علاقات عابرة، ريشة رسم مكسورة، وهروب مستمر من ظل رجل لا يرحم. هذه هي حياة سيليا، أو ما تبقى منها لكنها لا تعلم أن هناك عيناً تراقب سقوطها بدقة، عيناً تعرف معنى، الفقد، والعيش على الهامش
إنشاد لا تطارد مجرمة، بل تطارد شبحاً يسكن سيليا حكاية عن فتاتين خارجتين عن السيطرة، يجمعهما وجع قديم، ويفصلهما خيط رفيع من الدم.
(تحتوي على علاقات مثلية)
(الحوارات بالعامية المصرية)
.
مدخل
استقرت الرائحة العفنة للرطوبة والكلور في رئة سيليا، بينما كانت تحدق في الطاولة الخشبية التي تفصل بينها وبين تلك المرأة الهادئة، كانت تجلس بظهر منحني قليلًا، وشعرٍ مهمل، وعينين انطفأ فيهما الشغف منذ زمن
في النظرة الأولى قد تعتقد أنها رجل نحيل بسبب شحوب وجهها وقصة شعرها الشبيهة بقصة شعر الرجال
على الجهة الأخرى، كانت تجلس امرأة بملامح عملية، يعلو صدرها بطاقة تعريفية تحمل اسمها (د. كيان).
قطعت كيان الصمت بسؤال مباشر، اخترق جدران الغرفة الباردة
"قتلتي أبوكي ليه يا سيليا؟"
لم ترمش سيليا، ولم تتبدل ملامحها الجامدة، بل أجابت ببساطة
"عشان أنا بنت عاقة ووحشة.. أكيد كان متوقع من بنت زيي حاجة زي دي"
قطبت كيان حاجبيها، وبدت الحيرة واضحة على وجهها وهي تراجع أوراق القضية أمامها، ثم سألت بتعجب
"يعني مش عشان كان بيضربك ويحبسك؟"
ارتسمت على شفتي سيليا ابتسامة ساخرة، ونظرت للطبيبة بنظرة تملؤها الشفقة، وردت
"وفيها إيه لو بيضربني؟ ما هو أبويا.. لو مش هيضربني أومال مين اللي هيضربني؟"
زفرت سيليا بضيق، ثم مالت بجسدها للأمام قليلًا وقالت بنبرة خافتة
"شكلك جاية هنا غصب عنك يا دكتورة.. ما تعملي نفسك كلمتيني وتكتبي أي كلمتين في الورق وتمشي؟"
وفجأة، دوى صرير الباب الحديدي وهو يفتح بعنف، ليقطع حبل الحوار، دخلت امرأة يفيض منها الحضور والقوة، ترتدي بدلة رسمية سوداء شديدة الأناقة، كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة كأنها كانت في سباق مع الزمن
قالت المرأة بلهجة قاطعة وهي تتجاهل وجود سيليا تماماً
"أنا المحامية إنشاد الوكيل.. عايزة أتكلم معاكي يا دكتورة، ثواني من فضلك"
اتسعت عينا سيليا في صدمة، واعتدلت في جلستها وكأنها رأت شبحاً
"إنشاد؟ إنتِ بتعملي إيه هنا؟"
لم تلتفت إنشاد إليها، بل ظلت عينها معلقة بعيني كيان، وبنبرة لا تقبل الجدل قالت
"اتفضلي معايا يا دكتورة، الكلام مش هينفع هنا"
بدأ الغضب يتسرب لصوت سيليا، فصرخت وهي تضرب الطاولة بيدها
"إيه الجنان ده؟ إنتِ بتطرديها ليه؟ دي دكتورتي!"
هنا فقط، استدارت إنشاد نحوها، وبنظرة باردة خالية من أي مشاعر، قالت بكلمتين فقط أخرستا لسان سيليا
"بس يا هبلة"
خرجت إنشاد مع كيان، تاركة سيليا خلف القضبان، غارقة في ذهولها وتساؤلاتها التي لا تنتهي
.
.
1. إختلال
الترتيب الزمني للفصول عشوائي
.
أيام الثلاثاء قبيحة.. قبيحة بشكل خانق
كانت تلك الأيام مخصصة للعبة الشطرنج مع والدي، واليوم.. ربحتُ أنا
كانت مكافأتي على الفوز هي الرقعة ذاتها
رفعها بيده الغليظة وصفع بها وجهي
هكذا تسير الأمور في منزلنا، الخيارات أمامي محدودة ومعدمة
إما أن يربح هو، فأضطر لسماع أسطوانته المشروخة عن أمجاده الزائفة في الجيش وكيف أنني مجرد حثالة، أو أن أربح أنا، فيحاول قتلي أو يكتفي بترك علامة بنفسجية على وجهي
جررتُ قدمي إلى غرفتي، لم أكن أملك الطاقة لخوض شجارٍ آخر، لن أذهب للمدرسة غداً لأن وجهي سيكون منتفخاً، ولن أذهب بعد غد لأن الكدمة ستكون قد تحولت لذلك اللون البنفسجي الذي أمقته
أخرجتُ علبة سجائري من مخبئها تحت الوسادة، أشعلتُ واحدة، ونفثتُ دخانها في وجه الغرفة الكئيبة، أخرجتُ هاتفي
من الرائع حقاً أن يمنحك تويتر مساحة لتبصقي فيها أفكارك المختلة دون أن يجرؤ أحد على إيقافك
أغلب تغريداتي لا يفهمها أحد غيري، وأنا لا أهتم بغيري، المهم أنني أفك شفرات نفسي
"الضرب أحسن من شوفة وشك"
نشرتها، ثم أسندتُ خدي على يدي وبدأتُ أتصفح اللاشيء
"سيلي"
رأيتُ الرسالة فابتسمت تلقائياً
أحب أن يبدأ الآخرون المحادثة معي، يشعرونني لثوانٍ بأنني كائن مرغوبة، بأن لي ثقلاً في هذا العالم
أحتاج لهذا الشعور بالألفة، بالحب، بالود.. حتى لو كان زيفاً محضاً، أحتاجه كجرعة مخدر أعلم أنها لن تدوم
"ايه يا عبيط؟"
رددتُ عليه، لستُ مضطرة لمناداته باسمه، فأنا لن أبقى معه طويلاً على أية حال، الوجوه في حياتي مجرد محطات عابرة
"جبت فل مارك في الامتحان"
"شاطر يا عبيط"
أرسلتها ثم قذفتُ الهاتف جانباً
كل شيء في حياتي مزيف، إلا حبي للرسم، هو الحقيقة الوحيدة التي لم يستطع والدي كسرها بعد
أخرجتُ أدواتي، جلستُ على السرير أحاول استجداء أي فكرة، لكن الإلهام كان قد هجرني مع دمي الهارب من عروقي
لا أتألم من الضرب، لقد صار جلدي سميكاً بما يكفي، وحتى لو تألمت، فلن أمنحهم لذة الانتصار برؤية انكساري
المشاعر في نظري بضاعة تالفة، لا فائدة منها.. وإلا، لكانت صديقتي الأولى قد بقيت معي
لقد هربت من تقلباتي
كنتُ أعاملها جيداً، لكنها اختفت فجأة دون كلمة واحدة
هذا مضحك حد اللعنة! كيف يختفي المرء هكذا؟ توصلتُ لإجابة واحدة أقنعتُ بها كبريائي
إنها مجرد عاهرة لعينة، لا يمكن أن تترك شخصاً هكذا إلا إذا كنت حثالة، أو.. إذا كنتُ أنا الشخص السيئ الذي لا يمكن لأحد أن يحبه
لكن هذا مستحيل، فأنا رائعة.. أليس كذلك؟
فتحتُ درج مكتبي، التقطتُ شفرة الحلاقة التي تسكن هناك دائماً، جرحتُ رسغي بهدوء، وأمسكتُ اللوحة لأجعل دمي يتدفق عليها، يمتزج بالألوان، يمنحها حياة لم أعد أملكها
ربطتُ الجرح بخرقة قماش قديمة وبدأتُ أحرك الفرشاة فوق بقع الدماء
أعتقد أنني صنعتُ شيئاً جيداً هذه المرة!
صورتُ اللوحة ونشرتها، وتوالت تعليقات المتابعين المثنية على فني، لكنني لا أثق بهم، ولا أضمن بقاءهم
البشر كالفصول، يتغيرون فجأة، لذا أسبقهم دائماً بالاختفاء
سأحذف هذا الحساب قريباً، وأبدأ من الصفر في مكان آخر، بهوية عابرة أخرى
بعد أن استعاد وجهي ملامحه البشرية، ذهبتُ للمدرسة
هناك، رأيتُها.. طالبة جديدة، تشع رقة وتوزع الابتسامات كأن العالم حولها وردي وجميل
عندما أرى شخصاً محبوباً، أتوق لمصادقته، أريد أن أعرف السر.. ما الذي ينقصني لأكون مثلهم؟
أريد أسرة محبة، أريد كسرة خبز من السعادة التي يمتلكها هؤلاء السعداء، أحتاج حياة جميلة، أحتاجها بشدة لدرجة الوجع
"هاي!"
قلتها وأنا أرسم على وجهي أجمل ابتسامة أملكها
"هاي!"
ردت بابتسامة حقيقية أربكتني
"أنا سيليا"
أخبرتها ومددتُ يدي لمصافحتها
"وأنا ديموس"
قالتها وهي تضغط على يدي برقة
أريد أن أعرف عنها كل شيء.. كيف يعيش هؤلاء الذين لا تُصفع وجوههم بلوح الشطرنج كل ثلاثاء؟ أنا فضولية، وفضولي هو ثقبي الأسود الذي لا يشبع أبداً
.
2. صاحبيني أنا كمان!
ديموس تضحك بكثرة، لم أرها عابسة قط، تشترك في كل الأنشطة، تعرف الجميع، وكأنها شعلة نشاط لا تنطفئ، لماذا تمتلك كل هذه الحيوية؟ ربما أنا غيورة قليلاً، فأنا لا أملك صديقة واحدة حتى
أقضي يومي في ساقية لا تتوقف، أعمل بدوام جزئي في مركز تجاري، وأغسل الصحون في مطعم ليلاً، وفي الفواصل.. أوزع السموم
أجل، أنا موزعة مخدرات ومدمنة أيضاً
لا أبدو كتلك النماذج المشوهة في الأفلام، فأنا أمتلك جسداً رياضياً صقلته مهامي الشاقة، لكن الهالات السوداء تحت عيني تحكي قصة أخرى، لا أعلم إن كانت بسبب قلة النوم أم بسبب الإدمان، وأغلب الظن أن الاحتمال الأول هو الصحيح
أردتُ التعرف على تلك الفتاة، لكن ليس بطريقة تقليدية أردتُ اقتحام حياتها، فالاقتحام وسيلة مضمونة ليحفر المرء اسمه في ذاكرة الآخرين للأبد، حتى لو قوبل بالرفض
عرفتُ مكان منزلها، ثم حددتُ غرفتها، وها أنا الآن.. أطرق زجاج نافذتها في جوف الليل
كانت تدون شيئاً في دفترها حين جفلت من الصوت. اقتربت بحذر وفتحت النافذة، وقبل أن تنطق بسؤالها "أنتِ مين؟"
كنتُ قد قفزتُ بالفعل إلى داخل الغرفة
التفتت إلي بذهول وقالت بصوت هادئ
"إنتِ بتتصرفي كأنها أوضتك!"
ارتميتُ بظهري على سريرها، استلقيتُ براحة تامة وعيناي معلقتان بوجهها
كانت ملامحها مستغربة، لكن رد فعلها كان خارج التوقعات، لم تصرخ، لم تغضب، لم تطلب الشرطة، بل والأغرب من ذلك أنها فتحت لي النافذة من الأساس! من يفتح نافذته لطارق مجهول في هذا الوقت؟ لا أحد..
إلا ديموس
سألتني بنبرة مهذبة
"هو أنا أعرفك؟"
فأجبتها ببرود
"لا، بس أنا عارفاكي"
مالت برأسها قليلاً وسألت بابتسامة غامضة
"هو إنتِ من نوع السايكو الستوكرز اللي بيراقبوا الناس؟"
قهقهتُ بعمق. في الحقيقة، أنا كذلك، أحب تعقب الأشخاص ومعرفة أدق تفاصيلهم، هي هوايتي الخاصة التي لا يعلم عنها أحد. سألتها
"هو إنتِ بتحبي الستوكرز الناس؟"
ردت بكلمة واحدة
"لا"
قلتُ فوراً
"يبقى لا، أنا مش كدة"
لن أخبرها بالحقيقة ما دامت لا تحبها
لقد تعلمتُ من أعمالي المتنوعة أهم قاعدة في السوق "أرح الزبون لكي يشتري منك"
أنا لا أريد بيعها شيئاً، أنا فقط أريد أن أكون صديقتها.. أريد أن أنال نصيباً من ذلك الحب والاهتمام الذي توزعه على الجميع
اعتدلتُ في جلستي وتفحصتُ الغرفة بفضول
"كنتِ بتعملي حاجة مهمة؟"
"الواجب"
أجابت ببساطة، وعادت لتجلس وتمسك قلمها وكأنني لم أقتحم خصوصيتها منذ دقائق!
فقط هكذا؟ ستكمل واجبها وتتجاهل وجودي؟ نهضتُ واقتربتُ منها، أسندتُ يدي فوق دفترها لأجبرها على النظر إلي
حدقتُ في عينيها، كانتا باردتين، برودة شعرتُ بها تسري في عروقي بمجرد النظر إليهما
"لازم تهتمي بيا! ميفعش تتجاهليني كدة"
هكذا صرخت نفسي من الداخل
سألتني بهدوء
"في مشكلة؟"
اعتدلتُ واقفة، وتذمرتُ كطفلة صغيرة
"اتكلمي معايا!"
تبدلت تعبيراتها للاستغراب
"إيه؟"
قلتُ وأنا أمسح أنفي بكم قميصي بسبب تلك الحكة المزعجة التي يسببها الإدمان
"إنتِ بتصاحبي الكل، وأنا عايزة أكون صاحبتك إنتِ كمان"
الآن أبدو كمدمنة مختلة ومثالية، وهذا هو الوقت المناسب لتتصل بالشرطة وتنهي هذه المهزلة، لكنها سألتني بهدوء عجيب
"هو ده كل اللي إنتِ عايزاه؟"
أومأتُ برأسي إيجاباً
تحركت ديموس، وسحبت منديلاً ورقياً وقدمته لي برقة، هل نجحتُ؟ هل أصبحنا الآن صديقتين؟ أخذتُ المنديل، فمدت يدها لترتب شعري المبعثر وسألت
"اسمك إيه؟"
"إنشاد"
أبعدت يدها وابتسمت بابتسامة جعلت عينيها تتحولان من البرودة إلى دفء لا يُصدق
"شكلك تعبانة يا إنشاد.. ممكن تنامي شوية لحد ما أخلص الواجب بتاعي"
كان لدي عمل، بل أعمال كثيرة تنتظرني في الخارج.. لكني لم أذهب
لم أناقشها في مدى غرابة طلبها، ولم أسأل نفسي كيف تطلب من غريبة أن تنام في غرفتها
فقط استلقيتُ على السرير، وحدقتُ في السقف لثوان، قبل أن أغرق في نوم عميق لم أذق مثله منذ سنوات
.
3. مهمة عاجلة
فتشتُ كثيراً على تويتر حتى عثرتُ على حساب ديموس
صُعقتُ من الرقم، لديها عدد هائل من المتابعين! هل هي مشهورة أم ماذا؟ كل هذا الحب الموجه لشخص واحد.. كم هي محظوظة بشكل مستفز
في اليوم التالي بالمدرسة، طلبتُ منها أن نتناول الغداء معاً. وافقت بابتسامتها المعتادة وخرجنا من الفصل، وبينما كنا نهبط السلالم وهي تثرثر بمرح، مددتُ يدي.. ودفعتها
أنا أحب السعداء وأتمنى مصادقتهم، كلا.. بل أتمنى أن أكون مكانهم. أنا من تستحق هذه السعادة، لا هم
هرعتُ إليها وأنا أمثل الهلع
"أنا آسفة بجد! مكنش قصدي، رجلي اتكعبلت!"
بدأتُ أذرف دموعاً تماسيحية برعتُ في استحضارها، بينما أخذت هي تطمئنني وهي تتألم وتخبرني أنها بخير.. وما زالت تبتسم! أنا فضولية جداً تجاه الشيء الذي يمكنه أن يكسر هذه الابتسامة ويجعلها تبكي حقاً
ساعدتها على النهوض، فذهبت للحمام لأنها سقطت فوق صندوق طعامها واتسخت ملابسها. وبمجرد أن غابت عن عيني، تلقيتُ لكمة قوية على وجهي من تلك البائسة المثيرة للشفقة.. إنشاد
مسحتُ خدي بكفي ونظرت لها باحتقار
"مبحبش أمشي مع يوزليس.. غوري من هنا"
قبضت إنشاد على ياقة قميصي وهمست
"هتحبي تمشي معايا.. وإلا هروح أقول لديموس إيه اللي خلى صحابك القدام يهربوا منك!"
إنها بائسة ومزعجة، وأنا الضحية هنا، أنا الشخص الحزين الذي يمتلك عائلة مشوهة وحياة صعبة، أما السعداء فيمتلكون حياة سهلة، ماذا سيضيرهم لو سرقتُ منهم القليل من تلك السعادة؟ أنا أتسول الحب، وهم يجدونه ملقي تحت أقدامهم
"هي الحصص بتاعتكم مابدأتش ولا إيه؟"
أوقف شجارنا صوت فتاة هادئ، جعل إنشاد تفلت قميصي فوراً
كانت فتاة محجبة ترتدي فستاناً فضفاضاً.. إنها جلنار يُشاع عنها أنها تمتلك قدرة غير عادية على رؤية المستقبل، وهي هنا بصفتها من المشرفات
"كنا بس بنتكلم"
ردت إنشاد بحدة، لتقول جلنار وهي تبتسم بابتسامة غريبة
"واضح.. باين إنكم صاحبات أوي"
هل هي عمياء أم تسخر منا؟ غطت فمها بكفها وكأنها تكتم ضحكة مكتومة، ثم أشارت لنا بيدها وتركتنا وذهبت. يبدو أن الاحتمال الثاني هو الصحيح
كانت هذه المرة الأولى التي أواجه فيها جلنار، فهي أشهر من نار على علم، لكني لا أحضر للمدرسة كثيراً لأهتم بالبشر
كنتُ سألحق بديموس في حمام الفتيات، لكن إنشاد دفعتني وأخبرتني بخشونة أن الأمر لا يخصني
"إنشاد!"
كان صوت ديموس الضعيف يأتي من الداخل، فالتفتت إليها إنشاد بسرعة تسألها عن حالها
عدنا للفصول معاً في النهاية، فنحن نتشارك نفس المكان
"سيليا!"
كان صوت والدتي يناديني بحدة
رميتُ السيجارة من النافذة وتركتها مفتوحة كي تخرج رائحة السجائر من الغرفة
خرجتُ للمطبخ فناولتني علبة طعام
"ودي دي لنورا"
تريدني أن أوصل الطعام لمكان عمل أختي الكبرى
لماذا أنا بالذات؟ ربما ليرسموا أمام الناس صورة العائلة السعيدة المترابطة
أخواتي غير الشقيقات يكرهنني لأن والدتي ما زالت حية ووالدتهن ماتت، أجل، والدتي كانت الزوجة الثانية
نظرتُ في عيني والدتي، دائماً تنظر إلي بطريقة خاطئة، نظرات لا تشبه نظرات الأمهات لابنتها الوحيدة، لكن لا أحد يجرؤ على إخبارها بذلك
"حاضر"
أخذتُ العلبة وخرجت
استقللتُ حافلة لمكان عملها، وقبل أن أنزل، فتحتُ العلبة.. بصقتُ بداخلها، ثم أغلقتها بإحكام ودخلت المبنى
لم أجد نورا في مكانها المعتاد، فأخبروني أنها انتقلت لمكتب آخر
عندما دخلتُ، توقفت عن الضحك مع صديقاتها ونظرت إليَّ باشمئزاز واضح، ناولتُها العلبة، فأمرتني بخشونة أن أغرب عن وجهها
تحركتُ ببطء نحو الباب، ووقفتُ أراقبها من بعيد وهي تفتح العلبة لتبدأ بالأكل..
هذا المنظر وحده هو ما يشفي غليلي، أتممتُ مهمتي العائلية بنجاح، ويمكنني الآن العودة لغرفتي وجدرانها الصامتة
.
4 . لوحات من دم وعفن
تقول أختي دائمًا إنني فتاة سيئة، تتهمني بأنني السبب في موت والدتها، وتدعي أنني فتاة مدللة سأذهب للجحيم حتمًا بسبب أفعالي. واليوم، لم يكتفي والدي بالكلمات، بل صفع وجهي مستخدماً كرسي المنضدة الخشبي الثقيل
أحضر سكيناً، وبدت عيناه تلمعان برغبة حقيقية في ذبحي، لكنني لم أقف مكتوفة الأيدي؛ أحضرتُ سكيناً أنا الأخرى لأدافع عن نفسي، فأنا لن أموت بهذه السهولة، ليس قبل أن أحرق هذا العالم
تدخل عمي ليفصل بيننا، ولم يكن تدخله رحمةً بي، بل ركلني بقوة ولكمني في وجهي حتى سقطتُ أرضاً
بدأ أنفي يبكي دماً.. وأنا أمقتُ هذا الشعور؛ الدم اللزج يجعل التنفس صعباً ومقززاً، زحفتُ نحو المطبخ، أخرجت كيس ثلج من المجمد ووضعته على وجهي المتورم، ثم عدت لغرفتي أمسح تلك البقع القانية بالمناديل
بالطبع تتساءلون عما حدث في البداية لينتهي الأمر بهذا الانفجار؟
إنه يوم السبت، وليس أي سبت؛ لقد دعت والدتي أختي الكبيرة وزوجها ليتناولوا الغداء معنا، وطوال الوقت، كانت زوج أختي يسخر مني، يتحدث عني باستهزاء وكأنني مسخ مشوه لا يستحق الحياة، وعندها لم أتمالك نفسي فقلت له ببرود
"اسكت يا خول"
ولهذا حدث كل ما حدث.. لأنه "خول" بالفعل
أخرجتُ علبة سجائري، أشعلتُ واحدة وتركتُ كيس الثلج جانباً؛ فالألم الذي بداخلي لا يبرده الثلج، أريد الخروج من هذا القبر، اللعنة على كل شيء، بالمناسبة، أنا في الصف الثالث الثانوي، أبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، لكنني أشعر أنني عشتُ قروناً من القرف
فتحتُ النافذة لتصفع وجهي برودة الجو القارسة، تسللتُ للخارج وتمسكتُ بالحافة، ثم قفزتُ على السلالم الخارجية ووصلتُ للأرض، أفعل هذا دائماً حين يضيق بي جدار الغرفة
أكره الخروج ووجهي مطفأٌ بالكدمات، لكنني لم أعد أحتمل
"مش دي المتخلفة اللي اسمها سيليا؟"
سمعتُ صوته وقررتُ تجاهله؛ فأنا لا أتجاهل الناس كثيراً لأنني أحب تحطيمهم، لكنني كنتُ منهكة
فجأة، شعرتُ بيدٍ قذرة تسحبني من ياقة قميصي، وعندما تقابل وجهاُنا، ضربتُ جبهتي بجبهته بكل قوتي
ترنح وتراجع وهو يئن، بينما نظرتُ إليه بتلك النظرة التي يهابها الجميع
"هقتلك!"
صرخ وأخرج سكينًا من جيبه، ثم اندفع نحوي وطعنني في كتفي، لم أشعر بالألم، بل شعرتُ بالإلهام؛ سحبتُ السكين من كتفي وجرحتُ بها طول وجهه
ارتسم جرح عميق على امتداد خده.. يا لها من لوحة فنية جميلة، تشبه إحدى لوحاتي، كان بصحبة أصدقائه، وهم لم يقفوا للمشاهدة فقط؛ فجأة شعرتُ بألمٍ حاد ينفجر في رأسي، وبشيءٍ مبلل ينسال على عنقي
مددتُ يدي بينما كانوا منشغلين بحمل صديقهم، لمستُ رأسي ونظرتُ ليدي.. كانت ملونة بالأحمر القاني، في تلك اللحظة، لم أفكر في المستشفى، فكرتُ في شيءٍ واحد فقط
"أريد أن أرسم".
أوه.. ألم أخبركم من قبل؟
أنا قاتلة
لقد تسببتُ في قتل أحدهم سابقاً، وهذا الدم.. هو وقودي الوحيد
.
5 . رقصة الأفاعي
اكتشفتُ أخيراً أن تلك الفتاة "السعيدة" التي كنتُ أراقبها ليست سعيدة في الحقيقة، وهذا الاكتشاف منحني راحةً مريبة
لكن هناك فتاة مزعجة تلاحقها في المدرسة مؤخراً؛ مزعجة كلمة لا تصفها، إنها مختلة! لقد قامت بجرح وجه أحد الطلاب، وتدخل في شجارات دائمة، تلك الفتاة -سيليا- مؤذية، لا تحب أن تتألم وحدها، بل تحب أن تجعل الجميع يعانون مثلها، ولهذا هجرها الجميع.. لأنها مجرد مختلة لعينة!
رأيتُها تنزل على الدرج، وبحركة خاطفة حركتُ قدمي لأجعلها تتعثر. سقطت سيليا وتدحرجت على السلالم، ماسحةً وجهها بالرخام البارد. نزلتُ خلفها ببرود، ومررتُ بجوارها وهي تحاول استيعاب الصدمة
"لازم تاخدي بالك وإنتِ ماشية يا جميلة"
قلتُها وأنا أرى جرح رأسها القديم وقد عاد للنزيف مرة أخرى، كان يفترض بها أن تبقى في المنزل ما دام لديها جرح كهذا، الجرح الذي تستحقه بالمناسبة!
كنتُ سأتجاوزها، لكنها أمسكت بقدمي بقوة؛ يبدو أنها تريد المزيد! حاولت سحبي لأسقط معها، لكنني كما أخبرتكم، أمتلك بنية قوية صقلها العمل الشاق. ركلتُ وجهها بساقي لأتحرر منها؛ اتسخ حذائي بدمائها.. يا للقذارة، مسحتُ الحذاء في ملابسها ثم تجاوزتها وأكملتُ سيري نحو فصل ديموس
كانت تجلس بين صديقاتها يتبادلون الضحك. تقدمتُ وسطهم وأنا أمسك علبة طعامي المتواضعة، وبدون مقدمات، أمسكتُ معصم ديموس وسحبتُها من بينهم
أنا مهووسة بها، أعترف بذلك، لكنني شعرتُ بالسكينة حين علمتُ أن حياتها ليست مثالية كما يظن الجميع؛ فمن المرعب حقاً فكرة أن هناك من يحظى بحياة كاملة وسعيدة بينما نتآكل نحن! كنتُ سأختنق من الغيرة لو كان ذلك حقيقياً
سألتني ديموس بقلق وهي تمشي بجانبي
"شفتي سيليا النهاردة؟"
رددتُ ببرود
"بتاكل مع صحابها"
تسألني لأنني أتظاهر بالصداقة مع سيليا أمامها؛ فكما يقولون "اجعل صديقك قريباً وعدوك أقرب"
وسيليا لن تجرؤ على قول العكس، لأنني عندها سأكشف حقيقتها المقززة لديموس، لذا نحن نصفي حساباتنا دائماً بعيداً عن عينيها
بينما كنا نأكل، سمعنا صوت فتاة تتحدث عن طالبة تنزف عند السلالم
انتفضت ديموس واقفة
"سيليا!"
ليتها تموت فقط.. هذا ما تمنيته في سري، لحقتُ بديموس وهي تركض نحو غرفة الممرضة، لنجدها هناك تعيد تضميد جرح رأس سيليا، اقتربت ديموس منها بخوف وسألتها عن حالها، وجلست على الكرسي المجاور لها
قالت سيليا بصوت خافت وضعيف إنها بخير، وإنها مجرد تعثرت على السلم، ثم أسندت يديها على كرسي ديموس، كانت تتحدث بهدوء، وفجأة.. دفعت الكرسي بكل قوتها لتسقط ديموس على الأرض بعنف
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أطبق بيدي على رقبة سيليا، تلك اللعينة! ليست المرة الأولى، لقد دفعتها من قبل واعتذرت ببكاء مزيف، هذه المخبولة تكره السعداء وتريد إفساد حياتهم، وبما أنها تعتقد أن ديموس سعيدة، فهي تريد إيذاءها بأي ثمن
"إنشاد.. سيبيها! إنشاد بس!"
استفقتُ على صراخ ديموس، فأفلت رقبة سيليا التي أخذت تسعل بقوة.. كدتُ أقتلها فعلاً
التقطت ديموس أنفاسها وقالت لي بلوم
"إنتِ عدوانية جداً.. لازم تسيطري على نفسك شوية!"
أنا العدوانية! ماذا عن تلك المختلة التي حاولت كسر عنقك؟
تركتهم وخرجتُ من الغرفة وأنا أشعر بنار تحرق صدري، لا أريد أن أفقد أعصابي أكثر من ذلك، لكنني أقسم.. سأقتل تلك اللعينة يوماً ما
.
6 . صفقة الدم
"ديموس، المديرة عايزاكي"
قالت المعلمة لتخرج ديموس من الفصل
شعرتُ بانقباض في صدري؛ لماذا قد تستدعيها المديرة؟ رفعتُ يدي وادعيتُ أن رأسي يكاد ينفجر وأنني لا أرى بوضوح، وهي حجة أستخدمها دائماً للهرب من حصص الملل. سمحت لي بالخروج، فنزلتُ السلالم بسرعة متجهة لمكتب الإدارة
فور وصولي، رأيتُ رجلاً يخرج من المكتب تتبعه ديموس، لم تكن ملامحها مريحة أبداً؛ كانت نظرة ذعر لم أرها في عينيها من قبل. فجأة، مد يده وأحاط خصرها بذراعه وضمها إليه، بدت ديموس وكأنها تتجمد مكانها
شعرتُ برغبة عارمة في تحطيم رأسه؛ ذاك العجوز اللعين يتحرش بها، الأمر واضح كالشمس
اقتربتُ وسحبتُها من جواره بعنف، فسألني بوقاحة
"إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟"
"إنت مين أصلاً؟"
سألتُه بحدة، ليرد بعصبية
" إنتِ اللي مين عشان تتكلمي كدة مع حد من العيلة؟"
من العائلة! لهذا السبب لا تستطيع ديموس فعل شيء، لا يمكنني ضربه هنا وإلا سأُفصل من المدرسة ولن أراها مجدداً، اقتربتُ منه وهمستُ
"سوري.. بس إنت شكلك متحرش عجوزمش حد من العيلة خالص"
صرخ في وجهي
"إزاي تتجرئي تتكلمي معايا كدة يا بنت؟"
تراجعتُ خطوة وقلت بصوت مسموع
"أنا عملت لك إيه؟ أنا لسه معتذرة لك يا جدي، الظاهر إن سمعك تقيل بحكم السن بقى"
أمسكتُ بمعصم ديموس وسحبتها بعيداً
"عندنا امتحان إلزامي ومينفعش تاخدها في نص اليوم، هي مش في ابتدائي.. استنانا لآخر اليوم"
سحبتُها نحو السلالم، كانت متجمدة تماماً
"ديمي!"
لمستُ خدها بكفي لتستفيق، فقالت بابتسامة متكلفة
"أنا كويسة.. يلا نرجع الفصل و.."
حاولت التحرك لكن قدمها خانتها وسقطت
أمسكتُ بها قبل أن ترتطم بالأرض. نظراتي كانت واضحة؛ أنتِ تخفين شيئاً، وإما أن تخبريني أو أعرف بنفسي، وفي الحالتين.. سأمزق هذا العجوز
انتظرتُ انتهاء الدوام وخرجتُ أولاً، رأيته يقف بجوار سيارته عاقداً ذراعيه بغرور. اقتربتُ منه ببرود
"أهلاً يا عجوز"
"ابعدي من هنا يا شاطرة قبل ما.."
قاطعتُه حين أخرجتُ سكينتي وقربتها من ملابسه وبدأتُ أضغط بيدي الأخرى على قميصه
"تحب تودع أعضائك التناسلية النهاردة؟"
ارتبك وقال بتهتهة
"أنا هسجنك"
ضحكتُ باستهزاء؛ الكبار دائماً أغبياء
"إنت بتتحرش بديموس صح يا عرص"
"إنتِ مجنونة!، دي بنت أختي.. يعني زي بنتي، كلام فارغ إني أتحرش بيها"
"لما البنت متكونش مرتاحة للي بتعمله، يبقى ده تحرش.. حتى لو كنت أبوها"
حاول دفعي، ياله من غبي! لو لم نكن أمام المدرسة لقتلته مكانه
"في المرة الجاية هدد حد غيري.. أنا مجرد مراهقة قاصر، يعني لو قطعتك مفيش حاجة هتحصلي"
أعدتُ السكين لجيبي وأكملتُ بابتسامة مرعبة
"خليك شاطر وابعد عنها، متخلينيش أضطر أقول لشخص تاني يتعامل معاك، لاني طيبة جداً.. بس هو شرير أوي، ومش هتحب تقابله"
كنتُ أقصد سيليا
هي لديها أفكار دموية أكثر في هذه الأمور
عدتُ للمدرسة فرأيت سيليا تسير مع ديموس، سأقتلها لاحقاً، لكن ليس الآن
"خالك عامل إيه دلوقتي؟"
سألتُ ديموس لأجذب انتباه سيليا، فسألت سيليا بحدة
" إيه؟"
تجاهلتُها ووجهت كلامي لديموس
"روحي مع أليكس البيت، أنا ورايا شغل دلوقتي"
بمجرد مغادرتها، صكت سيليا على أسنانها وقالت
"العرص ده شكله إيه؟"
سيليا ليست غبية، فهمت شفرتي فوراً
"عجوز،لسه ماشي.. بس أنا عارفة بيته فين، مش هيهرب"
ذهبنا لمنزله، جعلتُ سيليا هي من تطرق الباب لأن وجهي مألوف له، فور فتحه، ضربته سيليا على رأسه بجسم صلب ففقد وعيه، أخذناه لمكان اختارته هي؛ مخزن مهجور مليء بالخردة والحديد الصدئ، ركلتُ وجهه ليستفيق، وبمجرد أن فتح عينيه بدأ يصرخ ويهددنا بالسجن
نزلت سيليا على ركبتيها لتقابل وجهه، ونظرت له بنظرة مختلة كافية لقتله
"مين قال إنك هتخرج من هنا حي أصلاً؟"
"مينفعش تقتلوني.. هتتسجنوا!"
اعتدلت سيليا وركلت وجهه ببراعة؛ يبدو أنها تعلمت بعض فنون القتال فعلا"
"انبسطت وإنت بتتحرش بقاصر يا عرص"
عادت وفي يدها سكين ضخمة تمسكها بكلتا يديها
لم أعترف لكم بهذا، لكنني دموية أيضاً؛ سأستمتع برؤية جثته، لستُ بمستوى جنون سيليا، لكنني سعيدة بما سيحدث
رفعَت سيليا السكين عالياً، فتوسل بذعر
"متموتونيش.. أنا معملتش حاجة.. دي زي بنتي، اسألوها هي لو كنت ضايقتها!"
كلماته زادتنا غضباً؛ تبريرات الأقارب المقززة أسوأ من الفعل نفسه
هوت سيليا بالسكين على جسده، ومزقت أعضاءه التناسلية بوحشية.. كان من الرائع رؤية كل هذا الدم يغسل المكان
.
7 . هدايا مسمومة
اليومُ قبيحٌ كباقي أيام حياتي، لكنني كنتُ أشعر بكسلٍ شديد يمنعني حتى من خوض شجاري اليومي المعتاد مع والدي
الجديد هذه المرة أن أختي قررت التدخل؛ وقفت تُحرض والدي وتخبره بأنني "قليلة التربية"، كانت ملامحها تشي برغبةٍ عارمة في المشاركة بضربي، فهي تعلم تمام العلم أننا لو تشاجرنا بعيداً عن عين والدي، لسحقتُ وجهها تحت قدمي، لذا اختارت أن تختبئ كالفأر خلف ظهره
نظرتُ إليها ببرود وقلت
"كويس إن مامتك ماتت.. كانت هتموت تاني لو شافت وشك العكر ده دلوقتي"
رأيتُ وجهها يتحول للون الأحمرمن فرط الغضب، لقد قلتُ ما قلته وانتهى الأمر، أليس من حقي نطق بعض الحقائق؟
انقضت علي وقبضت على رقبتي، فعضضتُ يدها بقوة حتى نزفت، لتبتعد عني وهي تصرخ
"إنتِ مش انسانة!"
قلبتُ عيني بملل؛ فهذه تعتبر مجاملة رقيقة مقارنةً بسلسلة السباب التي أتلقاها عادةً
داهمني والدي وركل وجهي كما يفعل دائماً، لم أشعر بشيئ جديد؛ فقد اعتاد جسدي هذا النوع من التواصل، وكوني لا أبدي أي ردة فعل تثير الشفقة كان يغضبهما أكثر مما يفعل أي شيءٍ آخر
غابت أختي عن ناظري لثوانٍ وسط ضجيج سباب والدي الذي لا ينتهي، فجأة.. شعرتُ بضربةٍ غادرة على رأسي، ضربةٌ أفقدتني الشعور بكل ما حولي للحظات
استفقتُ لأجد أختي تغرس مفكاً حاداً في لساني بحقدٍ دفين، صرخ زوج أختي وهو يتابع المشهد برعب
"إنتِ عملتي إيه؟ دي ممكن تبلغ البوليس!"
بالطبع لن أفعل؛ فالقانون لا يرى البنات في بيوتنا إلا أجساداً خلقت ليؤدبها الآباء حتى الموت
نهضتُ ببطء، وانتزعتُ المفك من لساني.. كان رأسي يطن بألمٍ ثقيل، لكن كما سبق وقلت، لقد تصادقتُ مع الألم منذ زمن، لمستُ جرح رأسي، كان ينزف بغزارة
سرتُ بين جثثهم الهامدة -نفسياً- وخرجتُ من المنزل، توقفتُ عند محلٍ متخصص في الوشوم وثقب الجسد، دخلتُ والجميع يحدقون في مظهري الدامي، فتحتُ فمي وأشرتُ ببرود لنسيج لساني الممزق
"عايزة بيرسينج"
تقدمت فتاة من العاملات، سحبتني لكرسيٍ جلدي، وضعت "قرطاً" معدنياً في لساني ليغلق الفراغ الذي خلفه المفك، ثم عادت بمعقمٍ وضمادات لترمم رأسي
لم تسألني عن مال، وخرجتُ من هناك بثقب لسان، هدية لطيفة من أختي التي لم تمنحني طوال حياتها البائسة سوى الندوب
لن أذهب لحفل الترحيب بالدفعة الجديدة الذي تقيمه المدرسة، علي الاختفاء حتى يشفى جرح رأسي قليلاً، أخرجتُ هاتفي وأرسلتُ لإنشاد
"مش هاجي معاكم الحفلة.. أتمنى لكم يوم يقرف"
ردت علي بعد ثوانٍ
"أتمنى لك يوم يقرف شبه وشك"
الجميع اختاروا تخصصاتهم وبدأوا الذهاب للجامعة إلا أنا، لا أعلم ماذا أريد، وهل أريد التعليم أصلاً؟ هل أختار نفس تخصص ديموس لأبقى بجوارها؟ أم ألقي بشهادتي الثانوية في القمامة؟
أحياناً أفكر في السفر.. لكنني سأشتاق لعائلتي، ربما سيشتاقون هم أيضاً لركل وجهي، تمنيتُ لو كانت والدتي امرأة عادية، امرأة تركض نحوي لتحميني من بطش والدي وأختي، تمسح الدماء عن رأسي وتسألني
"مالك يا سيليا يا حبيبتي؟"
تمنيتُ أن تبكي وهي تنظر لجروحي، بدلاً من تلك النظرات الباردة المستاءة من أنني ما زلتُ حية، وأنهم لم ينجحوا في قتلي هذه المرة أيضاً
هذا المنزل ارتوى من دمائي منذ ولادتي، وما زال يطلب المزيد متى سأحصل على عائلة طبيعية؟ هل إذا مُت ستشعر والدتي بالحزن؟ أتمنى ذلك.. فإذا لم أنل حبها وأنا حية، فأنا أريده بقوة بعد موتي. أريد الحب.. في أي وقت، وبأي ثمن
.
8 . طريق أسوان.. رحلة الناجين
غداً ستقيم ديموس حفلاً بمناسبة عيد ميلادها، وهي الآن في منزل جدتها في محافظة أخرى بعيدة، هذه هي المرة الأولى التي تقرر فيها فعل شيء كهذا، وقد طلبت مني بإصرار أن أصطحب سيليا معي، وها أنا الآن، أقف بسيارتي أمام منزلها، أنتظر خروجها بمللٍ يكاد ينفجر
كنتُ أرغب في الانطلاق وتركها خلفي، أو ربما دهسها بمجرد أن تطل برأسها، خرجت سيليا أخيراً، وكانت ترتدي تيشرت بنصف كم وقبعة بيسبول فوق رأسها، نظرتُ للسماء بتعجب؛ إنه الشتاء، والجو قارص، من هذه المعتوهة التي ترتدي هكذا في هذا الصقيع؟
فتحت باب السيارة وصعدت لتجلس بجواري، ثم خلعت القبعة بآلية، تجمدتُ مكاني لثانية؛ كان وجهها عبارة عن خريطة من الكدمات الزرقاء والخدوش، وشفتاها متشققتان وكأن سكيناً قد عبثت بهما، ما هذا المظهر الجنائزي؟
لم أعلق، بل شغلت المحرك وانطلقت، وما إن تحركت السيارة حتى قالت بصوتٍ مبحوح
"هاتيلي قهوة في طريقك"
نظرتُ إليها وهي تخرج هاتفها لتبدأ في تصفحه، في العادة، أريد ركل وجهها حتى يختفي، لكن في هذه اللحظة، لسببٍ ما، لم أشعر بذلك. أوقفتُ السيارة أمام مقهى ونزلت لشراء القهوة، وقبل أن أعود، فتحتُ الباب الخلفي وأخذتُ معطفي الثقيل، ثم صعدتُ ووضعته فوق قدميها وناولتُها الكوب
ارتشفت من القهوة ثم قالت
"شكراً"
كانت هذه المرة الأولى التي لا نتشاجر فيها؛ ربما لأننا لم نلتقي منذ فترة، أو لأن جراحها كانت أبلغ من أي سباب، أوصلت سيليا هاتفها بالسيارة وبدأت في تشغيل أغانيها التي أمقتها، ولم تكتفي بذلك، بل أخذت تغني مع المغني بصوتٍ جعل رأسي يطن
نظرتُ إليها عبر المرآة، فلاحظت لمعان معدنٍ في فمها.. قرط في لسانها! هذا غريب، لم تبدُ سيليا يوماً من هواة الأقراط!
حسناً، أعلم أنها مختلة، لكنها لم تذكر شيئاً كهذا من قبل، كان الأجدر بها ثقب أذنها أولاً.. وما بال هذا الوجه المحطم؟
أجل، أنا مطاردة لعينة، لكنني لم أهتم بمطاردتها هي من قبل، ولا أعرف عن أسرتها سوى أن علاقتها بهم تشبه ساحة الحرب
"البيرسينج جميل"
قلتُها لأقطع وصلة غنائها المنفرة
توقفت سيليا، فتحت فمها وأخرجت لسانها؛ لم يكن ثقباً عادياً، بل فجوة بشعة لا تخطئها العين.. هذا جرح مقصود، أعادت لسانها وهي تبتسم بسعادة
"دي هدية من أختي"
إذاً أختكِ تهديكِ طعنة في لسانك؟ يا لها من عائلة مثالية
أمسكت معطفي وارتدته حين بدأ البرد يتسرب للعظام، ثم سألتني فجأة
"بتفهمي في الميك أب؟ مش عايزة ديموس تشوف وشي كدة"
"هقف عند أي محل وأشتريلك كونسيلر، أعتقد إنه كافي يداري وشك العكر ده"
استاءت سيليا وقالت وهي تمرر يدها قرب وجهها بغرور
"وشي عكر! ده أنا قمر بالفطرة.. بصي للوش ده، ده لوحة فنية"
"لوحة فنية للمتخلفين.. إنتِ ممكن تكسبي لقب ملكة جمال الجثث"
دحرجتُ عيني وعدتُ للتركيز في الطريق، وقررتُ تجاهل وجودها تماماً
الطريق لأسوان طويل جداً، ولا ينقصني شخص بائس مثلها في هذه الرحلة؛ ليتني ذهبت بالقطار
ساد الصمت بعد ذلك، نال مني التعب فتوقفتُ عند محطة بنزين، اشتريتُ بعض الوجبات السريعة وعدتُ، فوجدتُ سيليا قد غطت في نومٍ عميق، وضعتُ الطعام في الخلف واكتفيتُ ببعض المقرمشات بينما أواصل القيادة
لماذا منزل جدتها بعيد هكذا؟ ولماذا ذهبت إليها أصلاً؟ شعرتُ بإرهاقٍ شديد؛ أحتاج لسيجارة حشيش أو جرعة كوكايين لأستعيد تركيزي، لكنني لم أحضر أياً منهما لأنني السائق، والشرطة في محافظات الصعيد لا تمزح
أوقفتُ السيارة مرة أخرى، نزلتُ وطلبتُ قهوة ثقيلة، جلستُ على مقدمة السيارة أحتسيها والبرد يلسع وجهي، لعلي أستفيق قبل أن نصل إلى عيد الميلاد الموعود
.
9 . ميراث الدم
كنتُ أُحرك لساني عابثةً بالقرط المعدني، أراقبه وهو يرتطم بأسناني وأنا أنظر لوالدتي وهي تعد بسكويت رأس السنة
تجتمع العائلة في هذا اليوم، يقيمون وليمة صاخبة، يتبادلون الهدايا والضحكات، وبالطبع.. لا أحد يحضر لي أي شيء، وكأنني شبح يسكن زوايا البيت
انتبهتْ لوجودي أخيراً، فنظرت إليَّ بنظراتها المعتادة؛ نظرات تقول بوضوح إنها تتمنى موتي اليوم قبل غد. أمسكت بأحد الأطباق وناولته لي بجفاء
"خدي ده وروحي أوضتك"
نظرتُ للطبق، كان يحوي البسكويت المحروق والبقايا التي لا تصلح للتقديم، إنها تعاملني كالحيوان، حتى بعد أن أتممتُ الخامسة والعشرين من عمري، لا شيء تغير في هذا المنزل الملعون
"شكراً"
قلتها بآلية وذهبت لغرفتي
بدأت الوفود تصل، سمعتُ أصوات أقاربي وأطفالهم، ضجيج سعادتهم الزائفة يخترق جدران غرفتي، وهم يدركون تماماً أنني هناك، لكنهم يفضلون التظاهر بأنني غير موجودة
مددتُ يدي تحت السرير لأخرج علبة الهدايا الوحيدة التي تلقيتها في حياتي؛ كانت من ديموس، التي انتحرت منذ عامين وتركتني في هذا التيه، كانت كرة ثلجية موسيقية؛ أنا لا أحب الموسيقى، لكنني كنتُ أقدس تلك الكرة لأنها الدليل الوحيد على أنني كنتُ يوماً مرئية لشخص ما
فجأة، خُطفت الكرة من يدي! كان الفاعل طفلاً صغيراً من أقاربي، يبدو أنني كنتُ شاردة لدرجة أنني لم ألحظ تسلله لغرفتي، مددتُ يدي لأستعيدها منه، لكنه ركض للخارج ضاحكاً. في تلك اللحظة، فكرتُ بجدية في قتله
خرجتُ خلفه لغرفة المعيشة، فاختبأ خلف أحد الأقارب الذين لا أعرف وجوههم. تسمرت الأنظار عليَّ، وخرج صوت والدي جهوراً وممتلئاً بالكره
"إيه اللي خرجك من أوضتك؟"
"الولد ده خد حاجة تخصني"
رد علي بغضب
"خدها وخلاص، إنتِ أصلاً معندكيش حاجة ليها قيمة.. غوري على أوضتك"
تجاهلته تماماً واقتربتُ من الطفل لآخذ منه الكرة، لكنه ركض لوالدي الذي التقطها منه، ثم وبكل برود ألقاها على الأرض بقوة لتتهشم لآلاف القطع، وصرخ في وجهي
"كل ده عشان الزبالة دي؟ نضفي الأرض دي وادخلي على أوضتك"
لم أتحرك، كنتُ أنظر لحطام ذكرياتي الوحيدة، فلكمني في وجهي بقسوة حين لاحظ جمودي، هناك أوقات أفقد فيها السيطرة على وحشي الداخلي، وهذا التصرف.. لا يمكنني غفرانه أبداً، شعرتُ بدمي يغلي كالحمم
أمسكتُ بطبق الكعكة الكبير وقلبته على الأرض، ثم صفعته بالطبق بقوة على وجهه، وأثناء ذهوله مما فعلت، استللتُ السكين الكبيرة الموضوعة على المائدة، ونحرتُ عنقه بحركة سريعة ودقيقة
أجل، أنا لستُ ضعيفة، كان بإمكاني قتله في كل مرة يرفع يده علي، لكنني كنتُ أتركه.. أما هذه المرة، فلا أريد له النجاة
تعالت صرخات النساء واجتمعوا حول جثته التي تفرغ دماءها على السجاد، بينما حاول رجال العائلة الهجوم علي، لكنني تصديتُ لهم بجنون لم يعهدوه
نظرات والدتي لي في تلك اللحظة كانت كالعادة؛ باردة، خالية من الصدمة، وممتلئة بالكره.. لن تتغير أبداً
تركتُ المنزل وخرجت بملابس ملطخة بدمه الذي لم يبرد بعد مشيتُ بخطى ثابتة حتى دخلتُ قسم الشرطة، ووضعتُ السكين على المكتب أمام الضابط المذهول
"أنا قتلت أبويا"
سأراه في الجحيم على الأرجح.. لقد تصرفتُ بسرعة، لكنني لستُ نادمة، لقد عاش ما يكفيه، وبالتأكيد كان يعلم في أعماقه أن نهايته ستكون على يد ابنته التي صنعها بيده.. ابنته "العاقة"
.
10 . أقنعة زائفة في أسوان
فتحتُ عيني فرأيتُ سقفاً بتصميمٍ غريب، اعتدلتُ في جلستي وأنا أحك مؤخرة رأسي؛ رقبتي تؤلمني بشدة، نظرتُ حولي.. هل هذا فندق؟ طرازه غير مألوف.. مهلاً! أليس هذا طراز منازل أسوان النوبية؟
استقمتُ واقفة وخرجتُ من الغرفة، فوجدتُ سيليا تجلس على الأريكة في الخارج، بينما كانت هناك سيدة عجوز ترسم لها الحناء على ذراعها وهي تتبادل معها الحديث بهدوء، هل هذا حلم؟ ما كل هذه العشوائية التي أعيشها؟
اقتربتُ منها وسألتُ بتعجب
"إحنا وصلنا هنا إزاي؟"
لم تنظر إلي، بل ردت ببرود وهي تراقب حركة الحناء
"أنا اللي سوقت"
تسمرتُ مكاني؛ ماذا تقصد بأنها هي من قادت السيارة؟ هل تملك رخصة أصلاً؟ يبدو أن علي البدء في مطاردة هذه الفتاة من جديد، فأنا لا أعرف عنها الكثير كما كنتُ أتوهم
استقامت سيليا واقفة وقالت
"هنشوف ديموس بالليل.. هنعمل إيه في وشي ده؟"
تباً.. لقد نسيتُ تماماً شراء خافي العيوب، فقد كان بالي مشغولاً بألف شيء، أمقتُ تمثيلها لدور المسكينة، إنه أمر مقزز لا يليق بها
"الموضوع بسيط.. متحضريش الحفلة"
لم تكن تتوقع رداً لطيفاً مني بكل تأكيد، فنحن في النهاية لسنا صديقتين، تركتُها وعدتُ للداخل؛ ففكرة وجودها في الحفلة لا تروق لي، فهي مختلة وبالتأكيد ستحاول إفساد فرحة ديموس كما تفعل دائماً
بينما كنتُ في الغرفة أعبث بهاتفي وأتفقد إحداثيات الموقع، خرجتُ لأفاجأ بسيليا تهجم علي وهي تحمل سكيناً! قبضتُ على رسغها قبل أن تطعنني بإنشات قليلة، كانت السكين تقترب من وجهي، فشددتُ قبضتي على معصمها ولوحتُه بقوة حتى سمعتُ صوت عظامها تنكسر بوضوح
الغريب أنها لم تصرخ، ولم يبدُ على وجهها أي أثر للألم، لقد ضربتُها كثيراً من قبل وكانت تمتلك نفس رد الفعل الجامد، لكنني لم أتخيل أن يظل وجهها هكذا حتى وأنا أكسر يدها! سقطت السكين من يدها، فأفلتُّ رسغها، ولم تحاول الهجوم مجدداً
"إنتِ اللي كسبتي"
همستْ بها ثم انصرفت ببرود
ما هذا الكيان الذي أتعامل معه؟
التقطتُ السكين ورميتها في سلة القمامة بقرف، هذه المختلة كادت تقتلني! كان علي تركها في القاهرة والادعاء أمام ديموس أنها لم تأتي، وجهها مليء بالكدمات، لماذا لم تبقى في منزلها حتى تختفي بدلاً من ملاحقتنا؟
قررتُ الذهاب لديموس، فلن أضيع دقيقة أخرى معها، وإن تجرأت وهاجمتني مرة أخرى فلن تخرج حية، ركبتُ قارباً صغيراً لأصل لمنزل الجدة المطل على النيل
وصلتُ أخيراً، وفتحت لي ديموس الباب وهي ترتدي مئزر المطبخ، عانقتني بقوة وسألتني فوراً عن سيليا، فكذبتُ وأخبرتها أنها تشعر بالإعياء ولن تستطيع القدوم، دخلتُ معها المطبخ لنخبز البسكويت، ومع الوقت بدأ الضيوف يتوافدون
بينما كنتُ أفتح الباب لإحداهن، لمحتُ سيليا تقف بعيداً بملابسها الصيفية الخفيفة، تنظر للمنزل من بعيد، كانت هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بشيء يشبه الشفقة تجاهها، رغم أن رغبتي في ركل وجهها لا تزال قائمة
"معلش، معاكي كونسيلر؟"
سألتُ إحدى الفتيات، وظللتُ أسأل واحدة تلو الأخرى حتى ناولتني إحداهن حقيبة مستحضراتها بالكامل. لا أصدق أنني أفعل كل هذا من أجل تلك القبيحة
أخذتُ شالاً يخص الجدة وخرجتُ إليها، لففتُ الشال حول عنقها بعنف قليل، ثم فتحت الحقيبة وبدأت أبحث عن خافي العيوب
أنا لستُ خبيرة في هذه الأمور، لذا أمسكتُ علبة بلون يشبه البشرة وبدأتُ أطبطب بالأسفنجة على وجهها
لم تتحرك ولم تنطق بحرف، وهذا جيد لأنني كنتُ سأحطم أسنانها لو فعلت، غطيتُ الكدمات، لكن لون وجهها أصبح فاتحاً بشكل مريب. كان عليَّ مشاهدة مقاطع لخبراء التجميل قبل هذه الورطة، لكنها سيليا، هي لا تستحق الأفضل على أي حال
وجدتُ علبة بها مساحيق بألوان مختلفة، وبدأتُ أضعها فوق بعضها، مهلاً.. أحدهم كان لامعاً! الآن أصبح وجه سيليا يلمع بشكل مضحك، كتمتُ ضحكتي بصعوبة، فسألت هي أخيراً
"بتعملي إيه؟"
"بداري وشك العكر"
بحثتُ في الحقيبة عن شيء يغير لون شفتيها اللتين اختفتا تحت طبقات المسحوق، فوجدتُ أحمر شفاه بلون أحمر صارخ. بمجرد أن أخرجته، قالت بحدة
"أنا مش هحط القرف ده"
قبضتُ على فكها بقوة
"اسكتي"
وضعتُ لها اللون الصارخ، وبدت النتيجة كارثية.. وجه يلمع وشفاه حمراء فاقعة، ربما بالغتُ قليلاً، لكنني بعثرتُ شعرها في النهاية لأعطيها مظهراً فوضوياً متعمداً
"كده شكلك أحسن.."
أعدتُ الأدوات للحقيبة، فسألت بوجل
"شكلي إيه دلوقتي؟"
"أقل وحاشة"
أخذت مني الحقيبة وأخرجت المرآة، وما إن رأت وجهها حتى صرخت
"إنتِ بتهزري! إيه اللي عملتيه في وشي ده؟"
"داريت الجروح.. إنتِ بجد ناكرة للجميل"
رددت عليها
خطفتُ المرآة من يدها وأعدتُها للحقيبة بسرعة، بينما شرعت سيليا في مسح أحمر الشفاه بأصابعها لتخفف من حدة لونه الصارخ، حتى أصبح درجته أخف وأقرب للطبيعية
نظرتُ لذراعيها العاريتين اللتين بدأتا ترتجفان من الصقيع وسألتها بضيق
"مش سقعانة؟"
ردت ببرودها المعتاد وهي تشيح بوجهها
"خليكي في حالك"
"سيليا!"
كان هذا صوت ديموس؛ يبدو أنها انتبهت لغيابي الطويل وخرجت للبحث عني
وما إن رأت سيليا حتى قفزت لتعانقها بقوة تسببت في ترنح الأخيرة، وأخذت تمطرها بالأسئلة عن حالها وسبب تأخرها، ثم وبحركة عفوية، خلعت معطف الفرو الثقيل الذي كانت ترتديه وألبسته لسيليا وهي تبتسم
.
11 . قناع "الجثة" الجميل
لم أنم منذ البارحة؛ فبعد شجاري العنيف مع والدي، كان عقلي يغلي، اليوم ستأتي إنشاد لاصطحابي لنذهب إلى منزل جدة ديموس. وجهي عبارة عن خريطة من الكدمات، لكنني لا أريد تفويت أمر كهذا، خاصة بعد أن دعتني ديموس بنفسها وألزمت إنشاد بإيصالي
ارتديتُ قبعة البيسبول وخرجتُ من المنزل بخطى ثقيلة، كان الجميع يراقبونني من خلف النوافذ بنظراتهم المسمومة؛ لا يصدقون أن هناك من سيأتي حقاً لاصطحابي.. فمن قد يتحمل كائناً مشوهاً مثلي؟ هذا ما يفكرون فيه يقيناً
صعدتُ السيارة وطلبتُ من إنشاد بلهجة آمرة أن تشتري لي كوباً من القهوة؛ أحتاج لشيء يهدئ الضجيج في رأسي، وبشكل غير متوقع، استجابت واشترتها، بل وأعطتني معطفها أيضاً
"ياله من تصرف مهذب!"
فكرتُ بسخرية
شغلتُ الأغاني الصاخبة وبدأتُ أغني معها، علّها تخرس الأصوات التي تسكن جمجمتي
"البيرسينج جميل!"
قالتها إنشاد يبدو أنها لاحظت قرط لساني الجديد
فتحتُ فمي وأخرجتُ لساني لترى المعدن اللامع وسط الجرح، ثم قلت ضاحكة
"دي هدية من أختي"
لم أكن أظن أن قرط اللسان سيناسبني، لكنه بدا لائقاً جداً ومنحني شعوراً غريباً بالثقة، نظرتُ في مرآة السيارة.. تباً، كدمات وجهي بشعة! أحتاج لاخفائها بأي ثمن
"هو إنتِ بتفهمي في الميك أب؟ مش عايزة ديموس تشوف وشي كدة"
ظلت صامتة لفترة قبل أن ترد
"هقف عند أي محل وأشتريلك كونسيلر، أعتقد إنه هيداري وشك العكر ده"
وجه عكر؟
"عكر! ده أنا قمر بالفطرة"
رددتُ عليها بحنق؛ فأنا في الحقيقة أرى ملامحي جميلة رغم كل شيء
"بصي للوش ده.. ده لوحة فنية"
"إنتِ ممكن تكسبي لقب ملكة جمال الجثث"
جثث! هل أبدو حقاً كجثة؟ أنا لا أشعر بأي ألم من الضرب، الجميع يصادقني لفترة ثم يختفي، هل لأنني أبدو كشخص ميت بالنسبة إليهم؟
تذكرتُ فجأة حادثة من الصف الثالث الابتدائي؛ كنتُ معجبة بفتاة، وكان هناك طالب ثانوي يضايقها باستمرار، حاولتُ الدفاع عنها، فضربني هو وأصدقاؤه بوحشية، أتت الفتاة لاحقاً وهي تبكي، وضعت لاصق جروح على وجهي وطلبت مني أن أبتعد عنها تماماً
بعد ذلك الحادث، هل تحولتُ لجثة لا يراها أحد؟ أم أنني كنتُ جثة منذ البداية؟
لقد انتقمتُ من ذلك الفتى لاحقاً؛ نقشتُ على رقبته بسكين حادة، ولا أعلم حتى الآن إن كان قد مات أم لا.. لكنه كان يستحق
غفوتُ لبعض الوقت، وعندما فتحتُ عيني لم أجد إنشاد في السيارة، كانت تجلس في الخارج بينما هي غارقة في النوم، نقلتها للسيارة وأكملتُ أنا القيادة؛ فلدي رخصة وأجيد القيادة، ولن أسمح لنا بالتأخر على ديموس
وصلنا لأحد النُزل، حجزتُ غرفة بأموال إنشاد التي كانت في محفظتها، وطلبتُ من سيدة عجوز هناك أن ترسم لي الحناء، حين استيقظت إنشاد وسألت عما حدث، أخبرتها بالحقيقة، وتمنيتُ في سري ألا تسأل عن المال الآن
تذكرتُ فجأة أمر "الكونسيلر"
"هنشوف ديموس بالليل.. هنعمل إيه في وشي؟"
ردت ببرود أذهلني
"الموضوع بسيط.. متحضريش الحفلة"
ماذا؟ هل قطعتُ كل هذه المسافة لتخبرني بهذا؟ تركتني ودخلت وكأنها لم تلقي قنبلة في وجهي، شعرتُ بالغضب يسيطر علي؛ هذه الحفلة تهمني أكثر مما تهمها هي
دخلتُ المطبخ واستللتُ سكيناً؛ إن كنتُ لن أذهب، فهي أيضاً لن تذهب، انتظرتُ خروجها وهجمتُ عليها، لكنها لوت معصمي بقوة حتى سمعتُ طقطقة عظامي وسقطت السكين
"إنتِ اللي كسبتي"
استسلمتُ، وقررتُ الذهاب لمنزل الجدة ومراقبة الحفل من بعيد؛ على الأقل أستحق النظر بعد هذا العناء. كان المنزل يبدو دافئاً بشكل موجع
وبينما كنتُ أراقب، أتت إنشاد ولفَّت شالاً حول عنقي وبدأت تضع أشياء غريبة على وجهي
"بتعملي إيه؟"
"بداري وشك العكر"
أخرجت أحمر شفاه، وقبضت على فكي لتصبغ شفتيَّ به عنوة. حين نظرتُ في المرآة لاحقاً، صُدمت؛ وجهي يلمع بشكل مضحك وشفتاي حمراوان كالدماء. بدأتُ أمسحه بكفي بضيق، فسألتني
"مش سقعانة؟"
"خليكي في حالك"
رددتُ عليها بحدة؛ فهي ليست شخصاً لطيفاً بأي حال
"سيليا!"
كان صوت ديموس. صرخت باسمي وركضت لتضمني بقوة. في تلك اللحظة، شعرتُ بالبرد لأول مرة، وبدفء عناقها الذي افتقدته
كانت تتحدث بحماس وأنا لا أسمع شيئاً، فقط أتأمل وجهها الجميل، خلعت معطفها وألبستني إياه.. يبدو أنها لم تلاحظ كدماتي
لقد نجحت مساحيق الفتاة المطاردة في إخفاء جثتي لليلة واحدة
.
12. ليلة مُحبة.. وبرد لا ينتهي
"عيد حب سعيد"
كانت هذه أول تغريدة وقعت عليها عيناي حين فتحتُ تويت
عيد الحب! ذلك اليوم الذي يحتفل به من يمتلكون شخصاً يحبهم.. وضعتُ الهاتف في جيبي بضجر وخرجتُ من غرفتي، كان المنزل هادئاً بشكلٍ مريب؛ فعلى الأرجح ذهبوا جميعاً لمنزل جدتي لقضاء السهرة هناك؛ فهم يعشقون المناسبات، أو أي شيء لعين عديم القيمة
لكنني، ومن ناحية أخرى، تمنيتُ لو يأخذونني معهم في أي شيء لعين عديم القيمة، أود تجربة الحياة كواحدة منهم، أريد أن أكون مكان إحدى أخواتي لمدة يوم واحد، أن أُعامل بلطفٍ لمرة واحدة.. ولكنني أعلم يقيناً أن هذا لن يحدث أبداً
جلستُ على الأريكة في غرفة الجلوس أعبثُ بهاتفي، فوجدتُ تغريدة عن تجمع سيقام بمناسبة عيد الحب، في البداية، سخرتُ من الفكرة؛ فبالتأكيد لن يحضر سوى المرتبطين، لكنني قرأتُ أن أغلب الحضور من العُزاب، وأن كل شيء مجاني!
لو لم أكن أعرف صاحبة التغريدة وأنها كانت معي في المدرسة، لقلتُ إن هذا فخ لخطف الفتيات وسرقة أعضائهن، لكنني في النهاية قوية بما يكفي للدفاع عن نفسي. بدلتُ ملابسي، أخذتُ علبة سجائري وخرجت
تمشيتُ حتى الحديقة المنشودة؛ كان الوقت لا يزال مبكراً، لكنني لم أرد البقاء في ذلك القبر المسمى منزلاً
أخرجتُ سجائري وأخذتُ أشعل الواحدة تلو الأخرى حتى نفدت العلبة، كنتُ أهز قدمي بتوتر وأنا أفكر
هل ستقام الحفلة حقاً؟ أم أنها مجرد دعابة سمجة للسخرية من بؤسي؟
"هاي! ممكن تساعدينا؟"
التفتُّ لمصدر الصوت؛ كانت فتاة تحمل طاولة ثقيلة وتساعدها فتاة أخرى
نهضتُ وساعدتهما في حملها، فشكرتني إحداهما وقالت إنها من المنظمين ودعتني للحضور. لم تكن تعلم أنني أتيتُ خصيصاً من أجل ذلك، لكنني تظاهرتُ باللامبالاة؛ فعلى الأقل لن أبدو كمتسولة تنتظر في الشارع
سألتني إحداهما أن أرافقهما لشراء بعض المسليات، فذهبتُ معهما، طلبت مني "أكسيل" -هكذا كان اسمها- أن أختار ما يروق لي، فهي تريد إرضاء كل الأذواق. كانت تتحدث معي كأننا صديقتان قديمتان.. مرت مدة طويلة منذ أن عاملني أحد بهذا الود، منذ انتحار ديموس
كانت أكسيل تثرثر مع صديقتها "والترا" عن أشياء عشوائية، وأنا أكتفي بالاستماع والاستغراب
عدنا للحديقة فإذ بكل شيء جاهز؛ الكراسي، الأطباق، ومكبرات الصوت
"جيتوا أخيراً"
كانت جلنار هي من تتحدث
تساءلتُ في سري
ما الذي ياتي بها إلى هنا؟
كان حازم موجوداً أيضاً ومجموعة من الفتيات يوزعن التسالي على الأطباق
بدأ الناس يتجمعون، وتحدثت والترا في مكبر الصوت وشكرت الجميع، ثم أشارت إلي وشكرتني بشكل خاص لمساعدتي.. كان الأمر مفاجئاً ومحرجاً لدرجة أنني شعرتُ برغبة في الاختباء
اقتربت مني جلنار وطلبت أن أسحب ورقة من سلتها، وقالت إنها مجرد لعبة. سحبتُ ورقة وفتحتها
"العدل أساس الملك"
نظرتُ إليها أنتظر تفسيراً، لكنها تركتني وذهبت لغيري، ما معنى هذه الجملة؟ تبدو بلا معنى، لكن حين قلبتُ الورقة وجدتُ مكتوباً بخطٍ صغير
"ليلة مُحبة"
ماذا تعني؟ هل أقرأها بشكل صحيح؟ دسستُ الورقة في جيبي، فتذكرتُ هاتفي، وجدتُ رسالة من أمي لم ألحظها، وفي تلك اللحظة اتصلت بي. ابتعدتُ عن الضجيج ورددتُ عليها
كانت تطلب مني إحضار معطف أختي الذي نسيته في المنزل وإيصاله لبيت جدتي، وافقتُ بمرارة؛ فأنا أعلم أنني سأناوله لهم من خلف الباب كعامل التوصيل، وبينما كنتُ أهم بالمغادرة، أوقفتني أكسيل وسألتني عن سبب رحيلي
"ماما عايزاني أوصلها حاجة"
خلعت أكسيل الشال الذي كان يلف رقبتها ووضعته حولي بلطف
"الجو برد.. خلي بالك من الطريق"
في تلك اللحظة فقط، أدركتُ أنني خرجت بملابس خفيفة، وشعرتُ ببرد الشتاء ينهش عظامي، لوحتُ لها ولوحت لي هي والترا بابتسامة حقيقية
عدتُ للمنزل، أخذتُ معطف أختي، واستقللتُ الحافلة لمنزل جدتي، ناولتُ والدتي المعطف من خلف الباب، فما كان منها إلا أن أغلقته في وجهي فوراً دون كلمة واحدة
التفت للطريق، نظرتُ للسماء؛ كان القمر وحيداً ومنيراً مثلي جلستُ على مقعد الانتظار الخشبي، أنتظر حافلة تعيدني إلى حيث بدأت.. إلى غرفتي الباردة
.
13 . لستُ ضحية.. أنا امرأة فحسب
حُكم علي بالسجن المشدد،لا يهم، فأنا لا أملك أحداً بالخارج لأخرج من أجله، كما أنني لا أمتلك حياةً أصلاً لأتحسر عليها
قالوا إنهم سيعرضونني على طبيبة نفسية بشكل أسبوعي؛ كان هذا طلباً تمسكت به المحامية التي دافعت عني بشراسة. لا أعلم من هي، ولا لماذا فعلت ذلك، لكنني لا أريد طبيبة، لا أريد رؤية المزيد من البشر
لكنني مُجبرة، هذا جزء من عقوبتي، ها أنا أدخل الغرفة، رأيتُ فتاة تجلس على الكرسي وتمسك دفتراً وقلماً، ألم تصبح موضة الدفاتر قديمة؟ جلستُ في المقابل؛ الغرفة خانقة، لكنه السجن، والضيق هنا هو القاعدة
نطقت الطبيبة بنبرة تشبه السؤال
"هاي.. سيليا؟"
"هاي"
رددتُ باقتضاب، فسألتني
"يومك كان عامل إيه؟"
ضحكتُ بسخرية
"أنا مسجونة.. إنتِ شايفة يومي ممكن يكون عامل إيه؟"
اعتدلت في جلستها وقالت
"أنا كيان.. هكون الدكتورة النفسية بتاعتك"
تبدو أصغر مني سناً، لكن نبرتها باردة كالثلج، هذه المرأة ليست مهتمة بي ولو بمقدار ذرة، ولكن أليس هذا حال الجميع؟
باغتتني بسؤال مباشر
"ليه قتلتي أبوكي؟"
نظرتُ إليها ببرود
"هو إنتِ مجبرة تكوني الطبيبة بتاعتي؟"
أغلقت دفترها وقالت بصراحة مضحكة
"للأسف"
"قتلتُه لأني بنت عاقة"
أجبتُها بيقين
قطبت حاجبيها وقالت
"يعني مش عشان كان بيعنفك؟"
يبدو أنها قرأت ملف القضية
"لا.. أنا متعودة على ده من صغري، أنا ست، والستات في بيتنا اتخلقوا عشان يتربوا بالضرب..عادي يعني"
تركت قلمها، وبدا عليها اهتمام مفاجئ
"أخواتك التانيين بنات برضه.. ليه باباكي مكنش بيضربهم؟"
لم أفكر في هذا السؤال من قبل، ظللتُ صامتة، فتابعت هي
"يعني هو بيعنفك من صغرك.. ليه؟"
"عشان أنا بنت عاقة"
هذا ما كان يقوله دائماً، كان يكرهني، كحال الجميع
"أخواتي كمان مكنوش بيحبوني.. ولا ماما"
أكملتُ وأنا أتذكر فرق المعاملة؛ لم أكن فرداً من العائلة، كنتُ حيواناً أليفاً غير مرغوب فيه
"تفتكري مامتك شخصية كويسة ولا وحشة؟"
"كويسة.. كويسة جداً"
رددتُ بلا تفكير
استنكرت إجابتي
"بس كانت بتعاملك وحش!"
"الكل بيعاملني وحش، بس ده مش معناه إن ماما وحشة.. هي كويسة مع الكل"
"الكل ما عدا إنتِ!"
أجل، الجميع عداي. إلى أين تريد الوصول؟ أنني شخص سيئ؟ حسناً، أنا كذلك
"أيوة"
قلتها في النهاية
"طيب وباباكي؟ كان راجل كويس"
"مش أوي، بس أيوة"
أبعدت نظرها عن الدفتر وسألت بحدة
"كان أب كويس؟"
"أيوة.. كنا بنلعب شطرنج كل يوم تلات، كان وقت لذيذ"
ربما هذا هو الشيء الوحيد الذي سأفتقده؛ لعب الشطرنج
بدأت تدون في دفترها ثم سألت
"كنتي بتلعبي مع أبوكي اللي بيعنفك؟"
"أيوة.. ما هو أبويا"
رددتُ بضجر، متى ستنتهي هذه الأسئلة؟
"قلتي إنك متعودة على ضربه.. ليه المرة دي قررتي تقتليه؟"
هنا، خفت صوته قليلاً
"عشان كسر حاجة غالية عندي أوي"
توقفت عن الكتابة وأعطتني كامل انتباهها
"إيه الحاجة دي؟"
"هدية من صاحبة قديمة"
افتقدتُ ديموس في تلك اللحظة؛ لماذا كان عليها أن ترحل؟
"لسه في تواصل بينك وبين الصاحبة دي؟"
"لا.. انتحرت من أكتر من تلات سنين"
لم أتوقع أنني سأفتقدها هكذا، لماذا نشعر بالندم بعد فوات الأوان؟
"تفتكري إن باباكي كان شخص أناني ومنبع للذكورية السامة؟"
هززتُ رأسي نفياً
"كان مجرد راجل"
"عندك أي صحاب؟"
هززتُ رأسي نفياً مرة أخرى، وبدأتُ أهز قدمي بتوتر؛ بأي حق تنبش في معلوماتي الخاصة؟
فجأة، دوت ضوضاء بالخارج، وانفتح الباب بعنف. لم أستطع تمييز من دخل بهذه السرعة واتجه نحوي، هل سيلغون فكرة الطبيبة ويعدمونني؟ سيكون ذلك أفضل
اقتربت المرأة مني بسرعة واحتضنتني بقوة، اعتصرتني بين ذراعيها. من تكون هذه؟
حركتُ يدي المقيدتين ودفعتها بعيداً، أكره عناق الغرباء..كنت اتقبله فقط من ديموس
"ايه القرف دا انتي مين؟"
حين ابتعدت، استطعتُ رؤية وجهها بوضوح
"إنشاد!"
هل هذه إنشاد حقاً؟ كانت ترتدي ملابس رسمية سوداء، بدلة محاماة أو زياً رسمياً، لا أعلم.. الإضاءة باهتة وأنا لستُ مهتمة
عادت لتعانقني مرة أخرى؛ هل جُن جنونها؟
"ابعدي عني!"
دفعتها بغضب لكنها لم تتزحزح
ابتعدت أخيراً وتحدثت مع الطبيبة بلهجة آمرة
"إنتِ الدكتورة بتاعتها؟"
"أيوة"
"أنا عايزة أتكلم معاكي"
"أنا برفض!"
اعترضتُ فوراً، لا أريد لتلك المطاردة أن تتدخل فيما تبقى من حطامي
"اسكتي إنتِ"
قالتها إنشاد وأشارت بيدها بعدم اهتمام
صرخت بصوت مرتفع للحراس
"خدوها على الزنزانة بتاعتها!"
دخل الحارسان وسحباني للخارج، أي سلطة تمتلكها تلك الفتاة الآن؟ ولماذا تتحدث مع طبيبتي؟ إنها طبيبتي أنا!
.
14 . عرض موسيقي.. وجرعة من الهروب
اليوم سأحضر عرضاً موسيقياً، لستُ وحدي بالتأكيد؛ فمن المفترض أن سيليا ستصطحب ديموس من منزلها وتأتي
ارتديتُ ملابس رسمية.. أو هكذا خُيّل إلي! فستان قديم وجدته وأنا أرتب فوضى المنزل، سرحتُ شعري ونظرتُ للمرآة؛ أعتقد أنني أبدو مرتبة بشكل مضحك ومستغرب حتى بالنسبة لنفسي
"إنشاد!"
سمعتُ صوت ديموس فالتفتُّ فوراً، كانت تبتسم وهي تقترب، ترتدي فستاناً ضيقاً يصل لتحت الركبة بأكمام طويلة، وخصلات شعرها المجعد تتراقص مع كل خطوة، كيف يمكن لامرأة أن تبدو بكل هذا الجمال بأشياء بسيطة كهذه؟
"اتأخرنا عليكي؟"
سألت وهي تقف أمامي
"لأ، أنا وصلت من وقت قصير"
رددتُ وأنا أحاول استعادة توازني أمام سحرها
"إنتِ شكلك ست الستات في الفستان دا"
قالتها وهي تمد يدها لتعبث بخصلات شعري برقة، ثم أضافت
"شكلك تحفة"
من المزعج حقاً كيف أن أقل لمسة منها تزلزل كياني، أمسكتُ يدها وقبلتُ ظهرها ببطء
"وإنتِ كمان قمر يا آنسة"
قلتها بنبرة رسمية مصطنعة
قهقهت ديموس، لكن سيليا قطعت علينا اللحظة بصوتها الحاد
"العرض!"
لم أكن بحاجة للنظر لوجه سيليا لأعرف أنها مستشيطة غضباً
سيليا التي لطالما اختارت الهروب إلى مظهرٍ لا يشبه بنات جنسها، من يراها تمشي بجوار ديموس دون سابق معرفة، سيجزم دون شك أنهما ثنائي مكون من فتاة وشاب نحيل؛ فشحوبها الحاد وقسمات وجهها التي تفيض بالقسوة، مع قصة شعرها الصبيانية التي تُقلمها بعناية لتكشف عن حدة عظام فكها، تمنحها مظهراً ذكورياً طاغياً لا يقبل التأويل، كانت ترتدي بدلة رسمية تجعلها تبدو كالرجل تماماً
دخلنا القاعة واخترنا ثلاثة مقاعد متجاورة؛ جلست ديموس في المنتصف كعادتها حين بدأ العزف، بدت ديموس غارقة تماماً في الأنغام، أسندت سيليا رأسها على كتف ديموس، فمدت الأخيرة يدها لتمررها بلطف على شعر سيليا دون أن تفقد تركيزها على العرض
مهلاً! وماذا عني؟ لماذا تحظى تلك الفتاة بكل هذا الاهتمام؟ أسندتُ رأسي أنا الأخرى على كتف ديموس الثاني، وشعرتُ بأصابعها تتخلل شعري بلين. هذا الشعور.. جعلني أشعر بأنني طفلة صغيرة
تُرى هل كانت والدتي تفعل هذا بي؟ لا أعلم، فهي غائبة منذ أمد بعيد، علي أن أكف عن التفكير كطفلة عادية، لأنني لستُ كذلك، ولأن زمن الطفولة ولى بغير رجعة
"إنشاد.. إنتِ كويسة؟"
سألتني ديموس لأستفيق من شرودي، وحينها شعرتُ ببرودة قطرات على خدي. هل هذه دموع؟ ولماذا الآن؟
أبعدتُ رأسي عن كتفها بسرعة ومسحتُ عينيّ بكُم قميصي
"تراب دخل في عيني.. هروح أغسل وشي"
استقمتُ واقفة وتحركتُ بين المقاعد بسرعة متجهة نحو دورة المياه
أغلقتُ الباب فور دخولي وأخذتُ نفساً عميقاً، لكنني شعرتُ بالاختناق أكثر وأخذتُ أسعل بعنف، اندفعتُ نحو الحوض، فتحتُ الصنبور وغسلتُ وجهي مراراً. ما خطبي؟ هل أحتاج لجرعة؟ لا، أنا أسيطر على رغبتي ولا أتعاطى بكثرة.. إذاً ما هذا الانهيار؟ هل بسبب تفكيري في والدتي؟ التفكير فيها عدم؛ فأنا لا أتذكر ملامحها حتى، كل ما أعرفه أنها ميتة
يبدو أنني أحتاج للهيروين فعلاً لأن حالتي تزداد سوءاً، أخرجتُ هاتفي وأرسلتُ رسالة لسيليا أخبرها بأنني سأغادر وأن تُعلم ديموس بذلك، ثم رحلتُ مسرعة قبل أن يلحق بي أحد
ما إن عدتُ للمنزل حتى حبستُ نفسي في غرفتي وتناولتُ جرعة جعلت العالم يهدأ من حولي، سكن جسدي، وكان النفس هذه المرة مريحاً وعميقاً
أغمضتُ عيني، وحين فتحتهما وجدتُ نفسي في مكان شديد الزحام، كنتُ ألتفتُ حولي بضياع حتى دوى صوت انفجار في السماء، فنظرتُ لأعلى ورأيت ألعاباً نارية ملونة
فجأة، اصطدمت بي امرأة؛ لم ألمح وجهها لأنها أكملت ركضها بجنون، عدتُ للنظر للسماء فإذ بالألعاب النارية قد توقفت، وساد صمتٌ مخيف قطعه صوت بكاء طفل صغير يعطيني ظهره
كان ينادي بين شهقاته
"ماما! ماما إنتِ فين؟"
جلستُ القرفصاء لأصل لمستواه، وربتُّ على كتفه ليلتفت إليّ.. وحين فعل، تجمد الدماء في عروقي، كان وجهه بلا ملامح، مجرد قطعة من الجلد المصمت، بلا عيون، بلا فم، بلا أي شيء!
انتفضتُ فزعة لأجد نفسي في غرفتي، ألتقط أنفاسي بصعوبة والعرِق يتصبب مني. لقد كان مجرد حلم.. أو ربما كانت الحقيقة التي أحاول حقنها في وريدي كل ليلة
.
15 .قناع الحرير.. ورحلة نحو الغفران
"بس هي هتحتاج لحاجات زي دي في إيه؟"
سألتني جود وهي تناولني الحقيبة بنظراتٍ يملؤها الارتياب
لم أكن في حالة تسمح لي بالشرح، فرددتُ بجفاء
"ملكيش دعوة"
ثم صعدتُ سيارتي وانطلقتُ نحو السجن
طوال الطريق، كانت الذكريات تنهش رأسي؛ وأكبرها ذلك اليوم الذي رأينا فيه جثة ديموس
تذكرتُ أسئلة الطبيبة كيان لي؛ كانت فضولية رغم برودها
سألتني
"عمرها ما عيطت؟"
فأجبتها
"أيوة، مرة واحدة.. لما شافت جثة ديموس، سيليا عيطت أكتر من أي حد، أكتر حتى من اهلها صرخت وضربت راسها في الحيط وما هدتش غير لما الدكتور أداها حقنة مهدئة"
حين سألتني كيان بسؤالها الروتيني الغبي
"إنتِ متأكدة إنهم كانوا صحاب بس؟"
شعرتُ بالضجر. رددتُ عليها بمرارة
"أيوة، سيليا مش من النوع اللي بيعرف يحب أصلاً، هي بس كانت محتاجة اهتمام ديموس.. زيي بالظبط، سيليا غرقانة في ذكورية ابوها السامة، في عيلة بتكرهها وشوهت حياتها لدرجة إنها متعرفش أي حاجة عن العلاقات غير إنها إيذاء.. هي فاكرة إن الوجع جزء من كل حاجة"
ركنتُ السيارة أمام السجن، دخلتُ وطلبتُ إحضار سيليا فوراً، في غرفة الزيارة، طلبتُ من الحارس فك قيودها والمغادرة. وضعتُ الحقيبة على المنضدة وأخرجتُ منها حقيبة أصغر
سألتني سيليا بضجر وهي ترمقني بنظراتها الحادة
"عايزة إيه؟"
"الشنطة قدامك.. غيري هدومك"
نظرت للحقيبة بشك، ومدت يدها لتخرج الفستان، وبمجرد أن رأت قماشه الحريري الوردي رمته في وجهي
"إنتِ متخلفة!"
"هتلبسيه.. يا إما هلبسهولك أنا بالعافية"
أخبرتها بهدوء وثقة وأنا أعيد وضعه أمامها
رفعت صوتها بغضب
"عايزة إيه يا إنشاد؟"
"البسي الهدوم اللي في الشنطة وهقولك، ولو ملبستيهاش هلبسهالك غصب عنك.. القرار في إيدك"
ابتسمتُ في نهاية جملتي وأمسكتُ هاتفي أتظاهر بالانشغال ريثما تقرر
ظلت ساكنة لثوانٍ، ثم سحبت الفستان بيأس، حين نظرتُ إليها مجدداً، كانت قد تحولت؛ ارتدت الجوارب الطويلة والشعر المستعار الأشقر المموج يتدلى على كتفيها، يغطي قصة شعرها الصبيانية التي اعتدتها، الفستان الحريري كان يناسبها حقاً، ارتدت حذاء الكعب العالي ثم سحبت الكرسي وجلست أمامي عاقدة ذراعيها بغضب
"أهو.. عايزة إيه بقى؟"
فتحتُ حقيبة المساحيق؛ هذه المرة أنا بارعة، لقد تعلمتُ الكثير، قبضتُ على ذقنها وبدأتُ أضع لها الزينة بعناية، أخفي تلك القسوة خلف طبقات من الألوان الرقيقة، بدت مختلفة تماماً، ناولتُها القفازات النسائية لترتديها، فاستقامت واقفة بسخط
"قولي اللي عندك"
"هنخرج من هنا.. لشويه وقت"
جمعتُ ملابسها التي خلعتها ووضعتها في الحقيبة، بينما صرخت هي بذهول
"إيه الهبل ده؟ وأنا أخرج معاكي ليه أصلاً؟ أنا مش عايزة أخرج!"
كانت تبدو مضحكة بهذا المظهر وهي تحاول استعادة حدتها وتذمرها؛ لم أستطع أخذها على محمل الجد، خلعتُ معطفي ووضعته على كتفيها العاريين، فصفعت يدي فوراً كعادتها العدوانية
"اتعاملي بشوية تحضر!"
"خلي التحضر ليكي.. إنجزي"
"اسمعي.. لازم تتكلميزي الليديز من هنا ورايحإنتي ست البنات" أمسكتُ معصمها وسحبتها نحو الباب، فصفعت يدي مجدداً
"مش هعمل أي حاجة من الهبل ده"
لم تترك لي خيارات، والضرب لا يجدي معها نفعاً، لذا استخدمتُ ورقتي الوحيدة
"مش عايزة تزوري ديموس؟"
هدأت تماماً، سكن الوحش بداخلها فور سماع الاسم، سألت بصوت خافت:
"إنتِ عارفة مدفونة فين؟"
أومأتُ برأسي إيجاباً
"عارفة.. ويلا بينا"
خرجنا من السجن؛ أشرتُ للحارس أن يظل صامتاً واعطيته مبلغاً من المال، صعدنا السيارة، وانطلقتُ بها،تتذمر من الكعب العالي وتتعثر وتستند علي
"مش هنروح لديموس؟"
أيقظني صوتها من شرودي؛ يبدو أن صبرها قد نفد تماماً، شغلتُ المحرك وضغطتُ على دواسة الوقود
"أهو.. إحنا رايحين"
.
16 . اعترافات تحت ضوء الشموع
وقفت سيليا لثوانٍ أمام قبرها، وحين قرأت الاسم، خانتها قواها فجثت على ركبتيها فوق التراب
كانت حالتها أسوأ مني بمراحل، أم أنني متبلدة المشاعر؟ بدت محطمة بعمق، وكأن موت ديموس قد قتل شيئاً حيوياً بداخلها، بينما تأثرتُ أنا كأي شخص عادي فقط. سبب آخر يجعلني أغار منها؛ فرغم تشتتها ومشاعرها المشوهة، هي قادرة على الحزن بعمق، ليست باردة ومجوفة مثلي
"كفاية كدا.. يلا نمشي"
أخبرتها وأنا أسحبها من معصمها بقوة لتجبرها على الابتعاد عن القبر
"شويه كمان.."
قالت بتوسل، لكنني واصلت سحبها
"احنا بالليل، ودي مقابر.. مينفعش نفضل هنا أكتر من كدا"
في الحقيقة، لم أكن خائفة ولو بمقدار ذرة، فقد مات الخوف بداخلي منذ زمن، لكنني شعرت بالغيرة من قدرتها على ذرف تلك الدموع أمام القبر، بينما أقف أنا كتمثال رخامي
عدتُ لتشغيل السيارة وغادرتُ منطقة المقابر، كانت سيليا ساكنة أكثر من المعتاد، ثم بعد مدة فتحت النافذة وأخرجت رأسها للهواء
"الباروكة هتطير.. دخلي راسك جوه"
أخبرتها، فامتثلت لكنها نزعت الشعر المستعار تماماً ثم عادت وأخرجت رأسها مرة أخرى
"هو إنتِ كلبة؟"
قلتُ بصوت مرتفع لأتأكد أنها تسمعني، لكنها تجاهلتني تماماً
أوقفتُ السيارة في بقعة معزولة، فعادت ووضعت الشعر المستعار على رأسها وسألت بتوجس
"إحنا فين؟"
خرجتُ أولاً، فتبعتني بتردد وهي تنظر حولها
"المكان ضلمة كحل.. إحنا فين يا إنشاد؟"
أشرتُ بإصبعي نحو أنوار المباني البعيدة التي تلوح في الأفق، وقلت بصوت خافت
"ده المكان المفضل للمدمنين"
عقدت ذراعيها ونظرت إليّ بتفحص
"يعني إنتي لسه المدمنة؟"
"مش بالظبط.. بس ليا ذكريات كتير هنا"
تحركتُ في الظلام؛ أنا أحفظ تضاريس هذا المكان شبراً بشبر، كانت السيارة المهجورة ما تزال في مكانها كشاهد صامت، مددتُ يدي داخل هيكلها الصدئ حتى شعرت بكيس صغير، سحبته واستخدمت إضاءة هاتفي لأرى المحتوى
لفافات كوكايين، شمعة، وولاعة
أشعلتُ الشمعة وثبتها على مقدمة السيارة، ثم فككتُ إحدى اللفافات واستنشقتها بعمق
"باين إنك لسه بتضربي مخدرات.."
سمعتها تقول وهي تقترب
مدت يدها في جيب معطفي وأخرجت علبة سجائري، سحبت واحدة وقربت وجهها من لهب الشمعة لتشعلها، ثم قفزت بخفة وجلست فوق هيكل السيارة وهي تنفث الدخان
"سمعت إنك في التحقيق وصفتي أبوكي إنه راجل طيب؟"
بدأتُ الحديث معها مغيرة الموضوع
"أيوة"
جابت باقتضاب
"ليه عملتي كدا؟"
سألتها
"كان ظابط شرطة.. وأكيد مش هيكون أب وحش"
ردت بضجر وأراحت ظهرها مستلقية على معدن السيارة البارد
"بس هو كان أب وحش.. وأمك كمان كانت وحشة"
"لأ.. كانوا كويسين مع إخواتي، أنا بس البنت اللي مكنتش محبوبة"
كانت ترد ببرود مذهل
اقتربتُ منها وسحبت السيجارة من بين شفتيها
"كونهم وحشين معاكي إنتِ، ده سبب كافي لوصفهم بأنهم وحشين"
"مش فارقة.. كدا كدا مفيش حد بيحبني، ولا حتى إنتِ"
قالتها وهي تعبث بخصلات الشعر المستعار بملل
فجأة سمعتُ صوتاً يقترب
"باين إن فيه حد سبقنا لهنا"
التفتُّ سريعاً، ناداني أحدهم بدهشة
"إنشاد!"
"مين؟"
"أنا مؤمن.. مش فاكراني؟"
أحد الزبائن القدامى.. نظر مؤمن نحو السيارة التي تجلس عليها سيليا، فضغطتُ بسبابتي وإبهامي على شعلة الشمعة لأطفئها
"احنا ماشيين دلوقتي"
أمسكتُ معصم سيليا وسحبتها؛ تذمرت واعتدلت في جلستها ثم نزلت عن السيارة
"ولا يهمك.. إنتوا جيتوا الأول، إحنا اللي هنمشي"
قال مؤمن بغمزة لصديقه ثم انصرفا
سمعتُ قهقهة خافتة من سيليا، وحين نظرت إليها قالت بزهو
"افتكرونا بنعط"
"مش هعط معاكي حتى لو كنتِ راجل"
ردت بتعجرف وهي ترفع رأسها
"أنا لو كنت راجل، كنت هفضل عانس طول عمري.. لأني جامد ومش هلاقي ست تعجبني"
"هتكوني اوحش راجل في العالم"
"إنتِ بس اللي غيرانة"
أشعلت الولاعة وأعادت إضاءة الشمعة، ثم فجأة تركتها وهرولت مبتعدة. تبعتها بذهول لأجدها تقف أمام رجل غريب وتتحدث معه بنبرة ناعمة مصطنعة تماماً
"بقولك إيه.. هو أنا وحشة؟"
نظر إليها الرجل بذهول ثم قال
"لأ.. إنتِ جميلة جداً، أنا عايز رقمك!"
التفتت إلي ونظرتها تفيض بالانتصار
"شوفتي؟ قال إني جميلة"
"أكيد هيقول كدا.. مفيش حد هيقول لوحدة بتسأله إنها وحشة وإلا هتقعد تعيط"
تدخل الرجل بجدية
"لأ.. هي فعلاً جميلة"
ضحكت سيليا بتعالي وقالت لي
"أهو قالهالك مرتين.. إنتِ اللي عينيكي وحشة"
ثم التفتت للرجل وأخبرته برقة كاذبة أنها لا تملك هاتفاً وودعته
لا أصدق.. لقد أوقفت غريباً في منتصف الليل لتسأله عن جمالها! هذه السيليا تثير جنوني دائماً
.
17 . راقصة وهانم.. خلف الكواليس
اليوم تُقيم المدرسة يوماً ثقافياً؛ حيث يختار كل طالب ملابس تمثل حقبة من التاريخ، وبسبب ملامحي الحادة وكوني أميل للمظهر الذكوري دائماً، قالوا إنني مناسبة جداً لأؤدي دور "محتل إنجليزي"! أنا محتلة إنجليزية! يا له من هراء، فأنا أصلح لأكون مصرية أصيلة تحارب الاحتلال
ما زاد استيائي هو أنهم قالوا إن سيليا أيضاً بملامحها وقصة شعرها تلك مناسبة لتكون شاباً من شباب الثورة، يبدو أن القائمين على العرض يحتاجون لإجراء فحص لأعينهم، في النهاية، وقفتُ بملابس الجيش الإنجليزي بجوار سيليا التي ترتدي ملابس شاب ثوري.. ولا تسألوني كيف يبدو الثوار تاريخياً لأنني لا أعلم فعلاً
"سيليا!"
سمعنا صوت ديموس. لماذا تنادي اسمها دائماً أولاً؟
التفتنا ووجدناها ترتدي ملابس الراقصة، لم أكن أتخيل أن هذه الملابس ستناسب رقتها، لكنها كانت فاتنة بشكلٍ مرعب
"يعني إنتِ عسكري إنجليزي.. وسيليا، إنتِ إيه؟"
سألت ديموس وهي تتفحصنا
ردت سيليا بتبجح ومظهرها يوحي بالجدية
"شاب ثوري"
"أليكس قالت إني هكون مناسبة لدور الراقصة"
قالت ديموس وهي تمرر يدها على شعرها المنسدل على كتفيها
"طبعاً مناسب"
كانت هذه أليكس؛ كانت ترتدي فستاناً منفوشاً وتضع إكسسوارات مبالغاً فيها وتمسك مروحة من الري
تلك الفتاة ترتدي ملابس "هانم"! لم أتمالك نفسي وبدأتُ أقهقه حين رأيتها، فبادلتني نظرات حاقدة
"إيه اللي بيضحكك؟"
"ديموس هدومها لايقة عليها، لأن الراقصات هما أجمل الستات.. أما إنتِ بقى، بتعملي دور إيه؟ مرات أب سندريلا؟ اللبس ده مش لايق عليكي خالص"
أكملتُ ضحكتي ببرود
"ما ترخميش عليها، اللبس لايق عليها"
قالت ديموس وهي تحاول تطييب خاطر أليكس التي انصرفت وهي تصك على أسنانها
"إنتِ جرحتيها"
قالت ديموس وكانت ستلحق بها، فأمسكتُ معصمها
"استني.. أنا هروح أعتذر لها"
"بجد؟"
قالت ديموس بعدم تصديق
"طبعاً، إنتِ صح، تصرفي مكنش كويس.. خليكي مع سيليا لحد ما أعتذر لها وأرجع"
انصرفتُ وتركتهم، وتبعت تلك الحرباء، كانت تقف تمسك هاتفها وتراسل أحداً ما، وقفتُ أمامها ببرود
"هو إنتِ اتضايقتي من كلامي للدرجة دي؟ مش مستاهلة.. المخدرات هتنسيكي كل حاجة"
قلتُها ودسستُ يدي في جيبي وأخرجتُ كيساً ورميته عليها. انحنت بسرعة لتلتقطه وتخفيه في حقيبتها
"إنتِ بتعملي إيه؟ الطلاب في كل مكان!"
"اسمعيني كويس.. إياكي تحاولي تظهري بمظهر البنت الكول تاني، بتلبسي ديموس لبس راقصة؟ عشان تقلي منها!، بس لسوء حظك سيليا معاها، ولو حد ضايقها هتقطعله لسانه ويبعتهولك في البريد عشان يعرف حدوده"
همستُ بوعيد وأنهيتُ حديثي بابتسامة صفراء ثم تركتها وعدتُ لسيليا وديموس
فجأة وجدتُ مجموعة كتب تسقط على الأرض أمام قدمي
"وقعت مني!"
كان صوت جلنار
تعلمون أنني مطاردة اليس كذلك؟ تلك الفتاة تعرف الجميع، اجتماعية لدرجة مريبة، ويشاع أن نساء عائلتها منجمات يعرفن المستقبل
انحنيتُ أساعدها في جمع الكتب، وبعد أن انتهيتُ أتى حازم؛ ذلك الفتى الذي لا يفارقها أبداً. شكرني وأخذ الكتب، وقالت جلنار وهي تبتسم
"شكراً أيها الجندي الإنجليزي النبيل.. كنت عايزة أسألك سؤال"
"إيه هو؟"
"هي قصص الحب بين الجنود الإنجليز والثوار حقيقية؟"
تجمدتُ مكاني، ماذا تقصد؟ قصص حب بين الإنجليز والثوار؟ ما هذه الجملة الملغمة؟
"جلنار، هنتأخر"
ناداها حازم، فقالت بسرعة
"مش هينفع أتأخر على مدرب المسرح.. أشوفك بعدين"
لوحت لي ورحلت، أسئلة تلك الفتاة غريبة دائماً، وظهورها كذلك
مهلاً! أنا أيضاً سأتأخر على أصدقائي! علي الإسراع لكي لا تضيع اللحظة
.
18 . الحب لن ينقذكِ
قام والداي بتزويجي بدون موافقتي، لم أشعر بالكثير من الخذلان، ففي النهاية لطالما أردتُ الخروج من منزلهما القبيح بأي ثمن. كانا يريانني تلك الفتاة القبيحة عديمة الفائدة، حرماحي من التعليم بعد المرحلة الإعدادية؛ ففي قاموسهما، تعليم الفتيات شيء لا طائل منه
كان زوجي يمتلك مالاً أكثر منهما، لكنه لم يكن أبداً أفضل زوج قد تحصل عليه امرأة، كان رجلاً شرقياً أصيلاً، يضربني كلما شعر بالملل لتفريغ طاقته، كان عليَّ إطاعته دائماً، وهذا لم يكن جديداً علي؛ فقد نلتُ نفس المعاملة في بيت والدي. كنتُ أقول لنفسي
"لا بأس، مادام الألم مقتصر علي وحدي"
كنتُ أتناول حبوب منع الحمل بالخفاء، لم أرد أن أنجب منه أبداً؛ لا يمكنني احتمال رؤية طفلي يعاني مع شخص مختل مثله، كان يتشاجر معي دائماً وينعتني بالعقير، وكنتُ أتظاهر بالحزن، أبكي وأتوسله أن يسامحني على نقصي
لكن خطتي تحطمت حين وجد الحبوب ذات يوم، عندها، ضربني حتى فقدتُ الشعور بجسدي، ثم اغتصبني بوحشية وهو يتوعدني بأنه سيفعل هذا كل يوم حتى يحصل على طفل
عندما أخبرني الطبيب بأنني حامل، شعرتُ بأن حياتي قد انتهت، لا أريد إحضار روح لهذا الجحيم، حين تأكد من حملي، حبسني في غرفتي وأحضر لي خادمة تراقب أنفاسي؛ ليتأكد بأنني لن أحاول إجهاض الجنين
مرت الشهور ثقيلة حتى الولادة، وعندما عدتُ للمنزل بعد أن وضعتُ طفلتي، كانت تلك لحظتي الذهبية، لقد أرخى دفاعاته تماماً حين رآها؛ فقد كان يظن أن السيطرة قد اكتملت الآن
عندما نزل من السيارة، كنتُ أراقب الطريق خلفه بعين صقر، لمحتُ سيارة نقل كبيرة تقترب بسرعة. قلتُ لنفسي
"يا هنجح يا هموت"
أسرعتُ إليه ودفعتُه بكل قوتي أمام الشاحنة، ثم خطفتُ طفلتي وهربتُ قبل أن يدرك أحد ما حدث
لم أرد الاحتفاظ بها، ولكنني أيضاً لم أرد تركها قبل أن أتم رضاعتها على الأقل، ذهبتُ للتسول في إحدى الدور وطلبتُ المأوى كأم وحيدة، ظللتُ هناك في سكن مشترك مع أمهات أخريات، وبعد عامين، حملتُها ووضعتُها أمام ملجأ للأطفال، نظرتُ إليها للمرة الأخيرة وهي تبكي بحرقة، ثم استدرتُ وتركتُها
ستنساني مع الوقت، فهما مجرد عامين، لكن إن ظلت معي، فهي لن تسامحني طيلة حياتها على الفقر والتشرد، مهما كان مصيرها في الملجأ، فهو أفضل بآلاف المرات من مصيرها إن ظلت بجانبي.. فأنا امرأة ضعيفة جداً، ولن أستطيع حمايتها من هذا العالم
هربتُ لمحافظة أخرى وغيرتُ اسمي، عملتُ في التنظيف والطهي، فهذه الأشياء الوحيدة التي لا تحتاج لشهادات، وفي إحدى المرات، وأنا أخدم في أحد البيوت، التقيتُ سيدة لديها ابنة جميلة، كان يُشاع عن تلك العائلة أنهم منجمون
قبل أن تغادر العائلة إلى القاهرة، أعطتني تلك الفتاة الصغيرة دميتها وقالت لي بهدوء مريب
"هتبقى صاحبة كويسة ليها"
لم أفهم مقصدها، ولم تقل شيئاً غير هذا وهرولت لوالدتها، كانت دمية جميلة، تمنيتُ لو أستطيع إرسالها إلى ابنتي التي لا أعرف عنها شيئاً الآن، أنا حتى لم أقم بتسميتها رسمياً
بدأتُ أذرف الدموع؛ لم أعتقد أنني سأشتاق إليها بهذا القدر، ولكن حبي لها لم يكن لينقذها أو يجعلها تعيش بسعادة، كان سيكبلها فقط، أتمنى أن تكون حياتها سعيدة الآن، أتمنى أن تمتلك الكثير من الألعاب والأصدقاء.. وأن تصادق فتاة جميلة وذكية تماماً كجلنار
.
19 . لمسات غير عنيفة
"شكلك طالع يجنن النهاردة"
قالتها منة وهي تملأ كوباً زجاجة الفودكا بابتسامة هادئة
منة هي إحدى صديقات إنشاد اللاتي تعرفتُ عليهن مؤخراً؛ كانت موزعة مخدرات سابقة، والآن أصبحت محامية أيضاً
"شكراً"
رددتُ باقتضاب وهي ناولتني الكوب
نحن لسنا وحدنا؛ فهذا التجمع يقام في منزلها، والضجيج يملأ الصالة بالخارج بينما المطبخ هادئ نسبياً. أسندت منة ظهرها للمنضدة وسألتني بفضول
"عرفتي إنشاد منين؟"
"كنا مع بعض في المدرسة"
أجبتُ باختصار؛ فلن أبوح لأي غريبة بأمر ديموس، فهي الجزء الوحيد الذي أملكه لنفسي
"يعني تعرفيها من زمان..واو!، إنشاد أصلاً مابتطقش تشوف حد من أيام المراهقة، أكيد إنتِ مميزة عندها"
مميزة جداً.. لدرجة أنها كادت تقتلني أكثر من عشر مرات وقتها ارتشفتُ من كوبي وقلت
"يمكن!"
"طيب.. فيه حد مميز في حياتك؟"
لم أفهم قصدها في البداية
"حد مميز! يعني إيه؟"
"قصدي.. بتحبي حد؟"
لم أتخيل أن تجرؤ امرأة على سؤالي هذا السؤال يوماً
أجبتُ بصدقٍ مر
"لأ.. أنا لوحدي"
فجأة، اقتربت مني منة وعانقتني من الخلف، كان الأمر مفاجئاً لدرجة أنني أفلتُّ الكوب فانكسر على الأرض مسبباً ضجيجاً حاداً لم تبتعد، بل شددت قبضتها وهمست قرب أذني وشعرتُ بشفتيها تلامسان رقبتي
"محدش قالك قبل كدة إنك جميلة أوي؟"
في الواقع، لم يخبرني أحد بذلك يوماً؛ أنا فقط من أردد هذا الهراء أمام المرآة ولم أعد أصدقه
"لأ"
"غريبة.. ده إهمال منهم، لأنك فعلاً جميلة جداً، إزاي قدروا يكونوا مهملين كدة؟"
شعرتُ بيدها تتسلل تحت التيشيرت الذي أرتديه.. لمساتها كانت مربكة جداً، فلم يسبق لأي أحد أن لمسني بلطف من قبل، دون صفعات أو لكمات
"فيه مشكلة هنا؟"
دوى صوت إنشاد في المكان
نظرتُ نحوها فإذ بها تقف عند مدخل المطبخ وعيناها تشتعلان، وبسرعة سحبتني من بين ذراعي منة بقوة
"بيسألوا عنك بره يا منة"
قالتها بنبرة لا تقبل الجدل، فانسحبت منة بهدو
تسمرتُ مكاني؛ لماذا سحبتني المطاردة هكذا؟ وما الذي كان يحدث أصلاً؟
"كنتي بتعملي إيه معاها؟"
سألتني بحدة
"وإنتِ مالك إنتِ؟"
رددتُ عليها بعناد؛ فلن أخبرها أنني كنتُ على وشك الانقياد لتلك اللمسات، ثم ما شأنها هي؟
رفعَت يدها في الهواء، فغمضتُ عيني مستعدة لتلقي صفعة سأردها لها لاحقاً، لكنها لم تفعل
أنزلت يدها بضيق وأحضرت مكنسة وبدأت تنظف الزجاج المكسور.. على الأقل تقوم بشيء مفيد. تركتُها وخرجتُ وجلستُ على الأريكة وسط الجميع
كانوا يتحدثون بتناغم، وشعرتُ بالغيرة منهم؛ فقد حظوا بالوقت لتكوين صداقات حقيقية، بينما لم أحصد أنا من مراهقتي سوى معرفة تلك المطاردة للعينة
خرجت إنشاد وجلست بجواري، فأمسكتُ طبق الفشار وبدأتُ آكل، وكلما صادفتُ واحدة غير ناضجة، كنتُ أبصقها على صدرها ببرود.. كان الأمر ممتعاً لأنها لن تجرؤ على ضربي أمامهم
سحبت الطبق من يدي وناولته لشخص آخر بضجر، وكزتها بيدي وهمستُ
"قومي بدلي مكانك مع منة"
"لو مش عاجبك مكانك، ممكن تقعدي على زبي.. مش فارق معايا."
ورفعت إصبعها الأوسط في وجهي بوقاحة
هذا متوقع منها، كدتُ أشتمها لولا أن قطع سالم الصمت
"معانا إزازة فاضية.. تيجوا نلعب؟"
بدأت اللعبة؛ وحين توقفت الفوهة عند إنشاد، كان الحكم من "نيرو"
"هتجيبي لنا المخدرات الجمعة الجاية زي زمان"
ردت إنشاد بلا مبالاة
"ماشي"
استمر اللعب حتى توقفت الفوهة أمامي، وكان الحكم لمالك
"إنتي بنت؟"
"إنتي بنت بجد؟"
قال أحدهم بصوتٍ خافت، وهو يرمقني بنظرة تفحص
"أيوة، أنا بنت"
رددتُ ببرود، رغم أنني اعتدتُ على هذا التشكيك
"بس شكلها رجولي أوي يا جماعة.. مش مصدق"
قال آخر وهو يضحك
"صحيح.. إنتِ بجد بنت؟"
سألني مالك مجدداً بدهشة
أومأتُ بالإيجاب، ضحكوا جميعاً ثم قال مالك: "شكلك ماسك أوي صعب بجد"
"اوريكم كسي ولا إيه؟"
كنت أرى في حديثهم مبالغة سخيفة
تدخلت إنشاد بسرعة وسحبت الزجاجة من يده وقالت بحدة
"خلاص"
شعرتُ بيد إنشاد تلامس يدي المستندة على الأرض.. لم تكن صفعة ولا لكمة، كانت لمسة عادية، هادئة، لأول مرة في تاريخنا،
قضينا بقية اليوم وهم يحاولون جعل الزجاجة تتوقف عندي مجدداً، وفي النهاية غادرت مع إنشاد، كانت غاضبة بشكل مفرط، وبمجرد صعودنا السيارة قالت
"ما تخليهمش يتكلموا معاكي كدة تاني"
"إيه! بتقولي إيه؟"
"مش مهم"
قالتها وشغلت السيارة بتهور مرعب، فانقذف جسدي ليصطدم بالنافذة بقوة. لم تكتفي بذلك، بل غيرت الاتجاه بعنف أدى لاندفاع جسدي ليرتطم بها هذه المرة
"هو إنتِ مابتعرفيش تسوقي من غير ما تحاولي تقتليني؟" صرختُ بها وأنا أحاول الابتعاد عنها
تجاهلت صراخي، وفجأة مالت بجسدها نحوي وهي تقود، ومدت يدها لتسحب حزام الأمان الخاص بمقعدي. ارتبكتُ بشدة، واللعنة ماذا تفعل هذه المجنونة وهي تقود بهذه السرعة؟
"أنا هربطه.. ركزي في طريقك!"
صرخت فيها وأخذتُ الحزام من يدها بقوة ثم وضعته في مكانه، ها أنا أضع حزام الأمان، وكأن قطعة القماش هذه هي ما سيمنعني من الموت إن قررت هذه المختلة القيام بحادث في نوبة غضبها هذه
.
20 . أقتليني
جلستُ أراقب المكان من نافذة المنزل بضجر؛ ديموس منشغلة تماماً مع سيليا، فهي قلقة عليها لأنها جاءت متأخرة، يا له من عيد ميلاد صاخب حقاً..
"مرحباً!"
نظرتُ لمصدر الصوت؛ كانت شاباً أسمر الملامح، أعتقد أن اسمه "باسم". انتظرتُه أن يتحدث حتى قال
"إنتِ صاحبة سيليا.. مش كدة؟"
رائع! شخص آخر سيحادثني عنها غير ديموس، هذا اليوم يزداد غرابة
"أيوة"
أجبتُ باقتضاب
مد يده في جيبه وأخرج مظروفاً ومده لي
"ممكن توصليلها دي؟"
أنا لستُ ساعي البريد الخاص بها، ولستُ جسراً للوصول إليها! أخذتُ منه المظروف، شكرني وانصرف، نظرتُ للمظروف قليلاً ثم استقمتُ ذاهبة للمطبخ حيث كانت ديموس وسيليا تتحدثان،
كانت سيليا تقف ممسكة بكوب ساخن، وديموس تحمل طبقاً به قطعة كعك وتطعمها بيدها.. كانتا تتحدثان بانسجام، وهذا المنظر مزعج؛ لماذا تنال هذه "المسترجلة" كل هذا الاهتمام؟
"إنشاد!"
قالت ديموس حين لاحظتني، ثم أضافت
"تعالي اقعدي معانا، كنا بنرتب لحفلة صغيرة في رأس السنة"
دسستُ المظروف في جيبي وقلت
"فكرة حلوة.. مين هيحضر؟"
"إحنا التلاتة بس"
ردت سيليا
تمنيتُ في سري أن يمنعها والدها من الخروج وقتها لكي لا تأتي
"تاكلي كيك؟"
سألتني ديموس
"لأ، أنا كويسة.. هخرج دقيقة وراجعة"
تركتهما وخرجت، كانت الجدة تشعل النار في بعض الأخشاب لشواء الذرة، ذهبتُ إليها وأخبرتها كذباً أنني أبحث عن علبة إسعافات لأن أحدهم جُرح، لكي أخلي المكان
أخرجتُ المظروف، وقبل أن ألقيه في النار فتحته؛ كان اعتراف حب كما توقعت، ربما علي دعم هذه العلاقة، عندها ستبتعد سيليا عن ديموس وتترك لنا مساحة
أعدتُ إغلاقه ودخلت المنزل، كانت ديموس والجدة تبحثان عن العلبة بالداخل
كانت سيليا تقف وحدها في المطبخ. اقتربتُ منها ومددتُ المظروف، فقالت بسخرية
"أوعي تقولي إنك كاتبالي جواب!"
"باسم قالي أوصلك دي"
رددتُ ببرود، لا أريد شجاراً، أريدها أن تأخذها فقط
أخذت الرسالة، وبحركة مفاجئة أشعلت الموقد وأحرقتها أمام عيني، ثم التفتت إلي
"فيه حاجة تانية؟"
ألا تتسول هذه الفتاة الحب من الناس؟ لماذا ترفضه الآن؟ ألا تريد من يخرجها من بؤسها؟
سمعتُ صوت الجدة تقترب، وبلمح البصر أمسكتُ سكيناً ومررتها على أصابعي.. بدأتُ أنزف، التفتُّ لأجد الجدة وديموس تقتربان وفي يد ديموس العلبة
"إيه اللي عورك كدة يا إنشاد؟"
سألت ديموس بقلق
"السكينة اتزحلقت من إيدي"
أجبتها، وبدأت الجدة تنظف الجرح بالمطهر
كان لابد أن أُجرح لكي لا أبدو كاذبة، واخترتُ نفسي لضيق الوقت
"ممكن أساعد أنا"
قالت سيليا واقتربت، ثم أخذت الضمادات وبدأت تلفها على أصابعي بمهارة، ألم أكسر يدها هذا الصباح؟ كيف تحركها هكذا؟ أنا لا أريد مساعدتها اللعينة! سأركلها لاحقاً
انصرفت الجدة وديموس للداخل، وحين انتهت سيليا من تضميدي، وكزتها في معدتها بقوة
"إزاي بتحركي إيدك بسهولة كدة؟"
"مش أول مرة حد يكسر لي حاجة في جسمي.. عادي"
قالتها بلا مبالاة
أجل، لقد نسيت؛ إنها الفتاة التي تتلقى كل أنواع التنكيل من عائلتها
حين حان وقت إطفاء الشموع، خرجنا جميعاً وبدأ الغناء، ثم أطفأت ديموس الشموع وصفق الجميع، بعدها بدأت موسيقى الرقص الثنائي
"ليه مش بترقصوا مع بعض؟"
سألت كاميليا وهي تشير إلي وإلى سيليا
"وليه هنعمل كدة؟"
سألتها بحدة
"عشان شكله هيكون لطيف أوي.."
أمسكت كاميليا بمعصمي ومعصم سيليا وسحبتنا للمنتصف
سأضع هذه الفتاة في قائمتي السوداء قريباً
"يلا، ارقصوا مع بعض"
نظرتُ لسيليا أنتظر أن تنهي هذا السخف، لكنها قالت بتحدي
"لازم تطلب مني الرقص الأول"
سأقتلكِ يا سيليا، سأدعس وجهكِ بسيارتي!
لم أمتلك خياراً آخر لإنهاء هذا الهرج
"تحبي ترقصي؟"
سألتها، فتظاهرت بالتفكير ثم قالت
"موافقة"
قبضتُ على معصمها المصاب بقوة متعمدة وسحبتها لتقترب، وضعتُ يدي على خصرها، وهي لفت يدها حول رقبتي وبدأنا الرقص. تمنيتُ لو ينفجر المذياع في تلك اللحظة
"إنتِ أكيد واقعة في غرامي"
همست سيليا قرب أذني
"ما تخليش موتك أسوأ"
رددتُ بوعيد
"مش هتقدري تقتليني.. أنا مش بموت بسهولة"
قالت وهي تبتسم ببرود
"وأنا شاطرة في القتل"
ضحكت بمرارة ومالت بجسدها للخلف ثم اعتدلت وقالت بابتسامة واسعة
"أقتليني"
سألتها بفضول خفي
"ليه مقرتيش رسالة باسم؟"
"وإنتِ قريتيها ليه؟"
كانت تعلم إذاً، لكن هذا ليس سبباً للحرق
"ليه مقبلتيش حبه؟ مش يمكن ده اللي ينقذك؟"
"لأني مش قابلة للاختيار.. مابقبلش حد يختارني، أنا بس اللي بحدد أحب مين وأعوز مين"
يا للهراء! أليس من الأفضل لمتسولة حب مثلها أن تجد من يحبها؟
"مش أحسن تكوني مع حد بيحبك بدل ما تكوني مع حد إنتِ اللي بتحبيه؟"
"كلام فارغ.. أنا مش هحب حد لمجرد إنه بيحبني، مش هكون غير مع اللي قلبي يختاره"
حتى هذه "السيليا" تمتلك مبادئ كبريائية مكسورة.. وكأن العالم سيترك لها خياراً أصلاً
21 . حلوة وبسكر
"إنشاد.."
أيقظتني ريم من شرودي وهي تسألني بفضول
"بتفكري في إيه؟"
كنتُ أفكر في الوقت الذي سرقنا ونحن في الخارج؛ اليوم كان عيد ميلاد سيليا، والرفاق كانوا متحمسين للاحتفال بها، لذا أحضرتُها إليهم من محبسها كاستثناء
لكن، أين هي الآن؟ لاحظتُ للتو أنها اختفت من المكان
"فين سيليا؟" سألت
فرد مالك
"في الحمام"
استقمتُ واقفة وتحركتُ وسط الزحام الراقص في النادي الليلي، أشعر بضيقٍ لم أفهمه، فتحتُ باب الحمام فجأة، ورأيتُ منة وهي تقبّل سيليا بشغف، هذه المرة لم أتخيل، ولم أفهم الأمر بشكل خاطئ
"الوقت اتأخر"
تحدثتُ بصوتٍ جامد، فابتعدت منة عنها ونظرت إلي بسخرية
"هي سندريلا ولازم ترجع في ميعاد محدد؟"
كانت سيليا تبدو ثملة تماماً، عيناها غائبتان ولا تدرك ما يدور حولها، لقد قبلتها منة وهي في حالة انعدام وعي! كان منظراً مقززاً في نظري، سحبتُ سيليا من معصمها بقوة وقلت لمنة
"أيوة"
ثم خرجتُ أسحبها خلفي نحو السيارة، لربما كان عليها البقاء في السجن وعدم الخروج أبداً
"إنتِ عنيفة أوي.."
أفقتُ على صوت سيليا وهي تتحسس كتفها بعد أن دفعتها داخل السيارة بقوة
"ليه سيبتي منة تبوسك؟"
كنتُ أحاول كتم غضبي المتفجر
"قالت إني جميلة"
"وهل بتبوسي أي حد يقولك إنك جميلة؟"
صرختُ بها
"أيوة، وليه لأ؟"
قالت ببساطة وهي تضغط على رأسها
"الصداع هيموتني"
"ولو قلتلك إنك جميلة جداً؟"
سألتُ بسخرية لاذعة
فجأة، أبعدت يدها عن رأسها ومالت بجسدها نحوي، سحبتني من ياقة كنزتي وقبّلت شفتي بقوة
كانت ثوانٍ قليلة قبل أن تفلتني ويسقط رأسها على قدمي غائبة عن الوعي
لقد قبلتني! سيليا.. سيليا التي أكرهها منذ الثانوية قبلتني للتو، مسحتُ شفتي بكمي مراراً، وقلبي يكاد ينفجر من صدره، هذا خطأ، بالتأكيد هذا خطأ
شغلتُ السيارة، وتوقفتُ عند مقهى لأشتري قهوة سوداء، أيقظتها لتشربها، فتمتمت بكلمات غير مفهومة وشربتها دفعة واحدة ثم عادت للنوم. لن أعيدها للسجن بهذه الحالة؛ فسمعتها كشرسة، هناك ستمحى إن رأوها هكذا، وسيستغل الجميع ضعفها للانتقام
أخذتها لمنزلي.. أردتُ العبث بأعصابها قليلاً، وضعتُها على سريري ونزعتُ عنها ملابسها تماماً وغطيتها. خرجتُ لأكمل عملي المؤجل، ومع شروق الشمس دخلتُ الغرفة، كانت ما تزال نائمة كجثة
فتحتُ الستائر وأخذتُ أنقر كتفها، ثم صفعتُ كتفها ففتحت عينيها وهي تسب
"عايزة إيه؟" سألت بضجر ثم انتبهت لنفسها
"أنا ليه عريانة؟"
تظاهرتُ باللامبالاة وأنا أخرج ملابس عملي من الخزانة
"إنتِ مش فاكرة؟"
"فاكرة إيه؟"
"إنك كنتي عايزة تنامي معايا"
"يعني إيه أنام معاكي؟"
"يعني كنتي عايزاني"
"طبعاً لأ، يمكن افتكرتك منة!"
تجمدتُ مكاني. هل كانت تقصد أنها لا تمانع ذلك مع منة؟
"وليه منة بالذات؟"
سألتُ بضغطٍ على حروفي
"عشان ست حلوة ومسكرة"
قالت وهي تبحث عن ملابسها
"فين هدومي؟"
قبضتُ على معصمها بقوة
"إنتِ عايزة ده معاها فعلاً؟"
"مالك؟ كنت بهزر"
قالت وهي تحاول فك قبضتي
أفلتُّها في النهاية وألقيتُ عليها ملابسي
"هدومك مش نظيفة، البسي دول"
لماذا تذكر اسم منة دائماً؟ ما المميز في تلك المرأة؟ مجرد محامية رياضية تلعب السلة! حسناً، هي وسيمة ومتحدثة لبقة، لكن هذا لا يبرر شيئاً
خرجتُ للمطبخ أعد القهوة، فظهرت سيليا عند الباب بملابسي التي كانت تناسبها بشكلٍ جذاب
"هاي.. مفيش أكل جاهز في التلاجة دي؟"
"لو جعانة اطبخي"
رددتُ ببرود
"مستحيل.. هاتي فلوس أطلب أكل"
"مش مراتي أنا عشان أصرف عليكي!"
"خلاص، هكلم منة"
قبل أن تتحرك، سحبتُ معصمها بعنف.. تباً لمنة، لماذا تذكر اسمها في كل جملة؟
"ما تنطقيش اسمها تاني"
حاولت صفعي، فأمسكت يدها ودفعته على الأريكة وجلستُ فوقها أثبتها
"خلاص، إنتِ اللي كسبتي.. ابعدي عني"
صرخت تحت جسدي
"ما تجيبيش سيرة منة أبداً"
حذرتها وأنا أنظر في عينيها
ابتعدتُ عنها أخيراً، ونظرتُ للساعة؛ سأتأخر على عملي
"والفلوس؟ عشان أطلب أكل؟"
نادت خلفي
أخرجتُ محفظتي ورميتُ عليها أوراقاً نقدية دون عدها، ثم خرجتُ وأنا أشعر بنارٍ لا يطفئها سوى رحيلي
.
22 . الموت في خدمتكِ
لماذا لا يفكر أي أحد في معاملتي بلطف؟ يعتقدون بأنني أستمتع عندما يضربني أحدهم؛ كوني لا أتأثر بالضرب لا يعني أنني أستمتع به! لم أمتلك خياراً إلا التعايش مع ضربات عائلتي.. لم يكن الأمر ممتعاً أبداً
أتحدث عن هذا لأننا كنا نلعب "الكوتشينة"، والخاسر عليه تنفيذ حكم من كل لاعب، جعلوني آكل وأشرب حتى استفرغت، وصوروا مقاطع سخيفة، ثم سألني أحدهم بفضول وقح
"هو إنتِ مازوخية؟"
اعتقدتُ أنه يمزح، لكنه أعاد السؤال
"يعني.. بتحبي الناس تعذبك؟ وبتحبي العنف في العلاقة؟"
"لأ"
رددتُ باقتضاب
"مستحيل! شكلك بيقول إنك شخص بيحب يتضرب"
"لأ.. أنا بس حد مكنش قدامه خيار غير إنه يتضرب وهو ساكت، لأن المقاومة مكنتش بتجيب نتيجة"
"اتأخرت عليكم؟"
كانت إنشاد التي وصلت للتو بعد إنهاء بعض أعمالها
أحياناً لا أستوعب أننا صديقتان.. أو شيء من هذا القبيل، تهربني من السجن، تجعلني أشعر بأنني إنسانة مرة أخرى
جلست بجواري وبدأوا يسألونها عن عملها؛ من كان يتخيل أن تلك المطاردة المدمنة ستصبح محامية؟
فجأة، شعرت برغبة عارمة في الانتقام؛ موتها ترك فراغاً لا يملؤه شيء، وما زلتُ أريد ركل وجه شقيقها أزوس استقمتُ واقفة وأمسكتُ معصم إنشاد وسحبتها خلفي لنخرج من المقهى
"فيه إيه؟"
سألتني بمجرد خروجنا
"عايزة أضايق أخو ديموس.. دلوقتي"
"ماشي.. يلا"
تحركت للسيارة، صعدنا وطلبتُ منها التوقف أمام مركز تجاري
اشتريتُ مضرب بيسبول وجعلتها تدفع ثمنه
وصلنا لمنزل ديموس؛ الذكريات هناك تنهش قلبي، رأيت سيارة مركونة أمام المنزل، لا يهمني لمن هي، سأحطمها، قبضتُ على المضرب وهشمتُ الزجاج الأمامي بقوة وكررت الضربة حتى تناثر الحطام
خرج والدا ديموس وشقيقها أزوس بذعر
"يا اهلا لسه فاكرني؟"
سألت أزوس الذي كان يرتجف؛ فهو يعلم أنني قتلتُ رجلاً من قبل
"البقية في حياتكم يا عيلة يا جميلة.. جيت أعزيكم في ديموس"
ابتسمتُ بسخرية ورفعت المضرب، لكن إنشاد أمسكت به
"سوري..احنا بس جايين نضرب أزورس بس"
قالت إنشاد ببرود
هدد الأب بالشرطة، فصرختُ فيه
"ما تنطقش يا شايب يا عايب وإلا هطير راسك"
أزوس، بذكاء الفئران، دفع والديه للداخل وأغلق الباب ليبقى معنا وحده
"عايزين إيه؟"
"نكسر وشك.. مسمعتش؟"
"بعد كل السنين دي؟"
"وقتها مكنتش بفكر في الانتقام، بس دلوقتي غيرت رأيي"
هويتُ بالمضرب على رأسه فسقط أرضاً
حديثه اللامبالي عنها يثير جنوني؛ يعيش حياته كأنه بريء وهي مجرد بلهاء انتحرت، بمجرد سقوطه، ركلت إنشاد وجهه بقوة فانفجر أنفه دماً
"إياك تجيب سيرتها تاني"
قالت إنشاد وهي تركل معدته
رؤية دمائه شفت غليلي. جلستُ القرفصاء وأمسكت شعره وسحبته
"إزاي بتعيش حياتك بالبساطة دي؟ هسيبك عايشة بس عشان تعيش حياة بائسة أكتر من بؤس ديموس، لحد ما تقتل نفسك في الآخر زي ما هي عملت"
ركلته ركلة أخيرة وعدنا للمقهى
لم نجد سوى مقعد واحد، فسبقتني إنشاد وجلست عليه
"دي شلتي قبل ما تكون شلتك.. المكان من حقي"
"وأنا هقعد فين؟"
"ممكن تقعدي على حجري"
قالت بسخرية وربتت على قدميها
هل تعتقد أن هذا سيزعجني؟ جلستُ فوق قدميها فتفاجأ الجميع
"لما نشوف هتفضلي قاعدة كدة لحد إمتى"
قلتُ لها، فأحاطت خصرني بذراعيها بقوة
"أنا محامية، مفيش أصعب من القضايا اللي شوفتها"
"هتفضلوا تتخانقوا طول اليوم؟"
تذمر مالك
تدخلت منة
"عندي هدية لسيليا"
"إيه هي؟"
أخرجت منة قرط لسان وقالت
"شوفت صور قديمة ليكي كان فيها حلق لسان، مش عارفة ليه بطلتي تلبسيه.. فجبتلك واحد جديد"
فتحتُ فمي وأخرجتُ لساني، وضعت لي القرط بمهارة، وبمجرد أن انتهت، قبضت إنشاد على خصري فجأة بقوة مريضة جعلتني أختنق وأسعل. صفعتُ يديها لتبتعد
"يا مريضة!"
ابتعدتُ عنها وجلستُ في مقعد منة الفارغ، كانت نظرات إنشاد تخترقني كالسهام؛ ما بال هذه الغبية؟ هل تكره أن أكون مقربة من أصدقائها؟ أم أن رؤية شخص آخر يلمس لساني أثارت جنونها؟
رفعتُ أصبعي الأوسط لها ببرود، فأنزلت مريم يدي
"كفاية الهبل ده.. إنتوا أطفال؟"
هي من بدأت.. وهي دائماً من تبدأ
.
23 . رقعةٌ وقطع
"يعني!"
كنتُ أتحدث مع الطبيبة النفسية الخاصة بـ سيليا، أحاول فهم تلك الفتاة التي لا تنفك تثير جنوني
"يعني.. لازم تعمل كل حاجة أبوها منعها منها، لازم تكسر كل القواعد اللي حطاها في دماغها"
جملة الطبيبة جعلتني أفكر؛ كيف لشخص مثل سيليا، التي تبدو متمردة وشرسة للجميع، أن تكون في الحقيقة خاضعة لقوانين والدها الميت حتى النخاع؟
اشتريتُ رقعة شطرنج في طريقي للعودة، تركتها على المنضدة وجلستُ أراقبها ببرود؛ أنا لا أجيد هذه اللعبة، ولا أحبها. لماذا قد يختار طفل لعبة كهذه؟ بالتأكيد لم يكن اختيارها، بل كان اختيار والدها الذي أراد منها أن تكون جندياً مطيعاً على رقعته
ماذا كانت لعبتي المفضلة؟ هل كنتُ أملك شيئاً كهذا أصلاً؟ وقتاً للعب! لا أتذكر سوى التسول في الشوارع، لم أحسد الأطفال على ألعابهم، بل على منازلهم وطعامهم. كنتُ طفلة لا تفكر في الرفاهية، أردتُ فقط سقفاً يشبه السقف الذي هدمه والداي حين تخلوا عني. لماذا أحتاج لعائلة أخرى؟ لتتخلى عني مجدداً؟
غداً هو الثلاثاء، الذي تسميه سيليا "يوم الشطرنج".. إنه اليوم المناسب لإفساد تلك العادة اللعينة
في اليوم التالي، أخذتُ الرقعة وذهبتُ للسجن، دخلت سيليا غرفة الزيارات، وقلبت عينيها بملل فور رؤيتي. جلست على الكرسي بيدين مكبلتين ونظرت للرقعة بجمود
"هتلعبي معايا؟"
سألت وهي تحدق في القطع
"أيوة.. مش النهاردة يوم الشطرنج؟"
مدت يدها لتحرك قطعة، وأنا لا أفهم شيئاً في هذه اللعبة اللعينة، حركتُ قطعة عشوائية، فقالت بحدة
"إنتِ بتعملي إيه؟ الحصان مابيمشيش كدة"
"دي مجرد لعبة"
رددتُ بضجر.
"التزمي بالقواعد!"
صرخت، وبدا الغضب الحقيقي يرتسم على وجهها.. الأمر يزداد متعة
"طيب.. بتتلعب إزاي؟"
"إنتِ أصلاً مابتفهميش فيها حاجة!"
"وإيه المشكلة؟"
سألتُ ببراءة مصطنعة ثم حركتُ قطعة أخرى بعشوائية مستفزة
"بطلي.. إنتِ بتبوظي اللعبة!"
اللعنة، هذه الفتاة مهووسة! قبضتُ على ذقنها بقوة وأمسكت بقطعة من الرقعة
"اسمعيني كويس.. أنا اشتريت الرقعة الغبية دي بفلوسي، وأقدر أحط القطع في أي مكان يعجبني"
أنهيتُ جملتي وحشرتُ القطعة في فمها ثم أفلتُّ ذقنها
بصقتها فوراً وصرخت
"مش هلعب مع واحدة متخلفة زيك!"
"دي مجرد لعبة.. حركي القطع وخلاص"
"دي لعبة ليها قواعد!"
رفعت صوتها بجنون
"ما تصرخيش"
استقامت واقفة فجأة، وبحركة عنيفة ركلت الرقعة لتتطاير القطع في كل ركن من الغرفة، رائع! هذا أسرع مما توقعت
"كسمك انتي والشطرنج!"
صرخت ثم داسَت بقدمها على الرقعة الخشبية بغل
"هو من قواعد اللعبة إنك تكسريها كدة؟"
سألتُها ساخرة
قبضت بيدها المكبلة على ياقة قميصي وسحبتني بعنف لتضرب جبهتها بجبهتي بقوة أفقدتني توازني، سقطتُ على الأرض وأخذتُ أضحك بهستيرية وأنا أرى وجهها الغاضب.. كل هذا من أجل لعبة؟ ركلت معدتي بكل قوتها من فرط غيظها، وكان ذلك مؤلماً بحق، فتلك الفتاة تمتلك شراسة وحش
اعتدلتُ واقفه وقبضتُ على يديها المقيدتين ودفعتهما بقوة نحو الطاولة، وصدمتُ وجهها بسطحها الخشبي
"شكلي كسبت اللعبة"
دفعتني بقوة ولكمتني بكلتا يديها المجموعتين، لقد خرجت عن السيطرة تماماً، هل تتصرف الآن كما كان يفعل والدها حين يخسر؟ الطبيبة قالت لي إن والد سيليا كان يقضي يومه في ضربها كلما خسر مباراة شطرنج
ركلتُ قدمها لتفقد توازنها وتسقط أرضاً، ثم جلستُ فوقها أثبتها
"اللعبة خلصت"
"كسمك!"
صرخت تحت جسدي
"إنتِ بجد بتحبي الشطرنج يا سيليا؟"
ساد صمت مفاجئ، خمد ثورانها قليلاً
"أيوة.. أنا شاطرة فيه"
"وكنتي هتختاري تلعبيها لو أبوكي مكنش موجود؟"
صمتت لوقتٍ أطول، بدت تائهة
"مش عارفة.. يمكن"
نهضتُ ومددتُ يدي لأساعدها على الوقوف، لكنها كعادتها صفعت يدي ووقفت وحدها وهي تلهث
"يعني.. لسه بتحبي الشطرنج؟"
سألتها للمرة الأخيرة
"كسمك انتي والشطرنج!"
ردت وهي تركل بقايا القطع المتناثرة أمامها
خرجتُ من الغرفة وأنا أشعر بالرضا؛ اليوم، كُسر أحد أصنام والدها بداخلها، ولم يعد الثلاثاء يوماً مقدساً بعد الآن
.
24 . يُحكى أن
توقفتُ أمام أحد المحلات ذات الزجاج العاكس، ورأيتُ انعكاس صورتي. لقد حلقتُ شعري تماماً قبل أيام؛ فالشعر الطويل كان يشعرني بالاختناق، والآن بملامحي الحادة ورأسي المحلوق وشحوبي، أبدو تماماً كشابٍ في مقتبل العمر. هذا المظهر هو أنا، هو الدرع الذي أواجه به العالم
كنتُ أرتدي قميصاً واسعاً وسروالاً قماشياً أسود، وأرتب هندامي وأنا أنظر لصورتي ببرود؛ هذا الشكل يجعلني أشعر بالقوة، ويجعل الغرباء يفكرون ألف مرة قبل الاقتراب مني
إنه منتصف الليل تقريباً، وأنا أتجول في شوارع القاهرة التي لا تنام برفقة ضابطة الشرطة إنشاد. لطالما أحببتُ القاهرة ليلاً، وأحببتُ رؤية صور الأصدقاء وهم يتسكعون فيها، لكنني لم أمتلك يوماً أحداً لأخرج معه.. حتى التقيتُ ديموس
ولأن ديموس كانت عائلتها صارمة جداً تمنع خروجها ليلاً، كان الأمر شبه مستحيل، لكن في إحدى المرات، تسللنا أنا وإنشاد تحت نافذتها وحادثناها في الهاتف لتجرؤ على القفز، كانت ترتجف قلقاً وهي تتلفت حولها لتتأكد أن الجيران لا يراقبونها، ثم قفزت لنتلقفها أنا وإنشاد بين أيدينا. كتمنا ضحكاتنا بجنون ثم ركضنا مبتعدات عن الحي كله
لن أنسى ملابسها ذاك اليوم؛ كانت ترتدي سروالاً قطنياً رمادياً وكنزة بيضاء واسعة مكتوب عليها "Oh Honey" إنشاد هي من دفعت ثمن كل شيء في تلك الليلة، ولم أهتم مطلقاً؛ كنتُ أشعر أنها تستحق أن تدفع، لا أعلم من أين أتت بالمال وقتها لكنها أنفقت الكثير
دخلنا مركزاً تجارياً، وأخذنا نجرب ملابس غريبة ومختلفة، وضعنا ديموس في عربة التسوق ودفعناها بسرعة جنونية في الممرات وسط ضحكاتنا المدوية. لعبنا في قسم الألعاب الذي لم يكن رخيصاً أبداً! لعبنا حتى خارت قوانا تماماً، التقطت إنشاد الكثير من الصور في ذلك اليوم.. وأريد حقاً سؤالها عنها. حتى أنني حين عدتُ للمنزل وقتها، رسمتُ لوحة لثلاثتنا ونحن نستلقي على الأرض بجوار بعضنا نضحك بتعب
أعدنا ديموس لمنزلها عند الرابعة صباحاً، كانت إنشاد بارعة بشكل مقلق في فتح باب منزل ديموس باستخدام مشبك شعر.. هل كانت هذه الفتاة لصة في حياتها السابقة؟ لوحت لنا ديموس بابتسامة رقيقة ثم تسللت للداخل. وبمجرد دخولها، افترقنا أنا وإنشاد؛ فكل واحدة منا ذهبت في اتجاه، لأن الشيء الوحيد الذي كان يجمعنا هو أن كلينا صديقتان لديموس
التفت لإنشاد التي كانت تسير بجانبي الآن في شوارع القاهرة
"هي صور المول اللي روحهناه نص الليل مع ديموس لسه معاكي؟"
ظلت صامتة لفترة، تلاحق أنفاسها هواء الليل، ثم قالت بصوت خافت
"تقريباً"
"يعني إيه تقريباً؟ ممكن أشوفها؟"
فجأة، سحبتني من معصمي بقوة
"تعالي"
"على فين؟"
"هاخدك تشوفيها"
تبعتُها للسيارة، وصلنا لمنزل ودخلناه؛ كان خالياً وهادئاً، أعتقد أنه منزلها الخاص، تبعتُها لغرفة النوم، أخرجت حاسوباً قديماً وأوصلته بالشاحن ثم فتحه، جلستُ بجوارها على السرير أنتظر بشوق مشوب بالخوف
بعد أن فتح الحاسوب، أخذت إنشاد تتنقل بين عدة ملفات، حتى ظهرت أخيراً أول صورة.. كانت ديموس تجلس في سلة التسوق وتضحك من قلبها، ليتني قضيتُ وقتاً أطول معها، بدأت الصور تمر واحدة تلو الأخرى؛ رأيتُ صورة لي وأنا أجدل لها شعرها لأنه كان يضايقها أثناء اللعب
في كل مرة أتذكرها، أدرك أنني لن أتجاوز موتها أبداً، لن أتجاوز مشهد جثتها المشوهة التي لم تستطع حتى عائلتها التعرف عليها.. لماذا قتلت نفسها بهذه الطريقة البشعة؟
مسحتُ دموعي التي انهمرت فجأة بكُم قميصي، أعتقد أن علي التوقف عن النظر، أرحتُ ظهري على السرير وغطيتُ وجهي بيدي لأخفي انكساري. كانت ديموس تروي دائماً أن هناك عوالم أخرى، وأننا حين نموت نولد في عالم جديد.. أتمنى من كل قلبي أن تكون قد ولدت في عالم سعيد، يحيطها فيه الكثير من الأصدقاء الذين يحبونها بصدق.. عالم لا تضطر فيه للقفز من النوافذ لتبحث عن لحظة فرح
.
25 . كوابيس تحت الجلد
"دلوقتي بما إن سيليا راحت تجيب الطلبات، أقدر أقولك الحكم"
قال نيرو محادثاً منة، تساءلتُ في سري لماذا انتظر رحيل سيليا ليقول حكمه؟
"إيه الحكم اللي استنيت لما تمشي عشان تقوله؟"
سألتُه بوجل، فقال وهو ينظر لمنة بخبث
"خلي سيليا تقعد على حجرك وميك اوت معاها"
هل سمعتُ بشكل خاطئ؟ هذه أول مرة أسمعهم ينطقون بأحكام كهذه، أحكام تفوح برائحة التحرش
"من إمتى وإنتوا بتقولوا أحكام زي دي؟ ده تحرش بصحابكم!"
رد نيرو ببرود
"مين قال إنه تحرش؟ سيليا معجبة بمنة وده واضح، فدي فرصة نقربهم من بعض"
معجبة بمنة! وواضح! هل هي حقاً معجبة بها لتلك الدرجة التي تجعل الجميع يلاحظون؟
توقفوا عن الحديث حين عادت سيليا تحمل صينية الأكواب ووضعتها على الطاولة بجمودها المعتاد
"ما تيجي تقعدي على حجري؟"
سألت منة وهي تربت على قدميها. وكم كانت صدمتي حين وافقت سيليا فوراً وجلست فوق قدميها
عادوا للحديث، لكني لم أعد أسمع شيئاً؛ كنتُ أراقب يد منة وهي تتحسس فخذي سيليا بجرأة، وسيليا لا تبدي أي اعتراض، وكأنها تستسلم لها، تباً، هل تحب هذا حقاً؟
لم أحتمل المنظر، استقمتُ ودخلتُ الحمام لأغسل وجهي بالماء البارد، هرباً من الغضب الذي يأكل أحشائي، بعد دقائق، دخلت سيليا وكان بنطالها مبللاً بالقهوة، ما هذا؟ اقتربت من الصنبور ورفعت قدمها لتشغل الماء فوق البقعة، وبسبب توترها الملحوظ، ابتل البنطال بالكامل
أغلقتُ الصنبور بحدة
"بتعملي إيه؟ البنطلون كله غرق! هتمشي كدة إزاي؟"
"مش عارفة.. كنت عايزة أشيل البقعة"
ردت بصوت مهزوز
"هي القهوة وقعت عليكي إزاي أصلاً؟"
لم تجب
"خليكي هنا، هروح أشتري لك بنطلون تاني"
ذهبتُ لأقرب محل، اشتريتُ بنطالاً وعدتُ مسرعة، حين ناولتها الحقيبة، تلامست أصابعنا عن طريق الخطأ، فشعرتُ برعشة في يدها، كانت تبدو شاردة تماماً، بعد أن بدلت ملابسها، خرجت وأمسكت معصمي بقوة
"يلا نهرب من هنا"
سحبتني وركضنا خارج المقهى، تاركين خلفنا تساؤلات الجميع لا أعلم ماذا حدث هناك، هل سكبوا القهوة عليها عمداً كمزحة؟، سكب القهوة ليس مزاحاً، بل هو إهانة مغلفة بضحكة
صعدنا السيارة، لاحظتُ أن سيليا تحك فخذيها بعنف غير مبرر
"إنتِ كويسة؟"
سألتُها فقالت
"أيوة"
لكنها عادت للحك بجنون حتى بدأت تخدش جلدها، قبضتُ على يدها
"اهدي.. إنتِ اتحرقتي من القهوة؟ هجيب لك مرهم للحروق"
اشتريتُ المرهم وعدتُ لأجدها ما تزال تمزق جلد فخذيها بأظافرها، صفعتُ يدها بغضب
"بطلي! بيتي قريب، هنوصل ونشوف في ايه"
فور وصولنا، سحبتها لغرفتي
"اقلعي البنطلون وأنا هغسل إيدي وأجيلك"
عدتُ إليها فوجدتُ فخذيها مجروحين من الخدش المتكرر، بدأتُ أضع المرهم وأمرر يدي بلطف ليمتصه جلدها، هل جلدها حساس لهذه الدرجة؟ أم أن هناك شيئاً آخر؟
"بطلي تخربشي فيهم.. مش واجعك الجلد المحروق ده؟"
"هو مش محروق"
ردت ببرود جعلني أتوقف
"أومال بتهرشي فيه كدة ليه؟"
لم تجب، بل استقامت متجهة للحمام
تبعتها، فوجدتها تخرج شفرة حلاقة من الخزانة وعينيها تلمعان، هذه نظرات شخص سيؤذي نفسه، صفعتها من يدها فوراً وسحبتها للغرفة، دفعتها فوق السرير
"إيه اللي بيحصل معاكي؟"
وفجأة، انفجرت سيليا بالبكاء، لم أرها تبكي بضعف هكذا إلا مرتين قبل ذلك، وهذه هي الثالثة، وضعت يديها على وجهها لتخفي دموعها، ولم أستطع فهم السبب
جلستُ بجوارها وسألتها بهدوء
"حد ضايقك؟"
لم تتوقف عن البكاء، نهضتُ وأفرغتُ الغرفة من كل شيء حاد، حتى المرآة أخرجتها لكي لا تؤذي نفسها، اقتربتُ منها، قبلتُ يدها الموضوعة فوق وجهها برقة، ثم تركتها لتستريح وأغلقت الباب
تصرفتُ كما كانت ستفعل ديموس، لكنني لستُ ديموس؛ ديموس كانت لتضمها وتنام بجوارها، أما أنا، فغادرتُ لأنام على الأريكة، مثقلة بأسئلة لا إجابة لها
استيقظتُ في الصباح على حركة بجانبي؛ كانت سيليا قد غادرت السرير وجاءت لتنام في حضني، متعلقة بملابسي وتتعرق بغزارة. هل تعتقد في أحلامها أنني ديموس؟ مسحتُ عرق جبينها بكُمي، فدفنت وجهها في حضني أكثر
.
26 . القطعة المفقودة
خرجتُ بصحبة أصدقاء إنشاد.. هل يمكنني أن أقول أنهم أصدقائي الآن؟ ربما
كان دوري لإحضار الطلبات، لذا ذهبتُ وأحضرتُ أكواب القهوة وعدتُ بها إليهم. سألتني منة أن أجلس على قدميها؛ هي تبدو امرأة لطيفة، وأعتقد أننا صديقتان جيدتان، لذا لم أفكر كثيراً وجلستُ فوق قدميها ببساطة
بدأوا يتحدثون عن أشياء وأشخاص لا أعرفهم، وهي تلك اللحظة التي أشعر فيها دائماً بأنني في المكان الخاطئ، غريبة وسط عالم لا يخصني. فجأة، شعرتُ بيد منة تتحرك ببطء على فخذي.. تملكني الارتباك؛ هل تفعل هذا عمداً؟ هل هذا هو العادي في تجمعات الأصدقاء؟
تركتنا إنشاد وذهبت للحمام، ويد منة ما تزال تتحرك بجرأة تحت الطاولة. كان شعوراً غير مريح بالمرة، تمنيتُ لو تتوقف الآن.. أو قريباً! لم أحتمل أكثر، فنهضتُ بشكل مفاجئ لدرجة أن الطاولة اهتزت وانسكب كوب القهوة الساخن على بنطالي
"إنتِ كويسة؟"
سألت منة بهدوء
"أيوة.. هغسل البنطلون بس"
ابتسمتُ بتكلف والوجع يعتصرني من الداخل، ثم هرعتُ للحمام.
شغلتُ الصنبور فوق البقعة وأنا أتذكر ملمس يدها على فخذي.. لماذا فعلت ذلك؟ هي لم تتحدث معي، لم تسألني، لم تقل حتى مجاملة واحدة! فجأة انغلق الصنبور واستعدتُ شعوري بالواقع؛ كانت إنشاد هي من أغلقته، لم ألحظ وجودها أصلاً
"بتعملي إيه؟ البنطلون كله غرق! هتمشي كدة إزاي؟"
انتبهتُ الآن أنني بللتُ البنطال كاملاً وأنا شاردة
"مش عارفة.. كنت عايزة أشيل البقعة"
"هي القهوة وقعت عليكي إزاي أصلاً؟"
سألت إنشاد ولم أرد عليها
لن أخبرها بأن منة تحرشت بي فجأة؛ فهي تكره سماع اسمها، ولا أريد التسبب في مشاكل بينها وبين أصدقائها الرائعين.. من السخف أن أفسد علاقتهم بسببي
"خليكي هنا، هروح أشتريلك بنطلون تاني"
قالت ثم خرجت
ستشتري لي بنطالاً؟ تصبح لطيفة أحياناً بشكل يربكني، لم تغب طويلاً وعادت ومعها حقيبة تسوق. مددتُ يدي وأمسكتُ أصابعها بغير قصد بسبب قلة تركيزي، ثم أخذتُ الحقيبة ودخلتُ حجرة الحمام لأبدل ملابسي
بمجرد خروجي، قلتُ لها بلهفة
"يلا نهرب من هنا"
سحبتها وخرجنا ركضاً من المقهى، صعدنا سيارتها، وكنتُ ما أزال أشعر وكأن هناك يداً قذرة تمر على فخذي؛ أخذتُ أخدشهما بأظافري بجنون
"فيه حاجة؟ إنتِ كويسة؟"
سألت إنشاد، فتوقفتُ عن الخدش مؤقتاً
"أيوة"
لكني لم أتمالك نفسي وعدتُ لتمزيق جلدي. أمسكت معصمي وأخبرتني أنها ستشتري ملطفاً للجلد؛ هي تعتقد أنني أفعل هذا لأن القهوة أحرقتني، اشترت المرهم بالفعل، وعند وصولنا للمنزل خلعتُ البنطال وبدأتُ أخدش فخذي بعنف أكبر، وكأنني أريد نزع طبقة الجلد التي لمستها منة
صفعت إنشاد يدي ثم بدأت تضع الملطف على جلدي برقة لم أعهدها، لكن هذا الملطف لا يجعل إحساس اللمسات يختفي! كنتُ سأعود لخدشهما لكنها أمسكت معصمي وصرخت بي، ما تزال تظنه حرقاً
"هو مش محروق"
رددتُ عليها بمرارة، وانتظرت أن تفسر لي، لكني لم أمتلك الطاقة لشرح القرف الذي أشعر به
نهضتُ وتحركتُ للحمام، بدأتُ أفتش في الخزانة حتى وجدتُ شفرة حلاقة.. أردتُ أن أقطع ذلك الإحساس للأبد، صفعت يدي لتقع الشفرة على الأرض، ثم سحبتني للغرفة ودفعتني على السرير
"إيه اللي بيجرى معاكي"
لم أستطع الرد
أرحتُ ظهري على الفراش وبدأتُ أبكي بنحيبٍ مزق صدري، غطيتُ وجهي بكلتا يدي خجلاً وألماً
"حد ضايقك؟"
سألت إنشاد بهدوء غريب، ثم سمعتُ صوت أشياء تتحرك
كنتُ قد تعبتُ من البكاء، شعرتُ بشفتيها تقبلان يدي المرتجفة، ثم سمعتُ خطواتها تبتعد وصوت الباب وهو ينغلق
فتحتُ عيناي بعد وقت لا أعلمه إثر كابوسٍ مرعب، شعرتُ بالذعر ينهش قلبي. خرجتُ من الغرفة ووجدتُ إنشاد تنام على الأريكة الكبيرة التي حولتها لسرير، لم أحتج وقتاً للتفكير؛ أريد النوم فقط، وأعاني من صداعٍ حاد خلفته الدموع
استلقيتُ بجوارها ودفنتُ جسدي في صدرها، متعلقة بملابسها، لا تهمني راحتكِ الآن أيتها المطاردة، فأنا أصارع الكوابيس وأحتاج فقط لأن أشعر أنني لستُ وحدي
.
27 . معكِ أنتِ
اليوم عيد ميلاد الفتاة المطاردة إنشاد؛ عرفتُ هذا لأن الرسائل لم تتوقف عن الوصول لهاتفها منذ منتصف الليل لتهنئتها، وأنا كنتُ أمسك الهاتف لأطلب طعاماً
لا نتشاجر مؤخراً، توقفنا عن الذهاب لتجمعات أصدقائها، ولكن ما دام اليوم عيد ميلادها فهي بالتأكيد ستذهب إليهم، لا أريد الذهاب ورؤية منة، أريد البقاء هنا، أو العودة للسجن
"هتخرجي النهاردة؟"
سألتُها، فردت وهي تملأ كوب القهوة
"أيوة.. مش هتيجي؟"
"لأ.. انجوي إنتِ، انتي قولتيها قبل كدة إنهم صحابك مش صحابي"
"إنتِ عارفة إني كنت بهزر لما قلت كدة! تقدري تيجي"
"لأ.. مش عايزة"
لماذا هذا الإصرار الغريب على قدومي؟ سيكون الوقت أفضل بدوني بأي حال، ليس عليها التظاهر بالاهتمام بي أمامهم
رن جرس المنزل ليقطع حديثنا، فتحت إنشاد الباب وسمعتُ صوت أصدقائها؛ يبدو أنهم حضروا مفاجأة لها، نهضتُ بسرعة وأردتُ الهرب للاختباء في الغرفة، لكني سمعتُ صوت مالك
"سيليا هنا أهي!"
رائع، لا يمكنني الهرب الآن. التفتُّ وابتسمتُ له بتكلف ثم صافحته
"ليه مكلمتيناش؟ كنا جينا مع بعض"
قال مالك، فردت إنشاد بسرعة
"أنا اللي قلت لها تيجي بدري لأني مكنتش عايزة أفطر لوحدي"
"يبدو إنك بتحبيها أكتر مننا كلنا"
قال نيرو بسخرية وتجاهلته إنشاد
رأيتُ منة تدخل، وعندها ارتعش جسدي وشعرتُ برغبة في التلاشي
"عندي شغل.. لازم أمشي"
قلتُ بارتباك وتحركتُ نحو الباب، لكن إنشاد أمسكت معصمي وسحبتني نحوها وهمست
"على فين؟"
"فيه إيه؟"
سألت منة وهي تقترب بابتسامة مريبة
"رايحة فين دلوقتي؟ هنحتفل كلنا سوا"
مدت يدها نحوي، فراجعتُ للخلف فزعاً حتى اصطدمتُ بصدر إنشاد التي قالت بحزم
"هنخرج نشتري شوية حاجات"
سحبت معصمي وخرجنا من الباب فوراً
لم أكن حتى أرتدي حذائي! صعدنا السيارة، فسألتني إنشاد وهي تشغل المحرك
"إنتِ بتتجنبي منة؟"
كنتُ ألتقط أنفاسي بصعوبة، لا أعلم كيف أجيب.. ماذا لو أخبرتها بالحقيقة؟
"هو إنتِ معجبة بيها؟"
ما هذا الهراء؟ أن أسمع هذا من إنشاد يزيد الأمر غرابة، فهي يفترض أن تعلم أنني لا أحب أحداً
"إنتِ بتتكلمي جد؟"
سألتُها، فصمتت، فأجبتُ
"لأ طبعاً"
"لأ مش بتتجنبيها.. ولا لأ مش معجبة بيها؟"
لماذا تتغابى هكذا؟
"لأ مش معجبة بيها"
"يعني إنتِ بتتجنبيها؟"
سألت، فأومأتُ بالإيجاب
"ليه؟"
أخذتُ نفساً عميقاً
"مبقتش أرتاح لوجودها، وفي كل الاحوال هي صاحبتك إنتِ، فرأيي ووجودي مش مهم"
بمجرد إنهائي للجملة، شغلت السيارة وخرجت من مكانها بطريقة عنيفة دفعت جسدي للاصطدام بالباب
"مالك فيه إيه؟"
صرختُ بها لكنها لم ترد
كانت تقود بتهور، وجسدي يتأرجح يميناً ويساراً، سحبتُ حزام الأمان ووضعته في مكانه بسرعة، أتمنى فقط أن أبقى حية
أوقفت السيارة فجأة وأخذت نفساً عميقاً
"إنتِ فاكرة أنا عرفتك على صحابي ليه؟"
سؤال غريب
"مش عارفة"
ضربت بقبضتها على المقود بجنون
"مش عارفة عرفتك عليهم ليه؟"
صمتُّ، وشعرتُ أن أي إجابة ستكون خطأ. نظرت إلي بحدة وقالت
"هو إنتِ غبية؟"
"ممكن تبطلي تزعقي؟ أنا كمان أقدر أزعق!"
صمتت لفترة، ثم نزلت من السيارة وفتحت بابي وأشارت لي بالخروج، سحبتني لداخل المركز التجاري الذي كنا أمامه، جلسنا في منطقة الطعام، وظلت صامتة قبل أن تسأل بلهجة أهدأ
"إيه اللي حصل بينك وبينها؟"
أعتقد أن علي إخبارها قبل أن تقتلني بغضبها! حككتُ فخذي لا إرادياً لأنني تذكرتُ لمسات منة القذرة، ثم قلتُ
"مبقتش أرتاح لوجودها وخلاص"
أمسكت معصمي لتوقفني عن حك فخذي
"ليه بتفضلي تخربشي فيهم كدة؟"
"بقي بطلي تسألي.. مش هقدر أجاوب!"
صرختُ وانهمرت دموعي فجأة. تباً، أصبحتُ أبكي بسهولة مقرفة! مسحتُ عيني بكُمي بسرعة، تمنيتُ لو لم أخرج من السجن أبداً
ظلت صامتة لفترة، ثم نظرت إلي فجأة وكأنها أدركت شيئاً
"هو ده بسبب اللي حصل يوم ما قعدتي على حجرها؟"
لقد علمت! توقعتُ أن تلومني لأنني جلستُ هناك في المقام الأول، لكنني أومأتُ بالإيجاب في النهاية
"عندك حق تحسي بكدة.. لو حسيتي إن حد اتعدى حدوده في لمسك، يبقى إنتِ صح"
أخرجت هاتفها وهي تقول
"هبعتلهم أقولهم إن زمايلي في الشغل عاملين لي حفلة ومضطرة أتأخر، ومش هعرف أرجع البيت النهاردة"
"إنتِ بتمشي صحابك من بيتك بجد؟ وعشاني؟ تقدري تروحي تحتفلي معاهم وترجعيني السجن، أنا معنديش مانع، ده عيد ميلادك"
وضعت الهاتف في جيبها وقالت بلهجة حاسمة
"أنا عايزة أقضيه معاكي إنتِ"
نظرتُ إليها بذهول
"إنتِ بتهزري!"
استقامت واقفة وقالت
"هروح أطلب أكل.. تاكلي معايا؟"
.
28 . طعام المرتبطين
لقد كنتُ محقة، سيليا ليست معجبة بمنة، وهي الآن تكرهها وتتجنبها. صدقاً، جزء مني مرتاح لأنها ستبتعد عنا، لكني لم أرد أن يكون هذا هو الثمن.. أن تنكسر سيليا بهذا الشكل
طلبتُ طبقاً من السوشي؛ أنا أحبه جداً، وبما أن اليوم عيد ميلادي فهو الوقت المناسب لأدلل نفسي. عدتُ للطاولة التي تجلس عندها سيليا، وضعتُ الطبق وجلستُ في مقعدي
"تحبي تجربي؟"
سألتُها، فنظرت للطبق بارتياب
"هو ده سوشي؟"
سألت ببلاهة
"أيوة"
"مش ده أكل المرتبطين؟"
سألت وهي تمسك إحدى القطع وتضعها في فمها
ما علاقة السوشي بالمرتبطين؟ هل فاتني شيء في قواعد المواعدة؟
"هو وجبة المرتبطين بجد؟"
سألتُها، فأومأت هي بالإيجاب وابتلعت ما في فمها ثم قالت:
"مفيش راجل مصري بيطلب السوشي إلا لو كان مرتبط ببنت مجنونة بتحبه وجابراه يطلبه"
"وليه يعني؟، دا طعمه حلو"
"عشان غالي، وعشان سمك ني!"
ردت ببساطة وهي تأخذ قطعة ثانية
أخذتُ قطعة لأتذوقها؛ طعمها كان رائعاً كما اعتدت، لكن بمجرد أن تذوقت سيليا قطعتها، تغيرت ملامح وجهها تماماً وكأنها تذوقت سماً. أخرجت منديلاً بسرعة وبصقتها فيه وهي تتقزز
انفجرتُ أنا بالضحك
"أهو إنتِ كدة ماسك بجد!"
"إزاي بتاكلي البتاع ده؟ طعمه مقرف جداً!"
سألتني بتقزز، فرددتُ
"اختلاف أذواق"
من كان يتخيل أنني سأجلس وأتبادل الحديث الهادئ مع سيليا؟ هذا شيء لم يكن ليتخيله أحد، كما لم أكن لأتخيل يوماً أن تقوم هي بتقبيلي وهي ثملة، لم نتحدث عن هذا حتى الآن، وأعتقد أنها لا تتذكر، وأشعر بالسوء لأنني لم أخبرها، خاصة بعد ما روته عن قرف منة
"سيليا"
توقفت عن العبث بالطبق ونظرت إلي
"إنتِ غالباً مش فاكرة ده، بس إنتِ بوستيني قبل كدة وإنتِ سكرانة"
"مين قال كدة؟"
"إيه! أنا بقولك اللي حصل!"
هل جُنت؟
"لأ، قصدي مين قال إني مش فاكرة؟"
توقفتُ مكاني بذهول
"إنتِ فاكرة؟"
أومأت بالإيجاب ببرود، وأمسكت قطعة سوشي أخرى ووضعتها في فمها، نا أجلس مع الفتاة التي قبلتني وهي واعية تماماً لما فعلته! لربما كان علي العودة للمنزل وتحطيم وجه منة بدلاً من البقاء هنا واكتشاف هذا
"إنتِ متكلمتيش عن الموضوع خالص، فافتكرت إنك سامحتيني.. يعني، كنت سكرانة، إنتِ مش بتكرهيني.. صح؟"
قالت ببلاهة أثارت حنقي
"أيوة.. طبعاً"
لا يفترض أن يكون هذا ردي، لكن ردودها جعلت من القبلة شيئاً خاطئاً أو مجرد زلة سكران، بينما في عقلي كانت شيئاً آخر تماماً
"مش هتطلبي حاجة تانية بما إن السوشي معجبكيش؟"
سألتها بينما تبصق قطعة السوشي وهي ردت
"لأ، مابقتش جعانة"
أخرجتُ هاتفي؛ بالتأكيد غادروا منزلي الآن. يمكننا العودة بدلاً من البقاء في المول
"إنتِ مكشرة جداً بالنسبة لوحدة صاحبة عيد ميلاد"
قالت سيليا وهي تلاحظ ضيقي
"والمفروض أعمل إيه؟"
"اضحكي كوني سعيدة"
تتحدث وكأن السعادة مفتاح نضغطه!
"مفيش حاجة بتخليني سعيدة غير المخدرات"
"كويس يبقى اضربي"
قالت ببساطة صادمة
"إنتِ بتهزري!"
"لأ، النهاردة عيد ميلادك، اعملي أي حاجة تخليكي مبسوطة، مهما كانت"
تجعل الأمر يبدو بسيطاً لدرجة مرعبة، هل أفعلها؟
"وإنتِ إيه اللي خلاكي مبسوطة يوم ميلادك؟"
سألتُها لأغير الموضوع
"إني مكنتش لوحدي"
ردت بسرعة، دون تفكير
حسناً، أنا أريد التعاطي، وسأتعاطى
"يلا بينا"
استقمتُ واقفة، وتبعتني للسيارة
ذهبتُ لمكاني السري، واستنشقتُ الهيروين بعمق، بدأ مفعوله يسري، شعرتُ بسعادة غامرة تتسلل لعروقي، وأخذتُ أضحك بلا سبب. كانت سيليا تنظر إلي بصمت؛ لو تذوقت هذا السم ستفهم معنى السعادة التي أشعر بها الآن، لكن من الجيد أنها لا تفعل
شعرتُ بالدوار وكدتُ أسقط، لولا أنها أمسكت بي بقوة، يبدو وجه سيليا أجمل بكثير وأنا تحت تأثير المادة.. ملامحها الحادة أصبحت أرق، وعيناها تبدوان أوسع
"إنتِ بجد جميلة"
أخبرتُها بصوت متقطع
وعندها، سحبتني إليها بقوة وقبلتني.. هل أتخيل؟ ربما، فأنا تحت تأثير المخدر، لكني كنتُ سعيدة جداً، أغمضتُ عيني واستسلمتُ للظلام اللذيذ، ولم أعد أشعر بأي شيء بعدها
.
29 . اِنهضي
اليوم هو يوم محاكمتي مرة أخرى؛ فـ إنشاد هي من فتحت القضية للمرة الثانية بصفتها محاميتي، وقالت لي بلهجة حازمة
"اسكتي وأنا هتصرف"
في المرافعة، قالت إنشاد إنه لا يمكن تطبيق حكم السجن عليَّ لأن والدي كان يعذبني بانتظام، وبما أنني لستُ بخير نفسياً، فمن المفترض وضعي في المشفى وليس السجن. شهدت طبيبتي "كيان" على حالتي، وأكدت أن تواجدي في السجن خطر على حياتي.
جلسة تلو الأخرى، حتى حكم القاضي بخروجي ودخولي للمشفى النفسي بالعباسية، بمجرد النطق بالحكم، دخلت إنشاد لقفص الحبس وعانقتني بقوة هزت كياني.. مؤخراً أصبحتُ أعتقد أنها متحمسة لخروجي أكثر مني!
خرجتُ بالفعل وأخذوني للمشفى، وبالطبع لم أحبه، ولكن لحسن حظي بعد أسبوع واحد فقط أخرجتني إنشاد؛ كانت تنتظر أن تبتعد الأعين عني لتنهي الإجراءات.
خرجتُ للحياة من جديد بمظهري الذي يريحني؛ ارتديتُ جينز واسعاً جداً باللون الأزرق الباهت، و"تيشيرت" أسود فضفاض يخفي معالم جسدي تماماً، وحذاءً رياضياً ضخماً، شعري المحلوق بدأ يطول قليلاً، ووضعتُ قبعة "كاب" سوداء تحمي وجهي من الشمس الحارقة وتكمل مظهري الذكوري، لم أضع أي مساحيق، فأنا لا أشعر بأنني "أنا" إلا هكذا
"مقررتيش هنروح فين؟"
سألت إنشاد
"الجو وحش أوي.. خلينا ندخل أي مول"
رددتُ وسبقتها للسيارة
دخلنا المركز التجاري، اشتريتُ المثلجات وبالطبع إنشاد هي من دفعت؛ فأنا لم أحصل على وظيفة بعد، دخلنا فيلماً عشوائياً لمجرد أنني أحب زيندايا فهي جميلة جداً
"هو إنتِ بتتابعي سلسلة أفلام الأفنجرز؟"
سألتني إنشاد في منتصف الفيلم
"لأ"
"طيب إنتِ فاهمة إيه اللي بيحصل في الفيلم أصلاً؟"
"لأ برضه.. أنا دخلت بس عشان أشوف زيندايا على شاشة كبيرة"
"إنتِ بتهزري!"
ضحكتُ ببرود؛ وما المشكلة في دخول فيلم لأجل الممثلة؟
بعد الفيلم عدنا للمنزل، وبدلتُ ملابسي لبيجامة صيفية مريحة، شورت قصير يغطي فخذي فقط، فالجو حار ولن أقبل بارتداء أكثر من هذا، جلستُ على الأريكة أُقلب القنوات بضجر حتى توقفت عند فيلم Me Before You أحب هذا الفيلم؛ يشعرني بأنني لن أموت وحيدة، فقد وجد البطل حبه وهو على فراش الموت، إذن هناك فرصة لي للارتباط
جلست إنشاد على الأريكة بجواري
"مش كفاية أفلام؟"
"لا"
رددتُ ببساطة
في الفيلم، قال البطل جملة
"عندما أنظر إليكِ وأنتِ تتحركين هنا وهناك، لا تعلمين كمية الأشياء المجنونة التي أريد فعلها بكِ"
هذه الجملة لها طابع جنسي ورومانسي ساحر، لو قالها لي أحدهم لقبلتُ بممارسة الجنس معه بصدر رحب
"إيه آخرة الهبل ده؟"
سألت إنشاد لتفسد مشاهدتي السعيدة
"هيموت في الآخر"
رددتُ ببرود
انفجرت إنشاد بالضحك، ولم يكن من اللطيف الضحك لموت شخصية أحبها!
"لو مش عاجبك الفيلم ما تتفرجيش"
"ده تلفزيوني!"
"وأنا اللي قاعدة بتفرج دلوقتي"
أمسكت جهاز التحكم من فوق الطاولة وغيرت القناة، مددتُ يدي لآخذه لكنها بدأت تحرك يدها بعيداً.. ما هذا اللعب الصبياني؟
نهضتُ وحاولتُ الإمساك بيده وهي تضحك كمخبولة؛ هل تعاطت شيئاً؟ لم أجد حلاً سوى أن أجلس فوق قدميها لأقيد حركتها، وبالفعل حصلتُ على الجهاز أخيراً
نظرتُ إليها لأعلن انتصاري، لكني وجدتُ تعبيرات وجهها تغيرت فجأة للبرود التام واللامبالاة، وأخرجت هاتفها لتعث به، ما هذا التحول؟
"فيه حاجة حصلت؟"
سألتُها
"لأ.. أخدتي الريموت خلاص! ابعدي عني خلاص"
أوه! كدتُ أنسى أنني أجلس فوقها، ولكن لماذا تعاملني هكذا؟ هي من بدأت اللعب
"مش هبعد"
رددتُ بعناد، وعندها دفعتني بقوة، ولأنني لم أتوقع الغدر، سقطتُ على الأرض
"مالك فيه إيه؟"
صرختُ بها بغيظ
هذه المرأة مجنونة، أفسدت مزاجي تماماً، استقمتُ واقفة وأمسكتُ هاتفي ونشرتُ على تويتر
"حد يحب يخرج معايا؟"
ردت سندس فوراً
"أيوة طبعاً!"
سندس فتاة لطيفة وخيرة في التجميل، ففرحتُ بردها
بدأتُ أبدل ملابسي للخروج
"ما تتأخريش"
قالت إنشاد ببرود وأنا أرتدي حذائي، وحين انتهيتُ رفعتُ إصبعي الأوسط لها وخرجتُ دون كلمة واحدة
.
30 . اضطرابات النوم
لربما فكرة بقائها معي كانت فكرة سيئة! فرؤيتها تتجول في الأنحاء، تقول التراهات، وتغني بصوتها السيئ حقاً ثم تجلس فوق قدمي وتتحدث وكأن هذا أكثر شيء طبيعي في العالم.. كل هذا يجعلني أرغب بها بشدة، وهذا يرعبني
سأعثر لها على وظيفة ومنزل آخر، لأنني لن أحتمل المزيد من هذه الفوضى
عادت للمنزل بوجه مليء بالمساحيق، كانت لمسات احترافية جعلت ملامحها الحادة تبدو أكثر بروزاً وجمالاً، اقتربت مني بحماس طفولي وقالت
"بصي كدة.. شكلي إيه؟"
"كويس"
رددتُ بجفاء ودحرجتُ عيني بعيداً عنها
"مالك فيه إيه؟، أنا اه شبه الرجالة بس مش للدرجة دي، ايه مشكلتك؟"
تذمرت بضيق ثم تركتني ودخلت الغرفة
أنتِ هي مشكلتي يا سيليا! لماذا يجب عليكِ أن تكوني بكل هذا الجمال المربك؟ لماذا تتجولين حولي وكأنني بلا مشاعر، وكأنني لن أفكر أبداً في تقبيلك مثلاً؟
شغلتُ التلفاز لأشتت انتباهي. خرجت من الغرفة مرتدية بيجامتها الصيفية؛ ولا أعلم لماذا وافقتُ أصلاً على شرائها لملابس تظهر من جسدها أكثر مما تخفي؟ جلست بجواري، خطفت جهاز التحكم وغيرت القناة ثم قالت بدون مقدمات
"أنا هنقل لبيت تاني"
تجمدتُ مكاني، كيف؟ ولماذا الآن؟
"بيت تاني!"
انتظرتُ منها تفسيراً
"كلمت سندس، وقالت إنها تقدر تساعدني أختار أي بيت أعوزه"
ومن هي سندس واللعنة؟ ومتى أصبحت سندس هذه مرجعاً لها؟
"ومين سندس دي كمان؟"
"ميكاب ارتست مشهورة"
"عمري ما سمعتك بتتكلمي عنها قبل كدة"
"عشان لسه مقابلاها النهاردة"
"هتمشي مع واحدة لسه عارفاها النهاردة؟"
لا أصدق جنون هذا الحوار
"أيوة، هي بنت لطيفة، وأعتقد إنك زهقتي من وجودي وعشان كدة بتعاملياني بعدوانية مؤخراً.. اعذريني على صراحتي بس أنا مش هستنى لما تطرديني من البيت"
"أنا مش هطردك من البيت"
"مش هستنى لما تعمليها"
ردت ببرود وهي تقلب القنوات
"أنا مش عايزكي تمشي"
لقد كنتُ منذ دقائق فقط أخطط لإبعادها، لكنني الآن لا أستطيع حتى تخيل فراغ المنزل من دونها
"طبعاً عايزة، إنتِ مابتطيقيش حتى تبصي في وشي"
قالت بنبرة ساخرة وألقت جهاز التحكم جانباً
هل يمكنني إخبارها بأنها جميلة وينتهي الأمر؟ هذا يبدو خيالياً جداً وصعباً على كبريائي. نظرتُ إليها وأخذتُ نفساً عميقاً
"سيليا.."
نظرت لي هي الأخرى، فأكملت
"إنتِ جميلة جداً"
لم تفعل أي شيء؛ ألا يفترض بها أن تقوم بتقبيل أي شخص يخبرها بأنها جميلة كما تدعي؟
"إنتِ جميلة والميكاب شكله تحفة"
أبدو سخيفة حقاً، أعتقد أن علي الاستسلام،
"انسي اللي قلته"
أخبرتها وعدتُ للنظر للتلفاز بمرارة
"شكراً"
ماذا تقصد بشكراً؟ ماذا عن القبلة التي كنتُ أنتظرها؟ نهضت وتركتني، ليصبح الجو بيننا غريباً ومثقلاً بالصمت، ليتني أبقيتُ فمي مغلقاً
عند حلول المساء، قررتُ النوم باكراً للتهرب من التفكير في الأيام القادمة التي سأقضيها وحدي، لكني لم أستطع النوم؛ ظللتُ مستلقية في ظلام الغرفة، حتى سمعتُ صوت خطوات هادئة. رأيتُ سيليا تدخل الغرفة، اقتربت من السرير واستلقت بجواري، تعلقت بملابسي ودفنت وجهها في صدري كعادتها حين تطاردها الكوابيس
مررتُ يدي على شعرها القصير برقة، مع من ستنام حين تهاجمها الكوابيس بعد انتقالها؟ قبلتُ رأسها، فعندها رفعت وجهها ونظرت لي بعيونها الناعسة الذابلة، قربت وجهها مني، وقبلت شفتاي بنعومة أذهلتني، ثم عادت للنوم فوراً وكأن شيئاً لم يكن
.
31 . عناق
انتقلتُ لمنزل جديد، وبدأت سندس تعلمني كيف أحول الرسم إلى عمل أجني منه المال؛ بدأتُ أتعلم الرسم الرقمي وأساليب مختلفة لم أعهدها من أجل لقمة العيش.. دروس كثيرة، ووقت ضيق يمر كالسهم
لم أقم بتكوين أي صداقات جديدة، لا أعلم هل السبب هو انشغالي، أم أنني انطفأتُ تماماً وضجرتُ من فكرة الأصدقاء، ما زلتُ أريد أن يتم الاهتمام بي، أريد ديموس.. لماذا ماتت هي وبقيتُ أنا؟ كانت لتشجعني لو كانت حية، كانت لتعانقني حين ينهشني الحزن؛ فهي تعلم بالضبط متى يضيق صدري وتتدخل في الوقت المناسب
لن أتخطى موتها أبداً
حين تراودني الكوابيس ليلاً، أبقى مستيقظة؛ فحياتي وحدي لم تكن بتلك اللطافة، والبقاء مع المطاردة إنشاد جعلني أعتاد أن لا أكون وحيدة، إنشاد التي لم أحادثها منذ انتقالي لأنني أؤمن بشدة أنها مسرورة لأنني لم أعد أشاركها المنزل
هل تعرفون نوع الكوابيس التي تسرق النوم من عيني؟ أحلم بمخلوقات غريبة تخنقني حتى الموت، أو تدفع رأسي في الماء حتى أغرق.. الأمر دائماً يتعلق بفقدان أنفاسي، وهذا هو رعب الأكبر؛ يمكنني تحمل الضرب أو الرصاص، لكن انقطاع النفس يرعبني
ليت والدتي تتواصل معي؛ ما زلتُ أريد حبها، التفكير فيها يجعلني تعيسة، ونومي أصعب، وكوابيسي أكثر، أحد أحلامي المزعجة هو أن تستمر في كرهي للأبد، أنا فقط أريد أماً تحبني.. ألا أستحق هذا؟ أريدها أن تعانقني وتخبرني أنها تحبني؛ لستُ طماعة، أريد ذلك لمرة واحدة فقط.. أن أشعر بأنني مرغوبة من الشخص الذي أحضرني للعالم
لقد تعبت؛ الكوابيس تطاردني ولم أنم منذ أيام، أحتاج للراحة، خرجتُ حافية القدمين وأوقفتُ سيارة أجرة إلى منزل إنشاد، أبدو كشبح، من الجيد أن السائق توقف لأجلي أصلاً، بدأتُ أطرق الباب لكن لا رد.. جلستُ أمام الباب أفكر
لماذا حظي سيئ هكذا؟
هل أعود لمنزلي؟ لقد أتيتُ لمنزل شخصية لم أتحدث معها منذ مدة، وآخر ما أعرفه عنها أنها تكرهني منذ المراهقة، أنهكني التعب، أغمضتُ عيني وغفوتُ مكاني، ثم فتحتهما بذعر على صوت ضجيج.. كانوا أصدقاء إنشاد، وهي معهم
يا لحظي العاثر! علي الذهاب الآن. استقمتُ واقفة بسرعة حتى أنني فقدتُ توازني وكدتُ أسقط، لكنني تمالكتُ نفسي في آخر لحظة، وعندها انتبهوا جميعاً لوجودي
"سيليا!"
قال مالك واقترب ليصافحني
"مشفناكيش من زمان"
كنتُ أنظر بعيداً كي لا يلاحظ أن وجهي أشبه بوجه المدمنين، وبعثرتُ خصلات شعري محاولةً أن تغطي عيني لكنه كان قصيراً جداً
"بحاول أدور على شغل"
رددتُ وأنا أبتسم بتكلف مرير
ليت الأرض تبتلعني الآن؛ لا أريد رؤية هذا الزحام في لحظة ضعفي، أبدو بحالة مقرفة
"أهلاً"
كانت هذه إنشاد
الشيء الوحيد الذي أفكر فيه الآن هو أن أرتمي عليها وأنام.. ألا يمكنهم الانصراف فقط؟ فركتُ عيني لأنها كانت تؤلمني، لكن هذا زاد الأمر سوءاً
"إنتِ كويسة؟"
سألت إنشاد، لا أعلم هل هي قلقة حقاً أم تسأل لتكون مهذبة؟
هل أبدو بخير أيتها الغبية؟ ألا يمكنكِ معرفة سبب وجودي هنا؟ لولا تعبي لكنتُ ضربتُ جبهتي بجبهتكِ اللعينة حتى تنزف علّ عقلكِ يعمل وقتها
"أشوفكم بعدين"
قالت إنشاد لأصدقائها فانصرفوا وهم يلوحون لي
شعرتُ براحة شديدة وهم يبتعدون، فقد كنتُ أحاول الحفاظ على ثبات جسدي بصعوبة، بمجرد أن غابوا عن الأنظار، تركتُ جسدي يسقط في حضنها.. التقطتني وحملتني بين ذراعيها وفتحت الباب، دخلت ثم وضعتني على السرير وقالت
"هقفل الباب وأجيلك"
لم أفهم لماذا تخبرني بهذا حتى انتبهتُ أنني أتشبث بملابسها كطفلة مذعورة؛ أفلتُّها بسرعة فور إدراكي للموقف، أنا حقاً جثة بعيون مفتوحة، غابت لثوانٍ ثم عادت، وعانقتني بعمق.. أغمضتُ عيني وشعرتُ بشفتيها تقبلان جبهتي برقة
تكون لطيفة أحياناً.. بطريقة تجعلني أغفر لها كل شيء
.
32 . أمطار في منزلي
عادت سيليا لأحضاني بعد أن كنتُ قد فقدتُ الأمل في رجوعها؛ لم تحادثني ولو لمرة واحدة طيلة الفترة الماضية، وظننتُ أنها اختارت الهروب مني للأبد
كنتُ قد عدتُ للخروج مع أصدقائي في أيام إجازتي لأقتل الفراغ والوحدة، وفي طريق عودتي للمنزل وجدتها أمام بابي، اعتقدتُ أنني أتخيل، لكن مالك تحدث معها وأكد لي أنها حقيقة وليست طيفاً
لقد عادت حقاً! كانت تبدو مرهقة جداً، ومنطفئة كشمعة أذابها الريح، ودعتُ أصدقائي بسرعة، وما إن فعلتُ حتى سقطت في أحضاني مستسلمة تماماً، وضعتها على السرير، فتمسكت بي كغريقٍ وجد قشة نجاة. أخبرتها أنني سأغلق الباب وسأعود فوراً
هذه أول مرة يتعلق بي أحدهم بهذا الذعر منذ موت ديموس.. لقد اعتقدتُ أنني لن أشعر بنبض الحياة في عروقي مرة أخرى،
عدتُ إليها وعانقتها، ثم قبلتُ جبينها برقة، متمنيةً ألا يسبب لها هذا القرب أي ارتباك، غفت في أحضاني كعادتها، وظللتُ أراقب ملامحها وهي نائمة حتى غلبتني الذكرى وغفوتُ أنا أيضاً
استيقظتُ على صوت منبه هاتفي؛ إنه وقت العمل، أخذتُ بعض الوقت لاستيعاب أن سيليا في حضني مرة أخرى، وأن دفء جسدها ليس حلماً، تركتها بهدوء، حضرتُ قهوتي، وبدلتُ ملابسي، كتبتُ لها ملاحظة صغيرة وألصقتها على الثلاجة، ثم دخلتُ وقبلتُ جبينها للمرة الأخيرة قبل أن أرتدي حذائي وأستقل سيارتي
طوال الطريق، كنتُ أفكر.. لم أجرب سؤالها أبداً عن الكوابيس التي تنهش نومها، هل لها علاقة بوالدها؟ أم بوالد طبيبتها كيان الذي قتلته سيليا بيدها؟ لا أعلم لماذا تهورت وقتلته، لكنني بذكائي القانوني استطعتُ إخراجها من تلك الورطة، كان الأمر معقداً، خاصة أن الرجل اطلق سراحه منذ أيام قليلة
هل قتلتْه لهذا السبب؟ ذاك الرجل قتل زوجته واتهمها بالخيانة ليحول جريمته لجريمة شرف ويُخفف عنه الحكم، وهذا ما حدث بالفعل، يبدو أن هذا الظلم فجر الغضب الكامن في صدر سيليا
ففي النهاية، سيليا كانت دائماً دموية وأكثر جسارة مني، وبصراحة.. لو كنتُ مكانها لفعلتُ الشيء نفسه؛ ذاك الرجل استحق الموت ألف مرة
حين أبلغتُ كيان بموت والدها، أخذت تضحك بمرارة.. لابد أنها مسرورة لأن والدها نال المصير الذي يستحقه، خاصة أن سيليا قتلتْه بطريقة بشعة شوهت معالمه تماماً
"بلغيها شكري"
كانت هذه كلمات كيان الأخيرة لي قبل جلسة حكم سيليا
أرادت شكر سيليا لأنها خلصتها من كابوس حياتها
لم أبلغ سيليا بهذا الشكر صراحةً؛ فقد كنتُ مشغولة بإنقاذها من حبل المشنقة، وجعلتُ الأمر يبدو كحادث مشاجرة بينه وبين عصابة، خاصة أنه كان مدمناِ ومتورطاً مع العصابات، بعد أن حُكم بدخولها مشفى الأمراض العقلية، شعرتُ أن المصائب انتهت.. بضعة أيام وسآخذها من هناك وينتهي الكابوس، وهذا ما حدث
والآن، كل ما أفكر فيه هو أن تبقى سيليا معي.. لا أريد تركها ترحل مرة أخرى
"أهلاً يا سيادة المحامية.."
رأيتها ما إن دخلتُ مكتبي؛ تلك الفتاة مألوفة جداً.. هل هذه جلنار؟ كان يقف بجوارها رجل تمتلئ ملامحه بالكدمات والجروح
"جيت أقدم بلاغ تحرش"
قالت ببرود وهي تُخرج بطاقتها
إنها حقاً جلنار! كان بإمكانها قتله لو أرادت، فلماذا أتت للقانون؟
"اتفضلي استريحي"
قلتُ لها، ورغم أن هذا ليس تخصصي، إلا أن جلنار حين تطلب شيئاً، فغالباً هي على حق
قمتُ بالإجراءات اللازمة، وقبل أن ترحل التفتت إلي وقالت
"هو مش الجو جميل النهاردة؟"
"تقريباً.."
رددتُ بعدم فهم، فالجو كان عادياً جداً
"هتمطر بالليل.. ارجعي بيتك بدري"
قالت بابتسامة غامضة ثم انصرفت
لم أفهم جملتها؛ فنحن في فصل الصيف ويستحيل أن تمطر، ولكن حين عدتُ لمنزلي مساءً، وجدتُ سيليا تبكي بانهيار في غرفة الجلوس، كنتُ قد ظللتُ أراقب السماء طوال الطريق منتظرةً المطر، لكن الحقيقة كانت أن الأمطار كانت تهطل بغزارة داخل منزلي..
ربتُّ على ظهرها بلطف، فعانقتني بشدة وكأنها تحاول الاختباء داخلي من العالم. في تلك اللحظة، أدركتُ أنها تحتاج لطبيب حقاً، وتحتاج لي.. أكثر من أي وقت مضى
.
33 . ما يثير جنوني
"هو إنتم مرتبطين؟"
سأل الطبيب النفسي وهو يشير لي أنا وإنشاد التي اختنقت فجأة بالماء الذي كانت تشربه وأخذت تسعل بشدة
"الشرقة دي معناها أيوة؟"
أكمل الطبيب بنبرة هادئة
"لأ، إحنا صحاب"
أجبته بجمود؛ لماذا قد يفكر أحد بأننا مرتبطان؟ صحيح أننا توقفنا عن الشجار العنيف، لكن هذا فقط لأننا أصبحنا هادئين أكثر، وأنا أحاول التركيز في دروسي لأحصل على وظيفة، لا أعتقد أن إنشاد تحبني بمقدار ذرة؛ لديها الكثير من الأصدقاء وتتعامل معهم بطريقة ألطف مني بكثير
"طيب ليه إنتِ لازقة فيها كدة؟ دي جلسة علاج نفسي، والمريض بس هو اللي بيكون هنا.. اتفضلي اخرجي برة لو سمحتي"
خرجت إنشاد بعد أن طردها الطبيب بطريقة مهذبة، وتركت خلفها صمتاً ثقيلاً
تحدثتُ مع الطبيب وأجبتُ على أسئلته المستنزفة، ثم طلب مني أن أبدأ بكتابة مذكراتي؛ أن أحاول جمع الأشياء التي تجعلني متزنة، والأشياء التي تثير جنوني، علي شراء دفتر وقلم لتدوين هذا الشتات
عندما رويتُ له عن أمي، قال كلاماً روتينياً أسمعه كثيراً
إن الأم لا تكره أطفالها، وإنه يريد التواصل معها لأنني ربما فهمتها بشكل خاطئ، كلام "كليشيه" يكرره الجميع
"الأم لا تكره أبناءها".. حسناً، ما بال والدتي إذن؟ ماذا فعلتُ لتكرهني إلى هذا الحد؟
لربما لستُ ابنتها حقاً، لربما ترى أنني خيبة أمل كبيرة وأنها كانت تستحق ابنة أفضل.. أنوثة أكثر.. خضوعاً أكثر، نظراتها لي كانت دائماً نظرات خيبة وانزعاج، لم تبتلعني ملامحها بابتسامة يوماً
هل كانت تريد فتاة طبيعية غير مسترجلة لتكون صديقتها في حياتها البائسة مع أبي؟ لكني كنتُ لأكون صديقة جيدة لها لو أنها سألتني أو حاولت فهمي!
خرجتُ من عند الطبيب ووجدتُ إنشاد تدخن في الرواق، إنه مشفى! ماذا تفعل هذه الحمقاء؟
اقتربتُ منها وخطفتُ السيجارة من بين شفتيها، أطفأتها في الحائط ثم رميتها في سلة القمامة وقلتُ بحدة
"أنا خلصت.. يلا نمشي"
سِرتُ أولاً وتبعني للخارج بصمت مريب، وبمجرد خروجنا من بوابة المشفى، أمسكت معصمي بقوة آلمتني
"إياكي وتفتكري إنك تسحبي مني حاجة بالطريقة دي تاني.. سامعة؟"
رائع! ستبدأ شجاراً الآن، وأنا لستُ في مزاج يسمح لي باحتمال نوباتها. صفعتُ يدها لأحرر معصمي وسرتُ مبتعدة
"عربيتي هنا!"
صاحت خلفي
"هرجع مشي، وعلى بيتي غالباً.. مش في موود يخليني أتخانق معاكي النهاردة"
"هو أنا عملت لك إيه؟"
قالت وهي تقترب مني بخطوات سريعة
"أنا عارفة إن دي بداية خناقة، وأنا مش عايزة أتخانق.. سيبيني في حالي وخلاص"
صدقاً، لا أريد الحديث معها
أوقفتُ سيارة أجرة وصعدتُ بها قبل أن تصل إلي، سأمر على المركز التجاري لشراء مفكرة لكتابة ما طلبه مني الطبيب، وسأكتب في أول صفحة
"أول شيء في قائمة ما يثير جنوني هو إنشاد"
.
34 . ليس جميلاً بل مثيراً
أعتقد أنني أحتاج لمنوم؛ فمؤخراً بدأت تراودني كوابيس عن والدتي التي لم أرها منذ سنوات، استيقظتُ فجأة ووجدتُ سيليا مستيقظة هي الأخرى، كانت تمسك بحاسوبها اللوحي ومنهمكة في الرسم الرقمي
"إنتِ كويسة؟"
سألتني فأومأت بالإيجاب
لن أخبرها أنني أعاني من الكوابيس أنا أيضاً، سيكون من السخف أن نغرق كلتانا في المشكلة ذاتها، تركت سيليا حاسوبها جانباً، مالت نحوي وقبلت جبيني بهدوء
"تصبحي على خير"
قالت ثم استلقت بجواري
كانت فكرة مشاركة السرير فكرة سيئة جداً؛ لم أحلم بكابوس حين عدت للنوم، بل حلمتُ حلماً حميمياً عن سيليا.. كانت هذه المرة الأولى التي يراودني فيها حلم كهذا تجاهها
"هتتأخري النهاردة؟"
أفقتُ من شرودي الصباحي على صوتها
"ممكن"
رددتُ وأنا أراقبها وهي تغلق كوب قهوتها
"أنا كمان، هتعشى برة"
نظرت في هاتفها ثم اقتربت مني، فتراجعتُ أنا للخلف تلقائياً
"فيه مشكلة؟"
سألت باستغراب
"لأ"
عاودت الاقتراب، قبلت خدي برقة وقالت
"أشوفك بعدين"
ليس عليها التصرف بكل هذه الحميمية، أشعر وكأننا زوجتان في شهر العسل! أتمنى ألا تكرر تلك القبلات، لأنني لا أفكر في شيء منذ استيقظت سوى تقبيلها، وليس مجرد قبلة عابرة
مر يومي بسلام حتى عدت للمنزل وكان فارغاً، يبدو أنها ستتأخر حقاً. أخذتُ أُقلب القنوات بضجر حتى سمعت صوت المفتاح، دخلت سيليا وفي يدها علبة كعك، كانت تبتسم بحماس، كانت قد حصلت على قصة شعر جديدة حادة، ووضعت قرطاً صغيراً في جسرأنفها، وملصق جروح ملوناً على أنفها زاد مظهرها جاذبية، بملابسها الرجولية الواسعة كانت تبدو مبهرة.. كلمة مثير هي الأنسب لوصفها الآن
"كل سنة وإنتِ طيبة"
عيد ميلادي! هل نسيته؟ عندما قالت ذلك أبعدت عيني عن وجهها ونظرت للكعكة التي أخرجتها
"قلت نحتفل قبل ميعاده بيوم، عشان بكرة تحتفلي مع صحابك براحتك"
فهمتُ الآن سر المفاجأة، أخرجت ولاعة وأشعلت الشموع
"يلا بسرعة، أتمني أمنية"
أخذتُ نفساً عميقاً؛ أريد فقط أن أرتاح من هذا التخبط
نفختُ في الشموع، فناولني علبة هدايا صغيرة. فتحتها.. كانت ربطة عنق الشيء الوحيد الذي فكرتُ فيه هو ربط يديها بها وأنا أقبلها!
"عجبتك؟"
سألتني بفضول
"أيوة.. شكراً"
"هجيب أطباق وسكينة عشان الكيكة"
ودخلت المطبخ
الشيء الوحيد الذي أريد تذوقه الآن هو شفتيكِ يا سيليا، أنا مختلة تماماً، لماذا يطاردني ذاك الحلم؟ عادت بالأطباق وبدأت تقطع الكعك، قصة شعرها تناسبها تماماً، كانت تضع مرطب شفاه يجعل شفتيها تلمعان بشكل مستفز
ناولني الطبق وهي تبتسم، جلسنا على الأريكة وهي تأكل وتشاهد التلفاز، بينما أنا لم ألمس شيئاً. وضعتُ طبقي جانباً
"إنتِ كويسة؟"
سألتني وشفتاها ملطختان بالقليل من الكريمة، هل تقصد إثارتي أم أنها بلهاء؟
"فيه حاجة في وشي؟"
لاحظت تحديقي الصامت بها، لعقت شفتيها بعفوية، وكان علي أن أتوقف عن النظر فوراً
نهضت وتركتني لتبدل ملابسها، ثم عادت وقفزت لتجلس بجواري ببيجامتها
"شكلك سرحان، إنتِ متضايقة؟"
اقتربت بجسدها ووضعت يدها على جبيني
"سخنة؟"
ابتعدتُ عنها فجأة، فصمتت قليلاً ثم قالت بضيق
"مكنتش أعرف إنك بتكرهيني للدرجة دي، افتكرت إننا بقينا صحاب وعشان كدة جبت الكيكة"
هل تعتقد أنني أكرهها؟ هل أبدو كذلك؟ همت بالنهوض فأمسكت معصمها بسرعة
"عايزة إيه دلوقتي؟ خناقة تانية؟"
سألت بضجر
"إنتِ جميلة جداً"
خرجت الكلمة من فمي تلقائياً
"إيه!"
هدأت ونظرت لي بإستغراب
"إنتِ جميلة أوي، ومبفكرش في حاجة غير إني أبوسك، بس إنتِ مريتي بتجارب وحشة مع اللمس، وشكلك مش بتحبيني، فمش هقدر أجبرك"
توقفتُ حين أدركتُ أنني فضحتُ مشاعري تماماً، ساد صمتٌ قاتل، أردتُ أن تبتلعني الأرض، فتحتُ فمي لأبرر ما قلته لكن الكلمات خانتني. فجأة، اقتربت سيليا وسحبتني من ياقة قميصي وصدمت جبهتها بجبهتي بقوة
هل سنتشاجر؟
حككتُ جبهتي من الألم، وقبل أن أنطق بحرف، اعتلتني وقبلتني! هذه أول مرة أخسر فيها سيطرتي لأنها فوقي، أحطتُ خصرها بذراعيّ، ثم قلبتُ الموازين وجعلتها أسفلي؛ لن أقبل بأن أكون في الأسفل أبداً
"استني، مش كدة.."
كانت تبدو مستاءة حين أصبحت بالأسفل، لكني لم أدعها تكمل، قبلتها لأسكتها، أمسكتُ يدها اليمنى وثبتها فوق رأسها، ثم اليسرى.. كان الموقف مثيراً لدرجة لا تُحتمل، فكرتُ في تقييدها بحزامي!
فجأة أبعدت وجهها، وضربت جبهتها بجبهتي مرة أخرى بقوة آلمتني بشدة فابتعدتُ عنها، وجدتها اعتدلت وهي تتنفس بصعوبة
"أنا مش عروسة لعبة تعملي فيها اللي إنتِ عايزاه!"
قالت باستياء ثم نهضت وتركتني ودخلت الغرفة وأغلقت الباب
رائع! ليتني لم أفتح فمي.. كان كل شيء سيمر بسلام لولا صراحتي الحمقاء
.
35 . حروف مبهمة
عدتُ للمنزل في وقت متأخر وشممتُ رائحة حشيش ما إن خطت قدماي داخله، وأجل.. أنا أحفظ رائحته جيداً بحكم عملي
دخلتُ غرفة النوم ووجدتها في حالة فوضى عارمة، وسيليا تجلس على الأرض، تبكي وبين أصابعها سيجارة حشيش تكاد تنتهي
تسللتُ إليها ببطء لكنها انتبهت لي وبدأت تتحدث بهذيان
"رفضت تتواصل مع الدكتور.. قالت إنها مش عايزة تشارك في أي حاجة تخصني ولا تعرف عني أي حاجة.. هو أنا وحشة للدرجة دي؟"
هل تتحدث عن والدتها؟ تلك العاهرة لم تستحق يوماً لقب أم، لأن الأم لا تعامل ابنتها بهذه الطريقة أبداً
رؤيتها هكذا تجعلني أرغب بالذهاب لمنزلها وقتل جميع أفراد هذه العائلة اللعينة
"الدكتور قال إني أكيد عملت حاجة وحشة أوي خلتها تكرهني.. أنا عملت إيه؟"
سأركل وجه هذا الطبيب عند رؤيته في المرة القادمة
"يمكن الدكتور مش فاهمك، وهو أصلاً ميعرفش مامتك ولا يعرف أي حاجة من اللي حصلت"
حاولتُ التخفيف عنها ثم أخذتُ السيجارة من بين أصابعها وأطفأتها
"هي ليه بتكرهني كدة؟"
سألت ببؤس يمزق القلب
مستعدة لبيع روحها مقابل أن تحبها والدتها!
لقد طفح الكيل، سأذهب لأركل روح تلك المرأة خارج جسدها، استقمتُ واقفة وهممتُ بالرحيل، لكني شعرتُ بذراعيها تحيطان قدمي
"هتمشي إنتِ كمان وتسيبيلي؟"
عدتُ للجلوس على الأرض
"هعمل مشوار سريع وراجعة على طول"
"لأ.. ماتسيبينيش"
حركت ذراعيها لُتحيط بهما رقبتي ثم قامت بتقبيلي، أنا أريد هذا حقاً، أريد تقبيلها، تقييدها وجعلها ضعيفة بين يدي، ولكن ليس بهذه الطريقة أو في هذه الظروف، أبعدتها عني برفق
"مش هسيبك.. هفضل معاكي"
دفعتها لحضني واعتصرتها بذراعي، أليس من المفترض أن الحشيش يجعل الناس سعداء؟ إذاً لماذا هي تبكي؟
أعتقد أنها تحتاج إلى منوم، ولكنها لا تريدني أن أبتعد عنها لذا لا أستطيع إحضاره من الحمام، غفت في النهاية وشعرتُ بأنفاسها تهدأ، حملتها ووضعتها على السرير، أريد الحديث مع تلك المرأة، قبل قتلها على الأقل
بدلتُ ملابسي ثم أخذتُ مفاتيح سيارتي وخرجت، صعدتُ في السيارة وقدتُ حتى منزلها القديم، طرقتُ الباب وفتحت والدتها
"فيه مشكلة؟"
سألت بتوجس
"أنا المحامية إنشاد، عايزة اشوف أوضة سيليا"
ظلت ساكنة لثوانٍ ثم أفسحت لي ودلتني للغرفة
فتحتُ الباب وكانت مليئة بالغبار وفوضوية، فتحتُ النافذة للتهوية، كانت الملابس في كل مكان، فتحتُ الخزانة ووجدتها تحوي عدداً قليلاً من الملابس. أبعدتُ الملابس عن السرير ثم نزلتُ على ركبتي ومددتُ يدي تحته، التقطت يدي مجموعة أوراق
سحبتها وكانت مجموعة لوحات كما توقعت؛ لوحات غريبة، إلا لوحة تجمعنا بديموس، هل هذا اللون الأحمر في اللوحات هو دماء؟ لأنه يبدو كذلك، هي مختلة وأعتقد أنها دماء بالفعل، نظرتُ للجدار ووجدتُ عليه أوراقاً تبدو أحدث من الغرفة، التراب عليها أقل، تتبعتها بعيني حتى وجدتُ طرفها، سحبتها لأفصلها عن الجدار، وصُدمتُ بما رأيت
كانت هناك بقعة حمراء كبيرة، متأكدة أنها دماء، هل كان والدها يضربها في غرفتها؟ أخذتُ أبحث حتى وجدتُ هاتفاً صغيراً، دسسته في جيبي وخرجت
سأركل وجهها لاحقاً، ولكن الآن أريد رؤية ما في ذاك الهاتف اشتريتُ شاحناً وعدتُ للمنزل
فتحته، كان يعمل جيداً وبدون كلمة سر، وبه تطبيق واحد فقط
تويتر
كان الحساب مفتوحاً، وآخر تغريدة من اثنى عاماً
بدأتُ أقرأ بالترتيب.. كانت تتحدث عن نوبات غضب لوالدها، وأنه عندما يعود غاضباً يضربها حتى تنزف، ولا يرتاح إلا عند رؤية دمائها، أن والدها يكرهها لأنه لم يرد الإنجاب من والدتها بالأساس، لقد تزوجها لتخدمه وتخدم أطفاله فقط
"بابا بيحب يضربني لحد ما أنزف، بيحب يخبط راسي في الحيطة لحد ما يغمى عليا أو يضربني بالرجل لحد ما أتف دم.. شكله مهووس باللون الأحمر"
"مش عارفة أذاكر بسبب خناقاتي مع بابا وعياله، درجاتي وحشة، وماما دايماً مكشرة وشايفة إني خيبة أمل، هي أصلاً عمرها ما قالت لي إني كويسة"
"العيلة بتروح بيت تيتة في المناسبات وبيسيبوني لوحدي، عشان كدة بدأت أرسم"
"حاسة إني شاطرة في الرسم! رسمت لوحة لماما وههديها ليها في عيد الأم، يمكن تحبني بعدها"
"ماما بتكره رسمي، وبتكره أي حاجة تخصني"
"النهاردة أنا اللي خبطت راسي في الحيطة كذا مرة لحد ما اغمى عليا في المدرسة قدام كل الطلاب"
"فيه طالب اتكلم معايا النهاردة، أعتقد هنبقى صحاب"
"رسمت لوحة عشانه، أتمنى تعجبه"
"هو بس كان فضولي عشان البنت الغريبة اللي خبطت راسها في الحيطة، وميعتبرنيش صاحبة، بس وسيلة تسلية"
"أعتقد الكلمة الوحيدة اللي بتوصف حياتي هي ضعيفة، وأنا بكره كدة"
"إزاي الناس بتبقى سعيدة؟ إزاي بيبتسموا بالسهولة دي؟ ليه عندهم عيلة سعيدة وأنا لأ؟"
"المدرسة طلبت اجتماع أولياء أمور، الكل جه مع أهله وأنا كنت لوحدي، كنت براقب الأهالي وهما بيتكلموا بحنية مع عيالهم، ليه ده مبيحصلش معايا؟"
"العيلة دي شيء سخيف، ليه مفروض أرتبط باتنين طول حياتي لمجرد إنهم ناموا مع بعض؟ مفيش منطق في العالم العرص دا"
"بكره أيام الثلاثاء"
"هقتله في يوم"
"عايزة حد يبوسني"
"ليه سيبتني؟"
"عايزة حد يروح معايا الحفلة"
تحولت التغريدات لحروف مبهمة وغير مفهومة، أخذتُ نفساً عميقاً وفتحتُ ألبوم الصور، ووجدتُ صوراً لها مع فتى، كان يبدو أنهما في المرحلة الإعدادية وقتها
هل ارتبطت في الإعدادية؟ لا يمكنني سؤالها، وتغريداتها كثيرة وغير مفهومة.. من يكون هذا الفتى؟
.
36 . امرأة لعوب ومراهقتان
"فين ديموس؟"
سألتُ سيليا التي أشارت ببرود ناحية الحمام
"حصل حاجة؟"
"لأ.. راحت تظبط لبسها بس"
رددت سيليا بعدم اهتمام
متى ينتهي هذا اليوم الدراسي السخيف ونعود لمنازلنا؟
"هو إنتِ بتعرفي ترقصي؟"
التفتُّ بسرعة لمصدر الصوت ووجدتُ ديموس عند باب الحمام ومجموعة فتيات يلتففن حولها ويحاولن جعلها ترقص، اقتربتُ منها وسحبتها من بينهن، وفي الوقت نفسه رأيت يد سيليا تسحبها من اليد الأخرى بحزم
"الشو خلص خلاص"
قالت سيليا بتعابير وجه أرعبت الفتيات فابتعدن فوراً
"تعالوا نروح بيتي"
اقترحتُ عليهما؛ فبما أن اليوم الدراسي لم ينتهي بعد، فديموس لا يمكنها العودة لمنزلها الآن. حملتُ حقيبة ملابسنا وخرجنا
أنا أسكن وحدي، فلا عائلة لي ألتزم بقواعدها
وقفت ديموس تنظر لنفسها في المرآة بتردد
"فيه مشكلة؟"
سألتها
"هو أنا شكلي حلو فيه بجد؟"
أجل بالطبع؛ فهي ديموس، صاحبة الأفكار السلبية التي لا تنتهي عن نفسها
"إنتِ مش حلوة.. إنتِ زي القمر"
قهقهت ودلكت كتفي بخفة كأنني أبالغ في مجاملتها، لكني كنتُ أعني كل حرف
"مين فيكم معاها نت على موبايلها؟"
سألت ديموس، فناولتُها هاتفي
قامت بتشغيل أغنية شعبية صاخبة، من النوع الذي لا أحبه أبداً تركت الهاتف على المنضدة وبدأت تتمايل.. لم أكن أعلم أنها تجيد الرقص الشعبي بهذا الشكل! حين رأيتها ترقص بتلك الملابس، لم تبدُ كمجرد طالبة ثانوية؛ بدت كراقصة محترفة، متى تعلمت كل هذا؟
اقتربت من سيليا وسحبتها من يدها لتقف بجوارها
"أنا مبعرفش أرقص"
قالت سيليا بجمود وهي تحاول التملص، لكن ديموس كانت تصر على جعلها ترقص معها
ديموس تتصرف كأنها امرأة ناضجة وفتانة! سحبتني أنا أيضاً إليها، وأنا لستُ أفضل من سيليا في هذا الأمر، أشعر بأننا مجرد مراهقتين ساذجتين أمامها، بينما هي آنسة لعوب تكبرنا بأعوام!
انتهت الأغنية، ولحسن الحظ أنها انتهت؛ فلا تعجبني فكرة أن تصبح ديموس أكبر منا أو بعيدة عن إدراكنا
"اتعلمتي ده فين؟"
سألت سيليا بانبهار
"من اليوتيوب"
ردت وهي تلتقط أنفاسها وتضحك
أعلم أنها تتعلم بسرعة، لكن لم أتخيل أن الأمر وصل لهذه الدرجة!
كنتُ أعتقد أنني مُطاردة بارعة وأعرف كل ثقب في حياتها، وأعترف أنني توقفتُ مؤخراً كي لا تشعر بالخوف مني، ولكن أن تجيد ديموس الرقص؟ هذا ما لم أتوقعه أبداً
"إنتِ شاطرة أوي!"
لم أفكر وأنا أقولها
"بجد؟ طيب لو فشلت في تعليمي، أنا كدة عرفت هشتغل إيه" قالتها مازحة
لكنها يمكنها فعلاً العمل كراقصة؛ فأنا لا أجامل حين أقول إنني أشعر بضآلتي كمراهقة بجوارها. أريدها أن تخلع هذه الملابس في أقرب فرصة
"أنا هدخل أغير هدومي الأول"
بادرتُ بالجملة وذهبت لغرفتي، كي أعطيها شعوراً ضمنياً بأن عليها هي أيضاً التغيير
شعور أن ديموس كبرت مرعب.. هل سأبقى معها حتى تشيخ؟ ماذا سيحدث في المستقبل؟ هل ستتزوج وتعيش مع رجل بعيداً عنا؟
اللعنة! الكبر شيء مخيف، ألا يمكننا أن نظل مراهقات للأبد؟
هي امرأة جميلة، ونسبة أن تتزوج كبيرة جداً، لا يمكنني تخيل الأمر، ولكن إن رآها أي رجل وهي ترقص هكذا سيطلب يدها بلا شك، أما عن شخصيتها الهشة، فهذا سيعجب الرجال أيضاً؛ إنها عروس مثالية في نظر المجتمع!
بدلتُ ملابسي وخرجت، ثم دخلت هي لتبدل ملابسها وجلستُ أنا بجوار سيليا
"تفتكري ممكن تتجوز؟"
سألتها على أمل أن أحصل على إجابة تهدئ أفكاري
"أكيد، دي ست نموذجية، وكل الستات اللي زيها بتتجوز"
أردتُ لكم سيليا في منتصف وجهها على واقعيتها الباردة
كيف يمكنني إخبار ديموس ألا ترقص أمام أي أحد دون أن تفهمني بشكل خاطئ؟
خرجت ديموس من الغرفة وجلست بيني وبين سيليا كما تفعل دائماً، إن تزوجت واختفت من حياتي، ماذا سأفعل؟ انتبهتُ الآن فقط أنني لم أخطط أبداً لمستقبلي
أعتقد أن علي ترك تجارة السموم التي أتورط فيها أ
حياناً والتفكير في مستقبلي.. أي جامعة سأختار؟
لا أصدق أن المختلة سيليا هادئة هكذا بعد سؤالي عن زواج ديموس؛ كنتُ أتصور أنها ستقتل أي شخص يجرؤ على طلب يدها
إذن مسألة ابتعاد ديموس عنا هي مسألة وقت فقط؟ اللعنة على كونها امرأة فاتنة! واللعنة على كوني لا أملك صلة قانونية تجعلني معها للأبد.. أنا مجرد صديقة
"تفتكري إيه الشغلانة اللي تليق عليا؟"
سألتها فجأة لأنني تعبت من التفكير وحدي، وسيليا كانت قد تركتنا ودخلت المطبخ تتعامل وكأنه منزلها
لكن جيد أنها ذهبت، أريد الحديث مع ديموس بمفردنا
فكرت ديموس لبعض الوقت ثم قالت بابتسامة
"محامية"
من موزعة مخدرات لمحامية قانونية؟ هذا مضحك ومستحيل! صحيح أنهم لم يمسكوني من قبل وليس علي شبهات، لكن الفكرة بحد ذاتها ساخرة
"إنتِ بتهزري!"
"بتكلم جد.. أنا متخيلاكي جداً وإنتِ لابسة الروب الأسود وبتترافعي في المحكمة"
قالت وصنعت بيديها شكلاً مستطيلاً كأنها تصورني بآلة تصوير خيالية
أنا.. محامية! هذا محال..
.
37 . فري
"لاتيه ولا موكا؟"
سألتُ إنشاد وأنا أنزل من السيارة لأدخل سيلينترو
"أنا مابحبش أي حاجة من دول!"
ردت ببرود
"يبقى لاتيه "
تجاهلتُ ردها ودخلتُ المقهى وطلبتُ كوبين لاتيه، فآخر ما ينقصني هو الأخذ برأيها المتصلب
لقد بدأتُ مؤخراً أشعر بتحسن؛ عملي الآن مستقر وأتقاضى أجراً جيداً، وما زلتُ أتشاجر أحياناً مع إنشاد، لكن الصراخ أصبح أقل، وأيضاً.. أصبح لدي أصدقاء، أتصدقون هذا؟ أصدقاء حقيقيون
"أنا اللي هدفع"
التفتُّ لمصدر الصوت؛ كان عدنان زميلي الذي تعرفتُ عليه في العمل
"ماشي"
رددتُ عليه وأخذتُ كوبي القهوة
لن أمانع أن يدفع لي، بل قد أجبره على ذلك؛ فمهما امتلكتُ من مال، ما زلتُ أحب شعور أن يقوم أحدهم بالدفع عوضاً عني
"إنتِ رود أوي، ملمستيش إيدي حتى لحد دلوقتي ولا سلمتي؟" تذمر عدنان
"أنا بشوفك أكتر ما بدخل الحمام، وبعدين إيدي مشغولة زي ما أنت شايف"
رددتُ عليه بلامبالاة، نحن نعمل معاً بشكل دائم، وصدقاً هو لطيف، يساعدني في إنهاء أعمالي إن تراكمت علي
"استني ثانية"
قال بجدية وتوقف عن السير، فتوقفتُ أنا أيضاً بخوف؛ هل حدثت مصيبة؟
مال بوجهه فجأة وقام بتقبيل خدي
"بما إن إيدك مشغولة ومينفعش تسلمي"
ما إن استوعبتُ ما حدث حتى مسحتُ خدي بكُمي مكان قُبلته، وكاد أحد الأكواب يسقط من يدي لولا أن عدنان أمسكه بسرعة أعتقد أن ردة فعلي كانت غبية حقاً وجارحة
"ما تمسحيش بوستي طيب!"
تذمر وهو يمسك الكوب ثم سأل بفضول وهو ينظر إليه
"كوباية مين دي؟"
"إنشاد"
رددتُ وأنا آخذها منه
"اتأخرتي ليه؟"
كان صوت إنشاد التي كانت تنتظر بجوار السيارة. التفتُّ إليها؛ كانت تبدو منزعجة جداً.. ما بالها؟ مددتُ كوب القهوة لها "قهوتك"
لم تأخذها مني، بل كانت تنظر لعدنان، الذي بدوره كان يحدق فيها بتركيز
"هو إنتوا تعرفوا بعض؟"
سألتهما باستغراب
لقد انتبهتُ الآن أنني لم أتحدث أبداً عن عدنان أمام إنشاد أو العكس؛ فحياتي تخصني وحدي
"لأ"
ردت إنشاد في الوقت نفسه الذي قال فيه عدنان بابتسامة غامضة "أيوة"
ما هذا التناقض؟
"مش فاكراني؟ أنا عدنان.."
قال عدنان محادثاً إنشاد ثم أكمل
"إحنا مكناش في نفس المدرسة، بس اتقابلنا قبل كدة بسبب شغلك"
هل يتحدث معها بالألغاز؟ ما الذي يجمعه بمحامية مثلها؟
"بدلي الكوباية دي بكوباية قهوة سادة" قالت إنشاد لي بآمر
هل تحاول إبعادي لتتحدث معه وحدها؟ ما نوع العمل الذي جمعهما؟
"أنا مش عار.."
توقفتُ حين أخذ عدنان الكوب من يدي
"أنا اللي هشربها"
ماذا يوجد بين هذين الاثنين؟
"سيليا.. ادخلي هاتي لي كوباية قهوة"
صرخت إنشاد، وكانتالغضب يتطاير من عينيها
"لو هتكملي اليوم بالشكل ده، أنا همشي مع عدنان"
أخبرتها بتحدٍ
فتحت فمها مرات عديدة، تحاول قول شيء ما، بدت مرتبكة ومستفزة
"مش كنتي هتقضي اليوم معايا؟"
سألت بهدوء مفاجئ
"مش هقضي اليوم معاكي وإنتِ بتزعقي في وشي طول الوقت.. أنا عندي ضغوطات مكفياني"
"مش هزعق"
قالت وهي تتمالك نفسها بصعوبة
شعرتُ أنني إن رفضتُ الآن ستنفجر أكثر
"ماشي، هجيب لك القهوة"
تحركتُ للمقهى لكن أوقفني عدنان ممسكاً بيدي، ثم وضع بها عملة نقدية من فئة المائتي جنيه! كوب القهوة لا يتخطى الثلاثين جنيهاً!
"مش هديك الباقي"
أخبرته بوقاحة ثم دخلت
راقبتُهما من خلف الزجاج؛ كانا يتحدثان بجدية، من الجيد أنهما لا يحاولان قتل بعضهما، لكني لا أفهم سر هذه الكراهية الواضحة على وجه إنشاد، أخذتُ الكوب وخرجت، وما إن رأياني حتى صمتا تماماً
ناولتُ إنشاد الكوب فقالت بلهجة آمرة
"يلا نركب"
"أشوفك بعدين يا عدنان"
قلتُ له، فجذبني وعانقني عناقاً سريعاً
هذا الرجل يتصرف بود دائماً، أعتقد أنه اعتاد معانقة الجميع
صعدتُ في السيارة مع إنشاد، وعندما مددتُ يدي لتشغيل المذياع أوقفتني ثم ناولتني مطهراً لليدين
"إيه المناسبة؟"
سألتُها ببلاهة
"إيدك مش نضيفة"
قالت وشعرتُ بالإهانة؛ يدي نظيفة تماماً! لكني استخدمت المعقم في النهاية لتجنب الشجار، فهي سيارتها
بعد أن عقمتُ يدي، أخرجت هي مناديل مبللة ومعقمة، ماذا؟ هل سأستخدم نوعين؟ سأنزل من السيارة لو طلبت ذلك! لكنها باغتتني وهي تمسح خدي بالمنديل بقوة
"بتعملي إيه؟"
تركت المنديل بإهمال وعادت للتركيز في القيادة
"خدك كان متوسخ"
ما هذا الهراء؟ يدي وخدي! مهلاً.. هل لأن عدنان قبلني وأمسك يدي؟ هل تعقمهما من أثره؟ هل تكرهه لتلك الدرجة؟ هي تكرهه أكثر مما كانت تكرهني في الثانوية! ماذا حدث بين هذين المخبولين؟
شغلتُ المذياع وأخذتُ أقلب القنوات، لا تعجبني الأغاني العادية، لذا أوصلته بهاتفي وشغلتُ أغنية "Free" لمروان بابلو.. وأعلم تماماً أن إنشاد تكره ذوقي وتكره بابلو، لكني سأشغلها في سيارتها رغماً عنها
أخرجتُ رأسي من النافذة؛ أحب فعل ذلك، يجعلني أشعر بالحرية والهواء يصطدم بوجهي، وكأنني أطير بعيداً عن كل هذا التعقيد
.
38 . مسرحية اختفاء
"ديموس!"
التفتت لي اليكس باستغراب، فتظاهرتُ بأنني ناديتُ اسم ديموس عن طريق الخطأ وقلت ببرود
"أوه.. سوري، افتكرتك هي، أصلك بتقلديها في كل حاجة"
تركتها وأكملتُ سيري وأنا أعلم أنها تحترق غيظاً؛ فأفضل روتين صباحي بالنسبة لي هو إزعاج تلك الفتاة
قد أدفعها من فوق المسرح اليوم أيضاً، ولن يرف لي جفن
رأيتُ ديموس أخيراً، كانت تقف مع بعض الفتيات وفي أيديهن دفتر النص المسرحي
"بتعملوا إيه؟"
سألتُ ليلتفت إلي الجميع بتوجس
"كنت بساعدهم يقرأوا النص صح، عشان مكتوب بالفصحى" ردت ديموس وهي تبتسم برقتها المعتادة
"وهما خدوا الدور ليه طالما مبيعرفوش يقرأوا النص صح؟"
انصرفت الفتيات باستياء بعد جملتي، وهذا أفضل؛ لم يعطوا ديموس الدور ومع ذلك يردن منها المساعدة!
"مكنش ليه لزوم اللي عملتيه ده"
قالت ديموس وهي منزعجة لأنني طردتهن
"فين سيليا؟"
سألتها لأغير الموضوع
"كانت بتتكلم مع ثابت"
سيليا تتحدث مع أحدهم؟ ما المناسبة؟
رأيتها تخرج من حمام الرجال وحذاؤها ملطخ بالدماء، تركتُ ديموس وأسرعتُ نحوها وسحبتها لحمام النساء مرة أخرى وأغلقت الباب
"مالك فيه إيه؟"
صرخت سيليا بمجرد دخولنا
"أنا مش عارفة قتلتي مين المرة دي، بس جزمتك مش نضيفة يا عبقرية"
نظرت لحذائها وانتبهت للبقعة، وبدأت تنظفها بلامبالاة مخيفة
لا ينقصني إلا أن تنتبه ديموس لوجود دماء على ملابسها
تركتها وخرجت، لكن ديموس كانت قد اختفت، هل سنلعب لعبة الاختباء تلك طويلاً؟ بدأتُ أبحث عنها كأن الأرض انشقت وابتلعتها، كنتُ أتصل بها ولا ترد. أتى وقت العرض وأنا جزء منه، فذهبتُ للكواليس مرغمة
أرسلتُ لسيليا رسالة قصيرة
"ديموس مفقودة"
وأنا أعلم أن سيليا، بطريقتها في تقفي الأثر، هي من ستجدها
قمتُ بالعرض المسرحي، وأجل.. دفعتُ أليكس وسقطت في منتصف المسرح، وتظاهرتُ بأنه خطأ غير مقصود
بعد العرض، أخبرتني سيليا أنها وجدت ديموس. شعرتُ براحة هائلة؛ فلا أحتمل فكرة ألا أعرف أين هي
تحدثت ديموس ذاك اليوم عن خوفها من أن تصبح وحيدة في المستقبل، لا أعلم ما الذي حدث وجعلها تقول هذا فجأة
"حصل حاجة؟ كنتِ فين؟"
سألتُها بقلق
"مكونتش في المسرحية.. حسيت إني مرفوضة.. ودي الحقيقة، المشرف رفضني.. بس حسيت إن المسرحية دي هي حياتي، وإني مرفوضة منها"
قالت بحزن شديد
هذه الفتاة تجعل أفكاري السوداء تتحرك؛ عند سماعها أدرك أنني محظوظة لأنني لا أفكر بهذا السواد، أنا بائسة ولكن ليس لهذه الدرجة، لكني لستُ سعيدة أبداً بحزنها. فجأة، أمسكت سيليا بتلابيب زي ديموس المدرسي وصدمت جبهتها بجبهتها بقوة، اللعنة! ماذا تفعل هذه المختلة؟
"إحنا معاكي وبنحبك وعايزينك"
قالت سيليا، وديموس تمسك جبهتها وتتألم
أردتُ صفع سيليا لكنني لم أستطع فعل ذلك أمام ديموس، وثانياً.. يبدو أن أسلوبها المختل نجح في تهدئتها، لأن ديموس عانقتها بشدة
خرجنا من المدرسة ركضاً، ودخلنا مقاهي ومولات ونحن نُطارد بعضنا كأن العالم لنا وحدنا، تناولنا وجبة سريعة لنكمل يوم التسكع، توقفت ديموس عند أحد المنازل المعروضة للإيجار وهمست لي
"ده بيتك"
هذا ليس منزلي؛ منزلي أصغر بكثير وليس في هذا الحي، هل هي تهلوس؟ بدا منزلاً غير مسكون تماماً، لكني لم أعلق وابتسمتُ لها فقط. عانقتها سيليا وأخذت تهمس في أذنها بكلام لم أسمعه
ضحكت ديموس، ثم أمسكت سيليا معصمها وسحبتها وركضتا، تبعتهما حتى وصلنا لمنزلي ودخلنا، لعبنا "الكوتشينة" وخسرت سيليا، فحكمت عليها ديموس أن تقلد مشهداً من المسرحية لأنها فاتتها، مثلت سيليا المشهد وأضافت إضافات سخيفة جعلت ديموس تضحك من قلبها، لا أراه مضحكاً بصراحة، ولكن ما دام يسعد ديموس فكل شيء بخير
عانقتني ديموس ثم قبضت بيدها على فكي وقبلت خدي برقة، لا أريد أن نكبر أبداً؛ أعتقد أن المراهقة هي أفضل فترة في الحياة ما دمنا معاً، شغلت سيليا أغنية شعبية؛ هي وديموس تحبان هذا النوع، أما أنا فلا أطيقه، لكني لم أعترض. أمسكت ديموس بيدي وسحبت سيليا أيضاً، كانت تقفز بسعادة عارمة، أستطيع تخمين أنها نوبة من نوباتها، ولكن نوبة السعادة أفضل ألف مرة من نوبة الاكتئاب
أوصلناها للمنزل في النهاية، وقبل أن تدخل، هرولت إلينا وعانقتنا بقوة
أتمنى رؤيتها سعيدة دائماً.. أريدها أن تبقى معي للأبد، ولا ترحل أبداً لتلك العوالم التي كانت تحكي عنها
.
39 . حفل لم الشمل
"هاي!، عايزة ديموس"
قلتُها لشقيقها بجمود وأنا أقف عند باب منزلهم
أعتقد أنه ابتلع لسانه من الرعب؛ فهو يعلم جيداً أنني لا أتردد في تحطيم أي شخص يقف في طريقي فقد سبق والتقينا
"سيليا!"
هتفت ديموس وأقبلت نحوي، ثم أمسكت بيدي بحميمية
كانت ترتدي فستاناً بنياً بنصف كم، يلتف حول جسدها بدقة، وشعرها المجعد يمنحها مظهراً ساحراً
"شكلك يجنن.. هجيب شنطتي وأجيلك، استنيني لحظة"
دخلت لتجلب حقيبتها وظل شقيقها متصنماً في مكانه كتمثال شمعي حتى خرجت وغادرنا معاً
قرر زملاؤنا في المدرسة إقامة حفل لم شمل بعد عامين من دخولنا الجامعة، إنشاد لن تأتي؛ لم أسمع عنها أي شيء منذ انتهاء الثانوية، وصدقاً.. لا أهتم
"سمعتِ أي حاجة عن إنشاد؟"
سألتني ديموس فجأة، وكأنه ينقصني سماع اسمها اليوم!
"لأ.. شكلها في جامعة داخلية أو حاجة كدة"
رددتُ بأي كلام ينهي الحديث عنها
وصلنا لمكان الحفل، واندمجت ديموس مع الحضور بسرعة بينما وقفتُ أنا أراقبها من بعيد، لا أصدق بأننا كبرنا؛ تبدو الآن آنسة جميلة في مقتبل الشباب، وفي كل يوم يمر أشعر بأنها تقترب أكثر من فكرة "الزواج"
أعلم أن أغلب النساء الروتينيات ينتهي بهن المطاف هكذا، لكن لدي أمل أن تخيب هي التوقعات، بمجرد زواجها ستختفي، وسيكون هناك رجل تعطيه كل الحب والاهتمام.. لن تعود لي أبداً
أشعر بأنني أنانية لأنني أريدها صديقتي للأبد، لكني مجرد فتاة وحيدة وعائلتي تكرهني، أنا بائسة جداً وعليكم تقدير هذا! ألا أستحق بعض الحب؟ أمنيتي في كل عام منذ الثانوية كانت ألا تتزوج ديموس أبداً
رأيتُ شاباً يقترب منها ويبدأ الحديث، حان وقت التدخل. تحركتُ لأقف بجوارها
"إيه الأخبار؟"
انتبها لوجودي، واستطعتُ تمييز هذا الشاب فوراً؛ لقد سبق ولكمتُ وجهه في الإعدادية..يعتقد أنني رجل
الجميع يعتقد أنني رجل..
"أمير.. إزيك؟"
سألته، فلاحظتُ ارتباكه الواضح وكأن أحدهم يخنقه، مددتُ يدي لأصافحه ببرود
"مشوفناكش من زمان"
صافحني بيد مرتجفة ثم نظر لديموس وعاد للنظر إلي بذعر "عندي حاجات ورايا لازم أعملها"
قالها ثم فر هارباً
"هو إنتوا صحاب؟ ومشي بسرعة ليه كدة؟"
سألت ديموس بتعجب
"قال وراه حاجات يعملها."
رددتُ بضجر، ولن أخبرها بالطبع عما فعلته به سابقاً
بدأت الموسيقى الهادئة تنقسم لثنائيات، شابكت ديموس يدها اليمنى بيدي اليسرى ووضعت يدها الأخرى حول رقبتي، بينما استقرت يدي على خصرها، أنا لا أهتم بهذا النوع من الرقص، لكنها مجرد خطوات بطيئة، أليس كذلك؟
تحركتُ معها حتى انتهت الموسيقى، وطلبت هي الذهاب للحمام انتظرتها طويلاً.. تأخرت بشكل مقلق. قررتُ تفقدها، وقفتُ أمام باب الحمام هذه حالة طارئة، سأدخل. فتحتُ الباب ورأيت ديموس تجلس على الأرض وتبكي بانهيار.. كانت تبتسم منذ دقائق فقط!
أسرعتُ إليها وسحبتها لحضني، فزاد نحيبها، لا أعلم في ماذا تفكر، لكن صوت بكائها يمزقني. هدأت أنفاسها أخيراً وعلمتُ أنها نامت من فرط التعب، حملتها وأخفيتُ وجهها في معطفي وخرجتُ من المكان متجهة لمنزلي، لحسن الحظ، والداي عند جدتي ولن يعودا إلا بعد ثلاثة أيام
وضعتها على سريري وسط الفوضى التي تملأ غرفتي؛ أليس هذا مكانها الحقيقي؟ الشيء الوحيد الجميل في حياتي الفوضوية، بدأ هاتفها بالرنين، كان شقيقها
"ديموس مش هترجع البيت النهاردة، وميهمنيش أي عذر هتقوله لأهلك.. دي مشكلتك إنت"
أنهيتُ المكالمة وأغلقتُ الهاتف تماماً
لماذا لم تتصل والدتي يوماً لتطمئن عليّ حين يتركونني وحيدة؟ التفكير في هذا يجعلني أشعر بكم أنا ابنة غير مرغوب فيها استلقيتُ على السرير بجوار ديموس تاركة مسافة بيننا، وأغمضتُ عيني
فتحتُهما فجأة وأنا أشهق بقوة إثر كابوس مرعب
استيقظت ديموس مذعورة وأسرعت لتضمني إلى صدرها، أخذتُ أسعل بسبب تنفسي المتسارع، فأحضرت لي كوب ماء. شربته دفعة واحدة ثم سقط الكوب من يدي وانكسر على الأرض
عادت ديموس لمعانقتي بقوة
"كل حاجة هتبقى كويسة.. أنا هنا"
كابوس آخر يجعلني أكره النوم، لكن وجودها جعل الظلام أقل وحشة
.
40 . أنت وحدك صديقها
"بصي لنفسك، إنتِ كبرتي وبقيتي مزة!"
قال نائل وجلس بجواري
لا أتذكر تفاصيل علاقتنا تماماً، لكن ما أنا متأكدة منه هو أننا لم نكن صديقين أبداً، نظرتُ للفراغ الذي خلفته إنشاد بدخولها المطبخ، ثم استطرد نائل قائلاً
"صاحبتك حلوة"
إنشاد! هل هي كذلك؟
لا أعلم، لم أنظر لوجهها لغرض غير لكمه من قبل
"سمعت إنك متضايقة"
واصل حديثه
فتجنب الإجابة "فكك.. إنت عامل إيه؟"
"كويس" رد ثم سأل بفضول وهو ينظر للحاسوب
"بتعملي إيه؟"
فأجبتُ
"بشتغل.. بصمم صور وأيقونات"
"ده كول أوي!" قال بذهول
سألتُه إن كان يريد شيئاً ليشربه، لستُ مهذبة لكنني فعلتُ لأنه ضيف، اعتذر لأنه يتبع نظاماً غذائياً
"لسه زي ما أنتي"
"نائل.. أنا مش فاكرة حاجة عنك، إحنا كنا صحاب؟"
سألته بشكل مباشر
"أنا كنت بعتبرك صاحبتي، بس إنتِ لأ.. كنت بدفع لك فلوس عشان تفضلي قاعدة معايا، لأن مكنش حد بيرضى يصاحبني.. وبعدين أهلي عرفوا موضوع التنمر ونقلوني مدرسة تانية"
لا أتذكر هذا، لكني أتذكر أنني لم أعتبر أحداً صديقاً وقتها، خاصة من كانوا يقتربون فضولاً لمراقبة "البنت اللي بتخبط راسها في الحيطة". لكن، ما الذي أتى به الآن؟
"إنت جيت ليه؟"
"صاحبتك فاكرة إننا كنا مرتبطين"
ماذا! إنشاد تعتقد أنني كنتُ مرتبطة بنائل؟ كيف عرفته أصلاً؟
"هي اللي سألتني عنك، وسألت لو كنا مرتبطين.. مش عارفة جابت الفكرة دي منين"
لقد كدت أنسى أن تلك المختلة مُطاردة بارعة! لكن كيف وصلت لنائل؟ هو لم يكن معي في الإعدادية! طلبتُ من نائل المغادرة لأنني أحتاج وقتاً مع إنشاد
غادر، فذهبتُ لغرفتها فوراً؛ كانت تمسك هاتفها ببرود
"عرفتي نائل منين؟"
صرختُ، فكان ردها مستفزاً
"هو إنتِ بجد مش عارفة إجابة السؤال ده؟"
"ليه بتنبشي في حياتي؟"
"كنت عايزة أساعد.. هو وجود نائل معجبكيش؟"
"مش عايزة مساعدتك، خليها لنفسك"
تركتها ودخلت المطبخ أحاول تنظيم أنفاسي، ليت ديموس كانت حية.. ليتها تزوجت وبقيت بعيدة، فبقاؤها حية أفضل من موتها، أغمضتُ عيني لثوانٍ فرأيتُ ديموس تُقتل في كابوس خاطف جسدي يرتعش، أحتاج للمساعدة. دخلتُ غرفة إنشاد ودفنتُ رأسي في حضنها دون تفكير
حين هدأ جسدي رفعتُ رأسي، فقبلت شفتاي فجأة! لكنها ابتعدت بسرعة
"سوري مكنش قصدي.. كنت عايزة أبوس راسك"
بدت مرتبكة، وكأنها فعلتها بالخطأ فعلاً
"أكبر جميل تعمليه إنك ماتدخليش في حياتي تاني.. أنا ونائل مكنش فيه بينا حاجة، ولا كنا صحاب أصلاً"
بمجرد إنهائي للجملة، قبلت شفتاي مرة أخرى، لكنها قصدتها هذه المرة؛ أحاطت خصري بذراعها وسحبتني إليها لتمحو المسافة، دفعتها بعنف وأنا ألتقط أنفاسي
"أنا لسه قايلك بطلي تحشري نفسك في حياتي!"
"طب وإيه رأيك أحشر لساني في بقك؟"
ماذا! من أين أتت بكل هذه الجرأة؟
"هرجع بيتي لو كملتي الهبل ده"
تركتها وعدتُ لعملي حتى المساء
غسلتُ أسناني وفركتُ شفتاي بعنف وكأنني أزيل أثرها، دخلتُ غرفة النوم، كانت هي في عملها، غفوتُ ثم استيقظتُ فزعة على انقطاع التيار الكهربائي، الظلام يرعبني
خرجتُ من الباب فاصطدمتُ بأحدهم.. إنه عطر إنشاد، تشبثتُ بها بقوة. اللعنة عليها لتركي وحدي!
دخلت المنزل وشغلت الأضواء الاحتياطية
"هغير هدومي بس وأرجع"
كانت ترتدي ملابس العمل الرسمية، ولأول مرة ألاحظ كم هي مثيرة في هذا الزي.. نائل كان محقاً
خلعت ملابسها في الغرفة، لم أنظر وهي تبدل بنطالها، لستُ منحطة لهذ الحد
جلست بجواري، أحاطت خصري وقربتني لتقبلني، هذه المرأة لا تمل! لكن فمها تفوح منه رائحة الكحول.. هل لهذا تأخرت؟ دفعتها فعادت لتمسكي بقوة وقبلتني بعنف؛ إنها قوية جداً وهي ثملة
صدمتُ جبهتي بجبهتها لأبعدها، وهربتُ للمطبخ، سأظل مستيقظة، لن أنام بجوار مخمورة
أعددتُ قهوة، فدخلت هي وراء لتقف خلفي
"أعملك كوباية؟ أعتقد إنتِ محتاجاها أكتر مني"
"هشربها لو كانت من بقك"
لا أصدق وقاحتها وهي ثملة!
"ممكن أتف في الكوباية قبل ما تشربيها، هيكون نفس الإحساس" رددتُ بضجر
جلستُ على المنضدة أرتشف القهوة، وابقيتُ رشفة في فمي ثم أشرتُ لها لتقترب، سحبتها من ملابسها وأفرغتُ القهوة في فمها.. كررتُ الأمر حتى انتهى نصف الكوب
كنتُ متعبة، لكنها لم تكتفِ؛ استغلت جلوسي على المنضدة، باعدت بين ساقي ووقفت بينهما لتمنع حركتي، ثم أحاطت خصري وقبلتني بشغف
"فقتي ولا لسه؟ أنا زهقت"
قلتُ حين فصلت القبلة، كنتُ أكسل من أن أبعدها
"بحبك"
سمعتُها تقولها بوضوح. هل تمزح؟ هل هذا هراء الثمالة؟ عادت لتقبيلي وأنا أحاول استيعاب ما سمعت، لماذا قد تحبني إنشاد بالأخص؟
في النهاية نامت ورأسها على كتفي وهي تقبل رقبتي بنعاس، أعدتها للغرفة ثم دخلتُ الحمام وغسلتُ وجهي مراراً، أنا لا أحلم.. إنشاد قالت إنها تحبني!
.
41 . موسيقى صاخبة
"أنا مبحبش المغنيين دول أصلاً!"
اعترضت إنشاد عندما أخبرتها أنني اشتريت تذكرتين لحفل يضم مجموعة من المغنيين الشعبيين
"لو مجيتيش هروح مع غيرك، متفتكريش إنك مهمة يعني"
رددتُ بضجر. أنا سعيدة بالحفل ولن أعكر مزاجي بسبب أحد
"يعني اشتريتي تذاكر لمغنيين أنا مبحبهمش، وزعلانة دلوقتي إني مش عايزة آجي؟"
"لازم تحبيهم، وتيجي معايا لو بتهمك صحوبيتنا"
رددتُ بحسم
كيف لها ألا تحب المغنيين الشعبيين؟ ذوقها سيئ جداً
"إزاي مش بتحبيهم؟ وبتسمي نفسك مصرية؟"
سألتُها بسخرية
لا تفعل شيئاً سوى السخرية من ذوقي، لكن مزاجي جيد اليوم، سأذهب وأستمتع معها أو بدونها
"خلاص، هروح معاكي"
قالت أخيراً وهي تتنهد تنهيدة طويلة
"كويس، هغير هدومي، وإنتِ اجهزي عشان نمشي"
لم أعطها وقتاً للرد؛ دخلت غرفتي وارتديت قميصاً بنصف كم مليئاً بالنقوش، وبنطال جينز بنياً وقبعة صيفية برتقالية، انتعلت حذائي ثم وضعت واقي الشمس وأخذته معي قبل الخروج
في غرفة الجلوس، وجدت إنشاد قد بدلت ملابسها وتجلس بضجر ممسكة بهاتفها
اقتربتُ منها وفتحت عبوة واقي الشمس، وضعت القليل على أصابعي ومِلت بجسدي لأمررها على بشرتها، كنتُ منشغلة بتوزيع الكريم على وجهها حين قربت وجهها أكثر فجأة وقامت بتقبيلي. دفعتها وأكملت عملي؛ هذا ليس وقت القبلات، لدي حفل أريد حضوره
علي الاعتراف أن قُبلات إنشاد، بعد أن أخبرتني وهي ثملة أنها تحبني، أصبحت تشعرني بالغرابة، هي لا تذكر ما حدث، وأنا لم أخبرها ولن أفعل، إن كانت تحبني فلتقتل نفسها فقط، أنا لن أدخل في علاقة، وبالأخص معها، وإن كانت لا تفعل وقالت هذا تحت تأثير الكحول، فلتقتل نفسها أيضاً لأنني لا أطيق فكرة اعترافها ذاك وهي غائبة عن الوعي
"يلا نمشي"
انتهيتُ من وضع الكريم لها ووضعت العبوة على المنضدة
صعدنا السيارة، ولم أشغل أي أغاني لأنني أردتُ سماعها حية في الحفل
عند وصولنا ودخولنا الزحام، تلقيت رسالة من عدنان يسألني أين أنا. أخبرته أنني في الحفلة، فقال إنه هنا أيضاً
أبعدت عيناي عن الهاتف وفجأة عانقني أحدهم بقوة؛ كان عدنان
"إزيك؟"
سألني عندما فصل العناق
"زي الفل"
أجبتُه، فنظر لإنشاد ومد يده لمصافحتها ببرود
"غريبة إني أشوفك هنا.. أهلاً"
صافحته إنشاد بجمود
"وإنت بتعمل إيه هنا؟"
"لو هتتخانقوا همشي وأسيبكم"
نظرتُ إليهما بحدة
"مكناش بنتخانق"
قال عدنان وربت على رأسي
"كنت عايز أقضي شوية وقت معاكي بس"
"ممكن نقضي وقت في مكان تاني، أنا جاية مع إنشاد وهفضل معاها"
كان علي البقاء معها بما أنني أجبرتها على المجيء
لوح عدنان بيده واختفى وسط الزحام، بدأ المغنيون يصعدون على المسرح؛ حسناً، لم أعد أهتم بشيء سوى الاستمتاع
"سيليا.."
التفتُ لإنشاد.
بدأت الموسيقى الصاخبة تتعالى، وهذا ليس وقت الحديث
"بعدين!"
أشرتُ لها بيدى، لكنها أمسكت معصمي وسحبتني إليها بقوة
"عايزة أقولك حاجة مهمة"
بالكاد أسمع صوتها وسط الضجيج
"إيه!"
رفعتُ صوتي
تحدثت بكلمات لم أتبينها، فصرختُ مرة أخرى
"علي صوتك!"
"أنا قتلت أمك"
هل ما سمعته صحيح؟ أم أن الموسيقى تلاعبت بأذني؟
"إيه!"
أعادت نفس الجملة ببرودٍ قاتل اخترق صخب الحفل
"أنا قتلت أمك"
.
42 . ميول سادية
لقد مر عامان.. عامان لم أسمع فيهما أي شيء عن سيليا
ذهبت ولم تعد بعد أن أخبرتها في تلك الليلة الصاخبة أنني قتلتُ والدتها. لم أرد إخفاء الأمر عنها، وفي الوقت نفسه لم أرد التنازل عن قتل تلك المرأة؛ لذا فعلتها ثم أخبرتها
ويبدو أنها كانت تحبها أكثر مما تخيلت، وهذا زاد كرهي لتلك الأم، مر عامان وما زلتُ أشعر بالفراغ، والحقيقة التي أدركتها جيداً هي أنني أحببتُ سيليا بصدق
زرتُ طبيباً نفسياً، وهدأت نوبات غضبي، لكن هذا لم يعدها إلي
"هتيجي تشوفي ماتش الطايرة بتاعي؟"
قرأتُ رسالة مالك
"هاجي."
رددتُ باقتضاب
ما زلتُ أرى أصدقائي، لكني لا أشعر بنبض الحياة، علي تقبل حقيقة أنها لن تعود أبداً
بدلتُ ملابسي وذهبتُ للنادي، جلستُ بين الجمهور بملل، بدأت اللعبة، وبينما أراقب اللاعبين، رأيتُ سيليا! فركتُ عيني مراراً.. إنها هي حقاً! شعرها أصبح أطول، تربطه للخلف، ملامحها تغيرت كثيراً وأصبحت أكثر نضجاً
قلبي ينبض بعنف، وأنفاسي تتلاحق، هي في الملعب وأنا هنا، لكني أشعر أنني من أركض، بعد انتهاء المباراة، أتت مع مالك نحونا وألقت التحية ببرود
"أهلاً"
لم أسمع صوتها منذ دهر؛ لقد افتقدته بشدة، لم أعتقد أنها قد تصبح أكثر وسامة وجاذبية، لكنها الآن كسرت كل توقعاتي، العرق يغطي وجهها وتمسحه بطرف قميصها الرياضي، وجسدها أصبح أكثر قوة.. رغم شعرها الطويل فإن تعبيرات وجهها الحادة لم تتغير، مازالت تبدو رجولية
ورغبتي في تقبيلها تشتعل
"أهلاً."
رددتُ عليها، ولم تكن تنظر إلي أصلاً
ذهب مالك وهي لتبديل ملابسهما وظللتُ أنتظرها بآلاف الأسئلة، لماذا تلعب مع مالك؟ ولماذا لم يخبرني؟ عادا بملابس مختلفة، واقترح نيرو أن نأكل معا، جلسَت سيليا بجوار مالك وكانت تعبث بهاتفها، ثم استقامت
"هروح الحمام"
تبعتُها بعد تردد، فتحتُ الباب ووجدتها تجلس على طرف أحد الأحواض، انتبهت لي وخللت أصابعها في خصلات شعرها مرجعة إياه للخلف بحركة أربكتني
"أهلاً"
قلتُ، فردت ببرود
"أهلاً"
"إنتِ متضايقة إني هنا؟"
سألتُها مباشرة
"لأ"
قالت وهي تضع الهاتف في جيبها
"طيب.. إنتِ عاملة إيه؟"
"كويسة، وإنتِ؟"
"كويسة"
كان الرد يعني نهاية المحادثة
شعرتُ أنها ترفض وجودي بطريقة مهذبة
"طيب، هسيبك براحتك"
خرجتُ وأنا أشعر أن قلبي تمزق لأشلاء
بعد الغداء، خرجنا، كنتُ أريد العودة للمنزل والبكاء
"إنشاد.."
ناداني مالك
"شكلك مش كويسة، مش هينفع تسوقي"
هو محق، سأرتكب حادثاً من فرط دموعي
"هطلب تاكسي"
"ليه؟ سيليا هنا ممكن تسوق هي"
ماذا! سيليا معي في السيارة؟، لم استطع الاعتراض وكنت اعتقد أنها لن توافق لكنها وافقت
صعدنا معاً، ولأول مرة تقود هي سيارتي، كان الصمت ثقيلاً، وصلنا للمنزل، شكرتها ومدت يدها لتناولني المفاتيح، لمست يدي وسرت قشعريرة في جسدي
"تحبي تدخلي؟"
سألتُ بغباء، وتوقعتُ الرفض
لكنها أخذت المفاتيح وفتحت الباب ودخلت وأغلقته خلفنا
متى يمكنني البكاء؟ أريدها أن تذهب لأن قربها يؤلمني
"إنتِ كويسة؟"
سألتني، فالتفتُّ إليها
"أيوة، تشربي حاجة؟"
اقتربت مني ومسحت بكفها على خدي؛ لم أفهم حتى شعرتُ ببلل دموعي، كنتُ أبكي دون أن أشعر
"مش عارفة مالي.. عيني وجعاني تقريباً"
ضحكتُ بتصنع، لكنها لم تضحك
عدتُ خطوة للخلف وتعثرت، فاحتضنتني ذراعها القوية قبل أن أسقط
"أنا كويسة مش محتاجة.."
حاولتُ إبعاد يدها لأن قربها يؤذي قلبي، لكنها قطعت جملتي بقبلة عنيفة ابتلعت كلماتي
كانت جريئة جداً، شعرتُ بلسانها في فمي.. هل هذا حلم؟ فجأة دفعتني وسقطتُ على الأريكة، وفكت حزام بنطالها وقامت بربط يدي! مهلاً.. ماذا!
عادت لتقبيلي ولا أفهم شيئاً، كيف تركتها تفعل هذا؟
"عايزة ألمسك.."
لهثتُ حين فصلت القبلة
"بعدين"
قالت وعادت لتقبيلي، ثم انشغلت بهاتفها الذي رن فجأة
"بتكلمي مين؟" سألتُ بضيق، فلم ترد
"فُكيني.. عايزة ألمسك"
تركت الهاتف وهمست في أذني
"مش ده اللي كنتِ عايزة تعمليه فيا زمان؟"
"إيه!"
هل ما زالت تتذكر رغبتي القديمة في تقييدها؟
صفعت فخذي بقوة وقالت
"لسه عندك رغبات زي دي ناحيتي؟"
"هو ده فخ؟ لو قلت أيوة هتفضلي تضربيني؟"
سألتُها فضحكت بخبث، وشعرتُ بالراحة لرؤية ضحكتها
صفعت فخذي مرة أخرى؛ يدها أصبحت أقوى بكثير
"مظنش إنك فجأة بقى عندك ميول سادية ناحيتي، إنتِ بس عايزة تضايقيني.. فكيني"
بالتأكيد ليس لديها ميول سادية، هي فقط تريد ضربي كعادتنا في الماضي، لكن الفرق أن يدها أصبحت أقوى
"إيه تاني؟"
سألتُ بضجر، فكررت الصدمة. بدأتُ أشك، هي حقاً تريدني أن أتألم
فكت الحزام فغطيتُ وجهي بيدي من الخجل، شعرتُ بشفتيها على يدي
"وحشتيني"
سمعتها! هل قالتها حقاً؟ أبعدتُ يدي بسرعة
"قلتي إيه؟"
"وحشتيني."
أعادتها، فعانقتها بشدة، هي حقيقية
بدأتُ أنثر القبلات على وجهها، فأبعدتني وأمسكت الحزام
"إيه رأيك نجربه في حاجة تانية؟"
أسرعتُ لأتحرك وسقطتُ من فوق الأريكة قبل أن تضربني به، فأصاب الأريكة بدلاً مني
"إنتِ مش هتضربيني بيه صح؟"
سألتُ وأنا أقف
"وليه لأ؟" قالت ضاحكة واقتربت
"عايزة أشوف جلدك ملون بالأحمر.. أو البنفسجي."
وابتسمت
"خلينا نتفاهم كبار، وسيبي الحزام"
"الميول السادية في العلاقات مش للصغيرين"
قالت وهي محقة، لم استطع الهرب منها في النهاية وبدأت تقبلني بشغف
لم أكن أتخيل أن أكون مع سيليا في وضع كهذا؛ بجسد مخدر وهي من تتحكم بكل شيء
"بحبك"
لا أعلم هل قلتها أم أهلوس، لكنها ابتسمت وقبلت خدي، غبتُ عن الوعي بعدها من فرط التعب
استيقظتُ ووجدتها بجواري، أبعدتُ خصلات شعرها عن وجهها وقبلتُ جبينها، فاحتضنتني بقوة، في حضنها لا أعلم ماذا حدث لها في العامين الماضيين، لكنها تغيرت بالكامل؛ ما زالت نفس المرأة التي أحببتها، لكنها أصبحت أكثر قوة، أكثر خبثاً.. والأهم، أنها تبادلني المشاعر بجنونها الخاص
.
43 . حدود الذاكرة
شعرتُ بحزن شديد عندما علمتُ بأن والدتي قد فارقت الحياة، بل إن إنشاد هي من قامت بقتلها أيضاً، قررتُ تركها، لن أبقى معها بعد الآن؛ لم يكن عليها قتلها، كان يمكن أن تُحبني يوماً ونكون عائلة رائعة.. هكذا كنتُ أتوهم
تدهورت حالتي يوماً بعد يوم، وفي النهاية ذهبتُ إلى طبيبة نفسية وطلبتُ مساعدتها، كانت الجلسات مكثفة؛ طلبت مني ممارسة الرياضة، ففعلت، بدأتُ أذهب للنادي، أرفع الأثقال، أتناول طعاماً صحياً، وأتابع العلاج الدوائي
استغرق تحسني وقتاً طويلاً، لكن جسدي أصبح أقوى، وتعلمتُ أمراً مهماً
أنا لستُ شخصاً سيئاً، أنا لم أفعل أي شيء ليكرهني والداي، هما فقط اختارا معاملتي كالقمامة
قابلتُ مالك وأخبرته ألا يُعلم إنشاد بأننا نلعب معاً، كنتُ كلما رأيتُ صورها أشعر كم أفتقدها
لقد فهمتُ مشاعري أخيراً؛ أستطيع الآن الشعور كأي إنسانة طبيعية، أريد تقبيلها، والقبلة بالنسبة لي الآن ليست مجرد قبلة.. أنا أحبها. طلبتُ من مالك دعوتها لإحدى المباريات، أردتُ رؤيتها
"أهلاً!"
ألقيتُ التحية وتجنبتُ النظر إليها بسبب الضغط النفسي لوجود أصدقائنا، كنا نذهب لمطاعم وأنا أتحدث مع صديقتي عبر "واتساب" أسألها عن رأيها
حتى دخلت إنشاد الحمام، سألتني إن كنتُ منزعجة، فأجبتها ببرود، ثم غادرت هي بصمت، هل هذا كل شيء؟ لا توجد فرصة للحديث؟ رؤية وجهها جعلتني أرغب بها أكثر، لكن بمشاعر مختلفة.. أريد السيطرة هذه المرة
خرجنا من المطعم واقترح مالك أن أقوم بإيصالها، كنا صامتين حتى وصلنا لمنزلها، بدت متعبة، أو ثملة، دخلتُ معها ولاحظتُ دموعها.. مسحتُها بكفي، وكادت تسقط لولا أنني أمسكتُ بها، في النهاية قمتُ بتقبيلها، فككتُ حزامي وقمتُ بتقييدها.. لربما التقييد يجعل الأمر أكثر إثارة حقاً!
عدتُ لتقبيلها وعندما فصلتُ القبلة طلبت أن أفك قيدها لتمسني
"بعدين"
رددتُ عليها
قاطعنا رنين هاتفها، كانت صديقتي، أرسلتُ لها رسالة أن كل شيء بخير، كانت إنشاد منزعجة، أعتقد أنها شعرت بالإهانة لأنني فصلت القبلة بسبب الهاتف
"مش ده اللي كنتِ عايزة تعمليه فيا زمان؟"
أخبرتها
صفعتُ فخذها وكان شعوراً قوياً؛ كانت تظن أنني أستفزها فقط، لكنني كنتُ أستمتع، فككتُ الحزام لأن وجهها كان شديد الاحمرار، فغطت وجهها بيدها، قبلتُ يدها وهمست
"وحشتيني"
كانت هذه أول مرة أقولها بصراحة، عانقتني وأخذت تقبل وجهي "بحبك"
كان من الرائع سماعها تقولها وهي ضعيفة تماماً بين يدي.
قبلتها حتى فقدت الوعي، ووضعت علامات حب على رقبتها، استلقيتُ بجوارها وأنا أعلم أننا نضجنا بما يكفي لنواجه العالم، استيقظتُ ووجدتها تعبث بشعري
أمسكتُ يدها وقبلتها
"هعملك حاجة تشربيها"
عدنا للعيش معاً بنضج أكبر، احتجنا لعاملة تنظيف، ونشرتُ على تويتر فدلتني جلنار على سيدة لطيفة، الغريب أنها كانت تشبه إنشاد تماماً! سألتُ جلنار صراحة
"هي دي والدة إنشاد؟"
"أيوة"
ردت بدون مراوغة
أخبرتني السيدة أنها تركتها قديماً لتهرب بها من والدها المختل، لكن الظروف فرقت بينهما، أخبرتُ إنشاد بالحقيقة، ولم تصدق حتى رأتها، عانقتها، وسحبتني إنشاد لتخبرها بأنني حبيبتها، وأنها إن لم تتقبلنا يمكنها الرحيل مجدداً، لكن السيدة تقبلت الأمر، وهذا شيء لم تكن والدتي لتفعله أبداً
قضت معنا وقتاً طويلاً واعتادت رؤيتنا نُقبل بعضنا خلال اليوم، روت لنا عذابها، وشعرتُ أنها عانت مثلنا، ولهذا تقبلتنا، تركت إنشاد عملها كمحامية وبدأت تتعلم شيئاً جديداً يريح أعصابها، وكنتُ أساعدها في البحث عن شغفها
نحن نعيش بسلام الآن؛ تبادلنا الخواتم في ليلة رأس السنة، وأصبحنا مخطوبتين رسمياً. لا أؤمن بالزواج كقيود، لذا لا أمانع أن نبقى معاً هكذا، وضعتُ باقة زهور عند قبر ديموس، جئتُ مع إنشاد، وأصبحتُ أزور قبرها دون بكاء.. وهذا إنجاز كبير
لقد وصلنا معاً إلى حدود ذكرياتنا وأصلحنا كل الحطام الموجود بها. سيكون كل شيء على ما يرام لاحقاً، وسنتجاوز أي مشكلة نواجهها.. معاً
مع خالص حبي،
سيليا كامل ريان.. حبيبتكِ
.
44 . مشاكل الآباء
"إنتِ بتحبي باباكي يا دكتورة؟"
سألتُها لتتوقف فجأة عن التدوين في دفترها
"هو إنتِ عندك أب كويس ولا وحش؟ وإيه هو معيارك للسوء أصلاً؟"
استرسلتُ في حديثي وأنا أراقب ملامحها الجامدة
أغلقت دفترها بهدوء ثم قالت
"مش هقولك أي حاجة، ده يخالف أخلاق المهنة"
"أخلاق زبي! إنتِ لازم تسليني.. إنتِ جيتي هنا غصب عنك، ومبتطقنيش أصلاً، فـ اتكلمي وخلصينا"
رفعت حاجبيها وهي تنظر إلي باستغراب من طريقتي
"هو باباكي عايش؟"
سألتُها بفضول
أخذت نفساً عميقاً
"أيوة"
"عايشة معاه ولا لوحدك؟"
"عايشة لوحدي"
كانت ترد باختصار شديد وكأن الكلمات تخرج منها بصعوبة
"عشان كبرتي يعني؟"
"لأ.. عشان هو في السجن"
حسناً، ها هي المحادثة تأخذ منحنى آخر وممتع
"ليه هو في السجن؟"
"عشان قتل أمي"
"وليه قتلها؟
الأمر ليس غريباً تماماً، فجرائم قتل الزوجات أصبحت طقساً يومياً، لكن الفضول كان ينهشني
"عشان متخلف"
يبدو أنني أضغط على أعصابها العارية، وهذا يسعدني ويشعرني بالقوة
مددتُ يداي المقيدتان بسرعة خاطفة إلى جيب معطفها الأبيض، وخطفتُ بطاقة عملها، قرأتُ بصوتٍ مسموع
"كيان فراس أشرف زكي"
تركتُ البطاقة على الطاولة وتابعت
"ليه محكموش عليه بالإعدام؟ كانت حادثة يعني؟"
"قال إنها جريمة شرف.. اتهمها بالخيانة، وبكدة هرب من حبل المشنقة"
ليس شيئاً غريباً على رجل عربي؛ يقتل المرأة لأي سبب ثم يلقي بكلمة "شرف" ليغسل يديه من دمها
"وهي مامتك كانت بتخونه فعلاً؟"
أخذت بطاقة عملها من الطاولة بحدة وقالت
"والدتي سخرت حياتها كلها عشان تتعامل مع جنونه، لدرجة إنها مكنش عندها وقت تقضيه معايا أنا.. تفتكري كان عندها وقت تخونه؟"
"بتحبي باباكي؟"
أعدتُ سؤالي الأول ببرود
استقامت واقفة بآلية
"أنا مش صاحبتك، متحاوليش تتكلمي معايا في أمور شخصية تاني"
"البقية في حياتك يا دكتورة"
أخبرتها وهي ترمقني بنظرة غريبة لم أفهمها، ثم انصرفت
مرت الأيام، وخرجتُ من السجن بفضل دهاء إنشاد، علمتُ أن "فراس أشرف زكي" قد أنهى عقوبته المخففة وخرج هو الآخر ليمارس حياته كأن شيئاً لم يكن، بدأتُ بجمع المعلومات عنه، تتبعته كظلي، عرفتُ ملامحه القبيحة التي تشبه ملامح والدي في لحظات غضبه
انتظرته في زقاقٍ مظلم قرب منزله الجديد، لم أتردد لثانية واحدة، سحبته من شعره بكل قوتي، تلك القوة التي اكتسبتها من سنوات القهر، لم يكن قتلاً سريعاً، أردتُ أن يشعر بكل ذرة وجع سببه لكيان ولزوجته الراحلة
بعد أن انتهيتُ منه، وضعتُ وجهه في وعاء كبير مليء بالماء القذر في مدخل بنايته، تركته جثة مشوهة المعالم، لم أكن أشعر بالندم، بل شعرتُ بخفة غريبة
الم أخبركم انني قاتلة من قبل؟
.
45 . زقاق الظلال
تسللتُ عبر شوارع الحي الضيقة، كانت خطواتي المتعثرة تفضح قلقي الذي أحاول جاهدةً إخفاءه؛ فالفضول كان دائماً هو محركي الأول، واليوم غلبني تماماً وجرّني لمكانٍ لا يشبهني، لم تكن جدران الحارة المتآكلة ترحب بالغرباء أمثالي، لكنني استمررتُ في المضي، حتى حاصرني الظل
فجأة، ظهر ثلاثة مراهقين بملامح قاسية ونظرات جائعة من العدم، لمحت عيناي نصل سكين يلمع في الضوء الباهت، وبحركة خاطفة انتزعوا مني حقيبتي وكل ما في جيوبي، انطلقت صرخة مكتومة من حنجرتي، ثم انفجرتُ بالبكاء؛ شهقاتي كانت تمزق صمت الزقاق الموحش، وشعرتُ بضآلتي وعجزي لأول مرة في حياتي
بينما كنتُ غارقة في دموعي وخوفي، شق صوت نسائي حازم دخان المكان
"مالك يا بت بتعيطي ليه؟"
رفعتُ رأسي لأرى امرأة ترتدي ثوباً فضفاضاً، تنبعث منها هيبة غريبة جعلتني أصمت رغماً عني
"أنا اتسرقت.. سرقوني.. والحاجات مش بتاعتي والله!"
رددتُ بنحيبٍ وأنا أرتجف
أمسكت هذه المرأة بيدي المرتجفة، وقالت بنبرة لا تقبل الجدال
"وريني مين اللي سرقك"
جذبتني خلفها إلى عمق الزقاق، حيث تتجمع فئة من اللصوص والمنبوذين. كان المشهد مهيباً؛ لم يجرؤ أحد على النظر في عينيها. أشارت بإصبعها نحو الفتية الثلاثة، وبنظرة واحدة منها، أُرغم الصبية على إعادة كل ما سلبوه بذل لم أتخيله
التفتت إليهم وبصقت على الأرض قائلة باحتقار
"ما تسرقوش من عيال تاني.. مش هتعيل هي!"
عادت إلى مكانها بوقار، سحبت نفساً عميقاً من الشيشة الموضوعة أمامها، وأخرجت الدخان ببطء وهي تراقب انبهاري الواضح بها، لم أستطع إبعاد نظري عنها، ولا عن تلك الهيبة التي تجعل الشوارع تنحني لها، لاحظت نظراتي، فقالت بابتسامة ساخرة
"عايزة تجربي؟"
اتسعت عينائي، وسألتُ بتردد
"هو ممكن؟"
مدت لي الخرطوم في صمت، أخذتُ نفساً واحداً فكادت رئتاي تنفجران من السعال، لتعلو ضحكتها المجلجلة في المكان، ضحكة مليئة بالقوة والسطوة. أشارت لي بالرحيل قائلة
"ارجعي بيتك يا حبيبتي، وخلي بالك بعد كدة"
انسحبتُ بتردد وقلبي يخفق بشدة، وعند طرف الزقاق توقفتُ تماماً وألقيتُ نظرة أخيرة على تلك المرأة، سألتُ عنها فأخبروني أنها تُلقب بالست، وأنها كبيرة موزعي المخدرات في المنطقة كلها
في تلك اللحظة، فكرتُ في أن أكون في عالمها، ذلك اللطف غير المتوقع الذي غمرتني به وسط قسوة الزقاق جعلني أشعر أن هذا المكان، رغم خطورته، قد يكون مكاني، وبسبب ذلك الموقف، وبسبب "الست" تحديداً، قررتُ أن أبدأ طريقي في توزيع المخدرات؛ لأنني أردتُ أن أنتمي لعالم تلك المرأة التي أنقذتني بكلمة واحدة بعد أن اهلكتني الشوارع والتسول
.
تمت.
عظمه 🥰
ردحذف