ليست عائلتك النموذجية
يقوم رياض بتأجير ثلاث غرف في منزله بسبب حاجته للمال وقت جائحة كورونا.
(تحتوي على علاقات مثلية)
(الحوارات بالعامية المصرية)
.
مدخل
"غرف للإيجار في أكتوبر – لكل غرفة حمام خاص، النظافة والإلتزام أساسيان-رجال فقط-"
متاح للإيجار 3 غرف في شقة واسعة وهادئة بمدينة أكتوبر، كل غرفة مزودة بحمام منفصل لضمان الخصوصية.
يفضل رجل عامل أو أب لديه أطفال، بشرط أن يكون ملتزماً بالنظافة والنظام.
يشترط إجراء تحليل كورونا قبل الانتقال والتأكد من اتباع الإجراءات الاحترازية.
الشقة مجهزة بالكامل، ويوجد مساحة مشتركة منظمة. الإيجار شهري وبسعر مناسب، للمزيد من التفاصيل يرجى الاتصال للجادين فقط.
.
بعد أن أجبرته جائحة كورونا على تأجير غرف في منزله، يجد رجل شرقي محافظ نفسه مضطراً للتعايش مع مستأجر بعيد كل البعد عن عالمه
بين القواعد الصارمة للأب العازب ورؤى المستأجر الجديد عن الحرية والتقبل
لكن وسط الخلافات، والتحديات، وتربية أربعة أطفال بأنماط تربية متباينة، تبدأ خطوط الصدام في التحول إلى مساحات للفهم، وتُعاد كتابة مفاهيم الأبوة، الرجولة، والعائلة.
رواية عن التقاطعات غير المتوقعة، والصراعات التي تصنع منا أشخاصاً أكثر عمقاً، وعن كيف يمكن لسقف مشترك أن يغير كل شيء.
.
عنوان جانبي:
ديناميكيات الأسرة غير التقليدية لأبوين عازبين
.
..
1. ايجار جديد
"بابا هو إحنا كده مش هنروح المدرسة تاني؟"
سألته إبنته المراهقة وهو كان مشوشاً ومهموماً
"معرفش يا حبيبتي"
كان رجلاً ذو بشرة خمرية، عيون عسلية، وشعر أسود قصير، حليق الذقن
"بابا هو كده هينجحونا من غير إمتحانات؟"
سأله إبنه ورد محاولاً الحفاظ على هدوءه
"أكيد لا يا أمجد"
تأفأف بضجر
"يوه بقى، أومال هيمتحنونا إزاي؟"
"أمجد، رموش، ياريت تدخلوا اوضكم دلوقتي عشان أنا مشغول"
قال بحزم لأن صوتهم كان يضغط على أعصابه
انسحب الإثنين لغرفهما واراح الرجل ظهره على الأريكة، يفكر ماذا يمكنه أن يفعل في هذه المصيبة التي أصابته بسبب جائحة كورونا
مصدر دخله كان من ناديه الرياضي، والآن الحظر الغى كل شيئ، ونفذت أمواله
فتح فيسبوك ليقوم بتصفحه عله يجد حلاً وعندها ظهر أمامه منشور من مجموعة للمسافرين، كان المنشور يتحدث عن تأجير الغرف في الخارج وأنه موفر أكثر من الفنادق
وعندها خطرت في باله فكرة
منزله كبير، كبير جداً، ربما يمكنه تأجير غرفة أو غرفتين ليجمع المال اللازم لمصروفاته اليومية
عليه كتابة الإعلان بحذر وأن يتفقد المستأجرين جيداً كي يتأكد من أمانتهم وأخلاقهم كي يضمن أن فترة التأجير ستمر بسلام
ولكن أيضاً عليه وضع مبلغ مناسب كي يقبل أحد به فهو في أمس الحاجة للمال
بدأ يكتب ويحذف مرات ومرات حتى كتب الإعلان أخيراً وقام بنشره
"تلاتة ليه يا عم سعيد هو احنا قاعدين في هليوبولس؟"
إستنكر الرجل ذو البشرة القمحاوية والشعر البُني والذقن الخفيفة ورقة ايجار السكن التي ناولها له صاحب المنزل
"والله هو دا اللي عندي"
"اشحال انها اوضة وصالة بس؟"
"لو مش عاجبك شوف شقة تانية"
قال وعندها رد الرجل
"منا هشوف شقة تانية فعلاً، شكراً يا عم سعيد، اتفضل"
أغلق باب المنزل ثم تنهد
"قال تلاتة قال"
"هو احنا هننقل فين؟"
سأله مراهق بشعر طويل يرتدي قلائد متعددة
"معرفش يا حبيبي، بدور اهو"
قال ثم فتح حاسوبه
"ممكن ننقل المرة دي حتة نضيفة بقى؟"
قال ورد الرجل
"حتة نضيفة!، ما تتربى ياض، كلمة كمان واوديك لستك في البلد"
تأفأف المراهق ثم تركه ودخل الغرفة وعندها خرجت فتاة وبدأت تتحدث بتردد
"بيسو"
"ايوة يا حبيبي!"
رد عليها وعينيه على الحاسوب يبحث عن منزل للسكن
"ممكن البيت الجاي يكون فيه اوضه ليا؟"
"عنيا يا حبيبتي، حتى لو البيت الجاي اوضة واحدة هرمي اخوكي في الصالة واسيبلك الاوضة لوحدك"
رد وعندها عانقته بسعادة
"حبيبي"
توقف عن التمرير عندما رأى إعلان الثلاث غرف الذي نشره رياض، بدأ يتفقد الصور ولم يكن يصدق، شعر بأنها خدعة لأن السعر مناسب والغرف في حالة جيدة
اتصل بالرقم
"الو!، أنا بتصل عشان الإعلان، هو بجد؟"
"أيوة حضرتك"
"طب في معاينة؟"
"أكيد، بس لازم قبلها تعملوا تحاليل كورونا، وتبعتلي صورة البطاقة، ولو عندك أولاد شهادات ميلادهم"
"مفيش مشكلة، الاسبوع الجاي مناسب لحضرتك؟"
"أيوة، مفيش مشكلة"
أنهى المكالمة ثم عانق الفتاة بسعادة
"عارفة يا بت يا تاليا لو الإعلان دا بجد ومش عصابة بتخطف الأعضاء يبقى هنعيش في أحسن بيت وبسعر لقطة"
"بس مش كده هيبقى معانا روم ميتس؟"
سألت تاليا
"بقولك إيه يبقى معاكي روم ميتس ولا تقعدي في اوضه واحدة مع زين؟"
"بس نتأكد منهم الأول"
نبهته
"طبعاً، مع إني حاسس من الإعلان وصوته إنه شكله راجل محترم، بس دا يقلق أكتر فا هاخد بالي"
أن يكون هناك منزل مرتب وكبير بهذا السعر وشركاء سكنه محترمين هو أمر مثير للريبة
قام بسيوني بعمل التحليل مع ولديه ثم ارسل بياناته وشهادة ميلاد ولديه لرياض وبعدها ذهب وحده لتفقد المنزل
دُهش عندما وجده أفضل من الصور
"أستاذ بسيوني!"
كان رياض الذي ناداه بينما يقوم بسيوني بتأمل حديقة المنزل
"مظبوط"
رد بإبتسامة ثم صافحه
"اتفضل، هوري حضرتك البيت"
بدأ يريه المنزل ثم الثلاث غرف التي عرضها للإيجار، المطبخ مساحة مشتركة يمكنه إستخدامه
كان المنزل هادئاً، نظيفاً، وكبيراً
"تسمحلي بسؤال حضرتك؟"
سأل بسيوني
"أكيد اتفضل"
رد رياض
"أنا مستغرب أن حضرتك عملت بيت كبير كده بعدين قررت تأجره"
"كنت عامله عشان اما العيلة كلها تتجمع يكون في مكان ليهم، بس كلهم سافروا، كمان كورونا قطعت اكل عيشي وبقيت من غير شغل"
رد بصراحة وكانت نبرته يملأها الخيبة
ربت بسيوني على كتفه محاولاً التخفيف عنه
"ما تقلقش، بكرة كورونا تمشي ويرجع شغلك أحسن من الأول"
إستقام واقفاً
"كده نقول مبروك؟، أجيب حاجتي والعيال؟"
إستقام رياض واقفاً بدوره
"أيوة، مفيش مشكلة"
"أنا مش مصدق إنك عايزنا نقعد في بيت مع هيترو"
تذمر زين
"معلش يا حبيبي، تقعد مع هيترو أحسن ما تقعد في الشارع"
رد بسيوني بضجر وهو يجهز الحقائب
"يا بيسو إنت شفت صفحته على فيسبوك؟، دا ذكوري وهوموفوبيك"
"يعني عمك سعيد هو اللي دراج كوين بروح خالتك؟، مهو فيه كل العبر وحرامي كمان"
"وطبعاً هتقولي ما البسش براحتي هناك عشان ما اضايقهمش"
واصل تذمره
"البس اللي عايزه يا حبيبي، المهم ما تنساش إحنا فين، دي مصر مش لندن، طبيعي كل اللي حواليك يكونوا هوموفوبيك، تعايش وخلاص"
أغلق الحقيبة ثم نظر لزين وأكمل
"بعدين حتى لندن الوايتس بيكرهوا العرب فا لو روحت مش هيفرشولك الأرض ورد، ما تخليش هجص الحرية بتاع الوايتس دا يخليك تنسى أنهم مع حرية الوايتس اللي زيهم بس"
"المصريين مش عرب"
تذمر زين ورد بسيوني
" ماشي يا عم اخناتون، روح لم هدومك بدل والله اسيبهم لعم سعيد يبيعهم في سوق الجمعة"
على عكس زين كانت تاليا سعيدة لأنها ستحظى بغرفة كاملة لها
"خلصت"
هتفت عندما انتهت من حزم أمتعتها وقبل بسيوني خدها
"جدعة، على فكرة الاوض أحلى من الصور بكتير، هتحبيها"
"بجد!"
قالت بفضول
"حتى كل اوضة بتطل على بلكونة كأنها شقة لوحدها، والبلكونة كبيرة"
"بيسو إنت متأكد أنه مش تاجر أعضاء؟"
سألت تاليا بشك وقهقه بسيوني
"لا يا روحي، دا راجل اولد فاشون غلبان خالص، كان شغله كله معتمد على الاوف لاين، ما بيفهمش في التكنولوجيا خالص، فا الكورونا قطعت عيشه"
"يلهوي!، دا غلبان أوي"
قالت تاليا بحزن فقد شعرت بالأسى تجاهه، أضافت بعدها
"ما تساعده"
"أكيد يا روحي هساعده، بس ناخد على بعض الأول، دا راجل شديد وعنده ايجو برضه، ما ينفعش أعرض عليه المساعدة خبط لزق كده"
رد بلطف وأومأت تاليا بتفهم
بعد الإنتهاء من حزم الأغراض سلم بسيوني المفتاح لسعيد
"فلوس التأمين بقى!"
قال وعندها رد سعيد
"ملكش عندي حاجة"
همهم بسيوني
"يعني مش هتجيب فلوس التأمين؟"
"لا، إنت قعدت كتير فيها، دا تمن الإستخدام"
رد بإصرار
همهم بسيوني ثم قال
"تاليا، زين اسبقوني للعربية"
فور نزول الإثنين مد يده وأمسك المقشة ثم تحرك للنافذة وحطمها، صرخ سعيد بغير تصديق واتجه بسيوني للنافذة الأخرى وحطمها أيضاً
"إنت بتعمل إيه يا مجنون؟"
حاول منعه، لكن بسيوني هدده
"ابعد لأكسر دماغك إنت كمان"
دخل الحمام وحطم محبس المياة وعندها بدأت المياة تتدفق بلا توقف، القى المكنسة على الأرض
"كده حلال عليك فلوس التأمين"
كان سعيد مصدوماً لأن بسيوني كان مستأجراً هادئاً جداً طيلة فترة سكنه، ولم يكن ليتخيل منه تصرفاً كهذا
"أنا مش هتكلم مع الراجل الهوموفوبيك دا"
تذمر زين وهو يسحب حقيبته بعد وصولهم للمنزل وعندها رد بسيوني
"إيه الكلام اللي مش لايق مع لون جلدك دا يا حبيبي؟، احنا في مصر فوق، النت اكل دماغك، احنا مش وايتس، لازم تتعامل مع كل الناس"
"لا"
تذمر بطريقة طفولية
"ربنا يعينك على المهلبية اللي في دماغك"
قال ثم نظر لتاليا
"تيتي يلا ندخل احنا نسلم على عمو رضا، عنده عيلين المفروض بس خجولين ما شفتهمش لسه"
رحب رياض بهم وصافحته تاليا بحماس
"بيسو قال إن عندك بنت"
قالت وإستغرب رياض
"بيسو!"
"أنا بيسو"
وضح بسيوني ضاحكاً وكان رياض مستغرباً أن إبنته تناديه بلقب
"اصل انا معنديش أخوات بنات خالص"
وضحت تاليا
"رموش برضه كده، استني هندهالك"
قال ثم ذهب لغرفة إبنته وعلقت تاليا
"رموش!، أول مرة اسمع الاسم دا"
كانت تاليا ذات بشرة قمحاوية، شعر بُني مجعد طويل، بينما رموش ذات شعر أسود ناعم
"هاي!، أنا تاليا"
قالت تاليا بإبتسامة واسعة ومدت يدها لرموش التي كانت خجلة
"اسمك حلو"
قالت رموش وردت تاليا بود
"إنتي كمان اسمك مميز أوي"
كان بسيوني سعيداً برؤية الفتاتين معاً
"اساعدك تنزل الحاجات؟"
سأل رياض ورد بسيوني
"لا، خليك هنزلهم أنا"
"لا طبعاً، سيبني أساعد"
أصر رياض وشكره بسيوني
.
2. فرينش توست
استيقظ بسيوني باكراً كعادته لكنه كان يشعر بالألم في اضلاعه بسبب نقل الأغراض، نهض وفتح الستائر وأخذ نفساً عميقاً براحة عند رؤيته لحديقة المنزل، كان المنزل مريحاً للأعصاب
خرج من الغرفة وايقظ تاليا وزين الذي تكاسل وعندها حذره بسيوني
"زين لو ما صحتش مش هعملك فطار تاني على فكرة"
شغل أغنية عبدالوهاب ثم بدأ يعد طعام الإفطار بينما يبدل ولديه ملابس نومهما، كانت تاليا تحب الكريب مع كوب عصير بينما يحب زين البيض باللحم المقدد والتوست الفرنسي
جلسا ليتناولا طعامهما ولمح بسيوني رموش
"صباح النور، تفطري؟"
سأل بسيوني بود وبإبتسامة واسعة
كانت رموش خجلة، تحركت تاليا إليها وسحبتها من يدها لطاولة الطعام
"تاكلي كريب؟، بيسو بيعمله حلو أوي"
كانت رموش في الصف الأول الثانوي ولكنها هادئة وخجولة جداً، بينما تاليا كانت في الصف الثالث الإعدادي
أعد بسيوني لرموش نفس إفطار تاليا
"حلو؟"
سألها بعد أن تذوقته وعندها أومأت بالإيجاب بصمت
"بالهنا والشفا"
رد باسماً ثم أعد لنفسه كوب قهوة
"أنا في اوضتي هشتغل لو عايزين حاجة نادوني"
دخل غرفته وفتح حاسوبه ليبدأ العمل
استيقظ رياض وعندما خرج من غرفته سمع صوت عبدالوهاب ممزوج بقهقهات، كانت تاليا ورموش تتحدثان
قالي كام كلمه يشبهوا النسمه في ليالي الصيف
سابني وفي قلبي شوق بيلعب بي وفي خيالي طيف
غاب عني بقى له يومين ما اعرفش وحشني ليه
احترت اشوفه فين وإن شفته اقول له ايه؟
صب لنفسه كوب قهوة من ماكينة القهوة ورآه بسيوني لأنه كان قد ترك باب غرفته مفتوحاً
خرج من الغرفة وقال وهو يقترب منه
"أكيد مش هتشرب القهوة على غيار ريق"
تفاجأ رياض لأنه لم يكن معتاداً على وجود رجل آخر في المنزل
"إيه؟، آه بشرب القهوة على غيار ريق"
رد ببلاهة
أخذ بسيوني الكوب منه
"لا طبعاً غلط، استنى هعملك فطار في ثانية، تحب كريب ولا فرينش توست وبيض بالبسطرمة؟"
وضع الكوب فوق الثلاجة وكأنه يخبأه من طفل ثم قال
"هعملك فرينش توست وبيض بالبسطرمة"
"ملوش لزوم بجد"
حاول رياض الرفض لكن بسيوني كان مصراً
"تاليا، الحقي حصتك، وزين جهز كتاب الالماني هاجي اراجعلك"
قال بينما يقوم بقلي البيض وتفاجأ رياض مجدداً
هذا الرجل يعمل ويطهو ويدرس لأولاده أيضاً!
لو كان إمرأة لم يكن ليستغرب الأمر لأن الجميع يرى أن عمل المرأة خارج وداخل المنزل واجب، بينما إن فعل الرجل المثل يكون شيئاً مدهشاً
وضع الطبق أمام رياض ثم وضع كوب القهوة بجواره
"اتفضل كل وبعدين اشرب قهوتك"
قال بسيوني بود
"شكراً"
شكره رياض وسأل بسيوني
"أمجد بيحب ياكل إيه؟"
لم يكن رياض يعلم الإجابة فأغلب الوقت يطلبون الطعام من المطاعم لأنه لا يجيد الطهي
"بيصحى امته طيب عشان أعمل حسابي؟"
غير سؤاله ورد رياض بسرعة
"لا، كتر خيرك، كده كتير"
"خالص، بعتبرهم عيالي"
نظر لساعة معصمه ثم قال
"هروح أذاكر للواد زين وهرجع، خلص أكلك"
كان من الغريب بالنسبة لرياض أن يتصرف بسيوني بكل هذا الود معه رغم أنه يعرفه من أسبوع واحد فقط والتقيا مرتين، والآن هو يحضر الطعام له ولأولاده
كان قد مرت سنوات طويلة منذ آخر مرة تناول فيها طعاماً منزلياً، وكان معداً بطريقة جيدة لذا كان رياض متفاجئاً
بينما ينظر حوله لاحظ أن هناك قائمة معلقة على الثلاجة، كانت جدول، لم يكن يفهم ما وظيفته
بعد أن انهى طعامه وإحتسى قهوته بدأ يشعر بالضياع أكثر من قبل، وجود بسيوني الذي يقوم بكل شيئ في نفس الوقت جعله يشعر بأنه عديم القيمة
"بيسو"
كانت تاليا تنادي بسيوني، صوتها جعل رياض يستفيق من شروده
كان مازال مستغرباً من فكرة أن تنادي فتاة والدها بلقب، لاحظ بعدها صوت عبدالحليم يغني أغنية ودارت الأيام
وصفوا لي الصبر
لقيته خيال وكلام في الحب، كلام في الحب
يا دوب، يا دوب ينقال
"اتأخرت عليك؟"
كان بسيوني الذي عاد باسماً وجعل رياض يبتسم رغماً عنه
"لا"
جلس بسيوني
"اوعى تكون الأغاني مضايقاك، أصلي متعود دايماً يكون في أغاني في البيت"
"خالص، بس أول مرة أعرف أن عبدالحليم غنى الأغنية بتاعت أم كلثوم"
"بتاعت أم كلثوم!"
إستنكر بسيوني
"الحان عبدالوهاب وكلمات مأمون الشناوي، بتاعت أم كلثوم إزاي بقى؟"
"إنت ما بتحبش الست؟"
سأل بدهشة
"ست قرشانه، مش بطيقها"
"بتهزر!"
"لا، ما بحبهاش"
إستطرد بعدها
"هو أمجد لسه ما صحيش؟"
"مش بعرف أسيطر عليه بصراحة، بيصحى براحته"
"معندهوش حصص اونلاين؟"
سأل بإستغرب وارتبك رياض
"بصراحة معرفش، ما بفهمش في الحاجات دي"
"أكيد عنده، كل الحصص بقت اونلاين"
"مش بعرف استخدم الحاجات دي"
كان يشعر بأنه والد فاشل
"ولا يهمك، هعلمك"
رد بسيوني بود
"هو إنت شغال إيه؟"
"في البرمجة"
"تبقى من الجيل الجديد ولسه صغير، تلاتيني!"
قال وعندها قهقه بسيوني
"لا، أنا تمانية واربعين سنة، شباب آه بس مش صغير، إنت كام سنة؟"
"واحد وخمسين"
"اعمارنا قريبة، إنت كمان اتجوزت في التلاتينيات؟"
كان بسيوني ودوداً ويتحدث وكأنه صديق مقرب منه
"أيوة، اواخرها كده"
"شكلك لسه منفصل قريب"
"اشمعنا!"
"عشان لسه مش متعود على مسؤولية العيال"
"لا خالص، أنا مطلق من خمس سنين بس كان في ناني بتربي العيال، وللأسف كبرت وبطلت شغل، إنت بقى مطلق من زمان شكلك"
"أنا أرمل، وآه هي ماتت من زمان، بعد ما اتولد زين بشهرين بالظبط"
تفاجأ رياض
"أكيد جبت ناني"
"لا، دا إبني، أنا اللي ربيته"
أضاف بعدها كي لا يشعر رياض بالإهانة
"بس دا مش سهل ومش الكل يقدر يعمله، حتى الأمهات مش سهل يربوا، فما بالك بالرجالة اللي متربيين إن وظيفتهم الشغل برا البيت بس، بس الحمدلله ربنا وفقني وربيت عيالي كويس"
إستطرد بعدها
"تعالى اوريك إزاي بتشتغل المنصات التعليمية"
أخذه لغرفته وبدأ يعلمه ويكرر التعليمات أكثر من مرة ليتأكد أنه يفهمه
"بيسو، بيسو"
كانت تاليا تناديه
"مشغول يا حبيبي، شوية وجاي"
"لا، كفاية النهاردة، أنا فهمت"
قال رياض فقد شعر بأنه أخذ الكثير من وقت بسيوني
"اوكاي، اكلت دماغك أنا النهاردة"
قال ضاحكاً ورد رياض بسرعة
"لا، بالعكس شكراً أنا اللي شغلتك"
"خالص، لو احتجت حاجة أنا موجود"
خرج من الغرفة ليذهب لتاليا التي كانت تريد منه أن يرقص معها هي وزين رقصة تيكتوك، صور معهما مقطعاً ثم عاد لغرفته ليكمل عمله
Whenever you tell me I'm pretty
That's when the hunger really hits me
Your little heart goes pitter-patter
I want your liver on a platter
Use your finger to stir my tea
And for dessert, I'll suck your teeth
Be too sweet, and you'll be a goner
I'll pull a Jeffrey Dahmer
"عمو عمو"
كان أمجد ينادي بسيوني الذي كان يركز على حاسوبه في غرفته
ابتسم بسيوني
"صباح الخير"
"بنتك بتصور تيكتوك"
"آه منا عارف"
رد بسيوني ببساطة جعلت أمجد يستغرب، أضاف
"بتفطر إيه؟، اعملك تاكل إيه؟"
ذهب أمجد لغرفة والده
"بابا، بنت الراجل اللي ساكن معانا بتصور تيكتوك"
"فعلاً!"
قال بإستغراب
"وقولتله قالي عارف"
كان متعجباً وحتى رياض إستغرب لأنه يعتبر التيكتوك شبيه بالمواقع الإباحية
"ماشي، أمجد ممكن تجيب التاب بتاعك عشان نشوف موقع مدرستك؟"
تأفأف أمجد بضجر
"هو إنت بتفهم في المواقع أصلاً؟"
"هجرب"
رد رياض
"لا ما تجربش، خليك قاعد كده"
قال أمجد وعندها صرخ رياض به
"أمجد، اتعدل بدل ما أوريك الوش التاني"
كان مضغوطاً وجملة أمجد جعلته يشعر بأنه عديم القيمة، لكن صراخه لم يوقف أمجد
"أنا بقول الحقيقة، مبقتش عارف تشتريلنا حاجة، دا حتى البيت جيبتلنا ناس غريبة تقعد معانا فيه"
نهض رياض وهمَ بضرب أمجد لكن بسيوني تدخل
"في إيه؟"
"استاذ بسيوني ياريت ما تتدخلش أنا بربي إبني"
قال بينما يخبئ بسيوني أمجد خلفه
"ممكن نتكلم شوية؟، احكيلي إيه اللي حصل"
قال بسيوني ولم يكن رياض ليروي عن شيئ مخجل كهذا
"أمجد إنت عملت إيه؟"
سأل بسيوني
"وإنت مالك إنت؟، إنت واحد مأجر عندنا بس"
رد وعندها لم يحتمل رياض الأمر ووصل إليه وقبض على عضده ولكن قبل أن يضربه ظل بسيوني مكانه فاصلاً بينهما
"أستاذ رياض لو سمحت اهدى"
"لو سمحت سيبني اربي ابني، عشان شكله بقاله كتير ما اخدش علقه تعلمه الأدب"
"ارجوك اهدى لحظة"
قال وتدخلت تاليا
"أستاذ رياض اهدى حضرتك"
"ابعد عني إنت كمان"
دفع أمجد بسيوني ليبتعد عنه
"دا إنت عايز تتربى بجد"
كان رياض على وشك أن يضربه لكن تاليا وقفت أمامه
"أستاذ رياض ممكن نتكلم شوية؟"
كانت لطيفة وهادئة
أغلقت الباب كي لا يرى أمجد وتابعت
"حضرتك اسمك مميز أوي"
"شكراً"
"ورموش كمان"
"على اسم والدتي"
"حضرتك بتحب عبدالوهاب زي بيسو؟"
كانت تسأله أسئلة متنوعة لتمتص غضبه
"هو إنتي ليه بتقولي على والدك بيسو؟"
"عشان هو بيسو، كمان هو مش بيحب اسمه، عشان جدو الله يسامحه سماه على اسم باباه زي ما حضرتك عملت في رموش كده"
"فعلاً!"
تفاجأ رياض
"أيوة، هيبقى أحسن لو ناديته بيسو إنت كمان"
سمعا صوت طرق على الباب
"اتفضل"
ردت تاليا
انفتح الباب ودخل أمجد وخلفه بسيوني
"أمجد عايز يقولك حاجة"
كان أمجد ينظر للأرض
"أنا آسف"
تفاجأ رياض أن أمجد إعتذر وشعر ببعض الراحة والسعادة أن هناك أمل في تعديل سلوكه، ولكن لم تكتمل سعادته لأن أمجد تابع
"ممكن بقى تمشي العيلة الشمال دي من البيت؟"
.
كل دا كان ليه

ودارت الأيام

cannibal

.
3. حيران
"خليك في الأوضة عشان لو خرجت موتك هيبقى على أيدي"
كان رياض يصرخ بغضب بعد أن قام بسيوني بتهريب أمجد لغرفته
"اخزي الشيطان واقعد اهدى"
قال بسيوني وكان يقف أمام باب غرفة أمجد ليمنع رياض من الدخول خلفه، ثم أمسك يد رياض
"تعالى أعملك حاجة تشربها"
بدأ رياض يهدأ بسبب نبرة بسيوني ولمسته الودية، جلس على مقعد طاولة المطبخ وشغل بسيوني الغلاية الكهربائية وجهز كوب بابونج
"أنا بعتذر بجد، أنا معرفتش اربي"
كان رياض محرجاً من تصرفات أمجد
"عادي، دا عيل، هما العيال كده، إنت فاكر زين إبني اللي متربي يعني؟"
رد ببساطة وهو يملأ الكوب بالمياة المغلية
"سكرك كام؟"
"مظبوط"
رد ووضع له بسيوني معلقتي سكر ثم وضع الكوب أمامه
"بالهنا"
جلس على المقعد المقابل له
"هو السن دا سن متخلف كده، معاك لحد العشرينات وبعدين هيهدوا"
تفاجأ رياض
"هو هيفضل كده للعشرينات؟"
قهقه بسيوني
"الجيل الجديد دا محدش يقدر يفهمه، إنت وحظك بقى"
عندما لاحظ أن رياض مازال يبدو مهموماً مد يده ليضعها على يده بود
"فرفش ياعم، أنا مسامح، امسحها فيا، عادي عيل"
"لو ما اترباش دلوقتي هيتربى امته؟"
لم يكن رياض مقتنعاً
"بالهداوة، التربية مش بالدراع"
كان يتحدث بهدوء وقال رياض بإستياء
"هو اسلوب الابهات الجديد دا اللي جابنا ورا"
"قصدك إني مش بعرف اربي؟"
رفع حاجبه مستنكراً ورد رياض بسرعة بعد أن استوعب ما قاله
"مش قصدي"
قهقه بسيوني
"بهزر، عادي"
ابتسم رياض أخيراً ليتنهد بسيوني براحة
"المهم اوعدني انك مش هتضربه"
سرعان ما عاد رياض للعبوس مستنكراً
"نعم!"
"الضرب مش حل"
"الضرب لأمجد حل، دا إبني وأنا عارفه كويس"
"لو سمحت سيبني اكلمه شوية"
"لا، دا قليل الأدب، أنا مش هسمح يقل ادبه عليك تاني"
رفض رياض
"ارجوك اديني فرصة"
واصل بسيوني ترجيه معتقداً أنه سينجح في تغيير رأيه
"أنا آسف، مش هقبل إبني يقل ادبه كده، أنا برفض"
كان رفضه قاطعاً
"خلاص، براحتك، بس ما تضربهوش ماشي؟"
"مقدرش اوعدك بحاجة"
تنهد بسيوني بقلة حيلة
"حاول"
ادرك بسيوني بعدها أن غضب رياض لن يهدئ لأنه ليس لديه ما يفعله، عليه أن يشغله بشيئ
"بتعرف تلعب طاولة؟"
سأل ورد رياض
"لا"
"دومنه؟"
"لا برضه"
"اومال بتعرف تلعب إيه؟"
رفع حاجبيه مستغرباً
"شطرنج"
"حلو، علمني عشان أنا معرفش"
"بجد؟"
"عمري ما لعبته"
"دماغك دماغ الجيل الجديد"
علق رياض وسأل بسيوني
"دي حاجة وحشة؟"
"مش عارف"
رد ثم استقام واقفاً
"هجيب الشطرنج"
احضر الرقعة والقطع وبدأ يعلمه بينما يتبادلان أطراف الحديث
"عارف، إنت تدي فايبز العيال اللي نزلت الثورة"
علق رياض وقهقه بسيوني
"بجد؟"
"أيوة، كلامهم وأفكارهم الغريبة"
"منا فعلاً كنت في الثورة"
رد وترك رياض قطعة الشطرنج بصدمة
"بجد!"
"اوعا تكون هتبلغ عني؟"
قال مازحاً ورد رياض
"أنا آه مش حابب الثورة بس مش هبلغ عنك"
قهقه بسيوني بصوت مرتفع
"كتر خيرك"
حل الصمت لثواني ورياض ينظر لبسيوني بتمعن ولا يستوعب رده، ذاك الرجل شارك في الثورة!
"عايز تسأل إيه؟"
نظر بسيوني إليه بدوره فقد كان منتبهاً لتحديقه
"ليه نزلت؟"
"إنت ما ذاكرتش لأمجد تاريخ ولا إيه؟"
سأل ساخراً ثم أضاف بجدية
"كنت عايز عيالي يعيشوا أحسن مني"
لم يكن بسيوني يفهم كيف يتحدث بكل هذه الأريحية مع رجل إنتقل لمنزله من يوم واحد فقط لكنه كان يشعره بالراحة وأنه انسان جيد ولن يؤذيه
"أنا شايف بلاش كلام في الموضوع دا"
قال بسيوني ووافقه رياض لأنه لم يكن يحب الحديث عن الثورة بدوره
"كش ملك، كسبت"
قال بسيوني باسماً ثم نظر لساعة معصمه
"عندي ميتينج، ابقى شوف عايزين تتغدوا إيه عشان اجهزه بعدها"
دخل لغرفته ونظر رياض للوح الشطرنج بشرود، لقد مرت مدة منذ آخر مرة لعب بها الشطرنج مع احد، لدرجة أن اللوح كان مغطى بالتراب ونظفه
"أنا مش هتغدى مع العيلة الهيترو دي"
تذمر زين ورد بسيوني بلا مبالاة
"ماشي يا حبيبي، مفيش غدا إلا معانا برا، صوم بقى"
خرج من الغرفة ثم طرق باب غرفة تاليا
"تيتي حبيبي، الغدا"
فتحت الباب وسألت
"الأكل إيه؟"
"شوفي بنفسك"
رد باسماً ثم انتقل لغرفة أمجد وطرق الباب
"أمجد، الغدا جاهز"
كرر طرقه عندما لم يجد رداً وعندها قال أمجد
"ملكش دعوة بيا يا ديوث"
"بسيوني لو سمحت متكلمهوش خالص"
تفاجأ عند سماع صوت رياض وكان قلقاً من أن يكون سمع حديث أمجد فعندها ستزيد رغبته بضربه لكن كان يبدو أنه لم يسمع المحادثة وإعتقد أن بسيوني لم يطرق باب غرفته بعد
كانت رموش وتاليا تتعاملان بطريقة لطيفة معاً مما جعل مائدة الطعام دافئة مع غياب المراهقان الولدان
"جربت الاونلاين كوتشينج؟"
سأل بسيوني بينما يضع الأطباق في الحوض
"دا إيه؟"
سأل رياض بإستغراب
"قلت عندك جيم، يعني عندك كوتشز، ممكن تعمل اونلاين كوتشينج"
"دا إيه أصلاً؟"
"إن الكوتش يكلم الكستمر فيديو كول"
"لا، إيه فايدة الكوتشينج لو مش في الجيم؟، ما على كده يشوفوا اي فيديو يتيوب"
لم يكن مقتنعاً
"الكوتش بيتابع مع الكستمر وبياخد معلوماته ويديله نصايح اونلاين، دا غير فيديوز اليتيوب طبعاً، في الحجر دا الناس اللي بتروح الجيم هتبقى مفتقدة التمارين، فا إن كوتش يتابع معاهم وهما في البيت هيبقى مناسب جداً"
"مش حاسس أنه له لازمة"
كان مازال غير مقتنع وعندها بدأ بسيوني يريه احصائيات وأمثلة ليؤكد له أهمية الإنترنت
"حتى لو اقتنعت أنه ناجح، أنا ما افهمش في تنفيذ الحاجات دي"
قال رياض وعندها إبتسم بسيوني
"سيب دا عليا أنا"
"إزاي؟"
"عيب عليك دا شغلي، هعملك شغل نضيف"
قال بثقة
"بس دا شغل، هتاخد عليه فلوس كأني عميل عندك"
كان يكفيه أن بسيوني يقوم بالطهي والتنظيف وتلقي الإهانات من أمجد لم يرده أن يقوم بعمل مجاني له أيضاً
"ما تكرشنيش من البيت بعد ما يرجع شغلك بس"
رد مازحاً
"عيب عليك"
بعد رده إستوعب أنه يتحدث بود مع رجل يعرفه من اسبوع فقط، لما يشعر بكل تلك الاُلفة تجاهه؟
حتى أصدقائه المقربون لا يتعامل معهم بهذه الطريقة، وهم بدورهم متحفظون جداً معه
ذاك الرجل لا يضع أي حدود مما يجعل التعامل معه سهلاً
دخل بسيوني غرفته تاركاً رياض يسمع صوت غناء صابر الصفح
اسهر والشوق يسهرني وبطيب النشوة يغمرني
يا ليت بنفسك تخبرني في صمتك سر لعذابي
ناجيتك من قلبي نغمَ والحب بعينيك ارتسمَ فتلفت ثغرك مُبتسِمَ والبسمة توحي بجوابِ حيران
.
فاجئني بهواك القدر

.
4. إفطار الجمعة
"مش هخرج"
قال زين بعناد عندما سمع صوت طرق على باب غرفته
"دا أنا"
ردت تاليا ثم فتحت الباب ودخلت، كانت تحمل صينية طعام، وضعتها على الطاولة ثم جلست على السرير
"إنتي عاجبك اللي بيحصل دا؟"
تذمر زين وهو يعتدل جالساً
"بس اونكل رياض محترم وكويس"
"عرفيه كده إن بيسو باي وإني جاي وابقي شوفي هيفضل محترم ولا لا"
"بس دا مش موضوعنا دلوقتي"
"لا موضوعنا، إنك تبقي مضطرة ترمي السكشوالتي بتاعتك على سريرك قبل ما تخرجي من اوضتك وتلبسي ماسك الهيترو عشان تتعاملي مع الناس وما يحاولوش يقتلوكي"
سمعا صوت طرق على الباب ودخل بسيوني ثم أغلقه
"مش بتكلم معاك"
تذمر زين
"هو إيه شغل العيال دا؟، إنت عيل آه بس المفروض تتصرف بطريقة أحسن من كده"
"إنت إزاي قاعد معاه وإنت عارف أنه لو عرف إنك باي هيقتلك"
كان يتحدث بعصبية
"ليه فاكر أنه هيقتلني؟"
سأل بهدوء وإقترب ليجلس على السرير هو الآخر
"عشان هو هوموفوبيك ومشير بوستات عن الموضوع"
"يشير اللي يحبه، المهم معاملته معايا"
"بيسو إنت بتستهبل؟، مهو لو عرف إنك باي هيقتلك، هو بيعاملك كويس عشان مايعرفش"
"زين حبيبي، تحب تقعد في بلد تمثل فيها إنك هيترو عشان خايف من الهوموفوبيك ولا تروح بلد بتتقبل الكويرز عادي بس هتقتلك لو عرفت إنك عربي؟، وبلاش والنبي جو المصريين مش عرب دا، بالنسبة للوايتس كله شبه بعضه"
تابع بعدها
"مفيش حرية كاملة، دي كدبة، يبقى تقعد في بلدك وتثبت وجودك"
إستقام واقفاً
"أتمنى تتصرف بنضج أكتر من كده وتساعدنا نعدي أيام الحجر دي على خير"
مال وقبلَ جبينه ثم خرج من الغرفة وعندها سمع صوت رياض يصرخ بغضب
"جيت لقضاك"
أسرع وخرج بسرعة ليجد رياض يمسك بأمجد
"رياض، من فضلك سيب الولد"
قال بسيوني بهدوء وهو يقترب منه
"بسيوني لو سمحت أفضل برا الموضوع"
رفع يده بالحزام ليصفع أمجد وأسرع بسيوني ليحميه بكتفه ويتلقى الصفعة بدلاً عنه، تفاجأ رياض من حركته السريعة لدرجة أنه أفلت أمجد ليتفقد بسيوني
"إيه اللي عملته دا؟، إنت كويس؟"
"أيوة، ما تقلقش، أنا مش عيل"
رد وتحسس كتفه بتألم
"وريني كده"
بدأ يشمر أكمامه وابتعد بسيوني ليمنعه
"قولتلك أنا كويس"
"أنا آسف بجد"
كان يشعر بالخجل الشديد من أن مواقفة الغريبة مع بسيوني تزيد
"يعني آسف ليا، طب ابنك اللي كنت ناوي تضربه نفس الضربة؟"
إستنكر بسيوني
"دا يستاهل ضرب الجزمة، دنا هوريه"
رد بغضب
"ما خلاص بقى يا عم، لو عايز تضرب حد اضربني بس سيب الواد في حاله"
أضاف بعدها
"بعدين هتحرم الواد من الأكل ولا إيه؟، أنا هغرفله ياكل، نادي رموش تديله الأكل يمكن يتكلم معاها"
"وهو هيتعلم أنه غلط إزاي لو بنطبطب عليه؟"
إستنكر رياض بينما يقوم بسيوني بإخراج طبق
"بنكلمه، بنفهمه، مش بنضربه ونجوعه، دا ابنك على فكرة"
تنهد رياض بقلة حيلة
"بسيوني ياريت ما تدخلش تاني وأنا بربي إبني، عشان ما يصحش إنك تتضرب بداله"
"إنت كوتش صح؟"
غير بسيوني الموضوع
"آه"
"ممكن تعلمني شوية تمارين كده عشان أنا شغلي كله ببقى قاعد وظهري بيوجعني"
"آه، أكيد"
نجح بسيوني بتشتيت إنتباه رياض وتهدأته
ناول الصحن لرموش لتقدمه لأمجد ثم طلب من رياض مساعدته في التمارين الرياضية
انا وحبيبي في الغرام
مافيش كده ولا في المنام
احبه حتى في الخصام
وبعده عني يا ناس حرام
ما دمت انا بهجره ارتضيت
مني على الدنيا على الدنيا السلام
إستيقظ بسيوني ابكر من المعتاد وبدأ يقوم بروتينه، الإغتسال وتبديل ملابسه ثم اعداد الإفطار
"إنت صاحي من امته؟"
تفاجأ عندما سمع صوت رياض ووجده يفرك عينيه ويقترب ليجلس على المقعد
"صحيتك؟"
سأل بسيوني
"إنت بتعمل إيه؟"
قرب بسيوني الوعاء من رياض وهو يبتسم بفخر
"هي دي عجينة طعمية؟"
سأل رياض بإستغراب فلم يكن يستوعب الأمر فهو يعلم أنه من الصعب صنعها
"أيوة، متعود أعملها كل جمعة"
"بتعملها بنفسك؟"
سأل بدهشة
"أيوة، والفول، اصلي مضمنش أكل برا"
رد ببساطة
"إنت غريب أوي يا بسيوني"
قال رياض وسأل بسيوني
"اشمعنا؟"
"يعني إيه شاطر في كل حاجة؟، دا غريب، حتى الستات مش كده"
"مش في كل حاجة، أنا حابب اللي بعمله بس كده"
أضاف بعدها
"وعلى فكرة هسلمك الابلكيشن بتاعك بكرة"
"ابلكيشن!"
لم يكن يفهم عما يتحدث
"بعملك ابلكيشن عشان شغلك يبقى اونلاين، ما تقلقش هعلمك بيشتغل إزاي، مخليه بسيط خالص"
نظر في الساعة ثم قال
"هصحى تاليا وزين"
"ممكن اصحيهم أنا"
إقترح رياض لأنه اراد المساعدة في شيئ
كان بسيوني لا يريد رفض عرضه كي لا يحرجه لكن أيضاً لا يمكنه جعله يدخل غرفة زين، هناك علم مثلية معلق على الجدار
"سيبك من زين مش بيصحى دلوقتي، صحي تاليا"
قرر أن يختار حلاً وسطاً
قرر رياض تقليد بسيوني وطرق الباب أولاً، فتحه ودخل غرفة تاليا، كانت مرتبة ومليئة بالدمى، إقترب من السرير بحذر وبدأ يناديها
فتحت عينيها ورمشت عدة مرات
"إزيك يا اونكل؟"
فركت عينيها ثم اعتدلت جالسة
كان رياض متفاجئاً أنها استيقظت بسهولة، رموش وأمجد يستغرقان ساعة للإستيقاظ
"هو بيسو بيعمل الطعمية؟"
كانت تاليا كبسيوني، تتحدث بألفة مع رياض
"أيوة"
رد رياض
عاد لبسيوني الذي لاحظ تعبيراته المستغربة
"إيه؟"
"بنتك بتصحى بسرعة وما بتطلبش تنام تاني، دا غريب"
قهقه بسيوني
"هي تاليا كده"
أضاف بعدها
"ممكن لو سمحت تصالح أمجد؟"
"يعني هو اللي غلطان واصالحه؟"
استنكر رياض
"لو سمحت عدي الموضوع، احنا في وش بعض طول الحجر، ما ينفعش تعزله كده"
ولأنه وكما يقول المثل المصري (الزن على الودان أمر من السحر) فقد نجح بسيوني في النهاية بجعل رياض يذهب لايقاظ أمجد وتركه يتناول الإفطار معهم
وخرج زين أخيراً من غرفته لأن كان يحب وجبة يوم الجمعة، شعر بسيوني بالراحة وهو يشاهد العائلة مجتمعة بسلام
"أنا هنزل أشتري حاجات، في حاجة عايزني اشتريهالك معايا؟"
سأل بسيوني ورد رياض ببلاهة
"مش عارف"
"اوكاي، ما تقلقش، لو افتكرت حاجة كلمني"
دخل بسيوني غرفته ليبدل ملابسه وتذكر رياض أنه نسي أمر الادوية، فتح باب غرفة بسيوني وقبل أن يتحدث تفاجأ مما رآه، كان ظهر بسيوني العاري مليئ بالخدوش، كدمات وحروق
أسرع بسيوني وارتدى قميصه ثم التفت وقال بود محاولاً رفع الحرج
"ممكن تخبط المرة الجاية؟"
"هو ضهرك ليه كده؟"
سأل بعد أن استعاد سيطرته على لسانه بعد أن كان قد فقد قدرة تحريكه من صدمته ثم أضاف
"وليه في آثار زي رصاص؟"
"خرطوش"
صحح بسيوني ثم أستطرد
"ياريت ما نتكلمش عن الموضوع، كنت جاي تقولي إيه؟"
شعر رياض بالضياع لبعض الوقت حتى تذكر ما اراد قوله
"ادوية، كنت هطلب منك تجيب ادوية"
"اوكاي، صورلي الروشته وابعتهالي وتساب، معاك رقمي، ولو احتجت حاجة تانية كلمني"
كان يتحدث باسماً ثم وضع الكمامة وخرج تاركاً رياض لا يستوعب ما رآه
.
أنا هويت وإنتهيت

.
5. الحب في عصر الكوليرا
"أنا جيت"
قال بسيوني بمرح ثم خلع حذائه، أشار لهم أن يبقوا بعيداً وبدأ يقوم بتعقيم يديه، خلع ملابسه وصب عليها معقم ورش حذائه
"شكراً"
شكره رياض وهو يأخذ كيس الأدوية منه
"على إيه بس؟، لو عايز حاجة تانية قولي"
كان يتحدث بود ثم بدأ يوزع الأغراض التي أحضرها لتاليا وزين
"بس شكلك متعود على القعاد في البيت"
علق رياض وتفاجأ بسيوني
"أنا!"
"أيوة، شغلك على النت، مش محتاج تخرج"
"بحب أخرج جداً، كنت بودي العيال المدرسة وبشتغل في كافية لحد ما يجي معاد رجوعهم للبيت، روحت كافيهات كتير، حتى في مرة روحت بار"
"بتهزر!"
"يعني، اهو تغيير"
رد وبدأ يرتب زجاجات العصير التي أحضرها، قرر رياض المساعدة وبينما يفعل وجد نفسه يحمل زجاجة ڤودكا
"هي دي خمرا؟"
سأل بإستغراب وهو يتفحصها
"آه، أصلها بتريح أعصابي"
أخذها منه وهو يبتسم بتكلف
"ما تقلقش مش هحطها في التلاجة"
"هي مش الخمرا بتعمل صداع؟"
كان رياض جاهلاً عن الخمور
"لو أڤورت هيحصلك صداع بعدها آه"
سأل بعدها
"عمرك ما شربت؟"
أومأ رياض بالسلب وتفاجأ بسيوني
"بتهزر!، ولا حتى شقاوة أيام الكلية؟"
"لا"
كان مع كل محادثة يجريها مع بسيوني يتأكد أنهما مختلفان جداً عن بعضهما
"اما تحب تجرب قولي، هاخد بالي منك"
قال بإبتسامة لعوب مازحاً ثم دخل غرفته ليخفي الزجاجة
"أمجد تحب تاكل إيه؟"
سأل بسيوني بود ولأن أمجد أحب طعم طعامه لأن والده طاه سيئ فقد رد
"بتعرف تعمل شاورما؟"
"طبعاً، مصري ولا سوري؟"
كان يتحدث بإبتسامة ودوده
"بتعرف تعمل الإتنين؟"
"أيوة، أعملك الإتنين؟"
"أيوة"
"عنيا"
رد باسماً وكان رياض مندهشاً أن أمجد يتحدث مع بسيوني بشكل طبيعي، ولكنه شعر بالراحة لأنه لن يضطر للشعور بالخجل من تصرفاته لوقت أطول
"ممكن تشوف الكلاسز اللي وراك عقبال ما أعمل الأكل، بابا هيساعدك"
أشار لرياض ليقترب
"مش بيفهم في حاجة"
رد أمجد وأسرع بسيوني ليقف أمامه ليحميه من محاولة رياض لضربه
"ما بنقولش كده، إعتذر لبابا لو سمحت"
قال بهدوء وتأفأف أمجد
"آسف"
"بابا أتعلم وهيساعدك ما تقلقش"
كان يتحدث وماتزال إبتسامته الودودة موجودة لدرجة إستفزت أمجد، كيف يكون هذا الرجل بكل هذا اللطف؟
"بالراحة ماشي؟"
همس لرياض الذي أومأ بالإيجاب مجبراً بسبب لطف بسيوني، دخل مع أمجد غرفته ثم بدأ بسيوني يعد الطعام
"بيسو، اما تيجي تخرج تاني خدني معاك عشان اتخنقت"
كان زين يتذمر وهو يقترب ليجلس على مقعد طاولة المطبخ
"عنيا، عملت الهومورك؟"
"أيوة، وكنت جاي اكلمك في موضوع كده"
كان يتحدث بتردد وعندها ترك بسيوني المعلقة ليعطيه كل إنتباهه
"خير!"
"زيكو كلمني"
كان يتحدث بتردد وهو يفرك يديه ببعضها وسأل بسيوني بهدوء
"وبعدين؟"
"قال أنه في مصر وأنه عايز يشوفك"
"حاجة تانية؟"
"لا"
"قوله ينيك نفسه"
قال بنفاذ صبر ثم أمسك الملعقة ليعود لتقليب الدجاج
"بصراحة بقى حاسه اتغير، ما تديله فرصة"
"ملكش دعوة بالحاجات دي يا زين، خليك في مذاكرتك"
"يا بيسو ما تبقاش كده، مش دايماً بتدي الناس فرص؟، دنتا معيشنا مع ناس هوموفوبيك، وجاي على زيكو تقول لا؟"
"إنت ما تعرفش إيه اللي حصل بيننا فا ما تتدخلش"
حذره بنبرة هادئة
خرج رياض من غرفة أمجد ثم أمسك ملعقة وتذوق من الدجاج
"احا دا مش مستوي!"
صرخ بسيوني غير مستوعب لما حدث
"أنا مش حاسس بالطعم"
علق رياض وقال بسيوني
"وعايز سلامونيلا كمان ولا إيه؟"
وجه حديثه لزين
"زين ادخل الاوضة وما تخرجش دلوقتي، أنا وأستاذ رياض هنروح نحلل كورونا"
وضع كمامته ثم وضع لرياض كمامته وخرج به للمشفى ليقوم بالتحليل، كانت نتيجة بسيوني سلبية ونتيجة رياض ايجابية
"مفيش مشكلة، ما تقلقش"
قال بسيوني بهدوء
"ممكن أمجد يكون اتعدى؟"
سأل بقلق
"هنخلي العيال كلها تحلل، ما تقلقش، كله هيبقى تمام، دا دور برد وهيعدي"
كان يهدأه
نتيجة تحليل اولادهما كانت سلبية لذا قرر بسيوني فصلهم عنه ليقوم بالعناية برياض
"تاليا، زين، أنتم كبار، لو احتاجتوني كلموني فون، عقموا كويس، وأنا هفضل مع عمو رياض ماشي؟"
كان يتحدث بهدوء معهما
"أنا ممكن اتحجز في المستشفى"
اقترح رياض لأنه شعر بالخجل من فكرة أن يعتني بسيوني به
"ادخل اوضتك لو سمحت، اعفينا من إقتراحاتك العبقرية"
قال ثم وجه حديثه لزين
"زين حبيبي إنت كبير، ياريت تكون اد المسؤولية"
أومأ زين بالإيجاب ودخل بسيوني الغرفة مع رياض
"الترمومتر دا يفضل معاك، هنفضل نراقب درجة حرارتك عشان هترفع في أي وقت"
"بسيوني إنت بجد مش مضطر تعمل دا، كده كتير"
كان يشعر بالحرج منه
"ولا كتير ولا حاجة، اسكت بس وكله هيبقى تمام"
تذكر أمراً وعندها أضاف
"عايز داتا الكوتشز عندك عشان اظبطلك الابلكيشن"
"في اللاب"
أشار لمكان الحاسوب وفتحه بسيوني وبدأ ينقل البيانات
"خلصت، الابلكيشن كده شغال وممكن نعلن عنه"
قال باسماً ثم التفت إليه وسأل
"معاك داتا اللي كانوا مشتركين في الجيم"
"دا شغل السكرتاريا"
"اتصل بيهم خليهم يبعتوا الداتا عشان نبعت للكستمر اننا شغالين اونلاين"
كام بسيوني متحمساً أكثر من رياض، وبعد الإنتهاء من ارسال الرسائل للعملاء وجد رياض نائماً، تفقد درجة حرارته ووجدها مرتفعة وعندها بدأ يستخدم الأدوية، إبرة خافضة للحرارة، شراب، وكمادات
كان كُلما إستيقظ يجد بسيوني بجواره يقوم بعمل الكمادات له، حتى انخفضت حرارته، صوت عبدالوهاب كان دائماً في الخلفية
قابلته وياريتني ما قابلته
كلمته وياريتني ما كلمته
ساق عليا دلاله وحرمني وصاله
وهجرني النوم من يوم ما عرفته
"شكراً بجد، بس ممكن تتعدي"
تحدث رياض بينما يقوم بسيوني بالعمل على هاتفه
"أنا مناعتي مية مية"
قال بثقة
"إنت أجدع راجل عرفته"
قال وعندها قهقه بسيوني فقد إعتبرها مبالغة
"للدرجة دي كل اللي عرفتهم اندال؟"
"إنت أكيد مجنون عشان تقعد مع مريض كورونا في نفس الاوضه"
"ليه محسسني إننا في عصر الكوليرا؟، الحمدلله احنا في عصر حديث والناس شغالة على ادوية والدنيا زي الفل"
كان يحاول تهدأة رياض كي يتوقف عن الشعور بالحرج منه
"هتخف وترجع تزعق لأمجد تاني وتمشي الدنيا"
أكمل مازحاً وعندها إبتسم رياض ضاحكاً
يوعدني ويرجع في كلامه
كداب وجميل وأقبل عذره
لا بيرحم ولا بنسى غرامه
ولا قادر أصبر على هجره
"بابا!"
إنتحب أمجد وعانق رياض بقوة بعد أن تعالج من كورونا وخرج من الغرفة
عانقته رموش بدورها وكان بسيوني سعيداً برؤية رياض مع ولديه، فقد قضى وقت العزل وهو ينصحه عن كيفية التعامل معهما
رن جرس المنزل وهرول أمجد وفتحه
"عمو إبراهيم"
هتف وعانق الرجل الذي قهقه
"إبراهيم!"
صافحه رياض بحرارة
"الف سلامة"
قال إبراهيم باسماً ثم وقعت عيناه على بسيوني وتبادلا النظرات الصامتة لدرجة أنهما لم يرمشا
"مين دا؟"
سأل إبراهيم
"دا اللي مأجر البيت اللي حكيتلك عنه"
قال رياض باسماً ثم تحرك ليسحب بسيوني محاولاً جعله يصافح إبراهيم لكنه لم يكن يتزحزح
شعر رياض بأن هناك شيئ غامض بين الإثنين، تدخل زين وتاليا وسحبا بسيوني للغرفة وهناك بدأ بسيوني يحاول تنظيم أنفاسه
"إنت تعرفه؟"
سأل رياض بإستغراب
"أعرفه!، دا واحد من اللي عايزين يخربوا البلد، رياض إنت لازم تمشيه من البيت حالاً"
تفاجأ رياض من طريقة حديث إبراهيم العنيفة، لم يكن يفهم شيئاً وشعر بأنه ضائع
"ممكن تهدى وتحكيلي؟"
سأل محاولاً ايجاد اجوبة، فهو كان يجهل الكثير عن بسيوني، ربما إبراهيم لديه أجوبة
.
قابلته وياريت ما قابلته

.
6. متفقين!
"أنا مش مصدق إن بيسو هيسيبني مع الواد الهوموفوبيك البضان دا"
تذمر زين وهو يثبت جهازه اللوحي أمامه حيث يتحدث مع صديقه مكالمة بالصوت والصورة
"ما تاليا معاك برضه، خلوا الأيام تعدي على خير واثبتله إنك أحسن منه"
حاول صديقه تهدأته
كان فتى أبيض بشعر مصبوغ بالأزرق يرتدي قلائد ملونة
"وأنا اللي كنت بحسب البرايد دا هجيلك"
قال زين ساخراً
"ما تبطل نواح بقى، تيجي البرايد اللي بعديه، هيوصلوا لعلاج قريب والدنيا هترجع عادي"
رد صديقه
إستطرد بعدها بفضول
"بص معايا كده، تفتكر في لاف لاين ممكن يترسم بين بيسو والراجل الهوموفوبيك؟"
"إيه القرف دا؟"
قال زين بوجه مشمئز
"مهي قصص الحب بتبدأ كده، صاحبي كان في واد بيتخانق معاه على طول في المدرسة، وفي الآخر بيعطوا سوا دلوقتي، فما بالك براجل هوموفوبيك عنده كورونا وبيسو بيرعاه"
كان يتحدث بطريقة درامية
"دنا ارجع بيسو لزيكو بنفسي وابوس رجله يسامحه ولو إني أشوف دا بيحصل"
"ما يصحش، إحترم قرار بيسو وما تجيبش سيرة زيكو تاني"
تأفأف زين بضجر
"تأملي الطبيعة ما افجرش الواد أمجد دا"
"عنيا، نايتي"
ودعه بقبلة في الهواء
صباح اليوم التالي إستيقظ زين باكراً ليساعد تاليا في إعداد الإفطار
"تيتي ممكن تصحي العيال يساعدونا في حاجة بدل ما أفجر البيت دا؟"
سأل زين بهدوء وأومأت تاليا وايقظت رموش ثم أمجد الذي أخذ يتذمر وأخبرها أنها لا شأن لها به
"فكك منه، ياكل نفسه بقى"
قال زين وحرص على أن لا يبقى أي شيئ من الإفطار لأمجد، جهز صينية طعام ووضعها أمام باب غرفة رياض ثم طرقه ليفتح بسيوني ويأخذها
"جدع"
قال بيسو وإبتسم زين بسعادة ثم قال بثقة
"طول عمري"
انشغل بعدها بحصصه هو وتاليا وبعد أن تفرغا كان وقت الغداء، اعدته تاليا وساعدها زين ثم صور معها مقطع تيكتوك وكانت رموش متفاجئة من رقصهما
"ما بتعرفيش ترقصي ولا إيه؟"
سألت تاليا
"بس الرقص مش حاجة كويسة"
ردت رموش
"نعم!، بقى الرقص حاجة مش كويسة؟، وبتعملي إيه اما تكوني مبسوطة لو مش بترقصي؟"
إستغربت تاليا وتابعت
"هو إنتي مقتنعة باللي بتقوليه؟"
سبق وأخبرها أمجد بأن عائلة بسيوني عائلة منحلة أخلاقياً وعليها الحذر منهم لذا ردت
"أيوة، مبحبش الرقص"
"اوكاي، از يو لايك"
ردت رغم استغرابها فقد علمها بسيوني أنه ليس بالضرورة أن يقتنع الناس بما نعتقده، أو أن يحبوا ما نحبه، لكن المهم أن لا يحاولوا أن يتطفلوا على حريتنا
كان حساب تاليا وزين حساباً خاصاً لمتابعين محددين فقط، فقد كان هذا شرط بسيوني ليقوموا بتحميل المقاطع لأنهما قاصران وهو يعلم كيف يفكرالمختلين الذين يفكرون بالقاصرين بطرق جنسية
All I wanna do is see you turn into a giant woman, a giant woman
All I wanna be is someone who gets to see a giant
كان زين يشغل أغنية من كارتون ستيفن البطل، كان برنامج الرسوم المتحركة المفضل لدية
بينما كان يجلس أمام المرآة ويقوم بوضع مساحيق التجميل على وجهه ثم بدأ يغني مع الأغنية
You might even like being together
And if you don't, it won't be forever
But if it were me, I'd really wanna be a giant woman, a giant woman
قهقه بعد أن توقف عن الغناء ثم لاحظ اتصالاً من حساب باسم زيكو، ارتبك ثم رد
"هاي!"
كان رجلاً أبيضاً بعيون خضراء
"إيه الأخبار؟"
"بيسو بياخد باله من الروميت بتاعنا عشان جاله كورونا، كله تمام"
رد بسرعة وكأنه يقول شيئ عادي عابر
"وبيسو جاله كورونا؟"
سأل بقلق
"لا، بس مش عارف بعد ما قعد معاه جاله ولا لا"
"ممكن تخليه يرد عليا؟، أو تديله التاب؟"
"آسف ما اقدرش، بيسو محذرني من إني اتدخل في الموضوع"
قال بقلة حيلة
"تمام، شكراً يا زين، ابقى طمني عليه بس"
"حاضر"
انهى المكالمة ثم تنهد براحة
بدأ يلتقط صور لنفسه حتى سمع طرقاً على الباب
"أيوة!"
"أنا"
كانت تاليا
"ادخلي"
رد ودخلت تاليا ثم أغلقت الباب واقتربت لتجلس بجواره على السرير
"في مصيبة ولا إيه؟"
شعر زين بالقلق
"إنت لسه بتكلم زيكو صح؟"
سألته ورد
"آه، إنتي عارفة أهميته في حياتي وأنه ساعدني اكام أوت"
"معنديش مشكلة، وايدونت ثينك إن بيسو عنده مشاكل من علاقتك بيه، المشكلة إنك تتدخل في علاقتهم، بيسو قرر ما يرجعلهوش تاني خلاص، ما تحاولش تدي لزيكو أمل كداب أنه ممكن يرجعله"
"أنا مش بديله أمل، هو اللي مصر، كمان شكله بيحب بيسو أوي"
"ملناش دعوة، دي حاجة تخص بيسو ما تخصناش، زين بليز ما تتدخلش أبداً، وما تنقلش أخبار بيسو لزيكو"
تنهد بإستسلام
"حاضر"
"الواد أمجد عمال يلف في المطبخ"
قالت وعندها إبتسم زين ضاحكاِ
"أحسن، عشان يبقى ينام كويس ويطنشنا"
"حرام عليك، سيبله حاجة ياكلها"
"روحي اعمليله لقمة، خليه يديكي كلمتين في جنابك ويقول عليكي شمال"
قال ساخراً وصفعت تاليا مؤخرة عنقه
"أنا مالي؟، هو اللي بيقول"
تذمر متألماً
خرجت تاليا وغسل زين وجهه وشاهد حلقات من ستيفن البطل ثم خرج ليصب لنفسه كوب حليب فقد إعتاد شربه قبل النوم، وضع الكوب في المسخن ثم التفت عندما سمع صوتاً، كان أمجد
نظر له بتحدي، كان أمجد يحمل جهازه اللوحي
"إنت تعرف الماني؟"
سأل أمجد ورد زين بضجر
"أيوة"
"اصحى بكرة بدري، عندي إمتحان"
"وهكسب إيه اما احلهولك؟"
"مش هكسرلك وشك"
رد أمجد وعندها قال زين بتملل
"أشوف رأي اونكل رياض في الموضوع دا"
لم يصدقه أمجد حتى وجده يقف أمام الغرفة ثم طرق بابها
"خلاص"
همس أمجد
"أيوة يا حبيبي!"
كان بسيوني الذي رد
"بشوفكم لو عايزين حاجة"
رد زين وهو ينظر لأمجد بتحدي
"لا يا حبيبي، نام إنت"
رد بسيوني وتحرك زين واحضر كوب الحليب ثم ذهب لغرفته، تبعه أمجد لباب غرفته
"عايز إيه؟"
"عايزك تبطل الهبل دا وتعاملني كويس"
كان طلبه بسيطاً لكن أمجد كان يشعر بالإهانة لأنه لا يطيق زين
"ماشي"
وافق في النهاية لأن درجاته منخفضة وإن لم يحصل على درجة جيدة في إختبار الغد سيرسب
"بس أحسنلك تجيب درجة كويسة"
حذره إمجد قبل أن يتركه ويذهب لغرفته
"الهيترو مجانين"
تمتم زين ودخل غرفته وأغلق الباب وتأكد من إغلاق القفل كي لا يدخل أمجد غرفته صباحاً
إستيقظ بسبب طرق أمجد، تأفأف ثم نهض وفتح الباب وخرج، كان يرتدي بيجامته ذات السروال القصير المرسوم عليها دببة
"هات التاب"
أخذ منه الجهاز اللوحي ثم عاد لداخل الغرفة وأغلق الباب مرة أخرى بينما أمجد كان مستغرباً من مظهره وبيجامته التي كان يراها للنساء
إنتهى زين من حل الإختبار في خلال خمسة عشر دقيقة فقط، خرج واعاد لأمجد الجهاز اللوحي ثم أغلق الباب وعاد للنوم
استيقظ عندما طرقت تاليا باب غرفته لتنبهه بوقت الإفطار، بدل ملابسه وغسل وجهه واسنانه ثم خرج ليساعدها
بعد إنتهاء الإفطار كانت دور زين لغسل الأطباق لذا وقف وبدأ يغسلها حتى سمع أمجد
"بتعرف ماث؟"
"إنت عارف إنك في تانية ثانوي وإني في تانية اعدادي ولا متعرفش؟"
كان مستغرباً أنه يستمر في طرح الأسئلة رغم أنه أكبر منه
"أيوة تعرف ولا لا؟، كده كده منهج مدرستك أكبر من منهجي يعني هتعرف تحل"
رد بضجر وعندها تنهد زين بقلة حيلة، ففي النهاية زين ذكي جداً ومتفوق ويفوق سنه في المواد الدراسية، لذا هو يستطيع حل أسئلة أمجد بسهولة حقاً، لكنه ضجر منه
"ماشي، بس ياريت تتفضل تغسل الأطباق عشان عمري ما شفتك بتساعد في حاجة"
"مبعرفش"
برر متهرباً
"عادي، اتعلم"
رد ببساطة وبدأ يعلمه كيف يغسل الأطباق بما أن الآخر يدعي الغباء
عاد لغرفته ثم فتح ريديت فهو موقعه المفضل، وبينما يقوم بالتمرير وجد واحداً من الذين يحب متابعته قد شارك اسم حسابه على تويتر ويقول أنه ضجر
على الفور قام بإنشاء حساب على تويتر، زيف عمره كما يفعل كل المراهقين ثم وضع صورته الشخصية صورة ستيفن البطل وفتح حساب الرجل وبدأ يتصفحه
كان يسب بإستمرار الصف الثالث الثانوي، يبدو أنها سنته الدراسية، هناك صور له في الصحراء يلف وشاحاً حول وجهه وتظهر عيناه فقط
يتحدث عن حبه للصحراء وأن صديقته هي ماعز اسماها رشيدة اقتدائاً بكارتون بكار القديم، ويتحدث عن ايمانه اللا محدود بالإله ثم فجأة عن شكه بكل شيئ وأنه لا يوجد إله أو أي ديانات وكلها هراء
يكره عائلته كثيراً لكنه لا يمكنه الحياة بدونهم، أحياناً يخطط لقتل شقيقه وأحياناً أخرى يقطع مسافة ثلاث ساعات بالسيارة ليحضر له ادويته، يحب والدته ويحب عطائها، لكنه يكره كونها ضعيفة، كما أن حبها مشروط فيمكنها سحبه بأي وقت
"مش شايف اننا المفروض نتكلم عن الشواذ في الوقت اللي مفيش حد مننا عنده حقوق أصلاً، كمان نسبتهم اد إيه مثلاً؟، أنا عمري ما قابلت شاذ في حياتي"
توقف عند تلك التغريدة وقرر الرد
"وليه في كوير هيكام اوت ليك وإنت كده؟، ممكن يكون صاحبك اللي بتشوفه كل يوم كوير بس عمره ما هيقولك خصوصاً بعد التويته دي"
"إنت بتتكلم بصفتك واحد منهم يعني؟"
رد عليه
"أيوة، بعدين إيه جو مش مهم حقوقك اما فلان ياخد حقوقه الأول دا؟، مفيش حقوق اعلى من حقوق، انت بتعاني لإنك مواطن مصري فمابالك بالمصري الكوير اللي المصريين أصلاً نفسهم عايزين يقتلوه وبينكروا وجوده زي حضرتك كده، ومش فاهم إيه الصعب في إنك تسيب إتنين من نفس الجندر مع بعض هما عملوا لدين اهلك إيه يعني؟، أثر دا على اقتصاد البلد مثلاً؟، اخدوا مرتبك ولا التموين بتاعك؟"
"يعني كل مشاكلنا خلصت عشان يبقى مشكلتنا الوحيدة انك عايز تنام مع راجل؟"
"نفس البوينت الغبية، يعني إيه عايز مشاكل معينة تتحل وليها الاولوية ومشاكل تانية ليه، دا الهيترو اما البلد بتقولهم قللوا انجاب بيتنططوا، لو قولتللك ممنوع الجواز للهيترو لحد ما البلد تظبط امورها واقتصادها لأن مشاكل البلد اهم من مشاكل جوازك ردة فعلك هتكون إيه؟"
"معنديش مانع أنا كده كده ضد الجواز أصلاً، بس فهمت قصدك عموماً، بس ممكن نرجع لنقطة إن ممكن يكون عندي صحاب شواذ؟"
"أيوة عادي، دا أكيد كمان، الكويرز موجودين زي الستريت، بس عمرهم ما هيقولولك لأنهم بيكونوا خايفين، وكمان أوقات بيتجوزوا ويستخبوا، ومعلومة صغيرة مش مسموحلك تقول لفظ شواذ طالما إنت مش الكومينتي"
"ليه؟"
"عشان لفظ شواذ بيستخدم عشان يوصمنا، من حقنا نستخدمه احنا عشان نشيل رهبة وصمة العار ونخليه مجرد جوك، بس الستريت مش من حقهم لأنهم بيستخدموه لوصمنا"
"ما لو بتتحسس لو حد بيقوله دا معناه انك ما شيلتش وصمة العار، لازم تتقبل الناس تناديك بيه"
"ما تتفلسفش، مش من حقك تعلمنا إزاي نحس، دا في حد ذاته استغباء لينا، دا زي ما تقول لست أنا عارف فطرة المرأة كويس أوي إنتي بتحبي تقعدي في البيت تنضفي وتغسليلي رجلي، أو زي ما تقول لملحد انت ليه بتتكلم عن دين الاسلام بس لو فعلا ملحد واحنا عايشين في بلد مسلمة لو قلت مش بحب الشعراوي بيسجنوك، مش من حقك تحدد بالنيابة عن حد تاني إنت مش في مكانه"
"ماشي فهمت"
"لو في أي وقت لو جيت سينا ممكن تعدي عليا افسحك ونتكلم"
"على زبي، عمري ما هروح للعربان"
كان آخر ما قد كتبه ثم اتاه اتصال من صديقه وعندها أغلق تويتر ورد
"هاي!"
.
steven universe giant woman

.
7. سبعة
"مشيه من هنا دلوقتي"
كان إبراهيم يتحدث بغضب مع رياض
"إبراهيم، الراجل دا قعد ياخد باله مني ومن عيالي واما جالي كورونا فضل معايا لحد ما خفيت، أنا حرفياً كنت بموت وهو فضل جمبي، أنا عمري ما أعمل معاه كده"
رد بهدوء
"وما سألتنيش ليه قبل ما تسكن في بيتك حد من الخرابين؟"
"بسيوني عمره ما عمل حاجة وحشة معايا، دا أكتر حد ساعدني"
"هتكرشه ولا أقبض عليه أنا؟"
سأل بنفاذ صبر وعندها تغيرت نبرة رياض للحزم
"اياك، أنا ما اسمحلكش تاخد الراجل اللي اخد باله مني ومن عيالي، دا بدل ما تشكره؟"
"اشكر إيه؟، بقولك دا بينزل مظاهرات وعامل مشاكل على طول، ابعد عنه هيجيبلك مشاكل"
"مش هتعلمني أتصرف إزاي"
رد ثم تذكر الجروح على جسد بسيوني وعندها قال
"عندي سؤال بس"
"اتفضل!"
قال بضجر
"اللي على جسمه دا بسبب البوليس؟"
كان يقصد الجروح والحروق ورد إبراهيم
"دا بسببي أنا شخصياً، أنا لو عليا أقتله بس ولاد الكلب دول الموت رحمة ليهم"
إستقام رياض واقفاً وقال بهدوء
"إبراهيم، لو سمحت إمشي"
"إنت بتطردني أنا!"
صرخ إبراهيم به
"إمشي يا إبراهيم، واحذف اسم بسيوني من عندك بدل ما اجيبلك أنا مشاكل"
"إنت أكيد اتجننت!"
كان مصدوماً مما يقوله لأنهما كانا يتشاركان في كراهية الثوار
"دا اللي عندي"
قال بإصرار ليؤكد لإبراهيم تحذيره من مس بسيوني
"اما تعقل كلمني"
غادر إبراهيم وعندها خرج أمجد ورموش من الغرفة فلم يكونا يفهمان ما يحدث حتى بعد التلصص على المحادثة
"هو عمو إبراهيم مشي ليه؟"
سألت رموش
"وراه شغل يا حبيبتي"
ربت على رأسها ثم سار لغرفة زين وطرق الباب
حيث كان بسيوني يجلس بينما يساعده ولديه في تهدأة نوبة قلقه
"يا احا!"
همس زين عند سماع طرق الباب وأسرعت تاليا وازالت علم المثلية ثم خبأته تحت السرير وفتحت الباب
"ممكن ادخل؟"
سأل وردت تاليا
"أيوة يا اونكل دا بيتك"
دخل رياض بحذر وكانت عيناه مرتكزة على شيئ واحد
بسيوني الذي ينظم أنفاسه، إقترب منه بثبات ثم نزل على ركبتيه أمامه وأمسك يديه
"أنا آسف"
قال بنبرة أشبه بالهمس
سحبت تاليا زين الذي تذمر
"دي اوضتي!"
سحبته لخارج الغرفة وأغلقت الباب
"سيب الكبار يتكلموا"
"يا كسي!"
تذمر بضجر ثم نظر بجواره ووجد أمجد متفاجئاً مما سمعه
"بيقول عايز كرسي، رجليه بتوجعه مش قادر يقف"
قالت تاليا بسرعة محاولةً إنقاذ الموقف وضربت بكوعها ذراع زين وعندها بدأ يمثل أن قدمه تؤلمه
"الحقوني"
شغل رياض أغنية لعبدالوهاب
"بتحبه، هيساعدك تهدى"
كل ده كان ليه لما شفت عنيه
حن قلبي اليه وانشغلت عليه
كل ده كان ليه كان ليه
بدأ يتنفس معه ثم إستطرد محاولاً تشتيت إنتباهه
"تعرف إن دي أول مرة اسمع فيها الأغنية دي"
"بتهزر!"
تفاجأ بسيوني
"لا، أنا بسمع أم كلثوم بس، وأوقات صباح"
"ذوقك وحش أوي"
علق وقهقه رياض
"ماشي يا عم"
قالي كام كلمه يشبهوا النسمه في ليالي الصيف
سابني وفي قلبي شوق بيلعب بي وفي خيالي طيف
غاب عني بقى له يومين ما اعرفش وحشني ليه
احترت اشوفه فين وإن شفته اقوله ايه؟
"إيه رأيك نعمل موڤي نايت؟، إختار إنت الفيلم"
إقترح رياض
"ما أعتقدش ذوقي هيعجبك"
"ليه؟، عايز تتفرج على إيه؟"
قال ثم أضاف قبل أن يرد بسيوني
"بما انك من بتوع التغيير وكده يبقى بتحب حاجات زي فيلم رسايل البحر كده صح؟"
قهقه بسيوني بخفة
"أنا فعلاً بحبه"
"أنا عمري ما شفته"
"بتهزر!"
"ما بحبش الحاجات اللي الناس بتبالغ فيها وتحسسك أنهم مميزين ومختلفين، بحسها حاجات وحشة وبيقولوا كده بس عشان يبانوا في قمة التميز"
"ولا مميزين ولا حاجة، فيلم لطيف عادي"
"يبقى نشوفه"
قال وتذكر بسيوني أن هناك إمرأتان مثليتان به وعندها قال
"مش ضروري، نشوف حاجة على ذوقك إنت"
"ما بحبش الأفلام أصلاً"
"خلاص نشوف فيلم كارتون حتى العيال تتفرج معانا عادي"
تابع بعدها
"نشوف حاجة تناسب البنات، تعالى نسألهم"
إستقام واقفاً وسحبه ليخرجا من الغرفة، كان الأطفال متجمعين في غرفة الجلوس، نظر بسيوني لرموش وتاليا وسأل
"بنات، تحبوا تشوفوا فيلم إيه؟"
"ربانزل"
ردت رموش
"أنا كمان بحب ربانزل"
وافقتها تاليا
"اوكاي، نشوف ربانزل، هجهز الفشار، بس شغلوا النسخة المصري مش ناقصين قرف"
نبههم قبل أن يبدأ تجهيز البوشار
لم تكن الفتاتين وحدهما من تستمتعان بالفيلم فقد كان بسيوني يحفظ حواراته
"الظروف رمتك هنا يا فلين رايدر، سميها أي حاجة، حظ أو نصيب"
كان يتحدث مع صوت المدبلجة
"حصان"
رد زين متحدثاً مع المدبلج هو الآخر
وأكمل بسيوني
"وانا اخدت قرار اثق فيك"
"قرار متهور بصراحة"
رد زين وقهقه رياض ثم سأل بسيوني
"إنت حافظه؟"
"أيوة، لذيذ، يمكن فيلم ديزني الوحيد اللي بحبه، لذيذ وخفيف، والبطل فيه ظريف وعنده شخصية لذيذة مش زي بقية أفلام ديزني"
"شخصية إيه؟، مهو زيه زي أي بطل جاي ينقذ الأميرة"
"إنت شايفه أنقذها؟، يوجين وربانزل لذاذ جداً، ومع أنه حرامي كان صادق جداً معاها واخد باله منها، وهي كانت عندها أحلام، طموحات، وتصرفات متهورة شوية، فيلم لذيذ، كمان مشهدي المفضل في الآخر أما بيقولها انها حلمه الجديد بدل ما كان حلمه يعيش على جزيرة لوحده وخلاص"
كان يتحدث بنبرة حالمة وكأنه يتحدث عن رجل حقيقي
كان رياض مستغرباً أن بسيوني متأثر بفيلم للأطفال لتلك الدرجة
"إنت اتفه مما كنت فاكر"
علق وقهقه بسيوني
"كويس، اهو تبطل تقول عليا عامل نفسي مميز"
"أنا ما اقصدش"
رد بسرعة لأنه استوعب لتوه أنه اتهم بسيوني لأكثر مرة بأنه يتظاهر بالتميز
"عادي، اتس نات ذات ديب"
رد ببساطة ضاحكاً
"ما تسكتوا شوية عايزين نتفرج"
تذمر زين
"حقك عليا"
رد بسيوني
في وقت النوم تقلب بسيوني في سريره عاجزاً عن النوم بسبب نوبة قلقه، فتح حقيبته وبدأ يبحث بها عن ادويته لكنه لم يجدها، حظر التجوال قد بدأ لا يمكنه الخروج، ولا يمكنه النوم ما دام يعاني من نوبة القلق ولا يمكنه الإستيقاظ أيضاً، كان عالقاً في المنتصف، مستلقي بتعب بدون أي حركة، لا يستطيع النوم أو النهوض حتى الصباح
"بيسو!"
قالت تاليا بقلق بعد أن دخلت غرفته بعد أن تأخر في الخروج
اعتدل جالساً بصعوبة فقد كان مرهقاً بشدة
"أنا لازم أخرج أجيب الادوية"
"بس إنت مش هتعرف تسوق كده"
"معنديش رفاهية لخيارات تانية"
"ممكن تكلم زيكو"
"لا"
رد بحزم وقعد تبدلت تعبيرات للإمتعاظ
"بيسو دا ظرف طارئ، ممكن تكلمه"
"في إيه؟"
كان زين الذي دخل وتفاجأ بحالة بسيوني
"إنت كويس؟"
"محتاج ادوية الانجزايتي"
"أنا هكلم زيكو"
"لا"
رفع بسيوني صوته
"أنا هجيب الادوية بنفسي"
"معلش مش هسمع كلامك المرة دي، إنت مش شايف حالك؟، زيكو مش هياكلك يعني، تاليا صادري منه الموبايل"
قال زين قبل الخروج من الغرفة
عاد لغرفته واتصل بالمدعو زيكو
"هقولك حاجة بس اهدى بالراحة"
"خير!"
سأل بإستغراب
"عايزك تجيب ادوية بيسو بتاعت الانجزايتي اتاك"
"حصل إيه؟"
سأل زيكو بقلق
"بعدين، هاتها بس عشان هو تعبان جداً"
"ابعتلي عنوانكم"
طرق رياض باب غرفة بسيوني لأنه شعر بالقلق عندما لم يجده في المطبخ كعادته كل صباح، فتح الباب ووجد تاليا تعانق رأسه وتمرر يدها على شعره بلطف
"هو كويس؟"
سأل بقلق
"معرفش ينام، مصدع"
بررت تاليا
"عندي برشام كويس للنوم"
قال وذهب لغرفته بسرعة وبدأ يبحث في درج الأدوية حتى وجده، ملأ كوب ماء ثم ذهب لغرفة بسيوني مباشرةً ومد له الكوب وحبة الدواء
"ملوش داعي طلبنا.."
حاولت تاليا الحديث ولكنها وجدت بسيوني يأخذ الحبة منه ويبتلعها بدون مياة
"شكراً"
"سيبيه يحاول ينام"
قال رياض وابعد بسيوني عن تاليا ليجعله يستلقي بشكل مريح ثم بدأ يمرر يده على رأسه وهو يتلو بعض الآيات
غفى بسيوني لدقائق ثم استيقظ فزعاً وهو يلتقط أنفاسه
"إنت كويس؟، حاسس بإيه؟"
سأل رياض بقلق بينما بسيوني شعر بأنه كان غبياً ليأخذ منوماً أثناء أصابته بنوبة قلق، فلن يستطيع النوم بدون ادوية تهدأة النوبات
"أنا آسف"
قال رياض ولم يكن بسيوني يفهم سبب إعتذاره لدرجة أنه شك بأنه سمع بشكل خاطئ
"إيه؟"
"أنا آسف"
كرر بخجل وحزن شديدين وهو عاجز عن النظر لوجهه، فبعد معرفته بأن شقيقه قام بتعذيبه أصبح الذنب يطارده، كيف يعذب شقيقه رجلاً لطيفاً كبسيوني بهذه السهولة؟
قال أيضاً أنه يرغب في قتله
هل كان شقيقه بهذه القسوة دوماً؟
كيف لم ينتبه؟
بدأ بسيوني يبكي من فرط المه، بينما رياض يشعر بالحيرة ولا يعلم كيف يفترض به التصرف
"بيسو"
التفت رياض ووجد زيكو الذي اقترب وأخذ بسيوني من يديه ثم بدأ يضع حبوب الدواء في فمه
"هو إنت مين؟"
سأل رياض بإستغراب
"الدكتور زياد منعم"
رد وهو يمرر يده بلطف على رأس بسيوني ثم بدأ يهمس في اُذنه
"لو سمحت ممكن تخرج إنت؟"
قال زياد ولم يكن رياض يفهم شيئاً لكنه خرج في النهاية
.
كل دا كان ليه

.
8. لحم ودم
استيقظ بسيوني ووجد نفسه في أحضان زياد الذي لاحظ إستيقاظه وسأل بحنان
"أحسن؟"
ابتعد بسيوني عن حضنه
"مكنش المفروض تيجي"
"بيسو يا ريت ما تستهبلش، حتى لو مش طايقني تعبك ملهوش علاقة، حتى لو عايز تقتلني تقدر تطلب مساعدتي في أي وقت، احنا مش بيننا الخولنة دي"
"أنا مش عايز أقتلك"
رد بضجر
"حتى لو، سلامتك تهمني، حتى لو مش هترجعلي ما تترددش تطلب مساعدتي"
قال لينظر إليه بسيوني وعندها بدأ زياد يمرر يده على شعره ثم قبلَ رأسه
"الف سلامة"
رغم غضب بسيوني من زياد فقد كان جسده يشتاق إليه، مازال يرتاح للمساته، ومازال حضنه يريح أعصابه
"هو أنا ممكن أحضنك حبه؟، بس دا مش معناه إني عايز ارجعلك"
سأل بتردد وعانقه زياد فوراً ليدفن وجه بسيوني في صدره
"للوقت اللي تحبه"
شعر بسيوني بالراحة والهدوء حتى سمع طرق الباب ودخل زين
"مورنينج!، إيه الأخبار؟"
سأل وهو يغلق الباب
"بيسو بيرتاح حبه بس وهيقوم"
رد زياد وهو يمرر يده بنعومة على ظهر بسيوني
كان زين مسروراً برؤية بسيوني وزياد معاً كالماضي، لطالما حاول إقناع بسيوني بالعودة لزياد لكنه كان يرفض، كان زين متعلقاً بزياد بشدة، فقد كان مرتبطاً ببسيوني منذ أن كان عمره عامان، وشارك في تربيته، كان يعتبره والده الثاني
انفصل بسيوني عنه منذ عام واحد فقط، لقد استمرت علاقتهما عشرة أعوام لذا لم يستطع زين تقبل فكرة أن الرجل الذي يعتبره والده الثاني سيختفي فجأة من حياته، لذا أخبره بسيوني أنه لا يمانع أن يتحدث معه بشرط أن لا يحاول اقناعه بالعودة إليه
لم يفصح بسيوني أبداً عن سبب إنفصاله عن زياد، ولم يلاحظ زين أو تاليا أي شجارات بينهما، لقد إنفصلا بهدوء ورفضا الإفصاح عن السبب
لكن كان من الواضح أن بسيوني كان المتأثر الأكبر بالإنفصال لأنه كان يرفض رفضاً قاطعاً أي حديث عن الموضوع
بيني في الحب وبينك ما لا يقدر واش يفسده
مابال العاذل يفتح لي باب السلوان وأوصده
ويقول تكاد تجن به فأقول وأوشك أعبده
مولاي وروحي في يده قد ضيعها سلمت يده
ناقوس القلب يدق له وحنايا الأضلع معبده
كان زياد يغني بصوت خافت جعل بسيوني يبتسم رغماً عنه، فهذه الأغنية كانت بداية علاقتهما، وكان سماعها حتى بعد انفصالهما يجعله بحالة جيدة
ظل زين يراقب باب غرفة بسيوني حتى لمح رياض يقترب منها وعندها أسرع ليسأله
"في حاجة يا اونكل؟"
"كنت هتطمن على بسيوني"
رد بنبرة مهزوزة وكأنه غير متأكد من أحقيته بالإطمئنان عليه لأن شقيقه هو السبب في حالته
"هو محتاج شوية راحة، اما يتحسن هيخرج"
قال لأنه اراد أن يحظى بسيوني وزياد بالمزيد من الوقت معاً
"ممكن تساعدني في الفطار؟"
سأل ليشتت إنتباهه واومأ رياض
"أكيد"
أمسك زين بيده وسحبه
"يلا بينا"
بعض دقائق خرج بسيوني من الغرفة مع زياد وكان زين يجهز مائدة الإفطار
"مورنينج!، اقعدوا، خلصنا الفطار"
قال بإبتسامة واسعة لأن وجود زياد وبسيوني معاً ذكره بالأيام التي كانا بها معاً
جلس الجميع وبدأوا يتناولون الإفطار وبعد تردد طويل سأل رياض
"إنت دكتوره؟"
"حاجة زي كده"
رد زياد
"زيكو دكتور العيلة"
قال زين بمرح
"زيكو!"
كان مازال مستغرباً من فكرة أن ينادي طفل رجلاً بالغاً بلقب بدون الألقاب المخصصة للكبار
"زين وتاليا زي عيالي بالظبط"
قال زياد
"كويس"
حمحم رياض وعاد للتركيز على تناول طعامه
"أنا همشي بقى، لو احتجت أي حاجة في أي وقت كلمني، أنا دكتور ما بيمشيش عليا الكورنتين"
قال زياد محادثاً بسيوني بعد أن انتهى من تناول الإفطار ثم مال على زين وعانقه ثم همس
"لو في أي حاجة كلمني"
أومأ زين باسماً ثم ودع زياد، عاد لغرفته بمشاعر مختلطة بين الأمل في عودة علاقة زياد وبسيوني أو القلق والخيبة من أن يظل بسيوني على رأيه
"هو كتير عليا إن يكون ليا ابين؟"
نشر على تويتر واتاه رد من الحساب الذي سبق وتناقش معه من قبل
"الناس بيبقى عندهم أب واحد ومش معبرهم، آه طبعاً اتنين كتير"
تأفأف بضجر من رده ثم فتح تيكتوك
كان بسيوني يعمل على حاسوبه وصوت عبدالوهاب في الخلفية كالعادة حتى سمع صوت طرق الباب
"اتفضل"
دخل رياض وكان يبدو متردداً
"عامل إيه؟"
إبتسم بسيوني
"زي الفل"
اضاف بعدها
"معلش قلقتك"
"هو إنت بيحصلك كده على طول؟"
"لا خالص، تعب وراح لحاله"
تردد رياض قبل أن يتخذ قراره ويسأله
"هو التعب دا له علاقة بأخويا إبراهيم؟"
"مش فاهم"
"أنا عرفت، ما تخبيش عني، إبراهيم هو السبب؟"
"دا هيفيدك بإيه؟، حتى لو اخوك دا ما يخلكش مسؤول عن تصرفاته"
"هو إيه اللي حصل وقتها؟"
"مش بحب اتكلم عن الموضوع"
"أنا آسف"
قال بخجل ناظراً للأرض
"عندي سؤال"
قال وعندها نظر رياض لوجهه ليعيره انتباهه
"تعاطفك معايا زي تعاطفك مع كل الثوار اللي حصلهم نفس الحاجة واسوأ؟، عشان لو لا يبقى بلاش منه، فكر فيا زيهم وهيبقى كله تمام، أنا مش حد مميز عنهم"
كان يتحدث بهدوء وبساطة
وبدأ رياض يفكر هل يمتلك نفس التعاطف تجاه الجميع؟
كلا
هو يكره الثوار تماماً كشقيقه
لقد نمى التعاطف داخله بسبب لطف بسيوني معه فقط
"أنا ما افرقش حاجة عنهم، كلهم كانوا شباب زيي، نفسهم يعيشوا أحسن وعيالهم يعيشوا أحسن منهم، كلهم عندهم عائلات، أحلام، طموحات، كل واحد له شخصية فريدة عن التاني، فكرت تجيب اسماء الثوار وتسرش عنهم وتشوف اهلهم كاتبين عنهم إيه؟، ولا بتتعامل معاهم انهم ارقام؟"
استطرد بعدها
"أنا آسف مش قصدي اضايقك بس عايز أقولك ما تفكرش فيا كتير، أنا زيي زيهم ما تقلقش عليا وما تعاملنيش بطريقة غريبة"
كان هدف بسيوني هو أن يتوقف رياض عن الشعور بالذنب تجاهه فهو كان يكره الشفقة، لم يكن هدفه أن يجعله يتعاطف مع الجميع فهذا أمر لا يخصه
أومأ رياض بصمت وخرج من الغرفة وعاد لغرفته وهو يفكر في حديث بسيوني، فتح حاسوبه ثم بحث عن اسماء الذين قتلوا في الثورة واختار اسماً عشوائياً وبدأ يبحث عنه على فيسبوك، وتفاجأ بمنشورات لاهله واصدقائه، كل واحد يروي ذكرياته معه
كان يتعامل معهم أنهم مجرد أرقام، شباب أغبياء لا يهتمون لحياتهم ويكرهون الإستقرار، لكن الحقيقة كانت أنهم بشر حقيقيون مثله، من لحم ودم، ولديهم عائلات وأصدقاء
خرج من غرفته وهو مشوش وعندها سمع صوت شادية وبسيوني يغني معها
في يوم وليلة، يوم وليلة
خدنا حلاوة الحب كله في يوم وليلة
أنا وحبيبي، أنا وحبيبي
دوبنا عمر الحب كله في يوم وليلة
خرج لغرفة الجلوس ووجد بسيوني يرقص مع تاليا، انضم إليهم زين الذي كان يحمل بعض الأمل أن بسيوني سيعود لزياد
عمري ما شفته ولا قابلته
وياما، ياما شاغلني طيفه
لاحظ بسيوني وجود رياض وعندها مد يده ناحيته قاصداً أن ينضم لهم في الرقص
تردد رياض ثم إقترب منه وأمسك بيده وعندها سأله بسيوني
"بتحب شادية؟"
"أعرف كام أغنية ليها بس"
"شكلك مش رومنسي خالص"
"دا حقيقي، دا اللي خلى مراتي تسيبني"
رد بتلقائية وتفاجأ بسيوني
"أنا آسف، أنا كنت بهزر"
قهقه رياض بخفة
"ولا يهمك، عادي، منا فعلاً مش رومنسي، دبش، ودمي سم"
"عادي، في ستات بتحب كده، هتلاقيلك عروسة ما تقلقش"
ربت على كتفه ثم ابتعد عنه ليعود لتجهيز الطعام، كان المطبخ مفتوحاً على غرفة الجلوس على الطراز الامريكي
"بتحب القلقاس؟"
سأل بسيوني وهو يقوم بغرف الطبق
"لا"
"يبقى عشان ما اكلتهوش من ايدي، دوق اللي انا عامله وهتحبه"
وضع الطبق على الطاولة أمامه
وفي يوم لقيته، لقيته هو
هو اللي كنت بتمنى أشوفه
نسيت الدنيا وجريت عليه
سبقني هو وفتح إيديه
قفز زين وعانق بسيوني بحرارة مقهقهاً وقهقه بسيوني بدوره، فصل العناق ليساعده في وضع الطعام على الطاولة وبينما يرتب زين شعره ليربطه بربطة الشعر سأله أمجد
"هو إنت ليه مطول شعرك زي البنات؟"
"عشان بحب شعري كده"
رد زين ببساطة
"أمجد دي حاجة ما تخصكش"
تدخل رياض لأنه كان قلقاً من أن يتسبب أمجد في شجار
"أنا بنصحه بس، تلاقي العيال في المدرسة بتقول عليه بنت"
قال وعندها رد رياض
"حاجة ما تخصكش برضه"
"ما يهمنيش الناس بتقول إيه، المهم أنا مبسوط"
قال زين بهدوء
"ما تقلقش على زين، بيعرف يرد كويس"
قال بسيوني ثم ربت على رأس زين
"دحنا عايزين نقصله حبة من لسانه الطويل دا"
خرجت تاليا من غرفتها مسرعة وقالت بسرعة
"بيسو، حنفية حمامي مش راضية تقفل"
"بالراحة يا حبيبي بالراحة، هشوفهالك"
قال بهدوء ثم ذهب لحمام غرفتها وتبعه رياض
"تعرف سباكين؟"
سأل بسيوني
"لا"
رد رياض ببلاهة
"عندك عدة سباكة طيب؟"
"لا"
"تمام، أنا هروح اوضتي اشوف حطيت عدة السباكة فين وجاي تاني"
ذهب لغرفته وغاب لمدة ثم عاد وفي يده حقيبة بلاستيكية تحوي ادوات السباكة
"إنت تعرف تصلحها؟"
سأل رياض بتفاجوء
"بفهم شوية في السباكة، ما تقلقش لو ما عرفتش مش هفتي"
بدأ يستخدم الأدوات ورياض يراقبه بدهشة، ما الذي لا يجيد هذا الرجل فعله؟
"خلصت، ممكن نروح ناكل"
قال ثم غسل يديه
لم يخرج أمجد لتناول طعام العشاء وظن رياض أنه مستاء بسبب ما حدث مع زين لذا تجاهله، في اليوم التالي دخل غرفته ووجد حرارته مرتفعة وكان حائراً لا يعلم كيف يتصرف لذا ذهب فوراً لغرفة بسيوني وطلب مساعدته
بدأ بسيوني يقوم بعمل الكمادات وبعد فحصه قال
"دا جدري، رموش جالها جدري قبل كده؟"
سأل ورد رياض
"لا"
"يبقى أمجد يفضل معزول هنا لحد ما يخف، هديك قايمة بأدوية تجيبها، وما تقلقش أنا بعرف اتعامل مع الجدري كويس، تاليا وزين جالهم في اوقات متفاوته وكنت مسيطر على الموضوع"
طمأنه ورياض كان يومأ عدة مرات فقط
.
مضناك

في يوم وليلة

.
9. واحدة بواحدة
"بيسو، ممكن اتكلم مع أمجد لحظة؟"
سأل زين وأومأ بسيوني
"أكيد، بس ما تطولش، وما تتخانقش معاه"
نبهه واومأ زين
دخل الغرفة ثم سأله بدون مقدمات
"فين التاب بتاعك؟"
أخذ أمجد بعض الوقت لإستيعاب الموقف ثم أشار لمكتبه، أخرج زين الجهاز اللوحي من الدرج
"هحل الإمتحانات بدالك، ثينك مي ليتر"
خرج من الغرفة ولم يترك للآخر مجالاً للرد
"أنا بجد محرج جداً منك، أنا مليش فايدة في البيت دا"
كان رياض يتحدث مع بسيوني
"عيب، ما تقولش كده، مش لازم تكون بتعرف تعمل حاجة عشان يكون لك قيمة، دي نظرية رأسمالية عشان يجبروك تشتغل"
"بس إنت بتعرف تعمل كل حاجة"
إستنكر فهو شعر بأن بسيوني يقول هذا لإسكاته فقط
"مش كل حاجة، دي حاجات اتعلمتها، الحياة علمتهالي، وحظي كان حلو فيها مش أكتر"
كان يتحدث ببساطة ثم ربت على كتف رياض
"ياريت تبطل جلد ذات وتركز على الحاضر"
"بيسو بيسو"
كانت تاليا تتحدث بحماس بينما تهرول إليه
"أيوة يا حبيبي!"
رد باسماً
"عايزة أعمل سلايم"
"ماشي، نبقى ننزل نجيب حاجات السلايم"
رد وعندها هرولت تاليا عائدة لرموش
"قلتلك عادي، وافق"
"بجد!"
كانت رموش متفاجئة
"أيوة، أصل هيرفض ليه؟، اهي حاجة تسلينا في الكورنتين"
أضافت بعدها
"ما تيجي معانا واحنا بنجيب حاجات السلايم"
كانت رموش خجلة وقلقة
"لا، بلاش، أصلاً بابا مش هيوافق"
"ليه؟، استني هسأله"
سارت لرياض قبل أن تستطيع رموش ايقافها
"اونكل رياض ممكن رموش تيجي معانا واحنا بنجيب حاجات السلايم؟"
سألت بمرح
"مفيش مشكلة"
"ما تقلقش يا اونكل هاخد بالي منها"
قالت بمرح ثم عادت راكضة لرموش
"وافق"
خرجتا مع بسيوني واشترتا أغراض السلايم وبعض الحلوى وعادت تاليا ورموش سعيدتين وأخبرهما بسيونه أن سيعد الغداء أولاً ثم يفسح لهما المجال لإعداد السلايم
لذا قررت تاليا إستغلال الوقت لتصوير مقاطع تيكتوك في غرفتها بينما تراقبها رموش بنظرات مستغربة
"هو باباكي مش بيحبك؟"
سألت رموش بينما تقوم تاليا بتعديل القطع وعندها تركت هاتفها لتعطيها كل انتباهها
"إيه؟"
"باباكي بيحبك؟"
كررت سؤالها وإستغربت تاليا
"إنتي شايفة إيه؟"
"اصله لو بيحبك مش هيسيبك تتصوري على تيكتوك أو ترقصي"
"مين قال كده؟"
"عشان الراجل اللي بجد وبيكون بيحبك بيكون خايف عليكي"
"إيه علاقة الخوف بأنه يمنعني من التصوير والرقص؟"
"عشان مش حاجات كويسة"
"وإيه اللي خلاها مش كويسة؟"
"الرقص للبنت مش حاجة كويسة، الرجالة بتتلم عليها تتفرج بس عمرهم ما يتجوزوها"
"بس أنا مش عايزة اتجوز حد من الناس دي"
"اومال هتتجوزي مين؟، محدش هيقبل إن مراته كانت بترقص على التيكتوك"
"رموش إنتي مش شايفة اننا صغيرين أوي عن الكلام عن الجواز؟"
"بس سمعة البنت بتتأثر حتى لو وهي صغيرة"
"وأنا مش عايزة اتجوز حد بيجادج وعايز يقولي أعمل إيه وما اعملش إيه؟، وبابا بيحبني أوي وبيخاف عليا جداً بس الخوف ملهوش علاقة بأنه يمنعني من الرقص، عشان الرقص مش حاجة عيب"
كان حديث تاليا غريب جداً عن تربية رموش التي تربتها، وفتح لها أبواب للكثير من الأسئلة
"تيتي، أنا خلصت الأكل"
كان صوت بسيوني من خلف الباب
إبتسمت تاليا متجاهلة المحادثة السابقة
"يلا نعمل سلايم"
جلس بسيوني على أريكة غرفة الجلوس يشاهد الفتاتين تعملان معاً لصنع السلايم يعلو شفتيه إبتسامة دافئة
كان رياض يجلس على طرف الأريكة الآخر، يفكر هل يتحدث أم لا؟، وكيف يفترض به التحدث ثم حمحم وتحدث أخيراً
"عامل إيه دلوقتي؟"
التفت بسيوني إليه
"زي الفل، إنت إيه الدنيا مع الابلكيشن؟"
"كويس"
كان يبدو متوتراً لذا قال بسيوني
"لو في حاجة قولي"
"أنا آسف على كلامي اللي قبل كده، إنت معاك حق، محدش من الناس اللي خرجت في الثورة تستاهل تكون مجرد ارقام"
كان يشعر بالخزي ولا ينظر لوجه بسيوني
إقترب بسيوني منه ماحياً المسافة الكبيرة التي كانت بينهما ثم أمسك يديه
"ما تتكسفش تتعلم، اللي المفروض يتكسف هو اللي مصر على أنه صح ومش عايز يشوف وجهة نظر غير وجهة نظره"
"وأنا بعتذر جداً عن إبراهيم، أنا هبعده عنك ما تقلقش"
"رياض، إنت مش مسؤول عن تصرفات أخوك، ياريت ما تشيلش ذنب مش ذنبك"
كان يتحدث بلطف وتفهم شديدين وأكمل
"وفي الآخر دا أخوك، أقرب ليك مني، ما تخليش واحد جاي يأجر عندك تلت اوض يبوظ علاقتك بأخوك"
كان حديث بسيوني منطقياً، ففي النهاية رجل روتيني كرياض بالتأكيد سيرى علاقة العائلة مقدسة وليس كالذين يقطعون صلاتهم العائلية بسهولة
"ما تجيبش سيرة الموضوع دا تاني اوكاي؟"
قال بسيوني واومأ رياض
رغم أنه لم يكن قد قرر بعد ما سيفعله، ذهب لغرفته واتصل بشقيقه
"عقلت ولا لسه؟"
قال شقيقه بنفاذ صبر فور رده
"أنا عايزك تشيل اسم بسيوني من عندك"
"دا إنت اتجننت!"
"ياريت ما تخلنيش أضغط عليك، أنا بكلمك كأقرب أخ ليك"
"ما عشان إنت أقرب أخ ليا أنا مش مصدق الهبل اللي وصلناله، بتدافع عن ارهابي عايز يخرب البلد؟"
"بسيوني مش ارهابي"
"دا على أساس إنك تعرفه أصلاً؟"
"إبراهيم ياريت تشيل اسمه وتبعد عنه"
"ياريت تبطل جنان إنت عشان شكل قعدة البيت خلتك تتكلم زي النسوان، طب إيه رأيك بقى إني هاجي أخده عشان تفكر شوية بعيد عن تخلفه"
"اعملها واقسم بربي اخد منك لوجين وتيام"
رد عليه بإنفعال بنفس طريقته
"إنت بتتكلم بجد؟، بتهددني عشان راجل متعرفش عنه حاجة؟"
"ما إنت اللي بدأت تهديد يا إبراهيم، مش هيجرى حاجة لو شيلت اسمه، ما أعتقدش بسيوني هو اللي هيفرق في شغلك أوي كده"
"ماشي يا رياض بس من النهاردة معندكش أخوات"
قال ثم أنهى المكالمة
أخذ رياض يلتقط أنفاسه، من أين أتته الشجاعة ليقوم بكل هذا؟، هو لا يعلم، ولا يدري لما فعل كل هذا من أجل بسيوني، هو رجل لطيف جداً ولكن هل يستحق الأمر الشجار مع شقيقه من أجله؟
هذه أول مرة يتشاجر فيها مع شقيقه من أجل شخص ما، هل هذا التصرف الصحيح؟
فترة مرض أمجد كان زين يحضر دروسه وإختباراته بدلاً عنه حتى شُفي تماماُ
"الف سلامة عليك يا بطل، خلاص خفينا"
قال بسيوني باسماً
"بجد!"
سأل أمجد بشك
"أيوة، يلا أخرج اتغدى معانا، ولا حبيت القعدة لوحدك؟"
كان أمجد قد توقف عن الحديث بشكل سيئ عن بسيوني فقد كان من رعاه طيلة فترة مرضه وكان لطيفاً جداً معه وأخبره بأنه لا يهتم بما سبق وقاله وأنه يعتبره إبنه تماماً كزين
نهض أمجد وخرج من الغرفة ومر على غرفة زين فقد اراد شكره لأنه قام بحل جميع إختباراته وحصل على درجات مرتفعة، فتح باب الغرفة وقبل أن تبحث عيناه عن زين جذبه علم المثلية المعلق على الحائط، كان متفاجئاً
كان زين يرتب شعره في المرآة وعندما همَ بالخروج لاحظ أمجد
"يا كسي!"
همس كعادته وعندها إنتبه أمجد لوجوده بدوره
.
10. عادي...عادي
"دا بينك فلويد"
بررت تاليا متدخلة لتنقذ الموقف كعادتها
"إيه؟"
لم يكن أمجد يفهم
"دا شعار فرقة بينك فلويد، متعرفهاش ولا إيه؟، دول مشهورين أوي"
"معرفهمش"
رد وهي تابعت
"اصلهم قدام أوي، بس بيسو وزين بيحبوهم"
"مش هتاكلوا؟"
نادى بسيوني وهو يقترب ليرى سبب تأخرهم
"بيسو، تصدق أمجد ما يعرفش باند بينك فلويد"
"وهيعرفه إزاي مهو صغير ما يوعاش عليهم"
رد ببساطة غير متأثر بالأمر فقد كان بارعاً في التعامل مع لحظات كتلك لأن زين يأتيه بالمصائب دوماً
"يلا بقى عشان تاكلوا؟، الباند مش هتعملكم كونسرت على الحيطة يعني"
قال ليخرجوا من الغرفة والقى أمجد نظرة أخيرة على علم المثلية قبل أن يغلق زين الباب
بعد تناول الطعام بدأ بسيوني يغسل الأطباق، رن هاتفه كان زياد، كان الجميع في غرفهم وغرفة الجلوس فارغة لذا رد وشغل مكبر الصوت ليتحدث وهو يجفف الأطباق ثم يضعها في مكانها
"خير!"
"بتطمن مليش حق؟"
"إنت عارف إني ممكن أكسفك وأقول ملكش حق"
"أيوة، بس إنت مش هتعمل كده"
"مش علشانك"
"عشان إنت حنين يا حبيبي"
إبتسم بسيوني ضاحكاً
"حبك برص أنا مش حبيبك"
"مش ناوي تجيلي زيارة؟"
"لا"
رد بدون تفكير
"ليه؟، حتى أقعد مع زين شوية"
"لو عايز تقعد معاه ممكن اجيبهولك"
"أنا عايز أقعد مع زين وأبوه"
"ابوك إنت، أنا مش هجيلك"
"بسيوني، عندي مشكلة"
كان رياض
التفت بسيوني بسرعة وكاد الطبق يسقط من يده لكنه أمسك به
"خير!"
"اسمالله عليك، معلش خضيتك"
قال وقهقه بسيوني
"ما تقلقش، وريني بس المشكلة"
كانت مشكلة في التطبيق، حلها بسيوني بسهولة وشكره رياض
"أنا بقالي فترة بفكر إزاي ممكن أشكرك على كل اللي بتعمله معايا ومع عيالي، وبصراحة مش عارف ممكن أشكرك إزاي لأننا مش شبه بعض خالص، فا ممكن تقولي بتحب إيه؟"
ربت بسيوني على كتفه ضاحكاً
"شكر إيه، مفيش بيننا الحاجات دي"
"لا طبعاً إنت عملت حاجات كتيرة أوي"
"عادي، عادي"
قال ببساطة ثم نظر لساعة معصمه
"عندي شغل، هشوفك على العشا"
تذكر أنه نسي هاتفه قرب الحوض، أخذه وعاد لغرفته ليكمل عمله
"أنا في القاهرة"
قرأ زين رسالة من حساب طالب الصف الثالث الثانوي الذي اتضح أن اسمه سليمان
"مبروك!"
كان يجد رسالته غبية
"مش هتستضيفني؟"
"ليه فاكرني منى الشاذلي؟"
"مش عايز نتكلم شوية؟"
"ما احنا بنتكلم اهو"
بقدر ما كان زين فضولياً تجاه سليمان وشخصيته المتناقضة، وكأي مراهق يجذبه المتمردين والغرباء فقد كان أيضاً لا يريده أن يعتقد أنه مراهق غبي
"ما تبقاش رخم، تعالى نتقابل، نتكلم شوية، ولا بابا واقفلك بالخرزانة؟"
"أنا محدش بيقولي أعمل إيه وما أعملش إيه"
"حدد إنت المكان يا سيدي وتعالى نتقابل"
فكر زين لبعض الوقت، لقد ضجر من المنزل ومن أمجد ورياض، لربما سيضيف سليمان بعض المرح لأيامه
جهز رسالة بريد رسمية وكأنها من مدرسته ثم ارسلها لبسيوني
"عايزينا نحضر عشان في درجات على النشاط، هنعمل فيديوز توعية عن كورونا"
لم يكن بسيوني ليشك في أن زين يكذب لذا لم يراجع شيئاً، وأخبره أنه سيوصله في اليوم المحدد
مسائاً خرج بسيوني من غرفته ليعد شطيرة لأنه شعر بالجوع ووجد رياض يجلس على الأريكة بشرود
"أعملك معايا؟"
إستفاق من شروده
"إيه؟"
"ساندوتش"
رد وحرك علبتي الجبن واللحم المدخن ليريه
"لا، شكراً"
كان يبدو مهموماً لذا ترك بسيوني العلبتين وإقترب ليجلس بجواره ويسأله
"في إيه؟"
"أخويا جاله كورونا، مش عارف المفروض اتصرف إزاي"
"اهدى، راح المستشفى؟، ولا في نيرس تاخد بالها منه؟، زياد دكتور ممكن يشوفلك حد"
"المشكلة عنده عيال، قلقان عليهم، هيناموا إزاي النهاردة؟، عايز أخدهم بس دا وقت الحجر"
"هما كام سنة؟"
"سبعة وتلاتة"
همهم بسيوني ثم أخرج هاتفه واتصل بزياد
"هنروح ناخدهم دلوقتي ما تقلقش"
حادث رياض قبل أن يرد زياد عليه، طلب منه أن يأتي لأخذهم
أوصلهم زياد وخرج رياض ليحضر الطفلين وبقي زياد وبسيوني وحدهما في السيارة
"مبسوط إنك كلمتني، حتى لو كان عشان حد تاني"
قال زياد وتنهد بسيوني
"زياد ياريت تبطل، خلاص كان فيه وخلص"
"أنا آسف"
"وأنا مش قابل أسفك، خلصنا"
رد بنفاذ صبر
رأى رياض يقترب من السيارة وهو يحمل طفلة ويسير أمامه طفل آخر
"هاي يا حلوين، اسمكم إيه؟"
سأل بمرح عندما صعدا في السيارة
"تيام ولوجين"
عرف رياض بهما
كانا يبدوان سعيدان وغير متأثران بوالدهما، كانا متعلقين برياض أكثر من والدهما نفسه
"خطوة عزيزة، أعملكم حاجة تاكلوها؟"
سأل بسيوني عندما دخلوا للمنزل
"عايزة شوكليت"
قالت لوجين ورد بسيوني
"خلي الشوكليت لبكرة، بليل السوسة بتبقى صاحية وأول ما تشم ريحة السكر بتاكل السنان، إنتي عايزة سنانك تتاكل؟"
"بس اونكل رياض بيسيبني آكلها عادي"
تذمرت وهو كرر سؤاله
"عايزة سنانك تاكلها السوسة وتوجعك وتروحي تخلعيها؟"
أومأت بالسلب وتابع بسيوني
"بتحبي ساندوتش إيه؟"
بدأت تفكر ورد رياض نيابة عنها
"بتحب الجبن"
كان يبدو أن رياض يعرف اولاد شقيقه أكثر مما يعرف أولاده، جلس تيام على الأريكة وشغل التلفاز وبدأ يغير القنوات
"تيام حبيبي مفيش تلفزيون في الوقت دا"
قال بسيوني بإبتسامة متكلفة عندما لاحظ أن رياض لم يعلق، يبدو أنه يدعهم يفعلون ما يريدون بلا رقابه
"في تلفزيون عادي شغال اهو"
رد ومد بسيوني يده
"هات الريموت لو سمحت، دا وقت النوم مش وقت التلفزيون، ممكن تاكل حاجة قبل ما تنام بس"
"ملكش دعوة، إنت مين أصلاً؟"
صرخ به وعندها حذره رياض
"تيام، إحترم نفسك"
"مين دا؟"
أخذ بسيوني جهاز التحكم منه وأغلق التلفاز
"تحب تاكل حاجة قبل ما تنام؟"
سأل ثم وضع جهاز التحكم فوق المكتبة ليضمن أنه لن يصل إليه
"مش عايز حاجة"
تذمر بإنزعاج ثم سار لغرفة زين وحاول فتحها لكنها كانت مغلقة
"مش فاضية، اللي هناك دي فاضية"
وضح له رياض وأشار لغرفة أخرى
"بس أنا كنت بنام هنا"
كان يصرخ بعصبية
"ودلوقتي حد تاني نايم فيها، روح نام في الأوضة التانية"
قال وعندها سار تيام للغرفة ومع كل خطوة كان يضرب بقدمه الأرض بقوة ليصدر ضوضاء ثم صفع الباب
"أنا آسف"
قال رياض بخجل ورد بسيوني
"على إيه؟، عيال، عادي يعني"
خرج أمجد من غرفته بسبب الضوضاء وعندما رأى لوجين قال بغير تصديق
"هما هنا؟"
"أيوة، عمو عنده كورونا، هيقعدوا معانا الفترة دي"
رد رياض بهدوء
"إنت ليه بتاخد كل قراراتك لوحدك وكل شوية تدخل علينا ناس غريبة"
كان يصرخ بعصبية
"ولد، إحترم نفسك، دول ولاد عمك"
حذره رياض
"أنا مش بحبهم وإنت عارف إني مش بحبهم، دا إيه القرف دا"
تذمر ثم عاد لغرفته وصفع الباب هو الآخر
"أنا آسف"
كرر رياض إعتذاره
"نفسي تخف إعتذارات"
قال بسيوني ثم جهز شطيرة للوجين
"يلا ناكل عشان ننام؟"
قال باسماً
أومأت وبدأت تأكل وبعد أن إنتهت مدت يديها طالبة أن يحملها رياض وكاد رياض أن يفعل لكن بسيوني أوقفه
"بتعمل إيه؟"
"هشيلها للأوضة"
رد مستغرباً سؤاله
"دي تلت سنين، سيبها تعتمد على نفسها"
عبست لوجين ومدت يديها مرة أخرى وقال رياض
"هي بنت وعادي تتدلع"
"إنت كده بتخليها متعرفش تعتمد على نفسها، دا مش دلع دا تدمير لمهاراتها، ما ينفعش تشيلها على طول"
قال لأنه لاحظ أنه كان يحملها عندما صعدوا في السيارة وعندما نزلوا منها، والآن أيضاً يريد حملها، لا يدعها تحرك قدميها أبداً
"يلا يا لوجي، روحي الاوضة"
قال رياض وتذمرت لوجين
"عمو، شيلني"
"خلاص يا بسيوني المرة دي بس"
حاول محايلته لكن بسيوني رفض
"لو سمحتي إنتي كبيرة وتقدري تمشي، ياريت تروحي للأوضة"
بدأت تبكي وتضرب بقدميها الأرض
"سيبها"
قال بسيوني ثم سحب رياض من يده
"عايز أكلمك شوية"
أخذه لغرفته وبدأ يتحدث
"العيال أما بتتعود على الحاجات دي إنت بتدمر شخصياتهم، بتخليهم يكبروا ويكونوا أشخاص سيئيين لأنهم اتعودوا على كده، هما صغيرين نقدر نصحح لهم، محتاجين شوية صبر بس، شفت إزاي هما عصبيين وردات فعلهم عنيفة؟، دا بسبب الأسلوب اللي اتعودوا عليه أن أي حاجة يعوزوها ياخدوها فا بيتجننوا لو حد قالهم لا، دا مش صحي أبداً ليهم"
"أنا آسف بجد إني دخلتك في كل الحوارات دي"
"ممكن تبطل إعتذارات وتساعدني؟"
سأل وأومأ رياض بالإيجاب
مسح بسيوني على شعره وقال وهو ينظر لعينيه
"مش عايزك تحس بكل الشيم دا، كل حاجة ممكن تتصلح، ما تقلقش خالص، عادي، عادي"
أنهى جملته ضاحكاً
إبتسم رياض ضاحكاً بدوره
"ماشي"
كان بسيوني أكثر رجل جعل رياض يشعر بالحرج من نفسه ولكنه أيضاً كان أكثر رجل جعله يشعر بالإطمئنان
.
11. قال ربي يا خايبة
"حبيبي هو ليه مفيش تيتشرز؟، اتصل بيهم؟"
سأل بسيوني بعد أن ركن السيارة وأسرع زين وقال
"لا، اتس اوكاي، هروح مكان التجمع بنفسي هناك كده"
أشار لمكان عشوائي ثم نزل من السيارة ولوح لبسيوني الذي كان لديه عمل متراكم لذا ودعه وغادر
مر زين على فحص الحرارة ثم بوابة التعقيم ودخل المقهى المفتوح الذي إتفق مع سليمان على اللقاء به
بدأ يلتفت حوله باحثاً عنه ثم إستوعب لتوه أنه لا يعرف شكله فهو دائماً يغطي وجهه بالشال ويظهر عينيه فقط، يرتدي الجميع الكمامات، عليه البحث عن عينيه
"لقيتك"
همس عندما التقت عينيهما معاً ثم إقترب وسحب المقعد وجلس
"شكلك شبه صورتك على تويتر"
علق سليمان وهو يتفحص مظهر زين
"لو هنبتديها بضن هرجع بيتنا"
قهقه سليمان بخفة
"ما تبقاش قماص كده"
"بتعمل إيه في القاهرة؟"
"بعمل ورق لبابا"
أنزل الكمامة فلم يكن يحب أن يتم إجباره على شيئ
كانت بشرته خمرية داكنة، شعره باللون الأسود الداكن، وعيناه بُنيتان كالقهوة
"بتيجي القاهرة كتير؟"
"لا، ما بحبهاش، تخنق، إنت مش ناوي تيجي سينا؟"
سأل وعيناه تنظران لزين وكأنه فريسته
"لا، ما بحبهاش"
"ليه؟، دي حتى لذيذة خالص وهادية"
"مبحبش العرب"
قهقه سليمان بصخب لدرجة أن بعض الموجودين التفتوا إليه
"إنت منهم!"
"اللي هما؟"
"اللي هما إحنا مصريين إحنا فراعنة، إحنا مش عرب، ممكن تقولي إنت استفدت إيه اما يكون اجدادك فراعنة؟، ما إنت برضه نفس الشخص، إنت اللي بتعمل نفسك، مش اجدادك، ولا حتى ابوك، ممكن ابوك يكون شيخ وإنت حرامي، ممكن يكون ملك وحد يديك بالشلوت وياخد الحكم منك أو تكون حاكم جاموسة، هل شخصية والدك هي اللي هتغطي على خيبتك؟، فما بالك بناس ماتت من سنين وسنين"
"لينا أحقيه بالتواجد على البلد دي، هي بلدنا، هما بيقولوا إننا مش من جذور المصريين القدماء، دا اللي بيخلينا نقول إننا مصريين"
"ما كده كده لينا احقيه بالتواجد، اما حد يجي يقولك إمشي اديله قلمين، إنما اما نيجي نتكلم مع بعض كده أو أما حد يكتب مسلسل عربي بلاش تنطيط دا مصري مش عربي عشان دا مش هيخلي الفراعنة يدونا حظهم"
"بس إحنا مصريين"
"يا احا محنا مصريين، هو مين عايز يبقى مصري دا كسم مصر"
قال بنفاذ صبر ممزوج بسخرية
"إنت بتتكلم زي بيسو"
"مين بيسو؟"
سأل بإستغراب
"داد"
"والدك شاطر، اتعلم منه"
قال ضاحكاً ثم إستطرد
"سيبك، ممكن نتكلم عن حاجة معرفهاش خالص، كومينتي المثليين في مصر"
"ماله؟"
سأل ببلاهة
"عايز أعرف أكتر عنه"
كان يتحدث بفضول واهتمام حقيقيين
"مفيش، إحنا موجودين زي الفل"
"بتعرفوا بعض؟"
"أكيد، الكويرز بيحسوا ببعض، ودا بيجنن الستريت اما نقول مثلاً في مسلسل الكاراكتر دا جاي ويقعدوا يصوتوا ويقولوا لا بطلوا قرف انتم شايفين كله جايز، بيتش إحنا جايز بنعرف اللي شبهنا، اللي زيك مش هيشوفنا أبداً"
"والدك عارف؟"
"أيوة عادي"
رفع حاجبيه بدهشة
"واو!"
"داد أهم حد في حياتي، صحيح إحنا مختلفين في أفكارنا بس هو أكبر داعم ليا"
"مختلفين في إيه؟"
كان فضولياً تجاه الوالد الذي يعلم بأمر مثلية إبنه ويدعمه، ما الذي يمكن أن يختلف به معه؟
همهم ثم بدأ يتحدث مستجمعاً المواضيع في رأسه
"يعني موضوع كسم مصر محدش مهتم إحنا عرب ولا فراعنة، وموضوع إنه شايف أننا ككويرز مصريين الحل مش إننا نسيب البلد ونروح لبلد من بلاد الوايتس لأنه شايفهم منافقين وكدابين وبيستخدموا البينك ووشينج"
"استنى، يعني إيه بينك ووشينج؟"
أوقفه سليمان فقد كان مستغرباً من المصطلح
"يعني حد يعمل جرايم ويغطيها بأنه يقول أنا بدعم الالجيبتي كومينتي، اللي هو مجتمع المثليين والعابرين وهكذا فا الناس تنسى جرايمه وتركز في أنه داعم للكومينتي"
"يور داد ايز كول ذو، عايز أقابله"
قال باسماً ورد زين ساخراً
"ومالو"
"يعني أنا أبويا لسه من كام يوم قاتل واحد عشان يحل خناقة بين إتنين"
"إيه؟"
تفاجأ زين وشعر بأنه سمع أو فهم بشكل خاطئ
"عرب بقى دا العادي عندنا"
رفع كتفيه ببلاهة
"أنا بقرأ التويتات بتاعتك بس عمري ما فهمت طبيعة علاقتك بعيلتك"
"عادي، زي أي عيلة عادية"
"إنت بتكتب إنك عايز تقتل أخوك"
"عادي، أي حد بيجي عليه وقت عايز يقتل أخوه مش معناها إني هقتله بجد"
كان يتحدث بأكثر نبرة طبيعية
"إنت غريب، بس ميك سينس"
"إنت في سنة كام؟"
سأل وعيناه تتفحصانه
"اولى ثانوي"
كذب لأنه لم يرد أن يبدو طفلاً أمامه
"تيجي اوريك حاجة فن؟"
سأل وقلب زين عينيه بملل
"ما أعتقدش أن في عربي يعرف يبقى فن"
قهقه سليمان ثم إستقام واقفاً وسحب زين
"قوم يا عم رمسيس، هوريك حاجة"
شعر زين بالفضول لذا رافقه، لقد ضجر من المنزل، غرفته وروتينه اليومي، يريد شيئاً ممتعاً
"لوجين، لو سمحتي ما ينفعش تفضلي تهبدي في رجليكي كده، دي مش طريقة تطلبي بيها حاجة، عايزة حاجة تطلبيها بهدوء وإلا مش هنفهمك"
كان بسيوني يتحدث بهدوء مع لوجين
نظرت لوجين لرياض منتظرةً منه أن يتدخل لكنه قال
"اسمعي كلام اونكل لو سمحتي"
كان بسيوني قد أملاه كيف يتحدث
أمجد ظل غاضباً في غرفته لأنه يكره وجود لوجين وتيام، شعر بسيوني بالقلق
"رياض لو سمحت خليك مع لوجين لحد ما ابص على أمجد"
طرق الباب وسمع صراخ أمجد
"امشي"
"أنا بيسو، ممكن اتكلم معاك شوية؟"
سأل بهدوء وبعد ثواني من التفكير سمح له أمجد
دخل بسيوني وسحب كرسي المكتب ليقربه من سرير أمجد حيث يجلس، وضع المقعد ثم جلس عليه
"ممكن أفهم إنت ليه بتكره ولاد عمك؟"
سأل بهدوء
"عشان هما بجد رخمين جداً وبابا بيحبهم وبيعاملهم أحسن مننا كمان، اسأله كده أنا في سنة كام ولا هيعرف"
كان غاضباً وحزيناً
"ممكن أعرف ليه بتحس بأنه بيحبهم أكتر؟"
"مش مهتم بيا، بيهتم بيهم، بيوافقلهم على كل حاجة"
همهم بسيوني
"ما تقلقش كل دا هيتغير، بس صدقني أما أقول إن باباك بيحبك جداً، ممكن بقى تيجي تاكل عشان ما ينفعش تقعد من غير أكل؟"
وافق أمجد في النهاية وتفاجأ رياض أن بسيوني إستطاع إقناعه، فور ملاحظة تيام أن أمجد خرج من غرفته ركض إليها وأوقفه بسيوني
"رايح فين؟"
"هاخد الأوضة"
"دي اوضة أمجد مش اوضتك"
"يعني ولا دي ولا دي؟"
كان يقصد غرفة زين فقد كان يريدها
"أنا مش هاخد الاوضة الزبالة دي"
"تيام، اتكلم عدل"
صرخ رياض به وجفل تيام لأنه من النادر أن يصرخ رياض به لكنه كان قد طفح كيله من وقاحتهم مع بسيوني اللطيف
"بالراحة على الولد"
قال بسيوني بلطف ثم أضاف
"تيام، دي أوضة زين ودي اوضة أمجد، ومش من حقك تخرجهم منها لأنها خلاص اترتبت واتجهزت ليهم، بعدين إنت أكيد عندك اوضة جميلة في بيتك، تحب حد يجي يخرجك منها وياخدها هو؟"
اومأ بالسلب وعندها قال بسيوني
"تمام، اللي ما ترضهوش على نفسك ما ترضهوش على غيرك، ياريت تقعد تكمل أكلك"
عاد تيام ادراجه لمائدة الطعام في النهاية وعندها أشار بسيوني لرياض ليقف معه في الممر ليظل الأطفال في مرمى عينيهما بينما يتحدثان
"لازم تقرب من أمجد شوية"
كان يهمس
"أمجد!"
"شايف إنك مهتم بولاد أخوك أكتر، وبصراحة حتى أنا شايف دا، دا إنت معرفتش هو بيحب ياكل إيه بس عرفت هما بياكلوا إيه"
"أنا بس كنت بحاول أعوضهم عشان أمهم سابتهم، واخويا اتسحبت منه الحضانة بسبب نوباته العصبية، فا ضمنتهم أنا إنهم هيكونوا تحت رعايتي، ولإن محدش من اهل أمهم كان عايزهم وافقوا"
كان يتحدث بحزن
شابك بسيوني يديه ونظر لعينيه بشكل مباشر
"دي حاجة نبيلة جداً منك، بس ما تنساش عيالك، مش بقول إنك تبطل إهتمام بولاد أخوك بس خليك عادل عشان تخليهم يحبوا بعض بدل ما هما بيكرهوا بعض كده"
كانت لمسات بسيوني ونظراته مطمئنة دائماً، وهذه المرة جعلت رياض يشرد ويتسائل كالعادة
لما هذا الرجل بارع في كل شيئ؟
"رياض، إنت روحت فين؟"
إستفاق من شروده على صوت بسيوني وابعد يديه عنه
"أنا آسف"
"هو إنت ما بتتوبش؟، خلاص ياعم ارحمنا شوية"
قال ثم لاحظ أن تيام يزعج أمجد ويحرك ملعقته في طبقه
"تيام، ملعقتك في طبقك إنت، أنا شايفك"
قال وترك رياض وذهب ليجلس معهم على المائدة ليراقبهم
بينما رياض نظر ليديه الفارغة بعد أن كانت تحتضن يد بسيوني وشعر بالفراغ للحظات ثم ضوضاء تملأ رأسه
.
12. حبل الكدب
"هو زين فين؟"
سأل رياض بعد أن عاد بسيوني وحده
"في نشاط كده تبع مدرسته"
رد بشرود وبدأ يجهز مكونات الغداء
"هو في انهي مدرسة؟"
سأل رياض لأنه شك في الأمر
كان لرياض معارف كثيرون بحكم وظيفة شقيقه بالإضافة أن معظمهم كانوا يأتون لناديه الرياضي
راسل أحد المدرسين في مدرسة زين وسأله عن أي نشاطات تتطلب خروج الطلاب من منازلهم وهو نفى له الأمر تماماً
"بسيوني، ممكن اروح أنا أجيب زين؟"
سأل لأنه لم يرد إخباره إلا بعد التأكد من الموضوع، كما أنه أراد القيام بأي شيئ لأن بسيوني هو من يقوم بأغلب الأشياء ويشعره بالعجز
فكر بسيوني لثواني وأضاف رياض
"سيبني أعمل حاجة"
أومأ بسيوني
"ماشي يا سيدي، هبعتلك اللوكيشن"
أخرج هاتفه وأرسل له الموقع
"خلي بالك وإنت سايق"
نبهه
أخذ رياض مفاتيحه من فوق المكتبة وعندها إستغرب بسيوني
"لسه بدري قال اخده على الساعة تلاتة"
"لا مهو أنا عندي مشوار الأول"
قال وإبتسم بتكلف
"ما تقلقش"
خرج تاركاً بسيوني مستغرباً حتى لاحظ أن تيام يتسلل ليقترب من أمجد المنشغل بصنع مبنى بعيدان خشبية
"تيام، ارجع مكانك"
قال بحزم ليتأفأف تيام
"منك ونشيط كده تعالى أعمل معايا الأكل"
أشار له ليقترب منه ثم ناوله وعاء المولوخية
"قطفها، ما اعتقدش في حاجة صعبة في كده"
نظر لأمجد وتابع
"اما تخلص تعالى ساعد إنت كمان"
كانت تاليا في غرفتها أغلب الوقت تقوم بحل إختباراتها والدراسة ووقت فراغها تضع مساحيقاً وتصور مقاطع تيكتوك
رموش كانت مندهشة من أن تاليا مسموح لها بوضع المساحيق وتصوير تيكتوك، وبدأت تتسائل هل كل الفتيات هكذا أم أنها فقط تاليا ووالدها الغريب
فهي لا تعرف الإجابة لأنها بلا أصدقاء
انهت تاليا إختبارها ثم وضعت المساحيق وأوصلت هاتفها بسماعات صغيرة لكن صوتها عالي شغلت عليها أغنية savage
خرجت من الغرفة ترقص ثم تركت السماعات على الطاولة وسحبت بسيوني ليرقص معها، كان للأغنية رقصة مشهورة على تيكتوك، شعرت لوجين بالحماس وبدأت تحاول تقليدهما
I'm a savage
Classy, bougie, ratchet
Sassy, moody, nasty
Acting stupid, what's happening?
What's happening?
"اونكل بسيوني ممكن أشغل أنا حاجة؟"
سأل أمجد ورفع يديه بأدب كان بسيوني يبتسم ضاحكاً وطريقة أمجد المهذبة جعلته يبتسم أكثر
"شور"
أوصل أمجد هاتفه بالسماعة ثم شغل أغنية اخواتي قهقه بسيوني لأن تاليا لم تكن تعرف الأغنية وكانت مستغربة
أبطال الجمهورية عدوا حدود العالمية
عاملين فكرة جهمنية هنغنيلكم تحت المية
لوجين كأي طفلة كانت ترقص لأنها تحب الضوضاء وعلى عكس العادة كان أمجد وتيام منسجمين ويرقصان معاً
بدأ بسيوني يرقص مع تاليا التي بدأت تقلد حركاتهم هي الأخرى
"بس لهجتك عادية، مش زي العرب"
علق زين ورد سليمان
"عشان معظم اصحابي قهراوية وأغلب اللي بتابعهم، عادي يعني لهجة القاهرة مش صعبة"
"كويس، مش بحب لهجة العرب"
قال وعندها قهقه سليمان
"يو ار سو فاني بجد"
كانا يجلسان على مقدمة سيارة سليمان ويقومان بالتدخين، لم يقم زين بالتدخين من قبل وإعتبره تجربة جديدة كأي مراهق متهور يريد إثبات تمرده
أمسك زين يد سليمان لينظر لكفه وعندها علق سليمان ساخراً
"بتقرأ الكف؟"
"أيوة"
قال ثم تظاهر بالتركيز في تفاصيل كفه وقال
"قدامك طريق سفر"
"دا أكيد طريق الجامعة عشان ناوي أقدم في القاهرة"
أفلت زين يده وسأل مستنكراً
"اومال إيه جو بكره القاهرة وخنقة وزحمة دا؟"
"أغلب اصحابي هنا، واهو عشان اكرهها عن إقتناع وعشان أتعرف على ناس أكتر"
"وناوي تدخل إيه؟"
"زي ما تيجي، مش ناوي حاجة، اصلي مش حاسس إننا بنتعلم حاجة في المنظومه التعليمية دي بأمانه"
"يعني!"
إستفسر فقد كان يريده يتحدث بالمزيد
"يعني كل بلد بتحدد المنهج حسب مزاجها واتجاهاتها واللي مؤمنة بيه، مثلاً امريكا اللي حرفياً رمت قنبلة نووية على اليابان بيتعلموا إن عادي يعني دي حرب والقنبلة حاجة عادية وعادي نبيد الناس ودا مش ارهاب دا بغض النظر عن إبادة السكان الأصليين، بس احداث حداشر سبتمبر بيقعدوا ينوحوا عليها لحد دلوقتي بأنها ارهاب، ليه؟، عشان المواطن الأبيض"
تابع بعدها
"برضه المسلمين بيلقبوا الإحتلال بالفتح الإسلامي زي ما المواطن الأبيض ما بيلقبه استعمار، احنا جينا نعمر ونعلمكم يا شوية متخلفين، إنت مال دين امك أنا عايز أعيش في خيمة وآكل برسيم الصبح واسرح في الغيط الضهر، بعدين دلوقتي عايزيننا نحمي الكوكب وبيتهمونا بالهمجية وإننا اللي بنلوثه"
"في حاجة غبية كمان بتحصل دلوقتي إنهم مخليين الإستدامة حاجة رأسمالية، اسعار الحاجات زي اللبس اللي بيتقال عليه ثريفت، بيشتروه بملاليم أو بياخدوه من ناس مش عايزاه وينزلوه في بيدج أو موقع ويقولك بص بألف جنية عشان بنحافظ على البيئة، ولو سألت الناس دي إزاي حاجة بالسعر دا تساعد البيئة يقولك عشان مستعملة وعدد اللبس في العالم اكتر من عدد سكان العالم ما احا ما طبيعي هو الأنسان بيلبس طقم واحد؟، طبيعي يكون اكتر"
كان زين متفقاً مع حديثه
"وبيعملوا ايفينتس بيبقى اسمها استدامة، للبيئة، لحقوق العمال، أي اسم ابن زانية وتيجي تسألهم ايش ضمنك إن العمال اللي اشتغلوا على القطعة دي اخدوا حقوقهم فعلاً؟، ايش ضمنك انها ما اتعملتش في الصين أو في أي بلد بتدوس على العمال عادي والرأسماليين بيتعاملوا معاهم عشان يوفروا فلوس وفي نفس الوقت يقولك دي قوانين العمالة في البلد مش بإيدي أعمل حاجة، كلهم شوية اراجوزات بيجروا ورا الهوس الاستهلاكي عشان يبقوا مختلفين ومميزين"
إستطرد سليمان
"أنا بحب النقاش حتى لو مع حد مختلف معاه، بحب فكرة الكلام الكتير، الأسئلة اللي ملهاش نهاية، عايز أشوف جوانب كتير من كل حاجة، بس البضان إنك تلاقي ناس كتير بتخاف النقاش، بتخاف تفكر أو تسمع اسئلة لتشكك في افكارها، ما تشكك وتغير أو تقتنع، إيه المشكلة؟"
"زين"
كان رياض الذي وصل إليهما أخيراً
سقطت السيجارة من بين أصابع زين ثم نزل من فوق مقدمة السيارة، كان مستغرباً ويشعر أنه في حلم، لما رياض هنا؟
"دا والدك؟"
سأل سليمان ونزل من فوق السيارة وقبل أن يرد زين رد رياض
"أيوة"
مد سليمان يده وصافحه بحراره
"نايس تو ميت يو، زين حكالي كتير عنك، ما تقعد معانا"
"لا، يا دوب نلحق نرجع عشان معاد الحجر، فرصة تانية"
إبتسم رياض بتكلف وهو يصافحه ثم رافقه زين للسيارة
ظل الصمت سيد الموقف حتى سأل زين بصوت اشبه بالهمس بسبب قلقه
"إنت هتقول لبيسو؟"
"هو فارق معاك؟، بيسو اداك ثقته واتعامل معاك إنك راجل وهو دا اللي يلاقيه منك؟، سجاير دي ولا حاجة تانية"
كان يتحدث بإنزعاج وكأنه يوبخ أمجد إبنه
"سجاير، سجاير"
رد بسرعة
لم يفكر في تلك اللحظة أن رياض لا شأن له به، وأنه ليس والده ليحاسبه، كان فقط قلقاً لأن بسيوني سيخيب أمله به إن علم بأمر كذبه
بدأ رياض يبحث في الادراج حتى وجد علكة نعناع، مدها لزين بضيق لتغطي رائحة السجائر
"خد، أنا مش هقول لبسيوني المرة دي، بس بعد كده مشاويرك معايا أنا"
أخذ زين العلكة منه
"ليه؟، دي كدبة واحدة بس"
كان يجده قراراً ظالماً
"دي مش أول مرة تقابله، يعني مش أول كدبه"
حاول زين محايلته
"أيوة بس نفس الكدبة ما تتحسبش كدبتين"
"إنت هتستهبل؟"
رفع صوته انتفض زين بفزع
"خلاص، خلاص، ما تقولش لبيسو بس"
"مين الولد دا؟، شكله مش من سنك"
بدأ يقود السيارة
"عادي يعني، صاحبي، أكيد مصاحب ناس اصغر منك إنت كمان"
"ما تحاولش تكبر نفسك بالعافية، لو صاحبت ناس أكبر مش هتكبر، هتفضل برضه صغير"
كان يرى زين كالمراهقين الذين يصادقون أشخاصاً أكبر سناً ليشعروا أنهم بالغين
"عادي، بنتكلم ونتناقش، الموضوع مش زي ما إنت فاكر"
"بتتناقشوا في إيه؟"
سأل وعندها ندم زين على حديثه فكر بسرعة ثم قال
"الكليات وكده"
"ركز في دراستك يا حبيبي، لسه بدري على الكلام دا"
شعر رياض ببعض الأمان والراحة عندما اعاد زين للمنزل، هذا يعني بأن بسيوني ليس وحده من يقوم برعاية الأطفال فهو الآن يشاركه مما يجعل شعوره بأنه عديم الفائدة يصبح أقل
لقد تعلم منه بعض الأشياء لكن هناك أشياء به لا تتغير أبداً
"أشطر طالب في الدنيا رجع"
قال بسيوني باسماً عند رؤية زين ثم قبلَ خده كعادته
كانت القبلات والأحضان الروتينية التي يقوم بها بسيوني أكثر شيئ يدهش رياض، فهو قد تربى في بيت حازم ولم يرى والده يقوم بتقبيل والدته ولو لمرة واحدة، عندما لاحظ بسيوني أن رياض شارد بوجهه إبتسم ضاحكاً ثم سحبه وقبلَ خده هو الآخر
"شكراً إنك جبته، تعبتك معايا"
إستفاق من شروده وإبتسم بدوره
"ولا تعب ولا حاجة"
"إنت وزين اتصاحبتوا؟"
سأل بسيوني بفضول وأومأ رياض
"جداً"
.
savage

اخواتي

.
13. أعمى سايقه مجنون
"أنا شايف نعلق فرع هنا كمان"
قال تيام وأشار للزاوية، كانت فروع الزينة كثيرة، والفروع المضيئة أيضاً، تغطي سقف غرفة الجلوس
"اتمسى، اوعدك يا حبيبي في فرحك كده هنبقى نعلقلك فرع كمان"
رد رياض وكتم أمجد ضحكه
مد بسيوني يده ليستند رياض عليها وهو ينزل من فوق السلم لأنه هو من كان يقوم بالتعليق
"هو مش اونكل إبراهيم بقى كويس؟، مش هتقضوا رمضان معاه ولا إيه؟"
قال أمجد لأنه كان مازال لا يحب وجود تيام ولوجين
"أمجد، اظبط لأظبطك"
حذره رياض بحدة
"هو صحيح بابا خف؟"
سألت لوجين
"أيوة يا حبيبتي، هعزمه على الفطار بكرة"
شعر أمجد بالسعادة، هذا يعني أن إبراهيم سيأخذ ولديه ويعود بهما لمنزله، كان قد بدأ يشعر بكم أنه كان محظوظاً بزين وتاليا المهذبين والهادئين واخذ يدعوا أن يعود تيام ولوجين لمنزل عمه وأنه لن يتذمر بشأن تاليا وزين مرة أخرى
شعر بسيوني بالقلق فهو ليس مستعداً لرؤية إبراهيم والشجار معه
"بيسو، ما نسيبهم هما عيلة مع بعضهم ونفطر احنا مع زيكو"
عرض زين عليه
بقدر ما كان بسيوني لا يريد أن يكون هو وزياد في منزل واحد مرة أخرى لكن زياد أفضل من إبراهيم
"كلمه الأول شوفه يمكن عازم حد"
قال وعندها قفز زين بحماس وركض لغرفته ليتصل بزياد
"ليه مش هتفطر معانا؟"
"ما تقلقش هجهز كل الفطار قبل ما امشي"
كان يعتقد أنه يسأل من أجل الطعام
"مش قصدي، أنا بسأل ليه ما تقعدش معانا؟"
"أول يوم فطار للعيلة، عشان تاخد راحتك إنت وأخوك"
"إنت من العيلة، إنت بتتعامل مع عيالي أحسن مني"
قال وعندها قهقه بسيوني بخفة
"كفاية مجاملة، أفطروا مع بعض وخدوا راحتكم وأنا والعيال هنفطر عند زياد حتى هما عايزين يشوفوه أوي"
"هو زياد يقربلك؟"
سأل وعجز بسيوني عن الرد وعندها تدخلت تاليا لتنقذ الوضع
"زبكو صاحب بيسو من وهو صغير، ودايماً كان جزء من العيلة"
عاد زين من غرفته سعيداً
"زيكو قال معندهوش حد اهم مننا"
قال بحماس وهو يقفز من فرط سعادته
إقترب بسيوني من زين وقبلَ جبينه، كان مسروراً برؤيته سعيداً رغم قلقه من فكرة بقاءه مع زياد في نفس المكان
"عندنا رمضان كله نبقى نفطر فيه سوا"
قال بسيوني باسماً ثم تجاوز رياض ليفتح الثلاجة ويبدأ التجهيز
أراد رياض أن يشاركه بسيوني إفطار أول يوم لأن أول يوم يخص أغلى الأشخاص، العائلة، المحبين، لا قيمة لبقية الأيام حتى لو قضوها جميعها معاً
لكنه أيضاً لم يرد أن يقوم إبراهيم بالشجار مع بسيوني كما حدث من قبل، لا يستحق بسيوني شيئ كهذا بعد كل المجهود الذي بذله مع اولاده
سهر بسيوني ليقوم بتجهيز الطعام لأنه لم يكن ليذهب بأيدي فارغة لزياد، وفي نفس الوقت عليه إعداد وجبات لإفطار رياض وشقيقه وأولادهما
وسهر رياض ليلته يفكر في أنه من الظالم أن لا يقضي بسيوني أول يوم في رمضان معه، لا يعلم كيف يجد حلاً لهذه المشكلة، شقيقه هو كل ما تبقى له من عائلته بعد سفر الجميع، وبسيوني هو الرجل الوحيد الذي قدم له يد العون بكل كرم
هل هذه مشاعر إمتنان فقط؟
رياض أصبح يساعد هو الآخر في أعمال المنزل وتعليم الأطفال، لذا بسيوني لا يقوم بكل العمل وحده كما كان من قبل
"أنا مبسوط أوي هنفطر بكرة عند زيكو، يعني في أمل يرجعوا لبعض"
كان زين يراسل سليمان
"يا سلام!، دا فطار بس مش قراية فاتحة"
"دا فطار أول يوم، لأغلى الناس، يعني ممكن يفتكر أيام ما كانوا مع بعض ويرجعله"
"بس أنا مستغرب بصراحة، حد زي والدك إيه اللي ممكن يخليه يتقفل من حد كده طالما هو بيتعامل عادي حتى مع الهوموفوبيك"
"مهو دا اللي مجنني، نفسي أعرف سابوا بعض ليه"
"والدك معندهوش تويتر؟"
"لا، بابا بيتبضن من جيلنا ولأننا اللي مغطيين النت فا مش اكتيف"
"ليه كده بس؟"
"بيقول إن المراهقين متهورين ومش مسؤوليين والجيل دا خصوصاً عايز يعمل أي حاجة عشان يثبت أنه مميز ومتمرد"
"ممكن أقابله وأخليه يغير وجهة نظره"
"ومالو"
"بتكلم بجد، ما ينفعش تعزمني؟، صاحبك عادي"
"وبالنسبة لخازوق اونكل رياض؟"
"هيعمل إيه يعني؟، ولا حاجة"
كانت جملة سليمان منطقية، لن يستطيع رياض طرد سليمان، اقصى ما يمكنه فعله هو إخباره أن لا يكررها
"جبت ورا ولا إيه؟"
قرأ رسالة سليمان وعندها رد
"هظبطها"
غفى رياض لدقائق فقط ثم استيقظ على صوت طرق الباب وصوت بسيوني
"رياض، السحور"
كان يبدو مرهقاً جداً ولاحظ بسيوني الأمر وعندها وضع يده على جبينه لتفقد درجة حرارته وبدأ يسأل بقلق
"حاسس بإيه؟، بتعرف تشم؟"
قهقه رياض بخفة بسبب قلق بسيوني
"أنا كويس، معرفتش أنام بس"
تبادلا النظرات لثواني لكنها كانت طويلة بالنسبة لرياض
"لو حسيت إنك تعبان بكرة ما تصومش"
نبهه بسيوني
"وأنا هعملك بابونج"
شغل بسيوني الغلاية الكهربائية ثم لاحظ أن تيام يمد يده لطبق أمجد وعندها حذره
"تيام"
أبعد تيام يده وهو يتأفأف
"زين خلص طبقك"
نبه رياض زين الذي كان شارداً يفكر كيف سيكون الغد في منزل زياد
إبتسم بسيوني لأن رياض كان يساعده وهذا ذكره بأيام إرتباطه بزياد
بعد الطعام ناول بسيوني لرياض كوب البابونج
"أشربه كله، دا بيساعد على النوم، ولو منفعش خد من البرشام اياه، بس ما تكترش"
بينما يشرب رياض البابونج لاحظ إهتزاز ساق بسيوني وكان يبدو شارداً وعندها نبهه
"بسيوني، رجلك"
"سوري، مخدتش بالي"
إعتذر وتوقف عن هزها
ظل الصمت سيد الموقف حتى عاد بسيوني لهز ساقه دون ادراك منه وعندها سأل رياض
"إنت بتاخد ادوية للإكتئاب صح؟"
"إيه!"
إستفاق من شروده فقد كان يشعر بالقلق ويفكر في زياد
"إنت بتاخد ادوية للإكتئاب؟، أصل إبراهيم اما كان بياخدها كان بيهز رجله برضه"
وضح رياض
"يعني، مش دايماً"
رد بتوتر وتوقف عن هز ساقه
أمسك رياض يدي بسيوني ليشابكهما بيده ونظر بتركيز لعينيه
"تعرف إن في الجيم عندي مدرب يوجا؟، مكنتش مقتنع بيه في الأول"
"عارف، منا اللي عملتلك الابلكيشن"
رد ضاحكاً
"إيه رأيك تاخد كلاسز معاه؟، بتساعد على تخفيف التوتر"
همهم بسيوني
"هفكر"
خرج زين من غرفته لأنه كان سيطلب رأي بسيوني في الملابس التي سيرتديها غداً لكنه تفاجأ مما رآه، يجلس بسيوني مشابكاً يديه مع رياض ويتحدثان بينما يضحكان
تذكر حديث صديقه عن امكانية أن يحدث قصة حب بينهما وشعر بالإستياء لأنه يحب زياد ويراه أفضل من رياض
"بيسو، عايزك"
نادى ليقطع حديثهما
"حاضر يا حبيبي"
قال ثم افلت يدي رياض وإستقام واقفاً
"تصبح على خير"
ودعه بإبتسامة ثم دخل غرفة زين ليساعده في إختيار الملابس
في اليوم التالي كان بسيوني منشغلاً جداً بتجهيز الطعام بينما رياض يفكر في أن بسيوني سيغادر المنزل لأول مرة منذ أن قام بإستأجاره، لن يأكلا معاً، هذا ليس أي يوم هذا أول يوم
"زين، لبست؟"
سأل بسيوني ورد زين بحماس
"من زمان"
"هتمشي دلوقتي؟"
سأل رياض فقد كان الوقت مازال عصراً
"أيوة عشان اخوك يلحق يجي قبل الحجر"
"وهترجع إزاي في الحجر؟"
سأل ورد بسيوني ببساطة
"إنت نسيت إن زياد دكتور؟"
نظر لأمجد وتيام
"تيام ما تضايقش أمجد، ماشي؟"
أومأ تيام بالإيجاب وعندها أشار بسيوني له
"تعالى هات بوسة"
قبلَ خده ثم خد لوجين
"هتوحشوني يا عفاريت"
نزل زين وتاليا أولاً بينما بسيوني يقوم بتقبيل خد أمجد هو الآخر ثم همس له
"خليك الكبير، هما ماشيين خلاص"
أومأ أمجد وعندها قبلَ بسيوني خده مرة أخرى
"شاطر"
إعتدل واقفاً وعندها سحبه رياض وعانقه، كان شيئ لم يتوقعه بسيوني لأن رياض ليس من النوع الذي يعانق، بادله العناق وإبتسم لأنه شعر بأنه يؤثر على رياض بشكل جيد
ودعه ثم خرج تاركاً المنزل هادئاً بذهابه، جلس رياض على الأريكة وشغل صوت التلفاز الذي كان قد سبق وقام بإغلاقه، كانوا يذيعون إعلان اورنج، كان يغني حسين الجيسمي به
بنتمنى لحظة تجمعنا بحبايبنا
لا بعاد ولا غربة ولا شوق في قلوبنا، ده لقانا بمعاد
ودي سنة الحياة، نبعد نتوه ونمشي في مليون اتجاه
ودي سنة الحياة، الغالي بيفضل غالي وإنت بقلبك معاه
استقام رياض واقفاً ثم انتعل حذائه وسأل أمجد بإستغراب
"رايح فين؟"
"أمجد إنت الكبير، إنت المسؤول لحد ما ارجع"
قال ثم خرج بسرعة وركض ليقف أمام سيارة بسيوني قبل أن يبتعد
أوقف بسيوني السيارة ثم نزل بسرعة
"إنت كويس؟، حصل حاجة للعيال؟"
سأل بقلق
"ما تروحش، إفطر معايا"
كان يتحدث وأنفاسه تتلاحق بينما بسيوني لا يستوعب أن رياض فعل شيئ جنوني كهذا ليطلب منه تناول الإفطار معه
"بس أخوك"
قاطعه رياض
"أخويا مش هيجي، أصلاً ما بيحبش فكرة التجمعات ولا العيال"
كان جزء من حديثه حقيقاً، وهو أن إبراهيم عصبي جداً، يحب قضاء بعض الوقت مع الأطفال ثم بعدها يجن ويصرخ بهم، والصوم سيجعله يجن أكثر، اما عن أنه لن يأتي فهو قد قرر الإتصال به وإخباره أن هناك ظرفاً طارئاً حدث ولا يمكنه استضافته
"بيسو، في إيه؟"
نزل زين من السيارة
"اونكل رياض عايزنا نفطر معاه"
قال بسيوني وإعترض زين
"أنا عايز أفطر عند زيكو"
كان بسيوني مشوشاً ثم قرر ايصال تاليا وزين لزياد ثم العودة كي لا يحرج رياض
"هوصلهم وهرجع، ماشي؟"
قال ووجدها رياض فرصة جيدة ليستطيع محادثة شقيقه ويتفق مع الأطفال على التصرف بتهذيب
"خد بالك وإنت بتسوق"
قال بود وإبتسم بسيوني
"ما تقلقش"
صعد في السيارة وغادر وعلى الفور اتصل رياض بشقيقه ليخبره أنه الغى الإفطار لظروف خارجة عن ارادته، لم يمانع إبراهيم لكنه طلب منهم إحضار ولديه لأنه إشتاق إليهما، نبهه رياض أن يكون هادئاً وأن لا يصرخ بهما ثم أبلغ تيام ولوجين بالأمر، وشعر أمجد بالسعادة أكثر لفكرة أنهما سيغادران قبل الإفطار
أوصلهما رياض ثم ودعهما بعناق
بينما زياد تفاجأ عندما علم أن بسيوني اتى لايصال تاليا وزين فقط وحاول محايلته للبقاء لكنه اصر على الرفض ثم غادر
"هو في إيه؟"
سأل زياد زين الذي رد
"في راجل هيترو ملزق"
"مين دا؟"
سأل زياد بإستغراب ورد زين
"الراجل اللي قاعدين في بيته"
"زين، عيب، ما تتكلمش عن اونكل وبيسو كده، وزيكو لو سمحت ما تسألش عن حاجة تخص بيسو، دي خصوصية وإنت عارف إنه بيتضايق من الجو دا"
تدخلت تاليا
غير زياد الموضوع وبدأ يفتح علب الطعام
"آسف، يلا نشوف بيسو عملنا إيه"
ركن بسيوني سيارته ثم نزل منها وعندها وجد رياض يركن سيارته
"كنت فين؟"
سأل بإستغراب
"مفيش، إبراهيم طلب عياله، مقدرتش ارفض"
"اخدتلهم أكل معاك؟"
سأل ورد رياض ببلاهة
"لا"
"ليه كده يا رياض؟، عيب أوي، هيفطروا إيه واخوك معندهوش حد وما اعتقدش إنه بيعرف يطبخ"
عاتبه وكان رياض حائراً ثم رد ببلاهة
"هيطلب دليفري"
"اتصل بيه قوله هنبعتله الأكل مع مندوب وأنا هتصرف"
قال بسيوني ثم سبقه ودخل المنزل
وبالفعل طلب بسيوني مندوباً واعطاه علب طعاه واوصاه بأن يوصلها بسرعة، واعطى المندوب علبة طعام له هو الآخر
كانت طاقة بسيوني تبهر رياض دوماً، وشعر بقلقه يتلاشى والراحة تملأه لتجعله يتنفس براحة لأن بسيوني سيشاركه إفطار أول أيام رمضان
"عارف يا أمجد لو بعد العك اللي بتعمله في طبقك دا ما خلصتهوش"
حذره ورد أمجد بلا مبالاة
"هتعمل إيه يعني؟"
"احترم نفسك لألبسك الطبق في وشك"
حذره رياض
"ما تبس يا عم إنت كمان بتتعصب على الواد ليه، ما معاه حق مش هعمله حاجة"
عاتب رياض ثم نظر لأمجد ليكمل
"بس هزعل منك، يرضيك أزعل منك؟"
"آه عادي"
رد أمجد ببساطة وعندها سحب بسيوني كوب التمر من أمامه
"إفطر على البلح بقى"
كان يعلم أن أمجد يكره البلح ويحب التمر
"لا، خلاص، دنتا زعلك وحش"
مد يده محاولاً أخذ الكوب وبسيوني كان يحرك يده بإستمرار
كان رياض يراقبهما وعلى شفتيه إبتسامة، من المريح رؤية أمجد مندمجاً مع بسيوني، من المريح تخيل بسيوني كفرد من عائلته
"عمو بيسو لو سمحت ممكن ترجعله الكوباية؟"
طلبت رموش وعندها قال بسيوني
"يا سلام، عشانك بس يا عسل"
أعاد لأمجد الكوب
كان هذا ادفأ إفطار لرياض، فحتى علاقته بزوجته كانت باردة، كانت تحاول بقدر الإمكان أن ترضيه لكنه لم يكن يرضيه أي شيئ، لأنهما لم يكونا يفهمان لغة حب بعضهما
لغة حبها كانت الهدايا، الكلمات والأحضان والقبلات، بينما هو تربى في بيئة صارمة كانت لغة حبه هي المساعدة في الأعمال، هي كانت تقوم بدورها كربة منزل لكنه كان يعتبره عملها الملزمة به لذا لم يكن يشعر بأي إمتنان لها، ولكن بعد الطلاق ادرك كم أنه عمل شاق وصعب، كان يطلب العاملات للتنظيف، ويطلب الطعام الجاهز دوماً
تزوجت بعد طلاقها منه بعام، وأصبحت حياتها سعيدة جداً لكن أمجد ورموش لم يتقبلا فكرة زواج والدتهما لذا رفضا مقابلتها وإعتبراها قد تخلت عنهما، ولأن رياض ليس جيداً في دوره كأب فهو لم يحاول أبداً إعادة بناء علاقتهما بوالدتهما
بعد الإفطار ساعد الجميع في جمع الأطباق ولكن رياض فقط من ساعد بسيوني في غسل الأطباق بينما يقوم بالدندنة مع عبدالوهاب الذي أصبح تلقائياً جزء لا يتجزأ من قائمة الأشياء التي تذكر رياض ببسيوني
احب اشوفك كل يوم يرتاح فؤادي
والقلب داب من البعاد يا طول عذابي
يا سيدي شوف ذلُي اليك والامتثال
حرام عليك ارحم ودادي
.
سنة الحياة

أحب أشوفك

.
14. يا بخت من زار وخفف
"بيسو ممكن أعزم صاحبي على الفطار؟"
سأل زين ببراءة بعد أن دخل غرفة بسيوني
ابعد عينيه عن حاسوبه لينظر لزين
"أكيد يا حبيبي، بس دا مين دا؟"
"مهو هيجي وهتتعرف عليه، هيكون أحسن إنك تكلمه بدل ما أحكي عنه"
"ماشي، بس عرفني هتعزمه امته وبيحب ياكل إيه"
"ممكن بكرة؟"
"مفيش مشكلة، عدي على اونكل رياض قوله هو كمان"
شعر زين بالخطر من أن يتم استجوابه من قِبل رياض لذا قال
"قوله إنت، إنتم كبار زي بعض"
"يا سلام!، من امته الأدب دا؟"
إستغرب بسيوني
"اونكل رياض مش والدي عشان استأذن منه"
"بس إحنا في نفس البيت، لازم يعرف"
"قوله إنت"
قال ثم فر هارباً لغرفته تاركاً بسيوني مستغرباً
أنهى بسيوني عمله ثم طرق باب غرفة رياض
"اتفضل"
دخل بسيوني وإبتسم رياض عند رؤيته
"إيه الأخبار"
وضع حاسوبه جانباً ليعطيه كامل تركيزه
إبتسم بسيوني بدوره
"زي الفل، وإنت؟"
"زي الفل، تعالى أقعد"
أشار لبسيوني ليقترب ويجلس بجواره
"كنت جاي أقولك على حاجة سريعة كده وبعدين هنزل أشتري حاجات"
"خير!"
شعر رياض بالقلق
"زين عازم صاحبه على الفطار بكرة، في مشكلة؟"
"أبداً، بس تعرف صاحبه؟"
"قالي هتعرف عليه بكرة"
"مش غريبة إنك متعرفهوش؟"
"يعني إنت تعرف مين صحاب أمجد؟"
رد بسيوني وعندها قال رياض بعد أن شعر بالإهانة
"هي بقت كده؟"
قهقه بسيوني
"يا عم بهزر، يعني أنا اللي عارف صحاب زين؟، ما كلنا في الهوا سوا، واهو كويس جايبه البيت نتعرف عليه بنفسنا من غير تطبيل العيال بتاع صاحبي أخلاقه حميدة وخاتم القرآن وبيصلي بينا التراويح وبيطلع في الآخر عيل شمام"
قهقه رياض بدوره وإقتنع برده
"معاك حق"
"هيسيبك بقى لشغلك، عطلتك"
استقام بسيوني واقفاً
"ولا عطلة ولا حاجة، ابقى تعالى شقر عليا على طول"
رد وعندها إبتسم بسيوني ضاحكاً
"بكاش!"
خرج من الغرفة تاركاً رياض يشعر بأنه كان مدمناً وتم سحب المخدرات منه، لقد أدمن وجود بسيوني في حياته، لدرجة أنه يرغب بأن يعرض عليه أن يجلس معه في غرفته أثناء عمله ليسليا بعضهما لكنه شعر بالحرج
تسوق بسيوني الأغراض اللازمة للإفطار وفي اليوم التالي حضر سليمان باكراً، بعد الظهر، إستغرب بسيوني لكنه لم يعلق
"آنست وشرفت"
صافحه بسيوني بحرارة
"إنت بيسو؟"
سأل سليمان وهو يتفحصه
"أيوة"
"مين جه؟"
كان رياض الذي نظر لسليمان نظرة فاحصة
"دا صاحب زين؟"
مد سليمان يده ليصافح رياض
"إزيك يا أستاذ رياض"
صافحه رياض بتحفظ ثم نادى زين
"عايزك في حاجة"
"معلش جيت بدري بس مشواري طويل"
قال سليمان محاولاً فتح حديث مع بسيوني
"منين؟"
"سينا"
"بتهزر!"
تفاجأ بسيوني
"لا"
قال ضاحكاً
"عندك مكان تقعد فيه؟"
سأل بسيوني بإهتمام
"لا، هرجع زي ما جيت"
"في عز الليل؟، طبعاً لا، إنت تبات هنا"
قال بسيوني وعندها تدخل رياض بعد أن هرب زين منه
"وعلى إيه كل المشوار دا؟، في حجر مش هيعرف يرجع كده كده، شكله جاي على بيات من الأول"
كان ينظر لسليمان نظرات شكاكة واضحة
"احنا عرب، ما بيمشيش علينا الحجر"
"دا عندكوا، مش في القاهرة، محدش يعرفك، عموماً عندنا اوض كتير فاضيه، ولو تحب اوصلك بنفسي بكرة"
"لا، ملوش لزوم"
"بيسو هتعمل الفطار صح؟"
قال لأنه اراد الإنفراد بسليمان
"معلش بقى عارف إنه ما يصحش اسيب الضيوف بس أنا لسه ما جهزتش الفطار، بس أنا سريع، مش هغيب"
قال بحرج وإبتسامة متكلفة ثم ذهب للمطبخ وإستقام سليمان واقفاً
"ممكن أساعد"
"عيب أوي إنك تتحرك براحتك في بيت إنت ضيف فيه، أقعد"
قال رياض وعاد سليمان للجلوس ثم سأله
"هو حضرتك قارش ملحتي كده ليه؟"
"عشان مش طبيعي تشوف عيل وتصاحبه إلا لو وراك بلوة"
"بطلت الحاجات دي، الأفكار دلوقتي اللي بتفرق مش السن"
"دا اللي بيقوله العيال الصغيرة عشان يتقال عليهم أكبر بس، لو إنت عيل ذكي هتعترف إنك عيل فعلاً ومش هتحاول تكبر نفسك عافية"
رد رياض ببساطة
"بابا، ممكن أشتري لعبة جديدة؟"
سأل أمجد وهو يقترب حاملاً جهازه اللوحي، كان يقصد الألعاب الاليكترونية
"إنت مش لسه شاري واحدة قبل رمضان؟"
"اديك قلت، قبل رمضان، كل سنة وإنت طيب، مفيش لعبة رمضان؟"
إقترب ومد له الجهاز وبدأ يتوسل إليه
"بليز"
وافق رياض في النهاية وادخل بيانات بطاقته البنكية لشراء اللعبة، هتف أمجد بسعادة ثم قبلَ خد رياض وعاد لغرفته، كانت القبلات عادة حديثة إكتسبها من بسيوني
ظهر زين أخيراً ليجلس في غرفة الجلوس مع سليمان، ولم يدعهما رياض يغيبان عن ناظريه حتى إنتهى بسيوني من إعداد الطعام
"عندك كام سنة بقى؟"
سأل بسيوني وكذب سليمان
"عشرين"
إستغرب زين من كذبه بينما رياض سأله
"مش غريب تصاحب عيل في إعدادي؟"
"يا اونكل قولتلك الموضوع بالعقل مش بالسن"
تجاهل جزئية أن زين كذب عليه هو الآخر واتضح أنه في الإعدادية وليس الثانوية
"خلاص بقى يا رياض دا جايله من سينا مخصوص، شكلهم صحاب من زمان"
"سمعت عنك كتير من زين"
قال سليمان باسماً
"فعلاً!"
نظر لزين الذي تجنب أي اتصال بصري بينهما متهرباً
"قالك إيه بقى؟"
"إنك كول وشاطر في كل حاجة"
رد وقهقه بسيوني
"مش للدرجة"
"أنا جايبلك هدية صغيرة"
قال ثم فتح حقيبته متوسطة الحجم وأخرج منها شالاً
"بتهزر!، علشاني!، دا كيوت أوي"
كان بسيوني متفاجئاً وإبتسم بسعادة
"ممكن اربطهولك"
قال وتحمس بسيوني وإقترب منه ليربطه له حول رأسه
"شكله حلو أوي عليك يا بيسو"
علق سليمان باسماً بعد أن إنتهى
"اسمه اونكل يا حبيبي، دا يخلفك"
تدخل رياض فقد كان لا يطيق سليمان
"ما تبقاش رخم يا رياض، سيبه يتكلم براحته"
قال بسيوني ضاحكاً ثم عانق سليمان وقبلَ رأسه
"ميرسي على الهدية يا حبيبي"
لم يستطع سليمان الحديث براحة لأن رياض لم يتزحزح من مكانه، ووقت الإفطار سأل أمجد بإستغراب عنه وعندما قال زين أنه صديقه إستغرب أكثر لكنه كان جائعاً لذا لم يركز
"هسيبك مع صاحبك واروح أشوف شغلي، اعتبر البيت بيتك"
صافح سليمان مرة أخرى ثم ذهب لغرفته وأخذ رياض معه
"إنت بتفيلرت مع بيسو؟"
سأل زين فور دخولهما للغرفة
"نعم!، إنت عبيط؟، أنا عايز اتكلم معاه عادي بس رياض دا مشكلة"
رد سليمان
"طب تعالى لاوضتي لأحسن رياض يطب علينا تاني، يلا"
أشار له ليتبعه لغرفته
"حاسك مش بالع سليمان"
قال بسيوني ورد رياض مستنكراً
"هو طبيعي يصاحب حد في سنه؟"
"هو الجيل الجديد كده، وخلي بالك لو منعته من حاجة هيصر عليها أكتر، دا مراهق، واهو قدامنا أحسن من ورانا"
إستطرد بعدها
"بقولك إيه الجو حلو النهاردة، لو وراك شغل انصحك تخلصه في البلكونة، أنا هعمل كده"
"بجد!"
إستقام بسيوني واقفاً ثم فتح باب الشرفة ودخلها، وأشار لرياض ليتبعه
"جو لذيذ، عايزة كوباية قهوة وكنافة، بص هحطلك كنافة وهعملك قهوة"
أمسك رياض بيده ليوقفه
"خليك، هعملك أنا"
إبتسم بسيوني وقال بمرح
"يا بختي، كوتش رياض هيعملي قهوة، ابقى اسأل العيال اللي برا عايزين كنافة ولا لا"
تجاهل رياض جملته الأخيرة وأعد كوبي قهوة وطبق كنافة ثم عاد للغرفة ووضعهما على الطاولة في الشرفة
"اقعد اقعد"
اشار له بسيوني وجلس رياض
"تصدق الجو عندك في البلكونة حلو فعلاً"
علق رياض وهو يشعر بنسمات الهواء البارد تداعب وجهه، كان هناك مصباح إضاءة قوي في الشرفة يجعل الرؤية واضحة، وفرع زينة رمضان، ومجموعة اصيصات لنباتات مختلفة
"قولتلك"
قال باسماً ثم غرس الشوكة في الكنافة ومد الشوكة لفم رياض
"ما دوقتش إنت الكنافة بتاعتي، ما تقلقش مش هي اللي هتبوظ الفورمة"
إستسلم رياض أمام عيني بسيوني وفتح فمه ليتذوقها، كانت محشوة بالكريمة والكراميل وعليها طبقة ميلفيه، ورغم هذا لم تكن نسبة السكر بها كبيرة فقد شعر بأنها مناسبة جداً، فهو يكره السكريات
"إيه رأيك؟"
سأل بسيوني بفضول
"إزاي سكرها مظبوط كده؟"
سأل بدهشة ورد بسيوني باسماً لأنه كان مسروراً أنها نالت إعجابه بعد كل المجهود الذي بذله في صنعها
"عشان أنا اللي بعمل كل حاجة فيها وبظبط السكر، الكريم، والكريم كراميل، والميلفية، أنا اللي بعملهم عشان كده بتاخد وقت، بس إيه رأيك؟، مش تستاهل؟"
"إنت بتجيب كل الصبر دا منين؟"
"عادي، بحب اللي بعمله"
رد ثم إستطرد
"ممكن أشغل عبدالوهاب في الخلفية ولا الأغاني بتشتتك؟، لو لا قول عادي"
"لا، عادي، شغله"
شغل بسيوني أغنية كل دا كان ليه
كل ده كان ليه لما شفت عنيه
حن قلبي اليه وانشغلت عليه
كل ده كان ليه كان ليه
"بتتابع مسلسلات؟"
سأل بسيوني ليسفتيق رياض من شروده
"لا، يمكن آخر مرة تابعت حاجة كانت ريا وسكينة"
رد ضاحكاً ولأنه اراد الحوار أن يستمر سأل بدوره
"إنت بتتابع حاجة؟"
"أيوة، أنا وتاليا بنتابع ونسني، مسلسل فكرته لطيفة بس التنفيذ مش احسن حاجة بصراحة، بس أما تتفرج مع العيال بتضحك غصب عنك"
"دا بيحكي عن إيه؟"
"عيال عواطلية بيعملوا تطبيق اسمه ونسني، بيجوا يونسوك ويسلوك عشان الناس اللي حاسة بالوحدة أو الزهق"
"حلو دا، ممكن نبقى نتابعه سوا"
فكر بسيوني لثواني
"ممكن نشغله على الشاشة ونلم العيال ونتفرج، أما بتتفرج مع اللمة بتحس المسلسل دمه اخف"
"كويس"
حل الصمت لبعض الوقت ليصبح صوت عبدالوهاب نجم الموقف
قالي كم كلمه يشبهوا النسمه في ليالي الصيف
سابني وفي قلبي شوق بيلعب بي وفي خيالي طيف
"ممكن اسأل سؤال ممكن يبان متطفل؟"
سأل بسيوني
"أكيد"
رد رياض بسرعة فقد كان يحب أن تستمر المحادثة بينهما
"هو والدة أمجد ورموش مش موجودة في حياتهم خالص؟"
"هما كرهوها من وقت ما اتجوزت"
"عملت إيه بعد ما اتجوزت؟"
"لا، الفكرة إنهم كرهوا فكرة جوازها، هي للأمانة كانت بتحاول بس هما كانوا بيرفضوا"
"طب وإنت؟"
"أنا إيه؟"
"قلت هي كانت بتحاول، إنت ما حاولتش معاهم؟، ترجع علاقتهم بوالدتهم وتفهمهم أنه عادي تتجوز"
"بصراحة لا"
"إنت بتهزر يا رياض؟، ما ينفعش يشوفوا أمهم شريرة لمجرد إنها اتجوزت، بما إننا في رمضان دي فرصتك تحاول ترجع علاقتهم بوالدتهم"
لم يكن رياض ليرفض أي طلب لبسيوني لذا وافق وبدأ بسيوني يلقنه كيف يتحدث مع أمجد ورموش، وكيف يجيب على أي سؤال قد يطرحاه
"إيه؟"
قال زين بإستغراب بعد عودة سليمان للغرفة بسرعة، فقد أخبره بأنه يود الحديث مع بسيوني ولكنه لم يتأخر
"بيسو قاعد مع الراجل اللي مش بيطيقني"
قال سليمان وجلس وعندها إعتدل زين جالساً بتفاجوء
"اونكل رياض؟"
"أيوة، قاعدين في البلكونة، خبطت على الباب وأما ملقتش رد فتحته، لقيتهم بيتكلموا في البلكونة ومش هنا خالص فا خرجت زي ما دخلت"
نهض زين وخرج من الغرفة ثم طرق باب غرفة بسيوني وفتحه ليجدهما يتحدثان في الشرفة، إقترب ثم قال
"بيسو، عايزك"
تفاجأ بسيوني ورياض اللذان كانا مندمجان في الحديث
"ثواني وراجع"
قال لرياض ثم دخل للغرفة مع زين
"خير!، صاحبك عايز حاجة؟"
"أنا عايز أعزم زيكو على الفطار"
قال وبدأ بسيوني يفكر، لا يمكنه الرفض لأن زين متعلق بزياد، حتى لو كانت رؤيته تضغط عليه
"اوكاي، شوف اليوم اللي تحبه"
رد في النهاية ثم همَ بالعودة للشرفة وعندها أوقفه زين
"عايزك تساعدني في حاجة"
"لازم دلوقتي؟"
"أيوة"
كان يريد فصله عن رياض
"اوكاي ثواني هقول لرياض واجي"
دخل الشرفة وسأله رياض
"كله تمام؟"
"زين عايزني أساعده في حاجة، ممكن تستغل الوقت دا وتكلم أمجد، هو بيسهر هتلاقيه صاحي، ولو حسيت أنك مش عارف تتعامل كلمني، ماشي؟"
أومأ رياض بالإيجاب ولوح بسيوني له
"جود لاك"
"إنت كمان"
خرج بسيوني من الغرفة ثم بعد لحظات عاد وامسك هاتفه، كان رياض يعتقد أنه سيأخذه معه لكنه شغل أغنية لأم كلثوم
"حاجة على ذوقك اهو، روق يا عم وكلم الواد على رواقة"
خرج بسيوني وقهقه رياض، كيف يستطيع بسيوني جعل كل شيئ سهلاً هكذا؟، وكيف جعله يتغير لتلك الدرجة؟
لدرجة أنه لم يكن مسروراً بسماع أم كلثوم كما كانت عادته، كان يريد الإستماع لعبدالوهاب ولكنه لم يكن ليغير أغنية شغلها بسيوني لذا بدأ يفكر كيف سيبدأ حديثه مع أمجد وهو يستمع للأغنية
ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني
ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني
ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني
وعينيّ مجافيها النوم، النوم يا مسهرني
.
كل دا كان ليه

يا مسهرني

.
15. ارتل بالأنين اسمك
بالليل يا روحي ارتل بالأنين اسمك
وبعين خيالي اصور يا ضنين رسمك
واشوف خيالك من بين دموع العين
واقوله مالك وفين جمالك فين
كان بسيوني إستيقظ باكراً كعادته ليجهز للإفطار بينما يستمع لعبدالوهاب، وجد رياض قد إستيقظ وخرج ليتفقده وعندها سأل بسيوني بقلق
"إيه؟، قلقتك؟"
"خالص"
رد بنبرة ناعسة ثم جلس على مقعد حول طاولة المطبخ
"ممكن أساعدك بحاجة؟"
إبتسم بسيوني وسحب مقعداً وجلس هو الآخر ثم سأل بفضول
"ما قولتليش عملت إيه مع أمجد؟"
"زي الفل، عرفت أجاوب كويس على كل اسألته، إنت شاطر أوي توقعتهم كلهم"
قهقه بسيوني بخفة
"شفت بقى!، قولتلك، دلوقتي رموش أمرها سهل، كلم طليقتك وأعزمها هي وجوزها على الفطار"
"هو كل شوية عزومة؟، مش كتير عليك؟"
كان يلاحظ كم أن بسيوني يرهق نفسه في تجهيز الطعام وكان يشعر بالقلق عليه
"هو إنت اللي هتطبخ؟، إنت مالك؟، بعدين دي أم عيالك دي أهم من أي عزومة تانية"
إستقام واقفاً ليكمل تجهيز طبق البسبوسة
"صاحبك هيجي على الفطار ولا من الضهر زي الواد البارد التاني؟"
سأل وعندها أشار له بسيوني بسرعة ومال عليه
"عيب يا رياض دا ضيف"
همس ثم أضاف
"ووطي صوتك دا لسه هنا"
"هو اللي زيه بيحس؟، دا معندهوش ذوق خالص"
"لا، على فكرة كلمته إمبارح بليل وأنا بساعد زين وكان محترم جداً"
دافع بسيوني عنه فلم يكن يفهم سبب حديث رياض عنه بهذه الطريقة
"فعلاً!"
رفع حاجبيه مستنكراً
"إنت عامل عقلك بعقل عيل؟"
"أنا عامل عقلي بعقل عيل؟"
رفع صوته مستنكراً فقد شعر بالظلم من جملة بسيوني
وضع بسيوني يده على فم رياض ثم همس
"وطي صوتك، إنت ليه قارش ملحته؟، مش بالسن عادي، المهم أنه كويس"
شرد رياض لثواني في عيني بسيوني، ولأول مرة لاحظ عطره بسبب قربه منه، كان ممزوجاً برائحة الفانيلا لأنه يقوم بإعداد البسبوسة
ابعد بسيوني يده ثم لاحظ خروج سليمان وزين لغرفة الجلوس، إبتسم
"صباح الخير، قلقناكم ولا إيه؟"
"لا خالص، بس يا دوب الحق ارجع"
رد سليمان باسماً ثم إقترب ليصافح بسيوني بحرارة
"إنبسطت أوي إني اتعرفت عليك"
"وأنا كمان، ابقى كرر الزيارة"
"أكيد"
قال ثم قرب خده من فم بسيوني ليُقبله بينما رياض لم يستوعب وقاحته وإستقام واقفاً فوراً ثم سحبه بقوة إليه وصافحة ضاغطاً بيده عليه
"ابقى خد بالك من نفسك وإنت راجع وركز في دراستك يا حبيبي"
"أكيد"
رد وأفلت رياض يده في النهاية
غادر سليمان وإقترب زين من بسيوني وسأله
"عملت البسبوسة زي ما زيكو بيحبها؟"
"أكيد"
رد بسيوني ثم ربت على رأسه وقبل خده
"روح ناملك شوية، هتصحى من دلوقتي؟"
"عايز أساعدك"
كان فقط يريد إفساد أي فرصة لبقاء بسيوني ورياض وحدهما
"أنا كمان عايز أكلمك شوية"
قال رياض محادثاً زين وعندها سأل بسيوني بإستغراب
"هو في حاجة"
"حاجة بيني وبين زين"
رد رياض ثم إستقام واقفاً وشعر زين بالقلق فقد نسي أن رياض يعلم بأمر كذبه
رافقه زين لغرفته، جلس بسيوني على مقعد ثم سحب مقعد آخر وأشار لزين
"أقعد"
جلس زين وعندها قال رياض
"مش قولتلك الواد دا لا؟"
"ما بيسو إتعرف عليه وقالك إنه كويس"
برر زين وكان يتجنب النظر لوجه رياض بسبب خوفه
"ويا ترى دي هتكون نفس ردة فعل بيسو لو عرف أنه خلاك تكدب وإنك روحت تسجر معاه؟"
"سليمان كويس، هي كانت كدبة لمرة واحدة"
"أنا لو كنت قفشتك معاه وخلاص مكنتش قولت حاجة، بس سجاير لعيل في سنك!، أومال لما تدخل ثانوي هتعمل إيه؟، هتضرب كوكايين؟"
كان يشعر بقلق حقيقي عليه كما يشعر بسيوني بالقلق على أولاده، لقد جعله بسيوني يشعر أن زين وتاليا ولديه أيضاً، بسبب رؤيته لتعامله مع أمجد ورموش وكأنهما ولديه
"لا طبعاً"
دافع عن نفسه بسرعة
"وايش ضمني؟، أنا من الثقة العميا اللي كان مديهالك بيسو قلت عليك راجل كويس وعاقل، اللاقيك كداب زي العيال؟"
أضاف مستنكراً
"وهو الواد دا لو كويس هيخليك تشرب سجاير؟"
"إنت بجد تو ماتش، دي سجارة عادي، حتى بيسو لو عرف مش هيتضايق منها، هيبقى مشكلته إني كدبت بس"
"فعلاً!، نشوف دا"
قال ثم إستقام واقفاً وخرج من الغرفة وعندها تبعه زين
"بسيوني"
نادى وعندها التفت بسيوني بسرعة بقلق
"خير!"
"هو عادي زين يشرب سجاير؟"
سأل وعندها وقعت الملعقة من يد بسيوني
"إيه؟"
"كانت مرة بس"
دافع زين عن نفسه
"ودي شربتها فين؟، عند زيكو صح؟"
سأل ورد زين بسرعة
"لا"
كان خائفاً من أن يتهم زياد بالأمر ويكرهه أكثر ولكن الحقيقية ستجعله يستاء منه هو
"مش مهم شربها فين، المهم أنه شربها وقولتلك بس، عشان قالي عادي بيسو مش هيمانع"
لم يتوقع زين أن رياض سيحافظ على السر، لذا شعر ببعض الراحة
"بيسو إيه؟"
إستنكر بيسو بصوت مرتفع ثم تنهد بقلة حيلة
"زين إنت مدرك عندك كام سنة؟، أنا آه بقول مش بالسن بس إنت عارف إن في حدود، ومش مسموحلك تدخن في السن دا، إنت ليه بقيت تتصرف زي المراهقين الهبل؟"
كان مصدوماً وخائباً وحاول زين الدفاع عن نفسه
"أنا بس كنت بجرب"
"زين لو سمحت ارجع اوضتك مش عايز اكلمك دلوقتي"
قال ونظر زين لرياض ثم عاد لغرفته
جلس بسيوني على مقعد الطاولة وهو يشعر بأنه فشل في دوره كوالد
"مالك بس؟، هو آه تصرف وحش بس مش للدرجة دي؟، كانت مرة وقفشته"
جلس على المقعد المقابل له ثم مد يده ليمسك بها يد بسيوني عندما لاحظ أنه يبدو شارداً ومهموماً
"أنا أب فاشل بجد"
خرجت أفكاره من فمه وشعر رياض بساق بسيوني تهتز بسبب توتره
"إنت أب فاشل؟، أومال أنا إيه؟، دا أمجد ما شافش بربع جنية تربية إلا على ايدك"
رد بمرح محاولاً تغيير مزاجه
"أنا خايف بعد كده يدخل سكة الادمان زي المراهقين"
بدأت الأفكار السيئة تملأ عقل بسيوني بسبب قلقه
"لا طبعاً، زين متربي وعاقل، هي كانت غلطة وكان لازم أعرفك عشان تاخد بالك، بس لو كنت أعرف إن دي ردة فعلك مكنتش قولتلك"
شعر بالندم ثم مد يده ليمسح دموع بسيوني على خده
"ما تخلنيش أحس بالذنب أرجوك، مش هقولك حاجة تاني بعد كده"
مسح بسيوني دموعه بخشونة ثم إستقام واقفاً بسرعة وذهب لغرفته ليبتلع ادويته، تبعه رياض
"مفيش حاجة هتحصل، زين كويس"
أخذ يردد بهدوء
جلس بجواره على السرير ووضع يده على فخذه ليجعله يوقف هز ساقيه
"اهدى، زين زي الفل"
قرب رياض منه في نوبة قلقه جعله يدفن جسده في حضنه كما كان يفعل مع زياد من قبل، فعلها بدون تفكير، وبادله رياض العناق بدون تفكير هو الآخر ولكن بعد إستيعابه للموقف شعر بقشعريرة في جسده، كان توتراً ممزوجاً بحماس، هو من يعانق بسيوني هذه المرة للتخفيف عنه وليس العكس
غفى في حضنه ولم يرد رياض الإبتعاد عنه لذا ظل مكانه حتى إستيقظ بسيوني وبعد إستيعاب الموقف إبتعد عن حضن رياض بسرعة بإحراج
"سوري، أنا معرفش نمت إزاي"
"عادي، عادي"
قلد رد بسيوني ليتحول الإحراج لقهقهات
"أنا هروح أكلم زين"
حاول الإستقامة واقفاً لكن رياض سحبه ليوقفه
"زمانه نام، استنى اما يصحى، وأنا برضه هكلمه"
إستقام رياض واقفاً
"تصبح على خير"
سار للباب حتى أوقفه بسيوني
"رياض"
كان يشعر بأن اسمه بصوت بسيوني مميز، التفت إليه وعندها قال بسيوني مبتسماً بدفئ
"شكراً"
"على إيه؟، ولا حاجة جمب اللي بتعمله معايا"
رد ثم خرج من الغرفة وبدأ يدندن وهو يسير لغرفته
"بالليل يا روحي ارتل بالأنين اسمك"
ظل زين في غرفته ينام ويستيقظ بإستمرار رافضاً الخروج حتى إستيقظ على صوت طرق الباب، كان خجلاً ومنزعجاً لذا رد
"مش عايز أشوف حد"
"خلينا نتكلم شوية راجل راجل"
سمع صوت رياض وعندها تأفأف، نهض وفتح الباب وكان أول شيئ لفت نظر رياض هو علم المثلية، لكنه لم يعلق لأنه كان عليه التركيز فيما أتى لقوله
"زين بسيوني قلقان عليك، وإنت لسه صغير وأي حد ممكن يضحك عليك بكلمتين حرية على إنت تفكيرك ناضج والجو دا عشان يستغلك، وعيش سنك عادي ما إنت هتكبر هتروح فين يعني؟"
"إنت وعدت ما تقولش لبيسو وقولتله"
كان زين منزعجاً
"لا يا حبيبي، إنت قولتلي اصلاً بيسو مش هيفرق معاه السجاير فا قولتله بما أنه مش هيفرق معاه يعني، حصل ولا ما حصلش؟"
"واصالحه دلوقتي إزاي؟، زمانه متضايق مني جداً"
"هو متضايق عشانك مش منك، إعتذرله ومشي حالك"
أشار بعدها للعلم لأنه كان يشد إنتباهه
"هو إيه دا؟"
نظر زين حيث يشير ثم قرر إستخدام كذبة تاليا
"بينك فلويد"
"مش مهم، المهم إعتذر لبيسو وبطل جنان شوية وكله هيمشي"
ربتَ على رأسه وفي نفس اللحظة سمع صوت زياد، وعندها ترك رياض وركض لخارج الغرفة
وجد زياد يتحدث مع بسيوني فور رؤيته فتح له ذراعيه وعانقه بقوة
"وحشتني يا حبيبي"
قبلَ خده ورد زين هامساً
"عايز أكلمك في حاجة"
"شور، يلا نروح اوضتك"
قال ثم رافق زين لغرفته وفي طريقه القى التحية على رياض بدون مصافحته، ولسبب ما كان رياض لا يشعر بالراحة تجاه زياد
"عيل أوي رياض دا"
علق زياد عندما روى له زين ما حدث ثم أضاف
"بس دا ما يمنعش إنك غلطت، وخلي بالك عشان الراجل دا ما يمسكش عليك حاجة يلوي دراعك بيها"
"معملتش حاجة غير دي، صدقني"
"مصدقك يا حبيبي"
رد بحنان ثم قبلَ خده
"لو على بيسو أمره سهل ما تقلقش، ولو على رياض دا خلي بالك منه بعد كده، ولو مسكت عليه حاجة كمان يبقى بركة"
كان زياد يقصد أن يعرف عنه سراً ليريه أنه ليس وحده السيئ، ولكن زين أتت له فكرة، أراد البحث عن شيئ يجعل بسيوني يكره رياض ويجعلهم ينتقلون لمنزل آخر بعيداً عنه
"وما تكدبش تاني ماشي؟"
إستفاق من شروده واومأ بالإيجاب باسماً
"شاطر يا حبيبي، يلا بقى نعتذر لبيسو؟، يلا"
خرج معه وذهب زين بخجل لبسيوني ثم إعتذر وعندها عانقه بسيوني وقبله
"ما تقلقنيش عليك يا زين بالله عليك"
"هي مرة ومش هتتكرر"
رد ببراءة
"وأنا واثق فيك"
قال بسيوني ثم عرض عليه زياد المساعدة في إعداد الطعام وجلس زين على المقعد يراقبهما بسعادة مستذكراً الأيام التي كانا فيها معاً
.
بالليل يا روحي

.
16. الباب المسدود
كان بسيوني يخرج الصينية من من الفرن وفجأة لم يكن يستطيع السيطرة عليها وكاد يسقط معها، تدخل رياض الذي كان يقوم بتقطيع السلطة بجواره، افلت السكين بسرعة ثم أمسك الصينية بيديه العارية بينما بسيوني سقط على الأرض بسلام
"رياض، ايدك!"
صرخ بسيوني ووضع رياض الصينية في مكانها بهدوء
"عادي، عادي"
"زيكو، هات مرهم الحروق من رف الادوية في التلاجة"
قال بسيوني بسرعة وإستقام واقفاً ثم امسك يدي رياض وسحبها للحوض وشغل عليها المياة الفاترة لمدة، كان رياض هادئاً ويراقب بسيوني قلقاً من أجله
وضع بسيوني له مرهم الحروق بحرص
"خلي بالك بعد كده، ايدك بتوجعك؟"
قاطعه رياض
"عادي"
سحبه بسيوني وجعله يجلس
"لو سمحت ما تتحركش من مكانك"
اعدوا الأطباق وجلسوا حول المائدة وكان بسيوني قلقاً طيلة الوقت
"لو ايدك بتوجعك ما تمسكش المعلقة هأكلك أنا"
تفاجأ زين وحتى أمجد من الأمر، بينما رياض كان بين خيارين، الأول أن يرفض ليثبت أنه رجل قوي مستقل، والثاني أن يقبل ويعيش بعض لحظات الدلال مع بسيوني
ولأنه لا يعلم متى سيتكرر هذا العرض وافق
"زين، قوم يا حبيبي خلي اونكل رياض يقعد مكانك"
قال لأن زين كان يجلس بجواره، تأفأف وهو يتحرك من مكانه وجلس رياض وبدأ بسيوني إطعامه وكان الأطفال وزياد يركزون إنتباههم عليهما فقد كان من الغريب أن يقبل شخص كرياض بشيئ كهذا
"بيسو، عايز اتكلم معاك"
قال زين بعد أن إنتهوا من الطعام
إستغرب بسيوني لكنه تبعه لغرفته وعندها سأله زين بشكل مباشر
"إنت بتكراش على اونكل رياض؟"
"إنت عبيط؟، هكراش على هيترو ليه؟، فاكرني مراهق زيك"
لم يكن بسيوني يشعر ولو لواحد بالمئة أنه قد يدخل علاقة مع رياض، كان فقط يتعايش ويراه شخصاً مريحاً
أضاف بعدها
"بس دا مش معناه إني هرجع لزيكو، ولو سمحت خليك اد ثقتي وما تتصرفش زي العيال تاني"
اومأ زين وقبلَ بسيوني خده
"حبيبي"
خرجا من الغرفة ولاحظا أن رياض وزياد يتحدثان مع تاليا
"خير!"
"كنت بقولهم على الجرادويشن بتاعي"
ردت بمرح
"تاليا حبيبتي هتدخل ثانوي"
قال زياد ثم عانقها وقبلَ خدها، كان رياض مستغرباً من كمية الحميمية بين زياد وأولاد بسيوني
"ودا هتعمل عادي في الحجر؟"
سأل وردت تاليا
"المدرسة لاغياه، بس إتفقت مع اصحابي نعمل حفلة في بيت حد منهم"
"طب ما تجيبيهم هنا"
عرض رياض وتفاجأت تاليا ثم قالت
"بجد!، اصلها هتبقى حفلة ودوشة وكده"
"مفيش مشكلة، عادي، بس اسألي بيسو الأول"
قال وعندها نظرت لبسيوني الذي قال ضاحكاً
"دا صاحب البيت وافق، رأي إيه بقى؟"
"دا بيتك برضه"
رد وقهقه بسيوني
"بكاش"
كان زين وزياد لا يشعران بالإطمئنان لتصرفات رياض، تبادلا النظرات لثواني
"بيسو، حطلي بسبوسة"
قال زين ليفصل الجو الحميمي بينهما
"بابا، ممكن العب كورة مع صحابي؟"
سأل أمجد
"دا ملعب إيه اللي هيبقى فاتح وقت الحجر دا؟"
إستنكر رياض
"واحد من صحابي باباه صاحب الملعب"
"يعني رايحين في الخباثة وممكن تتقفشوا مخالفين قانون الحجر!"
"ما الدنيا عادي وفي ناس بتخرج"
تذمر أمجد
"لا طبعاً، دول ناس هبل، أفكرك حصل إيه اما جالي كورونا؟، ولا إنت عايز يتقبض عليك علشان كورة؟"
"هيتقبض عليه إزاي مش عمه ظابط؟"
تدخل زين فقد وجدها فرصة جيدة لتسليط الضوء على شقيق رياض
تفاجأ زياد
"إيه؟"
"دا عمه لو عرف أنه نازل يلعب كورة هيجي يدخله الحجز بنفسه"
رد رياض وتدخل بسيوني بعد أن عاد بطبق البسبوسة
"طب ما تجيبهم وتلعبوا هنا، جنينة البيت كويسة، هي آه مش كبيرة، بس إنتم مش هتلعبوا كاس السوبر يعني"
"لا طبعاً دي صغيرة جداً"
رد بإنزعاج
"بلاش كورة، في العاب كتير ممكن تتلعب في مساحات صغيرة طالما مش عاجباك الجنينة"
قال بسيوني وتذمر أمجد
"أنا عايز العب كورة"
"أمجد، عايزك ثانية"
قال بسيوني وأشار له ليتبعه لغرفته
كانت تاليا تتحدث مع رياض عن مخططاتها للحفلة بينما يبتسم رياض ويومأ لها، فقد كانت تتحدث بحيوية واُلفة كبسيوني، جعلته يشعر أنه والدها
"هجيبلك الزينة"
تدخل زياد
"ملوش داعي، أنا هجيبلها"
رد رياض
عاد زين وبسيوني وإقترب زين من تاليا وهمس في اُذنها لترافقه لغرفته
"طبعاً لا"
قالت فور عرضه لفكرة جمع زياد وبسيوني للإحتفال بعيد الأب
"ليه؟"
"الكلام دا لو هما سوا، هما سايبين بعض، مينفعش تعمل دا في بيسو، إنت عارف إنه مش هيكون مرتاح، فين الإحتفال في الموضوع؟، دا مش هيفرح حد غيرك"
"حالهم دلوقتي أحسن من السنة اللي فاتت، ما اعتقدش بيسو هيمانع"
"بيسو بيوافق بس علشانك، في كل مرة بتخلي زيكو يظهر في حياتنا إنت بتضايقه، هو عامل إعتبار إنك معتبره زي والدك التاني فا بيسكت، لكن إنك تجمعهم سوا في عيد الأب دا كتير"
كان زين يشعر بالإنزعاج
"خلاص، مش مهم"
"ممكن نعمل حفلة هنا في البيت، ونخلي رموش تشغل بيسو واونكل رياض"
كانت تتحدث حتى قاطعها زين مستنكراً
"اونكل رياض!، واونكل رياض ماله؟"
"ما أكيد هما كمان هيحتفلوا بعيد الأب، فا نعمل حفلة سوا"
كانت تتحدث بحسن نية
"يعني إنتي رافضة نجمع بسيوني بزيكو بس عايزة نعمل دا مع الراجل الهيترو؟"
كان معترضاً ومستائاً
"أيوة عادي، اونكل رياض كويس وبيسو بيرتاح معاه"
كانت تتحدث ببساطة بينما زين كان غير مقتنع ومستاء
"أنا مش موافق"
"براحتك، بس خلي بالك إنت بقالك فترة بتتصرف زي العيال اللي عايزة تكبر نفسها بالعافية"
قالت ثم خرجت من الغرفة وتركته
عادت لغرفة الجلوس لتجد أن بسيوني قد فصل شجار الزينة بقوله
"لا إنت ولا هو، دي بنتي، أنا اللي هجيب"
اصدر هاتف زياد نغمة إستلام الرسائل، كانت من زين يطلب رؤيته
"استأذنكم لحظة"
قال بإبتسامة متكلفة ثم ذهب لغرفة زين
"مالك يا حبيبي؟"
سأل بلطف وجلس بجواره على السرير
"أنا بجد متضايق من وجود اونكل رياض في حياتنا، أنا مش عايز أقعد معاه تاني"
"مش للدرجة دي، طالما بيسو مستقر دلوقتي اصبر شوية"
"زيكو هو أنا ممكن أنقل أقعد معاك؟"
"ما يصحش، هتسيب بيسو وتمشي؟"
"هو أصلاً مش بيعملي إعتبار ولا بيحبني"
"إيه كلام العيال دا بقى؟، إنت عارف كويس أنه بيحبك"
"ومقعدنا هنا ليه؟"
قال بقلة صبر وحل الصمت لثواني ثم سأله
"زيكو انتوا سبتوا بعض ليه؟"
"ما ينفعش أقولك"
"ليه؟، ليه ما ينفعش أعرف إنتم ليه قررتم تبظوا حياتي وتسيبوا بعض؟"
صرخ به
"مكنش قصدنا، حاولنا دا ما يأثرش عليك"
رد بقلة حيلة
"أخرج من هنا يا زيكو"
"زين أرجوك.."
حاول الحديث لكنه صرخ به
"اوت، اخرج برا"
"هسيبك تهدى"
قال زياد ثم خرج من الغرفة قلقاً
"بيسو، عايزك"
نادى بسيوني ودخلا الشرفة
"زين مش مستقر خالص الفترة دي"
بدأ زياد حديثه
"تعبت معاه، مهما حاولت ارضيه مش بيرضى"
رد بسيوني
"زين مش هيرتاح إلا أما تسيبوا البيت دا، مخليه عصبي جداً وغير متزن"
"أنا بحترم زين جداً ومحترم مشاعره بس ما ينفعش أمشي فجأة كده بعد ما استقرينا، كده كده إحنا أكيد هنسيب البيت دا، دا ايجار، الموضوع مسألة وقت، نفسي يصبر شوية، ومش فاهم متضايق ليه رياض بقى كويس معاه وحتى أمجد بطل يضايقه"
"الموضوع نفسي ما تقدرش تتحكم فيه"
"طب إنت عارف إن رياض مسكه بيشرب سجاير؟"
قال ومثل زياد الصدمة وقال بغير تصديق
"بجد!"
"أيوة، وقال إيه بيقول عادي بيسو مش هيمانع"
"لا طبعاً، السجاير غلط جداً عليه"
"أنا خايف معرفش اسيطر عليه ويدخل سكة الإدمان بعد كده، زين بقى غريب جداً"
كان قد بدأت هواجسه وقلقه يسيطران عليه، شعر زياد بأنه سيدخل في نوبة قلق وأمسك يديه
"اهدى، ما تقلقش، زين عاقل"
سحبه لحضنه ومسح على رأسه حتى هدأت نوبته وعندها إبتعد بسيوني بسرعة عنه
"لو عوزت حاجة كلمني"
قال قبل أن يغادر
حاول بسيوني الحديث مع زين لكنه رفض فتح الباب، حاولت تاليا لكن كانت نفس النتيجة
"كله تمام؟"
سأل رياض بسيوني الذي كان يجلس في الشرفة شارداً ثم أضاف
"أنا خبطت بس إنت ما ردتش فا قلقت"
إبتسم بسيوني بمرارة بسبب قلقه
"اقعد، اقعد"
جلس رياض ثم سأله بإهتمام
"ها!، مالك؟"
"زين قالقني، دايماً متعصب ومتضايق، مكنش كده"
رد بصراحة
"ما إنت اللي قايلي إن المراهقين طبيعي يكونوا كده"
"زين كان له حدود، كان عاقل، مكنش بيتصرف زي العيال كده"
"خلاص بقى إنت هتفضل شايله موضوع السجاير دا؟، غلطة وعدت"
"أنا خايف أوي بجد، بخاف يجراله حاجة"
كان يهز ساقه بتوتر، مد رياض يده
"هات ايدك"
ناوله يده ومسح رياض عليها بلطف
"دي أفكار في راسك بس، مش هيحصل حاجة"
تبادلا النظرات لثواني حتى قال رياض
"مش مشغل عبدالوهاب يعني؟، تلاقي دا اللي مزعلك"
أخرج هاتفه وشغل أغنية أمانة يا ليل، إبتسم بسيوني وتنهد تنهيدة طويلة يحاول بها التخلص من كل قلقه
أمانة يا ليل تقول للفجر يستنى
خليني بالوصل أفرح ليلة وأتهنى
جلسا في الشرفة يستمعان لعبدالوهاب، ورياض يشابك يده مع بسيوني الذي يغمض عينيه محاولاً أن يفكر في حل لمشكلته
في اليوم التالي ظل زين حبيس غرفته، كان بسيوني قلقاً، طرق الباب ومجدداً لم يجد رداً، حاول فتحه ووجده مفتوحاً
كانت الغرفة فارغة، تفقد الحمام والشرفة ولم يجده خرج بسرعة من الغرفة وسأل رياض
"هو زين خرج؟، شفت وين؟"
كان يتلعثم من فرط قلقه
"لا، اهدى بس، في إيه؟"
"زين مش في اوضته"
"اهدى، هبص تاني ممكن مستخبي هنا ولا هنا"
قال رياض ثم دخل الغرفة وفتشها بنفسه، لم يكن زين موجوداً حقاً
"أنا بجد أب فاشل جداً"
أخذ يردد وهو يكاد يبكي
قبض رياض على كتفيه
"بسيوني، ارجوك اهدى أنا هرجعهولك، محصلش حاجة"
ساعده ليجلس ثم التفت ونادى تاليا وأخبرها أن تبقى مع بسيوني وتهدأه، ثم أخرج هاتفه واتصل بشقيقه
"إبراهيم، عايزك في حوار"
.
نعيم الجهل

.
أمانه عليك يا ليل تقول للفجر يستنى

17. كارت أحمر
"إيه اللي حصل بقى؟"
سأل سليمان زين الذي هرب إليه
"ما بقتش مستحمل البيت، بيسو بيعاملني كأني عيل ومش بياخد بكلامي، حتى زيكو طلع زيه، مليش مكان في البيت دا"
كان يتحدث بإنزعاج شديد
"تخيل لو كنت رجعت سينا كنت هتعمل إيه؟"
سأل وعندها رد زين بدون تفكير
"كنت هروحلك"
قهقه سليمان بصوت مرتفع
"للدرجة دي منكدين عليك؟"
كان زين قد اتصل بسليمان وأخبره أنه سيترك المنزل وسأله إن كان بإمكانه استضافته، ولحسن الحظ كان سليمان في القاهرة يقوم ببعض المعاملات البنكية لوالده، وكان لعائلته منزلاً قديماً يرتاحون فيه عندما يزورون القاهرة، ارسل له سليمان موقعه وذهب زين إليه
"هات سجارة"
مد يده إليه وناوله سليمان سيجارة ثم اشعلها له
"حرام عليك زمان بيسو هيموت من القلق"
"لو كان قلقان عليا كان مشانا من البيت دا"
"هو رياض دا وحش أوي كده؟"
قال ثم وضع الغلاية على النار وجهز كوب شاي
"واللي مضايقني إن بيسو مش عايز يصالح زيكو بس بيتعامل عادي مع الراجل اللي لو عرف أنه باي هيقتله، عمله إيه زيكو عشان يتضايق أوي كده؟"
"هو برضه مش عايز يقولك؟"
"لا هو ولا زيكو عايزين يقولوا، دا معصبني، مفيش أي إحترام لمرمطتي بينهم بسبب قرارهم الزفت"
قال بغضب ونفث دخان السيجارة
"يمكن حاجة بينهم لو عرفتها هتكره حد منهم عشان كده مخبيينها"
نظر زين إليه بإستغراب
"هكره حد منهم؟، مستحيل، إنت متعرفش زيكو إستحالة يعمل حاجة وحشة"
"بص، هو الآباء المثاليين اللي زي بيسو لو فيه مشاكل بينه وبين شريكه عمره ما هيخلي ولاده يحسوا وهينهيها بصمت عشان تفضل فكرتك عنهم حلوة وكيوت"
فكر زين لثواني ولم يقتنع
"طبعاً لا، زيكو عمره ما اتخانق مع بيسو، علاقتهم دايماً كانت كويسة، وزيكو مفيش أحسن منه"
"دا اللي إنت شايفه، محدش عارف المستخبي"
قال ثم سمع صوت صفير الغلاية بسبب غليان الماء، ملأ كوب الشاي ثم وضعه أمام زين
"الشاي مع السجاير دا مزاج، يمكن يفك مخك"
"بقولك إيه ما تخلنيش امشي واسيبك إنت كمان"
كان منزعجاً من اصراره أنه مخطئ
قهقه سليمان بخفة
"وعلى إيه؟، أشرب يا سيدي بالهنا، تلاقيك في البيت متكتف ومخليينك تصوم عافية"
"لا، باكل في اوضتي عادي، بيسو الغلبان اللي طول الوقت تحت عينهم فا بيصوم"
"بجد بيسو دا انترستنج موت، نفسي افهم دماغه"
"دا تعبان في دماغه، مش فاهم هو بيتخانق أو بيسامح على أي أساس، يعني تلاقيه بيتعامل مع ناس ولاد احبة عادي، ومع ناس تانية كويسين يقول أنه مش طايقهم"
"أكيد عنده وجهة نظر، وعيب ما تتكلمش عن والدك كده"
صفع فخذه محذراً
رن هاتف سليمان، كان رقم غير مسجل، إستقام واقفاً ورد
"الو!"
"سليمان!"
كان صوت بسيوني
دخل سليمان غرفة النوم وأغلق الباب كي لا يسمعه زين
"مظبوط، بيسو؟"
"أيوة"
"خير!"
كان صوت بسيوني مقلقاً
"هو زين ما كلمكش خالص؟"
"عايز الصراحة؟"
"بليز يا سليمان لو تعرف حاجة قولي، أنا هموت من القلق"
ترجاه
"يبعد الشر عنك، ما تقلقش عليه، هو متعصب ومحتاج شوية وقت بس"
"هو معاك؟"
"اديله شوية وقت"
كرر سليمان
"أنا مقدرش ارتاح وزين برا البيت، مقدرش أنام"
كان يتحدث بنبرة مرتعشة على وشك البكاء
"أنا هكلمه، ما تقلقش"
رد سليمان محاولاً الوصول لحل وسط ثم إنقطع الإتصال
خرج من الغرفة ليتفقد زين الذي كان شارداً بينما ينظر للنافذة
"بتحب تسمع إيه بقى؟"
سأل محاولاً تغيير الجو ثم أضاف
"عايز أعرف ذوقك مميز ولا أي كلام"
بدأ زين يفكر في أغنية مناسبة مميزة ثم أخذ منه هاتفه وفتح أنغامي وشغل أغنية I Wanna Prove to You
كانت الموسيقى قديمة وكانت المرة الأولى التي يسمعها فيها سليمان
"عرفتها منين دي؟"
سأل سلمان
"زيكو"
رد باسماً
"ذوقه حلو زيكو، لازم تعرفني عليه"
قال ثم سحب زين ليشابك يده معه ويبدأ الرقص بعشوائية
Baby!
Why won't you love me?
Sugar... girl
Why won't you hug me?
I tried and I tried
All my life, all my life
To get you to see
Baby!
I guess you're just not the one for me
"زين"
قال سليمان بعد أن عادا للجلوس وحل الصمت لثواني وهمهم زين كرد
"هيحصل إيه لو بيسو قالك سبب إنفصاله عن زيكو؟"
صمت لثواني ليرتب حديثه
"هعرف إيه السبب اللي أهم من إستقرارنا، ممكن أقدر أحل المشكلة ويرجعوا لبعض"
"ولو عرفت السبب وطلع أكبر من قدرتك، لو صدمك بحاجات مكنتش عايز تعرفها أبداً عنهم؟، أو لو كان مشكلة ما تقدرش تحلها؟، هيفيد بإيه إنك تعرف؟"
"من حقي أعرف السبب اللي خلاهم يتخلوا عني"
قاطعه سليمان
"بس إنت عارف إنهم ما اتخلوش عنك، هما اتخلوا عن بعض، بس علاقتهم بيك ما اتغيرتش، ولسه بيحبوك"
"لا، دمروا استقراري، أنا كنت متطمن وهما سوا، هما بوظوا كل حاجة اما سابوا بعض"
كان زين متأثراً بشدة بإنفصالهما فقد كان مرتاحاً بوجودهما معاً
"اونكل بسيوني تلعب معايا؟"
سأل أمجد محاولاً التخفيف عن بسيوني وهو يمد جهازه اللوحي
"أنا آسف يا أمجد، مش قادر خالص"
"اونكل أنا متأكدة إن زين هيرجع"
قالت رموش ونظر بسيوني إليها بإنتباه لأنها في العادة هادئة وصامتة، لذا يعد حديثها حدثاً مهماً
"عشان حضرتك أحسن أب، مش ممكن حد يكون عنده أب زيك ويمشي ويسيبه"
كانت تتحدث بثقة جعلت بسيوني يبتسم
"شكراً يا رو"
كان اللقب الذي إختاره لها لأنه شعر بأنها لا تحب اسم رموش، وكان محقاً
"بتعرف تلعب طاولة؟"
سأل أمجد
"لا"
"هعلمك”
قال أمجد ثم سحبه لغرفته وتبعتهم رموش
"هو إيه يور فيڤورت هوبي؟"
سألت رموش بينما يخرج أمجد لعبة الطاولة
"بحب أطبخ"
"بس دي حاجة متعبة أوي"
إستغربت رموش
"بستمتع وأنا بعملها، خصوصاً للي بحبهم"
رد ثم سألها
"إنتي إيه يور فيڤورت هوبي؟"
ظلت رموش صامتة لثواني تفكر ثم مالت على اُذنه وهمست
"نفسي اتعلم الرقص"
"طب دا حلو أوي، تاليا هي كمان بتحبه، قوليلها"
قال وعندها مالت مرة أخرى على اُذنه وهمست
"بس دا عيب"
همس بدوره
"طبعاً لا، الناس بمختلف طبقاتهم وأفكارهم بيتعلموا الرقص عادي، مش عايزة ترقصي قدام حد براحتك، إنما الرقص نفسه حاجة ممتعة جداً"
"جاهز تخسر؟"
سأل أمجد بعد أن جهز اللعبة
"مهي أول مرة العبها طبيعي أخسر، إنت هتتمنظر عليا؟"
رد بسيوني مستنكراً
نقرت رموش كتفه ليلتفت إليها ثم همست في اُذنه
"أنا هساعدك يا اونكل"
بدأ أمجد يشرح اللعبة وكانت رموش تهمس له ببعض المعلومات الجانبية وساعدته في اللعب حتى ربح
"نعم!"
قال إبراهيم بضجر بعد أن حادثه رياض
"ما تبضنش بقى ما تحسسنيش إننا في تانية رابع، أنا عايز ارجع الواد بس إزاي أضمن أنه مش هيهرب تاني؟"
"كلوه علقة بنت حرام واحبسوه"
"تصدق أنا غلطان إني بسألك"
إستنكر إبراهيم رده
"خليك يخويا في مياعة التربية الحديثة اللي طلعتلنا العيال الفاسدة دي"
"زين مش غبي، ومش ساذج، بس بقى متخلف بقاله فترة، ومش فاهم ليه؟"
"أكيد متخلف من زمان مش ابوه ثوري"
قال إبراهيم ببساطة
"ممكن تشيل بسيوني من دماغك شوية؟، بعدين دا لوجين وتيام حبوه أكتر ما بيحبوني، وأكيد أخدت بالك إنهم بقوا متربيين شوية عن قبل كده"
"أنا ساعدتك تلاقي الواد بس عشان اللي عملته معايا اما جالي كورونا"
كان يحاول قطع الحديث بينه وبين رياض
"هو في بيننا الحاجات دي؟، يعني ما ساعدتنيش عشان أخوك؟"
كان يحاول استمالته ليفرغ غضبه منه
"أخويا اللي هددني ياخد ولادي مني"
"كلام انفعالي"
"لا، إنت شايف سهل تهددني عشان سهل يتاخد مني العيال، لأنهم شايفيني مجنون وخطر عليهم، مهما كان اللي بيننا ما ينفعش تهددني بعيالي لو فعلاً بتعزني"
كان لا يصدقه ولا يقبل مبرره
"أنا آسف، معاك حق دا كان تصرف عيالي وغبي"
إعتذر رياض
"مش مصدق إنك فضلت عليا واحد لسه عارفه من شهرين"
"إنت لو عرفته كويس هتحبه"
حاول محايلته
"عارفه كويس، ومش بطيق أشوف وشه"
كانت نظرته عن بسيوني محددة وصارمة
إقترب رياض منه وعانقه محاولاً فك الجو الموتر بينهما وتفاجأ إبراهيم لأنه كرياض، لم يتربيا على الحميمية، لم يقم والديهما بعناقهما ولا لمرة واحدة
حاول إبعاده
"ابعد كتك القرف"
ظل رياض متشبثاً به
"ما تبقاش قماص، هو أنا ليا حد غيرك"
"خلاص يا عم أنا مسامح، ابعد، ابعد"
قال لأن العناق كان شيئاً غريباً عليه، ابتعد رياض في النهاية ثم قال باسماً
"كنت عارف إن قلبك هيحن"
"إيه القرف دا؟، القعدة مع الراجل المتخلف دا خلتك ملزق، إنت لسه محتاج فلوس ايجاره؟، مش حولت شغلك اونلاين؟"
فكر في رد سريع
"الاونلاين مش بيكفي، منتا عارف مصاريف العيال كتير بمدارسهم واشتراكاتهم والدليفري والعمال"
"أنا شايف توظف طباخ أوفر من الدليفري دا"
"كنت بفكر في كده فعلاً"
"عندي ترشيحات، هبقى ابعتلك ارقامهم"
قال إبراهيم واومأ رياض
كانت الحقيقية أن عمله الآن يغنيه عن نقود ايجار بسيوني، لأنه وفر عليه راتب عاملة النظافة ونقود الطعام الذي يطلبه اطفاله يومياً لذا وفر الكثير من النقود، لكنه لا يريد ترك بسيوني يذهب، فقد أحب وجوده ولا يتخيل يومه بدونه
"المهم فكر معايا في حاجة معقولة إزاي نخلي الولد يرجع بإقتناع وما يهربش تاني"
"هي العلقة اللي هتربيه"
كان إبراهيم مصراً على فكرة الضرب
"بقولك معقولة"
"أنا جبتلك مكانه وعملت اللي عليا، شوف بقى عايز تطبطب عليه ولا هتعمل إيه بضان زيك، أنا ورايا شغل مش فاضيلك"
لم يحب إعتراض رياض على إقتراحه، وغادر في النهاية
قاد رياض سيارته لمنزل عائلة سليمان وهو يرتب محادثة مناسبة ثم طرق الباب وفتح له سليمان
"أنا عارف إن زين هنا"
قال ثم دخل بدون إنتظار أن يسمح له سليمان بالدخول
وجد زين يجلس على الأريكة وعبس فور رؤيته
"عايز إيه؟"
"ممكن أفهم سبب اللي عملته دا إيه؟"
سأل رياض بهدوء
"عشان أنا مش عايز أقعد في بيتك دا، وعلى فكرة بقى بسيوني بايسكشوال، بيحب الستات والرجالة، أكيد دا سبب كافي يخليك تطردنا من البيت"
تدخل سليمان بسرعة ليضع يده على فم زين، لم يكن يستوعب ما قاله
"إنت اتجننت؟"
"يعني إيه؟"
لم يكن رياض يفهم شيئاً مما قاله
حاول سليمان إنقاذ الموقف
"هو ما بيقولش حاجة مهمة، بيخرف'
دفع زين سليمان وتابع صارخاً
"زيكو دا الاكس بتاعه، كان مرتبط براجل، اكرشنا من البيت بقى وخلصنا"
حل الصمت لثواني، حتى أصبحت الثواني دقيقة ليستوعب زين ما قاله في لحظة غضب بينما رياض يحاول فهم ما قد سمعه
كان الجميع في حالة صدمة
.
I Wanna Prove to You

.
18. الحب فيه زوالي
"بايسكشوال"
كتب الكلمة بالإنجليزية في جوجل وكانت كتابته خاطئة وصححها له جوجل، ثم بدأ يقرأ
فهو لم يكن يفهم معنى أن زياد حبيبه السابق وهو ارمل، ماذا عن زوجته السابقة؟
لكنه فهم مما قرأه أن مزدوج الميول يحب الرجال والنساء على حد سواء
زياد كان حبيبه السابق!
ويبدو أن زين متعلق به جداً
بدأ يسترجع اللحظات التي رأى بها زياد وبسيوني معاً ويراها من ناحية أخرى، عاد للمنزل وعندما دخله وجد زياد موجوداً يتحدث مع تاليا
"تاليا، فين بسيوني؟"
سأل رياض متجاهلاً وجود زياد
"في اوضة أمجد"
ردت عليه وتركهما وفتح باب غرفة أمجد ودخل ليجده يلعب مع بسيوني وعندها إبتسم رغماً عنه
"بابا!"
هتفت رموش عند رؤيته
إستقام بسيوني واقفاً بسرعة وإقترب منه
"لقيته؟"
"ما تقلقش، كله تمام، بس أعتقد هيبقى أحسن لو كلمته بكرة، سيبه يهدى شوية"
"مقدرش أنام وإبني بعيد عني"
كان يبدو ضعيفاً وخائفاً
ولكن رياض كان قلقاً من أن يقول زين شيئاً يجرح بسيوني، أو أسوأ، أن يشترط عليه مغادرة المنزل، فهو لن يحتمل أن يغادر بسيوني ويتركه وحيداً
حتى بعد معرفته بأن بسيوني كان في علاقة مع رجل لم يكن يهتم، هو لا يفهم الأمر ولكن الشيئ المتأكد منه أنه لا يريد ترك بسيوني يذهب
"مش إنت مع التربية الحديثة؟، عايزني اجرجرهولك لهنا يعني؟"
كان يحاول إخباره بطريقة أخرى أنه من الأفضل ترك زين اليوم
تجمعت الدموع في عيني بسيوني ثم بدأ يفرك عينيه
"لو كنت أب كويس مكنش مشي"
"والله ابنك اللي عايز يتربى"
تمتم وتوقف بسيوني عن فرك عينيه
"بتقول إيه؟"
وضع رياض يده على مؤخرة عنق بسيوني وجذبه إليه ثم قبلَ جبينه بنعومة
"ما تقلقش، كله تمام"
"إيه الأخبار؟"
سأل زياد وهو يدخل الغرفة وعندها اسرع بسيوني وإقترب منه متلهفاً لسماع أي خبر عن زين
"حاولت تكلمه؟"
"مش بيرد، تاليا قالت ساب موبايله هنا"
"هو عند صاحبه، اديلك رقمه تكلمه؟، يمكن يسمع كلامك إنت"
قال وأخرج زياد هاتفه ونقل الرقم منه
خرج زياد من الغرفة وهو يضع الهاتف على اُذنه حتى رد سليمان عليه
"عايز أكلم زين، قوله زيكو"
كان ليرفض زين لأنه غاضب منه لكن بعد المصيبة التي قام بها كان قلقاً
"زيكو أنا عملت حاجة وحشة"
"مفيش مشكلة، تقدر ترجع البيت ومحدش هيعملك حاجة"
كان يعتقد أنه يقصد الهرب من المنزل
"زيكو أنا قلت لرياض إن بيسو باي"
"عملت إيه؟"
لم يستوعب ما سمعه
"أنا اتعصبت أما شفته، ومش طايق فكرة القعاد في بيته، فا قلتله عشان يكرشنا من البيت ونمشي"
"زين دا غلط، غلط جداً، إنت خرجت بيسو من غير ما تسأله دا أولاً، ثانياً خرجته لراجل يعرفكم كويس واخوه ظابط كمان، وبيسو أصلاً عنده ملف في أمن الدولة من قبل كده، ما فكرتش ممكن يعملوا فيه إيه؟"
"مفكرتش، كنت غبي جداً، أنا خايف أوي ومش عارف أعمل إيه"
كان يبكي أثناء حديثه
"هو عموماً بعد اللي حصل دا لازم بيسو يسيب البيت حالاً قبل ما رياض ياخد قرار في الموضوع، ممكن تكلمه وتطلب منه انكم تباتوا عندي النهاردة وفكر بقى في طريقة تعرفه بيها ليه المفروض تسيبوا البيت عشان الموضوع مش هزار"
وافق زين وناول رياض لبسيوني الهاتف وأخبره أن زين يريد الحديث معه، وكما اتفقا أخبره أنه يريد أن يبيتوا جميعاً الليلة عند زياد ووافق بسيوني
"شكراً يا زياد، مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه"
شكره بسيوني وتدخل رياض
"بسيوني، عايز اكلمك لوحدنا"
شعر زياد بالقلق
"بلاش دلوقتي ترهقه بالكلام، ممكن بعدين"
"لا، لازم دلوقتي"
اصر ووافق بسيوني ورافقه لغرفته
ظل رياض صامتاً يرتب ما يريد قوله ثم أخذ نفساً عميقاً
"ممكن تقولي لو سمعت كلامه وروحتوا لبيت زياد إيه اللي يضمن أنه ما يكررهاش تاني؟"
كان سؤالاً عجز بسيوني عن اجابته لأنه كان يفكر فقط بأنه يريد الإطمئنان على زين
"لو نفذتله اللي هو عايزه هيضغط عليك بنفس الطريقة دايماً، إنت اللي علمتني كده"
أضاف وبدأ بسيوني يفكر في كلامه
"معاك حق"
كان رياض يشعر بالخطر من فكرة مغادرة بسيوني لمنزله، لم يكن يستطيع تخيل منزله ولو ليوم واحد بدونه
حتى بعد معرفته بأمر ميوله هو لم يهتم، هو فقط يريده أن يبقى، بدأ يستجمع الأحداث وفهم أن زين يكرهه لأنه يريد أن يعود بسيوني وزياد لبعضهما، يريد أن يغادروا المنزل ويذهبوا لمنزل زياد، كما كان يكره اولاده فكرة زواج والدتهم من آخر وكانوا يريدون منها البقاء مع رياض
"سيبه يهدى والصباح رباح"
قال رياض وكان بسيوني قلقاً
"مش هعرف أنام وهو مش في حضني"
"هو كويس، مش متطمن عليه وهو عند صاحبك؟، ما تقلقش"
حايله ثم عندما وجده مازال صامتاً سحبه لحضنه
"لو على الحضن عندنا كتير"
قهقه بسيوني، فقد شعر بأن رياض بذل جهداً كبيراً معه اليوم، وجد مكان زين، وساعده في التفكير، والآن يمنحه الدعم العاطفي
"شكراً"
"بطل هبل، مفيش شكر بيننا"
دام العناق لثواني ولكنه جعل كليهما يشعران بالإطمئنان
"قول لصاحبك بقى إنك مش ماشي معاه"
قال رياض وخرج بسيوني من الغرفة ليخبر زياد
"إنت بتهزر؟، تعالى كلمه مش هتخسر حاجة"
كان زياد يحاول إقناعه بالمغادرة لأنه قلق من رياض الذي علم بأمر ميوله
"لا، لو فضلت أعمل كده في كل مرة هيعمل حاجات أكتر، زي ما عديتله السجاير قام هرب من البيت، لو عايز يكلمني يرجع هنا"
كان بسيوني مصراً فقد إقتنع بحديث رياض
"المرة دي بس وأنا هكلمه بنفسي"
واصل زياد محاولاته
"لا، المرة دي هرب من البيت، المرة الجاية هيعمل إيه تاني؟"
"بيسو عنده حق"
وافقته تاليا
"روح إنت وكلمه وعرفه إنه يبطل حركات العيال دي"
لم يكن زياد ليخبر تاليا بما فعله زين لأنها ستخبر بسيوني فوراً، وفي النهاية فشلت كل محاولاته بإقناعهمت بالمغادرة وبقيت تاليا مع بسيوني
تابع رياض بحثه عن مزدوجي الميول وهو يفكر أكثر، في بيئته لم يفكر يوماً بوجود شيئ كهذا، كيف يعقل لشخص أن يحب الجنسين على حد سواء؟
إذاً زياد وبسيوني حبيبان سابقان!، كيف لرجلان أن يرتبطا في مكان كمصر؟، كيف لم يلاحظ أي أحد هذا؟، وكيف لم يلاحظ هو؟
كان يعتقد أنه من المستحيل وجود أشخاص كهؤلاء، هو حتى لم يتخيل وجودهم
زياد حبيب بسيوني السابق!، إذاً كان يقوم بتقبيله
كيف يكون شعور تقبيل رجل؟
كيف يكون شعور تقبيل بسيوني؟
أغلق حاسوبه وطرق باب غرفة بسيوني ليتفقده، فتحه ووجده يجلس في الشرفة شارداً، مهموماً، إقترب منه
"سرحان في إيه؟"
إستفاق من شروده ونظر لرياض
"إيه رأيك؟"
سحب رياض المقعد وجلس
"زين كويس، وعارف مكانه كمان، قلقان من إيه تاني؟"
تنهد بسيوني وبدأ يتحدث عما يدور في عقله محاولاً إفراغه
"حاولت بكل جهدي أكون أب كويس، حاولت أتعلم كل حاجة عن التربية، بس في الآخر دا حصل!، أنا خايف جداً على زين، لو في السن دا وبيتصرف كده هيعمل إيه تاني في الأيام الجاية؟"
"بس دا ملهوش علاقة بيك، كل طفل له شخصية، مش معناها إنك السبب"
"مش عارف أعمل إيه، أنا خايف وتعبت"
قال بقلة حيلة
"بيسو"
دخلت تاليا الشرفة وكانت مرتبكة بعد أن أخبرها زياد بما حدث في سبيل إنقاذ بسيوني من رياض وشقيقه، ويمكنهم توبيخ زين لاحقاً على فعلته
"أيوة يا حبيبي!"
"ما نروح لزين ونشوفه"
عرضت عليه وهو إستغرب
"مش كنا خلصنا الموضوع دا؟"
"مهو أنا فكرت وشايفة ما ينفعش يبقى عند زياد وطالبنا ونسيبه لوحده"
"زين لو نفذ اللي في دماغه هيعمل مصايب أكتر"
"تاليا حبيبتي ما تقلقيش، زين اما يلاقي الضغط على بسيوني مش جايب نتيجة هيرجع البيت"
كان يتحدث ببساطة ولطف، ورغم أنها تصفه بالرجل الجيد فقد كانت تخشى على بسيوني منه، ففي النهاية هو رجل شرقي وشقيقه ضابط
أشار لتاليا لتقترب ثم عانقها وقبلَ جبينها بحنان
"ما تقلقيش"
لقد تغير رياض كثيراً منذ أن دخل بسيوني حياته، ولكن هل هذا يعني أنه لن يهتم بكونه مزدوج الميول؟
"اونكل، عايزة اتكلم معاك"
قررت تاليا أن لا تراهن وأن تتحدث بشكل مباشر مع رياض
"أكيد"
قال ثم رافقها لخارج الغرفة
"أنا عارفة اللي زين قاله لحضرتك، وعايزة منك ريأكشن، ممكن تقول لبيسو انك مش محتاج الإيجار ونمشي وخلاص، بس ما تقولهوش إنك عرفت"
"ليه؟"
لم يكن يفهم رياض سبب أن الجميع فجأة يريدون فصله عن بسيوني
"عشان ما ينفعش تعرف حاجة زي دي إلا لو هو اللي قالها، مكنش ينفع أبداً اللي عمله زين، ومن فضلك افتكر كل حاجة كويسة لبيسو وما تأذهوش"
"ياه هو أنا وحش أوي كده؟"
سأل بإستغراب
"مش قصدي، ردة فعلك دي حاجة تخصك، متأثرة بالمجتمع والنشأة، مليش اني اجادج، بس أنا بترجاك ما تأذيش بيسو"
ظل صامتاً لثواني يفكر في حديثها ثم حديث زياد ثم رد
"أنا أكيد مش هأذي بيسو"
وقبل أن تتحدث تاليا بشيئ تابع
"بس برضه مش هسيبكم تمشوا"
"ليه حضرتك؟"
"أنا حابب وجودكم معايا، إحنا بقينا عيلة"
"يعني مش متضايق من اللي عرفته عن بيسو؟"
"هو المفروض اتضايق؟"
كانت الحقيقة أنه لا يعرف ما ردة الفعل المناسبة التي يفترض به القيام بها في هذا الموقف لأنه شيئ لم يكن ليتوقعه
"لا، بس في ناس بتضايق حسبتك منهم"
قالت ببلاهة، هي تعلم أن رياض لطيف ويغير الكثير من الأشياء في حياته من أجل بسيوني ولكنها لم تتخيله لتلك الدرجة
"أنا مش زي حد، ويلا ما تسهريش عشان لسه هنصحيكي على السحور"
نبهها ثم عانقته تاليا وقهقه وبادلها العناق
"تصبحي على خير"
عاد لبسيوني الذي كان شغل أغنية سهرت منه الليالي لعبدالوهاب
"كله تمام؟"
سأل بسيوني عندما لاحظ عودته
"زي الفل، تعرف أنا عارف الأغنية دي خصوصاً"
رفع بسيوني حاجبيه بتعجب
"اشمعنا؟"
"طليقتي كانت بتحبها"
"طليقتك كانت بتحب عبدالوهاب وإنت متعرفهوش؟"
"مكانتش بتحبه، كانت بتسمع الأغنية دي بس، يعني كل مغني له أغنية أو أغنيتين بتحبهم، عادي"
بدأ يدندن مع الأغنية
سهرتُ منه الليالي، مال الغرام ومالي
إن صد عني حبيبي، فلستُ عن بسالي
يطوف بالحب قلبي، فراشة لا تبالي
"دنتا حافظها بجد!"
كان بسيوني متفاجئاً
"بقولك طليقتي كانت بتشغلها كتير"
"شكلها كانت بتحبك أوي"
"طليقتي كانت بتحب الحب، مفهمتش دا إلا من فترة قريبة، كان نفسها تعيش قصة حب بأي طريقة، حتى لو اتجوزت صالونات، وكانت بتبذل كل المجهود لوحدها عشان كده جوازنا فشل"
كان بسيوني متفاجئاً أن رياض يعترف بأنه المخطئ فمن النادر أن يعترف رجل بأنه هو سبب الإنفصال
نظر رياض لوجه بسيوني بشكل مباشر
"اتعلمت حاجات كتير منك"
"أنا!، الله يسترك"
قال وهو يبتسم ضاحكاً
قهقه رياض على رده بينما بسيوني إستطرد
"على سيرة طليقتك هتعزمها امته؟"
"إيه رأيك؟"
"دا بيتك على فكرة"
إستنكر كونه يسأله ثم أضاف
"ولا هتطرأنا يومها عشان ما يبقاش فيه أغراب؟"
كان يسأل مازحاً لكن رياض رد بسرعة
"لا طبعاً أغراب إيه؟، إنت صاحب بيت"
"عارف يا رياض، إنت جدع أوي"
مد يده وربت على يد رياض ثم تابع
"يعني شغلك بقى اونلاين والمشكلة اتحلت بس لسه ما كرشتناش من البيت، جدع والله"
"هو إنت عايز تمشي؟"
سأل رياض بقلق
"مسيري امشي، دا ايجار وانا بتنقل كتير، أكيد مش هلاقي زي بيتك بسعره دا تاني بس همشي حالي"
"ليه عايز تمشي؟"
إستغرب بسيوني من سؤاله
"مهو دا ايجار، ما ينفعش أفضل مشاركك البيت"
"حد اشتكالك؟"
"لا، بس الحدق يفهم"
"مفيش حاجة من دي، العيال اخدوا عليك، حتى ولاد إبراهيم اخدوا عليك، خليك للمدة اللي تحبها، حتى لو كان على طول"
قهقه بسيوني لأنه كان يعتقد أن رياض يمزح لكن عندما وجده لا يقهقه ولا يبتسم حتى وتعبيرات وجهه جادة ممزوجة بترجي شعر بالقلق
"إنت بتتكلم بجد؟"
"إنت كاره البيت؟"
"لا، خالص، دا أحسن بيت أجرته، أصلاً الايجار كله زي الزفت واسعار زبالة، أنا على طول بنقل من بيت للتاني، وعشان أب عازب بقابل ناس بضان كتير"
"أومال عايز تمشي ليه؟"
شعر بسيوني بالتوتر من نظرات رياض، شعر وكأنه طفل يتشبث بجدته ويمنعها من مغادرة المنزل وعندها رد
"خلاص، مش ماشي ولا حاجة، ادينا قاعدين اهو"
"بيسو"
كان أمجد وكانت أول مرة ينادي بسيوني بلقبه لذا شعر بسيوني بالسعادة
"إيه يا حبيب بيسو؟"
رد باسماً
"مش إنت زعلان عشان عايز تنام وحد في حضنك؟، أنا هضحي وأوافق"
كان يقصد حديث بسيوني عن أنه لا يمكنه النوم إلا وزين في حضنه
"يا سلام!، دا بجد؟"
قال ضاحكاً
"أيوة، وخلي بالك هي مرة، ما تاخدش على كده"
قال بغرور جاعلاً بسيوني يقهقه أكثر ثم سحبه لحضنه وقبلَ خده مرتين
"يا سلام!، دا يوم الهنا"
كان رياض يراقب بسيوني وهو يحاصر أمجد في حضنه ويوزع قبلاته على وجهه بإبتسامة تعلو شفتيه، وبدأ يفكر، كيف هو شعور أن تتلقى القبلات من بسيوني؟
آه، الحب، الحب فيه بقائي
آه، الحب، الحب فيه زوالي
قلب بغير غرام، جسد من الروح خالي
.

.
سهرت منه الليالي

.
19. في يوم وليلة
أحب عينك لما تراعيني
وأحب صوتك لما يناجيني
واحمل جمايلك ما بين عيوني
وبرضه اقولك بحب نفسي
إستيقظ على صوت عبدالوهاب وأمجد ينام بين أحضانه، قبلَ جبينه ثم إبتعد عنه بحذر وخرج من الغرفة ووجد رياض يجلس شارداً في غرفة الجلوس
"إيه اللي مصحيك دلوقتي؟"
سأل بنبرة ناعسة ثم إقترب ليجلس بجواره وكان شبه نائم لذا أسنده رياض ليساعده في الجلوس
"قلقان"
رد بصراحة
"ما تقلقش هرفع راسك في العزومة وهعمل أكل محصلش"
كان قد إتفق مع أمجد أن يدعو والدته وزوجها اليوم
إبتسم رياض ضاحكاً
"مش قلقان من الأكل، قلقان مني أنا، خايف أعمل حاجة غبية"
"عادي، عادي، جل من لا يسهو، ما تحبكهاش، كمان هبقى معاك وكله هيبقى تمام"
قال بثقة ثم تثائب
"أستأذنك هقوم ابدأ تجهيز عشان افضى لشغلي"
سار للثلاجة وفتحها ليبدأ التحضير بينما يراقبه رياض
بسيوني كان مرتبطاً بزياد
بسيوني كان مرتبطاً بزياد
بسيوني كان مرتبطاً بزياد
كانت الجملة لا تتوقف عن التراقص في رأسه
كيف هو شعور أن تكون محبوباً من قِبل بسيوني؟
هو يعامل الجميع بلطف وصبر
ماذا عن من يحبه بطريقة خاصة؟
كيف يعامله؟
كيف يشعر؟
ولما باله منشغل به؟
"ما تنام بدل ما إنت قاعد سهتان كده"
قال بسيوني ليستفيق رياض من شروده
"إيه!"
"بقولك نام، إنت مش هنا أصلاً"
حدق به لثواني ثم إقترب منه ثم مد يده ووضعها على جبينه متفقداً درجة حرارته ثم تنهد براحة
"مش سخن، طب بتشم طيب؟"
كان بسيوني يعتقد أنه اصيب بالكورونا مرة أخرى
"أنا كويس"
رد رياض وابعد بسيوني يده
"خلاص يبقى روح نام بدل ما إنت عامل فيها زومبي كده، قلقتني"
ذهب رياض لغرفته وحاول النوم لكنه كان يتقلب في سريره بلا فائدة، وفي النهاية ابتلع حبوبه المنومة ليستطيع النوم
كان بال بسيوني مشغولاً بزين طيلة الوقت، واتصل بزياد ليتفقده
"زين عامل إيه دلوقتي؟"
"كويس"
"وناوي يرجع البيت امته؟"
"هو واخد على خاطره منك، ما تيجي تراضيه"
"واخد إيه؟، هو أنا اللي سبت البيت وهربت؟"
رفع صوته وفجأة وجد تاليا تمد له يدها، تفاجأ وكاد يسقط على الأرض
"في إيه يا حبيبتي قطعتي خلفي؟"
"هات الموبايل"
قالت وناولها الهاتف وعندها ابتعدت عنه وذهبت لغرفتها بينما هو يلتقط أنفاسه بسبب تفاجؤه بظهور تاليا
بعد دقائق عادت بالهاتف وقالت
"زين هيفطر معانا النهاردة"
"كتر خيره"
رد بسيوني بضجر فقد كان مستائاً من أن زين تركه بكل هذه البساطة وإختار زياد
"هتعمل إيه بقى؟"
كانت تقصد كيف سيتصرف مع زين بعد عودته
"هعمل إيه؟، عازمين طليقه اونكل رياض، مش عايزين فضايح"
نبهها واومأت بالإيجاب
"ما تقلقش"
انتهى من التحضير ودخل غرفته ليعمل وبعد مدة طرق أمجد الباب ودخل
"صباح الخير!"
قال بسيوني باسماً
"أنا عايز الكنافة ام سكر بودرة اللي بتعملها، اللي من غير شربات"
قال أمجد ورد بسيوني
"يا سلام!، من عنيا، قرب هات بوسة"
أشار له وإقترب أمجد منه بضجر وعندها سحبه بسيوني لحضنه وبدأ ينثر قُبلاته على وجهه
بعد أن إنتهى إنتبه لرياض وزين الواقفان عند الباب
"يا أهلاً!"
أفلت أمجد الذي قال
"ما تنساش يا بيسو"
غادر بينما زين كان متفاجئاً من كل الحميمية بين أمجد وبسيوني لدرجة أنه يناديه بلقب أيضاً!، شعر بالغيرة والإنزعاج
"افتكرت إن عندك أب؟"
عاتبه بسيوني وإقترب زين منه بخطوات ثقيلة لأنه كان خائفاً من أن يكتشف بسيوني أنه في لحظة غضب سخيفة أفصح عن ميوله للرجل الذي يسكنون في منزله
عانقه بسيوني وبدأ يقبل خده قبلات متتالية
"هونت عليك تبات بعيد عن حضني؟"
عاتبه وهو يشد على حضنه
كانت أطرافه ترتعش، كان مرعوباً أن لا يعود زين إليه، إستمر عناقه لدقائق ثم فصله
"روح اوضتك بقى"
أومأ زين ثم ذهب لغرفته ليهرب منه، فقد كان يشعر بالقلق والذنب في كل مرة يرى بها بسيوني، كيف ستكون ردة فعله إن علم بفعلته؟
كل شيئ مرهون بصاحب المنزل الذي يسكنون به
بينما يمسح دموعه إنتبه بسيوني أن رياض مازال يقف عند الباب
"عايز حضن إنت كمان؟"
سأل ضاحكاً وإقترب رياض منه وعندها عانقه بسيوني وقبلَ خده
"شكراً"
قالها بإمتنان وأنهاها بتنهيدة ثقيلة يحاول بها التخلص من كل القلق الذي يشعر به
رن الجرس وفتحت رموش الباب، كانت والدتها وزوجها، كانت إمرأة بشعر أصهب مجعد كثيف وبشرة قمحاوية وعينان بُنيتان
"وحشتيني يا حبيبتي"
كان دور أمجد لعناق والدته، كان متردداً لكن والدته بادرت هي وعانقته، لم تأتي بأيدي فارغة، كان زوجها يحمل اكياس هدايا
صافحهما رياض ثم ورحب بسيوني بهما
"اهلاً، أنا بيسو"
"رموش حكتلي عنك"
ردت والدتها
"زين، تاليا، تعالوا سلموا على الضيوف"
نادى بسيوني وعانقت تاليا المرأة بحميمية بينما زين صافحها بتحفظ
"مين اللي عامل الأكل؟"
سألت المرأة الصهباء بعد أن انتهوا من تناول الطعام ورد بسيوني
"أنا ورياض ساعدني برضه"
تفاجأت مما سمعته
"بجد!، دي حاجة كويسة جداً"
"تشربوا شاي ولا قهوة؟"
سأل بسيوني وهو يستقيم واقفاً
"قهوة"
رد زوجها وهي ردت
"قهوة برضه"
"اقعدوا في البلكونة الجو حلو، هجيبلكم القهوة والحلو هناك
تركهم بسيوني ليتحدثوا براحة وانشغل بتحضير القهوة
وبينما يدندن بشرود تفاجأ بزين خلفه وكاد يسقط الفنان
"في إيه يا زين خضتني؟"
عانقه زين بصمت، بينما يحاول أن لا يبكي كي لا يسأله بسيوني عن السبب، بادله بسيوني العناق
"إنت كمان وحشتني يا حبيبي، ما تعملش فيا كده تاني"
قبلَ جبينه ثم ابعده
"لازم اوديلهم القهوة والحلو، هجيلك بعدها، كده كده هما عيلة مع بعض ومليش مكان بينهم"
اومأ زين وحمل بسيوني صينية الحلوى والقهوة للشرفة وسمع أغنية يحبها فبدأ يدندن معها وإنتبهت طليقة طارق
"تعرفها!"
"بحبها أوي"
رد باسماً ودندنا الكلمات معاً
أمانة عليك يا ليل طول
وهات العمر من الأول
بحب جديد وقلبي سعيد
يا ريتني عشقت عمنول
قهقها في النهاية وقال رياض
"اقعد، واقف ليه؟"
"هسيبكم تتكلموا أنتم عيلة مع بعض"
قال بسيوني وإعترض رياض
"اقعد، إنت جزء من العيلة"
"أيوة أقعد، رياض حكالي إزاي قدرت تحتوي أمجد ورموش، رموش هادية وسهل تحتويها، بس أمجد كان صعب بجد، عملتها إزاي؟، محتاجين نتعلم منك"
كانت تتحدث بإهتمام حقيقي
جلس في النهاية وبدأوا يتبادلون الأحاديث عن اساليب التربية المختلفة، تأخر الوقت وغادر الزوجان في النهاية بعد أن تبادل بسيوني وطليقة رياض ارقام الهواتف لتسأله المزيد من النصائح
"مبسوط؟"
سأل رياض بعد إنصرافهما
"مبسوط إن علاقة العيال رجعت بمامتهم"
رد بسيوني ثم استطرد
"هبقى انزل اجيب حاجات العيد بكرة، تنزل معايا؟"
"شور"
رد ثم راجع بسيوني التاريخ وقال
"أنا شايف ننزل النهاردة بكرة هيبقى زحمة أكتر بما إن العيد بعد بكرة"
ومجدداً وافق رياض
"ماشي"
خرجا للتسوق وكان رياض بتبع بسيوني فقط ويستمع لما يقوله عن المنتجات، اشترى بسيوني لوازم الطعام والزينة وبعض الألعاب
عادا متعبين ونام بسيوني فوراً بدون تبديل ملابسه واستيقظ ظهراً ليجهز الطعام
"هتفضل تتهرب من بيسو كده؟"
سألت تاليا بعد أن دخلت غرفة زين
"ايدونو، أنا خايف، اما ببصلة بحس إني مش عارف اسامح نفسي على اللي عملته، بيسو مكنش يستاهل دا أبداً"
كان يبكي بإستمرار منذ عودته من منزل زياد
"الموضوع حصل وخلاص، وقولتلك اتفقت مع رياض يفضل سيكريت، إنت دلوقتي قلقان من إيه؟"
"أنا متضايق عشان مش مصدق إني عملت كده في بيسو، ما تحاوليش تصغري من حجم المصيبة عشان تخففي عني"
"مش هنختلف إن اللي عملته مصيبة، بس إيه فايدة اللي بتعمله دا؟، هتخلي بيسو قلقان وهتخليه يفوكس على حاجات لحد ما هيعرف اللي عملته وهيبانيك بعدها ومش هنقدر نساعده"
"يعني أعمل إيه؟"
"امسح دموعك وأخرج ساعدهم في كحك العيد"
أومأ زين ثم غسل وجهه مرات وأخفى انتفاخات عينيه بمصحح عيوب البشرة ثم خرج للمطبخ ووجد أمجد يجلس في حضن بسيوني ويقوم بتعليمه النقش على الكحك
كان يشعر بالغيرة تشتعل في صدره
"ممكن أساعد؟"
قال لينتبهوا لوجوده وأفسح رياض له مكاناً بجواره هو ورموش
"اتفضل"
كان زين ليتذمر ويقول أنه يريد الجلوس بجوار والده ولكن ليس عليه الشجار في مثل هذه الظروف
"ساعد اونكل رياض يا زين"
نبهه بسيوني فقد كان رياض يقوم بتشكيل الكحك لأول مرة في حياته
بدأ زين يساعده بصمت وعقله منشغل بالمصيبة التي قام بها، ويفكر كيف صدر منه فعل كهذا؟
بعد دقائق قال أنه متعب وذهب لغرفته، كان قلقه وشعوره بالذنب يلازمانه، وبينما يدور في الغرفة لمح الولاعة التي أخذها من سليمان
نظر للولاعة لثواني ثم أمسك بها، شمر كُمه ثم اشعل الولاعة وضغط بها على ذراعه صانعاً حرقاً، تسارعت أنفاسه ووجد بأن شعور الألم يغطي شعوره بالذنب، وهذا بالضبط ما كان يريده
ضغط بها على مكان آخر ليصنع حرقاً ثانياً، ارتاح عندما غطى شعور الألم شعوره بالذنب وترك الولاعة
انزل كمه وبعد مدة من تمارين التنفس رتب مظهره وخرج من الغرفة ووجد أمجد وتاليا ورموش يلعبون
"زين، تعالى العب معانا"
عرضت تاليا عليه
"هو فين بيسو؟"
"سيبه ياخد نفسه شوية، لسه مخلص عمايل الكحك وبيرتاح، اقعد"
أشارت له وجلس معهم في النهاية
في الشرفة كان بسيوني يقهقه مع رياض بعد أن تقاسما زجاجة النبيذ وبدأ كل واحد يروي حكايات عشوائية
"اوقات بتندم انك شاركت في الثورة وحصلك كل دا؟"
سأل رياض
"عمري، أكتر وقت حسيت فيه بحرية كان وقت الثورة، ولو رجع الزمن مليون مرة هكررها عادي، ولو مت وقتها مش هندم، حال الناس دلوقتي هو اللي بقى ابن احبه، يعني وحشني أيام ما كنت بقول كسم مصر فا اللي يسمعني يقول كسمين أبوها مش يقولي دنتا مكيود ولا منبطح او أي كلمة بنت زانية اتعلمها الجيل الجديد اللي لسه خارج من كس امه امبارح"
قهقه عندما انتبه لألفاظه
"سوري"
"ولا يهمك، اتكلم براحتك"
رد رياض وقهقه بدوره ثم أضاف
"جرب قولها كده"
"هي إيه؟"
سأل بسيوني ببلاهة
"كسم مصر"
وضح رياض مقصده وقال بسيوني بنبرة إستفاهمية
"كسم مصر!"
"كسمين أبوها"
رد رياض ثم اخذا يقهقهان
كانا يتحدثان بلا تفكير، وكان رياض لا يعلم هل النبيذ السبب أم أنه بسيوني لأنه رجل مريح؟
"لا بجد، بغض النظر عن إني عندي إمتيازات بسبب شغلانة أخويا، وقبلها بابا، بس مؤخراً كنت بفكر بتوسع أكتر، وفعلاً كسم مصر، اوقات بحس إن خسارة فيها أي حد بيحاول علشانها"
"ياعم ادينا بنحاول وخلاص"
قال ببلاهة ثم بدأ يضرب بأصابعه الطاولة حتى صنع لحناً وبدأ يغني
الحلة ع الباجور عشي عيالك
انا رايحة بيت ابويا مش راجعالك
تفاجأ رياض
"إيه دا؟"
تابع بسيوني الغناء بينما رياض يقهقه، كان بسيوني يحب الجو المرح ويشعر بالإندفاع للقيام بالمزيد من الأشياء المرحة
اقوله قوم اتغدى يضربني بالمخدة
اقوله قوم اتعشى يضربني بالمقشة
والحلة ع الباجور عشي عيالك
أنا رايحة بيت أبويا ومش راجعالك
كانت الضحكات تغلب الجو، وكان أكثر يوم قهقه به رياض في حياته، فحتى في مراهقته لم يضحك مع أصدقائه هكذا، كادت أنفاسه تنقطع من كثرة الضحك
شغل بسيوني أغنية عبدالوهاب في يوم وليلة
في يوم وليلة، يوم وليلة
خدنا حلاوة الحب كله في يوم وليلة
فتح رياض فمه بصدمة
"هي مش دي بتاعت وردة؟، هو عبدالوهاب بيغنيها كمان؟"
كان متفاجئاً
بينما بسيوني كان يغني مع الأغنية ويتمايل معها
أنا وحبيبي، أنا وحبيبي
دوبنا عمر الحب كله في يوم وليلة
إستقام رياض واقفاً وشابك يديه مع بسيوني وبدأ يسحبه إليه ثم يفلته ليبتعد في حركات رقص عشوائية بينما يقهقه بسيوني
عمري ما شفته ولا قابلته، لكن خياله شاغل عنيا
عمري ما شفته ولا قابلته، وياما، ياما شاغلني طيفه
وفي يوم لقيته، لقيته هو، هو اللي كنت بتمنى أشوفه
افلت بسيوني يديه ليتمايل بحرية ثم فقد توازنه وسقط في حضن رياض الذي كان يكافح ليقف بإتزان لذا جر قدميه للسرير وارتمى عليه وبعد ثواني من التفكير فيما حدث عاد رياض للقهقه بينما بسيوني كان قد غط في النوم
ومين يصدق يجرى ده كله
ونعيش سوا، ونعيش سوا العمر كله
في يوم وليلة، ليلة، ليلة، ليلة، ليلة
.
ابديت استثنائي عشان عيد ميلاد محمد عبدالوهاب
واحد من المغنيين والملحنين اللي بعشق اسمعهم بشكل خاص
.
مانيش بحبك

أمانة عليك يا ليل طول

في يوم وليلة

.
20. يا ليلة العيد
استيقظ بسيوني ووجد رياض في حضنه، إبتسم بعد أن تذكر احداث الليلة الفائتة والحكايات التي تبادلاها
ابتعد عنه بحذر ثم دخل الحمام، اغتسل ثم خرج لتفقد غرفة الجلوس، وكما توقع، كان هناك فوضى بها، شغل عبدالوهاب ثم بدأ يرتبها
جفنه، علم الغزل، ومن العلم ما قتل
فحرقنا نفوسنا في جحيمٍ، من القُبل
"صباح الخير"
سمع صوت رياض والتفت باسماً
"صباح النور"
"صاحي من امته؟"
سأل رياض وهو يفرك عينيه
"حبة كده"
رد وهو منهمك في الترتيب
"هو إنت بترتاح اما تنام قليل كده؟"
كان رياض مستغرباً من أن بسيوني ينام وقتاً قليلاً مقارنة بالجهد الذي يبذله
"أنا نايم كويس"
رد ببساطة ثم أضاف
"إنت اللي شكلك عايز تنام، روح ناملك حبة وهصحيك على الغدا"
كان رياض نصف نائم، مد بسيوني يده وطرقع أصبعيه أمام وجهه
"نام في اوضتك يا أستاذ"
أمسك رياض يد بسيوني وقال بنعاس
"ما تنام جمبي"
"على عيني، بس ورايا غدا أعمله"
"ممكن نطلب دليڤري"
"أنا يدخل البيت اللي أنا قاعد فيه دليڤري؟، ليه؟، اتشليت؟"
وجد بسيوني إقتراح رياض مهيناً لمهاراته في المطبخ
"يبعد الشر"
رد رياض بسرعة بنبرة لا يمكن تمييز هل هي حنونة أم أنه نائم ولا يدرك ما يقوله
وضع بسيوني كفه على خد رياض ليتفقد درجة حرارته
"حاسس إنك تعبان؟، جسمك مكسر؟، زورك كويس؟"
كان يعتقد بأنه مريض لأن تصرفاته كانت غريبة
"بيسو، أنا مش عارف أنام"
كان أمجد الذي خرج من غرفته وهو يفرك عينيه واقترب من بسيوني الذي عانقه وقبلَ خده
"أعملك بابونج؟"
"هينيمني؟"
سأل بنعاس ورد بسيوني بثقه
"طبعاً، اقعد كده جمب ابوك اعملكم إنتم الإتنين بابونج"
بعد أن شرب أمجد شاي البابونج تذمر
"مش حاسس إني هنام"
"طب إيه رأيك تفضل في حضني لحد ما تنام؟"
إقترح وبدأ أمجد يفكر ثم قال وكأنه يقوم بالتضحية بموافقته
"هي المرة دي بس، ما تتعودش على كده"
"أكيد يا حبيبي"
رد باسماً ثم تبع أمجد لغرفته وعبس رياض شاعراً بالغيرة من أمجد الذي نال مراده بسهولة
كيف يمتلك بسيوني كل هذا الصبر وكل هذا الحب؟، لقد كان أمجد يكرهه ويسُبه والآن هو ينام في أحضانه، طاقة حبه كفيلة بجعل أي أحد يحبه
بدأ يفكر بجدية بأن شقيقه لو كان تعرف لبسيوني في ظروف أفضل لكان قد أحبه
لو كانا تعرفا كرجلين عاديين وليس كثوري ورجل شرطة
كانا ليصبحا صديقين
رن هاتفه، كان شقيقه إبراهيم
"ايوة يا حبيبي!"
رد بتلقائية وإستوعب أنه أصبح يتحدث بحميمية كبسيوني
"أنزل خد العيال، هما عند البوابة"
قال بدون مقدمات
"وإنت مش جاي؟"
"عندي شغل، هخلصه وآجي"
"بس ارجوك ما تضايقش بسيوني اما تيجي"
ترجاه وهو يفكر كيف يجمعهما معاً بدون أن يصاب بسيوني بنوبة فزع، ففي النهاية إبراهيم شقيقه ولا يمكنه التخلي عنه
"خلاص بقيت أنا الشرير دلوقتي؟، أنزل خد العيال ومتخلنيش اطلع اديك بوكس العيد"
أنهى المكالمة وتنهد رياض بقلة حيلة
خرج من المنزل للبوابة فتحها وهتف تيام فور رؤيته
"فين بيسو؟"
"اسمه اونكل يا حبيبي"
نبهه رياض وركض تيام للباب غير مهتم بحديثه بينما لوجين سألته ببراءة
"هتشيلني؟"
نظر لها لثواني وهي تحاول بكل جهدها أن تبدو مثيرة للشفقة ليحملها ولكنه تذكر حديث بسيوني وعندها رد في النهاية
"لا، إنتي كبيرة يا حبيبتي"
عبست ودخلت المنزل منزعجة، دخل رياض وأغلق الباب ووجد بسيوني يعانق تيام وقبلَ خده
"دا إيه اللبس الشيك دا؟، لبس العيد؟"
قال وهو يتفقد مظهره
"أنا اللي مختاره"
رد تيام بفخر وعندها قالت لوجين بصوت مرتفع محاولةً جذب الإنتباه إليها
"أنا كمان اللي مختارة فستاني"
"تحفة، برينسيس لوجين"
قال ثم قبلَ خدها ثم سأل
"اكلتوا ولا أعملكم حاجة تاكلوها؟"
كانت قُبلات بسيوني قُبلات حقيقية، ليست كمن يتظاهرون بالتقبيل أثناء المصافحة، كان يُقبل مصدراً صوتاً بشفتيه، كان كل شيئ يقوم به بصدق وحب حقيقيين
"تاكلوا وتناموا، ماشي؟"
قال محادثاً لوجين وتيام اللذان حركا رأسيهما بالإيجاب ثم قبلَ خديهما
"حبايبي الشطار"
لما يتلقى الأطفال كل هذا الكم من القُبلات؟، اوليس هذا ظالماً؟، بالكاد يقوم بسيوني بتقبيله عندما يجده ينظر إليه أثناء تقبيل الأطفال، لكنه لم يبادر أبداً بتقبيله هو بشكل خاص
بعد أن انهيا طعامهما ذهبا لغرفتيهما وبدأ بسيوني غسل الأطباق
"إنت إزاي كده؟"
سأل رياض والتفت بسيوني إليه ورد وهو يجفف يديه في المنشفة
"إيه؟"
"إزاي بتحب الأطفال كده؟، أو بشكل عام إزاي بتخلي كل الناس تحبك بالعافية؟"
سأل وإبتسم بسيوني ضاحكاً
"مش كل الناس، في ناس كتير ما بتحبنيش، بس اديني بحاول أسيب بصمة كويسة"
"معندهمش نظر"
قال رياض وصفع بسيوني كتفه معتقداً أنه يجامله
"بكاش"
استيقظ زين بعد ليلة عانى فيها من الأرق بسبب قلقه، نهض وبحث عن الولاعة حتى وجدها ثم حرق ذراعه الآخر، الألم جعل أفكاره تهدأ وعاد للسرير ليحاول النوم مرة أخرى
نجح في النوم وإستيقظ على صوت بسيوني وقُبلاته
"اصحى يا حبيبي، عملتلك الأكل اللي بتحبه"
إبتسم زين ثم عانقه وبسيوني مستمر في توزيع قبلاته على وجهه
"يلا، أغسل وشك وتعالى"
خرج من الغرفة وجهز زين نفسه وبدل ملابسه ثم تفقد جهازه اللوحي، كانت هناك رسائل من سليمان يهنئه بقدوم العيد، رد عليه ثم خرج ليتناول الغداء مع البقية
كانت تاليا تتحدث بحماس عن خططها لحفل التخرج بينما بسيوني يسأل أمجد إن كان قد جرب لعب كرة المضرب من قبل، كان يريد جعله يمارس رياضة غير كرة القدم
كان زين يشعر بأنه غير مرغوب به، شعر بغصة ولم يستطع تناول الطعام، ذهب لحمام غرفته واستفرغ، غسل وجهه واسنانه عدة مرات ثم بدأ يخفي علامات ارهاقه بخافي عيوب البشرة، ووضع مرطب شفاة ليخفي شفتيه المتشققة
"مش هتعزمني؟"
كانت رسالة من سليمان
"على إيه؟"
"الغدا، عايز أقعد معاكم شوية"
"هو مش أول يوم دا للعيلة؟"
"بابا واخويا اتخانقوا وهدده يقتل ابو البنت اللي بيحبها فا ساب البيت، وأنا جيت القاهرة افصل منهم"
"إنت متأكد إنك ثانوية عامة؟"
كان مستغرباً أنه يقضي معظم وقته في القاهرة ولا يبدو أنه يهتم بدراسته
"الثانوية العامة مجرد خدعة رأسمالية، مش بؤمن بأهميتها"
"مش عارف ليه حاسك تحت البيت وبتتلكك عشان تطلع"
"أنا فعلاً تحت البيت"
"احا!"
كان متفاجئاً ولا يصدق ما قرأه
"بص من البلكونة"
ترك زين جهازه اللوحي وهرول للشرفة ووجد سليمان عند البوابة يلوح له، نزل مسرعاً وفتح له البوابة ثم قال وهو يلتقط أنفاسه
"هاي!"
إبتسم سليمان
"للدرجة دي ملهوف تشوفني؟"
لكم زين صدره
"سمج"
تبع زين لداخل المنزل وتفاجأ بسيوني عند رؤيته
"مش تقول إن فيه ضيوف؟"
صافحه بحرارة بينما الإبتسامة تعلو شفتي سليمان
"أنا كنت معدي فا قلت اسلم"
"تعالى كل"
سحبه لمائدة الطعام
"هو إنت ملكش بيت؟"
سأل رياض فور جلوس سليمان على مقعد الطاولة، فقد كان سليمان لا يريحه منذ البداية، وحتى الآن مازال لا يريحه، بالأخص بعد أن وجد زين في منزله
"عندي، بس عادي، أنا كبير وبخرج كتير"
رد بينما يملأ بسيوني له طبقاً
"طب خلي بالك عشان في حاجة اسمها كورونا منتشرة اليومين دول"
"ما تقلقش"
رد وهو يبتسم بتصنع ثم شكر بسيوني وبدأ يأكل
"زين، النهاردة الصبح عملنا أنا ورياض مكان للعب الطاولة في جنينة البيت من ورا، ممكن تلعب إنت وأمجد"
عرض بسيوني لأنه كان يشعر بأن زين هادئ أكثر من العادة منذ عودته للمنزل
"مليش نفس العب"
رد بفتور
"ممكن العب معاك اما أخلص أكل؟"
كان سليمان يسأل بسيوني
"العب مع أمجد يا حبيبي، خليك مع ناس قريبة من سنك وطولك"
تدخل رياض وهو يبتسم بتصنع
"ما ترخمش على الواد يا رياض"
نبهه بسيوني ضاحكاً ثم مال وقبلَ خد سليمان
"هلعب معاك"
ترك رياض ملعقته وسقطت على الطبق مصدرةً صوتاً عالياً
"أنا عايزك"
نظر إليه بسيوني بقلق ثم إقترب منه ليتفقده
"إنت كويس؟"
"عايزك شوية"
إستقام واقفاً ثم سار لغرفته بثبات وتبعه بسيوني مترقباً ما يرغب بقوله
"حاسس الواد دا تأثيره وحش على زين، كل المصايب جاية من ناحيته، دا حتى أما هرب راحله"
"على الأقل عرفنا مكانه فين وأنه كان كويس، سليمان مش وحش، اديله فرصة"
"خليك كده لحد ما يرجع بمصيبة أكبر"
اسرع بسيوني وقال
"ليه كده؟، يبعد الشر"
"بيسو، فين الكحك السادة؟"
كانت رموش تنادي بسيوني، وخرج ليحضر لها طلبها بينما رياض تنهد بضيق
"ممكن تبطل تفيلرت مع بيسو؟"
سأل زين وهو يضرب الكرة بالمضرب بعد أن نزل هو وسليمان للحديقة ليلعبا كرة الطاولة
"إيه الهبل دا؟، أنا مش بفيلرت"
إستنكر سليمان
"يا سلام!، دنتا مفيش مرة جيت الا وقعدت تحاول تجر كلام معاه"
لم يكن زين يصدقه
"بيسو انترستنج بالنسبالي، عايز أكلمه، أشوف دماغه، أتناقش معاه، بس كده"
ضرب زين الكرة بقوة وطارت عالياً لدرجة أنها خرجت من سور المنزل، ترك المضرب بغضب ثم قال
"لاير"
"ليه هبص لأبوك؟"
حاول سليمان إقناعه
"وليه كبرت نفسك قدامه وقلت إنك عشرين سنة لو مش عايز تجر معاه؟"
"عشان ما يفكرنيش عيل ويكلمني عادي، زي ما بيكلم أي حد"
واصل سليمان تبريراته
"ريح نفسك، بيسو بيشوف العشرينيين عيال برضه"
قال وهمَ بالدخول للمنزل وعندها سأل سليمان
"هو إنت متأكد إن رياض دا هيترو؟"
التفت زين
"أيوة"
حل الصمت لثواني ثم سأل
"ليه؟"
"عشان شكله عينه من بيسو"
عاد بسيوني للغرفة ثم فتح تطبيق ساوند وشغل أغنية أم كلثوم انت الحب مقطع معيناً
"مشغلك أم كلثوم ابسط يا عم وبطل البوز دا"
قال ضاحكاً ثم سحب رياض من يده ليقف
وعمري ما أشكي من حبك مهما غرامك لوعني، لوعني
لكن أغير، أغير من اللي يحبك
لكن أغير من اللي يحبك ويصون هواك أكثر مني
كيف يخبره أنه لم يعد يسمعها كما السابق منذ أن تعرف عليه؟، كيف يخبره أن كل شيئ أصبح يذكره به
عبدالوهاب
رائحة الطعام الطازج
الڤانيليا
المنظفات برائحة اللاڤندر
المسلسلات المصرية
القُبلات والأحضان
"بيسو"
قاطعهما دخول زين يلتقط أنفاسه وعندها إبتعد بسيوني عن رياض ليتفقده بقلق
"مالك يا حبيبي؟، خد نفسك"
"سليمان قال إن عندهم ڤيلا في التجمع، مكانها كويس وسعرها كويس، وممكن ننقل ليها في أي وقت"
قال زين وبدأ بسيوني يفكر
بأي حال سينتقل، إن لم يكن الآن سيكون لاحقاً، ففي النهاية هو مجرد مستأجر في المنزل
"أنا هبقى أتكلم مع سليمان"
رد وعندها سحبه زين
"تعالى دلوقتي"
خرجا تاركين رياض في الغرفة وحده لا يستوعب الموقف
بسيوني سيغادر المنزل!
كان صوت أم كلثوم ضعيف جداً مقارنةً بفوضى عقله
لكن غرامك، غرامك حيرني، حيرني، حيرني، حيرني
وليل بعادك سهرني، سهرني، سهرني، سهرني
تجري دموعي، دموعي وإنت هاجرني، هاجرني
.
جفنه علم الغزل

إنت الحب: مقطع وعمري ما أشكي من حبك

.
21. طول عمري نفسي في حاجة ملكي
"السعر دا بجد ولا بتحور عليا؟"
سأل بسيوني سليمان بشك
"لا، دا بجد، على فكرة الفيلا دي أصلاً بابا عاملهالي عشان أتجوز فيها أما ربنا يفتحها عليا، بس أنا مطول حبتين"
"يعني مش مفروشة!"
"شبه مفروشة، فيها كنبتين على سرير كده يعني، كده كده قدامي سنين عقبال ما أتجوز فا خدوا راحتكم"
"اوعا تخلينا نتدبس بعدين تغلي الإيجار علينا"
قهقه سليمان
"ما اقدرش"
"ها!، هننقل امته؟"
سأل زين بحماس
"بعد العيد، أو ممكن ننقل بالتدريج عشان نكون خفاف"
"حلو دا، سليمان عنده عربية وهيساعدنا"
كان زين متحمساً للإنتقال لأنه قلق من رياض ولا يرتاح له، ويشعر بالقلق من أنه في أي لحظة قد يكشف السر الذي قاله في لحظة غضب
"ماشي، زي ما تحبوا"
وافق بسيوني وعانقه زين بقوة
"المهم تكون مبسوط يا حبيبي"
قبلَ جبينه ثم إستطرد
"هروح أشوف الدنيا"
فور إنصرافه تنهد زين براحة، باغته سليمان وعانقه محيطاً بذراعيه ذراعي زين وعندها صرخ من الألم بسبب حروق ذراعه، أبعد سليمان ذراعيه بسرعة
"آسف، مكنش قصدي"
بعد ثواني استوعب الموقف
"زين، ممكن توريني دراعك؟"
أومأ زين بالسلب وعندها قبض سليمان على معصمه ورفع كُمه ورأى الحروق
"احا!"
صفع زين يده وانزل كمه ليغطي ذراعه
"ملكش دعوة"
"ليه؟، ليه كده؟"
سأل سليمان بقلق ممزوج بفزع
"ملكش دعوة يا سليمان"
كرر وقبل أن ينصرف قبض سليمان على معصمه
"رياض مش هيقول لبيسو حاجة، ومفيش حاجة وحشة حصلت، ليه شايل الذنب دا؟"
كان يعلم أن سبب حرق زين لنفسه هو شعوره بالذنب من أنه أخبر رياض بميول بسيوني
"ملكش دعوة"
كرر وعندما وجد سليمان أنه لا فائدة من الحديث أفلته
"هتبقى عيل زي رياض وتقول لبيسو؟"
سأل زين فقد كان قلقاً من أن يخبر سليمان بسيوني بأنه يحرق نفسه
"لا، أنا مش عيل"
رد سليمان فهو لم يكن يرى أن الحل أن يعرف بسيوني بالأمر، فإيذاء النفس أمر معقد والتشافي منه يحتاج عزيمة وإقناعاً وليس الضغط أو القوة
"شكراً"
شكره زين ثم هرب لغرفته
جلس على السرير ينظم أنفاسه حتى اصدر جهازه اللوحي صوت الإشعارات، كان سليمان
"أنا فاهم شعورك، وإنه شعور صعب جداً، بس حقيقي إنت شخص كويس ومهم، وأي غلطة ممكن تتصلح، إنت تستحق الرحمة من نفسك قبل أي حد، أنا هنا علشانك، مش محتاج تواجه ده لوحدك، وأنا مستعد أسمعك في أي وقت، وقت ما تحب تتكلم، أنا موجود من غير أي حكم أو ضغط"
بدأ يذرف الدموع بعد قراءته للرسالة، فحتى زياد الذي كان يعتبره أقرب شخص إليه أصبح يخجل من الحديث معه منذ ذاك الحادث، أصبح يكره نفسه بشدة ويشعر بالعار الشديد
مسح دموعه بخشونه وكان يشعر بالتعب الشديد لذا قرر أخذ قيلولة، وكانت سيئة لأنه كان كُلما غط في النوم إستيقظ فزعاً، تماماً كما يستيقظ بسيوني وقت نوبات فزعه
نهض وبحث عن الولاعة حتى وجدها، صنع حروقاً جديدة ثم عاد للسرير لينام، أصبح لا يستطيع النوم بدون أن يؤذي جسده ليغطي الألم شعوره بالذنب
"مبروك يا سيدي، هننقل لبيت جديد وهترتاح من زحمتنا ودوشتنا"
قال بسيوني بمرح لكن رياض لم يكن يبدو سعيداً لذا تلاشت إبتسامته وسأل بقلق
"كله تمام؟"
"هو إنت ليه عايز تمشي؟، حد ضايقك؟"
سأل وعيناه مليئتين بالعتاب، جعل بسيوني يشعر بالقلق
"لا، بس دا ايجار، قلتلك مسيرنا نمشي، واهو تاخد راحتك إنت والعيال"
أضاف بعدها
"ودا مش معناه إننا مش صحاب، ابقى تعالى مرة ونجيلك مرة وكده"
كان يعتقد أن رياض حزين لأنه يعتقد أنه لن يتواصل معه بعد إنتقاله، لذا طمأنه أنهما سيظلان صديقين
"يعني دا قرارك الأخير؟"
سأل بعينين حزينتين تترجانه أن يتراجع
"هنفضل اصحاب، أنا مش واطي"
كان رياض يجلس على السرير بينما بسيوني يقف أمامه
"رياض، كله تمام؟"
سأل بقلق وعندها مد رياض ذراعيه جاذباً بسيوني إليه ودفن وجهه في صدره، كان لديه بعض الأمل أن هذا حلم وأن بسيوني سيبقى للأبد معه
داعب بسيوني شعره بلطف
"إنت كمان هتوحشني"
"بابا، بيسو، في إيه؟"
سأل أمجد بإستغراب عند دخوله للغرفة ورد بسيوني
"ما فيش، بابا تعبان شوية، وأنا هنقل"
"إيه؟"
تفاجأ أمجد
"هنقل بيت تاني في التجمع، البيت هيرجعلك براحتك"
كان يتحدث بمرح ظاناً أن أمجد سيكون سعيداً لأنه كان يطلب من رياض طردهم بشكل دائم في البداية
"إنت بتتكلم بجد؟"
إقترب وسأله بجدية
"أيوة، هننقل بعد العيد"
رد بهدوء وإستغرب تعبيرات وجه أمجد التي لم تكن سعيدة
"مالك؟"
"هتمشي ليه؟"
سأل أمجد
"عشان دا ايجار، ومسيري امشي، كمان دا بيتكم يا حبيبي مش بيتي"
ربت على رأس أمجد بلطف
"إنت هتمشي بجد؟"
لم يكن أمجد يستوعب الأمر بينما بسيوني لا يدري هل يتعجب من ردة فعل الأب أم ابنه؟
"أيوة، بس هزورك، وتبقى تزورنا"
عانق أمجد خصر بسيوني
"لا، ما تمشيش"
كان مستغرباً أن أمجد يتصرف كطفل، فهو كبير على مثل هذه التصرفات، ولكن بالنظر للأمر فإن رياض هو الآخر يتصرف كطفل فهو يرفض افلات عناقه، ما بال هذه العائلة؟
"هو في إيه؟"
كان تيام ماراً ولاحظ عناقهم لبسيوني
"بيسو هيمشي"
رد أمجد وبدأ تيام يبكي على الفور
"يا نهاري!"
لم يكن بسيوني يعرف كيف يتصرف في هذا الظرف، الجميع يتشبث به ويبكي
لكن لا يمكنه التراجع، زين مرهق ومضغوط من المنزل، عليهم المغادرة، فمن المتعب أن تعيش طيلة الوقت وأنت قلق من أن يكتشف الساكنون معك أنك مثلي، وهو لا يريد لزين أن يشعر بهذا الضغط
أفلته رياض ثم ابعد أمجد وتيام عن بسيوني
"خلاص، سيبوه، زمانه تعب"
قال رغم أنه لم يكن قد اكتفى من عناقه
"هجيلكم على طول، ما تقلقوش"
قبلَ خد أمجد ثم خد تيام
ذهب لغرفة زين ليتفقده ووجده نائماً، استلقى بجواره وسحبه لحضنه وبدأ يوزع قُبلاته على وجهه، كان يشعر بالقلق الشديد عليه، لذا كان متحمساً لفكرة الإنتقال
عندما استيقظ زين ووجد نفسه في حضن بسيوني شعر بالسعادة والأمان ودفن وجهه في صدره، لكن بعد لحظات تذكر فعلته وغمره الشعور بالذنب
"إنت كويس يا حبيبي؟"
سأل بسيوني بقلق
إبتسم زين بتصنع
"أيوة"
قبلَ بسيوني رأسه
"هحطلك تاكل عشان إنت ما اكلتش كويس"
خرج من الغرفة واعتدل زين جالساً ثم دخل الحمام ليغسل وجهه ويعيد تطبيق خافي عيوب البشرة ليخفي مظهره المرهق
شغل قائمة أغاني عشوائية يُنشئها تطبيق أنغامي حسب ذوقه الموسيقي بينما يقوم بتعديل مظهره
قال إيه حاسس بوجعي
عارفة اني هفضل لوحدي
طول عمري نفسي في حاجة ملكي
جيت إنت وسرقت قلبي
دخل بسيوني ووضع الصينية على الطاولة ثم قبلَ خد زين
"بالهنا"
إبتسم زين بسعادة وبمجرد خروج بسيوني حدق في الطعام وهو يشعر بمرارة في حلقه، لكن كان عليه محاولة تناوله لأنه يشعر بالإرهاق والضعف
بدأ يجبر نفسه على الأكل ولكنه كان يشعر بالطعام عالقاً في حلقه، أخذ يحاول تنظيم أنفاسه لكنه كان يشعر بغثيان شديد، اسرع للحمام وإستفرغ
خرج وهو يسمع صوت الأغنية والدموع متجمعة في عينية بينما ترتعش أطرافه، جلس على السرير ثم استلقى مريحاً ظهره وحدق في السقف
والوقت مش بيعدي، قررت أسبقه
كلامي هيفضل مستخبي، انت تفهمه
"الله!، مشغل عبدالوهاب بنفسك؟"
علق بسيوني ضاحكاً عند دخوله لشرفة غرفة رياض لأنه سمع صوت عبدالوهاب واستفاق رياض من شروده العميق
"عادي، بحبه"
رد وجلس بسيوني وقال بإبتسامة
"ذوقك حلو"
كان رياض يفكر كيف يجعل بسيوني يقضي في منزله فترة أطول، كيف يجعله يلغي فكرة الإنتقال؟
بينما بسيوني يدندن مع الأغنية بسعادة
بلاش تبوسني في عينيا دي البوسة في العين تفرق
يمكن في يوم ترجع ليا والقلب حلمه يتحقق
"زين عامل إيه؟"
سأل محاولاً تغيير الموضوع
"بصراحة قلقان عليه، حاسه بقى اهدى، شقاوة العيال معناها إن صحتهم كويسة، هدوئهم يقلق"
"ما تخليكم حبة، يمكن التنقل يتعبه أكتر"
كان مازال لديه أمل صغير بجعله يعدل عن قراره
"لا، زين بيقلق من الناس، النقل لبيت تاني يبقى فيه لوحده هيخليه أحسن"
كان رياض يفكر في أي شيئ يقوم به لمنعه من الذهاب، حتى لو كان تصرفاً غبياً، وضع يده على صدره ثم قال
"أنا حاسس بخنقه في صدري"
بدأ يسعل وشعر بسيوني بالقلق
"مالك؟، عندك حساسية معينة؟"
سأل بقلق واسند رياض ليساعده بالجلوس على السرير
"حاسس بإية دلوقتي؟"
سأل بقلق وهو يضع يده على جبينه متفقداً درجة حرارته
"حاسس بخنقة"
لم يقم رياض بالكذب أو تمثيل المرض ولا حتى في المرحلة الإبتدائية، كانت أول مرة في حياته يقوم بهذا
"طب نروح لدكتور"
قال وحاول مساعدته للنهوض لكن رياض إعترض
"لا، خلينا، أنا هبقى كويس، خليك معايا بس"
"الأحسن تروح تكشف عشان نتطمن"
كان بسيوني قلقاً
"خنقة عادية ما تقلقش"
قال وهو يمثل التألم بينما يراقب عيون بسيوني القلقة
"عارف، الأغنية دي ليها ذكريات معايا"
إستطرد بسيوني محاولاً تلطيف الجو
"حلوة؟"
سأل رياض
"بصراحة لا، مراتي كانت بتغنيها وتبوسني في عنيا كل ما تسمعها، ووهي خارجة في مرة باست عيني، وكانت آخر مرة تخرج فيها، عملت حادثة وماتت، وبقيت أكره الأغنية"
"شكلك كنت بتحبها"
علق لأن بسيوني كان يبدو متأثراً وهو يتحدث
"أوي، كانت ملاك، وللأسف الملايكة مكانهم مش هنا"
"بس أنا بشوفك بتبوس العيال من عينيهم"
إستطرد رياض مغيراً موضوع زوجته
"ببوس وشهم كله مش عينيهم بس، بحسها مش بتتحسب وقتها"
رفع رياض حاجبيه بتعجب
"يا سلام!"
"أنا بحسها كده"
دافع بسيوني عن وجهة نظره
"عمرك ما بوست عيني"
"إنت عيل؟"
إستنكر جملته
"عموماً أحسن، البوسة في العين تفرق"
كرر الجملة وعندها باغته بسيوني وقبلَ جفنه
"خلصانين"
قال بينما رياض شارد في عينيه
خلي الوداع من غير قُبل
علشان يكون عندي أمل
وبلاش تبوسني فى عينيا
وقف زين في الشرفة لأنه كان يعاني من الأرق
"خلاص، هنمشي، هنمشي وكل حاجة هتبقى كويسة"
كان يحاول تهدأة نفسه
أمسك الولاعة وحرق ذراعه أكثر من قبل لأنه اراد زيادة شعوره بالألم ليستطيع الراحة لفترة أكبر، لكنه تفاجأ بالدماء على ذراعه، لقد حرقها أكثر من اللازم
شعر بالقلق وغطاها بالمناديل لكن بيجامته كانت قد تلطخت بالدماء بالفعل
سمع طرق على الباب وعندها وضع يديه خلف ظهره
"اتفضل"
دخل أمجد وكان حزيناً
"هو أنتم لازم تنقلوا يعني؟"
سأل بدون مقدمات
"أيوة، إنتم عيلة واحنا عيلة، لازم ننقل"
رد زين وتابع أمجد مترجياً اياه
"ما تقعدوا حبة كمان"
"ما ينفعش"
رد وهو يقاوم شعوره بالألم وعندها لاحظ أمجد قطرات الدماء على الأرض
"زين، إيه الدم دا؟"
سأل بقلق ممزوج بفزع
"مفيش، مفيش حاجة"
رد بإرتباك وكان يقاوم شعوره بالدوار
"أنا هنادي بيسو"
أسرع زين وأمسك بيديه ليمنعه
"لا، ما تناديش حد"
رأى أمجد عندها ذراع زين وازداد شعوره بالفزع، وفي تلك اللحظة خارت قوى زين وفقد وعيه
.
الوقت مش بيعدي

بلاش تبوسني في عينيا

.
22. طر بنا يا ليل
استيقظ زين وهو يشم رائحة معطر اللافندر ويسمع صوت فايزة أحمد
أنا عايزة أشرب من ايدك وأتنهد مع تنهيدك
وتغني وأغني، آه منك، آه مني
مواويل الهوى تحلو يا روحي
سهرتنا سوى هتداوي جروحي
كان يشعر بالألم في ذراعيه، كان الأمر مريحاً لأن الشعور بالألم كان علامته لكونه على قيد الحياة
كان في غرفة غريبة فارغة تماماً، بها سرير واحد الذي ينام عليه، كان في أحضان بسيوني وهناك إبرة مغذي متصلة بمعصمه
ابتعد عن بسيوني بحذر واعتدل جالساً ليتفقد الغرفة، غرفة كبيرة وفارغة
"صحيت يا حبيبي!"
إستيقظ بسيوني عندما شعر بالبرودة التي خلفها زين بإبتعاده عن حضنه
إعتدل جالساً وبدأ يوزع قُبلاته على وجهه
"أنا كنت هموت، ما تعملش فيا كده تاني، أنا مليش غيرك إنت وأختك، أنا عايش ليكم"
"هو احنا فين؟"
سأل زين بإستغراب
"بيتنا الجديد، اينعم لسه مخلصناش نقل بس في سرير وكنبة يبقى نقدر ننام هنا"
قبلَ خد زين الذي إبتسم بسعادة
"يعني خلاص دا بيتنا؟"
"أيوة يا حبيبي، دا بيتنا"
رد باسماً ثم سمعا صوت زياد
"أنا جبت لوازم الأكل"
كان عند الباب يحمل مجموعة اكياس تسوق
شعر زين بأنه يتخيل، زياد معهم في المنزل، إقترب زياد منه وقبلَ جبينه
"خليك إنت يا بيسو، هعمل أنا الفطار"
خرج زياد للمطبخ وبدأ يضع الأغراض في الثلاجة وفي خزانة الطعام وساعدته تاليا، بينما زين سأل بترقب
"هو زيكو هيقعد معانا؟"
"زي ما تحب، لو عايز نكرشه نكرشه"
رد بسيوني وقال زين بسرعة
"لا، نخليه"
حرك ذراعيه وهو يتحدث وعندها فقد توازنه وسقط بتعب على السرير، أمسك بسيوني به وعندها المته ذراعيه
"خلي بالك يا حبيبي"
نبهه بسيوني بحنان ثم قبلَ جبينه وافلته ليرتاح على السرير
كان بسيوني مذعوراً مما حدث لزين، لذا قرر ارضاءه وتنفيذ كل شيئ يرغب به، أخبره الطبيب أنه يحب أن يتم عرضه على طبيب نفسي وقرر بسيوني أن عليه أخذ الأمر خطوة بخطوة كي يوافق زين على خطوة الطبيب النفسي، فيجب أن يكون موافقاً كي يستطيع الطبيب مساعدته
"هو الكانولا دي هتفضل كده؟"
تذمر زين
"هتخلص دي ونشيلها وتاكل وتبقى كويس، بس لازم تاكل"
نبهه وأومأ زين
"حاضر"
"بيسو روح الحق الفطار قبل ما زيكو يحرقه"
قالت تاليا ودخلت الغرفة لتتبادل الأماكن مع بسيوني، قبلَ بسيوني خد زين عدة مرات قبل تركه والذهاب للمطبخ
"هو مش المفروض اكلمك عن دا دلوقتي، بس جست ان كيس إنك فكرت فيه، اونكل رياض عمره ما هيطلع السر برا، هو وعدني وهو مش باد بيرسون، فا محصلش حاجة"
أمسكت يدي زين لتنظر لعينيه وتكمل
"كله تمام يا زين، ما تحملش نفسك ذنب حاجة ما حصلتش ولا هتحصل، اونكل رياض عمره ما هيأذي بيسو، دا روحه فيه"
اضافت بعدها
"ما شفتهوش كان مرعوب عليك إزاي هو كمان كأنك إبنه، ولا أمجد قعد يعيط زي العيال الصغيرة"
أضافت كي لا يفكر زين أكثر
"بس أنا مش بلومك أو بحملك مسؤولية إنك خليت الناس تقلق، كلنا بنحبك عشان كده قلقنا عليك"
ظل زين يفكر في حديث تاليا حتى بعد أن ازال زياد إبرة المغذي وتناول الطعام، كان يشعر بالتقزز لكنه تماسك كي لا يستفرغ، ووجود زياد وبسيوني حوله جعله ينشغل بمراقبتهما
"إيه رأيك نعملك مكتبة هنا؟"
سأل زياد وأشار لزاوية الغرفة
"مكتبة إيه إنت فاكره بيقرأ ورقي؟، الجيل دا بيقرأ كله اليكتروني، ليه عاملي فيها إنك متعرفهوش؟"
"منا عايزه يقرأ ورقي، عشان كده هجيبله مكتبه"
"خليهالك، مش هقرأ ورقي، كسم الرأسمالية"
رد زين وقال بسيوني بفخر
"ذاتس ماي بوي"
"مكنتش هجيبهم اصليين على فكرة"
قال زياد ورد زين
"ستل فلوس"
"دنتم متفقين عليا بقى!"
تذمر زياد
"إنت اللي دماغك ضربت، أنا ادعم الرأسمالية؟، وفي حاجة زي الكتب؟، ليه؟، اتجننت؟"
رن الجرس وذهب بسيوني لفتح الباب، كان رياض يحمل علبة هدايا وباقة زهور، وبرفقته أمجد
"زين عامل إيه؟"
"أحسن، اتفضل"
أشار له بسيوني ليدخل
دخل رياض وسمع زياد وزين وهما يتحدثان عن الكتب والرأسمالية، تفاجأ زين عند رؤية رياض بينما رياض كان يتوقع وجود زياد بعد أن علم أنه حبيب بسيوني السابق
"الف سلامة عليك"
قال رياض ووضع باقة الزهور بجوار زين ثم قبلَ جبينه وجلس على السرير
"كنتم بتتكلموا عن إيه؟"
"عن الكتاب اللي خلوا القراءة حاجة رأسمالية بحته"
رد زين فهو يحب النقاش والحدث عن قناعاته
"يعني إيه؟"
"يعني في كتاب بيخلوا كتبهم بسعر خزعبلي جداً عشان يلموا فلوس كتير على قفا القراء العبط اللي بيشتروا كتاب بالسعر دا، تلاقيه ضارب في الالف جنية وحجج فارغة زي نوع الورق احسن من الكوبي أو شعور الورق أو اي هطل، في حين إن الكوبي عادي مقبولة وبتتقرأ منا مش هاكل الكتاب، ممكن يخفضوا سعر الكتاب ويخلوه معقول عادي بس هما مش عايزين، عايزين ياخدوا فلوس بالهطل وإن القراءة حاجة رأسمالية بحته، لا وكمان يقعدوا يدافعوا عن مبدأ إن القراءة حاجة رأسمالية وما ينفعش كتاب يكون رخيص وإن الغالي للغالي أو أي شرمطة فارغة"
إنتبه لألفاظه فحمحم وكأنه لم يقل شيئاً
"ايه المشكلة لو الكتابة بقت حاجة رأسمالية؟"
سأل رياض فقد اراد أن يتحدث زين أكثر عن أفكاره
"أنا أقولك، الكتاب دول بيبيعوا زنا ورقي ومبادئ بيبيعوا على قفاها وهما أصلاً بيستغلوا القراء، زي كاتبة هانجر جيم اللي قالت استلهمت القصة من الفرق بين الحفلات والمذابح في العراق اللي كانوا في نفس الوقت وهي يتقلب في قنوات التلفزيون، بس برضه الشرموطة بتدعم إسرائيل مش فلسطين عشان هما شايفيينا مادة مسلية للكتابة وربح الفلوس بس، إنما بشر حقيقيين؟ لا"
"تقريباً بدأت أفهم"
كانت معلومات كثيرة ومتفرقة بالنسبة لرياض
بينما زين إستمر في حديثه فهو يحب الحديث عما يؤمن به
"يعني مثلاً حجة ما تشتريش كوبي عشان دا سرقة وإنت بتدفع فلوس لحرامي هنعديها، انما البي دي اف مش بدي فلوس لحد، إيه اللي خلاه كده؟، ما لو كتابك كان بسعر معقول كان اتباع، بغض النظر إني مش بقرأ لحد من ولاد المجنونة دول عشان اللي شايف الكتابة حاجة رأسمالية دايماً بيكون كتاباتهم زنا على ورق، بس الناس اللي بتقرأ بي دي اف ليهم عملوا ايه معلش؟، ويشتغلولك أنا بحوش وبجيب كتاب بألفين جنية، دا مرتب ناس يولاد العرص، هو إيه اللي كتاب بألفين احا"
كان بسيوني مندهشاً أن زين يتحدث بهذه الراحة ولكنه خمن أنه أنجرف لأنه يتحدث عن شيئ يؤمن به، بالإضافة إلى أن زياد موجود في الغرفة
"ودايماً تلاقيهم بيصوتوا كتابي أجمد كتاب، الكتب الرخيصة معفنة وزي اسمها، الغالي للغالي، وهما كتابهم أخره يتعمل قرطاس ويتحط فيه طعمية"
حمحم بسيوني محاولاً قطع الحديث ثم سأل
"سمعت قبل كده طر بنا يا ليل؟"
"لا، إيه دا؟"
فتح بسيوني يتيوب
"دي أغنية، سمعتها قبل كده؟"
"خالص"
بينما يشغل بسيوني الأغنية وهو يتحدث مع رياض ثم خرجا من الغرفة ليتحدثا بخصوص زين براحة، إقترب أمجد ومد حقيبة هدايا لزين
"شكراً"
اخذها منه رغم إستغرابه
"شوفها"
قال أمجد وأخرج زين محتوى الحقيبة، كانت ملصقات جدارية لفرقة بينك فلويد
"شكراً"
شكره رغم أنها لم تكن فرقته المفضلة
لكن كذبة تاليا جعلت أمجد يعتقد أنها فرقته المفضلة لذا أحضر له هذه الهدية، شعر زين بأن أمجد ليس بكل هذا السوء
كان بسيوني يغني مع الأغنية بينما رياض يراقبه بإندهاش لأنها أول مرة يسمع فيها هذه الأغنية
أي عطرٍ منكِ لَم يَهوى الفَرَاش؟
أي ثَغرٍ لم يُرَدد بِتأني؟
يا بَريقَ الخَمرِ، يا رِي العِطاش
ذوبي ثَغرَكِ بثَغري، وغني
طِر بِنا يا ليلُ واسكر يا صباح
قهقه وعندها قال رياض
"أنا آسف بجد على اللي حصل"
كان يشعر بالذنب تجاه زين
"على إيه؟، زين كان بيعمل سيلف هارم بسبب الضغط النفسي، دا مش معناه إنك السبب، كان المفروض أنا اللي آخد كلامه بجدية وننقل بسرعة لأنه عنده مشاكل مع الناس من وهو صغير، حتى مكنش بيروح المدرسة كتير"
"بيسو، ما تحاولش تتوه الموضوع، أنا عارف إن زين مش بيحبني"
كان رياض يشعر بأنه السبب، وأن كل هذا حدث بسبب إخباره لبسيوني أن زين يقوم بالتدخين
"سو!، مش معنى أنه مش بيحبك إنك السبب"
قال ثم حاول تغيير الجو
"مراتي كانت بتحب ترقص على الأغنية دي رقص فلكلور، اصلها أيام الجامعة كانت جزء من فريق الرقص الفلكلوري، وقدمت عروض كتير"
"يعني إيه رقص فلكلور؟"
سأل رياض ببلاهة وشرح بسيوني
"يعني رقص مصري خام، اصل اما الاجانب بدأوا يرقصوا مصري كانوا بيعكوا، وبيدخلوا حركات من عندهم، فا الرقاصات اللي بتشوفهم الأيام دي رقصهم مش مصري بحت، في حركات مش تبعنا، انما الفلكلور دا رقصنا التراثي من غير أي لمسة اجنبية وله أنواع كتير"
بدأ يدندن ويتمايل ويحرك ذراعيه وخصره بمرونة مع الأغنية
كل قَلبٍ باسمكِ الخَمري باح
مِثلما جيد تهاوى فَوقَ زَند حَمَلَت أنفاسَهُ الريحُ
وفاح بِشذى وردٍ ونسرينٍ ورَند
طِر بِنا يا لَيلُ واسكر يا صباح
انضمت تاليا إليه وبدأت ترقص معه
وبعد التفكير للحظات أدرك رياض بأن زياد ليس بمشكلة ولا يهدد علاقته ببسيوني
المشكلة الحقيقية هو تعلقه بزوجته المتوفاة
يا حبيباً قَد أطَل طِبتَ يا حُلمًا مُجنَّح
طِر بِنا تيهًا ودل في غماماتٍ مِلاح
طِر جناحًا، طِر جناحًا طِر جناحًا مُستهامًا بِجناح
"ممكن اتكلم مع زين لحظة؟"
سأل رياض وعندها سأل بسيوني زين، الذي تردد ثم وافق
خرجوا وتركوهما وحدهما وعندها جلس رياض على السرير وأخذ نفساً عميقاً ثم بدأ حديثه
"أنا مش عيل، ومش هقول لبسيوني حاجة، ولا لأي حد، ما تقلقش"
تجاهل زين جملته وسأل
"اونكل رياض ممكن اسألك حاجة؟"
إستغرب رياض لكنه رد في النهاية
"آه"
قرر طرح السؤال الذي يقفز في رأسه بإستمرار
"هو إنت معجب ببيسو؟"
.
حبيبي يا متغرب

طر بنا يا ليل

.
23. نداء أحلامي ويقين أوهامي
وحياة قلبي وافراحه وهناه في مساه وصباحه
مالقيت فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه
كان بسيوني يجهز حديقة الفيلا لحفل تخرج تاليا بينما يستمع لعبدالحليم، كان يقوم بتنسيق الزهور حتى تدخل زياد
"ليه اشتريت زنبق؟، دا فال وحش"
"افندم!"
إستغرب بسيوني بينما زياد بدأ ينتزع زهور الزنبق من بين الزهور الأخرى
"الزنبق دا فال وحش، ما يتحطش في الافراح، أخره جنازات"
"إيه الهبل دا؟"
لم يكن بسيوني مقتنعاً
"اهو طول ما إنت بتتكلم كده عمر النحس ما هيتفك"
قال زياد بعد أن إنتهى من جمع كل زهور الزنبق ووضعهم في سلة
"ابقى خدها لمراتك بقى"
بعد جزء من الثانية سحب السلة قبل أن يأخذ بسيوني
"في إيه تاني؟"
سأل بسيوني بضجر
"أنا افتكرت إني محتاجهم"
قال ثم أخذهم فوراً لسيارته
كان زياد يشعر بالغيرة من تعلق بسيوني بزوجته، حتى وهي ميته، بل كان يرى أن الأسوأ أنها ميته لأنها تحافظ على صورتها المثالية في عقله فلا يوجد ما يمكنها فعله لينطفئ إعجابه بها
سمع صوت محرك سيارة ثم هتاف تاليا
"اونكل رياض"
التفت ورأى رياض ينزل من سيارته حاملاً علبة هدايا كبيرة
"مبروك النجاح"
قال باسماً واعطاها الهدية
"فين زين؟"
سأل أمجد فور نزوله من السيارة وأشارت تاليا لمكانه
كان أمجد يحمل جهازه اللوحي، هرول لأمجد
"شفت وصلت لليفل كام؟"
كان كليهما يلعبان لعبة على الانترنت
"كام؟"
سأل زين ووجد أمجد أصبح في المركز الأول
"ياه!، للدرجة دي إنت فاضي؟"
لكم أمجد ذراعه ثم تذكر حروقه وعندها إعتذر بسرعة
"أنا آسف، نسيت"
"اتس فاين"
رد وكان أمجد قلقاً
"بجد؟"
"أيوة يا عم بجد"
رد بضجر
"بيسو"
التفت بسيوني باسماً عند سماع صوت رياض، والأفضل كان أنه يناديه بلقبه وليس باسمه
تبادلا عناقاً حميمياً ثم بدأ يسأله عن حاله وحال زين، وبسيوني بدوره سأله عن حال أمجد ورموش، وأخبره أن رموش ستقضي اليوم مع والدتها لذا لم تأتي
"رياض، هاي!"
كان زياد، صافح رياض وكليهما يبتسمان بتصنع
"تعالوا ندخل نقعد جوة ونسيب العيال"
قال بسيوني ودخل وتبعاه
قدم لهما العصير ثم جلس
"المفروض هتحبس هنا طول الحفلة عشان الآنسة تاليا ادولت اينف انها ما يكونش في حفلتها اشراف اولياء أمور"
قال بسيوني وقهقه رياض
"هي قدامك، ما تقلقش"
"هو أنا قلت حاجة؟، اديني سايبهم"
"تاليا وزين اذكيا ومش محتاجين أشراف"
قال زياد ورد بسيوني
"واخد بالي"
حمحم عندما شعر بالتوتر في الجو
"هشغل أغنية"
"شغل مضناك"
إقترح زياد وإعترض رياض
"سهرت منه الليالي حلوة"
"هو أنا الدي جي بتاعكم؟، لا إنت ولا هو، أنا هشغل الشيخ امام"
قال وإستغرب رياض
"ليه هو احنا في عزا"
توقف بسيوني عن تحريك اصابعه على الهاتف ونظر لرياض
"إيه؟"
"هتشغل قرآن ليه؟"
سأل بإستغراب حقيقي وعندها إنفجر بسيوني وزياد بالضحك، بسيوني فقد صوابه وكان يقهقه بجنون لدرجة أنه وقع على الأرض من كثرة الضحك
"في إيه؟"
سأل رياض بإستغراب فلم يكن يفهم سبب ضحكهما
"إنت متعرفش الشيخ امام؟"
سأل زياد بعد أن سيطر على قهقهاته
"لا، معرفش الا عبدالباسط"
رد وعندها ارتفعت قهقهات بسيوني أكثر بعد أن كان قد بدأ يهدأ، كاد يختنق من كثرة الضحك
"الشيخ امام دا مغني وملحن"
قال زياد وإستغرب رياض
"بجد!، وليه اسمه الشيخ؟"
"لونج ستوري"
قال زياد وكان بسيوني ينظم أنفاسه محاولاً السيطرة على ضحكه قبل أن يموت من كثرة الضحك
استقام رياض واقفاً وجلس على الأرض ليساعد بسيوني على الاعتدال جالساً
"أنا اسف، أنا رود أوي مش المفروض أضحك بس مش قادر"
واصل قهقهته واستند على صدر رياض وقال وهو يحاول التوقف عن الضحك
"أنا اسف بجد"
بدأ رياض يقهقه هو الآخر بسبب قهقهات بسيوني بالأخص مع قربه منه، كان قد إشتاق إليه بعد أن أصبح كل واحد منهما في منزل مختلف
حتى أنه انتكس وعاد لطلب الطعام بدلاً من محاولة الطهي، منزله أصبح مليئ بالفوضى كالسابق وعاد لطلب عاملة نظافة لتنظيفه، الشيئ الوحيد المستقر جزئياً هو علاقته بولديه
كان زياد لا يشعر بالراحة تجاه رياض في البداية لأنه كاره للمثليين، ولكن الآن هو قلق لأنه يبدو معجباً ببسيوني، كان من السهل ملاحظة الأمر
"شغلنا فضيلة الشيخ امام"
قال رياض وعاد بسيوني للقهقهة بعد أن كان قد توقف
كان رياض مستمتعاً بسماع قهقهاته، تنهد تنهيدة طويلة وهو يهيم ببسيوني حتى توقف أخيراً عن القهقهة وشغل الأغنية
أهيم شوقاً، أعود شوقاً، إلى لماك وسلسبيلي
أهيم شوقا أعود شوقا أنا، أنا
استقام بسيوني واقفاً وبدأ يحرك يديه ويدندن مع الأغنية
"بتفكرك بحاجة؟"
سأل رياض
"مراتي"
رد بسيوني بفتور ثم أضاف بسرعة
"مش قصدي اقلبها نكد، مراتي ذكرى سعيدة مش حزينة، لو خليتها ذكرى حزينة هتطلع من قبرها تضربني"
قهقه مع نهاية حديثه
"إيه أخبار أمجد؟"
غير بسيوني الموضوع
"زي الفل، اهو قاعد بيلعب هو وزين في الجنينة، شوية وهيكسروا التاب"
قهقه بسيوني
"معرفش بيتهوسوا بالألعاب دي ليه، بحسها ممله أوي"
"مش أوي، هي ممتعة وبتضيع الوقت"
تدخل زياد في النقاش
"عندي حاجات كتير أعملها، معنديش وقت أضيعه"
قال بسيوني وعندها رد زياد
"لو كنت معايا مكنش هيبقى عندي وقت أضيعه أنا كمان"
حمحم بسيوني محاولاً تشتيت رياض عن الجملة لأنه توتر وقرر الإرتجال والتحدث بأول شيئ يخطر على باله
"بفكر أجرب العب كورة"
لكن خطته لم تنجح وسأل رياض زياد
"زين متعلق بيك أوي، شكلك بتقضي معاه وقت كتير"
"زين دا إبني، أنا ربيته"
"فعلاً!"
رفع حاجبه بشك
"لو سألته هيقولك"
قال زياد ولم يكن بسيوني مرتاحاً لحديثهما عن إبنه أمامه
"ممكن تبطلوا كلام عن زين؟"
قال بحزم وحل الهدوء وكان الصوت الوحيد هو صوت غناء الشيخ امام
هربت منك لقيتني فيك
بعدت عنك قربت ليك
"أنا هخرج أشوف زين"
قال زياد وخرج لأنه كان يشعر بالإختناق والضغط
"أنا آسف، أنا كنت سمج جداً"
إعتذر رياض
"ولا يهمك، انتم الإتنين كنتم اسمج من بعض"
كان يقصد رياض وزياد وتفاجأ رياض أن بسيوني لم يرد بلطف كعادته، كان يبدو أن صبره قد نفذ
"أنا مش لعبة تشألوها لبعض"
تذمر بسيوني وإستغرب رياض
"ت ايه؟"
"ترموها لبعض يعني"
غير الكلمة
"إيه الكلمة اللي قلتها دي؟"
كان فضولياً لأنه لم يسبق أن سمعها
"نفس المعنى"
حمحم رياض بعد أن قرر التشجع وأخذ قراره
"ممكن أشغل أغنية؟"
"شور"
قال ومد له هاتفه ولكن رياض قال
"هي على موبايلي، هشغلها أنا"
شغل أغنية محمد قنديل أهواك وتفاجأ بسيوني
"تعرفها!"
لقد عرفها منذ ثلاثة أيام فقط، سأل طليقته عن أغاني للحب وارسلت له قائمة وإختارها منها
إستقام واقفاً ومد يده لبسيوني
"ممكن تعلمني الرقص؟"
كان يتحدث بنبرة مختنقة من فرط قلقه مما يقوم به، فلم يسبق له القيام بشيئ كهذا من قبل
إبتسم بسيوني وأمسك بيده
"شور"
اهواكَ اهواكَ من قبل لقياكَ
غنى وناداكَ، قلبً تهيأََ
لحناً فغناهُ ما كان إلاكَ
اهواكَ اهواكَ
استقام واقفاً ثم افلت يد رياض ليرقص بحرية
وقف رياض يراقبه بصمت، عيناه تتبعان كل حركة، كل التفافة، كل حركة خفيفة في كتفيه، لم يكن الأمر مجرد رقص، بل انسياب خالص بين الجسد والموسيقى، وكأن روحه تنسجم مع كل نغمة
بسيوني لم يكن ينظر إلى رياض، لكنه كان يشعر به، كان يعرف أنه هناك، يتأمل، يتابع كل خطوة، لذا، عندما رفع كعب قدمه اليمنى، ثم حرك قدمه اليسرى للأمام بمرونة زائدة، وكأنه يترك أثراً خفيفاً في الهواء صنع إتصالاً بصرياً قصيراً مع رياض دام لثواني، عاد بقدمه للخلف، خصره يهتز بخفة، وذراعاه تتحركان بانسيابية تتناغم مع الموسيقى ومع العيون التي تتابعه، ابتسامته كانت واسعة، تكشف عن أسنانه البيضاء، وكأنها جزء من الإيقاع، جزء من الرقصة نفسها، لا تفارقه وهو يدور، وهو يتقدم ويتراجع بخفة
كان يرقص حوله، وكأن هناك دائرة خفية يتبعها، دائرة لم يكن بحاجة إلى رسمها، لأنه يعرف مكانها جيداً، اقترب منه بخطوات محسوبة، يدور نصف دورة ليواجهه للحظة قصيرة، قبل أن يتراجع بخفة، ليعود مرة أخرى، كانت عيناه تلمعان بالحماس، والابتسامة تمتد مع كل التفافة، تتسع أكثر كلما زاد انسيابه مع اللحن
عندما تصاعد اللحن، تسارعت خطواته، لكنه لم يفقد إيقاعه، لم يفقد توازنه، كانت ذراعاه تتحركان على الجانبين، تتبعان تدفق اللحن، وحين مال برأسه بإيقاع خفيف، لمح نظرة الآخر، إعجاب غير معلن، لكنه لا يتطلب البوح ففي حضور النظرات لا تحتاج الكلام
ظل يدور من حوله، كأنه يسحبه إلى تلك الدائرة غير المرئية، يدعوه ليفهم الإيقاع بطريقته الخاصة، ليشعر به كما يشعر به هو، وابتسامته لا تزال هناك، مشرقة، ثابتة
مع إنتهاء الأغنية توقف، مباشرةً أمام رياض، قدماه ثبتتا على الأرض، صدره يعلو ويهبط وهو يلتقط أنفاسه، وابتسامته لا تزال تلمع فوق شفتيه، يشعر بنشوة سعادة حقيقية لأنه لم يرقص هكذا منذ مدة طويلة، كان يشعر بأنه أصغر بعشر سنوات، وكأن الرقص كان حواراً طويلاً انتهى بلحظة صمت
دام اتصال الأعين لثواني حتى أصبحت دقيقة كاملة، كانت مسابقة تحديق، تبعث بخليط من المشاعر
"بسيوني"
همس رياض باسمه وهمهم بسيوني كرد
"إنت شاطر أوي"
قال وعندها قطع بسيوني الاتصال البصري وقهقه
"ميرسي"
ابتعد عنه وهو يكمل
"بس إنت تلميذ فاشل عشا.."
لم يكمل حديثه لأن رياض باغته بحركة سريعة، سحبه من معصمه وقبلَ شفتيه
فجأة بدأت كل اللحظات مع رياض تصبح أكثر وضوحاً بالنسبة لبسيوني، هذا الرجل ليس صديقه، بل مغرم به
لم يكن يعلم هل هو منصدم أن الرجل الذي كان يعتقد أنه مغاير معجب به، أم أنه تجرأ وقبلهُ
"سوري، أنا.."
فصل القبلة بعد إستيعاب فعلته وكان يبحث عن عذر ليقوله لكن تاهت الكلمات وتبخرت الحروف، لم يعد يستطيع الحديث
"هحطلك كيكة من اللي عملتها"
قال بإرتباك محاولاً تجاهل ما حدث لكن يده كان ترتعش من التوتر
تحرك للمطبخ لكن رياض اوقفه
"شكراً، حليت"
شعر بسيوني بتوتر أكثر، منذ متى يجيد الرجل الروتيني البسيط الغزل؟
"بيسو تعالى اتصور معايا"
دخلت تاليا وسحبت بسيوني لتنقذه من الموقف المحرج بينما رياض بدأ ينظم أنفاسه بسبب إرتباكه
كيف فعل شيئ كهذا؟
"هتعملي فيها مكسوف؟، تعالى أتصور"
كان زين الذي سحب رياض من طرف كنزته
.
وحياة قلبي وافراحه

اهيم شوقاً

اهواك

.
24. أحبه كثيراً
مقدرش أحب غيرك ولا اقدر أحب تاني
وأحاول انسي ليلة ليلة مقدرش أنساك
ثواني ثواني مقدرش أنساك ثواني
وأتمنى أنسى حبك القى النسيان أماني
يالي مكتوبلي احبك بعد عمري كمان
إنت مكتوبلك يا بختك
نعمة النسيان، نعمة النسيان يا بختك
كان يستمع لميادة الحناوي بينما يجلس في الشرفة، يمسك بزجاجة فودكا ويحرك اصبعه على فوهتها بينما عينيه تحدقان في السماء أثناء شروده
لم يكن يستطيع تخطى فكرة أنه انفصل عن بسيوني، حاول مراراً وتكراراً معه لكن بسيوني كان قد أنهى الأمر بشكل نهائي
حتى بعد أن طلب منه البقاء معه في المنزل أخبره أن هذا من أجل زين فقط وأنه لا ينوي العودة إليه أبداً، كان دائماً واضحاً في قراره تجاه علاقتهما
مازال يتذكر شجارهما الذي سبب انفصالهما وكأنه البارحة، ومازال يوبخ نفسه على كل كلمة قالها في ذاك الشجار ويتمنى لو أنه اصيب بالخرس قبل أن ينطق بهذه الكلمات
"زيكو"
دخل زين الشرفة وعندها استفاق زياد من شروده، وضع الزجاجة بحرص جانباً وإبتسم وفتح ذراعيه ليعانق زين
"إيه اللي جابك؟"
"إنت بتعمل إيه هنا؟"
رد زين ثم سأله لأنه لمح الزجاجة
"إنت رجعت تشرب تاني؟"
"لا، دا عادي، مش ادمان، ما تقلقش عليا"
قبلَ خده بعدها
"زيكو إنت زعلان عشان شايف اونكل رياض قريب من بيسو صح؟"
"أيوة"
رد بصراحة وأكمل
"وحاسس نفسي باد بيرسون أوي، يعني الراجل الهيترو اللي ريحته توكسيك ماسكيلنتي عرف يقرب من بيسو بالسرعة دي وأنا فشلت في إني أحافظ على علاقتنا"
"هو أنتم سبتوا بعض ليه؟"
كان زين فضولياً تجاه السبب
"ما ينفعش أقولك"
"ليه؟، جايز أساعد"
"دي حاجة بيني وبين بيسو، لو هو قالهالك ماشي، إنما طالما هو ساكت مليش حق أقولها"
حل الصمت لثواني ثم سأل زين
"إنت اخدت بالك إن اونكل رياض معجب ببيسو؟"
تنهد زياد تنهيدة طويلة يحاول بها تهدأة قلقه، كان يحاول أن لا يفكر في علاقة بسيوني ورياض فهو لن يحتمل فكرة رؤية بسيوني مع شخص آخر
"أيوة، أنا مش أعمى يعني"
"زيكو هو لو بيسو دخل علاقة مع رياض هتفضل معايا؟"
"إنت شايف إن بيسو ممكن يدخل علاقة مع رياض؟"
سأل زياد بتردد لأنه كان غير مستعد لسماع الإجابة
"في البداية لا، بس دلوقتي اي كان سي شرارة الحب في عيون رياض"
"وبيسو؟"
"معنديش فكرة"
أغمض زياد عينيه بينما يحاول تنظيم أنفاسه من فرط توتره، أمسك زين بيديه برفق ليساعده على السيطرة على نوبة قلقه
"في ادوية بتاخدها؟"
"لا، بانيك عادية، مش مستاهلة"
أخذ شهيقاً طويلاً ثم زفره ببطئ وفتح عينيه وإبتسم
"أنا كويس"
"مش هتتصور مع تاليا؟"
سأل زين وعندها إستقام زياد واقفاً
"يلا نتصور مع تاليا"
نزلا السلالم وصولاً للحديقة حيث الحفلة، قفزت تاليا بحماس عند رؤية زياد وركضت إليه وعانقته بقوة
"كنت فين؟"
"بشم شوية هوا"
رد ثم مال وقبلَ خدها
التقطت صورة معه وكان هناك صبي خجول يسترق النظرات لزياد، أمسكت تاليا بيده وسحبته إليه
"زيكو دا ميرو، ميرو دا زيكو"
إبتسم زياد ومد يده وصافحه الصبي بحذر، سحبتهما تاليا بعيداً عن ضوضاء الحفل ثم سألت زياد
"زيكو ممكن تكام اوت لميرو؟"
إستغرب ثم رد
"شور"
حمحم ثم بدأ يتحدث
"أنا زياد، كال مي زيكو، جاي مان، عرفت دا اما كنت في اعدادي، وعديت بمراحل متخلفة كتير، بعدين ارتبطت بحب حياتي بيسو والد تاليا عشر سنين كانت أجمل عشر سنين في حياتي، بس الحلو ما بيكملش وانفصلنا"
استجمع الصبي شجاعته وقال بتوتر
"أنا ميرو، ترانس بوي"
"واو!، دي شجاعة منك إنك تكام اوت، أنا مبسوط إنك حاسس بالإرتياح معايا، وعلى فكرة ممكن تعتبرني والدك وتسألني أي حاجة، اسأل تاليا حتى"
كان زياد بارعاً في تقديم الدعم، بالأخص عندما يتعلق الأمر بمجتمع ميم عين وهذا كان سبب تعلق زين به
"زيكو ممكن ميرو يبات معانا النهاردة؟، اهله مسافرين وهيقعد لوحده"
قالت واعترض ميرو بخجل
"لا، هرجع البيت"
"وتقعد لوحدك ليه؟، اقعد معانا، قولتي لبيسو؟"
سأل تاليا
"نات يت"
ردت وعندها قال
"اوكاي، هو أكيد مش هيرفض، بس لازم تسأليه"
"مش ضروري"
كان محرجاً
"احنا ما بنعضش على فكرة، عيلتنا كول جداً وهتحبها"
قال زياد باسماً ثم داعب شعر ميرو
سحبت تاليا ميرو لبسيوني الذي كان يتحدث مع زين
"بيسو، ممكن ميرو يبات عندنا؟"
سألت بإندفاع
"يا سلام!، ينور"
رد بسيوني بود ثم مال وقبلَ خده، كان ميرو مندهشاً من كمية المودة الموجودة في هذه الأسرة
"بيسو أمجد عايز يبات معاكم"
قال رياض ومال بسيوني على أمجد وقبلَ خده
"ينور"
نظر رياض لميرو نظرة فاحصة جعلته قلقاً
"دي صاحبتك يا تاليا؟"
سأل رياض لأن شعر ميرو كان طويلاً
"هي نات شي، دا صاحبي"
قالت وصحح رياض لها كأي رجل شرقي
"اسمها زميلي مش صاحبي"
تجاهلته تاليا وعرفت به
"دا اونكل رياض، شكله يخض بس هو كيوت"
قهقه رياض
"بقى كده؟"
"ما تكشرش في وش الواد، بصله كويس"
وبخته تاليا
"أنا آسف يا أستاذ"
قال رياض ممثلاً الندم ثم مد يده وصافحه ميرو بحذر بسبب قلقه
"اونكل رياض ما تقعد إنت كمان، كده كده رموش عند مامتها، هترجع البيت تقعد لوحدك تغني ظلموه؟"
اقترحت تاليا ثم وجهت حديثها لبسيوني
"مش صح ولا إيه؟"
توتر بسيوني
"آه، أكيد"
كان يتجنب أي اتصال أعين برياض منذ القبلة، نظر رياض إليه ثم قال
"شكلك مش عايزني أقعد"
"إيه اللي بتقوله دا؟، عيب أوي، أكيد عايزك تقعد"
"بُصلي وإنت بتقولها طيب"
قال محاولاً اجباره على النظر إليه
"اونكل رياض ستاب تيسينج هيم"
تدخلت تاليا لأنها فهمت الوضع وقهقه رياض
"اروبه البنت دي"
سحبت تاليا ميرو خلفها وبقي رياض وبسيوني معاً، يقفان بالقرب من بعضهما في الحفلة لكن يشعران بأنهما وحدهما تماماً، وكان بسيوني يشعر بالإختناق من فرط قلقه
دخل للمنزل وبدأ يلتقط أنفاسه وعقله يسترجع القبلة مرات ومرات، هو لم يفكر ولو للحظة أن رياض قد يقوم بشيئ كهذا، فهو بالكاد كان يعانق اولاده فما بالك بتقبيل رجل آخر!
يبدو أنه قد غير الكثير من الأشياء في الرجل الروتيني الجاف
"إنت كويس؟"
كان صوت رياض، التفت بسيوني بسرعة وأومأ
"هو أنا ضايقتك؟"
سأل ولم يعلم بسيوني ما الرد الصحيح لهذا السؤال لذا ظل صامتاً
"بص أنا معرفش حاجات كتير عنك، وحتى عني، بس عملت دا غصب عني، معرفش إزاي"
كان يتحدث بتوتر ثم قال بسرعة عندما بدأ يشعر بالرفض
"إيه رأيك نمثل إن دا ما حصلش؟"
"كول، جود ايديا"
رد بسيوني ثم حمحم وابتعد عنه
"هشوف تاليا"
خرج من المنزل وتنهد رياض بضيق، لا يعلم هل ما فعله تصرف صحيح أم لا، هو بالأساس لا يعلم هل تلك القبلة تصرف جيد أم سيئ فهو لا يستوعب فعلته
انتهت الحفلة وإستغرب رياض عندما علم بأن ميرو سيقضي الليلة معهم أيضاً فهو كان يراه رجلاً غريباً حتى ولو لم يكن يراه يشبه الرجال وحتى لو كان في المرحلة الإعدادية
"هو عادي الولد دا يبات هنا؟"
سأل رياض بينما يقوم بسيوني بتنظيف الحديقة
"أيوة عادي"
رد بسيوني ببساطة
"مش كويس على تاليا تبيت أولاد في بيتها من السن دا"
"منا موجود عادي"
كان مازال يتحدث ببساطة
"بسيوني هو إيه رأيك فيا؟"
سأل وعندها التفت بسيوني إليه ليعطيه كامل إنتباهه
"إيه؟"
"أنا جود بيرسون؟"
سأل ورد بسيوني
"مفيش حاجة اسمها جود بيرسون، الكويس والوحش والأخلاق حاجات نسبية بتختلف من شخص للتاني"
"أنا عايز رأيك إنت فيا"
ظل بسيوني صامتاً لثواني ثم رد
"يعني، كويس"
"إيه ناقصني عشان أكون حد كويس في نظرك؟"
"إنت كويس، مش محتاج حاجة"
رد ثم قال ليهرب منه
"هلحق أعمل العشا"
ظل رياض يفكر لبعض الوقت ثم دخل ووجد زياد وبسيوني يتحدثان مع ميرو بمرح ويقُبلانه، وقرر أن يفعل مثلهما، إقترب منهم بثبات، شعروا بالقلق حتى مال وقبلَ خد ميرو هو الآخر
"ميرو لقيتلك بيجامة تلبسها"
ناداه زين وعندها رافقه ميرو لغرفته
خرج مرتدياً بيجامة زين البيضاء المرسوم عليها دببة رمادية، كان يشعر بالتوتر
"إيه القمر دا؟"
قال زياد بإبتسامة واسعة ثم قبلَ خده عدة مرات
"الولد دا شكله بنت أوي"
علق رياض بتلقائية وهو يساعد بسيوني في نقل وسادات لغرفة فارغة ليجهزوها لأمجد
"ودا مشكلة؟"
سأل بسيوني
"مستغرب بس"
رد رياض
"أنا بسألك، عندك مشكلة مع الرجالة اللي شبه الستات أو العكس؟"
"طالما حاجة ما تمسنيش مليش دعوة"
قرر التهرب من السؤال بذكاء
أخذ بسيوني نفساً عميقاً ثم قال
"لو قولتلك مثلاً إني اتولدت بنت وعملت عملية وبقيت راجل إيه هيبقى رأيك فيا؟"
حل الصمت لثواني ثم قال رياض
"مستحيل طبعاً"
"لو عرفت حاجة زي دي عني، إيه رأيك؟"
كان يحافظ على هدوئه وهو يطرح السؤال
"مستحيل، إنت مخلف"
"مش يمكن أنا اللي مخلفهم بنفسي مش مراتي؟"
قال جاعلاً رأس رياض يكاد ينفجر ثم كرر سؤاله
"لو عرفت إني اتولدت بنت وبقيت راجل هيكون إيه رأيك فيا؟"
"مش عارف"
رد لأنه حقاً كان جاهلاً عن هذه الأمور
مال بسيوني عليه وهمس
"عايز تقتلني مثلاً؟"
تبادلا النظرات لثواني، كان رياض حائراً بينما عينا بسيوني كانت كعيني صياد محاولاً الضغط عليه للحصول على إجابة
"عمري"
همس رياض
"ويا ترى دا رأيك في أي حد كده ولا دا ليا بس؟"
جعل السؤال أصعب ليحصل على إجابة حاسمة
"بسيوني أنا حاسس اني بتخنق"
بدأ يسعل لأن الضغط النفسي جعل قلبه وانفاسه تتلاحق، أسرع بسيوني وأمسك به بقلق
"اتنفس معايا، اهدى"
بدأ يقوم بتمارين التنفس حتى هدأ رياض
"أنا آسف إني ضغطت عليك، أنا آسف بجد"
كان بسيوني يشعر بالذنب واستمر بالإعتذار وبتلقائية قبلَ جبينه
"لو هتبوسني في كل مرة هبانيك فيها فأنا هبانيك كل يوم"
قال رياض وعندها دفعه بسيوني بإنزعاج لأنه شعر أنه يسخر منه
"دنتا سمج"
خرج بسيوني ليتابع اعداد العشاء بينما يلعب الاولاد مع زياد، خرج رياض ثم امسك هاتف بسيوني وشغل أغنية فايزة أحمد أحبه كثيرا
"ممكن أساعدك؟"
سأل بسيوني الذي تنهد بضيق
"صب العصير"
بدأ صب العصير بسعادة لأنه يشارك بسيوني العمل، بينما يستمع لفايزة أحمد
أحبه كثيراً
أحبه لأني كأنه كأني
أصبحت في هواه منه وصار مني
إن حدثوه عني يذوب مرتين
وإن حكوا عليه اريق دمعتين
فدمعة لكوني أحبه كثيراً
ودمعة لأني وجدته أخيراً
.
نعمه النسيان

أحبه كثيراً
25. مصر يا بهية
I'm not one to stick around
One strike and you're out, baby
Don't care if I sound crazy
But you never let me down, no, no
That's why when the sun's up, I'm stayin'
Still layin' in your bed, singin
كان زين يرقص مع ميرو، متشابكين الأيادي على الأغنية التي اختارها بنفسه
"بتحب اريانا جراندي؟"
سأل زين محاولاً خلق حديث معه لأنه كان مازال يبدو متوتراً
"نات ريلي، بحبلها كام أغنية بس"
رد ميرو ثم إستطرد
"شكلك بتعرف ترقص"
"طبعاً، بابا نفسه بيعرف يرقص، وزيكو كمان"
"عيلتك كول أوي"
"لو زهقت من بيتك ممكن تجيلنا على طول"
قالت تاليا بمرح
"مش قصدي"
ارتبك ميرو وشعر بالإحراج
"عادي، تقدر تيجي في أي وقت فعلاً، وهتكلم عن بيتي أنا، أنا بيتي مش بعيد، هتركب أي تاكسي وتقوله ينزلك عند هايبر وهاجي آخدك من هناك، أصلاً حتى لو قدر ونسيت رقمي وكلمت العمال هناك وقولتلهم عايز زياد توشكى هيكلموني وهجيلك"
تدخل زياد في المحادثة، كان يحمل صينية تحوي أطباق حلويات
"أنا بجد مش قصدي"
كان محرجاً ويشعر بأنه طفيلي بينهم
"بس أنا قصدي، تنورني في أي وقت"
كان زياد ودوداً جداً ولم يكن ميرو معتاداً على اللطف
"عايز تقول إيه؟"
توقف بسيوني عن غسل الأطباق والتفت لرياض لأنه كان يشعر بتحديقه
تنحنح رياض بتوتر
"مثلاً، إيه اللي ممكن يكون فيا عشان تعيش معايا؟"
"رياض إحنا اصحاب بس، أنا شروطي للبارتنر بتاعي كتيرة جداً عليك، واتس فاين أنا مش هطالبك تتغير، خلينا اصحاب أحسن"
كان بسيوني يرى أنه من المستحيل لرياض أن يتحلى بصفات الرجل الذي يريده شريكاً لحياته
"جربني"
قال برجاء ورد بسيوني غير متأثر به
"لا، إنك تغير نفسك عشان حد دا مش صحي ومش صح أصلاً، المفروض بتتغير عشان نفسك، قناعتك، مش عشان تعجب حد"
"للدرجة دي بتكرهني؟"
"ما تحاولش تتلاعب بيا، احنا أكبر من الهطل دا"
قال بلا مبالاة وعندها سأله رياض
"طب ممكن بوسة؟"
استغرب بسيوني لدرجة أنه شك في سمعه
"افندم!"
"بهزر"
تراجع رياض عن طلبه بسرعة
"إنت بس اتعودت على وجودنا فا عايز تفضل معانا أكثر، دا كل الموضوع"
رد بسيوني
جلس رياض على المقعد وبدأ يفكر ما المقاييس التي يضعها بسيوني لشريك حياته؟، ومن يمكن أن يساعده بمعرفتها؟
"زين، عايزك لحظة"
دخل رياض غرفة زين وقال بدون مقدمات
تفاجأ الجميع من صوته ثم في النهاية خرج زين للحديث معه
"خير!"
"إيه شروط بسيوني للبارتنر بتاعه؟"
سأل بشكل مباشر
"نعم!"
لم يستوعب سؤاله وكرره رياض ببطئ بلا خجل
"إيه شروط بسيوني للبارتنر بتاعه؟"
"كتير، ومش هتفهمها، وأنا حتى معرفهمش كلهم"
رد زين
"قولي اللي تعرفه"
ورغم أن زين كان يرى أنه لا يوجد أي فائدة من إخبار رياض بأي شيئ فهو يستحيل أن يوافي شروط بسيوني فهو قرر الحديث منتظراً أن يتفاجأ وينسحب
"اوكاي، في البداية مش بيقبل الظلم، أكيد داعم للاجي بي تي كومينتي، مش معنى إنك جزء من الالجي بي تي كومينتي إنك حد كويس، في منهم ليزفوبيك أو بايفوبيك أو ترانسفوبيك، وبيسو مش بيحب دا خالص"
"يعني إيه؟"
سأل ببلاهة وتنهد زين بضيق
"ليزفوبيك يعني حد مش متقبل المثليات، بايفوبيك حد مش متقبل مزدوجي الميول، ترانسفوبيك حد مش متقبل العابرين"
"يعني إيه عابرين؟"
"يعني تتولد في جسم بجندر معين وإنت مش حاسس إنه بتاعك فا بتعبر للجندر التاني وتعرف نفسك بيه"
كان رياض جاهلاً تماماً
"قصدك متحولين؟"
"متحولين كلمة بيستخدموها لوصم العابرين بإنهم اتحولوا من الجندر اللي اتولدوا بيه لغيره كأن الجندر اللي اتولدوا بيه هو الصح والعبور هو تحول وغلطة، فا ما بنقولش متحولين دي خالص"
نبهه ثم أضاف
"أنا شايف اللي عرفته دا كفاية يخليك تعرف إنك مش هتعرف تتأقلم معانا"
"ليه؟"
رغم أنه كان يشعر بالضياع بين المعلومات لكنه كان يرغب بالبقاء مع بسيوني
"بيسو ساب زيكو، ومش عشان زيكو رباني بقول كده بس بجد زيكو مفيهوش غلطة، وفي الآخر بيسو سابه، إنت شايف إنك تقدر تدخل في علاقة معاه وإنت جاهل خالص عنه؟، على فكرة إنت لحد دلوقتي ما شفتش بيسو بيتصرف براحة حواليك لإنك نموذج الراجل الهيترو اللي نحسب تصرفاتنا واحنا معاه"
تحدث زين بصراحة فقد كان كبسيوني يرى أنه من المستحيل أن يدخل في علاقة معه وحتى لو حاول أن يتثقف فهو يفعل هذا بدون اقتناع، هو فقط يريد ارضاء بسيوني
لما انفصل زياد وبسيوني؟، زياد يبدو شخصية مثالية حقاً كما وصفه زين، إذاً لما انفصلا؟
ذهب للشرفة واخرج هاتفه وبدأ يقوم بالبحث بتوسع عن مجتمع ميم عين، ثم قفزت في رأسه زوجة بسيوني فجأة، كيف كانت زوجته؟، ففي النهاية زياد ليس النموذج المثالي الذي يقتدى به فقد تركه بسيوني في النهاية
ذهب لغرفة تاليا وطرق الباب، فتحت تاليا وعندها أشار لها
"عايزك ثانية"
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب
"خير!"
"هي والدتك الله يرحمها ملهاش صور، فيديوهات، أي حاجة"
"اكونتها على فيسبوك لسه موجود"
"عندها اكونت على فيسبوك؟"
تفاجأ لأن بسيوني ليس شخصاً نشطاً على فيسبوك وحسابه فارغ لذا اعتقد أن زوجته مثله
"أيوة، مامي كانت اكتيف جداً، هات موبايلك اوريك اكونتها"
ناولها الهاتف وكتبت اسم الحساب ثم فتحته له، كان لديها الكثير من المتابعين
إمرأة ذات بشرة خمرية، شعر بُني مجعد طويل، صورتها الشخصية على فيسبوك صورة وهي تقفز في الهواء وتبتسم بإتساع
شكر تاليا ودخل الشرفة ليتفقد حسابها، كان هناك الكثيرون يكتبون رثاء لها في صفحتها، تصفح لوقت طويل حتى وصل لآخر منشور نشرته
"باركولي، جبت ولد زي القمر وعشان كده سميته زين"
كانت منشوراتها مليئة بالحيوية، والرموز التعبيرية المرحة، وكانت تتحدث عن قضايا المرأة، الأقليات، القضايا السياسية وتشارك حبها للرقص والإستعراض ورقصت في مناسبات قومية كبيرة
وبعض منشوراتها كانت كلمات لأغاني، والبعض مقاطع لها وهي ترقص، تناظر للقضايا السياسية، لم يشعر أبداً بوجود بسيوني في حياتها وهذا جعله يستغرب
حتى وصل لصورة وحيدة تجمعها ببسيوني وهو يبدو أصغر كانت تكوب وجهه بيديها وتُقبل خده بينما يقفان في معرض فني، خلفهما لوحات بأسلوب الفن التجريدي
كيف يحب تلك المرأة لكل تلك الدرجة ولا توجد إلا صورة واحدة تجمعهما معاً؟، بدأ يفكر بأنه سطحي وأنه ليس بالضرورة عليهما نشر صورهما على فيسبوك فهو لم ينشر يوماً صورة له مع طليقته
كان هناك صفحات نشرت عنها، كان يبدو أنها كانت مشهورة، وهناك مقطع لها وهي تجلس على المسرح، تعزف بالجيتار وتغني
مصر ياما يا بهية
يام طرحة وجلابية
الزمن شاب و انتي شابة
هو رايح وانتي جاية
تركت الجيتار ووقفت لترقص ببراعة وهي تبتسم بينما يقوم الحضور بالتصفيق وهناك رجل على المسرح يدق الطبول، كانت إمرأة يملأها الحياة ورغم أنها ماتت قبل الثورة فهو متأكد تماماً أنها كانت لتشارك بها لو كانت حية
تلك المرأة تتنفس الحرية، لديها منشورات تدعم فيها المثليين والعابرين أيضاً، لم يكن يعتقد أنه في هذا الوقت كان هناك من يعلم بوجودهم بالأساس
شاركت في الكثير من الإحتجاجات، تم اعتقالها مرات ومرات ولكن هذا لم يؤثر بها فقد استمرت بالخروج والتحدث علانية
كان رياض مندهشاً لفكرة أن يكون هناك إمرأة بكل هذه الأفكار فقد كان يعتقد بأن هذه الأفكار حديثة من الجيل الحالي المتأثر بالغرب، لكن حديث تلك المرأة كان به مفردات عربية خالصة، تمثل الشرق الأوسط
كان اسم زوجة بسيوني السابقة بشرى، بشرى خطاب، وبدأ يتسائل كيف كان ذاك العالم كاملاً موجوداً في مصر لكنه كان جاهلاً عنه تماماً
ترى هل لو سأل شقيقه عن بشرى هل سيخبره بمعلومات أخرى عنها؟، من الأفضل أن لا يفعل لأنه لا يريد شجار آخر معه
كيف إنتهى به الأمر يشعر بالغيرة من إمرأة ماتت منذ أكثر من عشرة أعوام؟
لم يشعر بأنه يريد أحد ويفتقد وجوده كما يشعر تجاه بسيوني، هل هو تعود فقط كما أخبره؟
بعد تفكر ادرك أن زين وبسيوني محقان، هو بعيد كل البعد عن أسلوب حياتهم ويستحيل أن يعتادا على بعضهما
في اليوم التالي وهو يغادر المنزل صافح بسيوني بحرارة وتردد قبل أن يفصل المصافحة، كان ينظر لعينيه وكأنها المرة الأخيرة بعد أن قرر أن يكون واقعياً وأن يعود لحياته بعيداً عن جنون عائلة بسيوني
"خلي بالك من نفسك"
قال وهو يفصل يده عنه بتردد وكأنه يتخلى عن كل ذكرياتهما معاً
"إنت كمان"
رد بسيوني باسماً
صعد رياض في سيارته وأخذ نفساً عميقاً
هما من عوالم مختلفة، التقائهما مستحيل
عليه تقبل الأمر
ادار مفتاح السيارة وبدأ القيادة ليبتعد عن منزل بسيوني
.
stuck with you

مصر ياما يا بهية

.
26. الحدوته من الأول
بدأ رياض يحاول الخروج من الجو الكئيب منذ انتقال بسيوني لمنزل آخر وبدأ يحاول الطهي والتنظيف، عاد للعمل في ناديه الرياضي بعد الغاء الحجر الصحي
كان يحاول اشغال نفسه كي لا يفكر في بسيوني، لكن هذا لم يمنع رموش من الإشتياق لتاليا حتى أنها صارحته أنها تكره اسمها وتريد تغييره
"اوكاي، هشوف الموضوع دا"
رد ببلاهة فهو لم يتخيل أن تطلب منه ابنته شيئ كهذا
"بس بجد"
نبهته
"حاضر يا حبيبتي، هسأل على الاجرائات، عايزة تخليه إيه بقى؟"
"بشرى"
ردت وعندها تذكر رياض فوراً زوجة بسيوني
"اشمعنا؟"
سأل بإستغراب
"بحب الاسم دا"
ردت ببراءة
"ماشي، زي ما تحبي"
رد في النهاية وهي عانقته وقبلت خده ثم ذهبت لغرفتها وبعد ثواني عادت وسألته
"هو لوجين وتيام بطلوا يجولنا ليه؟"
"تصدقي حاجة غريبة!، هكلم إبراهيم اقوله يبعت العيال تقعد معانا شوية، ولو إني بحسكم مش طايقينهم"
"لا، أحنا كبرنا"
قالت وعندها قهقه رياض
"شاطرة يا حبيبتي"
"من هنا ورايح تقولي بشرى ماشي؟"
نبهته واومأ
"ماشي يا حبيبتي"
عادت بشرى لغرفتها بينما رياض اتصل بإبراهيم ليسأله عن لوجين وتيام وأنه اشتاق إليهما فأخبره أن يذهب لاصطحاب تيام من المدرسة ولوجين من الروضة ويأخذهما لمنزله
وبالفعل ذهب، كانت لوجين متحمسة وسعيدة، وعندما مر على مدرسة تيام بدأ يبحث عنه حتى وجده ينفض التراب عن ملابسه، إقترب منه وسأل بقلق
"مالك؟، وقعت ولا إيه؟"
تفاجأ تيام ثم رد بإرتباك
"ولا حاجة"
"ما وحشتكش ولا إيه؟"
سأل رياض ورد تيام
"وحشتني طبعاً"
كان تيام يتصرف بغرابة لكن رياض خمن أنه هكذا لأنه اعتاد الدراسة في المنزل ونسي كيف تكون المدرسة
"لوجي!"
هتفت بشرى وعانقت لوجين فور دخولها المنزل
تغيرت شخصية بشرى كثيراً منذ تأثرها بتاليا، أصبحت اجتماعية وودودة أكثر
"ما تدخل تلعب مع أمجد"
قال رياض لأنه استغرب جلوس تيام على الاريكة، كان هادئاً على غير العادة
"لا، هو ما بيحبنيش"
إستغرب رياض من رده لأن أمجد وتيام يتشاجران دوماً لكن تيام لم يقل شيئ كهذا من قبل ولم يكن شجارهما يمنعه من ازعاج أمجد واللعب معه رغماً عنه
"لا طبعاً، إيه اللي بتقوله دا؟، أمجد دا أخوك، ادخل العب معاه مش هيقولك حاجة"
قال رياض وعندها رد تيام
"مش عايز العب، هقعد اتفرج على التي في"
هل أصبح تيام أكثر حساسية فجأة؟، كان يعتقد أن الأطفال بلا أحساس لكن يبدو أنه مخطئ
طرق باب غرفة أمجد ثم فتحه
"أمجد هو إنت كلمت تيام قولتله إنك بتكرهه؟"
سأل فور دخوله للغرفة واعتدل أمجد جالساً بعد أن كان مستلقياً يلعب على جهازه اللوحي
"اي ديد وت!"
قال بتفاجؤ واوقف اللعبة ليركز في حديث رياض
"قلت لتيام أي حاجة تضايقه؟"
"أنا آخر مرة شفت تيام كان بيلعب بألعابي حتى خلص كل الكوينز اللي كنت محوشهم في اللعبة وعدتهاله يعني، هو دا بيتضايق أصلاً؟"
كان مستغرباً لأن تيام كان يقصد إزعاج أمجد دوماً وكان يستمتع بالأمر
"مش عارف، قالقني، تفتكر يمكن قابل مامته ولا حاجة؟"
كان يفكر بصوت مرتفع
"قابل مامته!، هي أصلاً برا مصر هيقابلها فين؟"
"آه صحيح"
رد ببلاهة ثم أضاف
"منا مش عارف اجمع إيه اللي ممكن يخليه شكله زعلان كده"
صمت أمجد لثواني مفكراً ثم قال
"ممكن في بنت في الموضوع"
"نعم!، ولد في رابعة إبتدائي ويزعل عشان بنت؟"
إستنكر رياض وارتفعت نبرة صوته
"معنديش أفكار تانية، ممكن اعجب ببنت وهي محبتهوش"
"دا إيه الجيل المنيل دا؟، ارجع العب يا حبيبي"
"حاولت اساعد"
رد أمجد ببراءة وخرج رياض من الغرفة وأغلق الباب
خرج رياض لغرفة الجلوي وكان تيام يحدق في شاشة التلفاز لكن من الواضح أنه شارد، إقترب منه ثم جلس بجواره وعندها جفل وابتعد عنه
"مكنش قصدي اخضك"
برر رياض ثم سأله
"سرحان في إيه كده؟"
كان يبدو تيام متردداً وقلقاً ثم سأل في النهاية
"اونكل رياض هو إنت بتحبني؟"
إستغرب رياض سؤاله لكنه جمع شتات نفسه ليرد بإجابة جيدة محاولاً طمأنة تيام ليتحدث معه عما يقلقع
"أيوة طبعاً يا حبيبي، بحبكم أوي كمان، بعتبركم ولادي، إنت عندي زي أمجد ورموش"
رد وترقب أن يبرر سبب سؤاله لكنه ظل صامتاً وعندها سأله
"ليه بتسأل السؤال دا؟"
"عشان حضرتك ما سألتش علينا خالص الفترة اللي فاتت"
عاتبه ورد رياض بحنان
"آسف، الدنيا اتلخبطت أما الحجر اتشال، رجعت الشغل، وتمارين ومدرسة، كنت متلخبط خالص"
لم يكن تيام مقتنعاً بحديثه وكان هذا واضحاً على تعبيرات وجهه
"رجعني البيت"
"ليه بس كده؟"
سأل رياض بإستغراب فقد كانت أول مرة يرفضه بها تيام، فقد كان متعلقاً به أكثر من والده
"رجعني البيت مش عايز أقعد هنا"
رفع صوته وكان منفعلاً ويكاد يبكي، حاول رياض الحفاظ على هدوئه وسأله
"بابا مش في البيت، هتقعد لوحدك؟"
"أيوة"
رد تيام واتصل رياض بشقيقه ليخبره بأنه سيعيد تيام للمنزل ورد إبراهيم بأنه لا يهتم وليست مسؤوليته وعلى تيام تحمل نتيجة قراراته
اعاده للمنزل وظل رياض عند الباب لمدة، يشعر بالقلق على تيام وفي النهاية عاد لمنزله، مرت الأيام بشكل طبيعي حتى اتصل رياض بإبراهيم بروتينية ليسأله عن حال تيام وأخبره إبراهيم بأن يذهب لأخذه من المدرسة إن كان اشتاق إليه
ذهب رياض ولكنه لم يجده، شعر بالقلق الشديد وبدأ يسأل المعلمين عنه، ارسل لإبراهيم أن تيام مفقود وفي طريق خروجه من المدرسة ناداه أحد الطلاب
"اونكل، اونكل"
التفت رياض ورأى طالباً يختبأ عند حمامات الملعب، كان نحيلاً بنظارات طبية، أشار له واقترب رياض منه
"حضرتك بتسأل عن تيام إبراهيم نصار؟"
"أيوة، تعرف هو فين؟"
سأل بلهفة
"لا، بس العيال كانت بتبولي هيم الفترة اللي فاتت"
"دا ليه؟"
رفع كتفيه ببلاهة
"هما بيحبوا يمسكوا حد كل فترة ويعملوا حفلة عليه"
"مين العيال دي؟"
"بس مش هتجيب سيرتي عشان أنا جمب الحيط ومليش دعوة، أنا جاي هنا بمنحة أصلاً"
"لو عايزني أصرف على تعليمك كمان هعملها، أخلص بس وقول مين"
قال بنفاذ صبر فقد كان قلقاً على تيام
"شلة شادي الحمامصي"
"هو مش دا اسم صاحب المدرسة؟"
"أيوة هو ابنه فعلاً، هو الجوكر هنا"
"طب متعرفش حد من صحاب تيام؟، عشان هو اختفى وعايز أعرف راح فين"
"تيام ملهوش صحاب، اما تبقى الفيكتيم ل شادي الحمامصي محدش يقدر يصاحبك وإلا هيتداس هو كمان"
"هو دي مدرسة ولا سجن احداث؟"
"بص، صحيح تيام ملهوش صحاب بس كان في أستاذ دايماً بيروحله مكتبه لدرجة أن العيال طلعوا عليه كلام مش ولابد"
"كلام إيه؟، أستاذ مين؟، وبيروحله فين؟"
كانت كمية المعلومات كثيرة عليه
"اهدى بس يا اونكل، أستاذ الجيرمني، اياد عبدالفتاح، كان دايماً بيقول إن تيام شاطر وأنه طالبه المفضل، حتى في الفسحة كان تيام بيروح مكتبه، وفي عيل طلع عليه كلام كده أنه في علاقة بينه وبين الأستاذ"
"في إيه؟"
رفع صوته فلم يستوعب ما سمعه
"اهدى يا اونكل"
شعر الطالب بالقلق وقال رياض
"اهدى إيه وزفت إيه وأنا سامعك بتقول الجنان دا؟"
"دا كلام يا اونكل مش ضروري يكون صح يعني"
قال وتركه رياض وعاد لمكتب المدير وطلب عنوان منزل الأستاذ اياد وعندما رفضوا وقالوا أنها معلومات خاصة استخدم بطاقة كون شقيقه إبراهيم ضابط الشرطة الذي يعاني من مشاكل في السيطرة على غضبه وإن اتى سيحطم وجوههم، لذا اعطوه العنوان في النهاية
ركن رياض سيارته وهو يتمنى أن يكون مخطئاً، يتمنى أن لا يجد تيام في منزل ذاك الرجل، فبالرغم من جهل رياض لأشياء كثيرة فهو ليس جاهلاً عن ظاهرة التحرش بالأطفال، ولديه ذكريات سيئة معها
خرج من السيارة بخطوات ثقيلة، توقف عند الباب ثم طرقه، فتح الأستاذ وكاد رياض يُجن عندما وجده رجلاً مسناً، أخذ نفساً عميقاً وقرر التحدث بحسن نية
"حضرتك أستاذ اياد صح؟"
"مظبوط"
"أنا عم طالب اسمه تيام إبراهيم، كنا بندور عليه، شفته النهاردة"
قال بينما تدور عينيه في الزاوية التي يراها من غرفة الجلوس ثم لاحظ حذاء تيام
لاحظ اياد أن رياض إنتبه للحذاء وعندها قال بإرتباك
"آه، أيوة، تيام كان جه عشان كان في عيال بتضايقه"
بدأ رياض يحاول تنظيم أنفاسه ليسيطر على غضبه
"ممكن تناديه؟"
غاب اياد ثم عاد ومعه تيام الذي لم يكن يريد المغادرة مع رياض
"إنتم ما بتحبونيش"
تذمر تيام
"مين قال كده؟"
سأل ثم أضاف وهو يشير لاياد
"ودا بيحبك؟"
"أيوة، هو بيحبني"
رد وعندها لم يتمالك رياض نفسه ولكم اياد بقوة، تفاجأ تيام وشعر بالفزع، سحبه رياض لخارج المنزل وقال محذراً لاياد
"لو فضفضت لحد هبعتلك ابوه يوريك الضرب اللي بجد"
اخذ تيام لمنزله وكان تيام غاضباً ومصدوماً ويرفض الحديث معه وأخبره بأنه غاضب منه لأنه ضرب الشخص الوحيد الذي يحبه ويعامله بلطف
كان رياض عاجزاً عن التصرف، كان سيحادث بسيوني لكنه لم يرد أن يبدو جاهلاً أمامه
شعر بالعجز لأنها ثاني مرة يحدث بها حادثة تحرش أمامه ولا يستطيع المساعدة بها، لقد كان يعتقد أنه نسي الأمر لكنه لم ينسى
عندما كان صغيراً كان والده يتحرش بشقيقه، وهذا كان سبب تصرفاته العدوانية، ولم يجرؤ يوماً على الحديث، ولا حتى إبراهيم نفسه قد تحدث لأن والده كان كأي متحرش بالأطفال بارع بجعله يعتقد أنه المخطئ، هذه مجرد لعبة، سر بينهما، من غير التهذيب أن يعترض على أي طلب يطلبه منه
كانت والدته توبخ إبراهيم دوماً بسبب تصرفاته العدوانية، ولم تفكر أبداً في البحث عن سببها، مما جعل إبراهيم يصبح أكثر عدوانية وأصبح لا يستطيع السيطرة على غضبه
كان دائماً يشعر بالذنب تجاه إبراهيم، أنه شريك والده لأنه لم يقم بأي شيئ ليساعد إبراهيم عندما كان يتعرض للإعتداء، وظل شعوره بالذنب يطارده ولذا عرض أن يأخذ حضانة أولاده عندما سُحبت منه كنوع من أنواع التكفير عن ذنبه
حدق في الفراغ لثواني ثم تذكر ما قاله بسيوني، إذا اراد أن يتغير فعليه أن يفعل هذا عن قناعة وأن يبذل جهده في البحث ويكتشف الأمور من منظورات مختلفة حتى يتبنى وجهة نظر تناسبه، ليس عليه أن يتبنى وجهة نظر بسيوني فقط لأنه يعجبه، عليه أن يمتلك رأيه الخاص وقناعاته الخاصة التي يقتنع بها
استخدم جوجل في البحث عن رقم يساعده في موقف كهذا حتى وجد خط نجدة الطفل
16000
اتصل بالرقم وهو يفكر كيف سيتحدث؟
ماذا سيقول؟
هل هذا التصرف الصحيح؟
هل يمتلك الشجاعة لفعل شيئ كهذا؟
ماذا لو فشل؟
ماذا لو فشل في مساعدة تيام كفشله في دعم شقيقه بسبب جبنه؟
هل سيتظاهر كأن شيئ لم يكن ويتعامل بشكل طبيعي كما فعل مع شقيقه؟
هل سيهرب مرة أخرى من الاتصال البصري بينهما كي لا يتذكر كيف تركه يعاني وحده بينما يتظاهر بأنه لا يعرف شيئاً؟
"الو!"
سمع صوت إمرأة على الطرف الآخر وعندها استفاق من شروده وأخذ نفساً عميقاً
"الو"
دخل إبراهيم من بوابة المدرسة بخطوات ثابتة، وعيناه تمسحان المكان، توقف للحظة عندما لمح سلسلة معدنية يستخدمها الطلاب لتأمين دراجاتهم. التقطها بيده، ولفها بإحكام حول قبضته، ثم واصل سيره نحو مكتب المدير
فتح الباب دون استئذان، فتوجهت إليه الأنظار فوراً، وقف أمام المدير بظهر مستقيم ونظرة باردة، ثم قال بصوت هادئ لكنه محمل بالغضب المكبوت
"أنا والد الطالب تيام إبراهيم، وعمه جه ياخده ملقهوش"
ارتبك المدير من مظهره ونبرته ثم رد
"ممكن والدته اخدته"
أمال إبراهيم رأسه ناظراً إليه بثبات، ثم سأله بهدوء مخيف
"هو إبني عنده كام سنة"
ازدادت تعابير المدير اضطراباً، ولم يجد رداً، فاكتفى بجملة مترددة
"مش عارف حضرتك"
"إبني في رابعة ابتدائي، سبع سنين وكام شهر، بتسيبوا طلاب الإبتدائي يمشوا لوحدهم من غير ولي أمره؟"
تلعثم المدير وهو يحاول إيجاد مخرج من الموقف
"يعني، على حسب"
"إنت عارف مصاريف طالب في رابعة ابتدائي عندكم كام؟، أنا هفكرك، تلاتين الف، مش عارف دا كتير ولا قليل بالنسبالكم بس أعتقد هو كفاية إنه يخليكم ما تسيبوش عيل في ابتدائي يمشي من غير ولي أمره"
شعر المدير بازدياد الضغط عليه، فحاول الدفاع عن موقفه
"حضرتك حاجة زي دي واردة، إنت نفسك مش دايماً بتيجي تاخده وأوقات كتير بتبعت حد تاني، مش هنعرف شجرة عيلة كل واحد يعني، بعدين رابعة ابتدائي دلوقتي كبير يقدر يمشي لوحده"
أومأ إبراهيم ببطء، كمن يستوعب الرد، وهمهم بصوت منخفض
"فهمت"
ظن المدير أن الحوار انتهى، لكنه لم يكن مستعداً للحركة الخاطفة التي تبعته، في غمضة عين، رفع إبراهيم قبضته الملفوفة بالسلسلة، وسدد لكمة قوية أصابت أنف المدير مباشرة
دوى صوت الاصطدام في المكتب، وتراجع المدير بعنف إلى الخلف، فاقداً توازنه على الكرسي، الذي لم يتحمل الصدمة، فاختل توازنه وسقط معه أرضاً، ارتطم رأسه بطرف المكتب قبل أن يستقر على البلاط، بينما الدماء تسيل من أنفه وصرخة ألم مكتومة تخرج منه
.
27. +2
لم يتعرض إبراهيم لأي مسائلة قانونية بفضل سمعة والده ومركزه، كان دوماً يردد لرياض
"الحاجة الوحيد العدلة اللي أبوك سابهالنا هي اسمه اللي بيخرجنا من المصايب"
كان رياض محتاراً هل يخبر إبراهيم عن موضوع الأستاذ أم لا، وكيف سيتصرف إن أخبره؟، سيوقظ داخله صدمته النفسية، لا يفترض به اخباره
لذا قرر الكذب واخباره بأن الأمر يتعلق بطلاب يتنمرون عليه فقط، ووجده إبراهيم شيئاً سخيفاً فقد تربى على أن الضعف يعني أنكَ لستَ رجلاً، الضعف للنساء، واراد المرور وأخذ تيام لكن رياض أخبره بشكل قاطع أنه لن يسمح له بأخذه وإنتهى الأمر بشجار كالعادة
قرر رياض التصرف فوراً وأخذ تيام لمعالج نفسي للأطفال، كما نصحته العاملة في خط نجدة الطفل، كان رياض جاهلاً تماماً وبدأت المعالجة تشرح له كل شيئ عن الإعتداء وكيف يتم خداع الطفل ليتكتم على الأمر وكأنه هو المذنب أو كأن هذا نوع من الحب لن يناله من أي شخص آخر
وبعد الجلسة كان رياض يفكر هل يسألها عن إبراهيم أم يتراجع وهي شعرت بأنه متردد فقالت مشجعة
"لو عندك أي أسئلة من أي نوع اتس فاين، أنا متاحة كمان على رقمي على وتساب"
حمحم بعد أن استجمع شجاعته
"دكتور هو لو ولد اتعرض للأعتداء وهو صغير وكبر واتجوز وخلف هينسى؟"
"لا، الإعتداء ما بيتنسيش، وكل طفل له ردة فعل مختلفة بتأثر على شخصيته، ممكن هو نفسه مش مدرك إن تصرفه دا ناتج من الإعتداء أصلاً"
"طب هو ممكن نساعده ولا راحت عليه خلاص؟"
"أيوة طبعاً نقدر نساعده، أصلاً أغلب حالات الإعتداء مش بتدركه إلا اما يكبروا، وفي حالات مش بتعترف لنفسها إنه اعتداء إلا بعد سنين طويلة، أنا بجيبلي جدات فاكرين كل حاجة حصلت بالظبط، الفكرة نفسها استيعاب إنك اتعرضت لحاجة زي دي مش إنك فاهم غلط أو بتتخيل دا حاجة صعبة لإنك بتكون طفل وقتها وشاكك في أفكارك، بالأخص إن تسعة وتسعين في المية من حالات الإعتداء على الاطفال اللي جولي كان من الاقارب من الدرجة الأولى، فا بيكونوا بيفكروا دا قريبنا، دا اهلي بيثقوا فيه، أكيد أنا غلط وهما صح"
أومأ رياض بينما يفكر في حديثها ويستوعبه وهي تابعت
"لو عندك أي أسئلة تانية ما تترددش"
"شكراً يا دكتور"
همَ بالإنصراف واوقفته قائلة
"هو في ناس ما بترضاش تاخد موقف قانوني عشان بتخاف بس وظيفتي أقولك إنك المفروض تعمل بلاغ هتك عرض، هو المشكلة في الوقت الحالي إن تيام لسه مش مصدق إن المعتدي دا شخص سيئ، وهيحسب أي تصرف أنه فصل وعقاب عن الشخص اللي بيحبه بس ممكن اساعدك في الإجرائات واتأكد انها تمر من غير ما يحس تيام بأي شعور غير مريح، ولو قررت التأجيل لإنك شايفه ضغط عليه وعليك هفهم دا برضه"
"هفكر، شكراً يا دكتور"
عاد للمنزل مع تيام وبدأ يكرر عليه ما اوصته الطبيبة به
"جسمك دا يخصك إنت لوحدك ومش مسموح لأي حد ولا حتى والدك إنه يلمسك بالطريقة دي، إنت مش مجبر حضن أو تبوس حد، حتى الأحضان والبوس له حدود مش أي حضن أو بوسة عادية، اللي بيقولك أنا بحبك ودا سر بيننا كداب، اللي بيحب حد مش بيخبي، السر معناه انها حاجة غلط، ودي مش غلطتك دي غلطة الشخص التاني وهو استغلك، إنت ناجي مش مذنب"
تعلم منها استبدال كلمة ضحية بناجي لأنها تدعم الشخص الذي تعرض للإعتداء على عكس لفظ ضحية، فناجي تعزز القوة، فدائماً ما يشعر ضحايا الإعتداء أنهم السبب وأنهم كان عليهم التصرف بطريقة مختلفة، ولفظ ضحية يعزز هذه الفكرة، اما ناجي فهي تعزز القوة، فالنجاة تعني المحاربة وأن لديك فرصة أخرى، وتكسر دائرة العار، وتحفز التعافي
"أمجد بيحبك، أنا بحبك، وبشرى، ووالدك بيحبك جداً، وكلنا بنحترم مساحتك الشخصية لإن دا الصح، اللي بيحبك هيحترم مساحتك الشخصية"
"بس بيسو كان على طول بيحضن تاليا وزين وبيبوسهم"
علق تيام
عجز رياض عن ايجاد رد لحديث تيام، وسأل المعالجة عن الرد المناسب فأخبرته بأن أفضل رد هو أن يخبر بسيوني بالأمر ويتركه هو يشرح له فيجب عليه أن يسمع الشخص نفسه وهو يتحدث عن الأمر، وعلى بسيوني مراجعة الرد مع المعالجة للتأكد أنه رد مناسب
كان يشعر بالخجل الممزوج بالشوق من فكرة محادثة بسيوني ولكن سلامة تيام كانت أهم من أي شيئ لذا اتصل به
"الو!"
سمع صوته وعندها تنفس الصعداء، لم يكن يدرك كم إشتاق لسماع صوته
"إزيك؟"
"تمام، إنت عامل إيه؟"
سأل بسيوني بروتينيه
"في حاجة محتاج مساعدتك فيها"
قرر التحدث بشكل مباشر
"خير!"
أخذ رياض نفساً عميقاً قبل أن يروي له ما حدث، وبعدها ترك بسيوني منزله واتى لمنزله فوراً، راقبه رياض بعيون متفحصة، يتأمل وجهه، ملابسه، ورائحة عطره التي اشتاق إليها
كان كل إنتباه بسيوني مع تيام، بدأ يتحدث معه بهدوء ويشرح له أنه حتى هو لا يمكنه لمس اماكن معينة من جسد أولاده لأن جسدهم ملكهم هم، ومن يسمح لهم بعناقنا وتقبيلنا ومن لا يسمح لهم، والحب أكبر من مجرد عناق وقبلة
واعطاه أمجد كمثال، أمجد لا يقول أبداً أنه يحبه، ولكنه يدعه يلعب بألعابه، يكسرها ويفسد ارقامه القياسية بها ورغم هذا فهو يعطيها له في كل مرة يطلبها منه، أمجد لا يقول أنه يحبه لكن هل كان ليعطيه لو كان لا يحبه؟
بعد أن انتهى من الحديث معه أعد رياض كوبي قهوة لهما وجلسا في الشرفة
"قول لإبراهيم يخلي باله أكتر من ولاده، تيام مفتقد للفيزيكال تاتش عشان باباه عمره ما حضنه"
"الموضوع دا معقد شوية"
"إزاي؟، تقدر تشرحلي أكتر؟"
تنهد رياض بعد أن قرر إخباره عله يساعده
"إبراهيم وهو صغير اتعرض لدا برضه، فا بقى يخاف من أي نوع من أنواع الفيزيكال تاتش ويكرهه، ومعتبره حاجة وحشة، حتى لو عياله"
صمت بسيوني محاولاً استيعاب ما سمعه ثم سأل
"جربت تعرضه على دكتور؟"
"بصراحة لا، إبراهيم صعب جداً، اقناعه إن عنده مشكله، حاجة مستحيلة"
"يبقى اسأل دكتور تتعامل معاه إزاي وتساعده من غير ما يحس إنه في خانة المريض، دا لو عايز تساعده"
"دا أخويا، أكيد عايز أساعده"
لم يقصد بسيوني شيئاً سيئاً بجملته ولكن رياض شعر بأنها هجومية بسبب شعوره بالذنب تجاه إبراهيم
"مش قصدي كده، مساعدة الناجين حاجة صعبة محتاجة طولة بال وصبر، مش الكل بيقدر يعملها، ودا مش معناه إنك باد بيرسون، في الآخر إنت مش المعتدي"
ومجدداً شعر رياض بالهجوم والذنب لأنه يرى نفسه شريكاً في أفعال والده بسبب صمته
"رياض أنا ممكن أساعد"
قال بسيوني ليستفيق رياض من دوامة شعوره بالذنب
"لا، بلاش"
إبراهيم يجن عند رؤية بسيوني، وبسيوني يصاب بنوبات قلق حادة بسببه، دخول بسيوني لدائرة إبراهيم ليس أفضل فكرة
"ما تقلقش، أنا بعد اللي عرفته أقدر أساعده بكل صبر"
كان رياض يشعر بالضغط والذنب الشديدين، وقلق من وجهة نظر بسيوني عنه إن علم بهوية المعتدى وأنه كان يعرف وكان صامتاً، كانت الضوضاء في رأسه عالية جداً لذا تحدث
"بابا اللي كان بيعتدي عليه"
وفي لحظة اختفت كل الضوضاء وأصبح رأسه هادئاً تماماً
"إيه؟"
كان صوت رياض ونبرته غير واضحين
"اللي كان بيعمل كده في إبراهيم كان بابا، وأنا كنت عارف، وعمري ما عملت حاجة تساعده"
كان يعاني ليتحدث، وشعر وكأنه يختنق وأن كل الهواء الموجود في العالم قد اختفى، وكأنه يتقزز من رئاتيه لأنه رجل غير صالح
"رياض إنت كمان عندك تروما من الموضوع، إنت ضحية مش مذنب"
قال بسيوني وعندها استعاد رياض شعوره بالهواء حوله وبدأ يسعل ويلتقط أنفاسه
"أنا ما حاولتش أساعده خالص"
قال بخيبة وخجل
"إنت كنت طفل، إنك تشوف حاجة زي دي أو تعرف بيها دا في حد ذاته تروما، إنت كمان ضحية"
كان يتحدث بهدوء ثم مد يديه ليشابكها بيده
"إنت مش الجاني، ومش ثيرابثت عشان تكون مسؤول عن اللي حصل وتحمل نفسك ذنب اللي حصل وذنب التعافي، إنت محتاج إنت اللي تتعافى"
بدأ يذرف الدموع بدون ادراك منه، كانت صدمة طفولته تخرج للنور لأول مرة، ولأول مرة يعلم أنه ليس مذنباً وأنه ضحية
سحبه بسيوني لحضنه وبدأ يمرر يده على شعره برفق وكأنه يخفف عن الطفل رياض الذي عاش حبيس صدمته وشعوره بالذنب طيلة سنواته الفائته
"أيوة!"
رد زين بعد سماع طرق على باب غرفته، دخل بسيوني ثم قال
"زين، ممكن أطلب مساعدتك في حاجة؟"
"على حسب"
رد وهو يعتدل في جلوسه ويبتسم بمرح
"هي حاجة تقيلة شوية فا هبعت معاك تاليا"
أضاف وعندها تلاشت إبتسامة زين
"خير!"
بعد أن أخبره بسيوني إعترض زين
"طبعاً لا، دا الراجل اللي السبب في البانيكس اللي بتجيلك، دا عذبك، دا يستاهل أكتر"
"زين، إحنا بنساعد الناجين عشان هما ناجين مش عشان هما أحسن ناس في الدنيا، مش المفروض المساعدة تكون مرهونة بشيئ، دي أفكار الوايتس اللي بيقولولك من حقنا نبيد الشرق الأوسط عشان هوموفوبيك، إنت ذكى ولو فكرت هتلاقي كلام صح"
"بس دا عذبك"
إعترض زين فقد كان مستائاً من إبراهيم بشكل خاص أكثر من أي شرطي آخر
"مش ممكن كان هيبقى أنسان أحسن لو جاتله فرصة؟، اديله فرصة"
حاول استعطاف زين ثم أضاف بترجي
"عشان خاطري"
زفر زين بضيق وهو يقلب عينيه
"عشانك بس، عشان تشوف غلاوتك عندي"
قهقه بسيوني ثم عانقه وقبلَ خده
"حبيبي إنت"
فصل العناق ثم قال
"لو أحترت في أي حاجة كلمني، خليك صبور، وأفتكر إنت بتساعد بس مش دورك تخليه يتعافى إنت مش دكتور ما تحملش نفسك فوق طاقتها، إحنا بنحاول نكسر دايرة الأذى ونصلح علاقة إبراهيم بأولاده بس، وهديك برضه رقم الدكتور تتابع اللي هتقولهولك بالظبط، ومعاك تاليا"
أومأ زين بتفهم
"ما تقلقش عليا"
جهز زين حقيبة بأغراضه التي لن يستغني عنها ثم غادر هو وتاليا مع رياض، الذي اوصلهما لمنزل إبراهيم مع لوجين وتيام
"لو حصل حاجة كلموني"
نبه رياض زين وتاليا
"متأكد مش هنحتاجك عشان احنا أجمد منك"
قال زين بغرور
دخلوا المنزل وكانت لوجين متحمسة وتريد اللعب، كان المنزل في حالة فوضى
"لا، بداية حلوة فعلاً"
علق زين ساخراً وهو يتفقد غرفة الجلوس، كانت فوضوية وتفوح رائحة كريهة منها
بدأ هو وتاليا التخلص من الطعام الفاسد وفتح النوافذ لتهوية المنزل
دخل إبراهيم المنزل وتفاجأ عند رؤيته لزين وتاليا يرتبان الأثاث، كان يشعر أنه سبق ورآهما لكن لا يتذكر أين
"أنتم مين؟"
سأل بإستغراب وإقتربت تاليا باسمة
"انا تاليا، ودا زين، احنا اصحاب أمجد"
مدت يدها لمصافحته، شعر بالغرابة ثم صافحها بحذر
"اونكل رياض قال أنه بعتلك اننا جايين نقعد يومين هنا عشان داد مسافر"
"طب منا يعتبر مش في البيت، ليه ما قعدتوش مع اونكل رياض؟"
سأل بإستغراب فهو بالكاد يتواصل مع ولديه ويرسلهما دائماً لرياض بسبب انشغاله فكيف يأتي إليه طفلان آخران؟
"اونكل رياض عنده تو ماتش رولز، سمعنا أن حضرتك كول"
قالت وعندها قهقه بإرتباك
"ماشي، عايزين تاكلوا إيه؟، اطلبلكم إيه؟"
أخرج هاتفه ليختار رقم مطعم
"أنا ما بقدرش آكل الفاست فود، بس بعرف أعمل أكل بسيط، ممكن تساعدني؟"
سألت ببراءة
"أنا آخري في المطبخ سندوتش جبنة"
"عادي، أنا بحب الفرينش توست، وزين كمان، وسهل أوي"
أمسكت يده لتسحبه للثلاجة وجفل عندما أمسكت به، ابعد يده عنها
"اوكاي، فهمت، جاي"
كان إبراهيم لا يرتاح مع اللمسات، بالأخص مع الأطفال، لذا لم يعانق أولاده أبداً، كان أمجد وبشرى يعانقانه أحياناً ولكنه يبعدهم فوراً بعدها
تدخل زين وسبقهما للثلاجة ثم فتحها
"اونكل إبراهيم إنت إزاي سايب تلاجتك معفنة كده؟"
كان أغلب الأطعمة عفنة لأنه لا يستخدمها إلا لحفظ المشروبات فهو يطلب الطعام دوماً
"أغلب الوقت بطلب دليفري"
برر ببلاهة
بدأ زين وتاليا يرميان الطعام الفاسد في القمامة وينظفان مكانه ثم أمسك زين يد إبراهيم ووضع بها منشفة
"اشتغل معانا يا اونكل، عيب دا احنا ضيوفك حتى"
ارتبك لثواني ثم بدأ تنظيف الثلاجة وبعدها قالت تاليا
"يلا نشتري حاجات بقى عشان نعمل الأكل"
كان إبراهيم مرهقاً من عمله لكن نشاط تاليا وزين يجعله خجلاً من فكرة أن يخبرهما أنه متعب، خرج معهما للتسوق وكان جاهلاً لذا تركهما يختاران ما يريدان
ثم ساعد تاليا في اعداد الفرينش توست، وفي النهاية غفى على الأريكة بينما تقوم تاليا بوضع لمساتها الأخيرة على الطبق
"واو اونكل إبراهيم محترم أكتر مما كنت اتخيل"
علق زين
"كنت مستنياه يزعقلنا برضه"
وافقته تاليا فقد كانت تعتقد أن إبراهيم لا يمتلك ردات فعل غير الصراخ
سارت تاليا لغرفة النوم بين الالعاب الملقاة على الأرض، أخذت الغطاء من على السرير وغطت به إبراهيم ثم ارتمت على الأرض
"اي نيد ا بريك"
ارتمى زين بجوارها
"مي تو"
.
28. سر
Running through the parking lot
He chased me and he wouldn't stop
Tag, you're it, tag, tag, you're it
استيقظ وهو يسمع صوت ميلاني مارتينز، لسبب ما كانت هذه الأغنية تمنحه شعوراً غريباً رغم أنها أول مرة يسمعها بها، اعتدل جالساً ووجد غرفة الجلوس نظيفة، في العادة يحضر عاملة نظافة في أيام الأجازة تماماً كما كان يفعل رياض فهو لا يثق بأي أحد للبقاء مع أطفاله إلا رياض
Grabbed my hand, pushed me down
Took the words right out my mouth
Tag, you're it, tag, tag, you're it
نهض وكان يسمع صوت قهقهات لوجين، سار للممر المؤدي لغرفتهم الذي كان نظيفاً مما جعله يستغرب أيضاً
وصل لغرفة لوجين ووجدها ترمي الألعاب داخل الصندوق وكأنها لعبة كرة سلة، كانت طريقة تاليا في جعلها تجمع الألعاب بنفسها
Can anybody hear me when I'm hidden underground?
Can anybody hear me? Am I talking to myself?
Saying, "Tag, you're it, tag, tag, you're it"
He's saying, "Tag, you're it, tag, tag, you're it"
شعر بالإختناق وبدأ يسعل، كان يشعر وكأن الكلمات واللحن يخنقانه، تجعلان صدمته الدفينة تبدأ بشق طريقها للأعلى، وأسرعت تاليا لتفقده
"اونكل إبراهيم، حضرتك كويس؟"
"اقفلي الأغنية دي"
قال بإنزعاج وعندها أغلقها زين
"سوري، اصلنا بنحب نسمع أغاني"
"مالها أغاني الأطفال زي جدو علي؟"
قال إبراهيم وعندها حمحمت تاليا
"احنا أكبر من الأغاني دي"
اعتدل واقفاً بسرعة ليتفقد الساعة ثم حاول فتح باب غرفة تيام لكنه وجده مغلقاً، طرق الباب وهو يقول
"يلا، هتتأخر على المدرسة"
"مفيش مدرسة النهاردة"
قال زين بسرعة لأنه اراد منع تيام من الذهاب للمدرسة
"ليه؟"
سأل إبراهيم بإستغراب
"تجهيز لعيد الأب"
الف كذبة بسرعة
"هو في عيد أب؟"
سأل ببلاهة
"أيوة يا اونكل، في عيد أب، شكلك مش بتركز مع الأنشطة في المدرسة"
قالت تاليا وعندها بدأ إبراهيم يصدقهما
دخل الحمام، بدل ملابسه ورتب مظهره ثم خرج على عجلة من أمره وأوقفته تاليا
"اونكل استنى، عملتلك ساندوتشز"
مدت له علبة طعام
"ملوش لزوم، هطلب أكل"
قال وعندها عبست تاليا وتظاهرت وكأنها على وشك البكاء
"أنا عملتها خصوصاً عشانك"
شعر إبراهيم بالإرتباك، ولديه لا يشبهان تاليا وزين أبداً، لا يعرف كيف يتعامل مع تاليا، لذا أخذ العلبة في النهاية
"ما تزعليش، هاخدها، شكراً"
خرج بسرعة وأغلق الباب
التفتت لزين ثم وبخته
"قولتلك المفروض نكون اهدى، شفته كان بيبانيك إزاي من الأغنية؟"
"وأنا ايش عرفني إن الأغنية هتأثر فيه كده؟، دي كانت تجربة"
رد ببراءة
"حتى اللي مش بيفهم انجليزي الأغنية الفايبز بتاعتها تجيب بانيك أصلاً"
أخذت نفساً عميقاً ثم استطردت
"دورك مع تيام"
"قافل باب اوضته، أعمل إيه؟"
"دي هتبقى مصيبة لو معاه رقم الأستاذ دا وبيكلمه"
قالت تاليا بقلق وعندها بدأ زين يطرقع أصابعه وكأنه يستعد لخوض قتال
"في الحالة دي نلجأ لبلان بي"
"إيه بلان بي؟"
سألت ببلاهة ووجدت زين يمد يده لشعره ويخرج دبوس شعر
"هفتح الباب"
تبعته تاليا لباب غرفة تيام وراقبته وهو يحرك الدبوس في الباب وبعد مرور دقيقة انفتح وكانت تاليا مندهشة
"اتعلمت دا فين؟"
"لونج ستوري"
دفع الباب ثم دخل ووجد تيام متفاجئاً وكان يمسك جهازه اللوحي
"هاي!"
قال زين مبتسماً وكأنه لم يقتحم الغرفة
"أخرج برا"
قال تيام بإنزعاج
"أكيد، بس هات التاب عشان اونكل إبراهيم قالنا نشم شوية برسيم"
قال وعندها صفعت تاليا كتفه وهمست
"ما تترجمش مصطلحات الأجانب"
"اوكاي"
تحسس كتفه بألم ثم صحح جملته
"اونكل إبراهيم بيقول نعمل اكتيفتي أحلى"
"مش عايز، وأخرجوا من هنا"
صرخ بهما وعندها قال زين بهدوء، إستغربت تاليا وتبعته
"دا من إيه دا؟، اومال عملت فيها حرامي ليه؟"
وجدت زين يسحب مقعداً ثم يقف ويفتح صندوق مفاتيح الكهرباء ثم أغلقها جميعها ونزل من فوق الكرسي ونفض الغبار عن يديه ثم قال
"مسير التاب يخلص شحنه"
قهقهت تاليا
"فكرة!"
بعد دقائق خرج تيام من غرفته وتذمر
"ليه النت قطع؟"
"الكهربا قطعت للأسف"
قال زين ببراءة
"هو انتم بتعملوا إيه هنا؟"
سأل بعد أن استوعب الموقف
"مش إنت كنت بتيجي تقعد معانا؟، احنا جايين نقعد معاك"
ردت تاليا بإبتسامة ودودة
"جايين ليه؟، ما انتم عندكم بيسو بيحبكم"
تذمر وعندها رد زين
"طب ما بيسو بيحبك، واونكل رياض، واونكل إبراهيم"
"محدش فيهم بيحبني، اونكل رياض ما سألش عني خالص طول الفترة اللي فاتت، وبابا دايماً في الشغل"
قال بإستياء
"هو أكيد بابا غلطان أنه دايماً في الشغل ومش بيديك اتنشن، بس هو بابا مش بيجيبلك الألعاب اللي بتطلبها دايماً؟"
"عادي"
رد بلا مبالاة، فلم يكن يهتم بالماديات أو يراها شيئاً مميزاً لأن إبراهيم ينفق عليهم ببزخ دوماً
"اونكل إبراهيم بيحبك جداً، هو مش عارف يعبر، وهنصلح دا بعدين، بس هو لو مش بيحبك كانت اوضتك هتبقى مليانة العاب كده؟"
"هو أصلاً طول الوقت بيسيبنا عند اونكل رياض عشان مش عايزنا"
"مش مظبوط، هو بيسيبكم عشان بتحبوا تقعدوا مع اونكل رياض أكتر، وعشان هو مشغول ومش هيعرف ياخد باله منكم"
"عشان اونكل رياض بيدينا اتنشن أحسن منه، هو مش بيحبنا أصلاً"
رفع صوته بغضب معبراً عن استياءه
"كده اعترفت إن اونكل رياض بيحبك مش زي ما كنت بتقول أنه مش بيحبك"
قال زين وتأفأف تيام بضجر
"تيام إنت عارف إن الحب أنواع؟، وفي ناس مبتعرفش تستخدم عبارات الحب الصريحة، مثلاً اونكل إبراهيم كان ممكن يسيبكم طول الوقت مع اونكل رياض وخلاص لو مش بيحبكم، لو مش عايز يشوفكم، بس هو أختار تفضلوا معاه مع إنه مش شاطر خالص في شغل البيت بس بيتطمن وأنتم معاه، الحب ابلغ من مجرد حضن أو بوسة ومش كل الناس بيكون نيتها سليمة في الموضوع دا"
"إنت بتتكلم ليه؟، إنت عندك بيسو، إزاي هتفهم شعوري؟"
"طب ما إنت كمان عندك بيسو بس اختارت تروح لحد تاني"
"بيسو مش بابايا"
"أيوة بس مش بيعاملك إنت ولوجين كأنكم ولاده؟"
سأل ثم أضاف
"في حد تاني بيعاملك بنفس طريقة بيسو؟"
تردد للحظات ثم قال
"أستاذ اياد دايماً موجود علشاني"
"ممكن تقولي أستاذ اياد مميز في إيه؟"
"دايماً موجود، بيجيبلي حلويات، بيلعب معايا، وشايفني شاطر"
أضاف بعدها
"زمانه زعلان مني عشان اللي عمله اونكل رياض، معرفش هما ليه كده؟، بيحاولوا يبعدوا عني أكتر حد بيحبني"
"ليه مُصر أنه أكتر حد بيحبك؟، خلينا في بيسو دلوقتي بما انك شايفه حد كويس، بيسو زي أستاذ اياد؟"
"لا، أستاذ اياد ما بيحبش حد غيري، أنا بس"
قال بثقة
"إيه اللي خلاك متأكد؟"
"أنا متأكد، ما شفتهوش بيعامل أي حد زيي"
"وإيه كمان اللي مخليك متأكد إنك مميز؟"
"بيننا أسرار محدش يعرفها غيرنا"
"حلو، الأسرار حاجة مهمة فعلاً لتعزيز العلاقات، بس تفتكر السر دا لو حد عرفه هيبقى ردة فعله إيه؟"
"مهو عشان كده هو سر"
"هو قالك إن السر دا لو حد عرفه هيتضايقوا منك صح؟"
سأل وارتبك تيام وعندها تابع زين
"وقالك انهم هيبعدوه عنك ويحرموك من وقتكم سوا، مظبوط؟"
بعد لحظة صمت اومأ تيام بالإيجاب وعندها قال زين
"بس دا غلط، السر دا لو حد عرفه هيتضايق من أستاذ أياد مش منك لأنه هو اللي بيعمل حاجات مش كويسة"
"بس هو بيحبني"
كان مازال متمسكاً بالجملة التي يرددها عليه اياد دوماً لأنه خائف من إثبات عكسها
"هو أقنعك أنه حب وأنه حاجة مميزة مش معناه أن كلامه صح، هو أقنعك عشان تحافظ على السر، تفتكر يا تيام لو حد بيحب حد هيكدب عليه ويخليه خايف؟، لو بيحبك مش كان اولى يقول أنه هياخد كل العواقب أو حتى يشاركك فيها مش إن لو السر اتكشف إنت بس اللي هتتعاقب؟، لسه مصدق إن أستاذ اياد بيحبك؟"
"بس، بس لو هو ما بيحبنيش كده مفيش حد خالص بيحبني"
اجهش بالبكاء وتنهد زين تنهيدة طويلة
"والدك بيحبك، اونكل رياض، وبيسو، كلنا بنحبك، حتى لو اونكل إبراهيم مشغول ومش عارف يعبر، هو بيحبك"
"عايزني احضنك؟"
سأل زين لأنه اراد أن يعتاد تيام على مساحته الشخصية وأن لا يقبل باللمسات بلا إستئذان
أومأ تيام وعندها عانقه زين برفق
"كلنا بنحبك، تحب تاكل فرينش توست؟، أنا شاطر أوي في المطبخ على فكرة"
أومأ تيام بين دموعه وقال زين وهو يفصل العناق
"بس تفضل جمبي وأنا بعمله، ديل؟"
بدأ تيام يمسح دموعه وهو يومأ بالإيجاب ثم تبع زين للمطبخ
حبيبي مهما سافرت، مهما بعدت ومهما غبت
يا روحي عني قريب مني
كان صوت عزيزة جلال مرتفعاً بينما يقوم بسيوني بالطهي، وصلته رسالة من تاليا، كانت صورة تجمع زين وتيام في المطبخ، تنهد براحة بينما تعلو شفتيه ابتسامة هادئة
"زين كلمني وقالي أنه اتقدم بشكل كويس مع تيام"
كان زياد الذي خرج من غرفته
"دا أسرع مما توقعت، أنا مش متطمن"
كان بسيوني قلقاً واقترب زياد ليقف بجواره
"ليه؟، مش واثق في زين؟"
"واثق، بس قلقان على تيام، كان فاكر راجل معين أنه بيحبه وأقرب حد ليه وفجأة بقى حد وحش، دي نقلة تخض"
"معاك حق، بس زين معاه، والدكتورة برضه، ما تقلقش"
ربت على كتفه محاولاً طمأنته
رن الجرس وعندها قال زياد
"أنا هفتح"
فتح زياد الباب ووجده رياض برفقة أمجد وبشرى اللذان عانقا زياد بسعادة فقد كان جميع الأطفال يحبون زياد
"اتفضل"
قال زياد مرحباً ودخل رياض ولم يكلف نفسه عناء الإبتسام في وجه زياد حتى
"أمجد!"
إبتسم بسيوني وفتح ذراعيه لأمجد ليعانقه بقوة ثم قبلَ خده عدة مرات
"عملت إيه في الامتحان؟"
"بي"
رد بفخر
"شاطر، أنا عملت إمبارح كيكة برتقال، هحطلك منها"
قال ثم عانق بشرى وهمست له
"بدأت اجرائات تغيير الاسم"
"مبروك، أول ما تخلصيها هعملك حفلة"
همس بدوره ثم فصل عناقه عنها
"ماليش حضن أنا كمان؟"
سأل رياض ورفع بسيوني حاجبيه بتعجب ثم عانقه، وبادله رياض بلهفة شديدة وذراعيه تعتصرانه، أخذ نفساً عميقاً وهمس بلوعة
"وحشتني"
.
Tag, you're it

مستنياك

.
29. كسمين ابوها
"عاملين إيه؟"
قال رياض بمرح وهو يدخل المزل وأسرعت لوجين إليه وعانقته بقوة ليحملها
كان إبراهيم يلعب الشطرنج مع زين، استقام واقفاً ليصافح رياض
"جاي تاخد العفاريت دول شوية؟"
"لا، جاي آخدك إنت"
رد ثم وضع لوجين على الأرض
"إيه!"
قوس حاجبيه بإستغراب وابتسم ضاحكاً معتقداً أنه يمزح
"أنا مش بهزر"
قال رياض ورد إبراهيم
"وهنودي العيال فين؟"
"بيسو هيقعد معاهم"
رد وسحبه وإستغرب إبراهيم
"مين بيسو؟"
"البس بس وانجز، مش هستناك كتير"
دفع إبراهيم لغرفته ليبدل ملابسه، كان يشعر بالغرابة فلم يسبق أن خرج مع رياض وحدهما منذ سنوات كثيرة
بدأ قيادة السيارة ثم ركنها عند مقهى هادئ بأثاث خشبي عتيق، مكون من عدة غرف، يشغلون أغاني فريد الأطرش، هناك لوحات معلقة وكتب انجليزية وعربية للقراءة
ما اتحرمش العمر من عطفك عليا
ياللي حبك م السما اجمل هدية
ما انحرمش العمر منك ياحبيبي
ولا من ضحكة عينيك الحلوة ديا
"إيه دا؟، تعرف المكان دا منين؟"
سأل إبراهيم وهو يتفحص المكان بعينيه
"حد صاحبي يعرفه"
"وجايبني هنا ليه؟، فاكرني خطيبتك؟"
سخر إبراهيم
أخذ رياض شهيقاً طويلاً ثم زفيراً هادئاً
"عايز أكلمك في حاجة، كنت بتهرب منها على طول، بس لازم نتكلم فيها"
بدأ إبراهيم يشعر بالقلق وقال بإستغراب
"بتتهرب منها على طول!"
بدأ يحاول ترتيب جملة مفيدة في عقله ليبدأ الحديث
"إبراهيم إيه رأيك في بابا؟"
خرجت الجملة منه وكأنما يدفعها قبل أن يغير رأيه ويتراجع
"رأيي في بابا؟"
كان إبراهيم يبتسم ضاحكاً معتقداً أنها مزحة
"رأيي في بابا إزاي؟"
تنهد رياض فقد كان يكافح ليتحدث
"إيه رأيك في بابا؟، كان أب كويس؟"
"عادي، كان زيه زي أي أب"
رد ببساطة فلم يكن يفهم سبب السؤال
كان إبراهيم مستغرباً من حديث رياض وتعبيراته القلقة، استجمع رياض شجاعته وسأله
"يعني مكانش أب وحش؟"
"إيه اللي يخليه أب وحش؟"
سأل بإستغراب
تشجع رياض وقال
"أنا مثلاً شايفه أب مش كويس"
"ليه؟"
سأل إبراهيم بإهتمام
"تعرف، أنا كمان أوقات بكرهه"
أضاف رياض وإستغرب إبراهيم
"ليه كده؟"
"أنا مش عايز أضغط عليك بس هو إنت بجد مصدق أنه أب كويس؟"
سؤاله جعل إبراهيم يشكك في اجابته ويشعر بالحيرة
أخذ رياض نفساً عميقاً وارتعشت اطرافه بعد أن قرر الحديث بشكل مباشر
"شايف إن طبيعي أب يخلي إبنه مش مرتاح للمسات؟"
بدأ جسد إبراهيم يتأثر، نبضان قلبه تصبح أسرع، تنفسه يصبح أصعب، يشعر بأطرافه تتجمد
"إيه؟"
لم يستوعب الجملة
"إبراهيم، اللي بابا كان بيعمله مكنش طبيعي، مش المفروض الأب يكون كده"
قال وتهرب إبراهيم لأن جسده كان يتأثر بالحديث عن والده وبدأ يهز ساقيه في محاولة لتخفيف توتره
"مش فاهم قصدك إيه"
"أنا مش شاطر خالص ومش عارف صح أتكلم عن دا ولا لا، بس أنا كنت عامل نفسي مش واخد بالي زمان عشان كنت جبان، وكل يوم من وقتها والذنب بيقتلني وحاسس إني أسوأ أخ في الدنيا"
كان يتحدث بإنفعال، يكاد يذرف الدموع من الضغط
"أنا مش فاهم قصدك خالص"
قال إبراهيم وعندها قرر رياض التحدث بشكل مباشر
"أنا عارف إن بابا كان بيعتدي عليك"
"أنا مش فاكر حاجة زي دي خالص"
رد بحلق جاف ونبرة مرتعشة
"إبراهيم أرجوك، أنا بجد حمار جداً ومش فاهم حتى صح إني أكلمك عن دا بالطريقة دي ولا لا، بس بجد أنا عمري ما نسيت ولا غمضلي جفن يوم إلا وأنا بفتكر دا وبحس اد إيه إني اخ زبالة إني سبتك لوحدك، ومهما حاولت أكفر مش بحس بأي تحسن، مهما قربت من عيالك عشان أحس إني مثلاً بكفر عن ذنبي مش بيحصل حاجة، برضه حاسس بالذنب، أنا عارف إن غلط أخلي الموضوع عني وهو أصلاً عنك إنت، إنت الضحية، إنت الناجي، بس بجد أنا عمري ما سامحت نفسي"
كان يتحدث دفعة واحدة وبدأ يلتقط أنفاسه وهو يذرف الدموع
أخذ إبراهيم نفساً عميقاً محاولاً السيطرة على نوبة قلقه بعد أن تذكر جسده كل شيئ كان يحاول إنكاره وتجاهله معتقداً أنه سينساه بهذه الطريقة
"أنا عمري ما اتضايقت منك"
قال إبراهيم وعندها نظر رياض إليه بعد أن كان ينظر للأرض بسبب شعوره بالعار، تابع إبراهيم حديثه
"إنت كنت أخويا الوحيد اللي بشوف منه الدنيا، إنت اللي اتجوزت الأول، عملت أسرة الأول، وواجهت بابا وأشتغلت شغلانة غير اللي كان عايزك تشتغلها، إنت كنت شباك بشوف منه الدنيا اللي نفسي اتشجع وأعيشها، عمري ما كرهتك أو حسيت إنك السبب في أي حاجة وحشة حصلتلي"
بدأ يلتقط أنفاسه ثم تابع
"يمكن لو كنت أشجع شوية زيك، مكنش حصلي كده"
رد رياض بسرعة
"لا طبعاً، دا مش ذنبك، بعدين أنا جبان جداً أنا مش شجاع، أنا عملت نفسي معرفش حاجة طول السنين دي، فين الشجاعة في الموضوع؟، الوحيد المذنب هو ابونا العرص، دا مش ذنبك خالص، مش المفروض حد يعمل مع إبنه كده، أو أي طفل عموماً"
"كنت بفكر إن دا عادي وإني بتخيل الموضوع، أصله بابا، كمان اونكل حسن كان بيعمل زيه"
قاطعه رياض بصوت مرتفع إثر صدمته
"إيه!"
تفاجأ إبراهيم من ردة فعله وعندها إعتذر رياض
"آسف، كمل، أونكل حسن كان بيعمل إيه؟"
"كانت أحضانه، لمساته، كان بيعمل بنفس الطريقة، وماما كانت بتتعصب لو قولتلها مش عايز اسلم عليه، كانت بتقولي عيب دا خالك، دا على طول بيجيبلك لعب ويسأل عنك، فا حسيت إني غلطان، اصله كان بيعمل كده قدام ماما وما كانتش بتقول حاجة، يبقى أكيد العيب فيا"
في طفولتهما كان رياض أنطوائياً ولا يهتم بنفسه أو لأي أحد، لم يكن يبتسم أبداً، لذا لم يكن يجذب الإهتمام أو الأنظار، كان حبيس غرفته دوماً، ليس كإبراهيم الذي كان طفلاً نشيطاً وبشوشاً، ويحب ترتيب مظهره دوماً، كانوا يلقبونه بالفتاة لأنه كان جميلاً مثلهن
لم يكن رياض يعلم كيف يفترض به التحدث بعد إكتشاف شيئ كهذا، كان مصدوماً
"بس عادي يعني، الموضوع عدى عليه سنين كتير"
كان إبراهيم يحاول أن يبدو متماسكاً لأنه يفترض به أن يكون رجل شرطة صلب
"لا، مش عادي، محدش كان له الحق يعمل معاك كده، تعرف لو بابا كان لسه عايش كنت قتلته بنفسي"
قال وعندها رد رياض
"عشان اقتلك وراه، إنت اتجننت؟، تقتل ابونا؟، دا ابونا"
"كسمين ابونا، هو في أب يعمل كده؟"
صرخ بصوت مرتفع، كان المقهى هادئاً وسمعه الجميع بوضوح
"عادي بقى، برضه ابونا هنعمل إيه"
"وأما اديك بضهر ايدي دلوقتي؟"
قال رياض بنفاذ صبر لأنه كان مستائاً أن إبراهيم حتى اللحظة لا يكره والده
"ولا تقدر"
رد إبراهيم
استقام رياض واقفاً وسحب إبراهيم خلفه للسيارة
"رايحين فين؟"
سأل ولم يرد رياض وبدأ يقود بسرعة وعندها قهقه إبراهيم
"اتجننت ولا إيه؟"
تابع رياض قيادته حتى عرف إبراهيم الوجهة، كانت مقابر العائلة، ركن رياض السيارة ونزل إبراهيم، سحب رياض إبراهيم ليقفا أمام قبر والدهما
"أنا عايز أقولك حاجة مهمة يا بابا، كسمك مليون مرة إنت راجل عرص"
قال رياض وصفع إبراهيم كتفه
"إنت اتجننت؟، بتشتم ابوك ووهو في تربته كمان؟، إيه العقوق البرو ماكس دا؟"
"ما تجننيش يا إبراهيم، هو في أب يعمل اللي عمله؟، فوق، أبوك راجل عرص، مفيش أب بيعتدي على إبنه، مفيش أب بيغتصب إبنه يا إبراهيم"
صرخ به بسبب إنفعاله وبدأ يلتقط أنفاسه إثر غضبه
بدأ إبراهيم يفكر لبعض الوقت ثم قال
"بس دا ابونا!"
"كسم ابونا يا عم، إيه اللي عمله عشان يكون ابونا؟، نام مع أمك بس كده، هو إيه اللي دا ابونا، هو ابونا يسوع؟"
كان غاضباً من رؤية إبراهيم لا يستطيع حتى الغضب من الرجل الذي اعتدى عليه في طفولته
فكر إبراهيم لوقت إضافي وصرخ رياض
"من حقك تكرهه، دا لازم تكرهه، دا راجل عرص، قول معايا، كسم نصار مدبولي"
"مهو ميت"
قال بتردد وصرخ رياض
"هتعملي شيخ ياكسها؟"
كان رياض غاضباً لأقصى درجة بينهما إبراهيم كان تائهاً، وكأنهما تبادلا الشخصيات
حمحم إبراهيم ثم بدأ يتحدث بتلعثم
"كسم نصار مدبولي"
"كسمين أبوه"
قال رياض
تشجع إبراهيم
"أنا مكنتش عايز ابقى ظابط"
شعر رياض بالسعادة أن إبراهيم بدأ يتحدث برغباته، تابع إبراهيم
"أصلاً أنا مش بحب مصر"
"عارف يابا؟، كسمين مصر"
قال رياض واضاف إبراهيم
"كسمين أبوها"
تبادلا النظرات لثواني ثم انفجرا بالضحك، كانا لأول مرة يخرجان صدمات طفولتهما المخبأة عميقاً، التي لا يجرؤان حتى على التفكير بها، كانت أطرافهما ترتعش بينما يقهقهان، امتزج الخوف بالضحك في لحظة لم يتخيلاها أبداً
وبعد أن كانا بعيدين كل البعد عن بعضهما ويخبئان الأسرار شعرا بأنهما قريبان جداً وأن عوالهما تندمج لأول مرة منذ أن ولدا بعد أن كانا يعيشان في عوالم مختلفة
.
ما انحرمش العمر

.
30. ع-عابر
مقدورك أن تمشي أبداً، في الحب على حد الخنجر
وتظل وحيداً كالأصداف، وتظل حزيناً كالصفصاف
مقدورك أن تمضي أبداً، في بحر الحب بغير قلوع
وتحب ملايين المرات، وترجع كالملك المخلوع
كانت بشرى تقرأ قصيدة قارئة الفنجان بينما يحدق رياض في الفراغ، شارد الذهن
"بابا ممكن تعملي ساندوتش؟"
سألته ليستفيق من شروده ويبتسم بود
"عنيا"
استقام واقفاً وذهب للمطبخ وبينما يفتح الثلاجة بدأ يفكر كيف تغير كل هذه التغيرات؟
لقد أصبح يقوم بالتنظيف والطهي، يراجع الواجبات ويلعب مع إبنيه، وأصبح يراجع العمل مع العمال فقط ولا يذهب للنادي يومياً كما كان يفعل من قبل، فقد كان قبلاً يتهرب من مسؤولية أولاده لذا كان يهرب للنادي
أما الآن فهو يشعر بأهمية وجوده مع ولديه ورعايتهما، بالأخص بعد حادثة تيام أصبح يشعر بالقلق الشديد عليهما وبدأ يحادثهما عن التحرش وأن ينتبها من أي شخص يحاول الحديث معهما أو لمسهما
اقترح على إبراهيم نقل تيام ولوجين لنفس مدرسة بشرى وأمجد، وقال أن السبب هو أنها مدرسة مهملة، ولم يخبره بما تعرض له تيام لأنه لا يمكنه توقع ردة فعله، قلق منه وعليه، قد يتأثر نفسياً، وقد يقتل المدير والأستاذ ويسجن في النهاية
مازال يفكر في بسيوني يومياً، ومازال يتأمل الفجوة بينهما ويتسائل متى ستختفي؟
رن هاتفه كان بسيوني، ارتبك وشعر وكأنه شفاف وكأن بسيوني قرأ أفكاره، حمحم ثم رد
"الو!"
"رياض ممكن تجيب تاليا من المدرسة؟، العربية عطلت وأنا عند الميكانيكي وشكله مطول"
"أكيد، أكيد، مفيش مشكلة"
كان متحمساً لفكرة أن بسيوني فكر به واتصل به ليطلب المساعدة
بدل ملابسه بسرعة وصعد في سيارته وذهب لمدرسة تاليا، نزل من السيارة وسمع صوتها، كانت أمام المدرسة تتشاجر مع طلاب آخرين
"في إيه؟"
تدخل وسحب تاليا بعيداً عنهم ثم لاحظ ميرو الذي سبق وكان في منزلهم من قبل
"البت دي عاملة نفسها ولد، يرضيك يا اونكل حاجة زي دي؟"
سأل أحد الطلاب الذين كانوا يتشاجرون مع تاليا وميرو
"هو إنت مالك؟"
رد رياض
"يا اونكل مش بهزر، دي بنت وعايزة تعمل نفسها راجل، هو الرجولة بالساهل؟"
"لا وإنت راجل أوي يا عرص"
ردت تاليا بإنفعال وتفاجأ رياض لأنه لأول مرة يسمعها تقول الفاظ كتلك
"يرضيك تكلمنا كده؟، احنا عاملين إحترام ليك بس"
قال الطالب وعندها رد رياض
"ما عندها حق، اما أنتم شايفينها بنت بتضربوها ليه؟، هو دا شغل رجالة؟"
"مش هي اللي بتقول أنها راجل؟، تستحمل"
همهم رياض ثم غير نبرته محذراً بحدة
"طب اسمع بقى ياض إنت وهو، لو سمعت من تاليا انكم ضايقتوها أو ضايقتوا أي حد من اصحابها هضربك لحد ما اخليك تقول أنا مرا"
انهى حديثه بصراخ
"فاهمين؟"
اومأ الإثنين وسحب رياض تاليا وميرو للسيارة وقالت تاليا
"الست مش شتيمة"
"إيه!"
قال رياض ببلاهة فلم يكن يفهم مقصدها
"بتقوله هخليك تقول أنا مرا كأنها شتيمة، الست مش شتيمة"
"هو شايفها شتيمة فا بردهاله"
برر رياض
"شكراً يا اونكل"
شكره ميرو بخجل
"أنا بصراحة عندي فضول أعرف إنت ليه مستحمل كل دا؟، الموضوع يستاهل؟"
سأل فقد كان لا يفهم موضوع العبور الجنسي وغير مقتنع به
"يا اما أعيش كاره نفسي بهوية فيك أو أعيش بهويتي وأحارب عشانها، وبصراحة مش مستعد أكبر وأنا محطوط في خانة الجندر دا"
"هو اللي بتعمله دا هيخليك تكبر أصلاً؟، شوف في كام حد هيرخم عليك ودا وإنت لسه صغير، أومال اما تكبر؟، وما أفتكرش مصر بتدعم فكرة إنك تغير الجندر فا في كل الأحوال مفيش فايدة"
"لا عادي، أقدر أغير، هي اجرائات رخمة جداً بس في ناس عملتها"
رد ميرو
تفاجأ رياض
"دا بجد؟"
"أيوة يا اونكل، عارف الفنانة حنان الطويل اللي بتقول البيت دا طاهر؟، دي ترانس وومن"
قالت تاليا وتفاجأ رياض أكثر
"ولو عايز ناشطة حقوقية ثورية في ملك الكاشف"
أضافت تاليا ثم تابعت
"في كتير بس المجتمع بيختار يتجاهل وجودهم أو لو أخد باله بيختار يحاول يقتلهم"
"إنت لسه صغير قدر بعدين رجعت في كلامك وحسيت إنك بنت؟"
قال رياض وعندها رد ميرو
"أنا واثق إني ولد"
"وبعدين الهدف هو هدم الفروق الجندرية، شايف نفسه ولد، بنت، نان باينري، دي حاجة تخصه هو ما تخصش حد"
قالت تاليا
"مهو دا خطر برضه"
لم يكن رياض يفهم فكرة الكفاح من أجل شيئ ممنوع في المجتمع ويراه إنتحاراً
"لو محاربتش عشان اللي مؤمن بيه إيه قيمة الحياة؟"
ردت تاليا
جملتها ذكرته ببسيوني، الرجل الثوري الذي لم يندم أبداً وقال بأنه لو عاد بالزمن الف مرة سيشارك في الثورة مرة أخرى، زوجته الراحلة كانت ثورية أيضاً، هم عائلة تتنفس التمرد والحرية
"واهلك إيه رأيهم في الموضوع؟"
سأل رياض ميرو
"مش فاهميني"
أضاف
"حتى هددوني ينقلوني مدرسة حكومي"
"وهتعمل إيه؟"
"معرفش، بفكر ادور على شغل"
"بتعرف تعمل إيه؟"
"هتعلم أي حاجة"
تنهد رياض بقلة حيلة
"مش بالطريقة دي بتخطط، كده إنت مش مجهز أي حاجة"
"مهو أنا مش مستعد البس ماسك وأتعامل مع الناس على إني البنت اللي هتخلص ثانوي واهلها هيشوفولها عريس عشان تبطل جنان ويخلصوا منها"
كان ميرو خائفاً من أن يُجبر على البقاء محبوساً في جسد وهوية لا تمثله أكثر من خوفه من الموت
فكر رياض لبعض الوقت ثم قال
"بص أنا ممكن أجيبلك شغل، بس إنت وشطارتك"
"بجد!"
قال ميرو بتفاجؤ
"أيوة، بس أهلك هيسيبوك عادي تشتغل؟"
"أنا بقالي فترة سايب البيت وقاعد عند ستي، هي عندها زهايمر فا هادية"
"حلو، خلي بالك بقى وهات رقمك عشان أظبطلك الدنيا وأكلمك"
قال ومد هاتفه لميرو ليكتب رقمه
"ميرو ممكن تيجي عندنا لو حصل حاجة بيتنا مفتوح"
قالت تاليا بود
"بيتي أنا كمان مفتوحلك"
أضاف رياض وهو يأخذ الهاتف منه ليسجل رقمه
"شكراً، مش عايز اتقل عليكم"
شكرهم بخجل
"عيب، ما فيش بيننا الحاجات دي"
عاتبته تاليا
"اما الكبير يعرض عليك حاجة بتقبلها بس، مش من الإحترام ترفضها"
قال رياض بدوره
"حاضر يا اونكل"
رد بخجل
اوصل رياض تاليا أولاً وودعها ثم أشار لميرو
"اطلع اقعد جمبي قدام"
قال ثم شعر أن جملته مريبة فأضاف مدافعاً عن نفسه
"أنا مش متحرش، أنا عايز أتكلم معاك"
قهقه ميرو ثم زحف للمقعد الأمامي وجلس
"مصدقك يا اونكل"
"بص بقى، إنت أكيد بتفهم في التكنولوجيا والجو دا؟"
"عادي يعني"
رد بتردد
"هي شغلانة بسيطة، هتراقب الابلكيشن بتاع الجيم وتتأكد من مواعيد الكلاسز الاونلاين ولو اتأخرت أو اتلغت وتتابع مع العميل وهكذا، تعرف؟"
"تقريباً"
رد ببلاهة
"لا، أنا عايز اتفاق رجالة، تقولي أيوة، طبعاً، أو أكيد، إنما تقريباً دي ما تمشيش معايا، دول بيبقوا حمير في الشغل وبيقولوا دنا هبهرك وياكلوا بعقل الاتش آر حلاوة، وإنت تقولي تقريباً!"
"ياكلوا حلاوة!"
قال ببلاهة فلم يفهم المثال وقهقه رياض
"أنا عايزك تقولي دنا هبهرك، مش عايز رد تاني"
"منا مش متأكد"
قال بتردد وتأتأ رياض بلسانه ونبهه
"قولنا إيه؟"
تنهد ميرو ثم رد
"هبهرك"
قهقه رياض ثم رفع يده وضرب بكفه كف ميرو
"أيوة كده"
ركن السيارة عند منزل جدة ميرو ثم نبهه
"لو حصل حاجة كلمني"
اومأ ميرو باسماً ثم نزل من السيارة، شغل رياض مشغل الأغاني، وبدأت أغنية بلاش تبوسني في عينيا، صوت عبدالوهاب ذكر رياض ببسيوني وفجأة تذكر أنه بعد أن سمع هذه الأغنية وطلب من بسيوني تقبيل عينيه افترقا واصبحا في منازل مختلفة
غير الأغنية بسرعة، يبدو أنها فال سيئ حقاً!
توقف عند أغنية وديع الصافي، أريدك شمساً
أخذ شهيقاً عميقاً ثم زفيراً هادئاً
أُريدُكَ شمساً تُنير الفَلَك، أُريدُكَ بَدراً يَشُقّ الحَلَك
أُريدُكَ أجمَلَ مِمَّن أرى، أُريدُكَ مُلكي فَهَل تُمتَلَك؟
"كلمته؟"
همس بسيوني لزياد فور دخوله لمنطقة المطبخ
إقترب زياد منه ثم سأل ببلاهة
"هو إيه؟"
صفع بسيوني كتفه وهمس
"كلمت زين عن السيلف هارم؟"
"آه"
استوعب الموقف ثم قال
"ما تقلقش، قال هيبقى يعمل وشم يغطيهم، قفل سكة السيلف هارم خلاص"
ثم أضاف قبل أن يسأل بسيوني
"وقولتله أنه سواء عمل وشم أو ما عملش دي حريته، أنه يخبي السيلف هارم أو يسيبهم دا قرار شخصي وما يسيبش حد يأثر على قراره"
اطمئن بسيوني بعد ما سمعه
"كويس"
"ما تقلقش عليه، أنا أب هايل"
قال بغرور وقلب بسيوني عينيه
"بس زوج سمج"
أبتسم زياد
"قصدك إني جوزك؟"
"صفحة وقفلناها"
قال وفتح الثلاجة ليقوم بإعداد شطيرة
"لو بس تديني فرصة واحدة"
ترجاه زياد
"لا"
رد بسيوني بحزم ثم رفع صوت الأغنية قاصداً أنه لا يريد الإستماع للمزيد
"ممكن أبوس خدك؟"
سأل زياد وتأفأف بسيوني بضجر
"عادي، بوسة خد"
حاول استعطافه
"انجز"
عقد ذراعيه أمام صدره وقبلَ زياد خده بنعومة
"تصبح على خير يا حبيبي"
همس ثم تركه وذهب لغرفته
كان بين الحين والآخر يتذكر كيف كانت علاقته هو وزياد، ولكن في النهاية يتذكر كيف إنتهت فتتلاشى أفكاره
"اونكل رياض قال هيشوف شغل لميرو"
هتفت تاليا بسعادة وهي تأخذ الشطيرة من بسيوني
"فعلاً!"
إستغرب بسيوني
"أيوة، هي ووز سو كايند ويز هيم، اونكل رياض جود بيرسون"
كانت تتحدث بإبتسامة وحماس ثم قضمت من الشطيرة
"خدي طبق معاكي يا حبيبتي عشان ما توقعيش فتافيت على الأرض"
نبهها لتأخذ طبقاً ثم تذهب لغرفتها
اسند ظهره على رف المطبخ وهو يستمع للأغنية وبدأ يفكر في كل التغييرات التي حلت برياض، يبدو أنه يتعلم بشكل جيد، وأيضاً علاقته بشقيقه أصبحت أفضل، إن سار كل شيئ كما يعتقد بسيوني فهي مسألة وقت ليتلاشى إعجاب رياض به، سيدرك أن اعجابه سطحي وأنه في الحقيقية إنبهر بلطفه فقط
عابر سبيل حبيبي، جماله ماله حد
بسمة شفافه حبيبي، ورد جوري الخد
مثل القمر بس القمر مش حلو هالقد
.
أريدك شمساً

مثل القمر حبيبي

.
31. نتعمد الإزعاج
"فكرت اسمك هيبقى إيه بعدها؟"
سأل زياد بينما يناول ميرو حبوبه الهرمونية
"مش عارف"
كان مشوشاً فلم يخطر في باله أن هناك من سيأخذ كلامه على محمل الجد ويحاول مساعدته في معضلة عبوره
إبتسم زياد بود
"ممكن أساعد؟"
كان زياد دائماً الملاذ الآمن للأطفال والمراهقين، رغم أنه لم يحظى بأطفال يشاركونه نفس الدم لكنه يؤمن بأن جميع الأطفال أطفاله ولا يحتاج لصلة الدم ويعتبرها سخيفة
"ممكن"
رد ميرو
"مُلهم"
قال زياد وإستغرب ميرو الاسم
"إيه؟"
"مُلهم، إيه؟، وحش؟"
"لا، بس أول مرة اسمعه"
رد بسرعة لأنه لم يرد أن يعتقد زياد أنه يكره الاسم
"مش إنت بتحب الكتابة؟"
سأل زياد فقد كان ميرو قد أخبره بهواياته، كان يحب كتابة الشعر
اومأ بالإيجاب وتابع زياد
"أنا كمان، ومُلهم اسم حلو أوي، بس لو مش عاجبك براحتك أنا مش بضغط عليك، مش معنى إني شايفه حلو أنه لازم يكون اسمك، الاسم حاجة خاصة بالشخص نفسه"
كان من المريح الحديث مع زياد لأنه لا يجبره على أي شيئ، ويفهمه بشكل جيد
"بص، فكر، خد وقتك، دا اسمك برضه مش هزار"
قال باسماً ليخفف من توتر ميرو
"تساعدني اقدم تقرير لاونكل رياض؟"
سأل ورد زياد
"شور"
فتح حاسوبه وبدأ يساعده في التقرير، كانا في منزل زياد، في غرفة خصصها لميرو
"تفتكر هعرف أكمل تعليم؟"
سأل ميرو بعد شروده لثواني، كان يفكر في تهديد والديه له بأنهما سينقلانه لمدرسة حكومية
"لو افترضنا أهلك ضغطوا عليك من ناحية التعليم كله بقى اونلاين دلوقتي وتقدر تكمل دراستك اونلاين ونظام تعليم عالمي كمان"
"بجد!"
قال بدهشة
"أيوة، ما تقلقش خالص، بغض النظر عن رأيي في المنظومة التعليمية، عايز تكمل هتكمل عادي"
"اونكل زياد هو إنت آزاي كده؟"
سأله وقهقه زياد ثم ترك الحاسوب ليعطيه إنتباهه
"كده إزاي؟"
"يعني، حاسس إنك عارف كل حاجة وشاطر في كل حاجة"
كان يتحدث وهو ينظر إليه نظرة إنبهار
"ام نات، أنا مش شاطر في كل حاجة خالص"
رد زياد بسرعة ضاحكاً
"هو إنت وبيسو سبتوا بعض ليه؟"
سأل وعندها تلاشت إبتسامة زياد ثم حمحم
"ما ينفعش أقول، أسباب خاصة بينا"
إستطرد بعدها
"كويس إن اونكل رياض جابلك شغل، دي فرصة كويسة جداً منه"
"اونكل رياض كويس، بس ناقصه كتير، يعني ما ينفعش يعرف إني بدأت علاج هرموني عشان هو شايف إني ما ينفعش أقرر أنا انهي جندر دلوقتي وبيكرر الجملة الستوريو تايب بتاعت طب لو غيرت رأيك وقررت ترجع بنت؟، اونكل رياض لطيف بس لسه طريقه طويل"
اراح ظهره على السرير وتابع
"أوقات بحس إني لازم البس ماسك معاه هو كمان وأنه مش مصدقني وبياخدني بس على اد عقلي"
"بص، أتعلم تاخد من الناس الحلو اللي فيهم وما تفكرش في الباقي، يعني نظرته عنك المشوهة بسبب المجتمع ملكش دعوة بيها، طالما معملش أي تصرف عدواني تجاهك، المهم الأفعال، جابلك شغل يعني بيدعمك، وزي ما قلت هو لسه بيتعلم، سيبه ياخد وقته"
أضاف بسرعة
"بس مش مجبر تخليه يتعلم على حساب صحتك النفسية، لو عايز ممكن ابقى اتكلم معاه وأعلمه إيه يتقال وإيه ما يتقالش"
"زيكو"
كان زين الذي يقف عند الباب
"ثواني يا حبيبي بكلم ميرو"
رد زياد عليه وعندها قال ميرو
"خلاص، فهمت"
"ما تتكسفش تسألني لو عايز أي حاجة"
قال وأومأ ميرو، قبلَ زياد جبينه ثم خرج لزين الذي كان يحمل جهازه اللوحي وبدأ يريه صوراً لاوشم للذراع
"إيه رأيك؟"
سأل زين بحماس
"لو هتستحمل وجع رسم كل دا دو ايت"
رد زياد لأن الصور التي كان يريها زين له كان بها الكثير من الوشوم تغطي الذراع
"هو الوشم بيوجع أوي؟"
"إنت ودرجة احتمالك"
رفع كتفيه ببلاهة
"عشان كده بيسو معملش وشم على ضهره؟"
سأل زين ورد زياد
"طبعاً لا، ملوش علاقة، التأقلم مع آثار السيلف هارم أو الجروح لأي سبب بيفرق من حد للتاني، بيسو مش حاسس بالعار منهم ومش عايز يخبيهم، وبيحس بالقوة اما يشوفهم، بس دا مش معناه إن اللي بيختار يغطيهم بالوشم جبان، كل واحد بيتأقلم مع الألم بطريقته وكل واحد شجاع بالطريقة اللي يختارها"
مرر زياد بين الصور ثم توقف عند صورة وشم يتكون من أنماط سحابية ذات خطوط رفيعة ومتعرجة تمتد بطول الساعد، مع بعض النجوم الصغيرة المنتشرة حولها، مما يعطيه طابعاً سماوياً خيالياً
"دا أحلى واحد فيهم من وجهة نظري"
كان الأطفال قد إختاروا البقاء في منزل زياد اليوم بينما يقوم بسيوني بالقيام بعمل متراكم عليه، بالإضافة لإجتماع يتطلب منه الخروج من المنزل
انهى الإجتماع وعاد لسيارته ليأخذ نفساً عميقاً، كان يشعر بأنه يتم استنزافه مؤخراً، وأنه لا يتقدم في حياته، بل يدور في دوائر، تفقد هاتفه ووجد مكالمات فائتة من رياض، إستغرب واتصل به
"الو!"
"إنت كويس؟"
سأل رياض بقلق
"أيوة، كنت في ميتينج وعامل الفون سايلنت بس، خير في إيه؟"
"ممكن تاخد أمجد وبشرى ولوجين وتيام عندك كام ساعة؟"
سأل وعندها قهقه بسيوني
"دنا أصلاً باعت العيال عند زياد عشان برا البيت"
سأل بعدها
"في حاجة ولا إيه؟"
"خلاص، هقولهم إنك مش في البيت وانهم عند زياد، حصل خير"
قال وعندها هتفت بشرى بحماس
"طب ما نروح احنا كمان عند زيكو"
"ما يصحش كده"
رد رياض وعندها إعترض بسيوني
"هو كده كده زياد مش هيمانع بس هتصل أقوله، ولو كده هيجي بنفسه ياخدهم"
"بلاش نتقل عليه"
"خالص، زيكو بيعشق العيال"
رد بسيوني بثقة ثم انهى المكالمة ليتصل بزياد الذي وافق فوراً
وبينما تقفز بشرى لحضن زياد بدأ رياض يفكر ما العيب في هذا الرجل ليتركه بسيوني؟
الأطفال يحبونه، بارع في التعامل معهم، طبيب ماهر، بارع في الطهي وأعمال المنزل، هو دائماً إختيار الأطفال الأول، لدرجة أن الأطفال يفضلونه على ابائهم الفعليين
حتى تيام الذي دخل في صدمة بعد تعرضه للإعتداء ارتاح لزياد بسرعة، وبالرغم أن رياض لا يصافح زياد بود حتى فإن هذا لم يؤثر على علاقته بأولاده فهو يعاملهم بلطف
"شكراً"
شكره رياض ورد زياد باسماً بود
"على إيه بس؟"
كيف يتفوق على رجل كهذا؟
وكيف يمتلك كل طاقة الود تلك؟
إياك من حبي، إياك، وابعد عن قلبي، إياك
إياك من حبي، إياك، وابعد عن قلبي، إياك
"زيكو"
قال ميرو بينما يساعده زياد في عمله بعد أن عاد للمنزل وشغل فريد الأطرش، اعطاه زياد انتباهه
"ايوة يا حبيبي"
"هو عيلتك كانت عاملة إزاي؟"
سأل بفضول وتنهد زياد تنهيدة طويلة
"عادية، اشمعنا؟"
"حاسس حد زيك اتربى في بيئة مسالمة جداً عشان تطلع بكل الصبر دا"
قال ورفع زياد حاجبيه متعجباً
"فعلاً!"
"أنا صح؟"
سأل بفضول وقهقه زياد بخفة ثم ربتَ على رأس ميرو
"هحتفظ بحقي بإلتزام الصمت"
"ليه كده؟"
كان فضولياً
"عشان دا حقي، دلوقتي يلا اشتغل معايا مش هشتغل لوحدي"
مد له الحاسوب
خايف من قلبك، يمكن يتغير
خايف من حبك علشان بيحير
بفرح بك جنبي وأتمنى جفاك
أنا عارف قلبي مش قد هواك، هواك، هواك
"بيسو!"
توقفت إمرأة قرب سيارته لتجعله يستفيق من شروده، إبتسم عند رؤيتها ثم نزل وصافحها بحرارة
"شمس!"
"عاش من شافك، دنا مشفتكش من يوم عزا بشرى"
"الدنيا مشاغل بقى، بس على فكرة أنا كنت بشوفك في التحرير"
قال ورفعت حاجبيها ضاحكة بدهشة
"بجد!"
"أيوة، حتى بالأمارة كنتي بتقفي مع الاولتراس"
أضاف وهي قهقهت
"مش كنت تيجي تسلم؟"
"هو فرح يا شمس؟"
علق ضاحكاً لترتفع قهقهاتها
"بتعملي إيه الأيام دي؟"
سأل بروتينية
"مفيش، واحد برلماني معرص متحرش، ورفع قضية تشهير على اللي قدموا شهادات ضده وقضية تعمد إزعاج على الستات اللي دعمت الناجيات، فرفعنا هاشتاج صغير كده إننا بنتعمد الإزعاج فعلاً"
إستطردت بعدها
"تاليا وزين عاملين إيه؟"
"زي الفل، تصدقي وحشني أيام النشاط السياسي"
"إنت أب دلوقتي ووراك مسؤوليات محدش بيلوم عليك إنك مبقتش نشط سياسياً دلوقتي"
قالت لأنها شعرت في نبرته أنه يخجل من غيابه عن الساحة السياسية
"يعني الناجيات دول مش وراهم مسؤوليات برضه؟، أنا حاسس بالضياع شوية الأيام دي، حتى أنا مش أحسن أب، ولادي متعلقين بزيكو أكتر مني"
تنهد بضيق
"سمعت كلام كده إنكم مع بعض بقالكم سنين كتيرة"
"انفصلنا عاطفياً، بس دا ما يمعنش إن العيال لسه متعلقة بيه"
ربتت على كتفه
"معلش، خير"
"قولتيلي بقى الهاشتاج اللي رافعينه اسمه إيه؟"
سألها ثم بعدها صعد في سيارته، أخرج هاتفه وفتح حسابه على فيسبوك الذي كان قد أغلقه بعد الثورة
تردد لبعض الوقت قبل أن يكتب لأنه يتذكر كم المصائب التي اتته بسبب منشوراته على فيسبوك، ولكن ماذا بعد؟، ما قيمة كل شعاراته إن لم يقم حتى بدعم قضية بسيطة لإمرأة؟
هل إحتمل التعذيب والرصاص ليخاف من التضامن مع إمرأة تضامنت مع ناجيين من التحرش في النهاية؟
(نتعمد الإزعاج)
ضغط زر النشر وكانت دقائق ليبدأ كل معارفه القدامى بمباركة عودته
تنفس الصعداء وشعر بالنشوة تنتشر في جسده ثم بدأ يقهقه
لقد عاد بسيوني زهران
.
اياك من حبي

.
32. عالمان
"هاي!"
القى زياد التحية بود وهو يوصل أمجد وبشرى لمنزل رياض
"هاي!"
"ممكن أتكلم معاك حبة؟"
سأل رياض قبل أن ينصرف زياد بعد تفكير دام لدقيقة وإستغرب زياد لكنه رد
"شور"
أعد رياض له كوب قهوة وجلسا في الشرفة، ثم بدأ رياض التحدث بشكل مباشر
"إنا هصارحك، حاسس إن العيال بتحبك عشان بتشجعهم على أي حاجة بيقولوها"
"بغض النظر عن تحفظي على لفظ أي حاجة بس هو دا حاجة وحشة؟"
"طبعاً، دول أطفال مش واعيين، مريم مثلاً اللي شايفة نفسها ولد عارفة مخاطر الموضوع ومدركة أنه فيه موتها وممكن في الآخر ترجع في كلامها؟"
"بص، لو هتتكلم عن ميرو فا هو مش مريم، والبرونانوس بتاعه هي هيم مش شي هير"
صحح زياد بهدوء
"شفت!، إنت مصدق إن عيل يقدر يقرر إيه جندره؟"
"هو إيه الصعب في تحديد الجندر بتاعك؟"
كان يسأل محافظاً على هدوئه
"دا مش تريند ولا موضة، دا حياة أو موت"
"بص، أنا هعتبر كلامك دا خوفاً على ميرو من المجتمع، مش انكارك لوعيه لنفسه وجندره، عشان إنت نوعاً ما عندك نوايا حسنة، ممكن تجاوب على سؤالي تاني وتقولي إيه الصعب في تحديد جندرك؟، إنت كشخص عمره ما حس بشعور الترانس جندر قاعد بتجادج هيم وتعلمه إزاي يحس وأنه المفروض يستنى ع اواخر العشرين مثلاً لحد ما يتأكد أنه عايز يبقى راجل، مين حط المقاييس دي؟"
"هو صغير دلوقتي طبعاً مش منطقي"
لم يكن مقتنعاً
همهم زياد لأنه شعر بأن عليه ايجاد مثل آخر
"تعرف أما عرفت إن زين دخن ما زعلتش منه خالص"
"شفت!، عشان كده قولتلك إن العيال بتحبك عشان بتوافق على أي حاجة بيقولوها"
"الغلط اللي عمله زين مش إنه شرب سجاير، الغلط أنه كدب على بيسو، ودا اللي خلى بيسو يدخل في بانيك اتاك لأنه بيفكر كتير جداً وبدأت أفكاره تكبر، بعد كده هيبقى مدمن بلاب لا، انما بيسو مكنش متضايق من شرب السجاير نفسه، الاوفر ثينكينج اللي خلاه قلقان، والطريقة اللي عرف بيها برضه اما إنت قولتله، وآسف بس بيسو مش بيعتبرك حد قريب لدرجة أنك تعرف حاجة عن إبنه هو ميعرفهاش، أو على الأقل وقتها"
جملته الأخيرة ذكرت رياض بحديث بسيوني عن أنه لا يعرف شخصيته الحقيقية وأنه يتصرف بشخصية معينة معه للتعايش فقط لذا لا يمكنه أن يقبل إعتراف حبه لأنه بالأساس لا يعرف شخصيته الحقيقية
أضاف بعدها
"أنا ربيت زين كويس جداً، الأطفال واعيين اما نعاملهم ونأسسهم صح، وزين مش صغير انيمور هو مراهق دلوقتي، وإن المراهق يثق فيك ويجي يقولك كل حاجة أحسن من أنه يخاف منك ويعمل كل حاجة من وراك"
"دا مش معناها أننا نوافق على أي حاجة يعملوها"
"بصراحة أنا شخصياً اختلف معاك، أنا شايف إني أصلاً مليش حق اوافق أو أعترض على حاجة، أنا بنصح وبتناقش بس، خصوصاً أما يكونوا مراهقين، كده كده هيعملوا اللي هما عايزينه، الإجبار مش حل، المراهق له كينونة بيبني بيها شخصيته اللي هيكبر بعدين بيها، لازم يتعلم بدل ما يبقى عشريني وعبيط"
"إنت متربي بقى على طريقة الأجانب والجو دا!"
رفع زياد حاجبيه متعجباً من رده ثم قال
"إعتبره حصل، دلوقتي ممكن تقولي ليه أمنع ميرو من أنه يبدأ يبني نفسه من دلوقتي عشان يتقبل جسمه اما يكبر، لسبب غير إنك عندك شعور أنه ممكن يغير رأيه بعدين؟"
"هو مش تغيير رأيه دي مشكلة؟"
"دي حاجة يحددها هو، يغير رأيه هي حجة بيستخدمها الترانسفوبيك عشان يخلوا الترانس محبوسين في الجندر اللي اتولدوا بيه لحد ما يكبروا وبعدين يقولولهم يلا كل سنة وانتم طيبين بقى واحد طول بعرض ويقولي عايز أغير الجندر؟، ويروحوا ملبسينه سجن ولا قضية تشبه بالنساء"
أضاف قبل أن يتحدث رياض
"بسألك تاني، إيه اللي شاغلك في موضوع ميرو؟، أنا آسف بس دي حاجة ما تخصكش، يغير رأيه ولا لا لإن مفيش أي احصائيات حقيقية بتقول إن الترانس بيندموا على قرارهم بالعبور لسبب العبور نفسه، وإن اللي عندهم ندم مش بيكون ندم من العبور، بيكون خوف من المجتمع، العائلة، هيلاقي شغل يقبله ولا لا؟، فا عنده خيار يفضل في جسم مش متقبله بيعاني أو يعبر ويواجه الدنيا، وفي الحالتين هو حر"
لم يجد رياض رداً لسؤاله وعندها تذكر ما سبق وأخبره بسيوني له عن أنهما مختلفان جداً عن بعضهما
"هو دا برضه رأي بيسو؟"
إستغرب زياد من سؤال لكنه رد في النهاية
"أيوة"
أضاف بعدها
"بس ما تسألهوش، بيسو مش مستعد يسمع كلام ترانسفوبيك في الوقت الحالي، الشغل ضاغطه كده كده، لو عندك أسئلة اسألني"
لقد سبق وأخبره بسيوني بأنه لو اراد أن يتعلم شيئاً يفترض به أن يتعلمه لنفسه وليس لأجله هو، لذا بالتأكيد لن يتحدث مع بسيوني عن الأمر
"حتى لو المراهق كان بيعمل حاجات غلط مش هتمنعه؟"
حاول رياض اللعب بآخر ورقة لديه
"زي إيه؟"
فكر لثواني ثم رد
"مثلاً لو تاليا دخلت علاقة مع حد"
"براحتها، تاليا متعلمة كويس ومش هتخلي حد يستغلها، لو دخلت علاقة هتبقى واعية فيها، دورنا هو تثقيف المراهقين وتعليمهم عشان ياخدوا قرارات صح، مش نجري وراهم بالعصاية ونمنعهم، وكده كده في الآخر هيعملوا اللي عايزينه من ورانا، المنع والترهيب بيعلم المراهقين الكدب والعند مش الأخلاق"
أضاف بعدها
"آسف إني هذكر الموضوع ده لو حسيت بعدم الراحة قولي، ممكن اتكلم عن اللي حصل لتيام؟"
فكر رياض لثواني ثم أوامأ وعندها تابع زياد
"الكلام اللي هقوله مش لوم لا عليك ولا على والده، اتس فاين كلنا بنتعلم، بس تفتكر لو تيام كان متعلم عن التحرش وحدود الناس، ومتثقف جنسياً مش كان هيعرف إن دا تحرش؟، مش لو كنتم بتتكلموا معاه وتتبادلوا الأسئلة كان هيسألكم عن حاجات كتير ويتكلم أكتر معاكم؟"
"مش عارف"
رد رياض لأنه كان مشوشاً
"تعرف إن حصل لزين وهو صغير محاولة تحرش، وأول حاجة عملها أنه عض ايد الأستاذ وجه قالي على طول والأستاذ طبعاً كدبه وقال دا معملش الواجب فا بيتبلى عليا، بس أنا مربي زين كويس وزين مش بيكدب"
"وعملت إيه؟"
سأل رياض بفضول
"مش أكتر حاجة أخلاقية تتعمل بس مع متحرشين الأطفال أنا بتخلى عن أخلاقي، وهو راجع لبيته ضربته أنا وصاحبي لحد ما قطع الخلف حرفياً"
إستطرد
"شفت تعليم الأطفال بيفرق إزاي؟"
لم يكن رياض مقتنعاً بشكل كامل لكنه إقتنع جزئياً، الأطفال يحبون زياد، ويبدو أنه أفضل منه في التربية فقد نجح في حماية زين من التحرش
حتى لو كان غير مقتنع بنقطة حرية المراهقين فإن زياد محق في أنه لا يمكن السيطرة عليهم
إستقام زياد واقفاً
"أنا سايب العيال في البيت، لازم أرجع، بس لو عندك اسئلة ابقى قولي، العيال معاها رقمي، خده منهم"
إستقام رياض واقفاً
"شكراً"
"على إيه؟، شكلك مش مقتنع بس عادي"
قال ضاحكاً
"بفكر بس"
"طبيعي، احنا من عوالم مختلفة، أنا متأكد إنك مكنتش مصدق وجود الكويرز قبل ما تقابلنا أصلاً، مجتمعنا غريب عنك، كلامنا، طريقة تفكيرنا، كلها حاجات خيالية بالنسبالك"
كان محقاً لأن رياض يتعجب دوماً منهم، عندما اكتشف وجودهم، عندما سمع حديثهم، والآن اكتشف العابرين، بل كانت فكرة الثورة بالنسبة إليه فكرة خيالية وغبية، فما بالكم بمجتمع ميم عين؟
"بص، المراهقين صعبين جداً، بس طالما اخدنا قرار اننا نجيب عيال يبقى لازم نستحمل، ما هما ما طلبوش يجوا للدنيا يعني، احنا اللي جيبناهم، يبقى لازم يبقى عندنا صبر وطولة بال"
لوح له وهو يسير للباب
"فكر براحتك، باي"
فتح رياض حاسوبه وبدأ يبحث عن العابرين جنسياً، وقرأ أن العلاج كُلما بدأ في سن أصغر كُلما كان أفضل، يؤتي مفعوله بطريقة أفضل، أسرع، ويقلل الحاجة لعمليات إضافية، كما أنه يحسن من الصحة النفسية للعابرين اللذين ينتهي بحال أغلبهم بالإنتحار بسبب الضغوط المجتمعية بعد البلوغ فتكون الإجرائات أصعب
قرأ ايضاً أن اجرائات العبور ليست سهلة، وتطلب تفكيراً طويلاً من العابر نفسه ليأخذ قراراً كهذا، وحديثاً مع مختصين بالصحة النفسية، ونسبة الأشخاص الذين يندمون على العبور قليلة جداً، وندمهم لا يكون بسبب قرارهم بالعبور نفسه بل بسبب ضغوطات المجتمع التي تصحب عبورهم، لذا بالإحصائيات الحقيقية لا يوجد ما يسمى بالندم على العبور والرغبة بالعودة للجنس الآخر
هل هذا ما قصده بسيوني بأنه لو اراد التثقف عن شيئ فعليه البحث عنه بنفسه؟، لأنه الآن بدأ يفهم مقصده، البحث وقراءة الكثير من المقالات جعله يشكك في حجته برؤيته لقرار ميرو بقرار متسرع أو غير ناضج، فلا يمكنه الإستخفاف بسنوات عاشها في معاناة حبسه في جسد لا يريده
"هو صاحبك دا مش ناوي يجيبها لبر؟"
كانت رسالة من إبراهيم لم يفهمها رياض
"في إيه؟"
ارسل له لقطة شاشة لمنشور بسيوني
"هو مش كان اتهمد؟، ولا عايز يتاكل علقة كمان؟"
"أنا مش فاهم"
لم يكن رياض يفهم شيئاً
"ملوش دعوة بالسياسة خالص، أنا حذرتك، وصله دا بقى"
قال ولم يكن رياض يفهم شيئاً لكنه اتصل ببسيوني
"الو!"
رد بسيوني بنبرة مرحة وعندها قال رياض بدون مقدمات
"اقفل اكونت الفيسبوك بتاعك"
"نعم!"
إستغرب بسيوني
"بسيوني ابعد عن السياسة"
"هو دعم الناجيات بقى سياسة؟"
استنكر بسيوني
"أنا مش فاهم حاجة بس إبراهيم قالي اقولك تقفل الاكاونت"
كان كل ما يشعر به هو القلق بسبب حديث إبراهيم
"مع إحترامي لعلاقتنا مش من حقك تعلمني أعمل إيه وما اعملش إيه، فاكر اما قولتلك إنك متعرفنيش؟، دا أنا بسيوني زهران، أقل حاجة اعملها هو دعم الناجيات، وأنا مستعد لنتايج افعالي، ممكن تشوفها غباء، انتحار، أي حاجة زي ما بتقول بس دا أنا، عشان تعرف إنك في الحقيقة متعرفنيش خالص واستحالة تكون معجب بيا"
عجز رياض عن الرد وتنهد بسيوني
"آسف لو كنت هارش بس مش من حقك تكلمني كإني طفل، شكراً على قلقك، أنا عارف أنا بعمل إيه"
قال ثم انهى المكالمة
فتح زياد فيسبوك بروتينية وعندها رأى منشور بسيوني، إبتسم وشعر بأن الزمن عاد للخلف فقد تعرفا من خلال فيسبوك
(وحشتني)
كان سينشر التعليق لكنه حذفه في النهاية، عليه إحترام حدود بسيوني
"حاسس بإيه دلوقتي؟"
ارسل له على وتساب
"حاسس إني بتنفس"
"غالباً احتمال يتقبض عليا ويتلفقلي تهمة بس يلا مش أول مرة"
"على فكرة سبقتك ومنزل الهاشتاج من أسبوع"
رد زياد وكان يبتسم وهو يقوم بمراسلة بسيوني
"يبقى هيجيبوك من شعرك إنت كمان"
قهقه زياد عند قراءة رده
"شمس موجودة كده كده، هي والبنات هيتصرفوا"
ركن بسيوني سيارته ثم نزل منها ومد يده في جيبه ليخرج مفاتيح المنزل وعندها فجأة توقفت مدرعة مصفحة أمام منزله ونزل منها ملثمين يحملون اسلحة ضخمة لكنه لم يكن فزعاً، كان يبدو معتاداً على رؤيتهم
"هولد اب، جاي معاكم من غير النمرة دي"
قال بهدوء بينما يصوبون اسلحتهم عليه ثم سار للمدرعة
.
33. بكرة يا حبيبي
فجأة توقفت المدرعة، سمع صوت ضوضاء ثم سحبته يد وازالت عنه عصابة عينيه
"هاي!"
كان سليمان يتحدث باسماً
لم يكن بسيوني يفهم الموقف بينما سليمان فك قيده وسأله
"حد منهم عملك حاجة؟"
"لا، ام فاين، عادي"
رد ثم لاحظ وجود ملثمين مسلحين وسيارات حول مدرعة الشرطة وعندها سأل ببلاهة
"هو إيه دا؟"
سحبه سليمان لسيارة سوداء ثم صعدا بها
"أنا عرباوي، محدش يدخل منطقتي، إنت قاعد في بيتي، فاكرني مقعدكم فيه ليه؟"
"مش عارف بصراحة"
قهقه سليمان
"إنت لذيذ يا بيسو"
"هو إنت بتحاول تفيلرت؟"
سأل لأنه كان يكذب شعوره دائماً ناحية نوايا سليمان ولكن هذه المرة هما وحدهما فيمكنه سؤاله بشكل مباشر
"ولو كنت؟"
"يع، إنت عيل"
قوس حاجبيه مستنكراً
"مش بالسن على فكرة"
"دا شعار البيدوفايل، ملكش دعوة بيه"
إستطرد بعدها بعد أن استوعب حديث سليمان عن أنه ابقاه في منزله لحمايته
"يعني إنت كنت عارف عن ماضيي السياسي؟"
"أيوة، صحيح صفحتك على فيسبوك كانت مقفولة بس لقيت ناس بتتكلم عنك أيام ما كنت بتتحبس اتنين وخميس"
"طب وزياد؟"
سأل بقلق بعد أن ذكر الحبس
"ما تقلقش، بعت ناس لهناك برضه، عارف إن زياد عنده ترانس بوي وما ينفعش يتبهدل"
أوقف السيارة ثم أخرج سيجارة ومدها لبسيوني ورغم أنه لا يقوم بالتدخين فقد أخذها منه ليحاول قتل قلقه
"تسمع وردة؟"
قال سليمان ثم شغل أغنية وردة بكرة يا حبيبي
بكرة يا حبيبي يحلو السهر
بكرة يا حبيبي نحضن القمر
وبكرة يا حبيبي أنا وإنت يا حبيبي
هنعيش يا حبيبي حبايب، حبايب
والحب فينا دايب، دايب، يا حبيبي
"إنت مش ملاحظ إنك بتقعد في القاهرة أكتر ما بتقعد في بيتك؟"
قال بسيوني وقهقه سليمان
"جامعتي هنا"
اسند رأسه على مقود السيارة ونظر لبسيوني بعيون هائمة
"إنت بجد عاجبني أوي"
"يع، آسف بس دي مصلحتك إني أقولك يع، إنت عندك دادي ايشوز؟"
رد بسيوني وقهقه سليمان بصوت مرتفع بسبب ردة فعله السريعة، ثم اراح ظهره على المقعد
"تقريباً عندي دادي ايشوز فعلاً، بس هو دا مشكلة يعني؟"
"أيوة، أنا آه بحترم النقاشات والأجيال الجديدة وكده بس مش برتبط بيهم، دنا داخل ع الخمسين تحب إيه دنا في عمر والدك"
"لا، بابا تمانيني، أنا آخر العنقود"
"مش مهم، عيل برضه"
"يا خسارة"
قال بخيبة
نقر بسيوني جبهته بسبابته مستنكراً ردة فعله
"هو إنت بجد كنت متوقع إيه معلش؟"
"عادي يعني، ما انفعش؟"
"لا، ما تنفعش"
"اومال مين اللي ينفع؟"
"مش عارف، حاسس نفسي كنت فيك أوي مؤخراً لدرجة مش هصدق أي حد عرفته الكام سنة اللي فاتت"
في الوقت الذي ظل به هادئاً بعيداً عن الأعين لم تختفي الضغوطات عليه، كان يخبر زين أن عليه التأقلم وأنه ليس عليه الشكوى من تمثيل الرجل المغاير، فهذه هي البيئة التي نعيش بها وعلينا الحذر منها، كان في الحقيقية يحادث نفسه فهو كان قد تعب من تمثيل دور الرجل المغاير المسالم
"عادي، كلنا أوقات بنبقى فيك عشان نتأقلم ونتعايش، بس دا مش معناه إنك مش هتلاقي حد مناسب"
"مش هيبقى إنت، ريح بقى"
قال ورد سليمان ضاحكاً
"مكنتش أقصد نفسي على فكرة"
أضاف بغرور
"مع إنك مش هتلاقي زيي، فكر حبة"
"رجعني البيت، عايز أشوف العيال"
قال ثم أطفأ عقب السيجارة في مطفأة السجائر داخل السيارة
يا قمرنا، يا قمرنا، يا قمرنا
ضوي فوق شجرنا ضوي، ضوي يا قمرنا
خلي الدنيا وردي خلي الحب وردي، وردي يا قمرنا
ده مهما يقابلنا في سكة سفرنا كله راح يعدي
الدمعة تعدي، البسمة تعدي
واللي يفضل ليا حب حبيبي ليا، حب حبيبي ليا
"مساء الخير"
قال بسيوني باسماً وهو يدخل المنزل وعانقه تاليا وزين بروتينية ثم لاحظ زين رائحة السجائر
"ريحتك سجاير"
"أيوة، شربت واحدة من الضغط"
كان يقول الحقيقية أغلب الوقت لولديه فهو لا يرى فائدة من الكذب إلا إن كان عن اذى تعرض له كي لا يقلقهم
"ما تكررهاش بقى"
نبهه زين وقهقه بسيوني ثم قبلَ خده
"عنيا يا حبيبي"
بدأ يقوم بتحضير العشاء وسمع صوت طرق قوي على الباب، فتحه ووجده رياض الذي تفاجأ برؤيته
"هاي!"
قال بسيوني بإستغراب فهو قد إستغرب مظهر رياض وتفاجؤه برؤيته
عانقه رياض بقوة جعلت بسيوني يفزع لثواني ثم بدأ يهدئ نفسه
"رياض ممكن بس تبعد عشان مش مرتاح؟"
قال وبعدها فصل رياض العناق
"آسف، أنا كنت قلقان يكون جرالك حاجة"
"ناه، ام فاين"
رد ببساطة ثم إستطرد
"بعمل العشا، تتعشى معانا؟"
أضاف بعدها
"بس من غير أي كلام عن أعمل إيه وما أعملش إيه"
أومأ رياض وعندها أفسح له بسيوني ليدخل، وعاد لتحضير العشاء
"أنا بس قلقان"
قال رياض وتنهد بسيوني تنهيدة طويلة
"رياض إنت قلت إني عاجبك، بس من وقت ما بدأت أتصرف بشخصيتي الحقيقية وإنت بتحاول تغيرها، ممكن تفهمني أصدقك إزاي؟، وحجة أنا قلقان دي غير مبررة، لإني بالأساس من البداية رجل ثوري، ما ينفعش تبقى عارف دا من البداية وجاي تقولي أنا قلقان بطل اللي بتعمله"
"بس عادي ممكن نتغير"
برر رياض
"ليه نتغير؟، رياض هو أنا أجبرتك على أي تغير أو حتى شجعتك عليه؟، أنا قولتلك لو عايز تتغير دا براحتك وتدور على طريقك بنفسك، مش تتغير عشان تعجبني، دا مش تغير خالص ومش صحي ولا كويس، اللي بيتغير بيتغير عشان نفسه بس مش عشان حد، ممكن تقولي لو اتخانقت معايا وفركشنا هتعمل إيه؟، أنا هقولك هتعمل إيه، هترمي كل الحاجات دي في الزبالة لإنك مش مقتنع بيها لنفسك، إنت بس عايز تثبتلي إنك مقتنع بيها"
بدأ رياض يفكر في حديثه، يريد إنكاره لكن لا يستطيع، فهو يفكر في بسيوني في كل خطوة يخطوها وكل شيئ جديد يعرفه، يفكر في أنه يقربه أكثر منه
"رياض أنا آسف لو تصرفاتي الودودة حسستك إن ممكن يكون في حاجة بيننا، بس دا مش أنا، أنا مش ودود طول الوقت، ومش مبسوط طول الوقت، وعادي ممكن نفضل اصحاب، إنت نفسك لو فكرت فيها هتلاقي نفسك مش معجب بيا وإننا بعيدين جداً عن بعض"
تابع بعدها
"رياض إنت بتكره الثورة والثوريين، إنت لحد فترة قريبة كنت شايف إنهم يستحقوا الموت لحد ما قولتلك أنا مش مميز عنهم فكر فيا زيهم، دا ما يثبتلكش إنك بتعمل كل دا عشاني بس ومش مقتنع بالكامل؟"
"هو ما ينفعش؟"
لم يكن يستطيع الإنكار عند هذه النقطة، السبب خلف تفكيره في معظم الأشياء أكثر من مرة هو أنه يتذكر بسيوني ويفكر به كما لو كان الشخص الآخر
"لا، ما ينفعش تتبنى آراءك على حسب حد عايز تثير إعجابه، لازم يكون إقتناع حقيقي، ابحث، تناقش، دافع عن وجهة نظرك وخلي الطرف التاني هو كمان يدافع لحد ما توصلوا لنقطة حد يقنع التاني أو حد يخلي التاني يفكر أكتر في وجهة النظر المعارضة له ويسمع اسئلة منهم عشان يفهم سبب المعارضة، وفي كل الأحوال النقاش بيفتح العقل، مفيد دايماً حتى لو خلص بإنك ما اقتنتعش بالكامل، هيفتحلك باب التفكير والبحث بنفسك، ولازم يكون كل دا منك إنت عشان إنت عايز تعرف أكتر مش عشان حد معين"
تنهد بضيق ثم جلس على كرسي الطاولة
"رياض أنا بجد تعبت من التكرار، ما ينفعش تتبنى قناعات عشان تعجب حد، دا غلط، يا تقتنع بيها يا تسيبها"
مد يديه وامسك بيدي رياض متوسلاً إليه
"أرجوك افهمني، القناعات دي فيها حياة وموت، معاناة كبيرة، من السطحية إنك تتبناها عشان تعجب حد"
"أنا آسف، في كل مرة بفكر إني بتغير فعلاً بلاقي نفسي بفكر فيك"
رد بقلة حيلة
"بسيطة، فكر في شخصيتي الحقيقية، الراجل الثوري البضان، هتكرهني، أنا متأكد"
رد بأكثر نبرة طبيعية ثم تابع
"صدقني كرهي سهل جداً"
رن الجرس وإستقام بسيوني واقفاً وفتح الباب تاركاً رياض يفكر في حديثه حتى سمع هتاف زين
"زيكو!"
نظر ناحية الباب ورأى زياد يعانق بسيوني
"خلاص إنت هتعملي فيها راجع من السفر"
ابعده بسيوني مازحاً
"زيكو، هتتعشى معانا؟"
سأل زين بحماس
"أيوة طبعاً، بقى يجي وما يتعشاش؟، عيب جداً، بس ميرو فين؟"
"عند جدته النهاردة"
رد زياد
"زيكو تعالى نختار فيلم عشان زين ذوقه وحش"
قالت تاليا وقهقه زياد ثم لاحظ وجود رياض
"هاي!"
لوح له بود ثم جلس بجوار تاليا على الأريكة ليساعدها في إختيار فيلم
عائلة زياد وبسيوني خيالية جداً في نظره، كُلما فكر بها كان يراها بنفس الطريقة، لقد تعلم الكثير من بسيوني ولكن هل يمكنه تقبل المزيد؟، وكيف سيفكر إن توقف عن وضع بسيوني كمقياس لكل شيئ؟
الثوار بدون بسيوني هل يستحقون الحياة؟
هل سيهتم بحياة الرجال المرتبطين بالرجال إن استثنى بسيوني منهم؟
هل كان ليقع بحب رجل ثوري متمرد مزدوج الميول؟
فهذه هي شخصية بسيوني الحقيقية
بعد التفكير ملياً وجد غضب بسيوني مبرر، فهو كان يمثل شخصية أخرى أمامه، ثم فجأة أخبره بأنه معجب به وهو بالأساس يقوم بالتظاهر والتمثيل، في كل مرة يخبره بسيوني بهذا يفكر ثم عندما يعود للمنزل تتلاشى جميع قراراته
إن أكد هذا شيئاً فهو أنه لا يريد تقبل فكرة أن اعجابه ببسيوني سطحي
استفاق من شروده على صوت غناء ساندي، كانت تاليا تشغل أغنية عمال يدق
عمال يدق، يدق دو دو دو دو دو دو دو دو دم
ده إيه هو إللي أنا ده فيه ده إسمه حب؟
بحب، بقالي كذا يوم مش عارفة ليه بقيت متغيرة
"إنتي دخلتي في ايرة ساندي؟، بتحبي ولا إيه؟"
سأل زياد ضاحكاً وعندها مالت تاليا على اُذنه وهمست له
ده باينه قلبي اتجن ونازل زن ما بيفكر غير فيه
مش عارفة أنا إذا كنت بحبه ولا مجرد معجبة بيه
قرر رياض الذهاب لمعالج نفسي لأنه كان مشوشاً عند تلك النقطة، فهو قد بدأ يشك في حديث بسيوني
هو لا يحب بسيوني بل يحب الصورة المزيفة المثالية التي رسمها عقله له ويحاول التغيير من نفسه ليثبت بأنهما يناسبان بعضهما، والآن يريد تغيير بسيوني ليعود لتلك الصورة المزيفة
"تحب نبدأ منين؟"
سأل الطبيب بهدوء
أخذ رياض شهيقاً عميقاً ثم زفيراً هادئاً وعينيه تتجولان في غرفة العيادة يحاول ايجاد كلام مناسب أو يحاول الهرب من قول الحقيقة فهو لا يريد مصارحة نفسه، قرر التشجع وبدأ الحديث بعد تفكير دام لدقيقتين كاملتين
"مش عارف، هو كل حاجة بدأت وقت كورونا"
.
بكرة يا حبيبي

عمال يدق

.
34. متلازمة الناجي
"هو ليه إنت حاسس إن الموضوع بدأ من وقت ما بسيوني دخل حياتك؟، مش إنه امتداد لحاجة قديمة، علاقتك بأهلك مثلاً عاملة إزاي؟"
سأل الطبيب عندما لاحظ أن رياض يتحدث بشكل خاص عن بسيوني فقط وكأنه محور كل حياته
كان رياض متردداً لكنه قرر أن يتحدث ثم يمكنه الإختفاء وأن لا يزور الطبيب مرة أخرى، أخذ نفساً عميقاً وزفيره خرج مرتعشاً
"يعني، زي أي عيلة"
"يعني إيه؟، مامتك وباباك علاقتهم كانت كويسة؟، كانوا بيحضنوك ويحتووك، يتكلموا معاك؟"
بدأت عيناه تجوب في الغرفة وكأنه يهرب من السؤال
"لا"
"اوكاي، أنا مش عايز أضغط عليك، مرتاح تتكلم أكتر ولا لا؟"
سأل بود
اراد رياض الحديث ويمكنه الهرب لاحقاً فهو لن يحتمل الذهاب لطبيب آخر والحديث معه مرة أخرى
"بابا كان راجل شديد جداً، وماما برضه عمرها ما حضنتني أو قالتلي كلمة كويسة، بس دا مخلانيش أسمع كلامهم وادخل شرطة، وعملت مشروع وفتحت جيم وبقى عندي بدل الواحد تلاتة، والدنيا ماشية"
"حلو جداً، يعني عندك إستقلالية ومش بتخلي حد يأثر على قراراتك"
كان يفرك يديه ببعضهما ثم رد
"بصراحة مش عارف دا معناه إني شجاع ولا إن كان في اضحية غيري"
"اضحية غيرك!، ممكن توضح أكتر؟"
"كان عندي أخ تاني، كان الضحية الأمثل، حقق كل أحلام اهلي فيه، اتجوز البنت اللي اختاروهاله، اشتغل الشغلانة اللي اختاروهاله، نفذ كل حاجة بالظبط"
"علاقتك بأخوك دا عاملة إزاي؟، إيه مشاعرك ناحيته"
"الذنب، حاسس إني انبسطت بأن اهلي إختاروا حد غيري يمشوا كلامهم عليه ويسيبوني أنا اختار براحتي عشان راميين طوبتي"
"وعلاقتك بيه؟"
"مؤخراً بقت مستقرة أكتر عشان صارحته بمشاعري، بس دا ما لغاش شعوري بالذنب بصراحة"
"وهو كان ردة فعله إيه؟"
"قال أنه شايفني مثله الأعلى عشان عشت بمزاجي مش بمزاج حد، بس أنا مش شايف نفسي عظيم، أنا كل اللي عملته إني سبت ضحية مكاني وكملت حياتي"
"ليه بتستخدم لفظ ضحية؟، يعني في ناس كتير جداً بتستسلم لأهلها وتعمل اللي عايزينه، دا مش نهاية العالم"
"عشان اخويا كمان اتعرض للتحرش وهو صغير"
همهم الطبيب
"وإنت شايفه ذنبك؟"
"اتقالي إني مش مذنب بس كل ما ببص لأخويا بحس إني ظالمه جداً"
"أستاذ رياض، التحرش هو ذنب المتحرش بس مفيش أي لوم على أطراف أخرى"
استطرد
"بس غالباً برضه إنت مش مقتنع"
اومأ رياض بالإيجاب وتابع الطبيب
"بيحصل بانيكس اتاكس؟، أو سمعت عنها حتى؟"
"أوقات، اما بفكر في حاجات معينة"
"تقدر تقولي زي إيه؟"
"زي إني أنا وبسيوني من عوالم مختلفة بجد وأنه مش هيكمل معايا في حياتي"
"عشان اتعودت على ظهوره اللطيف في حياتك وأنه خلى علاقتك بأولادك أحسن؟"
"بصراحة الموضوع ملهوش علاقة بأولادي، اد ماله علاقة بيا أنا"
رد بصراحة
"أستاذ رياض حضرتك تعرف حاجة اسمها متلازمة الناجي؟"
"لا"
إستغرب من المصطلح
"اما بيحصل حاجة وحشة وناس تتأذى وحد ينجو منها ممكن تحصله حاجة اسمها متلازمة الناجي، طول الوقت بيبقى حاسس بالذنب تجاه الناس اللي كانت معاه واتأذوا وهو لا، وحاسس إنه ما يستحقش النجاة، ودا بيخليه حاسس طول الوقت بأنه مذنب وبيقلب بقلق وإكتئاب وأحياناً بانيكس اتاك"
امسك قلماً وبدأ يرسم على ورقة بيضاء وهو يتابع
"إنت وأخوك نشأتوا في نفس البيت، بس شخصياتكم مختلفة، لما أهلك اختاروه عشان يحققوا أحلامهم فيه، ده قرارهم، مش قرارك، السؤال هنا هل فعلاً كان عندك سلطة تمنع ده؟، هل لو كنت انت اللي اختاروك بداله، كنت هتقدر ترفض؟"
ظل الصمت سيد الموقف فلم يكن رياض يمتلك رداً ثم تابع الطبيب
"بمعنى تاني مش معنى إنك أخدت طريق مختلف إنك بالضرورة ضحيت بيه، لأن المسؤول عن اللي حصل مش إنت، دول اللي قرروا إن واحد منكم يكون امتداد ليهم بدل ما يكون نفسه"
صمت لبعض الثواني ليترك لرياض مساحة للتفكير ثم تابع
"أما عن التحرش اللي اتعرضله أخوك، فالذنب الوحيد في الحكاية دي هو ذنب المعتدي مش أخوك، ولا انت، مش لأن حد نجى من الأذى يبقى لازم يشيل ذنب اللي تأذى، أكيد انت بتحبه وعندك ناحيته إحساس عالي بالمسؤولية، بس هل مسؤوليتك تتضمن لوم نفسك على حاجة ما عملتهاش؟"
"أما بخصوص نجاحك عمرك فكرت إن شغلك ومجهودك هو السبب؟، مش لأنك أخدت كل حظ أخوك وهو اخد نحسك؟، يعني لو فرضنا إن أهلك كانوا عادلين معاكم، مش كان ممكن برضه توصل للنجاح ده؟"
لم يضغط عليه الطبيب وترك ثواني صمت ليفكر بها كما يفعل في كل مرة يتحدث تاركاً رياض يستوعب حديثه ثم تابع
"أنا ملاحظ إن بسيوني بيمثل ليك أكتر من مجرد شخص بتحبه، كأنه مصدر أمان وتعويض عن حاجات افتقدتها قبل كده، ممكن يكون ده حب، وممكن يكون تعلق بالأمان اللي بتحس بيه معاه، فكرت قبل كده في الفرق بين الاثنين؟"
"وأنا مش بقول إن ده غلط، كلنا بندور على الأمان، بس أوقات بنتمسك بالناس مش عشان هما الشخص المناسب لينا، لكن عشان هما أول حد يدينا الإحساس اللي كنا محتاجينه، السؤال هنا هل بسيوني هو الشخص اللي يناسبك فعلاً، ولا الشخص اللي طمنك وقت ما كنت محتاج ده؟"
أضاف بعدها سؤال آخر
"هل بتفتقد بسيوني نفسه؟، ولا بتفتقد الأمان اللي حسسك بيه؟"
قلب الورقة ثم بدأ يكتب سؤالاً عليها بينما يقوله
"رياض، لو بسيوني قرر يسيب حياتك بكرة، إيه أكتر حاجة هتحس إنك فقدتها؟، وإيه الحاجة اللي خايف منها بعدها؟"
مد الورقة والقلم لرياض الذي كان حائراً وعندها تابع الطبيب
"ما تضغطش على نفسك، ممكن تعتبره تاسك تعمله مش ضروري دلوقتي"
اومأ رياض ومد الطبيب الورقة إليه وسأله
"البانيكس بتكون قوية؟، اكتبلك دوا؟، ولا مش عايز؟"
"ملوش داعي"
رد رياض
"خليها معاك وجاوب وقت ما تحب"
ابتسم بود ثم أضاف
"آه، وممكن تجرب تسأل حد في علاقة مع حد نفس الأسئلة دي وتشوف اجابته وتقارنها باجابتك، بس بشرط تجاوب إنت الأول بعدين تسألهم"
ناوله الورقة وخرج رياض من العيادة ثم دخل سيارته وبدأ يلتقط أنفاسه
لقد كان يعتقد أن موعد الطبيب سيكون سخيفاً، لكنه تفاجأ من أن هذا الطبيب يضغط على كل مخاوفه ويعلم بالضبط ما يقوله، كان إقتراح زياد فهو كان يحتاج طبيباً يمكنه محادثته عن حبه لرجل لذا سأل زياد الذي دله على هذا الطبيب
بدأ ينظم أنفاسه ثم حاول القيادة لكنه كان متوتراً ويديه ترتعشان، ظل مكانه يحاول تهدأة نفسه حتى رن هاتفه، كان زياد
"هاي!"
كان صوت زياد الهادئ، سأل بعدها
"عملت إيه؟"
تنهد بثقل
"تمام"
"مبروك، دي أول جلسة ليك، حابب تشاركني شعورك؟"
"مش عارف، بجد مش عارف"
كان يتحدث بضيق
"إنت فين؟"
"لسه عند العيادة، ما اتحركتش، حاسس إني أخدت علقة"
انهى حديثة بنبرة ساخرة
"تحب آجي آخدك؟، ولا إنت مش بتطيقني؟"
"اللي يجي منك أحسن منك"
رد وعندها قال زياد متجاهلاً جملته الوقحة
"اوكاي، هاجي، خليك مكانك"
انهى المكالمة ثم أخذ نفساً عميقاً، بعد أن وصل زياد قال رياض بشكل مباشر
"ممكن ما تقولش لبسيوني حاجة؟"
"ليه هقوله؟"
سأل بإستغراب بينما يجلس في مقعد السائق
"بأكد عليك بس"
"ما تقلقش، أنا مش عيل، وعارف إنك مش هتحب بيسو يعرف حاجة زي دي، بلاس دي حاجة ما تخصهوش أصلاً، دي حاجة خاصة بيك إنت"
"شكراً"
شكره رياض في النهاية بعد أن اوصله ثم سأله
"ليه بتساعدني وعارف إني بكرهك؟"
"اني تايم، المساعدة مش المفروض تكون مرهونة بشيئ، مش المفروض تكون أحسن حد في الدنيا عشان نقدملك المساعدة، مش هنعمل بحث عن كل واحد قبل ما نساعده، دا هبل، وأكيد مش مضطر تعمل شخصية فيك عشان نفضل حواليك، مثلاً اخوك هو اللي كان بيعذب بيسو حرفياً بس بيسو ما اترددش يساعده، دا اللي بيسو طول الوقت بيحاول يوصلهولك، ما تحاولش تزيف نفسك عشان حد"
همَ بالإنصراف لكنه عاد لينبهه
"ضروري أقولك بيسو بيكره اسم بسيوني، ياريت لو هتتكلم معاه تقوله بيسو مش بسيوني"
لوح له مودعاً
"باي"
لقد سبق وأخبرته تاليا بأن بسيوني يكره اسمه ويفضل لقب بيسو لكنه كان يتجاهل الأمر ويجده شيئاً طفولياً سخيفاً، هل هو جاهل لدرجة أنه حتى كان ينادي الرجل الذي يقول أنه يحبه بشيئ يكرهه؟
(لو بسيوني قرر يسيب حياتك بكرة، إيه أكتر حاجة هتحس إنك فقدتها؟وإيه الحاجة اللي خايف منها بعدها؟)
حدق في الورقة ثم استقام واقفاً وبدأ يدور في غرفته، كيف يصف شيئ كهذا؟
كان مشوشاً لدرجة أنه بحث في جوجل عن اسماء المشاعر لأنها تبخرت من رأسه
ما الشعور الذي يمنحه له بسيوني؟
الأمان
الشيئ الذي يخاف من أن يشعر به بعد غياب بسيوني؟
الوحدة
فتح مجموعة عشوائية على فيسبوك ونشر بها منشوراً
(السؤال دا للي في علاقات بس لو شريكك قرر يسيب حياتك بكرة، إيه أكتر حاجة هتحس إنك فقدتها؟ وإيه الحاجة اللي خايف منها بعدها؟)
انتظر لبعض الوقت حتى بدأ الناس يعلقون
"هيوحشني، ضحكته، كلامه الغبي وهزاره في المصايب، وافكاره المجنونة، وهتمناله الأحسن"
"هزعل أوي بصراحة أصلها بقت جزء من يومي، بحب اكلمها كل يوم، اتصالاتها الكتير، بنقعد نتكلم بالسعات، لدرجة لو في يوم كان وراها حاجة وما كلمتنيش بحس أن اليوم فاضي، بعدها هتمنالها ترتبط بحد كويس عشان هي تستاهل الأحسن"
"يا ساتر ليه الفال دا؟، إزاي اصحى على صوت حد غير صوتها؟، همشي مع مين في وسط البلد؟، هسرح شعر مين قبل النوم؟، هزعل أوي ولو ارتبطت مش هباركلها بصراحة"
"هيوحشني ابوسه كل يوم، حضنه الدافي، حتى صوته المعفن وهو بيغني، هيوحشني اصححله غلطاته الإملائية عشان ارخم عليه، الحاجة اللي خايفة منها بعدها أنه يجراله حاجة، عايزاه يفضل كويس"
"معلش اسمحولي اقتحم الكومنتس الروشة اللي مليانة نشاط دي وأقول هيوحشني نطقم لبس مع بعض ونطبخ سوا، انها بتشاركني الحاجات اللي بحبها، ما اعتقدش هلاقي حد زيها تاني، هزعل بصراحة لو سبنا بعض، بس لو ماتت دا اسوأ فا تسيبني ارحم"
إستغرب رياض أن اجابته لم تكن تحوي أي ذكريات مع بسيوني كالباقين بل تضمنت كلمتين فقط، لما كان هذا أول شيئ يفكر به؟
(ما الفرق بين التعلق والحب)
كتب في خانة البحث على حاسوبه ثم بدأ يقرأ النتائج
حدق في الورقة واجوبته ثم همس بعد أن ادرك الموقف
"احا!"
.
35. بيني في الحب وبينك ما لايقدر واش يفسده
"مفيش مشكلة، دي مش حاجة وحشة إنك تكتشف إنك مكنتش تعرف بسيوني أو بيسو، في الآخر المهم إنك ادركت دا"
كان الطبيب يتحدث معه بعد أن طرح عدة اسئلة عن شخصية بسيوني وعجز رياض عن الرد، وتأكد عندها أنه لا يعرف بسيوني حقاً
تنهد بثقل
"وبعدين؟"
رد الطبيب بإبتسامة مطمئنة
"وبعدين؟، بعدين هنفهم إنت ليه كنت شايف بسيوني بالشكل ده، دلوقتي إحنا عارفين إنك مكنتش متعلق ببسيوني كشخص، لكن متعلق بالإحساس اللي كان بيديهولك، الأمان، الاهتمام، وجود حد بيقف جنبك من غير شروط، بس السؤال الحقيقي هو ليه حسيت إنك محتاج الأمان من شخص بعينه وتعلقت بيه بالطريقة دي؟"
صمت ليترك لرياض وقتاً للتفكير ثم أكمل
"لما حد بيتعلق بشخص عشان بيديه إحساس معين، مش عشان الشخص نفسه، ده معناه إن فيه فراغ جواه، حاجة كان محتاجها من زمان وما لقاهاش، فخلينا نسأل سؤال تاني، إنت فاكر إمتى آخر مرة حسيت بالأمان من غير ما يكون فيه شخص معين هو السبب فيه؟"
فكر رياض لبعض الوقت ثم حرك رأسه بالسلب
"مش فاكر"
ممكن تكون مش فاكر أو مش مدرك، وده طبيعي، بس ده معناه إن عندنا مساحة نشتغل عليه، الأمان مش مفروض يكون حاجة بتيجي من بره بس، لازم كمان يجي من جواك، وإحنا هنتعلم مع بعض إزاي تلاقيه جواك قبل ما تدور عليه في حد تاني"
امسك قلمه وبدأ يكتب على ورقة بيضاء
"أنا عايزك كل يوم تكتب حاجة واحدة صغيرة عملتها خلتك تحس بالأمان، مش لازم حاجة كبيرة، حتى لو كانت حاجة زي إنك قعدت مع أولادك، أو قرأت كتاب، أو خلصت حاجة في شغلك، زرت أخوك، ممكن تكون جاهل الشعور بالأمان عامل إزاي وأنه ابسط من تعلقك بوجود شخص معاك طول الوقت، احنا عايزين نبدأ نثبت لعقلك إن الأمان مش مربوط بشخص، وأنه موجود في تفاصيل حياتك"
اومأ وتابع الطبيب
"ومش أي حد بيعاملنا كويس يبقى لازم بنحبه بشكل عاطفي، لإن الطبيعي إن الناس تعاملنا بإحترام وود وأننا نكون لطفاء مع بعض، لو كل معاملة كويسة سميناها حب هنسخر فرص لعلاقات كتير ومش هنفهم الفرق بين اللي محتاجينه واللي بنحس بيه فعلاً"
عاد رياض لمنزله ووجد إبراهيم هناك، إبتسم وصافحه بحرارة
"مش هتصدق عملت إيه"
قال إبراهيم باسماً وكانت قد مرت مدة منذ آخر مرة يراه بها يبتسم بهذه الطريقة لذا سأل بفضول
"عملت إيه؟، اوعى تكون قتلت حد"
قهقه إبراهيم ثم أخرج ورقة من جيبه ومدها لرياض، كانت استقالة
"إنت سبت شغلك؟"
سأل بدهشة
"أيوة"
"احا عملتها إزاي؟"
كان مستغرباً لأنه من الصعب اقناع إبراهيم بأي شيئ
"يعني، بعد ما روحنا وتفينا على قبر ابوك الله يرحمه العيال العفاريت تاليا وزين قعدوا يقولولي شكلك مش مبسوط من الشغل ووشك يقطع الخميرة من البيت، سيبه، وتيام ولوجين قالولي إنهم نفس الرأي وإنهم عايزيني موجود معاهم، فا سبته عشان عندهم حق، أنا أصلاً مكنتش حابب الشغلانة ولا عايزها"
قال ببساطة وتفاجأ رياض كيف أن عائلة بسيوني يضعون تأثيرهم في كل مكان بسهولة
"أنا في ضهرك لحد ما تلاقي شغل تاني"
قال ثم خطرت له فكرة
"فاكر وإنت صغير قلت نفسك يبقى عندك شيلتر للستراي انيمالز؟"
"بجد!، مش فاكر"
قال ببلاهة فصدمات طفولته جعلته ينسى الكثير
"هبيع فرع من فروع الجيم بتاعي وافتحلك شيلتر"
قال بحماس وإعترض إبراهيم
"تفتح إيه يا بابا دنا أفتحلك دماغك"
"ليه؟"
سأل رياض بخيبة
"أنا هعتمد على نفسي، أنا راجل"
لم يكن إبراهيم يحب فكرة تلقي المساعدة من أي أحد حتى لو كان شقيقه
"ياعم اعتبره قرض ورجعه بعدين"
حاول محايلته
"لا"
كان رفضه قاطعاً
تجاهل رياض رفضه وأمسك بيديه ليشابكها معه
"أنا مبسوط أوي انك أخدت القرار دا"
صفع إبراهيم يديه
"بس تلزيق"
كان يتابع مع طبيب نفسي لكنه مازال غير مرتاح للمسات، وأخبره الطبيب أنه لا بأس ويمكنه التعبير عن الحب بوسائل أخرى كثيرة
كذلك كان رياض يتابع مع معالجه النفسي الذي أخبره أن لا يضغط على نفسه في تعامله مع بسيوني، يمكنه أن يظل صديقه أو يقطع علاقته به إن شعر بالعار من تصرفاته معه
قرر رياض القيام بخطته بدون إعلام إبراهيم، قام ببيع احد فروع ناديه الرياضي واشترى مبنى وبدأ تجهيزه ليكون ملجأ للحيوانات
كان يشعر بالراحة وأن شعوره بالذنب تجاه شقيقه يتلاشى، مر على منزل زياد وفتحت له تاليا وكان زين يتحدث مع زياد
"الا إزاي ما قفلتش الدين وإنت صغير مع إن في سورة باسمك"
"فعلاً!"
استغرب زياد
"سورة العلق"
قال ضاحكاً ورد زياد
"دنتا اللي علق"
انتبه زياد لوجود رياض وعندها دفع زين بسرعة
"شوف هتلعب إيه في اوضتك"
حمحم ثم إبتسم وإقترب ليصافح رياض
"هاي"
اضاف بعدها ليمنع رياض من طرح أي سؤال عن الحوار الذي دار للتو
"ما تسألش عن حاجة مش هتحب اجابتها"
"اونكل رياض، هتتغدى معانا؟"
سألت تاليا بفضول
"لا، جيت اسلم بس"
"تاليا ادخلي جوا دلوقتي"
شعر بأن رياض يريد قول شيئ بدون وجود الأطفال
دخلت تاليا وعندها سأل زياد
"حصل حاجة حلوة؟"
رغم إستغرابه من الموقف فهو قرر إبلاغه بالخبر السعيد
"إبراهيم ساب شغله، وجهزتله شيلتر عشان كان وهو صغير نفسه يبقى عنده واحد"
"تحفة، فكرة إنك فاكر حاجة زي دي يمكن يكون هو أصلاً نسيها يدل إنك اخ كويس"
قال باسماً ثم أضاف
"أعتقد قرب أخوك وإنك تمنحه أمنية كان نفسه فيها زمان دا يحسسك بإنك مبسوط؟"
"تقريباً"
رد ببلاهة
"على فكرة أعرف ناس تساعدك في موضوع الشيلتر دا"
قال زياد ورد رياض بحرج
"ملوش لزوم"
"الموضوع بسيط، بطل حساسيات، بص أنا عامل كيكة، استنى هحطلك منها"
قال ثم دخل المطبخ ووضع قطع من الكعكة في علبة ثم مدها إليه
"بوسلي بشرى وأمجد"
سمعا صوت الباب ثم صوت بسيوني
"هاي!"
إقترب زياد وعانقه بود كعادته
"الطريق كان كويس؟"
"ماشي الحال"
رد وناول زياد كيس بلاستيكي ثم القى التحية على رياض باسماً
"هاي!، إيه الأخبار؟"
"كويس"
صافح بسيوني الذي دخل بعدها ليساعد زياد
"هتعمل الأكل معانا؟"
حادث رياض الذي رد
"لا، أنا ماشي"
"بوسلي بشرى وأمجد"
قال بود ثم لوح له
كان بسيوني يحاول أن يكون حذراً مع رياض كي لا يرسم سيناريوهات خيالية بأنه يريد الدخول في علاقة معه
وبعد التعامل مع زياد ادرك رياض أنه حنون أكثر من بسيوني، ويجيد التعامل أسرع منه، ولهذا السبب يتعلق به الأطفال أسرع، وتأكد أن بسيوني على حق فهو حقاً لا يعرف شخصيته حتى الآن
فهُم يتصرفون بطريقة معينة أمامه وبطريقة أخرى في غيابه، ولم يطلبوا منه أبداً أن يتغير من أجلهم، بل شددوا عليه أن عليه أن يتصرف حسب قناعاته وإن كان سيغيرها فعليه أن يغيرها لنفسه وليس ليثير إعجاب شخص آخر
صعد في سيارته وشغل أغنية عبدالوهاب، كانت يا مسافر لوحدك
يا مسافر وحدك، يا مسافر وحدك وفايتني
ليه تبعد عني وتشغلني
ودعني من غير ما تسلم وكفاية قلبي أنا مسلم
دي عينيا دموعها دموعها بتتكلم
يا مسافر وحدك وفايتني
اغلق مشغل الأغاني وأخذ نفساً عميقاً، صوت عبدالوهاب يذكره بتعلقه المرضي ببسيوني، عاد لمنزله ووجد بشرى وأمجد يلعبان العاب الفيديو، إقترب منهما وسحبهما لحضنه وهما لم يكونا يفهمان شيئاً
"بابا كله تمام؟"
سألت بشرى
"أيوة، أنا بس بحبكم أوي"
قال وردت بشرى باسمة
"احنا كمان"
رغم كل شيئ فهو ممتن لدخول بسيوني حياته، لم يكن ليعانق أطفاله كما يفعل الآن لولاه، ربما يشعر بالخجل من تعلقه المرضي به وأنه فهم مودته بشكل خاطئ لكن من الجيد أنه تدارك الأمر أخيراً
"زين كان على بعد خطوة من أنه يسبب لأونكل رياض صدمة تانية"
قال مُلهم ضاحكاً بعد أن جلسوا لتناول الطعام
"على فكرة اونكل إبراهيم كان بيسب الدين طول الوقت طول فترة قعادي معاه"
علق زين
"طب ما كلهم بيسبوا الدين بعدين يرجعوا يكملوا لعن في الملاحدة"
رد مُلهم عليه
"لا، اونكل إبراهيم سب الدين بجد، حتى في مرة كان متضايق قال دا الواحد لو مؤمن كان كفر تاني"
قال زين وعندها إنفجر زياد بالضحك وتبعه بسيوني
"اوكاي هي ايز سو فاني"
علق زياد ضاحكاً
"مستغرب سيكة بس القعدة مع أهل رياض تكفر الواحد فعلاً"
قال بسيوني ثم انهى حديثه بنبرة ساخرة
"وحشتكم؟"
كان سليمان الذي وصل للتو ثم بعثر خصلات شعر زين
"فكرني نغير الكالون"
قال بسيوني محادثاً زياد
"اخص!، دي أخرتها!"
رد سليمان وجلس ليبدأ تناول الطعام معهم
"سليمان حبيبي في جرس، أو ممكن تخبط، البيوت ليها حرمة"
نبهه بسيوني ولم يعره سليمان أي اهتمام
بدأ بسيوني يقوم بغسل الأطباق بعد أن انتهوا في تناول الطعام وشغل زياد أغنية مضناك وبدأ يساعده في الغسيل
"كل سنة وإنت طيب"
كسر زياد الصمت
"إيه!، دا لإيه؟"
رد بسيوني ببلاهة
"يوم الأب"
رد زياد ضاحكاً بسبب بلاهة بسيوني وقهقه الآخر بدوره
"وإنت طيب"
"أوقات بفكر أيام ما كنا سوا وبتمنى الزمن يقف، أو إن حياتي كانت خلصت وقتها"
قال زياد وأغلق بسيوني الصنبور بسرعة وامسك يديه
"يبعد الشر عنك، العيال كان يجرالهم حاجة هما كمان، يرضيك كده؟"
"دا بس اللي مزعلك؟، مش هتزعل عليا؟"
"هزعل، بس لو حد هيموت الأحسن يكون أنا، إنت أب أحسن مني"
كان بسيوني يشعر دائماً أنه ليس والداً جيداً، فبالرغم من أن زياد لم يحظى بأطفال بيولوجيين فهو جيد معهم جميعاً أكثر منه
"يبعد الشر"
قال زياد بسرعة واغلق قبضته على يدي بسيوني بينما يتبادلان النظرات القلقة
وصل عبدالوهاب لمقطعهما المفضل
بيني في الحب وبينك ما لا يقدر واش يفسده
مابال العاذل يفتح لي باب السلوان وأوصده
ويقول تكاد تجن به فأقول وأوشك أعبده
مولاي و روحي فى يده قد ضيعها، سلمت يده
ناقوس القلب يدق له وحنايا الأضلع معبده
"بيسو، زيكو، عاي.."
توقف زين عن الحديث عندما وجدهما يتبادلان عناقاً حميمياً عميقاً
انسحب بهدوء ليتركهما يأخذان لحظتهما الحميمية
"أوقات بتوحشني أوي"
قال بسيوني ثم قبلَ خد زياد
"إنت على طول واحشني"
رد زياد وتنهد بتعب بعد كل هذا الوقت الذي كان يتوسل فيه لبسيوني للعودة
"أنا كنت خايف ما اقدرش اتخطى اللي حصل"
قال بسيوني وتنهد تنهيدة طويلة
"وأنا كنت خايف ترجعلي لإنك مضطر مش لإنك عايز ترجعلي فعلاً، أنا عايز بيسو زهران زي ما هو، الراجل اللي بيتقلب كتير وهو نايم، وأول ما يصحى يشغل عبدالوهاب، اللي بيكره الزتون في الأكل، واللي بيحب يظبط الأكل بالملي كأنه في مسابقة طبخ، الراجل اللي مش شاطر في العربي خالص بس بيحاول يساعد عياله في المذاكرة، اللي بيحب الرقص، الدندنة، وبيتنفس حرية"
كانت هذه نقطة ضعف بسيوني، أن زياد يعرفه حق المعرفة، لقد ارتبطا لعشر سنوات كاملة، ساعده في تربية ولديه، وكان يدعمه دوماً، ويفهمان بعضهما بشكل جيد، حتى حدثت تلك المشاجرة بينهما التي جعلت بسيوني مستائاً وشعر بالشك في طبيعة علاقتهما
حرك يديه بنعومة على ظهر بسيوني وهو يدندن بكلمات الأغنية ثم تنهد بعمق وقال هامساً
"إنت مش متخيل أنا مبسوط إزاي إنك في حضني دلوقتي برغبتك مش عشان عندك بانيك اتاك ومتعود على حضني"
قهقه بسيوني بخفة
"لسه سمج زي ما إنت"
ساعده زياد على الجلوس على الطاولة ثم قبلَ شفتيه
"وحشتك؟"
"ما سافرتش ليه زي ما كنت عايز؟"
سأل بسيوني ليذكره بسبب شجارهما وتنهد زياد بضيق ثم رد وهو ينظر لعينيه بثبات
"المكان اللي إنت مش فيه ما يلزمنيش"
سمعا صوت صراخ وعندها خرج زياد من المطبخ بسرعة وذهب لغرفة تاليا حيث مصدر الصراخ وتبعه بسيوني، كانت النيران تلتهم فراش تاليا، تحرك بسيوني للمطبخ بسرعة وحمل جرة الماء الكبيرة وساعده زياد وسليمان في اطفاء النار
التفتا للأطفال وسأل بسيوني بحزم
"مين السبب؟"
"كنت بوريهم إن تلج الأفراح قابل للإشتعال"
برر سليمان ببلاهة
"إنت عيل يا سليمان؟"
وبخه بسيوني فقد كان مستغرباً من تصرفه الطفولي
"خلاص، المهم أنهم كويسين"
ربت زياد على كتفه محاولاً تهدأة غضبه
"كل سنة وأنتم طيبين هابي فاذر داي"
كان زين الذي يحمل كعكة ويبتسم
"ثانية، إنتم ولعتوا في السرير عشان تعملوا مفاجأة؟"
سأل زياد بعد استيعاب الموقف بينما زياد انفجر بالضحك
"فكرة مين دي؟"
سأل بسيوني بإستياء ووضع زياد يده على فمه ليسكته
"تحفة، بس ما تلعبوش بالنار تاني قدر ولعت فيكم كان هيحصل إيه؟"
نبههم زياد بلطف
"المرة الجاية هلعن التربية الإيجابية"
حذرهم بسيوني بينما يتمالكون أنفسهم كي لا يضحكوا
"دا أحسن عيد أب عدى عليا"
قال زين بسعادة وناول الكعكة لسليمان ليتمكن من عناق زياد وبسيوني، تبعته تاليا وتبعهم ملهم وأخيراً سليمان
.
الجزء الأول
تم
26.3.2025
.
يا مسافر وحدك

مضناك
.



تعليقات
إرسال تعليق