرة، قريباً لدرجة أن أنفاسه الحارة لامست وجنته
تجمدت الكلمات في حلق إبراهيم حين بدأ كيرلس يهمس
"كان اي..؟"
لكن جملته لم تكتمل، فقد انخفض صوته، وحلت لغة العيون محل الحروف
كانت عيناه تنزلان ببطء نحو شفتي إبراهيم، حتى لم يبقى سوى خطوة صغيرة بينهما
ولسبب لم يفهمه حتى هو، لم يبتعد إبراهيم، بقي واقفاً، ينظر في عيني كيرلس وكأنهما يسحبانه نحو شيء كان يتجنبه
وحين مال كيرلس نحوه، أغمض إبراهيم عينيه ببطء، تاركاً الباب مفتوحاً على مصرعيه للقبلة، قبلة لم يهرب منها، بل استقبلها بصدر رحب
عندما التقت شفاههما، كانت البداية حذرة، قصيرة، كأن إبراهيم لا يزال يختبر نفسه، لكن مع كل ثانية، كان الحذر يذوب، وتحل محله حرارة غامرة، ترك نفسه ينجرف، وأغمض عينيه تماماً، وكأن العالم انكمش حتى صار لا يتسع إلا لهما
مد كيرلس يده خلف عنقه، يسحبه نحوه أكثر، وإبراهيم تجاوب بلا مقاومة، بل شده من كتفيه حتى التصقت صدورهما، ارتفع إيقاع أنفاسهما، واشتدت القبلة، صارت أعمق، كأن كل أيام البعد تنفجر الآن في لحظة واحدة
تنهد إبراهيم في منتصف القبلة، تنهداً ثقيلاً يفرغ ما تراكم في صدره، ثم رد على همسة كيرلس المبحوحة
"وحشتني"
بقبلة أطول، مليئة باعترافات لم يقلها بالكلمات
حين تباعدا قليلاً كان قلب إبراهيم يخفق بعنف، ليس فقط من الشوق، بل من إحساسه بأنه لم يعد يملك أي سيطرة على ما يشعر به
كيف أصبح وجود كيرلس يهمه لتلك الدرجة؟، وكيف أصبح جسده يتوق إليه؟، ومنذ متى وهو لا يمانع قُبلات الرجال؟
أم لأنه فقط كيرلس وليس أي رجل؟
تحدث كيرلس بأكثر نبرة طبيعية وكأنه لم يقم بتقبيل إبراهيم بشراسة منذ ثواني
"هعمل باستا بالبينك صوص"
أخرج كيس المعكرونة من الخزانة ثم ملأ القدر بالماء ووضعه على الموقد، حل الهدوء لثواني كان رأس إبراهيم مشوشاً وجسده حاراً
كان الهدوء يثقل المطبخ، والماء على الموقد بدأ يصدر أصوات الغليان الأولى، لكن عقل إبراهيم كان يغلي أكثر
ظل يراقب ظهر كيرلس وهو يتحرك بخفة بين الخزانة والموقد، وكأن شيئًا لم يحدث بينهما منذ لحظات، وكأن تلك القبلة لم تزلزل الأرض تحت قدميه
ازدادت حرارة وجهه، وارتفعت أنفاسه رغم أنه لم يتحرك، ثم شعر بدفعة خفية، لم يعرف هل جاءت من قلبه أم من جسده المشتعل
اقترب بخطوات بطيئة، حتى صار على مسافة كافية ليشم رائحة عطره الممزوجة بدخان السجائر
قال بصوت خافت بالكاد يُسمع
"كيرلس"
استدار كيرلس نصف استدارة، مستغرباً النبرة، ولم يكد يسأل حتى وجد إبراهيم يضع يده على عنقه ويجذبه نحوه فجأة
القبلة هذه المرة لم تحمل أي تردد، كانت قوية، عميقة، مليئة باندفاعٍ لم يمنحه إبراهيم لنفسه من قبل، كيرلس لم ينسحب، بل ابتسم، ثم رد عليها بلهفة مماثلة
شد إبراهيم على كتفيه أكثر، وكأنه يحاول تعويض اللحظات التي لم يفهم فيها هذا الإحساس، كان عقله صامتاً، وجسده هو المتحدث الوحيد
في منتصف القبلة، انزلق إبهام إبراهيم إلى خط الفك، يمر برفق كأنما يحفظ ملامحه عن ظهر قلب، بينما كانت شفاههما تتحرك بتناغم غريب، كأنهما تدربا على هذا من قبل في حلم مشترك
وحين افترقا أخيراً، ببطء وكأنهما يسرقان آخر لحظة، كان وجه إبراهيم يعلوه احمرار دافئ، لا يعرف إن كان من الخجل أم من الدم الذي تدفق سريعاً في عروقه
أنفاسه كانت متقطعة، وصدره يعلو ويهبط بإيقاع متسارع، لكن عينيه لم تفارقا عيني كيرلس لحظة، وكأن النظر بعيداً سيكون خيانة لما شعرا به الآن
ابتسم كيرلس ابتسامة خفيفة، ثم استدار بهدوء نحو الموقد، أمسك بكيس المعكرونة، فتحه وسكبها في القدر، ومع سقوطها في الماء المغلي ارتفع صوت الفقاقيع، إيقاعه ثابت ودافئ
مد يده يمسح على فخذه متخلصاً من الغبار العالق من كيس المعكرونة، ثم مال برأسه قليلاً، منصتاً لذلك الصوت الفائر، وكأن القدر يعزف نغمة يعرفها، ابتسم أكثر، وبدأ يطرق بأصابعه على الطاولة، مكملاً الإيقاع الذي بدأه الغليان، ثم بصوت دافئ غنى
قمرين
قمرين دول ولا عينيك
قلبي بيسألني عليك
أتاريني بفكر فيك
اتسعت شفتي إبراهيم بإبتسامة واسعة مندهشاً من صوت كيرلس وسيطرته على الايقاع في نفس الوقت
"بتكره عمرو دياب ولا إيه؟"
سأل كيرلس بسبب ردة فعل إبراهيم المتفاجئة وعندها قهقه إبراهيم بخفة
"هتفرق؟، كده كده حافظ أغانيه"
"الله!، طب ما تغني"
"صوتي وحش"
"هو احنا في ذا فويس؟، غني"
رد ساخراً وعندها قهقه إبراهيم بتوتر واصر كيرلس
"غني"
حمحم إبراهيم بتوتر ثم بدأ يغني
قمرين، قمرين دول ولا عينيك
صمت لأنه كان خجلاً من صوته بينما قال كيرلس مشجعاً
"كمل"
"إنت اكيد أطرش"
قال وعندها قهقه كيرلس
"مش لازم صوتك يبقى افشخ حاجة عشان تغني، متخليش الرأسمالية تغسلك دماغك"
"إيه العلاقة؟"
رفع حاجبيه بتعجب
"الرأسمالية بتشجع اللي عندهم صوت حلو بس يغنوا ويستثمروا في صوتهم، بينما الباقي ملوش حق يفتح بؤه، لا طبعاً، غني، كلنا لينا الحق نغني حتى لو صوتنا وحش"
"سهل تقول كده صوتك تحفة"
قالها بتلقائية
ابتسم كيرلس ابتسامة دافئة، عينيه تلمعان، ثم اقترب خطوة صغيرة، يشابك يديه مع يدي إبراهيم، أصابعه تتشابك معه ببطء، كأنه يمنحه وقتاً ليتعود على الحرارة
اقترب أكثر، حتى صار أنفاسه الدافئة تتسرب لوجه إبراهيم، ثم مالت رأسه ببطء، وقبله قبلة قصيرة لكنها مليئة بالنعومة، كأنها شكر على اللحظة، أو اعتراف خفي لا يحتاج لكلمات
"إنت اللي تحفة"
همس بها على شفتيه قبل أن يبتعد قليلاً، وهو ما زال ممسكاً بيديه، وكأنه لا يريد أن يتركها أبداً
لم يترك كيرلس يدي إبراهيم، بل جذب إحداهما بخفة، ودور جسده نصف دورة حتى صار خلفه
مد ذراعيه ليطوقه من الخلف، يضم جسده لصدره، كأنما يحميه من العالم كله
إبراهيم تجمد للحظة، ثم شعر بعضلات صدر كيرلس وهي تضغط على ظهره، وبأنفاسه الهادئة تلامس أذنه، بدأ يهدأ عندما تسللت رائحة عطر كيرلس لأنفه
ترك رأسه يميل قليلاً للخلف، مستسلماً لتلك الدفعة من الأمان، بينما أصابع كيرلس بدأت تتحرك على يديه، تداعب مفاصله، تمرر لمسات صغيرة على أطراف أصابعه، وكأن كل لمسة منها تحكي شيئاً لا يُقال بالكلمات
كيرلس، بابتسامة خافتة لم يرها إبراهيم لكنه شعر بها، شبك أصابعه بأصابعه أكثر، ثم حررها قليلاً ليمرر أنامله بين فراغاتها، يضغط برفق كأنه يتأكد أن يده ما زالت هناك
لم يتكلما، كان الصمت لغتهما، ليس فراغاً، بل مساحة دافئة تتسع فقط لهذين الجسدين المتعانقين، ولهذا الإحساس الذي لم يعد أحدهما يريد الهرب منه
.
قمرين

.
18.على الحدود
"تشرب إيه؟"
سأل سليمان وهو يرمقه من زاوية عينه، كان مُلهم يجلس بجانبه على مقدمة السيارة، يرتدي جينز أزرق وبلوزة بيضاء قصيرة تكشف سرته، وشعره ينساب على كتفيه
"آيس كافي"
أجاب دون أن ينظر إليه
نهض سليمان بهدوء، وقبل أن يخطو بعيداً، عاد بعينيه إلى ملابس مُلهم الخفيفة، ثم خلع معطفه ووضعه على كتفيه
"أنا مش سقعان"
تمتم مُلهم وهو يحاول رد المعطف، لكن سليمان ضغط على كتفيه برفق وقال
"الجو ساقع، خليه"
اتجه سليمان إلى المقهى، تاركاً مُلهم وحده،
الأخير أنزل المعطف ووضعه بجانبه
"القمر قاعد لوحده ليه؟"
كان شاب يتحرش بمُلهم الذي أخذ بعض الوقت ليستوعب الموقف
"إنت بتكلمني أنا؟"
"أيوه يا قمر، ما تيجي أفسحك وأشربك حاجة حلوة"
في ثوانٍ، قفز مُلهم من على السيارة ولكمه بلا مقدمات
"إيه ده؟! ليه قلة الأدب؟"
صرخ الشاب ثم لكمه ، وعندها فقد مُلهم أعصابه، وانهال عليه بلكمات سريعة نحو رأسه
خرج سليمان في تلك اللحظة، لم يتردد، سحب مُلهم بعنف للخلف قبل أن يوجه هو نفسه لكمة قوية أصابت أنف الرجل وجعلت الدم يتفجر منه
كانت أنفاس سليمان تتلاحق وهو يقف فوق الرجل المترنح، عينيه تضيقان بحدة، وعضلات يده تتشنّج كأنها تبحث عن نهاية دامية للموقف
استدار نحو سيارته، فتح الباب الخلفي، وأخرج مسدساً أسود يلمع تحت ضوء الشارع
قال بصوت منخفض لكنه حاد كحد السكين
"أنا هخلص الموضوع دا دلوقتي"
"احا إنت مجنون؟"
اندفع مُلهم نحوه، قابضاً على معصمه بقوة، يحاول جعله يعدل عن قراره بينما يصرخ
"خلاص، هتودي نفسك في داهية"
"أنا عربي، مش هروح في حته"
رد بثقة
"احا بقى خلاص، انت اتجننت رسمي"
انتزع المسدس من يده بعنف، فاشتد صرير أسنان سليمان غيظاً
ظلا متشابكين لحظات، سليمان يحاول الإفلات، ومُلهم يضغط بكل ما أوتي من قوة
توقف سليمان أخيراً، وأرخى ذراعه ببطء، فيما ظلت عيناه مثبتتين على الرجل الذي بدأ يزحف مبتعداً وهو ينزف
ابتلع غضبه كمن يبتلع جمرة، ثم أعاد المسدس إلى مكانه داخل السيارة
التفت نحو مُلهم، وصوت أنفاسه ما زال ثقيلاً، عيناه تمسحان وجهه ببطء، تبحثان عن أثر أي إصابة، مد يده ليلمس جانب فكه، حيث ارتسمت حمرة خفيفة من ضربة الرجل، فأطبقت أصابعه عليه بحذر
"إنت كويس؟"
جاء صوته مبحوحاً، يختلط فيه القلق بالغضب المكبوت
اومأ مُلهم بالايجاب وهو ينظر لعيني سليمان القلقتين
"أنا كويس"
سليمان لم يرفع يده عن وجه مُلهم، بل ترك أصابعه تنزلق ببطء على طول خط فكه حتى لامست عنقه، إحساس النبض الدافئ تحت بشرته أشعل داخله رغبة في الاقتراب أكثر
اقترب حتى صار أنفهما يتلامس بخفة، أنفاسه الحارة ترتد على شفتي مُلهم، ورائحته تختلط برائحة العرق الخفيف والبرد
مُلهم لم يتحرك، لكنه ابتلع ريقه بصعوبة، وحركة حنجرته لم تخفَ عن عينَي سليمان، الذي ضاقت نظرته كمن وجد شيئاً يثيره أكثر مما يجب
أطراف أصابعه انتقلت من عنقه إلى عظمة الترقوة البارزة تحت البلوزة، يضغط بخفة، ثم يسحبها كأنه يختبر ردة فعله
جسد مُلهم استجاب بلا وعي، انفاسه تعمقت، وعيناه لم تتركاه، وكأنهما في تحدي
سليمان ابتسم ابتسامة جانبية خافتة، ثم مال برأسه قليلاً، شفتيه تقتربان أكثر، حتى صار الفاصل بينهما مجرد نفس واحد
يده الأخرى وجدت طريقها إلى خاصرته، تسحب جسده أقرب، حتى التصق صدره بصدره، نبضهما يختلط، والحرارة بينهما تزداد رغم برودة الليل
كان صمتهما أثقل من أي كلمة، ونظراتهما مشحونة
أصابعه على خاصرته لم تعد تكتفي بالثبات، بل تحركت ببطء إلى أسفل ظهره، تضغط بخفة كمن يريد سحبه أكثر حتى لا يبقى أي مسافة بين جسديهما
كان مُلهم يحدق في عينيه، لكن جفونه بدأت تثقل، وكأنها تستسلم لحرارة القرب
سليمان اقترب حتى لامس أنفه وجانب وجهه، ملمسه الدافئ يذيب برودة الليل
حركة أنفاسهما صارت متزامنة، يتبادلان الهواء ذاته، وكل شهيق كان يزداد ثقلاً، مشحوناً برغبة مكبوتة
أطراف أصابع سليمان انسابت على امتداد قميصه الخفيف، ملمس القماش على جلده جعله يتوقف للحظة عند حافة الخصر، ثم انزلق قليلًا على الجلد الدافئ تحته، لمسة قصيرة لكنها كافية لتجعل قلب مُلهم يرتجف في صدره
ارتعاشة خفيفة سرت في جسد مُلهم، لم تخفَ عن سليمان، الذي ردّ عليها بابتسامة جانبية أشبه باعتراف صامت بأنه لن يتوقف هنا
ضغط أكثر على أسفل ظهره، حتى شعر مُلهم بأنفاسه الحارة على جانب رقبته، تلامس خفيف جعل أطرافه تتصلب، بين الخوف والترقب
ابتسم سليمان ابتسامة صغيرة وهو يراقب الارتعاشة التي سرت في جسد مُلهم، وكأنه وجد نقطة ضعف لا ينوي التفريط بها
اقترب أكثر، حتى لامست شفتيه أذن مُلهم بخفة، ثم مرر أنفاسه الحارة عمداً، يطيل اللحظة وكأنه يختبر صبره
انزلقت أصابعه ببطء من أسفل ظهره إلى خاصرته، ثم ضغط بخفة قرب موضع حساس بما يكفي ليجعله يشهق دون وعي
ابتسم سليمان بإستمتاع بسبب تأثيره عليه
"قولتلك الجو برد، هتحتاج الجاكيت"
ثم فجأة ابتعد نصف خطوة، لكن عينيه لم تترك مُلهم
مد يده إلى السيارة، سحب المعطف الذي تركه مُلهم فوقها، ثم عاد واقترب منه ببطء، كأن كل خطوة محسوبة
رفع المعطف، ووضعه على كتفيه بنفسه، لكن هذه المرة لم تكن حركة عابرة
أصابعه مرت على عنقه وهو يُنزله برفق، وتوقفت لحظة على كتفيه، تضغط بخفة
هرب مُلهم بنظراته بعيداً
"بطل جنان وما تخرجش مسدسك تاني، مبحبش الناس اللي بتستخدم الأسلحة كأنها لعبة"
"بس أنا مكنتش بلعب، واللي يلمس الوش دا يستاهل يتشال من على وش الدنيا"
بينما يتحدث، كان إبهامه يمرر برفق على خد مُلهم، لمسة تجمع بين الحنان والحماية، لكن نبرته حملت شيئاً آخر لعوب، واثق، كمن يعرف أثره عليه تماماً
اقترب أكثر، حتى صار صوته الحار يلامس جلده، وعيناه معلقتان بملامحه وكأنه يدرس كل تفصيلة من جديد
ضغط بأصابعه قليلاً على خط الفك، ثم رفع ذقنه بخفة، مجبرًا إياه على النظر في عينيه
في تلك اللحظة، لم يكن بينهما سوى صمت مشحون، مزيج من الغضب الذي لم يخمد بعد، والرغبة التي اشتعلت رغم كل شيء
مُلهم حاول أن يتنفس بعمق ليستعيد توازنه، لكنه وجد نفسه يتراجع نصف خطوة، فقط ليدرك أن ظهره لامس السيارة، وأن سليمان قد أغلق عليه المسافة بالكامل
اقترب سليمان أكثر، حتى صار أنفهما يتلامسان، وصوت أنفاسه يختلط بأنفاسه
"عارف إيه مشكلتك؟"
همس وهو يميل برأسه قليلاً
"انك بتحاول سو هارد انك تقاومني"
مُلهم أبقى نظره ثابتاً في عيني سليمان، لكن ملامحه بدأت تتحول، من دفاع وحذر إلى ابتسامة خفيفة تحمل ذكاءً وجرأة
تحرك ببطء، وكأنه يختبر حدود صبره، حتى صار أقرب مما ينبغي، لدرجة أن أصوات قلبيهما بدت وكأنها تتجاوب في إيقاع واحد
رفع يده ليمرر أصابعه على ياقة سليمان، ثم نزلق ببطء إلى أسفل، متعمدًا لمس قماش قميصه حيث يلتصق بالجلد الدافئ تحته
"واضح إنك بتفكر فيا كتير"
قالها بصوت منخفض، في أذن سليمان
سليمان لم يرد، لكن عضلة فكه تحركت، وعينيه ضاقتا قليلاً، في مزيج من الانجذاب والغضب من إدراكه أن مُلهم بدأ يستخدم نفس أسلحته ضده
مُلهم، وقد شعر بقوة اللحظة، مرر إبهامه على طرف شفة سليمان، لمسة قصيرة لكنها كافية لترك أثر من القشعريرة على جذع سليمان، ثم تراجع نصف خطوة، وكأنه يقول اقترب إذا كنت تجرؤ
سليمان بقي في مكانه لحظة، يتأمل ملامحه، يدرك أن الفريسة لم تعد فريسة، بل شريك في لعبة شد وجذب، وكل منهما مستعد ليحرق الآخر بالشوق قبل أن يستسلم
مُلهم لم يكتفي بالتراجع، بل أدار رأسه قليلاً وكأنه على وشك أن ينهي الحديث، ثم أعاد نظره فجأة إلى سليمان بابتسامة جانبية حادة
"واضح إنك بتتكلم كتير، بس ما بتقدرش تعمل حاجة من غير إذني"
قالها ببرود مقصود، وهو يمرر أصابعه على صدر سليمان نزولًا، حتى توقفت عند حزامه، ولمس طرفه بخفة قبل أن يبتعد خطوة كاملة للخلف
سليمان تجمد لثانية، وكأن عقله يحاول اللحاق بما فعله مُلهم، لكن الشرارة التي انطلقت في عينيه لم تكن شرارة غضب فقط، بل اشتعال رغبة مكبوتة
في لحظة، ألغى المسافة التي بينهما، أمسك بمُلهم من مؤخرة عنقه بقوة تكفي لإثبات السيطرة، وجذبه نحوه بعنف جعل جسديهما وأنفاسهما تصطدم
ثم، دون كلمة، طبع قبلة عميقة على شفتيه، قبلة لم تكن رقيقة ولا مترددة، بل مليئة بالغضب، والغيرة، والشوق الذي حاول كبته طويلاً
.
19.حصار
جلسا في السيارة، المقاعد مائلة قليلاً، والزجاج مغبش من أنفاسهما
سليمان كان يميل برأسه للخلف، صدره يعلو ويهبط بسرعة، وعيناه نصف مغمضتين وكأنهما ما زالتا عالقتين في اللحظات السابقة
مُلهم بجواره، شعره مبعثر قليلاً، وشفتيه متورمتان، يبتسم ابتسامة جانبية قصيرة
كل منهما كان غارقاً في صمته، لكن العاصفة التي مرت بهما لم تهدأ تماماً، بل كانت تتردد أصداؤها في أنفاسهما وداخل جلدهما
سليمان شعر بحرارة جسد مُلهم ما زالت عالقة في أصابعه، بطعم شفتيه على فمه، وبالرجفة الخفيفة التي شعر بها عندما شده نحوه قبل دقائق فقط
كانت الصور تعود متقطعة، كومضات، نظرات متحدية، لمسات متعمدة، ورغبة لم تجد وقتاً لتخفف من ثقلها
مُلهم، في المقابل، كان يستعيد تفاصيل عيني سليمان عن قرب، وكيف امتزج فيهما الغضب بالشوق حتى صارا شيئاً واحداً
تذكر ضغط يده على خاصرته، وقوة القبلة التي لم تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، وابتسامة المنتصر التي لم تفارق سليمان وهو يسيطر على إيقاع اللحظة
كلاهما يعرف أن ما حدث قبل قليل لم يكن مجرد اندفاع، بل اعتراف غير منطوق، مر من خلال الجلد والنبض بدلاً من الكلمات
"عسول أوي إنت وشعرك"
قال سليمان ومد يده لشعر مُلهم، قربه من انفه ليستنشق رائحته وعندها سحب مُلهم شعره من يده، قهقه سليمان وتابع
"عسول أكتر وإنت بتعاند"
اقترب سليمان فجأة حتى صارت رائحة أنفاسه دافئة على بشرته، وعيناه ثابتتان على عينيه، لا تترك له فرصة للهروب
يده التي كانت على فخذه زحفت ببطء نحو خاصرته، تضغط بخفة لكنها تحمل نفس القوة التي استخدمها قبل دقائق، وكأنها تقول له (لسه ما خلصناش)
مُلهم حاول أن يحافظ على ابتسامته المستفزة، لكن قلبه كان يسرع النبض، فالحصار الجسدي الذي فرضه سليمان لم يترك مساحة سوى للاندفاع
"لسه نفسك طويل؟"
همس سليمان بصوت مبحوح، قبل أن يلتقط شفتيه فجأة، القبلة هذه المرة أبطأ، أعمق، وكأنها ليست هجوماً بل احتلالاً كاملاً
مُلهم، بدل أن يستسلم، رفع يديه إلى عنق سليمان، يسحب رأسه نحوه أكثر، يبادله بنفس العمق، بينما تزحف يدي سليمان تحت بلوزته لتلمس جلد ظهره، وكأنهما في صراع صامت لمعرفة من سيكسر الآخر أولاً
الأصوات الخافتة لأنفاسهما، واحتكاك الجلود، جعلت السيارة وكأنها عادت إلى لحظة الانفجار الأولى
حين تباعدا قليلاً، كان كلاهما يتنفس بثقل، وعيونهما تقول ما لم تجرؤ الكلمات على قوله
سليمان ابتسم، ابتسامة المنتصر للمرة الثانية
"ممكن نرجع البيت؟"
سأل مُلهم بأنفاس متلاحقة
كانت الأنفاس هو الصوت الوحيد المسموع، رد سليمان في النهاية
"لو رجعنا هتعمل نفسك كأن محصلش حاجة؟، ولا تنام معايا في الأوضة؟"
شعر مُلهم بأنفاسه تختنق، كيف يتحدث سليمان بكل هذه الجرأة؟، اشتعل وجهه خجلاً
"رجعنا للبيت"
قالها وهو يكاد يختنق، يكافح ليتنفس
مد سليمان يده ليشابك يد مُلهم
"أنا عايز أنام معاك"
شعر مُلهم أن سليمان وقح ولكن هذا لم يمنع سليمان من مواصلة حديثه
"عايز أنام وإنت في حضني لحد ما دماغي يتلخبط وما ابقاش عارف هو أنا اللي بتنفس ولا إنت، عايز كل مرة أحلم، أحس بيك جوا الحلم، ووأنا نايم أمد إيدي ألاقيك، فأتطمن وأكمل نومي
عايز أغطيك، عايز أصحى نص الليل وألاقيك بتتقلب ناحيتي من نفسك، وتدفن وشك في صدري، عايز أسمع صوت نفسك البطيء وإنت نايم، وأشوفك وإنت مغمض، عايز الصبح يصحينا وإنت في حضني، ولا حد فينا قادر يبعد نفسه عن التاني"
ابتسم بخفة، لكنه كان ينظر إليه بجدية تامة
"عايزك تكون آخر حاجة بشوفها قبل ما أنام، وأول حاجة أشوفها وأنا بفتح عيني، كل يوم"
ارتجف مُلهم رغماً عنه، لم يكن يعرف إن كان من البرد أم من حرارة الصورة التي رسمها سليمان بكلماته
أدار وجهه قليلاً ليهرب من حدة نظرته، لكنه لم يسحب يده، وكأن أصابعه صارت أسيرة تلك القبضة
"أمجد!"
صرخت بشرى عندما فتحت الباب ووجدت أمجد أمامها، عانقته بقوة وبادلها بشوق
"أمجد!"
قال زياد بنبرة استفهامية وهو يقترب من الباب وعندما رأى أمجد تفاجأ وانفتح ثغره وارتفع حاجبيه بدهشة ثم سحبه لعناق قوي
كان إنشاد يقف عند الباب، لاحظه زياد وسحبه ليدخل ثم عانقه بقوة هو الآخر
خرج زين من غرفته وعانق أمجد بقوة، خرجت ياسمين بسبب الأصوات، لاحظها أمجد وعندها قال باسماً
"إنتي ياسمين صح؟"
كانت تشعر بالقلق، هزت رأسها بالايجاب، ابتسم أمجد
"منورانا، بتحضني ولا متوضية؟"
انهى جملته ضاحكاً
اقتربت منه بحذر وعندها سحبها لعناق قوي، كانت قلقة في البداية ثم ارتاحت في أحضانه في النهاية، يبدو أن هذه الأسرة مختلفة تماماً عن العالم الخارجي، فهُم ليسوا مجرد عائلة نموذجية
"هاي!"
القى إنشاد التحية على ياسمين ثم صافحها بتحفظ
"أنا جوز أمجد"
"نات يت"
تدخل أمجد وعندها أضاف إنشاد بلا مبالاة
"الجواز مسألة وقت"
"عديت على باباك؟"
سأل زياد أمجد الذي رد بتردد
"لسه، مش متطمن بصراحة"
"عيب عليك، هو لعب عيال؟، مش كلمك وقال أنه متقبلك؟"
بدأ أمجد يشرح سبب قلقه
"ما بابا كده، شوية يديك أمل وفجأة يسحبه منك، فا خايف يسحب مني الأمل اما ازوره"
"ما تقولش كده، زمان باباك اتعلم إنك حر تعمل اللي تعمله، هو إنت هتخليه هو اللي يتجوز راجل يعني؟"
قال زياد محاولاً تخفيف الجو لكن أمجد ظل متوتراً
"طب بص، هكلمك يجي هو"
اقترح بسيوني ووجدها أمجد فكرة جيدة، فحتى لو غير رياض رأيه فهو سيتصنع التقبل عند رؤية بسيوني كعادته، لا يهم إن تصنع، المهم أن لا يتصرف بعدوانية
ببعد دقائق، وصل رياض وعانق أمجد بحرارة
مد إنشاد يده لمصافحته، لكن رياض اكتفى بتأمل وجهه لثوانٍ طويلة بعينين متفحصتين، قبل أن يمد يده أخيراً ويصافحه ببرود
كان التوتر واضحاً، والجميع لاحظ طريقة المصافحة ونظرات رياض التي حملت احتقاراً دفيناً وعداءً صامتاً
"رياض، ممكن ثانية؟"
ناداه بسيوني بإبتسامة ثم سحبه من يده للشرفة
تنهد رياض بضيق وعندها سأله بسيوني
"تشرب حاجة؟"
"لا، شكراً"
"ممكن أفهم ليه بتبص لإنشاد كده؟"
"هو طبيعي أشوف الراجل اللي بينام مع إبني واتعامل معاه عادي؟"
حل الصمت لثواني، كان بسيوني يشعر بالضيق أنه مضطر للشرح من البداية، ثم بدأ حديثه بسؤال
"ليه بتفكر كده؟"
"يعني إيه؟"
"ليه أول فكرة جت في بالك هو السرير؟، ليه بتفكر في السكس في حياة شخص تاني"
"دا إبني"
"وبشرى لما تتجوز، هتفضل تفكر في حياتها الجنسية هي كمان؟، ولا عشان هتكون مع راجل يبقى الموضوع طبيعي بالنسبالك؟، الفرق الوحيد إنك شايف علاقة ابنك عيب، مش عشان الحب، لكن عشان عندك قناعة إن السكس دايماً فاعل ومعفول به، وإن الراجل اللي مع راجل لازم يكون فيهم واحد أقل"
تجنب رياض النظر إليه، فتابع بسيوني
"مش المفروض أصلاً تبص على حياة ابنك الجنسية، ولا أي حد تاني، دا مش شغلك، ما تسطحش علاقة عاطفية وتحصرها في أوضاع السرير"
تململ رياض وقال بنبرة دفاعية
"هو ليه دخل علاقة مع راجل لو مش عايز حد يفكر فيه؟"
"عشان بيحبه"
رد بإقتضاب لينهي النقاش
ورغم أن بسيوني كان يمكنه تذكير رياض بهوسه به لكنه لم يفعل لأنه وجده شيئاً غير أخلاقي، اراده أن يفهم دون الحاجة لإستخدام الابتزاز أو الوسائل غير الأخلاقية
.
20.غداء ومنزل دافئ
"احا هو دا تاج؟"
كان زين متفاجئاً من رؤية محمد في منزله بعد أن طلبه زياد
بينما محمد شعر بالسعادة أن زين معجب به وصافحه بحرارة، فأي طفل يخص زياد يهمه
"هو تاج قريبكم؟"
سأل إنشاد بدهشة
"لا، اولد فريند"
رد زياد ثم سحب محمد واقتاده للشرفة بين اندهاش الجميع عند رؤيته
"محتاج مساعدتك"
"عنيا ليك"
رد بسعادة، كان مبتهجاً أن زياد يطلب مساعدته
"بتعرف تتناقش مع الهوموفوبيك صح؟"
"جداً، دي متعتي"
رد بفخر
"اوكاي، هعرفك بأمجد، وبعدين بوالده اللي رافض يتقبله، ومهما اتكلمنا معاه اقتناعه بيكون اقتناع لحظي بس، وبعد شوية يرجع مش مقتنع، أمجد دا زي ابني بالظبط، فلو تصلح علاقته بوالده هكون ممتن جداً"
هز محمد رأسه بحماس حتى عرفه زياد على أمجد والذي تفاجأ برؤية محمد لأنه مغني مشهور، طمأنه محمد وأخبره أنه بارع في الإجابة على أسئلة الكارهين للمثلية وأنه سيقنع والده بتركه وشأنه
سمع رياض طرق على باب منزله، فتحه ووجد محمد أمامه يبتسم
"هاي!"
"احا هو مش إنت المغني المشهور؟"
سأل رياض بتفاجوء
"ممكن ادخل؟"
سأل محمد بأدب
"اتفضل"
افسح له رياض ليدخل ثم بدأ يسأله عما يريد شربه وفي النهاية قدم له كوب عصير
"تسمحلي نتكلم عن أمجد؟"
سأل بإبتسامة ودودة وتعجب رياض كيف للنجم المشهور أن يعرف ابنه
"تعرفه منين؟"
"ممكن نتكلم عنه؟"
كرر سؤاله وتنهد رياض بقلة حيلة
"ممكن"
هز محمد رأسه بالايجاب
"اوكاي، عرفني عليهم، أنا مستعد"
كان الملعب يضج بالحركة، والأصوات تتداخل بين ضحكات وهتافات
يوسف كان يركض خلف الكرة، أنفاسه متلاحقة وقطرات العرق تنساب على جبينه، وعيناه بين الحين والآخر تبحثان عن تيام الواقف عند خط التماس يشجّعه بابتسامة واسعة
لكن فجأة، وقعت عيناه على عمر، أحد لاعبي الاحتياط، وهو يقف بجوار تيام، يضحك معه ويشير بيده نحو الملعب، ثم، دون تردد، وضع يده على كتف تيام وهو يكمل حديثه
شعر يوسف بحرارة غريبة في صدره، ليست من الركض، بل من المشهد أمامه
في اللحظة نفسها، مرت الكرة من أمامه دون أن ينتبه، فصرخ أحد زملائه
"يوسف! الكورة!"
انتفض يوسف من شروده، وانطلق سريعاً خلف الكرة، لكن خطواته لم تعد بنفس التركيز، إذ كانت عيناه تعودان كل بضع ثوانٍ ناحية تيام وكريم
ثم فجأة، بدلاً من أن يكمل الهجمة، انحرف بالكرة نحو خط التماس، مقترباً من الاثنين
ركل الكرة لتخرج خارج الملعب ثم قال ونبرته تحمل شيئاً من الضيق
"تيام، تعالى، محتاجك في حاجة"
رمقه تيام باستغراب
"في إيه؟"
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة مصطنعة
"هقولك، تعالى بس"
مد يده على كتف تيام وسحبه برفق، مبتعدًا به عن كريم ومتجهًا إلى جوار المرمى، وهناك طلب منه زجاجة مياة ومشروب طاقة، بينما الحقيقة أنه لم يكن يريد إلا أن يبقيه إلى جواره
بعد انتهاء المباراة، كان يوسف يلهث، والعرق يلمع على جبينه، لكنه ما زال يبتسم. نظر سريعًا نحو خط التماس، وهناك كان تيام، يصفق ويهتف له وكأن الفوز كان فوزه هو أيضاً
اقترب يوسف بخطوات سريعة، وقبل أن يقول أي كلمة، مد يده وأخذ زجاجة المياه من تيام، شرب نصفها في جرعة واحدة، ثم تنهد براحة
قال تيام وهو يبتسم بخبث
"أنت كنت بتتفرج عليا طول الماتش، صح؟"
هز يوسف كتفيه ببلاهة وهو يمسح العرق بالمنشفة
"مش دايماً، كنت بشوف الكورة برضه"
ضحك تيام واقترب أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما شبه معدومة، ثم رفع يده يمسح بإبهامه قطرة عرق انزلقت على خد يوسف
"كداب، عينك ما سابتنيش"
ابتسم يوسف، ورد بنفس الهدوء
"يمكن"
وفي لحظة، لف يوسف ذراعيه حول خصر تيام معانقاً ظهره، شده نحوه وكأنه يخشى أن يسرقه أحد، وأخفى وجهه قرب كتفه
قال بصوت منخفض لا يسمعه سواه
"وحشتني، حتى وأنا بلعب"
شعر تيام بحرارة الكلمات، ومد يديه يربت بخفة على ذراعي يوسف، مبتسماً وكأنه يحفظ تلك اللحظة في ذاكرته
دخل تيام البيت وهو يرمي حقيبته على الأريكة ويتنهد بتعب
من المطبخ، خرج كيرلس بابتسامة واسعة
"نورت يا بطل"
ثم انحنى وطبع قبلة سريعة على شعره، بينما كان إبراهيم يقف خلفه حاملاً صينية الغداء
تحدث إبراهيم بنبرة دافئة
"يلا اغسل إيدك، الغدا جاهز"
جلس تيام على الطاولة، ولاحظ أن الأطباق كانت مرتبة بعناية، والمعكرونة التي يحبها بالبشاميل أمامه بالضبط
كيرلس جلس بجواره، بينما إبراهيم جلس مقابله، لكن الغريب أن نظراتهما كانت تتقاطع بين كل جملة وأخرى، فيها دفء لم يره بين والده وأي شخص من قبل
حين مد كيرلس له كوب العصير، لاحظ تيام أن يد إبراهيم كانت تلمس يد كيرلس للحظة قبل أن يسحبها، وكأنها حركة عابرة، لكنها لم تكن عابرة
وبينما يأكل، سمع ضحكة مشتركة بينهما، ضحكة قصيرة لكنها مليئة بتفاهم خاص، كأن بينهما لغة صامتة لا يعرفها سواهما
تيام لم يقل شيئًا، لكنه ظل يراقب بصمت، يحاول أن يفهم، وعقله يسجل كل التفاصيل الصغيرة، النظرات، اللمسات، والابتسامات التي تدوم أطول من اللازم
بعد الغداء، انسحب تيام إلى غرفته، لكن عقله كان ما زال عالقاً في مشاهد المطبخ بينما تعلو شفتيه ابتسامة دافئة
لم تكن المسألة مجرد طعام لذيذ أو ترحيب دافئ، بل كانت تلك الحميمية التي تسري في الجو من حولهم الحميمية التي لم يعهدها في بيته
في السابق حين كان والديه معاً، كانت الأصوات تعلو أكثر مما ينبغي، والجدال يتحول إلى شجار، والشجار إلى صمت ثقيل
كان يتذكر ليال كثيرة كان ينام فيها وهو يستمع لصوت الأبواب تُغلق بعنف، أو لكلمات جارحة تتطاير في الهواء
ثم جاء اليوم الذي طلبت فيه أمه الطلاق، وغادرت البلاد
منذ ذلك الحين، صار البيت مجرد جدران، بلا دفء، بلا لمسة طمأنينة
لكن مع وجود كيرلس الآن، كان كل شيء مختلف
أصبح هناك يد تُمد لتناوله كوب ماء حتى قبل أن يطلبه، هناك ابتسامة تستقبله قبل أن يخلع حذاءه، وهناك ضحكة خفيفة تجعله يحس أن المكان آمن، وأنه هو نفسه آمن
جلس تيام على سريره، يتذكر كيف كان إبراهيم يضع يده على كتف كيرلس وهو يمازحه، وكيف كان كيرلس يملأ طبقه وهو يسأله عن يومه باهتمام حقيقي
كان مشهداً بسيطاً، لكنه بالنسبة له بدا كعالم جديد، عالم فيه الحنان أمر طبيعي، لا رفاهية نادرة
ذلك الشعور كان جديداً عليه، لكنه لم يرد أن يفقده أبداً
تسلل خارج غرفته ليراقب إبراهيم وكيرلس اللذان كانا على الأريكة حيث يستند كيرلس برأسه على كتف إبراهيم بينما يتشابكان الايادي ويشاهدان التلفاز، كان المشهد دافئاً يجعل تيام يشعر بالأمان
عاد لغرفته وارتمى على السرير بينما تعلو شفتيه ابتسامة طمأنينه، أخيراً أصبح منزله دافئاً، أخيراً دق الحب باب منزله
نهض إبراهيم من على الأريكة بعدما خفت صوت التلفاز، ثم مد يده نحو كيرلس وقال بصوت منخفض
"تعالى"
تردد كيرلس لحظة قصيرة، ثم وضع يده في يد إبراهيم، فتشابكت أصابعهما تلقائياً
قاد إبراهيم خطواته عبر الممر المظلم، والبيت غارق في سكون الليل، حتى وصلا إلى باب غرفة النوم
دفعه إبراهيم برفق، ودخلا معاً، وأغلق الباب بهدوء
الضوء المتسلل من النافذة كان ينساب على وجه كيرلس، نصفه في الظل ونصفه الآخر مضاء بهالة ناعمة
تقدم إبراهيم حتى صار أمامه مباشرة، ورفع يده ليمسح بإبهامه على خط فكه، وكأن تلك اللمسة اعتراف لا يحتاج إلى كلمات
اقترب أكثر، حتى اختلطت أنفاسهما، وتوقفت اللحظة على شفا قبلة
في البداية، لامست شفاهه شفتي كيرلس بلمسة حذرة، كما لو كان يتأكد من أنه مسموح له بالعبور
حين تجاوب كيرلس، تحولت اللمسة إلى قبلة أعمق، بطيئة، غنية بالحرارة، يتخللها تنفس متقطع يفضح الارتباك والاشتياق معاً
ضم إبراهيم وجه كيرلس بين كفيه، وكأنما يخشى أن يفر منه، بينما انزلقت يد كيرلس إلى مؤخرة عنقه، تجذبه أقرب، حتى التصقت صدورهما
كانت الشفاه تتحرك ببطء، تغير زواياها بين الحين والآخر، تتخللها لحظات ابتعاد قصيرة لا تتجاوز ملليمتراً، يعودان بعدها بشوق أكبر
وحين انفصلا أخيراً، كان وجهيهما متقاربان، جباههما متلامسة، وأنفاسهما حارة
ابتسم كيرلس ابتسامة صغيرة وهمس
"أنا كنت عايش إزاي قبلك؟"
ابتسم إبراهيم بدوره ثم طبع قبلة ناعمة ولزجة على شفتي كيرلس
"أشهد أن قلبي ملك لك وحدك لا شريك لك"
ابتسم كيرلس ضاحكاً ثم رد عليه
"يا إبراهيم يا ابن النور"
.
21. استدعاء ولي أمر
كان الجو في الفصل مملوء بالضوضاء، الطلاب يتحدثون ويضحكون قبل بدء الحصة
تيام كان جالساً على مقعده يراجع دفتر الرياضيات، بينما يجلس يوسف على المقعد خلفه، يراقبه من بعيد
فجأة، دخل كريم زميلهم في الصف وجلس على طرف طاولة تيام، مائلاً بجسده للأمام، يريد لفت انتباهه
"تيام، فاكر السؤال اللي الأستاذ سابه المرة اللي فاتت؟، أنا مش فاهمه خالص"
ابتسم تيام بهدوء، وأخذ يشرح له، ورأسه منحني على الكراسة، بينما كريم يقترب أكثر ليرى الشرح
شعر يوسف بانقباض في صدره، ورأسه يمتلئ بأفكار غير مريحة، كان يتابع حركة يد كريم وهو يشير على الورقة، واقترابه المبالغ فيه من تيام
لم يتحمل أكثر، فمد يده للأمام وسحب مقعد تيام فجأة، ليندفع للخلف مما جعل تيام يشهق بقوة من التفاجئ ونظر كريم نحوه باستغراب
قال يوسف بنبرة حادة
"إيه يا أستاذ كريم، إحنا في درس خصوصي ولا في فصل؟، سيبه يركز شوية احنا ورانا حصة، ابقى اسأل الأستاذ"
ضحك كريم بتوتر وقال
"ماشي ماشي، معاك حق"
ثم غادر مقعده
استدار تيام نحو يوسف، حاجباه مرفوعان بابتسامة ساخرة
"إنت هتفضل تغير من أي حد يقربلي؟"
انحنى يوسف للأمام، وصوته منخفض لا يسمعه أحد غيره
"مش أي حد، بس اللي بيقعد بالشكل ده قدامك، ببقى عايز آكله"
ابتسم تيام، مد يده للخلف قليلًا حتى لمس أصابع يوسف تحت الطاولة، ضاغطاً عليها بخفة
"طب متقلقش، أنا هنا معاك أنت، مش مع حد تاني"
يوسف اكتفى بابتسامة صغيرة، لكنه أبقى يده ممسكة بيد تيام تحت الطاولة حتى دخل الأستاذ الفصل
جلس أمجد على طرف السرير، أصابعه متشابكة في حجره، وعيناه تائهتان نحو النافذة التي كانت تُطل على ليل القاهرة
كانت عودته إلى مصر ثقيلة على قلبه، والذكريات تختلط بالمخاوف، حتى بدا كأنه لا يستطيع التقاط أنفاسه بهدوء
اقترب إنشاد بخطوات هادئة، وجلس أمامه على الأرض، حتى صار على مستوى نظره
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال بصوت مطمئن
"ما تخليش الجو يأثير فيك، خليك على طبيعتك"
مد يده وأمسك يد أمجد برفق، رفعها إلى شفتيه وقبلها قبلة دافئة، كأنها وعد صامت بأنه هنا، معه
ثم أخرج زجاجة صغيرة من طلاء الأظافر الأسود، وبدأ يفتحها بهدوء
تحدث أمجد بابتسامة خجولة ممزوجة بإرتباك وقلق حقيقي
"إنت شايف إن دا مناسب لمصر؟، أو لبابا المتعصب أنه شافنا سوا بس؟"
ضحك إنشاد وهو يضع الفرشاة في الزجاجة، ثم بدأ يمرر اللون على ظفر أمجد، يرفع عينه أحياناً ليتأكد أن أمجد ما زال ينظر إليه
"أحسن حاجة تعملها انك تفضل على طبيعتك"
أنهى آخر إصبع، ثم نفخ عليه قليلاً ليجف، وظل ممسكاً بيده، يمرر أصابعه على راحة كفه كمن يثبت الطمأنينة فيه
كان الليل ساكناً، لكن أمجد شعر في تلك اللحظة أن قلبه أقل ثقلاً، وأن سواد الأظافر صار كبطاقة هوية، هويته كرجل مثلي يحب إنشاد
بعد أشهر بعيد عن مصر، تغير أمجد بشكل واضح
البعد عن الأعين التي كانت تراقبه منحه مساحة للتنفس، ومساحة أكبر ليكون نفسه بلا خوف
خلال هذه الأشهر، أصبح أكثر فخراً بهويته كمثلي، وأكثر تصالحاً مع كل ما كان يخفيه من قبل
بدأ يجرب ملابس متنوعة بلا تردد، يميل أحياناً للألوان القوية والقصات المميزة، وأحياناً للبساطة، لكن دائماً بما يعكس ذوقه هو، لا ذوق أحد سواه
أصبحت الإكسسوارات جزءاً أساسياً من إطلالته، سلاسل وخواتم وأساور تحمل لمسة شخصية، وكأن كل قطعة منها تروي جزءاً من قصته
أما طلاء الأظافر، فكان اكتشافه المفضل، لون أسود في أغلب الأحيان، يضعه بثقة لأنه بات يرى نفسه حراً في اختيار ما يحبه، لا ما يُفرض عليه
عاد إلى مصر وهو يعلم أن المكان سيكون كما تركه، لكن هو نفسه لم يعد كما كان
شغل إنشاد أغنية تو ليت وسحب أمجد ليقف ويرقص معه بمرح محاولاً تغيير الجو الموتر، حتى نجح بالفعل وبدأ أمجد يرقص ضاحكاً
شوفوا شوفولي عينيها
بيحسدوني عليها
شوفوا شوفولي عينيها
بيحسدوني عليها
عندما ذهب كيرلس لاصطحاب ملاك من المدرسة، توقف فجأة عند رؤيته، كانت ملابسه متسخة بالتراب، ياقة القميص ملتوية، وعلى مرفقه كدمة صغيرة
رفع حاجبيه بقلق واقترب منه سريعاً
"في إيه يا ملاك؟"
سأله وهو يحاول فحصه بعينيه
لكن ملاك أجاب سريعًا، صوته مبحوح، وعيناه تهربان إلى الأرض
"مفيش"
حاول كيرلس استدراجه بالكلام أكثر، لكن ملاك ظل صامتًا، شفتيه منطبقتان بعناد الخائف. اضطر كيرلس أن يسحبه برفق إلى السيارة، وقلبه يغلي بقلق مكتوم
حين وصلا إلى بيت إبراهيم، خرج الأخير ليستقبلهم، وبمجرد أن وقع بصره على حال ملاك، انكمشت ملامحه ناداه بصوت حازم
"ملاك، عايزك"
توقف ملاك مكانه، جسده كله ارتعش. ابتلع ريقه كمن يستعد لمحاكمة، ونظر نحو والده الذي اكتفى بإيماءة صامتة تعني
"اسمع الكلام"
لم يكن أمام ملاك مهرب، فتبع إبراهيم بخطوات بطيئة مترددة
دخلوا الغرفة، وأغلق إبراهيم الباب خلفهما. جلس على الكرسي وأشار إليه
"اقعد"
جلس ملاك وهو يضغط كفيه المتعرقتين ببعضهما
سأله إبراهيم بجدية وهو يحدق في ملابسه
"ممكن أعرف ليه هدومك كده؟"
تلعثم ملاك قليلاً ثم قال بصوت خافت
"وقعت"
ارتفع حاجب إبراهيم باستهجان
"فعلاً؟، وقعت فين؟"
أجاب ملاك على عجل
"على السلم"
تابع الكذب وهو ينظر لأي مكان إلا وجه إبراهيم
قال إبراهيم بنبرة أكثر حزماً
"بصلي وإنت بتتكلم"
ارتجف ملاك، ورفع عينيه بتردد، وما إن تلاقت نظراتهما حتى انهارت دموعه، تساقطت بغزارة حتى لم يعد يقدر على السيطرة عليها
تنهد إبراهيم، وصوته هذه المرة صار أهدأ
"مش قصدي أخوفك، أنا بس عايزك تقولي الحقيقة"
جلس دقائق يراقب بكاءه بصبر، حتى بدأ ملاك يبوح بانفعال متقطع بين شهقات
"الطلاب بيكرهوني، أنا المسيحي الوحيد في الفصل بيضربوني وبيتريقوا عليا، أنا مش عايز أتعلم"
اقترب إبراهيم، وضع يده برفق على رأسه، وأخذ يمسح شعره بحنو، ثم جذبه إلى صدره وعانقه
"طيب، ممكن تحكيلي بالراحة؟"
قال ملاك وهو يمسح دموعه بكمه
"بيقعدوا يضربوني ويقولولي خلي العدرا تنقذك"
ظل إبراهيم صامتاً، يمسح دموعه بحذر كأنه يخشى أن يؤلمه أكثر ثم سأل بلطف
"طيب ممكن تعرفني مين الولاد دول؟"
تردد ملاك قليلاً، ثم أومأ برأسه موافقاً ابتسم إبراهيم وأمسك خده، قبل جبينه برفق وقال
"ما تقلقش، كله هيبقى تمام، ووعد هنفذلك اللي إنت عايزه بعدها"
في اليوم التالي، لم يذهب كيرلس لاصطحاب ملاك، بل إبراهيم بنفسه، وقف في ساحة المدرسة كظل ثقيل، يراقب بعينيه الحادتين. ما إن لمح ملاك حتى اقترب منه، وسأله بهدوء
"فين الولاد دول؟"
أشار ملاك بخوف إلى مجموعة من الطلاب يقفون في باحة المدرسة، يضحكون بأصوات عالية ويتبادلون النكات
ربت إبراهيم على كتفه وقال بصرامة
"خليك هنا"
سار بخطوات واثقة نحوهم، لم ينتبهوا إليه إلا حين صار بينهم
فجأة قبض على ملابس أحدهم، رفعه عن الأرض بذراع واحدة، حتى تدلت قدماه في الهواء، اتسعت عيون بقية الطلاب، وجمدت ضحكاتهم في حناجرهم
صوت إبراهيم خرج صارماً ممزوج بسخرية
"قولولي بقى، ربكم الأعلى بيعرف يخليكم تطيروا؟"
.
قسم الشكاوي

.
22. دليل الوالدان
كانت الغرفة غارقة في عتمة خفيفة، ضوء المصباح الصغير يلون الجدران بظلال دافئة
الهواء ساكن، إلا من أنفاس هادئة تتردد في الصمت
استلقى سليمان على ظهره، عينيه معلقتان بالسقف، بينما كان مُلهم بجواره، مستلقياً على جانبه، يراقب ملامحه بعينين نصف ناعستين بينما ذراع سليمان تحيط خصره
نظر سليمان لمُلهم ثم قال بصوت خافت
"عمرك ما بتسيبني أعرف إنت بتفكر في إيه"
أجاب مُلهم بعد تردد قصير
"يمكن علشان لو قلتلك مش هتعرف تتعامل معاه"
اقترب سليمان أكثر، واسند رأسه على ذراع مُلهم، أصابعه تتحرك ببطء على صدره في دوائر صغيرة
"طب جرب، يمكن أقدر"
التفت مُلهم نحوه، عينيه فيها خليط من تعب وحنين، ثم مرر يده على شعره بنعومة، كما لو أنه يستمد راحة خفية من وجوده
"أنا بخاف، بخاف إنك يوم تصحى وتقرر تمشي، أنا حتى أهلي ما اتمسكوش بيا، ليه ممكن حد تاني يعمل كده؟"
ابتسم سليمان ابتسامة حزينة، ثم اقترب حتى تلامست جباههما
"أنا هنا، ومش ناوي أسيبك، حتى لو إنت اللي حاولت تبعدني، والعائلات ملهاش قيمة احنا في الزمن الحديث دلوقتي، رابطة الدم مش شيئ له معنى"
ظل سليمان صامتاً للحظة، قبل أن يسحب ملهم أقرب، يحتضنه بشدة، كأن الكلمات لم تعد تكفي، ارتخت أنفاسهما معاً، ومع كل لحظة قرب، بدا الخوف يتراجع أمام شعور أعمق، أمان لم يعرفه كلاهما منذ زمن
"بعدين أنا نفسي علاقتي بأبويا مش أفشخ حاجة يعني"
قال سليمان ضاحكاً ثم طبع قبلة على شفتي مُلهم
ابتسم مُلهم ثم تلاشت ابتسامته وابتعد عن حضن سليمان واعتدل جالساً، وعندها سأل سليمان بإستغراب
"في إيه؟"
"إيه موقف أهلك من إنك ترتبط بترانس مان؟"
باح مُلهم بسبب قلقه
"هما مالهم؟"
قطب مُلهم حاجبيه بعصبية، تحدث بين خوف وغضب
"سليمان ما تهزرش، إنت عربي، ممكن يقتلوك"
كانت عيناه تتحركان في الغرفة بسب توتره، وكان ارتعاش يده الصغيرة وهو يمررها على ذراعه كافياً ليؤكد أن القلق لم يكن مزيفاً بل حقيقة يعيشها
"هيعرفوا منين؟، بابا رامي طوبتي أصلاً عشان كده سايبني في القاهرة، رفضت اتجوز منهم عشان أفضل بعيد، مفيش حاجة هتحصل"
حاول سليمان طمأنته، مد يديه وشابك يدي مُلهم بنعومة
"ما تقلقش، أنا عمري ما هقرب منك لو حسيت إن ممكن أي أذى يحصلك"
أغمض مُلهم عينيه لحظة، شعر بحرارة يد سليمان تلفه، لكن صراعاً داخلياً كان يعصف به
بين رغبة في الاستسلام لهذا الأمان المؤقت، وبين خوفه العميق من واقع لا يرحم
وكأن دفء يد سليمان يفتح باباً ظل موصداً طويلاً
شعر أن قلبه يطرق صدره بعنف، لكن هذه المرة لم يكن الخوف وحده من يقوده
كان هناك شعور آخر يتصاعد من أعماقه، شعور لم يزره منذ زمن بعيد
تذكر زياد وبسيوني، كيف مدا له يد العون في وقت كان يظن فيه أن لا أحد سيراه، كيف اختاراه ليكون فرداً من عائلتهما، لا صدقة ولا شفقة، بل مكان حقيقي بينهم، ذلك كان الاختيار الأول الذي أنقذه من الوحدة
والآن، وهو جالس بجوار سليمان، يده بين يديه، شعر أنه يُختار من جديد
للمرة الثانية في حياته، لم يكن "عبئاً"، ولا "مشكلة"، ولا مجرد "رجل عابر غريب الأطوار"
ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة، لكنها هذه المرة لم تكن لإخفاء قلقه، بل لأنه استشعر شيئاً نادراً، أن الحياة رغم قسوتها، ما زالت تعطيه فرصة جديدة ليُحب ويُحَب
رفع مُلهم رأسه ببطء، التقت عيناه بعيني سليمان
لم يهرب هذه المرة
اقترب سليمان أكثر، حتى شعر مُلهم بحرارة نفسه تلامس وجنته
لحظة صمت ثقيلة، لم يكن فيها سوى ارتجاف شفتي مُلهم
ثم، وكأن شيئاً في داخله تحرر، أغمض عينيه وترك المسافة تُمحى
تلامست شفاههما بخفة أولاً، كتحية مترددة، لكن سرعان ما تحولت إلى قبلة أطول، عميقة، حملت كل الخوف المؤجل
ارتعش كتف مُلهم، لكن سليمان أحاطه بذراعه، جذبه إلى صدره، كأنما يحميه من العالم بأكمله
حين ابتعدا، ظل جبيناهما ملتصقين، يتبادلان أنفاساً حارة ونبضات متسارعة
قال سليمان بصوت مبحوح، يكاد يكون همساً
"أنت مش لوحدك ومش هتكون تاني"
لم يرد مُلهم بكلمات، فقط أطلق زفيراً طويلاً كأنه يضع كل أثقاله في يد سليمان، ثم ابتسم ابتسامة صافية هذه المرة، بلا أقنعة
كان البيت ساكناً حتى دخل كيرلس بغضب شق الهدوء نصفين، وجهه متجهم، يده ترتجف من الغضب المكبوت بعد أن عاد من المدرسة بعد أن وصل له استدعاء، دخل غرفة الجلوس فوجد إبراهيم جالساً ببرود على الكرسي، ساق فوق ساق، يشرب قهوته ويشاهد التلفاز كأن شيئاً لم يحدث
أما ملاك، فكان يجلس في الركن، عيناه تلمعان، يحاول جاهداً أن يكتم الضحكة اللي تكاد تفلت من بين أسنانه
وقف كيرلس أمام إبراهيم وصرخ بصوت مرتفع
"معقول يا إبراهيم؟، بتضرب عيال؟، دي مدرسة، مش مسلسل لمحمد رمضان"
رفع إبراهيم نظره ببطء نحوه، ولم يفقد هدوءه
"عيال؟، دول بلطجية مسخوطين عايزين يتربوا، ووريتهم أنه ما ينفعش يتكلموا مع ملاك تاني"
كيرلس ضرب كفه على الطاولة الخشبية، صوته ارتجف من العصبية
"لكن النتيجة إيه؟، اتفصل، ملاك اتفصل من المدرسة بسببك"
تسللت ضحكة قصيرة من ملاك وهو يغطي فمه بسرعة، وحين لاحظه كيرلس، التفت إليه بعصبية
"وإنت بتضحك على إيه؟، ده مستقبلك"
لكن ملاك لم يستطع السيطرة على نفسه أكثر، انفجر ضاحكاً وهو يقول بين شهقات
"أصل منظر الولاد كان يضحك أوي"
ابتسم إبراهيم بخفة وهو ينظر لملاك، وعندها قال كيرلس بحزم
"ملاك سيب الكبار يتكلموا"
انصرف ملاك وذهب لغرفته واعاد إبراهيم عينيه نحو كيرلس، صوته أكثر هدوء
"شوف، إنت شايفني غلطان، وأنا شايف إني كنت لازم أعمل كده، لو فضلنا مع التربية الايجابية والطبطبة كانوا هيسوقوا فيها أكتر"
كيرلس تنفس بعصبية، أدار ظهره لحظة كأنه بيحاول يسيطر على غضبه، ثم التفت من جديد
"أنا مش مختلف معاك في إنك تحميه، بس الطريقة يا إبراهيم الطريقة!"
"عايزني كنت أعمل إيه؟، أقولهم كخة يا عيال يا نوتي؟، دول بلطجية مش عيال"
استقام واقفاً
"روق، كده كده ملاك مكنش حابب المدرسة، أنا هنقله لمدرسة تيام، أحسن بكتير، واهو نوصلهم سوا"
كيرلس عض شفته السفلية، ورفع عينيه
"إنت بتلعبها إزاي يا إبراهيم؟، بتحاول تقنعني إنك عملت الصح؟"
إبراهيم ضحك بخفة
"أنا مش محتاج أقنعك أنا بسيبك تشوف بعينك، الولد لأول مرة مبسوط، ودي مش محتاجة مناظرة"
ابتسم إبراهيم بخفة، ونهض من مكانه بخطوات بطيئة، اقترب إبراهيم حتى اصبح أمامه مباشرة
رفع يده ولمس كتف كيرلس بهدوء، ثم قال بصوت منخفض كأنه يهمس
"روق، كل اللي بعمله عشانه، وعشانك كمان"
كيرلس حاول أن يبتعد قليلاً، لكنه تجمد في مكانه، عينيه معلقتين بعيني إبراهيم، كان هناك شيء في نبرة صوته يذيب الصلابة التي ملأته منذ لحظات
مد إبراهيم يده الثانية، أمسك بكفه بحنان، ضغط عليه قليلاً، وقال بابتسامة واثقة
"إنت طول عمرك شايل هم كل حاجة لوحدك، سيبني أشاركك، سيبني أكون جنبك"
ارتعش نفس كيرلس، وصوته خرج أضعف مما توقع
"إبراهيم..."
في تلك اللحظة، جذب إبراهيم جسده نحوه برفق، عانقه عناقاً دافئاً، طويلاً، شعر كيرلس بحرارة صدره، وأنفاسه القريبة
تردد لحظة، ثم استسلم، وأغمض عينيه
رفع إبراهيم رأسه قليلاً، نظر في وجهه، وببطء شديد اقترب أكثر حتى لامست شفتاه وجنته، ثم قبله قبلة قصيرة، ناعمة، لكنها محملة بما يكفي من المعنى ليكسر الحاجز الأخير بينهما
حين ابتعد قليلاً، كان كيرلس مازال في حضنه، يتنفس بعمق، وصوت إبراهيم همس في أذنه
"صدقني كل حاجة هتبقى أحسن وإحنا سوا"
وحين ابتعد للحظة، لم يتراجع، بل أخذ يوزع قبلاته بخفة على وجه كيرلس، على خده، عند زاوية فمه، ثم على طول خط فكه حتى بلغ عنقه
قبلة حارة عند قاعدة رقبته جعلت كيرلس يطلق أنيناً خافتاً لم يستطع كبته
يد كيرلس المرتبكة تماسكت أخيراً، أصابعه ارتجفت لكنها تسللت لتتشبث بقميص إبراهيم، تشده أقرب، بينما إبراهيم يعود ليقبل جبهته، عينيه المغمضتين، ثم كتفه البارز من فتحة القميص
كل لمسة كانت مزيجاً من الشغف والحنان، بلا استعجال، كأنها وعد غير منطوق
أنت محبوب تماماً كما أنت
.
23. حديث الصباح وقبلة المساء
حين استيقظ كيرلس، كان الضوء المتسلل من النافذة يلمس وجه إبراهيم، يكشف تفاصيله الهادئة كأن الليل قد غسل عنه كل صلابته
تأمل ملامحه لحظة، الذقن الخفيف، الشعر المبعثر، والابتسامة النائمة التي لم يكن يراها أحد عادةً
تذكر فجأة كيف كان البارحة، وكيف انقلبت لحظة تردّد قصيرة إلى بحر من القرب لم يتخيله
تذكر قبلة البدايات المرتجفة، وكيف سرعان ما صارت قبلات متلاحقة، موزعة على وجنتيه وعنقه وكتفيه، كأن كل قبلة كانت تكتب اعترافاً جديداً
يتذكر كيف كان إبراهيم يضحك بخفوت بين القبلة والأخرى، ضحكة قصيرة متقطعة، ثم يعود ليجذبه أقرب وكأنه يخشى أن يضيع
يتذكر أيضاً كيف كان صوتهما يعلو مع أنفاس متقطعة، وكيف امتد الليل بهما حتى نسيا الوقت
الآن، في الصباح، كان كل ذلك حاضراً في رأس كيرلس وهو يتأمل إبراهيم نائماً بجواره، كتفه العريض نصف مكشوف من تحت الغطاء، وذراعه ما تزال مثقلة على خصره
مد يده ببطء، يمرر أصابعه على ظهر كفه، متذكراً كيف أمسك به البارحة وكأنه يمسك بالحياة ذاتها
ابتسم كيرلس ابتسامة صغيرة، مزيج من خجل وامتنان، ثم مال بخفة ليقبل صدغ إبراهيم قبلة طويلة ناعمة، كأنها استمرار لليل الذي لم ينته بعد
إبراهيم تحرك، فتح عينيه نصف فتحة، همس بصوت مبحوح
"صباح الخير!"
تبادلا النظرات الصامتة ثم ابتسم كيرلس وطبع قبلة دافئة على شفتيه، كان الجو هادئاً ودافئاً، يتبادلان فيه الابتسامات والنظرات حتى قطعه صوت ملاك
"بابا"
ابتعد كيرلس بسرعة عن إبراهيم، نهض على الفور من السرير، التقط سرواله وارتداه على عجل، أصابعه ترتبك وهي تغلق الأزرار، التفت حوله بخطوات سريعة، التقط كنزته من على الأرض وأدخل رأسه فيها قبل أن يسحبها للأسفل في حركة واحدة
كيرلس كان قد وصل إلى الباب، يده على المقبض، خرج مسرعاً، وأغلقه خلفه بحذر
في الخارج، صوته خرج ناعماً، مغايراً تماماً للتوتر الذي كان يغمره
"أيوة يا حبيبي!"
"ممكن تشحنلي اللعبة؟، أنا عارف إنك قلت مرة في الشهر بس في.."
قاطعه كيرلس وهو يمد يده في جيبه ثم أخرج بطاقته البنكية
"براحتك، اتفضل الفيزا"
تفاجأ ملاك
"بجد!"
كان كيرلس متوتراً وكل ما يريده هو مغادرة ملاك
"أيوة، بس ما تصرفش كتير"
نبهه وعانقه ملاك بقوة ثم قال
"معايا بيانات الكريديت، إنت نسيت؟"
تلعثم كيرلس بسبب توتره ثم قهقه
"آه، تقريباً أنا لسه نايم"
تركه ملاك وذهب لغرفته وعندها تنهد كيرلس براحة
كان إبراهيم قد خصص غرفة لملاك في منزله، كذلك كيرلس قد خصص غرفة لتيام ولوجين في منزله
فتح باب الغرفة ودخل فوجد إبراهيم يجلس بإعتدال ويمسك هاتفه، رفع نظره لينظر لعيني كيرلس وترك هاتفه
"كله تمام؟"
تنهد كيرلس
"تمام"
جلس كيرلس على حافة السرير، ظهره منحني قليلاً، كأنه يحمل ثقلاً داخلياً أكبر من أن يُقال بكلمات
حين اقترب منه إبراهيم من الخلف، أحاطه بذراعيه في عناق طويل، لم يكن مجرد حركة جسدية بل كان محاولة لانتزاع كل قلق من قلبه
مد يده تحت كنزته، ملامساته تحت الكنزة لم تكن سريعة أو عابرة، كانت بطيئة، كأنه يرسم على جلده طمأنينة بكفه
شعر كيرلس بالحرارة تنتشر في جسده، أنفاسه صارت أعمق وأقرب للارتجاف
قال إبراهيم بصوت منخفض، مبحوح، يتخلله دفء غريب
"خليك كده معايا، سيب الدنيا تولع شوية"
أغمض كيرلس عينيه، مالت رأسه للخلف على كتف إبراهيم، وكأنه يسلم نفسه للحظة
حينها انحنى إبراهيم أكثر، شفتيه لامستا رقبته بقبلة أولى قصيرة، تبعها بأخرى أطول، أعمق، حتى تسربت قشعريرة لذيذة أسفل جلده
التفت كيرلس نصف التفاتة، عينيه تلاقت بعينيه، مسافة أنفاس قليلة فقط تفصل بينهما
إبراهيم لم ينتظر كثيراً مد يده إلى ذقنه بلطف، رفع وجهه قليلاً ثم قبله قبلة صافية، دافئة، امتدت أكثر فأكثر حتى ذابت فيها كل اعتراضات كيرلس وكأنها لم تكن
حين انفصلا لالتقاط الأنفاس، كان كيرلس قد استسلم تماماً، رأسه على صدر إبراهيم، يده تقبض على ذراعه كمن يخشى أن يُنتزع منه الأمان
"عايزين نبقى نعرف العيال"
قال إبراهيم وعندها رد كيرلس
"متأكد؟"
رفع إبراهيم حاجبه مستنكراً
"لتكون بتتسلى بيا؟"
ابتسم كيرلس ضاحكاً
"يمكن"
ابتعد إبراهيم عن كيرلس ليلتقط كنزته ويرتديها وهو يقول
"هنزل وقفة احتجاجية آخر النهار، لو اتأخرت تعالى خدني من القسم"
مال كيرلس عليه وقبلَ خده
"خلي بالك من نفسك"
ابتسم إبراهيم، التفت نحوه، رفع يده ليلمس وجهه برفق، ثم انحنى أكثر ليطبع قبلة خفيفة على جفن عينه اليمنى
"ما تقلقش"
وقفت ياسمين أمام المرآة تفحص وجهها وجسدها، كانت تشعر بأنها ليست كبقية النساء، كان هاجساً يطارد النساء العابرات، بأنهن لسن نساء بما فيه الكفاية وعليهم بذل مجهود مضاعف ليصبحن كباقي النساء
خرجت من الغرفة ووجدت زياد وبسيوني يتحدثان
"أنا بقول نشوف بيت أكبر"
"وأنا شايف نسأل سليمان لو ممكن نكبر البيت"
"وبعدين اما يستلمه مننا هيستلمه فندق؟"
سخر من فكرة زيادة الغرف لأنه كان يرى أنهم في النهاية سيعيدون المنزل لسليمان بعد أن يقرر الإستقلال
"ومين قال أنه عايز يسلمه أصلاً؟، سليمان كلمني كذا مرة أنه بيحب يقعد وسطينا بس، وأنه مأجرلنا البيت بس عشان نرضى ناخده انما هو مش عايزه"
انتبه زياد لوجود ياسمين فإبتسم
"ياسو!"
"سوري، قاطعتكم"
اعتذرت بخجل واستغرب الإثنين
"سوري!"
"محصلش حاجة إحنا بس عايزين نكبر البيت"
رد بسيوني ببساطة
"أكيد السبب أنا عشان جيت"
ردت بخجل ونظرت للأرض
رد زياد بإستغراب
"وإيه المشكلة؟، احنا بنحب يكون عندنا عيال كتير، وبنحب كل شوية نكبر البيت"
تابع بسيوني
"أيوة، أصلاً استلمناها بخمس اوض بس وقعدنا نزود، مش عشان المساحة بس، لأ، عشان كل شخص جديد يدخل حياتنا يبقى له مكان، المكان بيتخلق عشان الناس، مش العكس"
"ممكن لو سمحتي تبطلي جو الكسوف دا؟، ولا مش شايفانا اباء كويسين وعايزة ناس غيرنا؟"
عاتبها زياد ونظرت إليه بسرعة ثم ردت
"لا، إنتم اباء كويسين جداً، يا بخت عيالكم بيكم"
"وإنتي كمان من عيالنا يا ياسمين. فاهمة؟ مش ضيفة، مش حمل زيادة، إنتي مننا. ولو احتجنا نكسر حيطة ونزود أوضة عشانك هنعملها وإحنا مبسوطين"
تنهد زياد وأردف بنبرة أكثر حنان
"عارفة إيه اللي بيفرحنا؟، مش إن البيت يكبر في حجمه لكن إن قلوبنا تكبر بكل مرة حد جديد يدخل فيها، وإنتي، ياسو، دخلتي من أوسع باب"
وقفت ياسمين لحظة صامتة، تبحث عن اعتراض فلم تجد، شعرت بثقل دفاعها يتبخر، واكتفت بابتسامة صغيرة وهي تقول
"ماشي"
تحدث زياد بعد أن تذكر أمراً
"فكرتي في العلاج الهرموني؟، سواء الموافقة أو الرفض احنا معاكي دا قرارك في الآخر"
فكرت ياسمين لثواني، كانت تريد جسداً أكثر أنثوية لذا لم تأخذ وقتاً للتفكير
"أيوة، عايزة ابدأ فيه"
"عنيا"
قال زياد ثم مال عليها وقبلَ رأسها
"ممكن بعد الغدا تيجي معايا عايز أعرفك على حد"
قال زياد ارتبكت ياسمين لكنها وافقت في النهاية
بعد الغداء اصطحب زياد ياسمين لمطعم صغير بطاولات ومقاعد خشبية، تملأه رائحة القهوة وملمع الخشب، اتجه مباشرةً إلى طاولة في الركن حيث تجلس امرأة انيقة بشعر مصبوغ أطرافه بالأحمر
"اتأخرنا؟"
سأل زياد ونظرت إليه المرأة ثم ابتسمت
"لا"
صافحته ثم مدت يدها وصافحت ياسمين
"هاي!، أنا ميريام وسمعت عنك كتير، إنتي ياسمين صح؟"
تفاجأت ياسمين ثم هزت رأسها بالايجاب بينما قال زياد
"اقعدي يا ياسو، أنا هروح أطلب حاجة نشربها"
انصرف وتركهما، جلست ياسمين وهي تحاول السيطرة على توترها، ابتسمت ميريام ثم قالت
"يونو، أنا ترانس وومن"
نظرت ياسمين اليها بدهشة فقد كانت تراها امرأة كاملة، ففي نظرها النساء العابرات دوماً هناك شيئ يجعلهم مختلفين عن باقي النساء
"بجد؟"
قهقهت ميريام بخفة
"أيوة، إيه رأيك؟"
أخذت عيون ياسمين تتفحص ميريام ثم قالت
"شكلك ست الستات"
اجابت ميريام بحنان
"عشان الترانس وومن هما وومن يا ياسو"
كان الحديث مع امرأة عابرة تكبرها شيئ احتاجته ياسمين، كانت تحتاج النظر للعالم بعيون شخص سبقها ومر بتجربة مشابهة
كانت ميريام لطيفة وتقبلت كل أسئلتها واجابتها بإستفاضة، بل قد اجابت على أسئلة خجلت ياسمين من طرحها، كانت امرأة لطيفة احتاجت ياسمين مقابلتها
.
24. صلاة الحب
كان المسجد مضاءً بأنوار صفراء خافتة، تتدلى من الثريات العتيقة، وصوت المأذون يتردد في أركانه بهدوء دخل كيرلس مع إبراهيم، خطواتهما بطيئة، عابرة فوق السجاد الأخضر الناعم
حضروا كتب كتاب صديق قديم لإبراهيم، حيث اجتمع الأقارب في الصفوف الأمامية، والشيخ يجلس أمام الميكروفون، بينما عيون الحاضرين كلها مشدودة للحظة العقد
جلس الاثنان جنباً إلى جنب
إبراهيم بدا مشدوداً، عيناه تلمعان بتركيز وهو ينقل نظره بين العروسين وكأنه يتخيل شيئاً، أما كيرلس فكان ينظر حوله بفضول ممزوج بإستغراب فقد كانت أول مرة له يرى هذا المسجد
وعندما أمسك الشيخ بيد العريس ثم قال ليكرر الحضور
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
التفت إبراهيم نحو كيرلس، صوته منخفض، بالكاد مسموع
"عقبالنا"
توقف قلب كيرلس لحظة، اتسعت عيناه من المفاجأة، قبل أن يبتسم بخجلٍ لا يسيطر عليه، رد بصوت هامس، ساخر قليلًا لكنه دافئ
"إنت مجنون"
ضحك إبراهيم بخفة، لكن نظرته بقيت جادة، ثابتة على عينيه، كأنها تعني ما تقول أكثر من أي مزاح
بعد انتهاء المراسم، وانشغال الناس بالسلام والتهنئة، جذب إبراهيم ذراع كيرلس برفق، قاده خلف المنبر الخشبي الكبير في ركن المسجد، حيث اختبئا عن عيون الآخرين
هناك، وقف إبراهيم قريباً، حتى التصقت أنفاسهما، رفع يده، أمسك بوجه كيرلس بحنو، وفي لحظة خاطفة، قبل شفتيه قبلة سريعة، عميقة رغم قصرها
ارتبك كيرلس، عيناه اتسعتا خوفاً من أن يراهم أحد، لكن في داخله شعر بارتعاشة عذبة، مزيج من رهبة المكان وحرارة اللحظة، أما إبراهيم فابتسم بجرأة، عينيه تلمعان بالانتصار والدفء، وقال هامساً
"إنت دعائي ورجائي الوحيد"
سكت الاثنان لحظة، أنفاسهما متلاحمة، خلفهم ضجيج التهاني والضحك، وأمامهم صمت عميق يلفهما وحدهما شعر كيرلس أن قلبه يخفق بقوة لدرجة تكاد تُسمع، عيناه تفران بين باب المسجد المفتوح والظل الذي يحتضنهما
همس وهو يزفر بخوف ممزوج بتوتر
"لو حد شافنا..."
قاطع إبراهيم كلماته، اقترب ثانية، شفاهه على مسافة خيط رفيع من شفتيه، وقال بجرأة
"يبقى شاهد علينا"
في اللحظة التالية، أطبق إبراهيم شفتيه على شفتي كيرلس مرة أخرى، أطول، أعمق
أغمض كيرلس عينيه، استسلم للتناقض الذي ينهشه قدسية المكان وحرارة القبلة، أصابعه ارتجفت للحظة، ثم لم يقاوم أكثر، بل رفع يده ليمسك بذراع إبراهيم
وعندما أفلت إبراهيم شفتيه أخيراً، لم يتركه بل اجتذبه إلى صدره، طوق خصره بذراعيه بحنان غامر
التصقت وجنة كيرلس بصدره، يسمع دقات قلبه واضحة، متسارعة كدقاته تماماً
"هنا؟"
همس كيرلس وهو يدفن وجهه في كتف إبراهيم، نبرته بين الاعتراض والقلق
ابتسم إبراهيم، شده أقرب، ثم همس في أذنه بصوت دافئ مبحوح
"وفي أي مكان"
ابتعد كيرلس عن إبراهيم وهو يحمحم
"يلا نمشي"
شابك إبراهيم يده معه ثم خرجا من المسجد متجاورين وصعدا في السيارة
"تعرف.."
بدأ كيرلس حديثه لينتبه إليه إبراهيم
"إيه؟"
"كان في قصص كتير أوي بتجيب الكنيسة بشكل جنسي، كل اللي بيكتبوها مسلمين، كنت بتضايق جداً اما كنت ريليجس، بس حتى بعد ما بطلت أؤمن كان الموضوع بضان أنهم ممكن يخلوا دين بشكل جنسي ويعملوا نكت عليه بس دينهم لو حد اتنفس جمبه يعيطوا وتلبس اسلامفوبيا أو ازدراء اديان"
أضاف وهو ينظر لعيني إبراهيم
"أنا مبسوط إنك بوستني في مسجد"
قهقه إبراهيم بإستمتاع
"لو عايز ممكن نعمل دا في كل المساجد، نعمل قايمة بالمساجد و.."
قاطعه كيرلس مقهقهاً
"إنت مجنون، لا، هنروح في داهية"
"تعرف، قبل كده شربت حشيش في مسجد"
قال إبراهيم وصرخ كيرلس بصدمة وهو يضحك
"نو واي!"
قهقه إبراهيم وبدأ يروي
"لا، بجد، كان كتب كتاب بنت صاحب بابا وكنت مبضون، كان راجل سلفي بضان، وكان بيحفظني قرآن وأنا صغير وبيضربني، ابن عمي المحشش قفشته بحشيش وقولتله يديني أو هقولهم فا اداني وحششنا في الجامع ورا المنبر"
"ما اتقفشتوش؟"
سأل بدهشة
"مش في الجامع، اتقفشنا براه، وابويا اكلني علقة بنت حرام فوقتني من الحشيش، اومال لو كان عرف إننا شربناه في الجامع؟"
كان يروي وهو يقهقه لكن كيرلس كان يشعر بالحزن على ما أصابه، فيبدو أن والده رجل قاسي، فهذه ليست أول مرة يروي عن ضرب والده له
"بعدها بقت عادة اننا بنشرب في الجامع، معرفش كنت بعمل دا عشان اثبت تمردي لبابا ولا إيه بس هو مكنش بيعرف أصلاً"
مد كيرلس يده بلطف ومررها على يد إبراهيم ثم أمسك بها بحنان
"إبراهيم أنا آسف، إنت كنت تستاهل معاملة أحسن من كده"
"بتعتذر ليه؟، مش أول ولا آخر مرة ضربني فيها، عادي يعني"
اعترض كيرلس
"الضرب عمره ما كان عادي"
في كل دقيقة يقضيها إبراهيم مع كيرلس يكتشف جانباً جديداً من العالم، ورغم سعادته أن كيرلس يهتم لأمره فقد كان يكره الشفقة لذا تذمر مازحاً
"خلاص بقى، ما بحبش جو الصعبنيات دا"
حين وصلا إلى البيت، صعدا السلالم بخطوات متباطئة، كأن كلاً منهما لا يريد أن يقطع الخيط الخفي الممتد بينهما منذ لحظة القبلة خلف المنبر
فتح إبراهيم الباب، دخل أولاً ثم أفسح الطريق لكيرلس، وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى زال القناع الذي يضعانه في الخارج
التفت إبراهيم نحوه فجأة، قبض على معصمه برفق وجذبه إلى صدره، صوته خرج حازماً
"تعالى هنا"
ارتبك كيرلس للحظة، ثم قال بخفوت
"إبراهيم سيبني أرتاح"
لكن إبراهيم لم يتركه، وضع يده على وجهه بحنان وقبله قبلة طويلة، مشبعة بكل ما كُتم من رغبة
تراجع كيرلس قليلاً، يده لا تزال ممسكة بقميص إبراهيم، وقال وهو يلهث
"إنت عارف إنك مجنون، صح؟"
ابتسم إبراهيم، عينيه تلمعان
"وعارف إنك بتحب جناني"
قهقه كيرلس بخجل، ثم استسلم لعناقه من جديد، انزلقا معاً إلى الأريكة، حيث جلس إبراهيم أولاً وجذب كيرلس ليجلس فوقه، يداه تدوران حول خصره كأنهما تطوقان طوق نجاة
انزلق جسد كيرلس إلى الخلف قليلاً فوق الأريكة، وإبراهيم فوقه، ذراعه الواحدة تستند إلى المسند الخشبي والأخرى تتحرك بثبات على صدره
القميص ارتفع مع حركتهما، كاشفاً عن بشرة دافئة، فمرت أصابع إبراهيم عليها ببطء كمن يختبر أثر لمساته
شهق كيرلس بخفوت، حاول أن يزيح يده لكنه فشل، فتحدث بين أنفاسه
"إبراهيم..حاسب احنا في الصالة"
ابتسم إبراهيم وهو يقترب أكثر، صوته أجش، عميق
"وإيه المشكلة؟"
ثم انحنى ليقبله من جديد، قبلة مشتعلة هذه المرة، تمتد من شفتيه إلى عنقه، ثم إلى كتفه، فيما كيرلس يغمض عينيه ويرتعش تحت اللمسات، قبض على كتف إبراهيم بكل قوته، كأنه يستند إليه ليثبت نفسه من الانهيار
تململ كيرلس بين أنفاس متقطعة، قال بصوت واهن
"إبراهيم... إنت عارف إنك بتخوفني؟"
رفع إبراهيم رأسه قليلاً، عيناه معلّقتان بعينيه، وقال
"أنا آخر راجل تخاف منه، وأنا الراجل الوحيد اللي لازم تسلم له"
ثم مد يده ببطء، وأزاح القميص عن كتف كيرلس، ليقبل بشرته هناك قبلة حارة جعلت أنفاسه تنقطع للحظة انحنى أكثر، وأحاطه بذراعيه، حتى صار كيرلس كالمحاصر بين جسده والأريكة، لا مجال للهروب ولا رغبة في الهروب
ضحك كيرلس ضحكة قصيرة بين اللهاث، ثم جذب وجه إبراهيم إليه بقوة ليقبله من جديد، قبلة لم يكن فيها استسلام فقط، بل رغبة مساوية، كأنه أخيراً قرر أن يذوب معه بلا مقاومة
.
25. حسدوني وباين في عينيهم
ساد الصمت بعد العاصفة
الغرفة لا يسمع فيها إلا صوت أنفاس متقطعة، كأن الجدران نفسها تشهق معهما
كان كيرلس مستلقياً على صدر إبراهيم، شعره المبلل بالعرق ملتصق بجبهته، وصدره يعلو ويهبط ببطء كمن خرج من غرق طويل
رفع إبراهيم يده، يمرر أصابعه ببطء في خصلات شعره، ثم مال ليقبل أعلى رأسه، قبلة هادئة مختلفة، بلا لهاث، مليئة بالطمأنينة
سأل بصوت أجش، لكنه حنون
"إنت كويس؟"
ابتسم كيرلس ابتسامة صغيرة، لم يستطع فتح عينيه، واكتفى بالهمس
"أنا مبسوط إني معاك"
ضحك إبراهيم بخفوت، ثم ضمه أكثر، كأنما يريد أن يخفيه في صدره
"عارف، طول عمري بدور على السلام، وطلع السلام كله عندك"
رفع كيرلس رأسه بصعوبة، عيناه نصف مغمضتين، ابتسم بخجلٍ ممزوج بسخرية صغيرة
"بكاش"
اقترب إبراهيم، طبع قبلة سريعة على فمه، ثم همس عند شفتيه
"وأنت أقرب إلي من حبل الوريد"
ابتسم كيرلس ابتسامة واسعة هذه المرة، ثم أعاد رأسه ليستقر على صدره، أحس بدقات قلب إبراهيم تحت أذنه، إيقاع هادئ، ثابت، يطمئنه أكثر من أي وعد، رد كيرلس هامساً
"قال الله كن نوراً فكان إبراهيم"
وبينما العتمة تلف الغرفة، والليل يطوي أنفاسه، غلبهما سكون عميق، كأن الزمن توقف عند هذا الحضن
في الصباح، تحرك إبراهيم بتململ، مد يده فلم يجد كيرلس بجواره، فتح عينيه نصف فتحة، جلس في السرير وهو يمرر يده على شعره بتكاسل، لحظة صمت، ثم التقط أنفه شيئاً رائحة البيض تتسرب من الباب، تمتزج برائحة الشاي، ابتسم لا إرادياً، ونهض من السرير، ارتدى كنزته على عجل، وتوجه إلى المطبخ
وقف عند الباب للحظة، يستند على الإطار، يراقب كيرلس وهو واقف أمام النار، مركز على المقلاة، شعره مبعثر، الكنزة مائلة على كتفيه، ملامحه مشغولة لكنه في نظر إبراهيم بدا كلوحة كاملة
تسلل بحذر ثم باغته وعانقه من الخلف، شهق كيرلس بصدمة
"كنت هتشويني"
تذمر لأنه كاد يصطدم بالمقلاة
"يبعد الشر"
رد إبراهيم بحنان ثم مال وقبلَ خده
ابتعد عنه ثم سحب مقعداً وجلس
"هنقول للعيال امته؟"
سأل وعندها تنهد كيرلس
"مش عارف"
"بالنسبالي تيام مهيأ، مش هيقول حاجة، إنت كلمت ملاك قبل كده عن الكويرز؟"
"أيوة، على طول بتكلم عن الال جي بي تي والأقليات بشكل عام، وهو عارف إني بدعمهم"
فهم إبراهيم حديث كيرلس
"بس ميعرفش إنك منهم!"
وضع كيرلس طبق البيض على الطاولة
"بالظبط"
"ما تقلقش، بسيطة، أنا معاك"
امسك بيده برفق ليشعره بأنه ليس وحده وتبادلا الإبتسامات الزارعة للأمل
"إنت دخلت شرطة إزاي؟"
غير كيرلس الموضوع ثم جلس على المقعد وعندها قهقه إبراهيم بخفة ثم رد ببساطة
"واسطة"
"بجد!"
لم يستوعب صراحة إبراهيم
ارتشف إبراهيم من كوب الشاي
"أبويا كان هيقتلني لو ما دخلتهاش، كفاية إن رياض رفضها، كان لازم حد يحققله أحلامه، وأنا كنت الحد دا"
"سوري بس أبوك مجنون"
قهقه إبراهيم بصخب
"وسوري ليه؟، مهو مجنون فعلاً"
"أصل في ناس بتفضل متمسكة بحب واحترام اهلها مهما عملوا"
"قصدك إني جاحد ولا إيه؟"
رد بنبرة ساخرة واسرع كيرلس ليبرر
"لا، أنا بقولك ليه اعتذرت بس، حقك ما تحبهوش"
"مش حكاية ما بحبهوش، بس لو في جنة ونار وأبويا دخل الجنة هختار ادخل النار"
بدأ يأكل من طبق البيض بينما كيرلس متفاجئ من درجة كرهه لوالده، فبالرغم أنه يرى والد إبراهيم قاسياً لكنه لم يكن يعلم أنه جعل إبراهيم يكرهه لتلك الدرجة، يبدو أنه اسوأ مما كان يتخيل
"سمعت انك كنت عند والدتك، علاقتك بيها كويسة؟"
سأل إبراهيم وعندها استفاق كيرلس من شروده
"الشكر للزهايمر، لولاه كانت تفت في وشي"
"ليه كده؟"
"رافضة طلاقي"
تابع بشرود
"أوقات كنت بفكر أرجع لطليقتي بس عشان ترجع تكلمني، أصلي بحبها أوي"
"وسايبها وعايش لوحدك؟"
استنكر إبراهيم
"مهو في ناس حلاوة علاقتنا بيهم انها من بعيد لبعيد، أمي لو عشت معاها على طول هتكون مزعجة، انما لو زورتها كل وقت والتاني تمام"
تنهد إبراهيم بعمق وعندها سأل كيرلس
"إيه؟"
كان يشعر أنه بخفي شيئاً
نهض إبراهيم ودخل غرفة النوم ليبحث عن علبة سجائره ثم عاد بها للمطبخ وأشعل السيجارة بنيران الموقد، جلس على المقعد ثم نفث دخانها وبدأ يتحدث
"نفسي علاقتي برياض أخويا كانت تبقى أحسن، بس بحسه بيستحقرني أوي، خصوصاً أنه شال عيالي وقت ما اتسحبت مني الحضانة، يعني أنا أب فاشل كمان"
"بس دا أخوك، عادي"
"لا، مش عادي، حتى هو قالهالي في وشي، اني أب فاشل راميله عيالي"
نظر لكيرلس ثم تابع
"علاقتي برياض من واحنا صغيرين كانت دايماً بعيدة، كنا عكس بعض، أنا كنت بحب العب واصاحب الكل وهو حابس نفسه في اوضته وحتى مكنش بيكلمني، بابا وماما كانوا بيحترموه جداً بس عمرهم ما سمحولي ابقى زيه، عشان ما ينفعش يسيبوا عيالهم الإتنين بمزاجهم، لازم واحد يشيل اسم العيلة، وكنت أنا الواحد دا"
"إنت مش حاسس إن اخوك بقى كده عشان اخد فرصة ما كانش مسموحلك تاخدها؟"
رفع كتفيه ببلاهة
"يمكن، بس هو نجح ودا المهم"
نفث دخان السيجارة وهو يفكر ثم تابع
"حتى الشلتر دا هو اللي جابهولي، بحوش عشان ارجعله فلوسه عشان حاسس نفسي عالة أوي، ولحد ما ارجعله الفلوس الشلتر هيفضل بتاعه"
"ممكن أخوك مش بالسوء دا"
قال كيرلس وعندها ابتسم إبراهيم ضاحكاً
"رياض مش وحش، أنا اللي وحش وعالة"
"وليه ما تقولش أنه أخوك وبيساعدك؟"
"مش المفروض يصلحلي كل حياتي، أنا حمل تقيل"
"بس هو ساعد، مش هو اللي خلاك تحس بالمسؤولية ولا اللي خلاك تاخد قراراتك الحالية"
حاول كيرلس اقناعه أن يتوقف عن احتقار نفسه
"يمكن، بس لولاه مكنش حصل كل دا"
"دي فرصة، زي ما هو اخد فرصة وهو صغير هو كمان اداك دلوقتي، بس كده خلصانين"
قال كيرلس وبدأ إبراهيم يفكر في جملته
استقام كيرلس واقفاً وشغل أغنية لعبدالوهاب، ابتسم إبراهيم رغماً عنه بسبب الموسيقى القديمة
"مين دا؟"
"شيم اون يو، متعرفش عبدالوهاب؟"
استنكر كيرلس
قهقه إبراهيم بخفة
"لا، أول مرة اسمعله"
فكر كيرلس لثواني ثم قال
"عارف بلاش تبوسني في عنيا أو خايف أقول؟"
"آه، أعرف الاتنين"
"اهو هو اللي غنى الاتنين"
تفاجأ إبراهيم
"بجد؟"
"أيوة، اسمع دي حلوة برضه"
قال باسماً وعندها ظل إبراهيم صامتاً ليركز في الأغنية
حسدوني وباين في عينيهم
من عطفك وحنانك ليا
وعذابي في هواك يرضيهم
ويا ريتك بتعذب فيا
نزل أمجد من السيارة ثم انتبه أنه نسي أن يمسح طلاء الأظافر، وضع يديه في جيبيه ليخفيها ثم رن جرس بوابة منزله واعاد يديه لجيبه
فتح رياض ورحب به بإرتباك، كان أمجد وحده، وإنشاد ينتظره في السيارة، اراد منحه بعض الوقت مع والده
مد رياض يده وعندها ارتبك أمجد لكنه صافحه في النهاية وعندها انتبه رياض لطلاء أظافره ونظر له نظرات خائبة طعنته وجعلته يشعر بالخجل والعار
"تشرب إيه؟"
سأل رياض وهو يتجه للثلاجة
"مش ضروري"
خبأ يديه في جيبه، كان يحاول السيطرة على توتره
التفت رياض لأمجد ثم قال وهو ينظر إليه بخيبة
"فين شخصية أمجد اللي أعرفه؟، بعتها واتبنيت شخصية تانية؟، من امته وإنت بتحب المناكير وشغل البنات دا؟، هو أي تقليد وخلاص؟"
تنفس أمجد عميقاً
"التصنع اللي بجد كان هو انخراطي في المجتمع وتمثيلي إني مبسوط، أنا كده أمجد ومبسوط، ما لو على التقليد مش الأسهل اقلد الأغلبية أحسن ما اتعرض للتميز؟، إنت بتلبس لبس أغلبية الناس بتلبسه، فين شخصيتك؟"
"مهو إنت بتلبس لبس الأقلية عشان تحس إنك مميز"
برر رياض
"يعني إنت شايف التمييز والمعاملة الزبالة وأحياناً محاولات القتل، ودا كله يتعمل عشان احس إني مميز؟"
استنكر أمجد حديثه
"عادي، إنتم جيل يعمل أي حاجة عشان التمييز"
"طب وإيه اللي يثبت إن دي شخصيتك مش انك بتنسخ شخصية سهلة عشان تعيش وتتعايش؟"
ظل رياض صامتاً فلم يكن لديه اجابة لهذا السؤال، تابع أمجد بحزن عميق
"دا أنا، وأنا كده مرتاح، وياريت تبطل انكارك ليا وتبطل تحسسني اني معنديش شخصية وبقلد أي حد وخلاص، لو عايز تنكرني نهائياً أعملها، بس ما تسيبش الباب موارب، ما تسيبنيش مستنيك ترجع تحن عليا"
ظل رياض صامتاً يفكر ثم رد في النهاية بقلة حيلة
"أعمل اللي إنت عايزه"
.
حسدوني وباين في عينيهم

.
26. الوطن لا تحده الجغرافيا
أول مرة تحب يا قلبي و أول يوم أتهنى
ياما على نار الحب قالولي ولقيتها من الجنه
أول مرة أول مرة
انطلقت الموسيقى من السماعة، صوت عبد الحليم يغمر الغرفة
التفت إبراهيم نحو كيرلس، ابتسامة صامتة ارتسمت على وجهه وهو يمد يده، تردد كيرلس لحظة، ثم وضع يده في يده بخجل
خطا إبراهيم خطوة للأمام، قربه منه، ويده الأخرى استقرت على خصره
تمايل كيرلس بخطوات متعثرة في البداية، ضحكة صغيرة ارتجفت على شفتيه وهو يحاول مسايرة الإيقاع
إبراهيم شده أقرب، حتى التصق صدره بصدره، فتوقفت ضحكته، وارتفعت أنفاسه
دارت أجسادهما ببطء في منتصف الغرفة، الضوء الأصفر الخافت يرسم ظلالاً على الجدران، أصابع كيرلس تشبثت بكتف إبراهيم، بينما يده الأخرى تداخلت أكثر مع يده متشابكة
أغمض إبراهيم عينيه للحظة، أسند جبهته على جبينه، ثم مال بجسده دورة صغيرة، فتأرجحا معاً، حتى صار جسدهما يتناغم مع كل نغمة
بين تمايل وخطوة بطيئة، التصق وجه كيرلس بكتف إبراهيم، أنفاسه الساخنة تتسرب إلى عنقه، فيما ابتسامة ساكنة ارتسمت على شفتي إبراهيم وهو يشد ذراعيه حوله أكثر
الغرفة ضاقت، الموسيقى ارتفعت، والرقصة امتدت جسدان يتمايلان على صوت عبدالحليم
أفرح واملى الدنيا أماني
لا أنا ولا إنت هنعشق تاني
دارت أجسادهما دورة كاملة بطيئة، حتى وجد كيرلس نفسه أقرب، شفتيه على مسافة أنفاس فقط من شفتي إبراهيم
توقفت خطواتهما للحظة، وظلت الموسيقى وحدها
رفع إبراهيم يده ليمسك وجهه برفق، عينيه معلقتان بعينيه
لم ينتظر أكثر، مال نحوه، وقبّله. قبلة أولى مترددة، سرعان ما تحولت إلى عميقة، طويلة، متماسكة، حتى كاد صوت عبد الحليم يختفي أمام دوي أنفاسهما
أحاط إبراهيم خصر كيرلس بكل قوته، بينما الأخير تشبث بقميصه كمن يخشى الانفلات
الرقصة تحولت إلى حضن متلاحم، إلى قبلات متتابعة، تتخللها أنفاس قصيرة ساخنة، كأن الأغنية لم تُكتب إلا لهذه اللحظة
وفجأة
رن الهاتف
اهتز فوق الطاولة الخشبية بقوة، وصوته الحاد قطع دفء اللحظة، جعل كيرلس ينتفض قليلًا ويبتعد بارتباك إبراهيم أغلق عينيه بغيظ، زفر نفساً ثقيلاً، رأسه ما زال قريباً من رأس كيرلس، ثم رفع عينيه نحو الهاتف
ابتسم إبراهيم ابتسامة قصيرة لكنها مشوبة بضيق، مسح إبهامه على خد كيرلس برفق قبل أن يتركه، ثم دار ببطء نحو الطاولة
التقط الهاتف بيده، نظر للشاشة، زفر نفسًا سريعاً، ثم رفعه إلى أذنه
"أيوة؟"
وقف كيرلس مكانه، جسده لا يزال ساخناً من اللحظة السابقة، أنفاسه غير مستقرة، يراقب ظهر إبراهيم بينما يتحدث بصوت منخفض
الأغنية ما زالت تدور في الخلفية، لكن وقعها صار بعيداً، وكأنها لم تعد تخصهما
مرر إبراهيم يده الحرة على شعره بتوتر وهو ينصت، ثم رد بكلمة قصيرة، ونبرة جادة، مختلفة تماماً عن الدفء الذي كان يملأ صوته قبل قليل
قلبي يعيدلي كل كلامك
كلمة بكلمة يعيدها عليا
لسه شفايفي شايلة سلامك
شايلة أمارة حبك ليا
كان كيرلس يحرك شفتيه مع الأغنية وما أن أنهى إبراهيم المكالمة اقترب منه بلهفة ثم عانقه، تبدلت تعبيرات إبراهيم المتجهمة لأخرى سعيدة وبدأ يطبع قبلاته على رأس كيرلس ثم خده
"في حاجة ولا إيه؟"
سأل كيرلس بينما يمرر إبراهيم يده على شعره
"بسيطة، هروح الشلتر أخلص شغل واجي"
طبع قبلة على رأسه ثم سأله
"تيجي معايا؟"
"لا، أنا بخاف منك في الأماكن العامة"
ابتعد عن حضنه وعندها استغرب إبراهيم لثواني حتى فهم رده وقهقه بخفة
"ماشي، مسيرك يا مولوخية تيجي تحت المخرطة"
"بابا الساعة عشرة، فوتنا الباص"
كان ملاك يتذمر ناعساً
التفت كيرلس لإبنه وتنهد براحة أنه ابتعد عن إبراهيم قبل يسمعه، تحدث بحنان
"حبيبي النهاردة اجازة رسمية"
تفاجأ ملاك
"بجد!"
"أيوة، صباح الفل، تفطر إيه؟"
سأل إبراهيم باسماً ثم اقترب من ملاك وحمله
"إبراهيم لو سمحت ما تشيلهوش هو مش عيل"
نبهه كيرلس وعندها مال إبراهيم وهمس في اُذنه بخبث
"ما تقلقش، دورك جاي"
اندفع كيرلس للخلف بسرعة بخجل ثم تلعثم وهو يقول
"مش قلت هتروح الشلتر؟"
"هعمل لملوكي فطار وأروح"
طبع قبلة على خد ملاك الذي كان يبتسم ضاحكاً بسعادة
وضعه إبراهيم على المقعد ثم بدأ يعد له الإفطار بينما يراقبه كيرلس بخجل وتوتر
"ما تنقل تعيش معايا"
كان سليمان يتحدث مع مُلهم الجالس في حضنه
"إيه؟"
اعتقد مُلهم أنه سمع بشكل خاطئ
كرر سليمان جملته بلا خجل
"انقل وعيش معايا"
شعر مُلهم بحرارة تندفع في صدره، ابتعد عن حضن سليمان بحركة مفاجئة ثم سأل بإرتباك
"ليه؟"
"ليه لا؟، نعيش سوا زي ما أمجد وإنشاد سوا، وزي ما تاليا هتنقل قريب هي كمان وتقعد مع الجيرلفريند بتاعتها"
"أمجد وتاليا مختلفين، صلتهم بأهلهم حقيقية، انما أنا إيه صلتي؟، حاسس لو سبتهم هتنقطع صلتي بيهم"
كان صوته يرتجف، الخوف يتسرب من كل كلمة، كان يخشى أن يكرر الماضي نفسه، فكرة ترك منزل زياد وبسيوني بدت له كقفزة في الفراغ، لا ضمان أن يلتقطه أحد بعدها، خائفاً من أن يتم نسيانه كما فعلت عائلته
"دي فكرتك عن زيكو وبيسو؟"
عاتبه سليمان
رفع مُلهم عينيه المغمورتين بالدموع نحوه، وقال بمرارة مكتومة
"ممكن تقولي ايه اللي يربطني بيهم غير البيت؟"
اقترب سليمان أكثر، مد يده ليمسح دمعة انزلقت على وجنة مُلهم وقال
"مش المفروض تكون اتعلمت منهم أن العيلة أعمق من روابط الدم؟، إنت ليه لسه بتفكر كده؟"
لكن مُلهم لم يستطع أن يتمالك نفسه أكثر، انفجرت الدموع من عينيه وهو ينتحب بصوت مكسور
"معرفش، أنا خايف، مش عايز اتنسي، اما صدقت لقيت عيلة"
كان بكاؤه كطفل يرتجف بين ذراعي سليمان، كتفاه يهتزان، وصوته يرتعش كأنه يفرغ سنوات من الوحدة والخذلان
شده سليمان إلى صدره، يربت على ظهره ببطء، محاولاً طمأنته دون الحاجة للكلمات
كان بكاء مُلهم يزداد ثقلاً، دموعه تبلل قميص سليمان، وكأنه يذوب بين يديه، لم يجد في داخله قوة ليقاوم أو يخفي ضعفه، فقط استسلم
شده سليمان بقوة أكبر، يحيطه بذراعيه، يمسح بيده على شعره المبعثر برفق، ثم يترك أصابعه تنزل على رقبته بحنان، كأنها تهمس له
أنا هنا، إنت مش لوحدك"
شد سليمان مُلهم إلى صدره أكثر، وعيناه تلمعان كان يُمسك بكتفيه كمن يريد أن يغرس كلماته داخله
قال بنبرة حاسمة
"مُلهم، إنت مش ضيف عند زيكو وبيسو إنت ابنهم، حتى لو مفيش ورق يثبت ده، حتى لو مفيش دم بيربطك بيهم. هما اختاروك، وبيحبوك، وبيتعاملوا معاك على إنك ابنهم ومفيش حاجة هتغير دا"
رفع مُلهم عينيه بتردّد، الدموع لا تزال عالقة على وجنتيه، وهمس
"بس أنا ساعات بحس إني لو مشيت من عندهم هينسوني"
اقترب أكثر، يمسح دمعة انحدرت من عين مُلهم، وقال بصوت مطمئن
"إنت ظالم ليهم جداً، هما بيحبوك من كل قلبهم، إنت جزء من عيلتهم، يعني حتى لو عشت معايا، أو رحت آخر الدنيا مش معنى كده إنك هتتقطع عنهم، الحب مش مربوط ببيت، هما هيفضلوا عيلتك، وإنت هتفضل ابنهم، مهما حصل"
مال سليمان ببطء، حتى لامس جبين مُلهم بشفتيه في قبلة طويلة، راسخة، لم يكن فيها استعجال، بل طمأنينة خالصة
كانت كلماته الصامتة تنساب عبر تلك القبلة
"أنت آمن، لن أتركك، ولن تُنسى بعد الآن"
شعر مُلهم بدفء غير مألوف يتسرب من موضع القبلة إلى أعماقه، وكأن العالم بأسره توقف للحظة ليصدق أن حضنه وطن، وتلك القبلة عهد لا ينكسر
.
أول مرة

.
27. قبول
"ممكن نقول للعيال بقى؟"
سأل إبراهيم وتنهد كيرلس بقلة حيلة
"طيب"
تحمس إبراهيم واستقام واقفاً ثم بدأ ينادي الأطفال
"ملاك، تيام، لوجين، ممكن تتجمعوا ثانية"
ركض الثلاثة بخفة وفضول، وجوههم تبرق بالحماس، كأنهم يتوقعون مفاجأة
لوجين تسابقت لتجلس بين قدمي والدها، تيام جلس على الأرض وأسند ذقنه على ركبته، وملاك وقف متوتراً، عيناه بين والده وإبراهيم كأنه يشعر بوجود شيء كبير
ابتسم إبراهيم ابتسامة واسعة، مد ذراعيه ليعانقهم جميعاً حين اقتربوا، وقبل رؤوسهم واحداً تلو الآخر الجو كان مشبعاً بمزيج غريب
حماس الأطفال البسيط، وخجل كيرلس المكمون، وجرأة إبراهيم الذي لم يعرف أبداً طريقاً للتردد
بدأ إبراهيم الحديث
"بتحبوا تقعدوا سوا؟"
"أيوة"
ردوا بحماس
"طيب، هيبقى عندكم مشكلة لو أنا واونكل كيرو بقينا مع بعض على طول؟"
سأل إبراهيم بنبرة مرحة وشعر كيرلس بالخجل بينما الأطفال لم يفهموا
"يعني هننقل؟"
"يعني بارتنر"
وضح إبراهيم وعندها صرخ تيام
"اي نو ايت"
كان ملاك متفاجئاً
"بابا واونكل إبراهيم؟"
"خلاص بقى، أنا هيما أو بابا، زي ما تحب"
رد إبراهيم ومسح على شعر ملاك بلطف
"دا بجد؟"
سأل ملاك والده بإستغراب واكتفى كيرلس بالايماء ثم تابع بإرتباك
"بس كل حاجة هتحصل برضاكم طبعاً"
ساد صمت قصير، الأطفال الثلاثة ينظرون لبعضهم، كأنهم يحاولون ترجمة الموقف بلغتهم الصغيرة
تيام قفز فجأة ليجلس بجانب إبراهيم، يحتضنه بقوة ويضحك. لوجين تسلقت حضن كيرلس ثم مدت يدها لتتشبث بيد إبراهيم أيضاً أما ملاك، فظل واقفاً، عينيه تائهتين بين الشك والفضول والدهشة
إبراهيم مد يده نحو ملاك، ينتظر، كأنه يعرض عليه أن يشارك في الدائرة الجديدة التي تشكلت
ملاك ظل واقفاً في مكانه، يحدق في يد إبراهيم الممدودة، أصابعه ترتعش قليلاً من التوتر
الغرفة كلها بدت كأنها تحبس أنفاسها في تلك الثواني كيرلس كان يراقبه بعينين قلقتين، كأنه يستجديه أن يقترب، بينما إبراهيم بقي ثابتاً، ابتسامته دافئة، صبورة، لا تستعجله
أخيراً، خطا ملاك خطوة مترددة، ثم أخرى، حتى وصل إليهم، رفع عينيه إلى وجه أبيه، كأنه يطلب تأكيداً أخيراً، وعندما رآه يومئ بابتسامة مطمئنة، مد يده ببطء ووضعها في يد إبراهيم
ابتسم إبراهيم فوراً، شد يده برفق إلى صدره، ثم جذب ملاك ليحتضنه مع باقي الأطفال، انكمش ملاك في حضنه، لكن شيئاً في جسده ارتخى، وكأنه لأول مرة يسمح لنفسه أن يشعر بالأمان بينهم
"مالك؟"
سأل إنشاد عندما لاحظ أن أمجد يبدو مهموماً
تنهد بضيق
"ماما عرفت إني رجعت وطلبت تشوفني"
"وإيه المشكلة؟، ما بتحبهاش؟"
"أنا علاقتي بيها يا دوب، ما أعتقدش انها هتتقبلني خالص لو عرفت الحقيقة"
كان أمجد قلقاً لأنه يحب والدته ويتمنى لو تتحسن علاقته بها
"مش لازم تعرفها"
رد إنشاد ببساطة
"بجد!"
"أيوة، مش ضروري تكام اوت لكل الناس، احنا بنكام اوت للي هيتقبلونا بس، الكام اوت حرية شخصية، مش من حق حد يجبرك عليه"
كان يشرح بحنان وهو يمرر يده على شعر أمجد
"يعني إنت شايف اني اروح؟"
سأل بتردد ورد إنشاد
"طبعاً، مش والدتك؟، بتحبها صح؟"
هز أمجد رأسه بالايجاب
"نفسي تحبني هي كمان"
لم يرد إنشاد أن يعده بوعود غير مؤكده لذا اكتفى بعناقه عناقاً دافئاً مطمئناً
اوصله إنشاد لمنزل والدته ثم ودعه، تنهد أمجد بعمق ثم طرق الباب وفتحت والدته، عانقته بحنان ثم صافح زوجها، وفي الداخل كانت المفاجئة، كانت بشرى موجودة مع رياض
شعر بالتوتر بسبب آخر حديث دار بينهما، جلس وحمحم ثم ناوله زوج والدته كوب عصير وبينما يأخذه منه لاحظ زوج والدته آثار لطلاء الأظافر لأن أمجد ازاله على عجل لذا ترك أثراً
"هو دا مناكير؟"
سأل ساخراً، شعر أمجد وكأنه سيبصق قلبه من حلقه، كأن الهواء هرب فجأة من الغرفة، حاول أن يجد جملة يرد بها، لكن توفيق لم يمنحه الوقت
"كنت بتلعب تروث اور دير ولا إيه؟"
قال وهو يضحك بخفة مصطنعة، ثم أضاف
"بلاش الديرز دي تجيب مشاكل، إنت راجل"
مد يده ليربت على كتف أمجد تربيت الرجال الجاف وعندها تدخل رياض
"يعمل اللي يحبه، هو عارف أنه راجل"
نظر زوج طليقته إليه بإستغراب كذلك طليقته
"في إيه؟، هو إنت اللي كنت بتلعب معاه؟"
كان يظنها مزحة يجرها لمزيد من السخرية، لكن الصمت الثقيل الذي تبع السؤال جعله يتلعثم
رياض لم يرمش، عيناه كانتا ثابتتين قاصداً انهاء السخرية
"أيوة أنا اللي حطتهوله، وهو حر يحط اللي يحطه"
لم يكن في صوته أي مزح أو ضحك، بل جدية جعلت الضحكة تتبخر من على شفتي توفيق
حديثه جعل أمجد مندهشاً أنه دافع عنه رغم اختلافه معه، تدخلت والدة أمجد في محاولة لتهدأة الجو
"خلاص، توفيق مكانش قصده، بيهزر عادي"
لكن رياض لم يترك الأمر يتلاشى كذريعة. اعتدل في جلسته، صوته صار أخفض لكنه حازم
"عادي، كلنا بنهزر، بس محدش مسموحله يتريق على إبني واختياراته"
قال بتحفظ كي لا يحاول أي أحد تكرار ما فعله توفيق بجعل أمجد على خشبة المسرح والسخرية منه
أمجد شعر بشيء ينكسر داخله، لكن هذه المرة انكسر ليفتح طريقاً جديداً عينيه التقت بعيني رياض، وفيهما لأول مرة لم يرى الرفض المعتاد، بل ضوئاً من القبول، ضوء يشبه ممراً يُفتح
توفيق تنحنح محرجاً وأشاح بوجهه نحو التلفاز، كأنه يبحث عن أي شيء يشغله
بشرى اكتفت بالصمت، لم تفهم تماماً لكنها شعرت أن هذه اللحظة أكبر من أن تتدخل بها
رياض مد يده بهدوء وربت على ركبة أمجد، كانت حركة صامتة، تنم عن قبوله ودعمه له، حركة احتاجها أمجد بشدة، حتى أنه كاد يذرف الدموع من التأثر لكنه تماسك
"أنا هحط الغدا"
قالت والدة أمجد في محاولة لتهدأة الجو ثم نهضت وذهبت للمطبخ
نظر أمجد لرياض ثم ابتسم، فحتى لو رفض الإعتراف به فقد دافع عنه، وهذا يكفي
بعد تناول الطعام بهدوء قال رياض
"لو عايز تدخن دخن"
كان يعتقد أن أمجد ما يزال مدخناً شرهاً كما تركه
"لا، أنا بطلت"
كان أمجد يدخن لينفس عن غضبه واستياءه، وبعد ارتباطه بإنشاد تحسن كل شيئ، لذا توقف عن التدخين
حمحم أمجد ثم قال
"شكراً"
تجاهل رياض جملته وأخذ صحن الحلوى من طليقته ثم ناوله لأمجد بصمت
لم يكن رياض ليعترف بأنه مخطئ، لكنه سيقوم بتصرفات تثبت أنه تراجع عن حديثه، وكان هذا كافياً بالنسبة لأمجد
.
28. حجر منزلي
كان مُلهم غارقاً في حضن سليمان، نصف شعره الطويل ينسدل على وجهه، مد سليمان يده أولاً ليزيح الخصلات خلف أذنه، لكن سرعان ما تحولت الحركة البسيطة إلى رغبة أكبر
نظر إليه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة قبل أن يُمرر ذراعيه تحت جسده النحيل، ويرفعه بسهولة بين يديه
مُلهم شهق بخفة، التفت ذراعاه حول عنق سليمان لا إراديًا، شعر كأنه طُرح فجأة في حضن أكثر أماناً من الأرض نفسها
الفارق الجسدي كان فاضحاً سليمان العريض يحمل جسد مُلهم كأن وزنه لا يُذكر، فيما شعر مُلهم الطويل يتساقط على كتف سليمان ويمس صدره العاري
جلس سليمان بهدوء وهو ما يزال ممسكاً به، ثم وضعه برفق على حجره، يمرر أصابعه في خصلاته الطويلة كأنه يروضها
مال إلى أذنه وهمس بصوت منخفض بنبرة مرحة
"إنت خفيف أوي"
مُلهم كان ما زال متجهم وهو متمسك بعنق سليمان، ملامحه نصف جادة وهو يكرر بصوت خافت
" ما تتريقش..."
ابتسامة سليمان اتسعت، وبدلًا من أن يرد بالكلام، مال برأسه وقبل جبينه قبلة ناعمة
همس بعدها
"هو ده تريقه؟"
مُلهم ارتبك، أدار وجهه قليلاً كأنه يهرب، لكن سليمان لم يمنحه فرصة، انتقل ببطء ليطبع قبلة أخرى على وجنته، ثم على صدغه، ثم انحدر إلى رقبته حيث الصق شفتيه بدفء
شهقة صغيرة أفلتت من مُلهم رغماً عنه، قبض أكثر على كتف سليمان، عينيه أغمضتا بقوة كأنه يحاول مقاومة النشوة التي تتسلل لجذعه
قال بصوت واهن، أقرب إلى الاستسلام
"خلاص، إنت كسبت"
"يبقى هتنقل وتعيش معايا"
امسك بيده وعندها امسك مُلهم بكلتا يديه يد سليمان يتفحصها ثم قال
"تعرف، استحالة كنت اوافق ارتبط بحد زيك"
رفع سليمان حاجبه مستنكراً
"نعم!"
"ما بحبش الرجالة اللي جسمهم أكبر مني، حاجة بضان"
"أي راجل هيبقى أكبر منك"
قالها بتلقائية وعندها عض مُلهم يده ثم همَ بالإبتعاد عنه لكن سليمان سحبه من خصره ليعود لحضنه
"ما بحبش التريقة عليا قولتلك قبل كده"
قال مُلهم بإستياء وهو ينظر بعيداً
"بس دي فاكتس مش تريقة، إنت صغير"
"عشان ترانس؟"
قالها بإستياء حقيقي، وهو ينظر لسليمان فقد كان يكره أي تلميح لكون جسده صغيراً أو ضعيفاً أو ناعماً
"لا، إنت صغير عشان تعرف تقعد في حضني وتاخد راحتك، حضني أنا بس"
كان يثبته بيديه ممسكاً بخصره بينما ينظر إليه بشراسة كأنه ينظر لفريسة بينما يحرك لسانه على شفتيه العلوية وكأنه يستعد لإلتهامه
وضع مُلهم يديه على عيني سليمان بقلق ونبضات قلبه تتسارع
"ما تبصليش كده"
"اقدر امسك ايديك الاتنين بإيد واحدة يو نو؟"
قال وهو يبتسم دون ابعاد يدي مُلهم عن عينيه
"بس مش هتعمل كده"
قال مُلهم وعندها قهقه سليمان لدرجة أن مُلهم ابعد يديه عن عينيه، نظر سليمان لعينيه ثم قال
"عشان مش بحب أشوف عينيك الحلوين دول بيدمعوا في حتة غير السرير"
نهض مُلهم ورمى حقيبته على سليمان ثم التقط كنزته وارتداها بسرعة، انحنى وانتعل حذائه ويديه ترتعشان من الخجل والتوتر
"اوصلك؟"
سأل سليمان باسماً بإستفزاز وعندها رمى مُلهم عليه كتاب كان على المكتبة ثم خرج من الغرفة تاركاً سليمان يضحك بإستمتاع
نهض ثم تبعه واوقفه قبل أن يخرج
"هوصلك، ما تخرجش، ما تخلنيش اشيلك واحطك في العربية"
بقي مُلهم مكانه حتى ارتدى سليمان كنزته ثم انتعل حذائه لأنه كان يعلم أنه يستطيع تنفيذ تهديده بسهولة
اقترب من مُلهم ثم مال وقبلَ خده قبلة لزجة، مزج مُلهم أثرها وقهقه سليمان وهو يفتح الباب ليخرجا
"يوسف!"
هتف تيام عند رؤيته ثم عانقه بحماس، كان متحمساً ليخبره عن ارتباط إبراهيم بكيرلس
تلاشت ابتسامته عندما لاحظ أن يوسف يبدو متعباً، وعندها سأل بقلق
"إنت كويس؟"
"أيوة، تعبان شوية بس"
رد بصوت مبحوح وانف مسدود
"كشفت؟"
"لسه، بيسو قال هياخدني من المدرسة، هخرج بدري"
شعر تيام أن الوقت غير مناسب لإخباره عن والده لذا تراجع وقال
"سلامتك الف سلامة"
"خليك بعيد عشان ما تتعديش"
نبهه يوسف ثم سار أولاً ليسبق تيام
كان اليوم ثقيلاً على تيام، بلا يوسف شعر بالضياع والوحدة، رغم أنه اكتسب صديقاً لكنه لم يكن يملأ فراغ يوسف
بعد الاستراحة مر بسيوني واصطحب يوسف للطبيب وبعد الفحص تبين أنه مصاب بكورونا، وطلب الطبيب من بسيوني اتخاذ الإجرائات اللازمة وطمأنه بسيوني بأنه سبق وتعامل مع المرض
تم تجهيز غرفة يوسف بعناية، أغلق الباب، ووُضعت أدواته الخاصة والمطهرات على مقربة منه
لكن عزلة الغرفة لم تكن مجرد باب مغلق، بل كانت جداراً قاسياً يفصل بين قلبين اعتادا القرب
كان يوسف ينهكه الصداع والدوار، حتى أن الضوء صار يؤلم عينيه، فيترك هاتفه جانباً غير قادر على متابعة الرسائل
أما تيام، فكان يقف أمام الباب أكثر من مرة، يتمنى أن يراه ولو لدقيقة، لكن بسيوني منعه بلطف وحزم
كلاهما شعر بالوحدة، الوحدة التي تتسلل حتى من بين جدران بيتٍ مأهول
لم تُجدي الرسائل، ولم تنجح الملصقات المضحكة ولا التسجيلات الصوتية القصيرة في تعويض غياب الحضور المباشر
وفي المساء، حين يخفت ضجيج البيت، كان تيام يزحف على الأرض، يسند ظهره إلى الباب الخشبي البارد، بينما على الجهة الأخرى كان يوسف يجلس الوضعية نفسها، وكأنه يحاول أن يلغي المسافة التي تفصلهما
لم يكونا يريان بعضهما، لكن الوجود خلف الخشب كان يمنحهما شيئاً من الدفء والأمان
كان الباب يفصل الجسدين، لكنه يجمع النفسين، كأن كل نفس يتردد من أحدهما يصل للآخر بطريقة خفية
بعد شفاء يوسف قابله تيام بعناق قوي حميمي وبدأ يوزع قُبلاته على وجهه بينما يقهقه يوسف بإستمتاع
"وحشتك؟"
سأل ورد تيام باسماً
"أوي"
دخل غرفته ليجلس معه على السرير، تشابكا الايادي ثم تذكر أنه لم يخبره عن ارتباط والده بكيرلس فقال بإبتسامة واسعة
"أنا دلوقتى عندي تو دادز"
"بجد!، مين؟"
سأل يوسف بحماس
"داد ارتبط باونكل كيرو"
"حسيت، دايماً كان في كوير فايبز طالعة منهم"
لم يكن متفاجئاً
"أنا برضه حسيت، ومبسوط، عمر ما كان عندي تو دادز قبل كده، واونكل كيرو سو نايس تو مي"
"أنا مبسوط أوي عشانك"
قال بإبتسامة
"ممكن أحضنك عشان وحشتني؟"
سأل بخجل وابتسم يوسف ضاحكاً ثم فتح ذراعيه
"تعالى"
.
29.بحبك بإستمرار
قريب مهني شايف حبيبه ميال إليه
يبات يغني ويحب يبكي ما بين إيديه
وساهر الليل مستني يتمنى ضله يعطف عليه
واللي جمع شمل القريب
قادر يسر حال الغريب
كان إبراهيم وكيرلس يتحركان في تناغم صامت، خطواتهما بطيئة لكنها مليئة بالدفء
يعرف كل منهما إيقاع الآخر كما يعرف صوته
يد إبراهيم تستقر بثقة في يد كيرلس، وكأنها وجدت مكانها الطبيعي، بينما ذراعه الأخرى تلتف حول خصره بحنانٍ مطمئن
كيرلس يستند برأسه قليلاً على كتف إبراهيم، مغمض العينين، كأنه يذوب في الموسيقى، أما إبراهيم، فكان يبتسم وهو يقوده في حركات خفيفة، يقربه حين يبطئ اللحن، ويتركه يدور حوله، لم تكن رقصة استعراض، بل صلاة صغيرة بين جسدين يعرفان بعضهما جيداً
توقفا عن التحرك ليغوصا في عيني بعضهما، وكأنهما دخلا ثقباً ذهب بهما لعالم آخر، حتى قاطعهما صوت ملاك
"بابا"
شعرا بالفزع لثواني ثم تذكرا أنهما سبق وأخبرا الأطفال، التفت كيرلس ورد بحنان
"أيوة يا حبيبي!"
"هو كده ممكن برضه نشوف ماما؟"
"أيوة طبعاً يا حبيبي، في أي وقت تقدر تروحلها"
طمأنه بلطف ومسح على رأسه
قبلَ ملاك خده ثم عاد لغرفته بمرح وعندها سأل إبراهيم
"أنا مش عاجبهم ولا إيه؟"
قهقه كيرلس
"برضه العيال بتحتاج الأم البيولوجية"
بعد سماع جملته تذكر طليقته، فكر لأول مرة من ناحية أنها والدتهم وليس مجرد طليقة اختلف معها
"تفتكر تيام ولوجين محتاجين مامتهم؟"
"هو أنتم قاطعين مع بعض خالص؟"
"أيوة، بتكرهني جداً لدرجة أنها سابت العيال عشان ما كانتش عايزة حاجة تخليها تشوفني تاني"
"للدرجة!"
تفاجأ كيرلس
"أنا كنت شخص لا يطاق بجد، بس خايف على تيام ولوجين، ممكن محتاجين وجودها وأنا السبب في انها تمشي!"
"مش كل الأطفال بتحتاج وجود اهلهم البيولوجيين في حياتهم، مش ضروري يكون تيام ولوجين محتاجين وجودها"
استطرد بعدها
"بس إنت شكلك محتاج تكلمها"
"استحالة توافق تكلمني"
فكر كيرلس لثواني ثم خطرت له فكرة
"هي بتشتغل؟"
"أيوة"
"دور على السي في بتاعها، أو حتى ممكن تطلبه من حد، وابعتلها على ايميل الشغل ايميل اعتذار، مليون في المية هتقرأه"
كانت فكرة كيرلس جيدة، وبدأ إبراهيم بالفعل يبحث عن سيرتها الذاتية حتى وجدها في حسابها على لينكدن بإستخدام حساب كيرلس لأنه لا يمتلك حساباً عليه
ساعده كيرلس في كتابة رسالة البريد ثم ارسلاها معاً، ضغطا زر الارسال في نفس الوقت ثم تحول القلق لقهقهات متعالية
كان مُلهم غارقاً داخل حضن سليمان، كأن العالم كله انكمش حتى صار صدره هو الملاذ الوحيد
رأسه يستند إلى كتفه، يلتقط أنفاسه المتقطّعة كطفلٍ أرهقه البكاء، بينما ذراع سليمان تحيطه بثباتٍ لا يلين
مد سليمان يده ببطء تحت كنزة مُلهم، لامس دفء جلده العاري، فأرسلت لمساته تيارٍ قشعريرة على طول ظهره
ارتجف مُلهم للحظة، ثم استسلم أكثر
انحنى سليمان عند عنقه، يتنفس رائحته الممزوجة برائحة صابون اللافندر وعطر العود، تسللت الرائحة إلى صدره مع كل شهيق، فأثقلت قلبه برغبة غامرة في البقاء أقرب، كأنها تُخدر قلقه وتسكنه
رائحته كانت دافئة، تُثير داخله ارتعاشةً لا يستطيع التحكم بها، وتجعله يستنشق ببطءٍ عميق، كما لو كان يحاول حفظها في رئتيه إلى الأبد
رائحته أفقدته القدرة على المقاومة، انحنى برأسه وترك قبلة هادئة على كتفه، ثم أخرى، ثم ثالثة
كمن يتتبع طريقاً لا يريد أن ينتهي
ارتجف مُلهم مع أول لمسة، وحاول أن يحبس أنفاسه عبثاً، لكن تنهيدة طويلة أفلتت منه، كأنها إقرار خفي بالاستسلام
أغمض عينيه أكثر، وشد ذراعيه حول سليمان، كان يحاول الحديث لكنه فشل
لكن سليمان لم يتوقف، قبلاته صارت أبطأ، أثقل، وكأن كل واحدة منها تتحدى مُلهم
كل قبلة كان يطبعها سليمان على كتف مُلهم تُذيب طبقة من صموده، ارتجافه لم يعد خفيفاً، بل صار جسده كله يستسلم بين ذراعيه، كأنه يفقد قوته
كان مُلهم يحاول أن يهمس "كفاية"، لكن صوته خرج خافتاً، أشبه برجاءٍ مرتبك، لا أمر
أنفاسه تسارعت، كتفه ارتفع وانخفض تحت وقع الشفاه الحارة، حتى بدا وكأنه ذاب تماماً في حضنه
عينيه نصف مغمضتين، شفتاه ترتجفان بلا كلمة، فقط تنهيدات صغيرة تفضح ضعفه، شد أصابعه في قميص سليمان، يتشبث به كمن يخاف أن يسقط إن تركه
التقط سليمان يد مُلهم برفق، فك قبضته بحنان وأمسك بها بين كفيه، رفعها ببطء إلى فمه، كأنه يتعامل مع شيء هش لا يُحتمل كسره، ثم بدأ يوزع قبلات صغيرة على أصابعه واحداً تلو الأخر، كل قبلة كانت مطمئنة، بطيئة تُشبه الرغبة، أعمق من أن تكون مجرد لمسة
ارتجف مُلهم أكثر، أحس أن قوته تُسحب من بين أطرافه مع كل قبلة تُطبع على جلده
همس بصوتٍ متكسر، بالكاد مسموع
"سليمان... أنا حاسس إني هموت"
ابتسم سليمان بهدوء، وضغط كفه على كف مُلهم كأنه يوثق وعداً صامتاً، ثم قال بصوت منخفض قرب أذنه
"أنا اللي ميت فيك"
ابتعد مُلهم فجأة، كأن حضن سليمان فضحه أكثر مما يحتمل. وقف وهو يتنفس باضطراب، ثم خطا ببطء ناحية المرآة
انعكس وجهه الشاحب وبطنه أمامه، انتفاخ خفيف طالما ازعجه
وقف مُلهم أمام المرآة، يضغط بكفه على بطنه المنتفخ، والضيق ينعكس في عينيه أكثر من انعكاسه في الزجاج تنهد بيأس
اقترب سليمان من ورائه، مد يده وأبعد أصابع مُلهم عن بطنه برفق، ثم وضع كفه مكانها وضغط بلطف
"أنا بحب دا، اسمها سوة، وأنا بحبها"
قبل أن يستوعب مُلهم كلماته، انحنى سليمان بخفة، وأسند شفتيه على الانتفاخ في معدته، أولًا قبلة طويلة مطمئنة، ثم فجأة عضة صغيرة
شهق مُلهم بخجل وارتبك، لكن ضحكة قصيرة أفلتت منه بلا قصد، ارتعش جسده للحظة وهو ينظر إليه بدهشة
"إنت مجنون"
ابتسم سليمان، وعاد ليضمه من الخلف، جبهته على كتفه وصوته يخرج عميقاً
"مجنون بيك"
في المساء خرجا سويةٍ وجلسا في مقهى سلينترو وبينما يحتسي مُلهم قهوته مر مجموعة شباب ولاحظوا سليمان
"سليمان!"
كان يبدو أنهم يعرفونه، بدأوا يصافحونه بحرارة
كان مُلهم قد ترك شعره ينسدل على كتفيه ولم يربطة لذا اعتقد الشباب بمعلوماتهم المحدودة أنه فتاة
"دي عروسة من مصر؟"
اختنق مُلهم بالقهوة ثم نظر للشاب الذي يتحدث
"سوري، هو إنت بتتكلم عني؟"
"لكنة قهراوية فعلاً"
قال الشاب ثم غمز لسليمان
"أيوة ياعم عشان كده رفضت عروسة والدك، ولعانة معاك"
انصرفوا في النهاية وظل مُلهم عابساً وعندها قال سليمان
"لو فضلت تتضايق كل ما حد يحسبك بنت مش هنخلص، مش المفروض إنك كوير ولا تعترف بالجندر؟"
"مش هتفهم عشان إنت مش ترانس"
قالها بقلة حيلة
فكر سليمان لثواني ثم بدأ يتحدث بهدوء
"عارف إني مش هفهم كويس لإني مش مكانك، بس الجندر فعلاً شيئ وهمي غبي، عشان شعرك طويل أو تون صوتك تبقى في قالب معين وجندر معين!، فكرة غبية، مش لازم تقعد تعمل حساب كل واحد وتفكر في كلامه، هو هيروح يكمل حياته وإنت هتفضل متضايق تدي كلامه الغبي أكبر من حجمه"
مد يده وامسك بيد مُلهم بنعومة ثم تابع
"بعدين كده كده أنا بان، هحبك في كل الأحوال"
.
ياللي شجاك الأنين

.
30. +1
كان إنشاد يداعب خصلات شعر أمجد الجالس في حضنه حين رن هاتفه قاطعاً اللحظة، كانت والدته، ارتبك للحظة ثم حمحم ورد
"الو!"
"حبيبي إنت في بيت بابا ولا برا؟"
توتر ثم رد في النهاية
"في البيت"
تنهدت براحة ثم قالت
"كويس، ممكن تنزل لحظة؟، أنا مستنياك تحت"
شعر أمجد بالذعر بالأخص أنه كان يضع طلاء الأظافر
"حاضر"
رد بإرتباك
أغلق الخط، وتسللت رعشة إلى صوته وهو يلتفت نحو إنشاد
"في إيه؟"
سأل إنشاد بعدما لمح الذعر في عينيه
"ماما تحت عايزة تشوفني"
كان فزعاً
امسك إنشاد بيديه برفق
"اهدى، حط ايديك في جيبك، مش هيحصل حاجة، أهدى"
مال وقبلَ جبينه قبلة حنونة دافئة
بعد ما يقارب الدقيقة من تمارين التنفس استقام أمجد واقفاً وشجعه إنشاد، وضع أمجد يديه في جيوبه ثم خرج ليقابل والدته التي كانت تنتظره في السيارة
فور خروجه خرجت من السيارة ثم عانقته
"أنا آسفة جداً، توفيق مكنش قصده حاجة"
كانت والدته حنونة كما عهدها دوماً
ظل صامتاً، يسمعها بتركيز
لم يجد رداً، فقط راقب يديها وهما تفتشان في السيارة حتى أخرجت حقيبة صغيرة، مدتّها له بابتسامة شاحبة
"حتى لو بتعمل حاجات غريبة شوية إنت حر، الجيل الجديد غريب بس طالما مش مؤذي تمام"
تردد قبل أن يأخذ منها الحقيبة
"شكراً"
قبلت رأسه بحنو
"نفسي تعرف إني نفسي أشوفك مبسوط دايماً"
"عارف"
رغم أنها كلمة واحدة لكنه كان يقصد كل حرف فهو يعلم مدى بؤس والدته وحبها له، وأنها تكافح لتظهر حبها مع هذا المجتمع المجنون
غادرت وعاد لداخل المنزل ثم فتح الحقيبة ووجد بها عبوات لمزيل طلاء الأظافر ومبرد، ابتسم وتنهد براحة، وشعر بأن والدته تحبه في كل الأحوال
"عملت إيه؟"
سأل إنشاد بتردد وعندها عانقه أمجد بقوة
"أنا مبسوط أوي"
بادله إنشاد العناق وابتسم
"وأنا مبسوط إنك مبسوط"
وقف إبراهيم أمام شاشة التلفاز ليلفت نظر ابنيه
"تيام، لوجين، عايز اتكلم معاكم"
"أيوة!"
رد تيام بإستغراب
تردد إبراهيم قبل أن يسأل
"ماما ما وحشتكمش؟"
"احنا عمرنا ما قعدنا معاها عشان توحشنا"
رد تيام بتلقائية
"أنا عمري ما شفتها أصلاً"
أضافت لوجين
"هي مش مشيت وسابتنا وما اهتمتش حتى تزورنا؟، عايزة إيه؟"
كان تيام مستائاً من تذكير إبراهيم لهما بها
"تيام ماما مكانتش وحشة، هي بس تعبت مني وما قدرتش تستحمل، وكانت مش عايزة تختلط بيا لإني كنت عصبي جداً وقتها، وعندها حق"
"فا تتخلى عن عيالها خالص؟، دي مش بتحبنا ولا عايزانا"
كان تيام مستائاً ولا يشعر بأي تعاطف معها
"عيب يا تيام إنت مش مكانها وكل واحد له قدرة تحمل، بعدين إنت واختك نفسكم مكنتوش بتطيقوا تقعدوا معايا وكنتم دايماً عند عمكم"
"بس عمرك ما طردتنا وفضلت معانا"
"بس أنا مكنتش اتطاق حتى أنتم مكنتوش طايقنني، فا ما ينفعش تلوم على مامتك، بعدين دي استحملت كتير وأنا بهدلتها جداً، عندها كل الحق في اللي عملته"
بدأ تيام ولوجين يفكران ثم قال تيام
"ليه بتكلمنا عنها؟"
"عشان ظلم أنكم تكرهوها بسببي، هي ما عملتش حاجة"
"ليه بتكلمنا عنها؟، هي عايزة تشوفنا؟"
"مش هعرض عليها إلا لو ضمنت أنكم عايزين دا ومش هتقولوا حاجة تجرحها"
نبههما وعندها قال تيام
"سيبنا نفكر"
"براحتكم، بس زي ما ادتوني فرصة ياريت تدوها فرصة"
نبههما قبل أن يتركهما يفكران وحدهما
دخل غرفة النوم ووجد كيرلس مشغولة بحاسوبه
"بتشتغل؟"
سأل وعندها اشار كيرلس له ليقترب ثم بدأ يريه اعلاناً لمنزل
"بص كده دا حلو؟، دا سبع اوض"
"مش كتير سبعة؟"
"خالص، مين ضامن عيالنا يكتروا لحد اد ايه، ولا إنت مش بتحب العيال؟"
قهقه إبراهيم بخفة
"بحبهم"
"يبقى نفكس لبيوتنا ونأجر دا، مكانه كويس وقريب من مدرسة العيال"
عرض كيرلس وبعد تفكير لثواني وافق إبراهيم
"إنت صح، كلم الراجل"
قبلَ كيرلس خده بقوة ثم اخرج هاتفه ليكتب رقم التواصل ثم يتصل بالرجل
"إنت كويس؟"
سأل تيام فتى مراهق بعد أن ابتعد عنه مجموعة فتيان كانوا يضربونه
"أيوة"
بدأ ينفض التراب عن ملابسه وسأله تيام
"بيتك قريب؟"
ظل الفتى صامتاً ثم نظر لتيام واجاب
"مليش بيت"
تفاجأ تيام
"إزاي؟"
"بابا وماما طردوني، قالوا عليا بايظ"
قوس تيام حاجبيه بإستغراب
"يعني إيه بايظ؟"
استاء الفتى بعد أن استوعب الموقف
"إنت مالك أصلاً؟، شكلك عيل دلوع، روح لمامتك"
"أنا قاعد مع بابا مش مع ماما"
رد يوسف بتلقائية فلم يستوعب حديث الفتى ولم يعتبره إهانة
نظر الفتى لتيام نظرة فاحصة
"شكل باباك بيحبك"
"أيوة، أي أب بيحب ابنه"
رد بحسن نية
"مش أي أب، إنت محظوظ بس"
"هو باباك وحش أوي كده؟"
"هيفرق معاك في إيه؟"
"تيام، يلا عشان نرجع البيت"
نادى كيرلس وعندها أشار له تيام أن يمنحه بعض الوقت
"يعني إنت معندكش أب أو أم؟"
سأل بحزن ورد الفتى بعصبية
"لا معنديش، عايز إيه؟"
"ممكن اشاركك بابا"
رد وتفاجأ الفتى من رده لدرجة أنه شعر أنه سمع بشكل خاطئ حتى وجد تيام ينادي كيرلس
"كيرو"
اقترب كيرلس ومال
"أيوة يا حبيبي!"
"ممكن ناخده معانا؟، معندهوش أب ولا أم"
ترجاه ونظر كيرلس للفتى ثم قال
"أكيد، بس هو عايز يجي معانا؟، تيجي معانا يا أستاذ؟"
"أنتم مجانين؟، يعني ايه تاخدوا أي حد من الشارع؟"
صرخ الفتى بهم
"إيه المشكلة؟"
سأل كيرلس ببلاهة
"ما ينفعش تاخدوا أي حد من الشارع، ما يمكن حرامي، بعدين أنا مش عادي أنا بايظ"
"بايظ!"
استغرب كيرلس من وصفه
"أيوة، بابا قال إني بايظ، جسمي بايظ"
شعر كيرلس بالقلق
"ممكن تيجي معايا نعملك فحص لو سمحت؟"
كان الفتى مستغرباً من لطفهم وكان كيرلس مصراً على أخذه، بعد فحوصات مطولة اتضح أن الفتى بيني الجنس، قرر كيرلس الحديث مع الفتى بهدوء
كان اسمه عمرو
"بص أنا هكلمك بالراحة، إنت انترسكس، ممكن يعملولك عمليات تصحيح للذكر أو للأنثى، أو لو حابب ممكن تفضل بجسمك الحالي، براحتك كله بقرارك إنت"
"يعني إيه انترسكس؟"
سأل بإهتمام ممزوج بفضول
"اعضائك بينيه، مش مذكرة أو مؤنثة، يقدروا يعملولك عمليات تصحيح لو عايز، أو تتساب لو مرتاح كده، في ناس بترتاح وما بتحبش تعمل عمليات، براحتك"
"لو عملت العملية هرجع لأهلي؟"
كان خائفاً من أن يظل مكروهاً ووحيداً في الشارع
تردد كيرلس
"ما اضمنلكش، بس اضمنلك سواء عملتها ولا لا بيتنا مفتوحلك"
استاء عمرو واعتقد أنه يسخر منه
"إنتم مجانين؟، هو أي هبل وخلاص؟"
"عندنا بيت كبير وتقدر تاخد اوضه فيه، لسه ناقلين لبيت فيه سبع اوض، نختارلك الاوضة على ذوقك، أنا مش بهزر، مكانك موجود وسطينا"
كان يتحدث بهدوء وجدية كي يتوقف عمرو عن الإعتقاد أنه يمزح
وبعد ثواني من التفكير بدأ يذرف الدموع لأنه لا يستوعب أن والديه رفضاه ولكن رجل غريب عرض عليه البقاء معه
مسح كيرلس على رأسه بلطف
"احنا عيلة كول أوي على فكرة وهنعجبك"
في النهاية عاد كيرلس للمنزل برفقة طفل جديد
"حبيبي"
نادى فور دخوله واقترب إبراهيم منه ثم لاحظ وجود عمر فإبتسم
"هاي!، مين القمور؟"
"ابننا الجديد"
"يادي النور، اسمه إيه؟"
سأل ببساطة واستغرب عمر أكثر
"هو أنتم مجانين؟"
قهقه كيرلس وإبراهيم ثم تذمر كيرلس
"ليه الغلط طيب؟"
"هو أي عيل تاخدوه كده عادي؟، وبيتكم واسع وكبير ممكن يتسرق"
"إيه المشكلة؟"
سأل إبراهيم بإستغراب حقيقي
"تيمو وري عمرو الاوض خليه يختار"
قال وأشار لتيام الذي سحب عمرو بحماس ليريه الغرف
"انترسكس"
قال بإختصار وعندها سأل إبراهيم
"اهله عارفين؟"
"طردوه من البيت"
"دا إيه الجنان دا؟"
"الجهل يعمل أكتر من كده، شكله من عيلة بسيطة"
كان عمرو منبهراً بالمنزل، كان ضخماً بالنسبة إليه، والادوات به كانت فاخرة، شعر بأنه في حلم
"اختار اوضه؟"
سأل إبراهيم والتفت عمرو إليه
"كبار"
"أيوة ما لازم يبقوا كبار عشان تاخد راحتك فيهم، تحب بقى نجيبلك ديكور إيه؟"
نظر لتيام ثم أضاف
"تيمو هات التاب نفرجه على الديكوريشن"
ركض تيام لغرفة النوم وأحضر الجهاز اللوحي وبدأ إبراهيم يري عمرو مقاعد واسرة وديكورات، وكان الآخر لا يستوعب أن إبراهيم يسأله تأثيث غرفة له حقاً لأنه في منزله القديم كان مع اشقائه في غرفة واحدة ضيقة ومهترئة، جدرانها متآكلة
لقد وجد الحنان والحب الغير مشروط لأول مرة في حياته، لم يكن حتى ليجروء على الحلم به ولكن هاهو يحظى به
.
31. عائلتك غير النموذجية
خرجت من المطار بتردد ثم صعدت في سيارة الأجرة، كان الوقت يمر ببطئ شديد حتى وصلت لمنزل إبراهيم الجديد، ضغطت على الجرس وفتح كيرلس وبعد ثواني من تفحصها قال
"حضرتك والدة تيام ولوجين؟"
اومأت بصمت وعندها افسح لها وقال بحرارة مُرحباً
"اتفضلي، البيت بيتك، اتفضلي"
دخلت بتردد ويديها التي تحمل بها حقيبتي هدايا ترتعش، جلست على المقعد حتى خرج إبراهيم لاستقابلها وارتعش جذعها عندما رأته
"أنا مبسوط جداً انك جيتي"
قال باسماً ولم يصافحها لأنه يعلم كم تخشاه بسبب أنه كان يضربها ويصرخ بها في الماضي
"شكراً بجد إنك وافقتي بعد كل اللي حصل"
تابع شكرها ثم قال
"ثواني هندهلك العيال"
دخل لغرفة تيام ثم لوجين
"ماما جت"
خرجا بتردد وكانت لوجين مستغربة أكثر لأنها لم يسبق لها رؤيتها من قبل، عانقتهما والدتهما بقوة ثم مدت لهما حقائب الهدايا
"عاملين إيه؟"
"كويسين"
رد تيام بإقتضاب بينما لوجين تفتح الحقيبة بفضول الأطفال ووجدت بها دمية باربي فضحكت بسعادة
"تيام أنا آسفة إني سبتك"
شعرت والدته بأن عليها الإعتذار ورد تيام
"ولا يهمك"
"ممكن احضنك تاني؟"
سألت واقترب منها ببطئ وعندها سحبته لتعانقه بقوة ثم قبلت خده
"وحشتني أوي"
كان تيام يشعر بشعور جديد لم يسبق له تجربته من قبل، لكنه كان شعوراً جيداً
قلبي في الليالي ياما عذبوه
جم يحلوهالي قاموا شنكلوه
شنكلوه
جننوه
ناموا هما وسهروه
كان زين وعيسى يرقصان معاً بحيوبة على الأغنية، شعر إنشاد بالفضول لتجربة الرقصة لذا سحب أمجد ليرقصا معاً
أمجد ارتبك في البداية، جسده متخشب، لكن إنشاد لم يترك له فرصة للتراجع. أخذ يضع يده في يده ويقوده بخطوات بسيطة، ثم لفه بحركة خاطفة جعلت شعره يتطاير قليلًا. ضحك إنشاد
ببطء بدأ أمجد يلين، قدماه تلتقطان الإيقاع، جسده يتمايل مع موسيقى خفيفة تشبه سراً يتشاركه مع إنشاد. كانت حركاتهما أقل انضباطاً من زين وعيسى، لكنها مليئة بالمرح، كأنهما طفلان يكتشفان لعبة جديدة
بعد التوقف عن الرقص نادى إبراهيم زين وكان يبدو متردداً، يفكر في السؤال الذي يريد طرحه
"خير!"
"بتحب مامتك ولا زيكو؟"
سأل ورفع زين حاجبيه بتعجب
"إيه دا؟"
"عارف أنه سؤال رخم بس أنا محتار ومحتاج إجابة"
"عايز تسأل الأب البديل ممكن ياخد مكان الأم ولا لا؟"
فهم زين مقصده
"أيوة"
كان قلقاً من أن لا يشعر عمرو بالأمان معهم وأن يظل في حاجة لعائلته
"بص أنا ما حضرتش ماما خالص، ما افتكرهاش أصلاً، اللي فاكره كويس هو زيكو، ممكن تسأل تاليا هي حضرت الاتنين، بس بالنسبالي زيكو هو ابويا التاني، أنا بحب ماما وكانت انسانة عظيمة وكان نفسي اقابلها بس بابا هو زيكو"
استمع إبراهيم بإنساط ثم قرر سؤال تاليا التي استغربت السؤال في البداية ثم بدأت ترد
"ماما وزيكو شبه بعض جداً في اسلوب التربية لدرجة اني محستش بفرق، ماما بتوحشني بس زيكو قايم بدوره كويس وبرتاح جداً في وجوده أكتر حتى من بيسو نفسه"
"يعني الأب البديل ممكن يعوض مكان الأم البيولوجية؟"
"على حسب الأم، وعلى حسب الابن نفسه، كل واحد بيكون له ردة فعل مختلفة، في ناس مهما كان الأم أو الأب البيولوجيين وحشين ما بيقدروش يكرهوهم وبيحبوهم، وفي ناس تانية بيكرهوهم جداً، وفي ناس مش فارق معاهم أصلاً"
استطردت
"بتسأل ليه؟"
"عندنا فرد جديد في العيلة، قلقان يكون مش مرتاح"
رد بصراحة فقد كان يعتبر تاليا مملوءة بالحكمة والرزانة
"سألته؟"
"لا"
"اسأله إيه اللي يريحه ويطمنه، خلي في شفافية بينكم، وأنا متأكدة انك واونكل كيرو هتبقوا ابهات هايلين"
اقتربت تاليا منه ثم قبلت خده
"جود لاك، لو احتجت حاجة كلمني"
قبلَ خدها بدوره ثم رن جرس الباب
"هفتح أنا"
قال ثم سار بثبات للباب وفتحه ووجد حسام أمامه
مر حسام بنوبة قلق وبدأ يحاول تنظيم أنفاسه
"كيرو، ممكن تيجي؟"
نادى إبراهيم بسرعة ليساعد كيرلس حسام
ساعده ليجلس ثم ينظم أنفاسه وبعدها بدأ إبراهيم يعتذر إليه ويخبره أنه يمتلك كامل الحرية في قبول اسفه أو رفضه
"حُس!"
هتف زين ثم عانق حسام بقوة ثم بدأ يتحدث معه بمرح
رن الجرس وهذه المرة كان تيام وعمرو ولوجين وملاك، كانوا يحملون حقائب زينة
بدأ كيرلس يُقبلهم واحداً تلو الآخر ثم اندفعوا بحماس ليوسف وتاليا ليتحدثوا معهما
كان مُلهم يقف على السلم ويقوم بتعليق الزينة حين فجأة شعر بيد تلمس خصره وعندها فقد توازنه وسقط في أحضان سليمان
"اي جات يو"
قالها بإبتسامة واثقة
"إنت اللي وقعتني؟"
تذمر مُلهم ورد سليمان ببراءة
"محصلش"
خرج بسيوني من المطبخ وهو يحمل كعكة مزينة بإحترافية بعجينة السكر، وضعها على الطاولة في منتصف غرفة الجلوس ثم بدأ يضع عليها الشموع
كان عيد ميلاد تاليا، ناداها بسيوني لتقترب من الكعكة، اشعل الشموع وبدأوا يغنون لها، رن الجرس وفتح إبراهيم، كان القادم رياض، صافحه بحرارة ثم دخل وانضم لهم في الغناء وبعد أن اطفأت تاليا الشموع قدم لها هديتها ثم قبلَ خدها
كان أمجد يقف في الركن متوتراً حتى اقترب رياض منه وسأله
"إزيك؟"
حمحم أمجد بتوتر
"كويس"
نظر رياض لإنشاد نظرة فاحصة ثم مد يده وصافحه بتحفظ
"إزيك يا اونكل؟"
قال إنشاد باسماً
ورد رياض بتحفظ
"كويس"
كان هناك بعض التوتر في الجو لكن الدفء كان الغالب، بين الغناء والرقص، الشرب والاحاديث الجانبية كانت ليلة مليئة بالسعادة
في نهاية الليل، لم يكن الرقص مجرد حركات، ولا الغناء مجرد ألحان. كان كل شيء ينساب ليصنع لحناً واحداً لحن العائلة
لم يجمعهم الدم، بل جمعهم الاختيار
الاختيار أن يبقوا معاً، أن يتقاسموا الخبز والضحك والدموع
وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للعائلة، أن تختار قلبك أين ينتمي، وتجد من يختارك بالمقابل
كل العائلات، مهما بدت مثالية من الخارج، تحمل في داخلها مساحتها الخاصة من الفوضى، والاختلاف، والبحث عن التفاهم
الحقيقة أن العائلة ليست صورة ثابتة في إطار ذهبي، بل كائن حي يتغير مع أفراده، يتألم حين يتباعدون، ويزدهر حين يختارون أن يقتربوا
كل جيل يحمل مفاتيحه الخاصة لفهم الحياة، وحين يتعلم الكبار أن يمدوا أيديهم ليصغوا، وحين يمنح الصغار قلوبهم بعض الصبر ليشرحوا، يولد بينهم جسر جديد. جسر من لغة مشتركة لا تُبنى بالكلمات فقط، بل بالنظرات، والضحكات، والمواقف الصغيرة التي تعني الكثير
وهكذا، لا يعود معنى العائلة محصوراً في الدم أو الاسم، بل في تلك اللحظات التي يختار فيها الجميع أن يكونوا سنداً لبعضهم
أن ينتموا رغم الفوضى، وأن يجدوا مكانهم في قلبٍ أوسع يتسع للجميع
.
تمت
22.8.2025
.
شنكلوه

هعععععععع المكان هنا تحفه
ردحذفلسا ملاحظ الرواية كاملة راحت أيام الروايات اللي تتكنسل من النص كسم وتباد هععععععع
ردحذف