رواية ليست عائلتك النموذجية+ الجزء الثاني كامل

 الجزء الثاني من ليست عائلتك النموذجية.

(تحتوي على علاقات مثلية)

(الحوارات بالعامية المصرية)


مدخل

[منشور على فيسبوك - حساب مجهول]

"التبني عمره ما هيكون زي الخلفة، الطفل اللي مش من دمك مش ابنك الحقيقي، ومهما حاولت تقنع نفسك غير كده، عمرك ما هتحس إنه ابنك بجد إلا اما يكون من صلبك وتلمسه أول ما يتولد"


"كلام فارغ، العيلة مش مجرد جينات، العيلة هي الأمان والحب، في ناس بتخلف وترمي عيالها في الزبالة، وناس تانية تربي أحسن من مليون أب وأم من غير أي صلة دم أو حتى قرابة من بعيد"


"طب ممكن افهم الكلام دا لو من ست انما إنت كراجل كل اللي عملته إنك نمت مع الأم بتتكلم بصفتك إيه؟، طالما معندكش رحم يشيل عيل وكس ينزله يبقى ما تفتحش بؤك خالص"


"الناس هتعارضك عشان بتقول الحقيقية، تخيل تجيب عيل من الشارع وتعيشه معاك، لا تعرف مين اهله ولا جاي منين، ربنا يحفظنا"

كان هناك رد على التعليق

"ما في ناس عارفين جايين منين واهاليهم مين وبيطلعوا ولاد وسخة زيك كده"


"يعني هو حد جه جمب ميتينك وغصبك تتبنى يعني؟، بتتكلم بالنيابة عننا ليه هتحس بدالنا يا كسها؟"


"طب يا شيخنا الأب لو مسافر ومعرفش يلمس الولد أول ما يتولد كده الحكمة باظت ولا إيه؟"


.


الجزء الثاني من ليست عائلتك النموذجية

الجيل الجديد من عائلتك الغير نموذجية

.











.



1. الحقيقة في إجازة

ـبعد مرور ثلاث سنوات-


(نجوت)

كان وشماً على عضد زين واسفله وشم آخر يتكون من أنماط سحابية ذات خطوط رفيعة ومتعرجة تمتد بطول الساعد، مع بعض النجوم الصغيرة المنتشرة حولها


كان يقف أمام المرآة ويقوم بإستخدام اداة فرد الشعر لصنع تموجات خفيفة في شعره الذي صبغه باللون الأشقر، وكان قد قام بثقب قرط في جسر انفه


انتهى من تصفيف شعره ونظر إليها بفخر ثم التقط صورة لنفسه، كان يحب شعره أن يكون بطول معين، ليس طويل جداً لأن العناية به تأخذ مجهوداً كبيراً، أو قصيراً لدرجة الكتف فقط لأنه يحبه أطول، يتجاوز شعره الكتف قليلاً 


سمع صوت طرق على الباب

"ادخل"


دخلت تاليا

"يلا عشان لو اتأخرت هنمشي ونسيبك"

قالت ورد عليها

"ثواني بس، هلبس الجذمة"


مرت تاليا على غرفة بسيوني وطرقت الباب، بعد مدة فتح زياد وكان قد استيقظ للتو، إبتسم وقال بنبرة ناعسة

"صباح الخير يا حبيبي"


"صباح النور، زيكو، حولي فلوس عشان خلصوا"


"عنيا، عايزة كام؟"

سأل ثم سار للطاولة ليحضر هاتفه


"عشرة"

ردت باسمة وفتح تطبيق انستا باي ثم قال

"بعتلك عشرين، انبسط يا حبيبي، لو هتتأخري طمنينا، ماشي؟"

قال ثم قبلَ جبينها


"زين أنا ماشية"

نبهته بينما تسير للباب، تبعها مُلهم الذي كان ينتظرها جالساً على الأريكة 


انتعل زين حذائه بسرعة ثم أخذ حقيبته وتبعهما ليصعد في السيارة، انتقل مُلهم بشكل كُلي للعيش مع زياد واصبح فرداً من عائلة بسيوني


اوصل زين هاتفه بالسيارة وشغل أغنية لليدي جاجا بينما يضع مرطب الشفاة


I wanna kiss you

But if I do, then I might miss you, babe

It's complicated and stupid

Got my ass squeezed by sexy Cupid


ركنت تاليا السيارة في جراج الجامعة ثم نزلوا منها، كان زين المتأنق بينهم، يرتدي تيشيرت أبيض فوقه قميص اخضر مفتوح الأزرار طويل يصل لتحت الركبة، وسروال قصير أزرق يظهر وشم الجعران الكبير والواضح أعلى ركبته، حول رقبته مجموعة قلائد، وعلى أظافره طلاء أظافر أسود، رفع قرط جسر أنفه ليخفيه 


احتفظ مُلهم بشعره الطويل ورفض قصه، يرتدي ملابس روتينية في محاولةً للبقاء بعيداً عن الأنظار، هودي أسود وجينز أزرق، ويضع دوماً سماعات رأسه ليتجنب الحديث مع أي أحد


تاليا كانت ترتدي الملابس التي تريحها في الحركة، سروال رياضي وبلوزة باللون الأبيض، ترفع شعرها دوماً لأنها تكره أن يفسده الهواء وتحركها المستمر


أخرج زين ادوات رسمه من صندوق السيارة ثم سار لمبنى كليته، اختار كلية الفنون، وإختار مُلهم الأداب، أما تاليا فإختارت التاريخ رغم أنها غير مقتنعة بحاجتها للجامعة فهي تراها غير مفيدة


دخل زين القاعة وبدأ الطلاب يراقبونه كالعادة لأنه كان دائماً الأكثر تأنقاُ


"زين"

هتفت فتاة ذات شعر قصير مجعد مصبوغ بالأحمر القاتم، كانت لبنى واحدة من أشهر فتيات الجامعة، وتحب مرافقة زين، تضع مساحيق مبهرجة، وترتدي بنطال جينز ضيق وبلوزة وردية قصيرة تكشف سرتها، وتضع نظارة وردية اللون كإكسسوار


"لولي!"

هتف عند رؤيتها ثم ضربا كفيهما ببعضهما


"بص ضوافري"

قالت بحماس وهي ترفع يدها لتريه التصميم الذي كان قلوباً وردية لامعة ونجوم


"تحفة"

رد باسماً بحماس


دخل طالب جديد القاعة، كان من السهل ملاحظة الطلاب في كلية الفنون لأنهم قليلون


كان ذو بشرة خمرية، شعر مجعد بني وتقسيمات وجهه حادة، يرتدي ملابس شتوية رغم ارتفاع حرارة الجو، كان الجميع منتبهين إليه إلا زين لم يكن مهتماً أو فضولياً ويشعر بأنه من الغباء الشعور بالفضول تجاه شخص لا يعرف عنه أي شيئ إلا مظهره 


"زين ممكن تجيب الالوان من الاوضة؟"

كان الأستاذ يسأله وذهب زين فوراً لغرفة التخزين وأحضر الألوان وبينما يخرج وجد الطالب الجديد أمامه


"الدكتور عايز حاجة تانية؟"

سأل زين ببلاهة


"قلم السبورة"

رد الطالب بهدوء وعاد زين لداخل الغرفة وأحضره

"اوكاي، جبته"


تبعه الطالب كظله حتى عودتهما للقاعة، لم يهتم زين بالأمر وبعد إنتهاء المحاضرة ذهب لقاعة الطعام 


"سمعت أنه نقل في آخر لحظة"

كانت لبنى تتحدث بينما يأكل زين بعدم إهتمام ويتصفح انستجرام


"بكلمك"

نبهته لبنى ورد بضجر

"إيه المهم عن طالب جديد نقل؟، ايدونت جيف ا فاك بصراحة"


"بيقولوا كمان أنه كان في عصابة أيام ثانوي"

قالت ولم يكن زين يبدي أي تعبيرات إهتمام

"يعني كويس نفضل بعيد عنه"


"ليه؟، إنت مش كيريوس ناحيته؟"

سألت بإستغراب


"خالص، إيه الانترستنج في واحد كريبي؟"

قال ثم استقام واقفاً عندما لاحظ طلاباً يقتربون من مُلهم الذي دخل قاعة الطعام للتو


دفعهم مروراً لمُلهم ثم وقف أمامه مواجهاً اياهم

"في حاجة؟"


انصرف الطلاب في النهاية

"ما تيجي تقعد جمبي أنا ولولي؟"

اقترح زين


"عشان الكل يبصلي!، شكراً، إنتم ملفتين جداً"

رد وقهقه زين

"ماشي يا عم براحتك"


مرت الأيام وكانت الشائعات تنتشر حول الطالب ولم يكن زين مهتماً أبداً، وضع سماعات اُذنه ثم خرج من الجامعة وطلب سيارة أجرة


If your lips are moving, if your lips are moving

If your lips are moving, then you're lyin', lyin', lyin', baby


نزل من السيارة عند ملجأ للحيوانات

"هاي زين!"

القت موظفة الاستقبال التحية عليه


"هاي لي لي"

رد التحية باسماً ثم ترك أغراضه على المقعد ودخل لتفقد الجراء واللعب معهم


"إنتم متفقين ولا إيه؟"

التفت زين ورأى إبراهيم الذي كان يتحدث، وخلفه أمجد


كانت هيئة أمجد كأي رجل روتيني كذلك ملابسه، تيشيرت أبيض وبنطال أسود، عانق زين إبراهيم كالعادة فقد كانا صديقين مقربين ويمر عليه بإستمرار


"مش تبطل لبس الخولات دا؟"

قال إبراهيم وعينيه على ساقي زين العاريتين


وضع زين يده على وجهه ليزعجه دافعاً اياه للخلف

"خليك في لبس العواجيز بتاعك"


أخرج أمجد سيجارة من جيبه وعندها نبهه إبراهيم

"مش جمب الكلاب"


"عندك أكل؟"

سأل زين وهو ينفض التراب عن يديه


"ممكن نطلب، تاكل إيه؟"


"تشاينيز نودلز"

هتف بحماس وخرجوا من منطقة الجراء


بدأ أمجد يدخن بينما يقوم زين بمشاركة رسوماته الجديدة مع إبراهيم بحماس

"هطلع بيكاسو زماني" 

قال بغرور


"ممكن ناخد بيكا دي انما سو ما اضمنهاش، يعني حمو بيكا أقربلك"

قال مازحاً وقهقه وعندها صفع زين كتفه

"يا برودك"


"هاي!"

نظروا لمصدر الصوت، كان الطالب الهادئ الجديد في جامعة زين، تظاهر زين بأنه لا يراه فهو كان يشعر بأن هذا الطالب يبحث عن الإهتمام وهو لا يريد إعطائه ما يريد


"لي لي، شوفي الأستاذ عايز إيه"

نادى إبراهيم لي لي


"لا، هو أنا عايز أكلم حضرتك إنت"


تبادل أمجد وزين النظرات المتعجبة وفي النهاية أخذ إبراهيم الطالب لمكتبه


"تعرفه؟"

سأل زين فور انصرافهما


نفى أمجد محركاً رأسه ورد له السؤال

"وإنت؟"


"ستيودنت في كليتي بس عمري ما عملت كونتكت معاه"


"تفتكر جاي يتبرع؟"


"تصدق يمكن!"

إقتنع زين وأضاف

"أو جاي يتطوع"


رن هاتف زين، كان سليمان

"الو!"


"إنت مش في البيت ليه؟"


"عديت على اونكل رياض شوية"

تدارك الموقف وقال

"إنت مال اهلك أصلاً؟"


خرج الطالب من مكتب إبراهيم وصافحه ثم إنصرف وعندها انهى زين المكالمة وسأل أمجد بفضول

"في إيه؟"


"مفيش، طالب غلبان محتاج شغلاتة عشان يصرف على نفسه"

رد إبراهيم وعندها قال أمجد 

"غلبان إزاي و.."

وضع زين يده على فم أمجد ثم سحبه

"سوري يا اونكل، في كلام بيننا"


سحب أمجد بعيداً

"ما ينفعش تقول حاجة قولتهالك عنه، دا شغل عيال"


"غلبان إزاي وهو في جامعتنا؟، هو إيه الهبل دا؟، مش يمكن جاي يلبس عمو مصيبة؟"

إعترض أمجد


"هتكلم معاه، غير كده ما تقولش حاجة احنا مش عيال"

نبهه وتنهد أمجد بضجر

"طيب"


.


Love Game



lips are moving



.


2. الإختيار

[منشور على تويتر]

"احنا بقينا في زمن مرعب، وقلة الوعي الديني خلت الناس همجية، والرجالة الديوثين اللي بيخرج من بيوتهم فاسقات، كله من الملحدين مش بعيد بعد كده تسمع عن حد بيعاشر أمه"


[خانة الردود]


"معلش هو إيه حكاية هوس المؤمنين بالنوم مع أمهاتهم وإن السبب الوحيد اللي هيمنع حد من النوم مع أمه هو الدين مش انها أمه مثلاً؟، أنا فاهم أنكم مهووسين بالسكس وشايفين الست اداة جنسية ونص عقل وكل حاجة بس ليه الأم؟، هما العاملات بالدعارة قصروا معاكم في حاجة؟، أعتبروهم سبايا ما أنتم كده كده بتكفروا أي حد جت عليهم؟، بس كفاية كلام عن الأم بطني قلبت"


"العاملات بالدعارة؟، إنت شايف النجاسة دي شغل؟"


"هو آه نظام قائم على إستغلال النساء بس يفرق إيه عن الجواز؟، ما إنت بتتجوز واحدة عشان تنام معاها مقابل إنك تصرف عليها وتقولها الملايكة هتلعنك لو ما نمتيش معايا، وممكن كام مرة تغتصبها ومش بتتحسب عشان إنت جوزها، على الأقل في الدعارة في خيارات أكتر من الجواز، بعدين الدعارة كانت هتبقى شغلانة لولا إن في رجالة هي اللي عايزاها؟، وفي الآخر اللي بيتوصم الست مش الرجالة اللي بتروح مع إن لو مفيش رجالة بتروح كانت الشغلانة هتنقرض عادي"


"إنت راجل ديوث متخلف"


"على الأقل مش بفكر أنام مع أمي"


وقف مُلهم أمام المرآة يحدق في شعره بينما يمسك المقص، لا يدري هل يريد قصه أم أن ضغوطات المجتمع هي ما تجعله يريد قصه ليبدو أكثر رجولة


سمع صوت طرق على الباب ليقطع أفكاره وعندها تنهد

"اتفضل"


دخلت تاليا

"هستلف منك الاستشوار عشان بتاعي باظ"

قالت وإقتربت لتأخذه ثم لاحظت المقص

"هتقص شعرك؟"


"مش عارف، أنا بجد تايه، هو أنا عايز أقصه فعلاً ولا عايز أثبت للناس إني شكلي راجل بما فيه الكفاية؟، ولا عايز أثبت لنفسي أنا؟"


"تي تي، فين مفاتيح العربية أنا نازل"

كان زين الذي دخل الغرفة ثم لاحظ الجو الموتر

"في إيه؟"


"بفكر أقص شعري"

قال وهمهم زين فقد فهمه تماماً

"عايز تقص شعرك ولا عايز تبان للناس إنك راجل بقى وشبه الرجالة؟"


"تقريباً حتى لنفسي"

رد بضيق وجلس لأن قدميه لم تحملاه


"دا بسبب ضغط الناس، إنت ما حستش بكده إلا بعد ما بقى حواليك ناس بتقولك إن شكلك مش راجل، ودا حاجة بيحسها أغلب الترانسجندر، أنا مش زي الجندر الفلاني، يا ترى لو كنت كذا كان هيبقى أحسن؟، مش لو كان جسمي بالشكل الفلاني كان هيبقى أحسن؟، وعايز أفكرك بحاجة، احنا كويرز بنلغي الفروقات الجندرية، ما تخليش كلام الهيترو يأثر فيك"

ربت على كتف مُلهم

"الالجي بي تي كومينتي قايم على إنك ما تحاولش تخمن جندر حد من مظهره، الجندر مش مهم أصلاً، أحنا بنلغي الفروقات الجندرية، ما تنساش احنا مين"


أخذ مُلهم نفساً عميقاً ثم ابتسم بود لزين الذي أضاف

"وأقدر برضه امسك العيال دي اعجنهم لو التنمية المنيوكية دي منفعتش الدراع هينفع"


قهقه مُلهم

"لا، ملوش لزوم"


فجأة قفز احد على ظهر زين الذي تعرف على هويته من صوت قهقهاته

"تيام!"


وضع ذراعيه أسفل ظهره ليحمله على ظهره بشكل صحيح بينما يحيط تيام بذراعيه رقبة زين

"جاي ابات معاكم"

قال بمرح 


"ولوجي فين؟"

سألت تاليا


"اونكل رياض اخدها هي وبشرى للملاهي"


"مش غيران منهم إنه سابك واخدهم؟"

سار به زين لغرفة الجلوس


"لا، أنا الراجل"

قال بفخر وقهقه زين بصخب

"دا لو كانوا قالولي مش هتروح الملاهي عشان إنت راجل كنت قولتلهم أنا مش راجل أنا خول"


"منتا خول فعلاً"

كان أمجد


"مين عايز يبقى راجل؟، دي حياة بضان"

قال زين بعدم إهتمام 


"أهلاً!"

كان بسيوني الذي خرج من غرفته، قبلَ خد تيام ثم صافح أمجد

"ابوك عامل إيه؟"


"عامل فيها والله"

رد أمجد بضجر


"ليه كده؟"


"الكلية عاملة رحلة لبارس وهو مش موافق"


"بارس!، يع، طب اتخانقوا على حاجة عدلة"

قال بسيوني وجلس على الأريكة وجلس أمجد هو الآخر

"أنا نفسي اروحها"


"هو معارض ليه؟"


"بيقول صغير على إني أسافر، أنا صغير يا بيسو؟"

تذمر أمجد


"لا طبعاً، هبقى أكلمهولك وأعرف سبب المنع لأنه مش منطقي"


أخرج أمجد سيجارة وبدأ يدخن وعندها أنزل زين تيام على الأرض ثم أشار لأمجد

"تعالى البلكونة"


تبعه أمجد للشرفة وجلسا بها وإنتظر أمجد أن يتحدث زين


"فكرت قبل كده إنت بتدخن ليه؟"

سأل زين وإستغرب أمجد

"إيه؟"


"بتدخن ليه؟، دا سؤال"


"هو المفروض يكون في سبب؟"


"التدخين قرار شخصي، المفروض السبب إنك عايز دا، بس هل دا فعلاً حقيقي؟"


"إنت بتقول إيه؟"

كان أمجد لا يفهم حديثه


"هشرحلك، الرأسمالية بتصور التدخين على أنه التمرد والحرية عشان تبيع، وللأسف في ناس بالهبل بتصدق دا، الحرية هي التدخين، الحرية إنك تختار بوعيك، سواء هتدخن أو لا يكون قرارك إنت مش عشان تثبت للناس إنك جامد ومتمرد، إنت بقى بتدخن ليه؟"


شعر أمجد بالضياع من حديث زين

"أنا مش فاهم دين أم حاجة"


"الحرية إنك تختار بنفسك مش إن الرأسمالية توهمك بشيئ عشان تبيعلك، لو ما أشترتش دا تبقى مش بتحب نفسك، لو ما لبستش دا تبقى مش فخور بجسمك، لو ما شربتش سجاير تبقى جود بوي ممل، متخليش الرأسمالية تخدعك، دخن عشان عايز تدخن بس مش عشان حاجة تانية"


"أنا عايز أدخن"

رد أمجد ثم نفث دخان سيجارته

"صدعتني"


"حقك عليا"

إستقام واقفاً

"يا دوب الحق مشواري، باي"


"هاي!"

التفتت تاليا لمصدر الصوت، وإضطرت أن ترفع رأسها لترى وجه الشاب، كان طالباً طويلاً بتقاسيم وجه لا تبدو ودودة، وأثر جرح على خده


"هاي!"

ردت بنبرة إستفهامية ونظرات متعجبه


"إنتي أخت مُلهم؟"

سألها بهدوء واومأت

"مظبوط"


مد لها دفتراً

"دا وقع منه"


أخذته

"شكراً"

همت بالذهاب لكنه أوقفها

"زين زهران من كلية الفنون أخوكي برضه؟"


"أيوة!"

ردت وكانت مستغربة وتنتظر أن تسمع مصيبة عن زين

"هو في حاجة؟"


"أنتم كول أوي"

قال ثم إنصرف وتركها مستغربة

"دا إيه العبث دا؟"


عادت للمنزل وروحت لمُلهم الذي قهقه وهو يكتب على حاسوبه

"ذاتس ويرد!"


"كنت مستنياه يقول مصيبة عن زين"

قالت تاليا ورد مُلهم

"حرام عليكي، زين هادي طالما محدش جه جمبه"


فجأة تذكر مُلهم شيئاً

"في حاجة أغرب بقى"


"إيه؟"

سألت تاليا بفضول


"في شلة ولاد عدوا من جمبي حسبتهم هيضربوني لقيت واحد منهم قالي أختك جامدة ومشي"


"دا أحول دا ولا إيه؟"

قالت تاليا ضاحكة لأنها كانت ترتدي دوماً ملابس عشوائية ساترة لتبعد الأعين عنها


"ولا يكونش قصده زين؟"

تابعت تاليا ورد مُلهم

"نو واي، هما صحيح بيقولوا عليه خول بس مش لدرجة يحسبوه بنت"


وصل لكليهما رسالة على بريدهما الالكتروني 

"هو ذاك فاك ايز فايا؟"

سألت تاليا بإستغراب لأنها كانت دعوة لحفلة تقيمها فتاة اسمها فايا


"زين كان حاكيلي عنها، بنت من المشهورين في الجامعة، بس ويرد أوي تبعتلنا واحنا اصلاً منعرفش شكلها"


"أفكس يا عم هي أول مرة نفكس لحفلة يعني؟"

قالت ببساطة وطرق زياد الباب رغم أنه كان مفتوحاً

"الأكل يا حلوين"


"حاضر، ثواني"

قال مُلهم ثم نشر فصل القصة التي يكتبها على مدونته وأغلق حاسوبه



.


3. ما يقعش إلا الشاطر

[منشور على تويتر]


"أنا مش فاهمة إيه التخلف بتاع النسويات دا ويقعدوا يألفوا شعارات وكل دا عشان عايزين يقلعوا فاكرين الحرية هي القلع"


[خانة الردود]


"فاهمين الحرية غلط، عبط"


[رد]

"ممكن أفهم الجملة العبثية دي بتاعت فاهمين الحرية غلط معلش؟"


"الحرية لازم يكون ليها كنترول ما ينفعش كل حاجة، ما ينفعش الستات تقلع وتعمل كل حاجة عايزاها"


"كلماتك مش متناسقة أبداً، كل واحد حر يشوف الحرية في شيئ معين، اللي شايفها قلع يقلع، اللي شايفها أنه ينام مع الناس ما ينام طالما بالتراضي، الحرية تعني الحرية في الإختيار، قلع، لبس، أي حاجة طالما لا تؤذي ولا تمس حرية شخص آخر، وكون أول حاجة بتيجي في بالك أما تسمع ست بتتكلم عن الحرية هو أنها عايزة تقلع دا دليل إن كل أفكارك عن الستات أنها ادوات جنسية بس، ولبسها شاغلك أكتر مما شاغلها هي حتى"


"دنتا خول علماني بقى وعايز الستات الشراميط تتلم حواليك"


"هو كل ما واحد يتزنق منكم هيقول عايز تلم الستات حواليك، هو أنا اللي كل كلامي عن الستات ولبسها وجسمها وطاعة الزوج ولا انتم؟، المؤمنين عايزين يلبسوا الست بالعافية واليساريين عايزين يقلعوها عشان يخلوها تتماشى مع مجتمعاتهم، ما تسيبوا الست في حالها تقلع ولا تلبس يا ولاد العرص"


دخل رياض الشرفة بينما يتحدث مع بسيوني

"إنت مش فاهم، أمجد بجد مش مسؤول دا زين اللي أصغر منه مسؤول عنه"


"ليه بتقول كده؟"

سأل بسيوني


"أمجد بقى كل همه الحفلات والسهر وخلاص، حتى دراسته مبقاش مهتم بيها"


"ممكن مضغوط وبيحاول يخفف عن نفسه"

لم يكن بسيوني يرى أي مشكلة في الحفلات أو السهر


"بقى كمان مدخن شره جداً، دنا حاسه بيدخن عشان يضايقني بس"


"ما فكرتش تسأله لو متضايق من حاجة؟، ممكن بيعمل حاجات تلفت نظرك عشان عايزك تسأله"


"معرفش، غلبت معاه"

قال بضيق


ربت بسيوني على كتفه

"ما تقلقش هخلي زين يكلمه، اهو حد قريب من سنه ويعرفلنا ماله"


"كنت فاكر أنه اما يدخل الجامعة هشيل ايدي خالص وهسيبه بس مش عارف"


"هو حر يعمل اللي هو عايزه بس مهم يكون فعلاً بيعمل كده عشان عايز مش عشان يلفت انتباهك لحاجة وإنت مش عارف تاخد بالك"


لم يكن رياض يفهم مقصده ودخل زياد الشرفة بطبق حلويات

"معلش هقاطعكم، خدوا حلوا"


"زيكو ممكن تشاركنا"

قال بسيوني ثم نظر لرياض

"ممكن ولا إيه؟"


"عادي"

رد رياض 


"في إيه؟"

سأل زياد فقد شعر بالقلق


"إيه رأيك في أمجد؟"

سأل بسيوني


"زي الفل، ليه؟، في حاجة؟"

سأل بقلق 


"رياض حاسه مشوش وبيعك"

رد بسيوني


"خالص، أمجد عاقل وزي الفل، ليه بتقول كده؟"

سحب مقعداً ليجلس منتظراً سماع مبرراته


"أمجد مكانش كده، معرفش ليه بقى عايز يعمل أي حاجة تضايقني وخلاص"

قال وعندها تمالك بسيوني نفسه كي لا يضحك

"أمجد مين أمجد بتاعنا؟، أمجد طول عمره شقي عادي"


"بس بحدود"

قال رياض ورد بسيوني ضاحكاً

"دا اللي كان بيبينهولك إنت"


"أنتم كنتم بتداروا عليه؟"

سأل رياض يتفاجوء


"مش للدرجة دي، عادي يعني ما بيعملش حاجة غلط، بعدين حتى لو حاجة غلط ما يغلط، هيتعلم امته لو ما غلطش دلوقتي؟"

قال بسيوني ووافقه زياد

"يغلط دلوقتي أحسن ما يبقى كبير وعبيط بيغلط، بعدين اللي ما بيغلطش ما بيتعلمش"


"أنتم شايفين أمجد بيغلط ويتعلم؟"

إستنكر رياض


"أيوة، إنت ليه شايف أمجد بالطريقة دي؟، أمجد ذكي جداً وعنده صفات كويسة كتير، بالراحة على الواد"

دافع بسيوني عنه


شعر رياض بالإحباط أنه لا يعرف إبنه الذي يعيش معه في نفس المنزل جيداً، ربت زياد على كتفه

"فكها يا عم، إنت هتشيل هم العيال لأمته؟، سيب كل واحد يشيل شيلته"

أمسك بقطعة كعك وحشرها في فمه

"الف هنا"


"هاي!"

جفل مُلهم عندما سمع صوت الرجل واسقط الشطيرة من يده على الأرض، رفع وجهه لينظر لوجه الرجل، وتطلب الأمر منه جهداً لأنه كان طويلاً

"هاي!"

رد بنبرة إستفاهمية وإنتظر سماع مصيبة فقد كان يختبأ في مكان بعيد عن أعين الطلاب ليحظى بالهدوء


مال الرجل واخذ الشطيرة من على الأرض ثم القاها في سلة القمامة

"ممكن أشتريلك ميل تانية؟"


"لا، شكراً، حصل خير"

قال وهو يبتسم بتكلف فلم يكن يرتاح لأي أحد


"أنا معاك في الكلية"

قال ولم يفهم مُلهم ما الذي يلمح له هذا الرجل


"اوكاي!"

لم يبتسم أو يجعل نبرته ودودة لأنه لم يرتح له، فهناك الكثيرون من يقتربون منه ليسألونه اسئلة وقحة


عندما لاحظ أن الآخر لم يتحدث قال بقلة صبر

"عايز تشوف عندي كس ولا لا؟"


تفاجأ الرجل وتلعثم بينما يتحدث

"إيه؟، لا، ليه؟"


"عشان السبب الوحيد اللي بيخلي الناس تكلمني إنهم يسألوني عندك كس ولا لا"

رد بقلة صبر فقد كان قد ضجر من أسئلة الناس الفضولية


"سوري، ما قصدتش خالص، أنا آسف"

قال ثم انصرف بصمت تاركاً مُلهم مستغرباً


أخرج هاتفه ليفتح مدونته ويكتب بها بعد أن إنتهى أمر شطيرته التي كان يأكلها، كان لدى مُلهم مدونتين، واحدة باسمه الحقيقي يكتب مقالات بها وينهيها بتوقيعه والأخرى مدونة للقصص المثلية


كانت قد مرت فترة طويلة منذ أن كتب مقالاً لذا قرر إنهاء مقاله الذي يكتبه منذ مدة، كان يكتبها في تطبيق الاوفيس ثم بعد أن ينتهي يضعها على المدونة


انهى المقال ثم نشره على المدونة وأغلق شاشة الهاتف ليذهب لقاعة محاضراته


دخل زين ملجأ الحيوانات وتسلل لإبراهيم الذي كان منشغلاً بالحديث مع العامل الجديد الذي هو نفسه الطالب من جامعة زين، باغته وعانقه من الخلف


"مش هتبطل حركات الخولات دي؟"

قال إبراهيم وقهقه زين بمرح

"لا"


نظر للطالب وتذكر أنه يريد الحديث معه

"موسى، عايزك ثانية"

اشار له ليتبعه ليبتعدا عن عيون إبراهيم


"ممكن أفهم إزاي اونكل إبراهيم بيقول إنك بتشتغل عشان بتصرف على نفسك مع إنك في كلية مصاريفها داخلة في ميتين الف؟"


"أهلي معارضين دراستي، فا قالوا هيدفعوا مصاريف الكلية بس ومصاريفي التانية ملهمش دعوة بيها"

رد موسى ببساطة


كان زين يرى الكذب شيئ خيالي وسخيف لذا لم يشك في رده وقرر الإعتذار

"سوري لو كنت رود بس إستغربت إني بشوفك كتير مؤخراً، شكلها صدف بس"


"اونكل إبراهيم والدك؟"

سأل موسى


"لا، صاحبي، في مقام عمي برضه"


"زين شفت اونكل إبراهيم؟"

كان أمجد الذي دخل الملجأ للتو وتجاهل وجود موسى تماماً


"كان مع البابيز"

رد زين ثم تذكر حديث زياد عن أنه يريد منه الحديث عن أمجد وسؤاله عما يدور في عقله

"اما تخلص تعالى عايز اتكلم معاك"


دخل أمجد ليبحث عن إبراهيم وعندها قال موسى

"أخوك!"


"أيوة"

كان زين يعتبر ابناء رياض وإبراهيم اشقاء له كذلك تاليا ومُلهم، وزياد وبسيوني يعاملونهم وكأنهم ابنائهم، كانوا عائلة غير نموذجية


"تعرفه؟"

سأل زين ورد موسى بسرعة بإرتباك

"لا، بسأل عادي"


"شكلك كده وحداني وصعبت عليا، تشرب قهوة ولا شاي؟"

سأل وقبل أن يرد موسى أضاف

"القهوة حلوة، حتى اصب من المكنة بدل فرهدة الشاي، ثواني واجيلك"


سار لماكينة القهوة بينما عيون موسى تتفحصه بينما يدندن أغنية لا يعرفها وهو يضع الكوب في الماكينة


.


4. مش مصري

[منشور على تويتر]

"البلد لازم تتحرك وتعمل قوانين تردع المثليين"


[خانة التعليقات]


"أيوة فعلاً أنا لسه شايف راجلين بيعملوا فرحهم في طلخا وأنا راجع البيت"


[رد]

"إنت بتتريق؟، ما لما ربنا يخلي ابنك شاذ مش هتقول دا"


"ما يبقى، إنتم ليه بتحبوا تعيشوا دور الضحايا دايماً وإن في مؤامرة كونية ضدكم، ما البلد فاشخة المثليين من زمان هي مستنية استغاثة منكم يعني؟"


"دايماً هنرفضهم عشان القرف دا ما ينتشرش"


"هو حصبة؟، هينتشر إزاي يعني؟"


"اجندات وافكار الغرب المقرفة اللي بيزرعوها في الأفلام والمسلسلات عايزين يبوظوا بيها فطرة ولادنا وينشروا الشذوذ"


"لو كانت السكشوالتي بتتغير بالأفلام مش كان الأولى الكل يبقى ستريت منهم ومتربيين في بيئة كاملة هوموفوبيك؟، للدرجة دي السكشوالتي بتاعتك هشة لدرجة إنك لو شفت فيلم فيه اتنين جايز هتنط على صاحبك بعدها؟"


"ربنا يحشرك معاهم"


"يونو لو في حساب بجد هحب أكون مع الجايز فعلاً، ثانكيو"


"يا احا"

قالت تيا وهي تنظر للمنديل الملون بالدم بعد أن اكتشفت أن دورتها الشهرية أتت في غير موعدها


رمت المنديل في سلة القمامة وبدأت تبحث عن مناديل لتضعها بدلاً من الفوطة الصحية حتى يحين موعد عودتها للمنزل لكنها لم تجد


خلعت الهودي وربطته حول خصرها لتخفي بقعة الدماء على سروالها ثم تنهدت بضيق


بدأت تسأل كل فتاة تدخل الحمام عن فوطة صحية حتى وجدت مع واحدة، خرجت من الحمام ببلوزتها البيضاء، بلا أكمام وكأي بلوزة بيضاء تظهر حمالة صدرها


كان الطلاب مندهشين لأنها دائماً ترتدي ملابساً تخفي جسدها، وهي لم تعرهم أي اهتمام


"البرا بتاعك باين"

حادثها أحد الطلاب الذكور وعندها ردت ساخرة

"مبروك!"


"أنا بقولك بس عشان اللي أعرفه انك محترمة"


"أنا بلبس اللي أنا عايزاه حسب مزاجي، ملكش فيه"


"ياما تحت السواهي دواهي، ماشية بالبرا بتاعها كده عادي"

قال طالب آخر وسمعته بوضوح وردت

"ولو اني مش بيج فان للبراهات بس لو كنت مش لابساه كنت هتسكت يعني؟"


"يعني غلطانة وكمان بجحة؟، طبعاً منتي فيمنست، كلكم عايزين تقلعوا وخلاص، اتنشن هور"

تدخلت فتاة


"هايل إني اسمع الكلام دا منك يا لولو، المدافعة الأولى عن الحجاب، وبتنظري على المحجبات كمان، ازاي تبيني خصلة، إزاي تلبسي دا، دنا اما اتحجب هعمل وهعمل، وكلنا عارفين إنك عمرك ما هتتحجبي بس بتحبي التنظير وانك تاخدي برفليج الشيخة من غير ما تبذلي أي مجهود في تغيير لبسك، مفيش أي فرق بين البلوزة اللي أنا لابساها واللي انتي لابساها غير إن بلوزتي بيضة ومبينة البرا، اللي بالمناسبة المجتمع فارضه على الستات وبيتنطط لو ملبستهوش بس برضه ما ينفعش يبان انك لابساه، لازم يكون زي اللهو الخفي، زيه زي إن الست لو مش بتخلف ملهاش قيمة بس في نفس الوقت البيريود عيب ما ينفعش نعرف انها بتجيلك، بس لو مش بتجيلك بجد دي مصيبة عشان معناها إن في ايرور في سيستيم الرحم بتاعك وشكلك كده هتبقي صعبة في الخلفة فا نشوف غيرك"


لم تكن الفتاة تستطيع الرد على جملة واحدة مما قالتها تاليا وكان بقية الطلاب مندهشين لأن تاليا هادئة دائماً وكانوا يعتقدون أنها ساذجة ونموذج للمرأة التقليدية الخجولة


"الكلام دا مش متناسب مع الجامعة اللي إنتي فيها، لو عايزة تدافعي بإستماتة عن النظام الذكوري الشرقي ادخلي كلية من كليات الحكومة أو حتى الأهلية عشان يكون في شوية مصداقية مش داخلة الكلية دي اللي بالمناسبة لو قدمت شكوى عليكي ومعاها اسكرين لبوستاتك هيفصلوكي عشان مش من حقك تعلقي على لبس حد، عشان الإدارة هنا مش عربية زي الكليات اللي إنتي هربانة منها وجاية هنا عشان تاخدي الحرية اللي عايزاها وفي نفس الوقت تنتقديها"


عجز الجميع عن الرد على حديثها وظلوا صامتين حتى خرجت من المدرج


"طيب، الموديل اللي المفروض كان يجي النهاردة حصلتله حادثة، حد عنده أي أصحاب يجيبهم ترسموهم؟"

سأل الأستاذ وعندها رفعت لبنى يدها

"أيوة يا لبنى!"


"دكتور دكتور، ممكن نرسم زين؟"

سألت وعندها توقف زين عن شرب كوب قهوته المثلجة بعد سماع اسمه


"زين مين؟"

سأل الأستاذ


"زين زهران"

أشارت لزين وتفقد الأستاذ مظهره، كان يصفف شعره كالعادة، يضع قلائد صيفية، وحول معصمة مجموعة اسورة ملونة، يرتدي سروال أبيض قصير يظهر وشم الجعران وبلوزة زرقاء بأكمام قصيرة يظهر وشمي ذراعيه


"تعالى أقعد هنا"

أشار له الأستاذ قاصداً أن يجلس مكان العارض، فقد وجد به مقومات مثالية لإختبار قدرات الطلاب


جلس زين على المقعد وبدأ الطلاب يرسمونه، كان ضجراً ويتأفأف بين الوقت والآخر وعندما يتحرك يتذمر الطلاب حتى اخذوا استراحة وذهب لدورة المياة وبينما يغسل يديه دخل موسى دورة المياة


"هاي!"

القى زين التحية بود


كان موسى يتجاهله في قاعة المحاضرات لذا فعل زين المثل وخمن أنه كمُلهم يريد الإبتعاد عن الأنظار لأن زين ملفت جداً 


فتح موسى الصنبور ليغسل يديه ثم نظر لزين

"شكلك حلو أوي"

قال بتلقائية جعلت زين يبتسم ضاحكاً

"شكراً"


"هو إيه معنى الوشم دا؟"

أشار لوشم الجعران أعلى ركبته


"الجعران، الحظ واستمرارية الحياة"

أضاف مستنكراً

"مش عيب تبقى مصري وما تعرفش؟"


"أنا شايفه خنفسة"

قال موسى ببلاهة وعندها انفجر زين بالضحك

"معاك حق"


"وأنا مش مصري"

أضاف موسى وتفاجأ زين

"بجد!"


"تيكنيكلي معايا الجنسية المصرية عشان ماما مصرية، بس بابا مش مصري"


"اومال؟"

سأل بفضول


"سوداني"


"نو واي!، سوداني؟"

كان متفاجئاً وابتسم موسى ضاحكاً بسبب ردة فعله

"اي يا زول"


"هتقولي امشي واسيب مصر برضه؟"

سأل ورفع زين حاجبيه مستنكراً

"ليه ممكن أعمل حاجة زي كده؟، بعدين إنت معاك الجنسية المصرية إنت مصري برضه"


"مش هتتخيل عدد الناس اللي كانت متعصبة من فكرة إن الأم المصرية بتدي الجنسية لعيالها وشايفين إن الست ما ينفعش تمنح الجنسية لحد"


"لا، متخيل عادي، أي حاجة فيها ست لازم تجنن الرجالة، كمان موجة العنصرية متمولة بالإعلام الأيام دي وبيتكلموا بكل وقاحة بتشجع الناس تتعنصر بكل بجاحة وإنك لو ما شاركتش في دا يبقى مش قومي ومش بتحب مصر، يا عم كس ام مصر"


"بصراحة حسبتك منهم عشان التاتو"

قال موسى ورد زين

"عارف إيه أكتر حاجة بحبها؟، أشوف مصريين حاطين صورهم مع رموزنا القومية وبيشتموا في مصر، لإن دي مصر ودول المصريين، مش المفروض نمص للدولة ونطبلها على حساب العيشة الخرا اللي عايشينها عشان نبقى بنحب مصر، عادي ممكن العن سلسفين اللي جابوها وافضل مصري، عشان إحنا احق ناس نشتكي من حالنا الخرا ونشتمه"


"أنا عرفت إن باباك كان ثوري"

قال ورد زين مازحاً

"هبدأ اشك إنك ستوكر"


"صفحته على فيسبوك عنده فولورز فوق العشرتلاف، وبيتكلم من غير خوف"


"لو جراله حاجة هبطحك"

مازحه زين ثم ناداهما طالب

"زين يلا، عايزين نرسم"


"زيكو، محتاج صورة شهادة الثانوي"

كان مُلهم الذي دخل غرفة زياد الذي كان منشغلاً في مكالمة عمل، أشار لمُلهم للدرج


بدأ يبحث ووجد الكثير من الأوراق، ولأنه كان فضولياً بدأ يتفحصها حتى وجد شهادة تخرج من جامعة الأزهر

"هي دي بجد؟"

سأل ببلاهة وكان زياد قد انهى المكالمة


"إيه يا حبيبي؟"

رد بود واقترب منه ليرى الشهادة

"آه، دي شهادتي"

اشار لاسمه بها


"إنت خريج أزهر؟"

سأل بصدمة


"هو إنت ما قولتلهوش؟"

سأل بسيوني وهو يدخل الغرفة وقهقه زياد

"لا، اصله قعد ينجم معلومات غريبة عني فا قلت اسيبه يكتشف بنفسه"


"إزاي؟، إنت مش خريج طب؟، دي شهادة دراسات إسلامية"


"منا دخلت كليتين"

رد ببساطة 

"احا هو ممكن؟"


"أيوة عادي، أنا مش حالة نادرة في كتير بيعملوا كده"


"وليه عملت كده؟"


"أهلي كانوا شايفين إني لازم أتعلم الدين عشان أفهمه بشكل كويس واقتنع بيه، واللي حصل إني فهمته فعلاً، وانتقلت من مشكك لملحد عن اقتناع"

قهقه في نهاية حديثه


"احا!"

كان مُلهم متفاجئاً

"إزاي بجد؟"


"في واحد صاحبي كان دايماً بيقولي الأزهر يا بيخرج ملاحدة يا بيخرج دواعش ما فيش وسط، كان عنده وجهة نظر"

رفع كتفيه ببلاهة وبدأ يتفقد الأوراق حتى وجد صورة شهادة الثانوية الخاصة بمُلهم ومدها له


"زيكو، بيسو، عايز أعرفكم بحد"

كان زين ينادي من غرفة الجلوس


خرج زياد وبسيوني ورأوا موسى

"هاي!"

رحبا به بود


"هصبلك عصير"

قال زياد وسحب زين للمطبخ 


"دا البويفريند؟"

سأل زياد هامساً وصفع زين كتفه

"نو، جاست فريند"


"انما عمرنا ما شفنالك رجل كنبة حتى، هترتبط إمته؟"

سأل زياد ساخراً


"بمزاجي"

رد بثقة


"ماشي يا اخويا أما نشوف مجايبك"

ناوله كوب العصير

"روح ضايف صاحبك"




.

5. حياتين

[منشور على تويتر]

"الإجهاض أكتر حاجة وحشية وغير آدمية تحت شعار الحرية، وعشان مش هنعرف نأمنله مستقبل، إيه الفرق بين الإجهاض وجرايم القتل؟، ولا حاجة وحجج فارغة، قالك خايفين أو معناش فلوس، ياما ناس خلفت وهي معهاش فلوس وبعدها ربنا رزقهم، حجج فارغة وناس معندهاش رحمة"


[خانة الردود]


"يعني إنت شايف انك تنزل طفل لسه ما اتكونش أصلاً زي القتل؟"


"أيوة دا روح"


"هو لسه بقى روح أصلاً؟، وبعدين إيه اللي ياما ناس مكنش معاها وخلفت وبقى معاها فلوس، ما ياما ناس معهاش وخلفت ومطلعة ميتين عيالها ومشغليينهم شحاتين وعند الصنايعية"


"حتى لو، تحرمه من الحياة ليه؟، ما يجي ويشقى الحياة مش كلها سهلة"


"ليه عندكم هوس بالمعاناة وإنكم تجيبوا ناس تشارككم وشايفين إن لازم الطفل يستحمل معاناة الحياة ويبقى ممتن للأب والأم عشان منحوه تجربة أنه جه للدنيا حتى لو كانت عبارة عن سلسلة معاناة؟، دي مش حاجة تفتخروا بيها"


"ما ممكن الطفل دا يشقى ويغني أهله ويعيش حياة كويسة عادي"


"برضه يمكن!، ودا نسبته اد إيه؟، وليه يشقى أصلاً يعني إنت اخترت تجيبه الحياة عشان عايزه يشقى ويغير مستوى معيشتك؟، مش دي أنانية؟"


"الأنانية إنك تحرم طفل من الحياة عشان خايف عليه منها، دا فكر ستات متأثرة بعاطفتها، الحياة هي التجربة، الحياة مش وردية"


"الحياة مش وردية بس مش سلسلة معاناة بس، فكرت تشوف الناس اللي مش مهتمة تعيش التجربة الرائعة دي؟، اللي بيتمنوا الموت وإنهم ما اتولدوش؟، دا غير اللي خايفين يفكروا في دا عشان خايفين يتقال عليهم مجانين ناكرين لجميل اهلهم في أنهم جابوهم للدنيا لإن أغلبهم بيكونوا من طبقة تحت خط الفقر والأفكار دي محظورة عندهم وبيفتخروا بعدد أطفالهم لأنه راس مالهم وبيخلوهم يشحتوا أو يشتغلوا عند الصنايعية، ليه كل الإصرار دا إني أجيب طفل يتناك في الدنيا؟، نفس الاهالي دول لو حد من عيالهم طلب حيوان اليف هيقولوا لا دا مسؤولية، طب الأنسان دا يتساب للدنيا تنيكه عادي؟"


"ما في اغنيا واباء وحشين عادي مش مرتبطة بالطبقة، فا مينفعش برضه تنجم مين يخلف ومين لا"


"برو أنا ضد الخلفة كلها أصلاً"


انتهى مُلهم من تبديل ملابسه لملابس الرياضة ثم خرج من الحمام، كان الطلاب يبدلون بحرية في غرفة تبديل الملابس لكنه يشعر بالضغط والقلق من نظراتهم لذا يبدل ملابسه دوماً في الحمام 


"هاي!"

كان الرجل الطويل


"هاي!"

كان ينظر له بإستغراب، لا يحتاج للحديث فعيونه كافية لإخبار الرجل أنه رجل غريب وأنه ضجر من رؤيته


"ممكن نلعب سوا"

إقترح الرجل وكانت عيون بقية الطلاب تراقبهما 


يعلم مُلهم كم من الفظيع اللعب مع بقية الطلاب، وتعليقاتهم المسيئة لذا قرر الموافقة

"اوكاي"


ما الذي يضمن أن هذا الرجل ليس كبقية الطلاب وربما اسوأ؟، لا شيئ

هو فقط يجرب شيئاً جديداً


لم يضع أي توقعات عالية عليه لكنه استمتع باللعب معه

"اسمي إنشاد"

قال الرجل بعد أن انتهيا ممن اللعب وتفاجأ مُلهم

"أول مرة أسمع الاسم دا"

أضاف بعدها بسرعة

"مش قصدي حاجة، مش كإن اسم مُلهم هو اللي منتشر"


"لا، معاك حق، هو اسم غريب شوية"

رد بهدوء


"مُلهم"

كان زين الذي اقترب بثبات من مُلهم ثم سأله وهو يرمق إنشاد بنظرات جانبية

"بيضايقك الواد دا؟"


"لا، أنا مش عيل"

تذمر مُلهم لأنه شعر بالإحراج وأن زين يعامله كأنه طفل


"أنا إنشاد"

عرف بنفسه باسماً وتفقده زين بعينيه ثم صافحه

"زين"


"عارفك، حتى لسه عامل ريتويت للصور اللي رسمهالك الطلاب"


"فاكر كده هتكسبني يعني؟"

عقد ذراعيه أمام صدره مستنكراً فقد وجد جملة إنشاد متملقة


"مُلهم"

كانت تاليا إقتربت راكضة ثم سحبت ملهم جانباً وقالت وهي تلتقط أنفاسها

"إنت نزلت المقال في مدونة رواياتك، المقال الموقع باسمك"


"احا إيه؟"

تفاجأ رغم أنه لم يكن قد استوعب بشكل جيد ما قالته


"افتح المدونة احذفه بسرعة"

قالت وأخرج هاتفه ليفتح المدونة ووجد أنه حقاً اخطأ ونشر مقالاً في مدونة الروايات، مقال موقع باسمه، حذفه وبدأ يشعر بالقلق، هل يمكن أن يتعرف عليه أحد؟


"حصل خير، ما تقلقش، مش هيلاقوك من اسمك يعني"

كانت تاليا تحاول التخفيف عنه كي لا يدخل في نوبة قلق


"أنا غبي أوي"

همس وتنهد محاولاً تهدأة نفسه


"ياعم في كام مليون في مصر، ومحسسني إنك مشهور أوي، محدش هيعرفك ما تقلقش"

أضافت بعدها ساخرة

"منا بقالي سنتين برقص على تيكتوك ومحدش عرفني"


ربتت على كتفه ووجد حديثها منطقياً، فهي تقوم بإنشاء مقاطع رقص على تيكتوك ولم يتعرف أي أحد على هويتها بعد، وبأي حال هو ليس مشهوراً لدرجة أن يعرفه أحد من اسمه


"عايزين نتعرف على والدك"

قال إنشاد محادثاً زين


"ويش ون؟"

سأل وتلعثم الآخر لثواني ثم رد

"بسيوني"


"ليه عايز تتعرف عليه؟"


"عاجبني قناعاته"


"يبقى خليك على الفيسبوك بتاعه وتابع بوستاته"

رد ببساطة، حتى بعد أن توقفت الشرطة عن القبض على بسيوني فإن هذا لم يجعل اولاده يخفضون دفاعاتهم


دخل مُلهم الحمام لتبديل ملابسه، بعد أن انتهى حاول فتح الباب لكنه كان موصداً من الخارج، في النهاية وقف فوق مقعد الحمام ثم قفز من فوق الباب ليخرج


من الحمام لغرفة تبديل الملابس حيث هدأوا جميعاً عند رؤيته يخرج، همَ بتجاهلهم والعودة لمنزله لكن أوقفه أحد الطلاب

"بعد كده تشوفلك مكان غير دا، دا مكان الرجالة مش الخولات"


"طب منتا موجود فيه عادي"

رد وهو يحافظ على هدوئه وعندها اقترب منه الطالب بسرعة ثم لكمه


"كسم مصر"

لكم أمجد مقود السيارة وتذمر تيام الجالس في المقعد الخلفي

"شغل التكييف بقى"


شغل أمجد مكيف الهواء ثم أخرج سيجارة واشعلها محاولاً تهدأة غضبه


"عايز تخنقنا ولا إيه؟"

سأل تيام وعندها نزل أمجد من السيارة وصفع الباب رغم أنه كان على طريق السيارات، كان متوقفاً بسبب الزحام 


الجو الحار والزحام كانا يضغطان على أعصاب أمجد، كان يحمل غضباً مكبوتاً لا يعرف كيف يخرجه


عاد للسيارة عندما بدأت السيارات بالتحرك، أوصل تيام لملجأ الحيوانات وظل جالساً في السيارة حتى طرق إبراهيم نافذتها


فتح أمجد النافذة وعندها قال إبراهيم

"ما تيجي أعملك حاجة تشربها"


أعد له إبراهيم عصير مثلج ثم سأله

"مالك بقى؟"


"بابا بيعاملني كإني عيل، حسبت أما أكبر هيسيبني براحتي بس هو سخيف جداً معايا، دا زين اللي أصغر مني سافر يو اس مرتين وأنا مش مسموحلي أسافر مرة واحدة حتى"


"إنت شايف ليه زين سافر وإنت لا؟"


"عشان بيسو منفتح أكتر من بابا"


همهم إبراهيم

"يمكن، ويمكن عشان زين بيظهرلهم اد إيه هو اد المسؤولية ويقدر يعتمد على نفسه فا بيبقوا متطمنين عليه"


"قصدك إني مش مسؤول؟"


"مش القصد، أنا قولت بيظهرلهم، ممكن تكون مسؤول بس مش بتعرف تبرز دا، مسؤول يعني تتصرف بعقلانية من غير ما حد يقولك، مثلاً تشوف أختك رايحة في حته فا تقولها عنك هوصلك، تعرف تتصرف في اللحظات اللي محتاجة ردات فعل سريعة، حد تعب، حد وقع، بتعرف تعمل خطط بديلة لو في مصيبة حصلت، ما تتصرفش بتهور أو بإنفعال وقت المشاكل، كده"

أضاف بعدها

"أنا اتعلمت دا كله من زين وتاليا، فا واو بيسو بيعرف يربي فعلاً، بس التربية مش كفاية، قابلية الشخص للتعلم هي اللي بتفرق"


"هاي هيما!"

كان زين الذي دخل بمرح ثم قبلَ خد إبراهيم ودخل للعب مع الجراء حيث كان موسى هناك


"عارف ليه اهلي سموني موسى؟"

قال موسى محاولاً خلق حديث بينهما بينما يلعب زين مع الجرو

"ليه؟"


"عشان اتولدت في الشهر السابع، ما استنتش للتاسع، وبعدها كنت قليل الصبر دايماً ومستعجل ومنفعل، بابا حس بدا من البداية فا سماني موسى"


"اي كانت جيت ايت"

لم يفهم زين السبب


"موسى دا اسم أكتر نبي كان خلقه في مناخيره، قليل الصبر وعصبي، لدرجة أنه اما رجع بالالواح اللي هي كلام الله لقومه ولقاهم بيعبدوا العجل رمى الالواح على الأرض عادي من العصبية، واما راح مع الخضر رحلته اتعصب برضه وخلاه يمشي وما يكملش معاه"


قهقه زين بصوت مرتفع

"قصصه بتضحكني أوي، الوحيد اللي كان فاهم الدنيا صح، رايق كده وملوش خلق لحاجة"

ترك الجرو ثم نظر لموسى وقال

"باباك روش عشان يختارلك اسمك بالطريقة دي"


"نات ريلي، بابا بحسه دايماً لابس ماسك وخايف يكلمنا بجد، كل فين وفين أما يتكلم معانا بصراحة"


"تعرف، في واحد متابعه على تويتر راجل كبير متجوز ومخلف عامل فيك اكاونت، هو راجل ملحد بغير معرفة أي حد من عيلته، زوجته أو أطفاله، عايش حياتين، حياة على تويتر بشخصيته الحقيقية وحد مؤمن عادي وسط الناس، وهو راجل كبير كبير، عنده أحفاد حتى، بس العمر دا كله مش كفاية يخليه يتطمن أنه يتكلم براحته من غير ما يضمن أن الناس مش هتحاول تقتله بعدين"


"لولا إن بابا معندهوش أحفاد كنت شكيت أنه بابا"

قال موسى وقهقه زين

"حاول تشد كلام معاه، أكيد لو ببنتله إنك متقبل الموضوع هيكلمك"

أضاف بعدها بنبرة ساخرة

"بس وسع خلقك ما تبقاش زي موسى"



.


6. مسخرة

[منشور على تويتر]

"ليه الملاحدة بيتكلموا عن الدين؟، مش الحدوا ما يركزوا في الحادهم"


[خانة الردود]


"يركزوا في الحادهم إزاي يعني؟"


"ما يعبدوش حد محدش مهتم، زيهم زي الشواذ ماشيين يقولوا هوموفوبيك وهما محدش مهتم ولا جه جمبهم، محدش سألهم عن شذوذهم بيتكلموا ليه؟"


"محدش مهتم؟، تسمعي عن حد الردة؟، عارفة شيوخك حللوا دم كام حد؟، أو أنهم سبب كام ظاهرة متخلفة في المجتمع زي الختان والاغتصاب الزوجي عشان الملايكة هتلعنها؟، حبيبتي لو كان فعلاً محدش مهتم مكنتيش هتسمعي حسهم، وبالنسبة للجايز ما الهيترو ماشيين يتكلموا عن ميولهم وحبهم للجنس الآخر وعادي يعني، اشمعنا الهومو لا الا لو كان عندكم مشكلة معاهم"


"احنا عايشين في بلد يحترموها، زي ما فرنسا حظرت الحجاب كده، بعدين مشكلتك مع رجال الدين مش الدين"


"يبقى ملكيش حق تعترضي على حظر فرنسا للحجاب، والمفروض تكوني ضد المحجبات هناك لأنهم محدش قالهم يروحوا لبلد ويبعبصوا قوانينها، كمان المفروض تكوني محترمة النظام الابوي الذكوري اللي مبنية عليه مصر واللي بيخليكي ملكية خاصة لجوزك أو ابوكي أو اخوكي ومفيش حاجة اسمها اغتصاب زوجي، ولو حد شك في اخلاقك ممكن يقتلك ويبقى جريمة شرف عادي، ومش المفروض تطالبي بأي حقوق ليكي لإن دي البلد مش عاجبك امشي، ولو المشكلة في رجال الدين مش في الدين حد الردة دا إيه؟، وليه مافيش ناس كيوت تطلع ترد على الشيوخ النوتي دول؟، ولا هنفضل نقول كل ما حد يعمل مصيبة احنا بريئيين منه ونعمل من بنها؟، دا اما بيحصل تفجير لكنيسة المسلمين بينزلوا احنا بريئيين مش يعزوا المسيحيين لا، بيبرأوا نفسهم، احنا ملناش دعوة، اهم حاجة يبانوا ملهمش دعوة بحاجة"


"لو الوحش منتشر مش معناه أنه الصح، بعدين عادي منا مسلمة ومعملتلكش حاجة"


"كلامك دلوقتي يفرق إيه عن الرجالة اللي بتقول حل التحرش إن الست تتهمد في بيتها؟، ولا حاجة، بتقولي حل أننا ما نتقتلش إننا نسكت، منقولش لا السكشوالتي بتاعتنا ولا انتمائنا الديني، والمفروض نكون ممتنين لو حد منكم عرف وما قتلش كسمنا، ما تبقيش برا الكومينتي وتيجي تعلمينا نحس ونتصرف إزاي، لو راجل جه يقولك منا راجل وما بقتلش وما بتحرشش هتحسي بإيه؟، زي التويته بتاعتك في يوم المرأة أما كتبتي إنك عايزة الرجالة تخرس وما تتكلمش بالنيابة عن الستات، أنا برضه هحب إنك تخرسي وما تنظريش علينا"


كان إنشاد صاحب تقاسيم وجه مميزة، لكن لا يركز بها الكثيرون بسبب طوله الفارع، شعره متوسط الطول مقصوص قصة الذئب، مصبوغ خصلاته بالأشقر، عيناه تلمعان باللون الأزرق الصافي، كانت عينيه مميزة ليست كأي عينين زرقاوتين، فك حاد وأنف رفيع وكأنه مرسوم بالمساحيق


لم يلاحظ مُلهم وجهه أبداً إلا عندما أوقفه ومال عليه ليتفقد وجهه بعد أن ضربه الطلاب في الحمام

"مين عمل فيك كده؟"

سأل إنشاد وابعد مُلهم يديه عن وجهه

"ملكش دعوة"


كان يشعر أنه يتم معاملته كطفل وكان يكره هذا الأمر، يريد التصرف بنفسه وأن يكون له شخصية مستقلة بعيداً عن الجميع


رفع إنشاد يديه قاصداً أنه لن يلمسه مجدداً

"مكنش قصدي، أنا بس قلقان"


"قلقان ليه؟، إنت مين؟، عندك فضول تصاحب الواد الترانس شوية وتشوف جسمه زي الرجالة فعلاً ولا لا؟"

كان كل من يحاولون التقرب لمُلهم كانوا يتقربون بدافع الفضول بسبب كونه عابراً جنسياً، لذا لم يكن يثق في أي أحد


"آسف إني اديتلك شعور إني متطفل، أنا مكنتش أقصد"

إعتذر وتركه مُلهم وغادر الجامعة


لم يعد للمنزل بل ذهب للمشفى التي يعمل بها زياد الذي تفاجأ برؤية الكدمات على وجهه

"يا نهار أبيض!، مين عمل فيك كده؟"


"ممكن تساعدني اغطيها وما تقولش لبيسو؟"

قال وتنهد زياد بقلة حيلة ثم طلب مساحيقاً من زميلته في العمل وبدأ يغطي آثار الكدمات


"ممكن تكلمني عن اللي حصل؟"

سأل زياد بهدوء محاولاً جعله يتحدث


"عادي، أي حد بيجي عليه وقت بيدخل خناقة"

رد بلا مبالاة


"خناقة ولا عيال ترانسفوبيك مسكوك ضربوك؟"

سأل وزفر مُلهم بضيق

"عادي، بتحصل"


"وأخواتك كانوا فين؟، ما كلمتهمش؟"


"مش عايز أفضل زي الفار مستخبي وراهم، أنا كبير"


تنهد زياد لأنه فهم شعور مُلهم

"ماشي، إنت مش عايز تفضل معتمد عليهم، ليك حق تبقى عايز تحس بالإستقلالية، بس هل بدأت استعدادت لحاجة زي دي؟"


"إزاي؟"

سأل ببلاهة


"روحت جيم، حضرت كلاس كيك بوكسينج، أي رياضة للدفاع عن النفس"

شرح زياد


"لا"


"اومال إيه اللي عايز تبقى مستقل وإنت مش مخطط أصلاً؟، المستقل بيكون حد حكيم بيفكر كويس وياخد قراراته بعدها، طالما ناوي تستقل يبقى تاخد احتياطاتك، لازم تبدأ تحضر كلاسز العاب قوة عشان اللي يبصلك تفقع عينه"

توقف عن تحرك يده على وجه مُلهم بعد أن انتهى من تغطية الكدمات بالمساحيق


"ماشي"

رد مُلهم أخيراً وقبلَ زياد حده برفق كي لا يؤلمه بسبب الكدمات


"كلمني أما توصل البيت يا حبيبي"

اوصاه باسماً قبل أن يتركه ويغادر 


"يو اس حلوة؟"

سأل أمجد وهو يهز ساقه بينما ينظر لزين الذي يلعب مع جرو


"بروحها عشان صحابي بس، أمجد ممكن تبطل تهز رجلك عشان وترتني؟"

قال وعندها توقف أمجد عن هز ساقه وزفر الهواء من فمه بضيق، كان يبدو أنه يكافح ليبقى هادئاً، جسده مملوء بالتوتر


"مالك؟"

سأل زين لأنه لاحظ أن أمجد قليل الصبر في الأيام الأخيرة


"ليه بابا مش موافق إني أسافر؟"


"ما تكبرش الموضوع، أكيد هيوافق في الآخر، تلاقيه قلقان شوية بس"


"زين، بابا مش زي بيسو، ما أفتكرش أنه هيوافق في الآخر وخلاص، والموضوع سخيف أوي، وكأني طفل أو بنت"


استقام واقفاً لأنه لم يرد سماع المزيد من مبررات زين، صعد في سيارته وبدأ القيادة حتى توقف في مكان مهجور وأخرج سيجارة ثم جلس على مقدمة السيارة وبدأ يدخن


كان يشعر بالغضب، الإستياء 

لما يتعامل معه والده وكأنه طفل؟


سمع صوت صراخ، نزل من فوق مقدمة السيارة وبدأ ينظر حوله حتى وجد إمرأة ملطخة ملابسها بالدماء تركض فزعة


تجاوزته ثم بعد ثواني عادت، وكانها كانت تفكر هل تراهن وتثق به أم أنه رهان فاشل لأنه رجل 

"ممكن تساعدني؟"


كانت إمرأة بشعر مجعد اشعث مملوء بالأتربة

كان صدرها يعلو ويهبط بسبب تنفسها السريع، ملابسها ممزقة، متسخة، وملطخة بالدماء


"اركبي"

قال ثم صعدا في السيارة وبينما يدير المقود رأى مجموعة رجال يركضون ناحيته، رفع سرعة السيارة ليعود للطريق السريع ويبتعد عن المكان


وجدته يقترب من مشفى وعندها قالت بفزع

"لا، ما تروحش للمستشفى"


"ليه؟"

سأل بإستغراب


"بالله عليك بلاش المستشفى"

ترجته وعندها غير الطريق

"ماشي، بس في واحد قريبي دكتور، وهو أمين جداً، إيه رأيك؟"


وافقت المرأة وأتصل أمجد بزياد الذي ذهب له فوراً وبدأ ينظف وجهها من الدماء ويتفقد جروحها


"في أي حاجة عايزة تقوليها؟، أنا مش بضغط عليكي براحتك"

كان زياد يتحدث بحرص


"لا"

ردت بإقتضاب


"عندك مكان تباتي فيه؟"

سأل وراقب تعبيرات وجهه حتى حركت رأسها بالسلب


"طيب بصي، أنا عندي بنت زي القمر، تحبي تباتي معاها في اوضتها النهاردة؟"


كان من الواضح على المرأة الشك وعندها خطر لأمجد فكرة

"ممكن ابات عندك أنا وداد ونسيب البنات تبات مع بعض في بيتنا، تاليا وبشرى ولوجين"


"إيه رأيك؟"

سأل زياد المرأة ثم أضاف بود باسماً

"سيبك مننا، هتصل بتاليا بنتي، هتحبيها أوي"


اتصل زياد بتاليا ثم بسيوني وشرح له الوضع الذي إقترح الاتصال بصديقته شمس لتستطيع التعامل مع المرأة الفزعة كما ينبغي، ووافق زياد على الفور ثم اتصل بها


انتهت المحاضرة وأخرج مُلهم هاتفة ليتصل بأمجد لكن لم يكن الهاتف يعمل، تنهد بضجر ثم وجد إنشاد أمامه

"هاي!"


كان مُلهم ليتجاهله كالعادة لكنه كان يحتاج الإتصال بأمجد ليأخذه من الجامعة لذا قال

"ممكن موبايلك أعمل مكالمة؟"


مده له إنشاد فوراً واتصل مُلهم بأمجد وأخبره بأنه سيأتي لاصطحابه من الجامعة، بعد أن انهى المكالمة وقبل أن يعيد الهاتف لإنشاد وجد اشعاراً من مجموعة باسم ( كوير فاميلي فان كلاب)


بدأ يقرأ آخر رسائل وصلت

"شفت ملهم النهاردة بس ما شفتش زين معاه تفتكروا متخانقين؟"

"تفتكروا العائلات دي بتتخانق زينا؟"

"كنت متوقعة تحصل خناقة بين زين وتاليا وفريق الطايرة بعد اللي حصل مع ملهم بس محصلش حاجة، تفتكروا ليه؟

"يمكن ملهم ما قالهمش"

"أو يمكن سابوه يعتمد على نفسه عشان هو دايماً ضل لأخواته"


"هو إيه دا؟"

سأل مُلهم إنشاد بشكل مباشر وهو يمد الهاتف إليه


"هشرحلك"

كان إنشاد متوتراً ومرتبكاً


"كسم الهبل شايفين حياتنا مسلسل؟، احنا بشر"

دفع إنشاد رغم أنه لم يكن يقف في طريقه ثم سار لبوابة الجامعة ليخرج منها


هناك مجموعة مُنشأة للتحدث عنه هو وعائلته!

أي نوع من الحكايات الهزلية هذا؟

كيف يعقل حدوث شيئ كهذا؟


لما هناك أشخاص فضوليين لدرجة مراقبة عائلة والتحدث عنهم في مجموعة وكأنهم ممثلين؟

هذا جنوني!


وضع سماعات رأسه وشغل أغنية بشار مراد ورفع الصوت


مش طالع بأيدي أغير نصيبي، ولا حدا فاهم أساليبي

الطالع بأيدي كاسة ويسكي، ولسا ما بتكفيني 

صب كمان كاس، لف سيجارة

بركي بنسى كل هالخرا

بركي بنسى هالمسخرة

بحس حالي برجع لورا


سمع صوت بوق سيارة وعندها نظر لمصدره ووجدها سيارة أمجد، ومن تعبيرات وجهه استنتج أنه يناديه منذ مدة لكنه لم يسمعه بسبب الأغنية


صعد في السيارة وأغلق الأغنية وقال أمجد وهو يحرك المقود

"هنبات النهاردة في بيتنا، بيت بابا يعني"


"في حاجة؟"

سأل مُلهم ونظر أمجد إليه وهو يرد

"مفيش، بس في.."

توقف عن الحديث عندما لاحظ الكدمات التي يخفيها مُلهم بالمساحيق


"إنت مضروب؟"

سأل وارتبك مُلهم

"مش حاجة مهمة"


أوقف أمجد السيارة وبدأ يمسح المساحيق عن وجه مُلهم ليرى الكدمات بشكل واضح 

"دنتا مضروب علقة موت"


"عادي"

ابعد يد أمجد عنه


نزل أمجد من السيارة وصفع الباب خلفه، دخل الجامعة وسأل الحارس عن هوية من قام بضرب مُلهم، لأنه يسمع دوماً ثرثرة الطلاب ويعرف كل ما يحدث في الجامعة


سار للملعب الرياضي بثبات ثم لاحظ السلسلة والقفل، أخذ السلسلة وترك القفل، لفها حول قبضته ثم إقترب بثبات من الطالب الذي كان يتحدث بفخر عن ضربه لمُلهم وسدد له لكمة قوية جعلت الدم يتطاير من أنفه 


.


مسخرة




.


7. كحول للإسترخاء

[منشور على فيسبوك]

"الستات هما سبب أزمة تدني الأجور، تنزل تشتغل بألف جنية عشان تجيب مكياج وكلام فاضي وتاخد مكان راجل عنده بيت يفتحه"


[خانة التعليقات]


"كلام غريب يطلع من مصري هو بالنسبة لكل الدول عمالة رخيصة، سواء الخليج أو غيره، ليه بتسافروا وتقبضوا ملاليم وتبوظوا الشغل على اصحاب البلد؟، مع احترامي لرؤيتك اللي مش معدية مناخيرك بغض النظر عن إن الستات بتصرف على البيوت مش ضروري تشتغل عشان تصرف على بيت ولا تبررلك هي بتشتغل ليه، والرجالة اللي بتصرف على بيوت مش بتتنطط زي العيال وبتشتغل أي شغلانة تجيب أي فلوس زيها زي الستات اللي بتقبل بمرتبات أقل عشان الرأسماليين مستكترين عليهم الفلوس، الرجالة دي بتشتغل وطالع عينها ومش فاضية تتشرمط على النت وترمي فشلها على حد تاني زي حضرتك كده"


"هاي!، أنا شمس"

عرفت شمس بنفسها للمرأة التي انقذها أمجد


"أنا عايزاكي ما تقلقيش خالص، مفيش حد هنا هيحكم عليكي أو هيضايقك"

أضافت لأن المرأة كانت ماتزال تبدو غير مرتاحة


"أنا عارفاكي"

قالت المرأة بصوت أشبه بالهمس


"بجد!"

تفاجأت شمس


"أيوة، متابعاكي على فيسبوك"


"الله!، دنا يا بختي"

قالت باسمة بمرح 


"ممكن تكوني متابعاني أنا كمان"

قالت تاليا بمرح ثم ارتها حسابها على تيكتوك


"دا إنتي؟"

تفاجأت المرأة


"أيوة، اوعي تكوني ما بتحبيش الرقص"


"لا، حلو، بحبه"

ردت ببعض التردد


"شكلك مش من القاهرة"

علقت شمس


"كنت بدرس هنا"


"وحبيتيها ولا كارهه زحمتها ودوشتها؟"


"بصراحة، آسفة بس خنقة أوي"


قهقهت شمس

"ولا يهمك"


"إنتي من القاهرة صح؟"


"عايشة طول حياتي فيها، أكيد اصولي مش منها بس مقدرش أنقل لمكان تاني، اتعلقت بدوشتها، مقدرش أقعد في مكان هادي، ببقى هتجنن"

قالت بتلقائية وبدأت المرأة تندمج في الحديث معها وشعرت شمس وتاليا بالراحة أنها اصبحت اهدأ


كان أمجد يقوم بالتدخين في الشرفة بينما يهز ساقه تلقائياً أثناء شروده في أفكاره


"عندك تارجيت يجيلك التهاب رئوي الشهر دا ولا إيه؟"

علق زين وهو يدخل الشرفة


"مش ناقصاك إنت كمان"

رد بضجر


"أنا عارف إيه هيفرفشك"

قال ثم نادى موسى وسحبه للشرفة وقال بحماس

"موسى اتكلم سوداني"


"نعم!، دا ليه؟"

سأل بإستغراب 


"اتكلم بس"

ترجاه زين بعينان بريئتين


"دايرني اقول شنو؟"

سأل بقلة حيلة وعندها تفاجأ أمجد لأنه لم يكن قد سبق وسمع هذه اللهجة من قبل

"دي لهجة إيه دي؟"


"سوداني"


"غريبة"

علق أمجد


"شفت، خليته يبطل وصلة التدخين"

قال زين ثم خطف السيجارة من يد أمجد وأطفأها وتأفأف أمجد


"عايز إيه؟"


"جربت تسأل اونكل رياض تاني؟"

سأله زين


"لا"


"ما تجرب تاني كده، مع إني ما انصحش ببارس بس زي ما تحب"


إستغرب أمجد من طلبه ثم دخل من الشرفة ليسأل رياض عن السفر مرة أخرى


"مصلح اجتماعي!"

علق موسى ساخراً


"في أوقات فراغي"

رد بغرور ثم أضاف

"أنا جبت فودكا تشرب معايا؟"


"ما شربتش قبل كده"


"يبقى مش هتحبها"

قال وهمَ بالإنصراف وتركه لكنه اوقفه

"عايز أجرب"


سحبه زين من معصمه لغرفته القديمة التي كانت مخصصة له عندما كان يسكن في منزل رياض، فهو مازال ينام بها عندما يزور منزله، فتح حقيبته وأخرج زجاجتي فودكا ومد واحدة لموسى


"على فكرة الكحول بتساعد في الريلاكسينج"


"فعلاً!"

رفع موسى حاجبه بشك


"اما بيحصلي انجزايتي اتاك بشرب وببقى زي الفل بعدها"

قال وكأنه أكثر شيئ عادي 


"كده تبقى مدمن"

علق موسى بينما يفتح زين الزجاجة


"لا، بشرب وقت الانجزايتي اتاكس بس، أو فور فن، الإدمان اني اشرب كل يوم وما أعرفش أبطل"


بدأ يشرب ثم سأله

"مش هتدوق؟"


فتح موسى الزجاجة ثم تجرع منها، كان يعلم أن طعم الكحول سيئ لكنه لم يتخيله سيئ لتلك الدرجة، قهقه زين لتعبيرات وجهه المشمئزة

"قولتلك مش هتحبها"


تجرع موسى منها مرة أخرى ومجدداً شعر بالإشمئزاز وقهقه زين أكثر

"خلاص، لأحسن ترجعلي في الاوضة"


"حلو بقى إن عندك ابين؟"

سأل موسى وتجرع زين من الزجاجة ثم رد

"حلو أوي، حلو فشخ"


"زيكو شكله لطيف"


"هي ايز، بحبه أوي"

رد باسماً بسعادة حقيقيه وتابع الشرب


بعد الحديث عن والديه تذكر زين حديث موسى عن والده وسأله

"كلمت باباك؟"


"نات يت"


"ليه كده؟"

سأل عابساً


"قلقان معرفش اتكلم صح"


"هيعملك إيه يعني؟، ولا حاجة، خد وادي في الكلام معاه"

كان يحاول تشجيعه ثم أضاف

"اتصل بيه دلوقتي كلمه حبه"


"نو واي"

إعترض موسى بقلق


"ليه؟، دا والدك مش الاكس، كلمه عادي قوله إزيك عامل إيه"

لم يكن زين يراها معضلة كبيرة


"يلا، كلمه"

أخذ يردد حتى استسلم موسى وأخرج هاتفه، في ذاك الحين كان أمجد على وشك الحديث مع والده حين أوقفه إبراهيم

"عايزك ثانية"


ذهب معه لشرفة غرفته ثم قال

"الميل وصل وأنا بستخدم لابتوب رياض وحذفته عشان ما يعرفش، ممكن تقولي ليه مبعوت استدعاء ولي أمر؟، مكتوب إنك ضربت طلاب، إنت رايح الجامعة تتخانق؟، إيه شغل العيال دا؟"


"هما اللي بدأوا وضربوا مُلهم، كانت في الجامعة أما دا حصل؟"

رد أمجد مستنكراً وعندما فهم إبراهيم الوضع قال

"ضربتهم عشان ضربوا مُلهم؟"


"أيوة"

قال وعندها إبتسم إبراهيم وربت على كتفه بفخر

"راجل ياض أيوة كده هو دا أمجد الأخ الكبير اللي ربيته"


"ربيت مين إنت هتألف؟، دنتا ما سألتش فينا إلا بعد ما بيسو دخل حياتنا"

قال وعندها صفع إبراهيم مؤخرة رأسه

"شكلك لسه عايز تتربى"


"هنعمل إيه في الميل؟"

سأل أمجد


"هاجي أنا، سيب الموضوع عليا، هسففهم التراب"


شعر أمجد بالقلق من جملته

"لا، اونكل مش المفروض تضرب الإدارة، كده هتفصل"


فكر إبراهيم لثواني ثم رد بقلة حيلة

"هحاول"


"إنتم هنا!"

كان رياض الذي دخل الشرفة للتو


"إيه يا ابو صورم مش عايزني أقعد حبة مع أمجد عشان عارف إنه بيحبني أكتر منك؟"

قال إبراهيم بغرور


"يا سلام!، هيحبني أكتر أما يروح بارس"

قال وعندها تفاجأ أمجد وصرخ

"بجد!"


"أيوة، بس خليك معايا على الفون عشان أتطمن"

نبهه رياض وعانقه أمجد

"ثانكيو، ثانكيو"


تركهما وخرج من الغرفة ليذهب لغرفة زين، كان يريد إبلاغه بالخبر السعيد، فتح الباب ووجد زين وموسى يقهقهان بجنون


لم يهتم وهتف بسعادة

"زين، أنا رايح بارس"


"يالهوي!، مبروك، بس خد معاك برفانات كتير عشان ريحتها معفنة"

قال ضاحكاً ثم أشار له ليقترب وعانقه ثم قبلَ خده

"مبروك يا مجوده"


"تعالى هات بوسة إنت كمان"

قال موسى ومن فرط سعادة أمجد جاراه، عانقه موسى وقبلَ خده

"مبروك"


تركهم أمجد وعاد لرياض ليتفق معه على موعد السفر بينما زين عاد للقهقه


"بس إنت مبقتش اكتيف على تويتر ليه؟"

سأل موسى


"عشان تويتر مقلب زبالة، قالك إن تويتر فيها ناس متحررين، أبضن كدبة، تويتر فيه ابضن ناس، فيسبوك هو اللي في كومينتي التحرر، كان في صفحة بحبها أوي بتمثل التحرر، تتكلم فيها براحتك ومحدش بيجادج يو، ملحد، هوموسكشوال، فيمنست، عاملة بالدعارة، حد عايز يغتال ابوه، واللي بيجادج يو بيتبلك على طول، ممنوع حد يحكم عليك، في بوست منها حد خول حطه على تويتر وجهم ناس من تويتر يرفصوا ومتضايقين إيه الجحود دا؟، ما تخليكم في تويتر يا ولاد الوسخة، بغض النظر إن كسم فيسبوك من وقت ما بقى بيبلك ع الشتايم لإني ما احبش حد يقولي اقول إيه وما اقولش إيه بس ستيل أحسن من تويتر"


"قصدك صفحة ميم مصري؟"


"ما إنت عارفها اهو"


"أقولك عرفتها إزاي وما تزعلش؟"


"وهو إنت تقدر تزعلني أصلاً؟"

رد بغرور


"أنا من الناس اللي عرفت الصفحة من تويتر"


"منا برضه بقول التخلف دا ميطلعش إلا من كومينتي تويتر"


"حرام عليك، أنا بحاول اتعلم"


"ما تتعلم حد ماسكك؟"


"زين"

دخل أمجد الغرفة وكأنه يقتحمها وتفاجأ زين ثم اصدر صوت بصق بسبب تفاجؤه

"خير دا إيه دخلة المخبرين دي؟"


إقترب أمجد بثبات ثم أمسك يدي زين الذي كان مستغرباً

"تعالى معايا بارس"

ترجاه أمجد


بصق زين بصقة حقيقية هذه المرة

"بتهزر!"


.


8. الخروج في باريس

-2012-


"بيسو حبيبي، اصحى الساعة سبعة"

كان زياد يقوم بإيقاظ بسيوني


كان عاري الصدر ويحمل زين على كتفه، فتح ستائر الغرفة لتنير الشمس المكان بينما يصدى صوت محمد فوزي وأغنية حبيبي وعنيا


حبيبي وعنيا لو في وسط مية ما يخفاش عليا

قلبي بيلمح طيفه قبل ما عيني تشوفه

ده دايماً أوصافه بتخيل فى عنيا


كان أسفل كتفه وشم (الحب نعمة مش خطية)

إعتدل بسيوني جالساً ومال زياد عليه ليقوم بتقبيله

"صباح الخير


"صباح النور"

رد بسيوني ثم قبلَ خد زين ثم علق مستغرباً لرؤية زياد يحمله

"مش كبر على الشيل؟"


"ما إنت مش عارف اللي فيها، دا لسه واخد حتة هدر دلوقتي على ركبته"

رد ضاحكاً


"يا نهار أبيض!"

شعر بسيوني بالقلق


"ما تقلقش، حطيتله مرهم، وبشيله حبة كده بس أخره معايا الفطار، مهو أصل آه إنت مش بايبي يا زين صح؟"

سأل زين الذي اومأ بالإيجاب


"يلا يا حبيبي عملت الفطار، قوم أغسل وشك"

قبلَ شفتيه مرة أخرى


نهض بسيوني ودخل الحمام ليغتسل بينما تاليا تقوم بتمشيط شعرها، ثم خرجت لزياد ومدت له ربطة شعر

"زيكو، اربطهولي"


أمسك زيكو فرشاة الشعر ليمشط شعرها ببراعة ثم ربطه بطريقة إحترافية وكأنه مصفف شعر، قبلَ خدها ثم وضع زين على مقعد طاولة الطعام وجلست تاليا بدورها ثم خرج بسيوني من الحمام وارتدى زياد قميصاً ليجهز نفسه للعمل


تناولوا الإفطار ثم أكمل زياد ارتداء بقية ملابسه ومر على غرفة بسيوني ليذكره بتناول مضادات الإكتئاب

"بالشفا يا حبيبي"

قبلَ خده ثم غادر المنزل


كان معظم عمل بسيوني عن بعد، هناك أيام يضطر فيها للذهاب للشركة وعندها يتغيب زياد عن عمله ليبقى مع تاليا وزين، لم يضعا أبداً في خططهما توظيف مربية أو عاملة منزلية، كانا يريدان الحرص على أن يكونا المسؤولان الوحيدان عنهما، فقد خصصا لهما مساحة آمنة لا يمكن لشخص آخر دخولها


بعد يوم طويل من العمل والدراسة لزين وتاليا تلقى رسالة من زياد أن السيول أغلقت الطرق وأنه لن يستطيع العودة للمنزل


بدأ بسيوني يبلغ الطفلين ويهدأهما رغم أنه كان فزعاً بدوره، اتصل زياد به مساءً لأنه كان يعرفه جيداً ويعرف بأنه بالتأكيد سيكون قلقاً، ذكره بتناول ادويته ثم بدأ يروي له بعض القصص المضحكة عن اقارب المرضى الذين يأتون المشفى للشجار


في النهاية نام بسيوني وهو يستمع لحكايات زياد وفي اليوم التالي في الصباح الباكر إستيقظ وهو يشعر بشفتيه تُقبلانه ويد تغطي عينيه

"جيس هو؟"


"زياد، الذي لم يخلق مثله في البلاد"

كانت جملة يستخدمها بسيوني لوصف زياد دوماً وكانت تبهجه وتجعله يضحك


"مقدرش على بعد حبيبي"

قال زياد ضاحكاً وهو يبعد يده عن عينيه ثم بدأ يوزع قُبلاته على وجهه


"ريحتك سجاير"

علق بسيوني بعد ان انتبه لرائحة ملابسه


"شربت واحدة، مكنتش أعرف انها هتلزق في هدومي كده"

كان قد حرص على غسل فمه جيداً لذا لم يكن هناك أي طعم أو رائحة له، ولكن ملابسه بقيت محتفظة برائحة دخان السجائر


"طب غير قبل ما يصحى حد من العيال"


كانت السجائر تزيد قلق بسيوني لأن أحد أصدقائه المدخنين اُصيب بسرطان الرئة ومات بسببه، لذا كانت رائحة السجائر تذكره بالموت


خلع كنزته وقميصه، امسك هاتفه وشغل أغنية ارتل بالأنين اسمك ثم مال على بسيوني وقبلهُ ثم مال عليه وعانقه بحميمية، كان يعلم بالضبط كيف يحيطه بذراعيه، كيف يحركهما، وكيف يضعهما في المكان المناسب


"وحشتني"

همس


بالليل ياروحي ارتل بالانين اسمك

وبعين خيالي اصور يا ظنين رسمك


-2024-


"اونكل رياض تعرف بيسو فين؟"

سأل سليمان ورد رياض ببلاهة

"لا"


بدأ بعدها يساعده في البحث عنه حتى فتح باب غرفة ووجده مع زياد في الشرفة، يوزع قُبلاته على وجهه


حتى بعد ادراكه وخجله من اعجابه السطحي فقد كان مازال يشعر بالغيرة لفكرة أن رجل كبسيوني ليس معه بعد الآن


لقد دخل حياته وحسنها بالكامل، حتى حياة شقيقه، بعد رؤيته للصورة عن بعد أدرك كم أنه مدين لبسيوني بالكثير، لم تكن يوماً علاقة متكافئة، كان منبهراً بإصلاحه لكل شيئ في حياته العملية، العائلية، والشخصية


أغلق الباب بهدوء ثم انصرف وبعد دقائق خرجا من الغرفة


"بيسو!، قلبت الدنيا عليك"

تذمر سليمان


"خير!"


"بما إن زين مسافر مع أمجد ما آجي ابات عندكم يومين"


"يا سلام!، دا من إيه دا؟"

رفع بسيوني حاجبه مستنكراً


"دا إيه الرخامة دي يا بيسو ما تسيبه ينور"

قال زياد، فبرغم أنه كان يعلم بأمر إعتراف سليمان لبسيوني بالحب لأنه روى له فهو وجده شيئاً مضحكاً 


"يا بضاني هرجع"

تذمر زين بينما يسير في شوارع باريس مع أمجد، كان يرتدي قميصاً بألوان صيفية وسروال قصير فوق الركبة يظهر وشم الجعران، وقبعة يمسكها ويحركها مصدراً تيار هواء، كان يشعر بالحر الشديد


"ممكن نرجع للفندق لو تعبت"

قال أمجد وعندها تذمر زين

"الفندق اللي مفيهوش حتى مروحة، مش كنت تسيبني أحجز أنا، على الأقل كنا نتبهدل بس نقعد في فندق مكيف"


أشار لمطعم

"يلا ناكل مش هنبقى طهقانين وجعانين"


دخلا المطعم وجلسا وواصل زين تحريك قبعته صانعاً تيار هواء

"الشوارع ولا ريحة الحمام العمومي"


"عربي!"

التفتا ورأيا رجلاً وإمرأة


"هاي!"

القى التحية بنبرة إستفهام


"هاي!، أنا شربل، لبناني"

مد يده وصافحه زين


"وأنا كايلا"

مدت يدها وصافحته هي الأخر


"أجدع ناس، أعتقد واضح إحنا منين"

قال زين وقهقه شربل

"مهضومين أهل مصر، أول مرة تيجي؟"


"أيوة، مكنتش عايز آجي بصراحة"


"ليش؟، حلوة بارس، يعني لو تجاهلنا الزبالة والفيران وأخلاق الناس الزبالة، كله تمام"

قال وقهقه زين


"انصحك بالاونيون سوب وبيف ستوي ويذ ريد واين صوص"

اقترح شربل


"اوكاي، هجربهم"


"انجوي"


بعد تناول الطعام شعر زين بالنشاط والسعادة بالأخص أنه شرب الويسكي بعد الطعام، وبدأ يتجول بمرح مع أمجد حتى وجد مجموعة مثليين متجمعين ويرتدون أشياء مختلفة عليها علم الفخر


"سلاي كوينز!"

هتف بمرح ونظروا إليه ثم إبتسموا ضاحكين

"OMG, you're so pretty"


سأل رجل ذو شعر مصبوغ بالأزرق

"That 'slay' was a bit too natural, babe.. you one of us?"


"Yeah, I'm gay"

هتف ضاحكاً وكان أمجد متفاجئاً لأنه لا يعرف عن أمر ميول زين الجنسية


قبلَ زين الرجل مما جعل الموقف أكثر غرابة بالنسبة لأمجد، بينما زين والرجل كانا يريانها مجرد قبلة مرحة ثم لوح له مودعاً


"هو دا بجد؟"

سأل أمجد بإستغراب


"هو إيه؟"

سأل زين ببلاهة


"إنت جاي؟"


"اوف كورس اي آم"

رد ببساطة ثم قلب عينيه

"لو هتبضن وجو هوموفوبيا فا دا مش وقتك، أنا عامل دماغ ومبسوط في الزريبة دي أخيراً"


إذاً علم الوان قوس قزح لم يكن لفرقة بينك فلويد!

بدأ أمجد يفكر بينما زين كان نشيطاً ويرقص مع المارين


توقفت تاليا عن الرقص وأوقفت هاتفها عن التسجيل عندما سمعت صوت الباب، خرجت وسألت زياد بإندفاع

"عرفت حاجة؟"

كانت تقصد عن المرأة المجهولة التي غادرت كما ظهرت فجأة


"غالباً شغالة في الدعارة، راحت لإبن وزير البيئة، اللي عليه شهادات بالهبل إنه سايكوباتي"


"عليه شهادات ومحصلوش حاجة؟"

سألت تاليا بإستغراب


"ما الشهادات دا في دائرة العاملين بالدعارة بس، ومحدش مهتم بالبنات الغلبانة دي، بس البنت دي محظوظة إنها عرفت تهرب، سمعت عن بنات ما لقولهاش أثر من أساسه"


"وبيروحوله إزاي لو عارفين دا؟"


"بيدفع للقواد كتير، فا بيبعت البنت من غير ما يقولها حاجة"


"يبقى كانت مكسوفة تتكلم عشان فاكرة هننظر عليها عشان شغلانتها!"

استوعبت تاليا الوضع


"بالظبط"


"تقريباً مقالي الجاي هيبقى عن الإتجار بالبشر"

علق مُلهم


"هساعدك فيه"

اقترحت تاليا


"بتعملوا إيه؟"

سأل سليمان ورد مُلهم

"هو إنت فاضي دايماً كده؟"


"دا حقد طلاب ولا إيه؟"

رد سليمان ساخراً


بدأ هاتف مُلهم يصدر نغمة الإشعارات بشكل متكرر، فتحه ووجد أنه تم إضافته لمجموع، فهم من حديثهم أنهم الطلاب الذين يتحدثون عن عائلته


بدأوا يبررون اسباب ما يقومون به وأنه شيئ طبيعي ويفترض به أن يشعر بالسعادة وليس الحزن وانهوه برسالة

"وبعدين إحنا بنحبكم مش قصدنا حاجة"


"مش عايزين حبكم، عايزينكم تسيبونا في حالنا"

ارسل مُلهم


"ليه؟، احنا مش هوموفوبيك، ليه بتعمل كده معانا؟"


"عشان حتى لو مش هوموفوبيك زي ما بتقولوا مش من حقكم لا تراقبونا ولا تتكلموا عننا أو أي جنان من دا، دا ياريتكم بتشتمونا أحسن من الهبل دا"


"ليه بتعاملنا كده؟"


"كون إنك المتحدثة الرسمية بتاعتهم وطريقة ردك اللي محسساني إني المفروض أكون ممتن إنكم شاغلين بالكم بالسكشوالتي بتاعتي أنا وعيلتي تعصب أكتر، ملكمش دعوة بينا تاني بدل ما هقول لأمجد وهو هيتصرف معاكم"


خرج من المجموعة ولاحظ رسالة من رقم غير مسجل

"أنا بعتذر جداً عن سوء الفهم اللي حصل، بس أنا عمري ما كنت جزء من الجروب دا، حتى ممكن تاخد موبايلي هتلاقيني ما بعتش رسالة واحدة بس للجروب، يمكن غلطتي إني مخرجتش منه بس أنا مكنش قصدي كده خالص"

كان من الواضح أنها من إنشاد


ختمت تاليا منشورها بهاشتاج

"الإتجار بالنساء"


.


حبيبي وعنيا



بالليل يا روحي



.

9. عيلة طبيعية

[منشور على فيسبوك]

"منه لله اللي طالب بتعليم وعمل المرأة، احنا لا عايزين نتعلم ولا نشتغل"


[خانة التعليقات]


"طب ما تقعدي في البيت هو حد هيجي يبوس رجلك تنزلي تتعلمي ولا تشتغلي؟، الموضوع بسيط، أقعدي في البيت"


"وهو يعني لو بنت قالت لأهلها مش عايزة تتعلم هتسيبها؟"


"هيعملولها إيه يا أستاذ حناكة؟، ولا حاجة، هيقولك مسيرها تتجوز، على فكرة البنات بتحارب عشان تتعلم وتشتغل مش عشان تقعد في البيت، القعاد في البيت هو الحاجة السائدة، وكله بيقول اهي بنت ومكانها بيت جوزها، محدش هيعملك حاجة لو قعدتي في البيت، ديتها إيه؟، لو أهلك مهتميين بتعليمك شوية اهي خناقة وهتعدي، الموضوع مش صعب، ياريت تقعدي في البيت وما تقرفيناش محدش جبرك لا تتعلمي ولا تشتغلي"


"مهو لو كل الستات تقعد في البيت وتسيب الرجالة تقبض قبض أحسن من المرتبات الخرا اللي نزلت بسببهم كل الستات هتعيش مكرمة"


"مكرمة من أنهي ناحية؟، إيه الضامن من إن فلوس زوجها ما تختفيش مع أول خناقة؟، دا غير أنه بيشوف شغلها في البيت مش شغل يستحق الأجر وأنه بيتفضل عليها بفلوسه، وأنها لا تستحقها، إيه يمنعه أنه يمنعها من الفلوس أو من أي حاجة عموماً وهي تحت رحمته، أغلب الجوازات اللي الست فيها مجرد ربة منزل بيتم تهديدها عشان تفضل مع الرجل، لو مشيتي هتروحي فين؟، هتجيبي فلوس منين؟، هتصرفي على العيال إزاي؟، منطقياً أي علاقة مبنية على حد شايف نفسه بيتفضل على التاني بفلوس مش متكافئة، حتى الأهل مش صحي تفضل تاخد منهم فلوس طول فترة قعادك معاهم، الرجالة النتنة دي عارفة إن السبب الوحيد اللي يخلي ست تقعد معاهم هو الإجبار فا بيحاربوا عمل المرأة بكل قوتهم عشان يعرفوا يتجوزوا واحدة شايفاهم المهدي المنتظر وتبقى لعبة في ايدهم، وتلاقيه بيقول الست لو مسكت فلوس في ايدها هتسيبك، ما دا معناه إنها معاك بالإجبار مش بمزاجها، بس هو شايف إن استحالة ست تستحملة إلا لو أجبرها عشان دا حقيقي"


أغلقت حاسوبها ثم فتحت حقيبتها لتخرج صندوق طعامها وتبدأ في تناول الشطائر المعدة منزلياً حتى قاطعها صوت حمحمه فنظرت لمصدره ووجدتها فتاة ذات شعر بُني قصير وبشرة قمحاوية، ملابسها مبهرجة تشبه طريقة تنسيق ملابس زين

"هاي!"


ابتلعت تاليا الطعام وردت بنبرة إستفهامية منتظرة أن تسمع ما تريد الأخرى قوله

"هاي!"


"إنتي حلوة أوي"

قالت الفتاة بإندفاع جعل ثغر تاليا ينفرج بضحكة بتلقائية

"شكراً"


شعرت بأن الفتاة مألوفة ثم تذكرت أين رأتها

"إنتي في فرقة الرقص بتاعت الجامعة؟"


شعرت الفتاة بالسعادة وسألت بحماس

"أيوة، شفتيلنا عروض قبل كده؟"


"أيوة، حلوين موت"


"دا من ذوقك"


"شكلك عايزة تقولي حاجة"

قالت لأنها شعرت بأنها مترددة


"يور داد زياد زهران ايكون أوي، بنبهر في إن لسه في رجالة مهتمة بجد للستات"


"دا المفروض يكون العادي بس للأسف ما بيحصلش، بس خلي بالك مش المفروض تكوني ممتنة لأي راجل لأنه معتبرك هيومين زيه، دي بديهيات، حتى لو الراجل دا ماي داد، أنا مش حاسة بأي امتنان له كناشط نسوي، بس أنا ممتنة له لحاجات تانية"

نبهتها فقد كانت تؤمن بأن الإيمان بحقوق النساء شيئ بديهي يفترض للجميع الإيمان به فهو حق اساسي


"حاضر"

ردت باسمة ثم قالت بتردد

"تحبي تنضمي لفرقتنا؟"


كانت تاليا لم تنضم للفرقة لأنها كانت ترى أنه من النفاق أن تقوم الدولة برعاية نشاطات الرقص في أماكن معينة بينما تقوم بالقبض على نساء أخريات، أو فصلهن من وظائفهن، أو وصمهن بأبشع الألقاب لمجرد أنهن يرقصن فإن كان الرقص شيئاً قومياً يعبر عن هويتنا كما يدعون فلا يفترض أن يتم وصم أي إمرأة تقوم بالرقص


"لا، مشغولة"

ردت وهي تبتسم بود كي تزيل الحرج بينهما فلم تكن كزين شغوفة بالتحدث عما تؤمن به بصوت مرتفع، فقد كانت أكسل من أن تتناقش 


خرجت من مبنى كليتها وبينما تسير لمحت بشرى، لوحت لها وهتفت بحماس

"بشرى!"


التفتت بشرى وإبتسمت بإتساع عند رؤيتها ثم تبادلتا العناق، كانت بشرى ترتدي نظارة طبية لأن نظرها أصبح سيئاً


"وتساب؟"

سألت تاليا بمرح 


"يعني ماشي الحال، لسه كنت في كويز"


"وعملتي إيه؟"


"زي الفل، معلش مستعجلة عشان عايزة اعدي على مدرسة تيام ولوجين وارجعهم للبيت"

قالت بشرى واومأت تاليا بتفهم

"أكيد، خلي بالك وإنتي بتسوقي"


بينما تسير بشرى على عجلة تعثرت وسقطت على الأرض، أسرعت تاليا إليها لتتفقدها بقلق

"إنتي كويسة"

ساعدتها على الجلوس وكانت نظارتها قد انكسرت، في تلك اللحظة قررت تاليا التدخل لأنه لا يمكن لبشرى القيادة بدون نظارتها

"بصي، هسوق أنا"


بدأت تنفض التراب عن ملابس بشرى

"سوري بجد"

اعتذرت بشرى لأنها شعرت بأنها ستشغل تاليا بشيئ لا يخصها


"ما تقوليش كده، تيام ولوجين أخواتي"

شابكت يدها بيد بشرى لتضمن أن لا تقع مرة أخرى حتى وصلتا للسيارة


بدأت تاليا القيادة حتى المدرسة المقصودة، وعندما رآها تيام شعر بالسعادة

"بيسو عندنا؟"

سأل بحماس


"لا، بس لو عايز ممكن نستأذن من داد إبراهيم وآخدك لبيسو"


"كلميه قوليله، عادي يعني"

ترجاها وعندها اتصلت بشرى بإبراهيم وابلغته أن تيام يريد الذهاب لمنزل بسيوني، ووافق إبراهيم


نزل تيام من السيارة بحماس وهرول لداخل المنزل ثم عانق بسيوني وبعدها عانق زياد ثم بدأ يبحث عن زين

"زين فين؟"


"زين في بارس مع أمجد، هو اونكل إبراهيم ما قالكش؟"

إستغرب بسيوني وكانت تيام يبدو أنه يشعر بالخيبة


"ممكن تتصل بيه لو عايز"

حاول بسيوني التخفيف عنه


"لا، خلاص"

قال بخيبة وبدأ يتنهد بضيق بين الحين والآخر


جلس بسيوني بجواره على الأريكة ثم بدأ يتحدث بود

"بص أنا مش عايز أضغط عليك بس إنت عارف إنك مهما قلت أنا مش هجادج، لو عايز تقول حاجة ممكن تقولها"


ظل تيام على موقفه وتركه بسيوني كي لا يضغط عليه، مر زياد عليه وسأله بروتينية عن حاله 

"شكلك متضايق مالك؟، عايز تقول حاجة؟"


فكر تيام لبعض الوقت ثم تنحنح وإقترب ليهمس بجدية

"هقولك حاجة بس مش هتقول لأي حد ماشي؟، كلام رجالة؟"


"كلام رجالة"

جاراه زياد 


كان تيام يشعر بالأمان تجاه زياد وبسيوني لأنهما مختلفان ويتقبلان كل شيئ -على حد وصفه- بالأخص زياد فقد كان زين يتحدث دوماً عن أن زياد ملجأه الآمن

"هو وإنت صغير أوقات كنت بتفكر تحضن صاحبك؟"


"عادي، نقدر نحضن اصحابنا"


"وتبوسهم!"

تابع تيام كانت نبرته مزيج من الفضول والقلق


"ستل عادي على حسب درجة قربهم مننا"

لم يجد زياد أي مشكلة في اسألته


تردد تيام لبعض الوقت وساعده زياد في تنظيم أنفاسه وتحدث بحنان 

"اهدى، براحتك، ما تضغطش على نفسك، تقدر تتكلم في أي وقت، مش ضروري دلوقتي"


بعد صمت دام لما يقارب الدقيقة سأل تيام بصوت اشبه بالهمس

"أنا بفكر فيه كتير"


"ممكن اسألك أنا سؤال؟"

سأل زياد بحرص واومأ تيام بالإيجاب


"إنت معتبر الشخص دا صديق فعلاً ولا حاجة أكبر؟"

سأل محافظاً على نبرته الهادئة والمريحة

"مثلاً، اما تفكر فيه إيه أول حاجة بتيجي في بالك؟"


صمت تيام وكأنه يستجمع كل شيئ عن صديقه ثم بدأ يتحدث

"هي ايز سو فاني، وبيحب يعمل مقالب، سمارت"

بدأت إبتسامته الضاحكة تتحول لأخرى دافئة خجلة

وهو يتابع

"ريحته شبه الفواكهة الصيفي، وضحكته حلوة أوي"


استطرد مغيراً نبرته وكأنه يصفع أفكاره جانباً

"أوقات ببقى عايز أبوسه وبتضايق أوي من نفسي إني عايز أعمل معاه زي ما أستاذ أياد عمل فيا، أنا بجد باد بيرسون"


إنتظر زياد حتى توقف تيام عن الحديث ثم قال

"تيام، دا مش صح، إنت مش باد بيرسون، ومفيش شبه بينك وبين أياد، ولا حتى من بعيد، اللي حصل معاك من أستاذ أياد، ده اعتداء، لأنه كان أكبر سناً وإنت كنت طفل، والمسؤول عن اللي حصل هو اللي استغل سلطته عليك، إنت ما كنتش قادر تفهم أو ترفض، وهو عارف كده"


صمت لثواني وكأنه يسمح لتيام بسماع حديثه بشكل جيد ثم تابع

"الإعتداء هو إن حد كبير، عنده سلطة على الطفل، يستخدم الثقة أو الطيبة والجهل بتاع الطفل علشان يعمل حاجة ترضى رغبته بالشعور بالسيطرة والقوة، الطفل ما عندوش لسة الادراك ولا الفهم أنه يقول لأ، وخصوصاً لو الشخص اللي قدامه هو مدرسه، أو قريبه، أو حد بيحبه وبيثق فيه، الاعتداء بيكسر الحتة دي، بيخلي الطفل يتلخبط، يفتكر إن الغلط جه من عنده لأن الشخص التاني أكبر سناً، وكمان عنده سلطة أكبر، وكمان بيقول أنه بيحبه أكيد هو صح"


كان يراقب تعبيرات تيام وتأثره بحديثه وتابع

"بس اللي إنت حاسس بيه دلوقتي مختلف خالص، إنت وهو في نفس السن، مفيش فرق قوة، مفيش سلطة، ومفيش استغلال، فيه مشاعر، فيه رغبة، في قرب، ده مش شر، ومش غلط"


أمسك بيده برفق ثم قال بحنان

"تيام إنت ناجي مش مذنب"


كانت ثواني من الصمت وتبادل النظرات انتهت بعناق تيام لزياد وبعد أن ذرف الدموع سأل

"هو مش غلط يبقى عندي مشاعره لولد زيي؟"


"لا، اتنين من نفس الجنس عاقلين بيحبوا بعض، إيه المشكلة؟"


"عشان ربنا خلقنا راجل وست عشان نتجوز ونخلف ونعمل عيلة طبيعية"


"إيه مفهوم العيلة الطبيعية بالنسبالك؟"


تردد تيام للحظة بسبب سؤاله رغم أنه كان يجد الرد بديهياً

"أب وأم وأطفال"


"طب واللي متطلقين زي حالتك؟، ملهمش حق يتقال عليهم عيلة؟، لو الأم ماتت والأب بقى المربي الوحيد أو العكس؟، لو الإتنين ماتوا والجدة ربت؟، لو كله مات وراح ملجأ؟، دول كلهم ما يستاهلوش لقب عيلة؟، شايفني أنا وبيسو وزين وتاليا ما نستاهلش لقب عيلة؟"

إستنكر زياد 


كانت الأسئلة تفتح أبواباً كان قلقاً من فتحها، هل يمكنه التفكير هذه الطريقة حقاً؟"


"العيلة مش لازم تكون أب وأم أو أطفال بيولوجيين، أنا بعتبرك إنت وأختك وبشرى وأمجد عيالي برضه، وليك حق تحب أي حد، وطالما رغباتك أفكار فأحرص إنها ما تتنفذش بطريقة غلط، ماشي"


كانت المعلومات كثيرة على رأسه لدرجة أنه عجز عن الرد واومأ بالإيجاب، قبلَ زياد جبينه ثم نهض وتركه يفكر في كل ما قد سمعه


.


10. مامي ايشوز

[منشور على فيسبوك]

"اوه مان، كسم الدادي ايشوز، المامي ايشوز أوسخ حاجة في الدنيا، كده كده السائد إن الأب مش مهتم، دوره هو بنك الأسرة وخلاص، بس فكرة أن أمك اللي المفروض هي اللي جابتك للدنيا وهي رمز الأمان والحنان العالمي تبقى بتكرهك وبتعاملك زي الزبالة دا أوسخ حاجة في الوجود، أنا حتى مش عارف أكرهها، أنا نفسي أعرف هي مش بتحبني ليه"


[خانة التعليقات]


"لازم تعرف إن والدتك بتحبك بطريقتها، يمكن مش عارفة تعبر بس مفيش أم ما بتحبش عيالها، دي طريقتها ولازم تعرف أنها بتحبك وتفهم طريقتها ودوافعها وتقدر اللي مرت بيه، دي الطريقة اللي بتحبك بيها، تقبلها، إنت تعبتها في الحمل والولادة والتربية ومش قادر تصبر عليها في حاجات بسيطة زي دي؟"


[الرد على التعليق]

"لا معلش، عشان جو أهلك تعبانين وأمك شقيانة ودي طريقتها في الحب دي بتعصبني، أقولك ليه؟، لإنك مش مجبر تخلف، مش المفروض أكون ممتن إن اهلي جابوني للدنيا وإن أمي كانت بتغيرلي البامبرز وأنا صغير لأنها هي اللي إختارت تجيبني الدنيا، فا طبيعي أما تختار تجيب عيل هتحمل وترضع وتغير، دي نتيجة إختيارها، مش المفروض أكون ممتن لفلوس أبويا لأنه اللي اختار يجيبني ولازم يصرف عليا بحكم إختياره، وبحكم القانون بما أنه الواصي عليا وولي أمري، مش كل ما نتزنق في حاجة تخص الأهالي نقول دا صرف عليك دي غيرتلك البامبرز، دي لغة حبهم، عشان الحب بريئ من الإبتزاز دا"


"كلام الغرب الغبي دا بتاع اختاروا وما اختاروش وبيتعاملوا مع الإبن إنه مستقل عن أهله هو اللي خلى العقوق كتر، مهما كان دا ابوك وأمك، ما ينفعش العقوق دا لأي سبب، الجيل دا اما ابوه يزعقله يقعد يتنطط ويقولك بكرهه، على ايامنا الأب كان يكسر عضمك وتقلق عليه لو حسيت إن ضربه بقى أقل، صحيح جيل معندهوش علم ولا دين"


"هو كل ما حد منكم يتزنق يجيب سيرة الدين، يا عم يلعن دين أمك"


أشترت كوب قهوة بعينان نصف مفتوحة لأنها سهرت يومان متتاليان لتدرس للإختبار، وبينما تلتفت لتخرج من قاعة الطعام وجدت أمامها فتاة بشعر طويل مصبوغ بالأشقر ترتدي ملابس مبهرجة وتضع مساحيق كثيرة ويقف بجوارها فتاتين وكأنهما ديكور لتعزيز وجودها


رمشت عدة مرات محاولةً فهم هل هذا حلم أم حقيقة حتى تحدثت الفتاة

"أنا بعزمك على حفلة في بيتي الجمعة الجاية"

كانت تتحدث بثقة ممزوجة بغرور جعل تاليا تستغرب


"ناه، ثانكث"

رفضت تاليا فلم تكن الفتيات المغرورات يرقن لها


لكن الفتاة لم تنسحب وسألتها مستنكرة

"يعني إيه؟"


"يعني مش عايزة آجي"

ردت تاليا بهدوء ثم ارتشفت من كوب القهوة عندما وجدت أن الأخرى لا تتوقف عن الحديث


"ليه؟، أنا أشهر بنت في الجامعة وحفلاتي دايماً حلوة والكل عايز يروحها"

كانت تتذمر كمراهقة لا تتقبل الرفض


"نات مي"

ردت تاليا ببساطة واستجمعت الأحداث وفهمت أن تلك الفتاة هي فايا التي سبق وأرسلت دعوة لحفلة لها هي ومُلهم على البريد وتجاهلاها


"ليه؟"

تذمرت بطريقة طفولية جعلت تاليا تستغرب وتشك في قدراتها العقلية


"عشان أنا مش عايزة أروح"


"منتي بتروحي حفلات تانية"

تذمرت وإستغربت تاليا من وقاحتها وتطفلها

"آه ما دي اسمها الحرية، حرية الإختيار، أنا حرة أروح أي مكان عايزاه وأمتنع عن أي مكان مش عايزاه، مش معنى إني بروح حفلات إني لازم آجي حفلتك، جملة اشمعنا هما وأنا لا دي جملة المتحرشين، خلي بالك من كلامك"


تجاوزتها وأكملت سيرها لتخرج من قاعة الطعام، جلست في مكان فارغ كعادتها وبدأت تحتسي قهوتها ثم أخرجت هاتفها واتصلت بزين على تطبيق تلجرام


"إيه الأخبار؟"

سألت ورد زين

"صوتك نايم"


"بحاول أصحى، بقالي يومين ما نمتش"


"ليه كده؟"


"امتحان وعدى، إنت إيه أخبارك إنت وأمجد؟"


"يعني، لسه مستغرب من فكرة إني جاي وبيسألني إزاي ما بحبش الستات"


"عادي بقى، طالما ما جابش سيرة قوم لوط كله تمام"


"أمجد مش ريليجس أصلاً"


"واخدة بالي، بس في ناس بتيجي عند حاجات معينة وتكرر الحاجات اللي الناس بتقولها وخلاص كنوع من التلقين مش الاقتناع، اللي هو احنا حافظينها كده"


"هكلمك بعدين، سي يو دلوقتي"

انهى المكالمة بعد أن خرج أمجد من الحمام ثم مد يده له

"هات موبايلك ابعت لنفسي الصور"


فتح أمجد الهاتف وناوله إليه واستلقى أمجد على السرير وشغل أغنية 


I came to party, baby

You might think I'm crazy

By the way, I'm moving to the beat

You're standing on the wall

What you come here for?

You're gonna feel the heat dancing next to me

If you can't take it then get back, get back


بدأ زين يرسل الصور لنفسه وبينما يفعل فجأة انزلقت يده ومرر دون قصد للصور القديمة، كان سيتجاهلها ويعود للصور الحديثه لكنه لاحظ صورة لفتت انتباهه، كانت صورة لوالدة أمجد


بعد رؤيته لصورتها بدأ يفهم سبب غضبه المفرط، ترك الهاتف ثم إعتدل جالساً وسأل أمجد بنبرة فضولية وهو ينظر ناحيته

"تفتكر بشرى بتعمل إيه دلوقتي؟"


"غالباً عند ماما"

كان يمشط شعره أمام المرآة


"هو إنت ليه ما بتروحلهاش إنت كمان؟"

سأل وهو يراقب تعبيرات أمجد


"عشان أنا مش عيل"

رد بإقتضاب وحزم محاولاً إنهاء الموضوع


إستنكر زين رده

"إيه العلاقة؟، دي والدتك وهتفضل والدتك، كبرت ولا صغرت دا ملهوش علاقة"


"أنا مش محتاج اروحلها"

ترك الفرشاة ثم التفت لزين

"خلصت؟"

كان يقصد هاتفه


ناوله زين الهاتف

"أيوة، ثانكيو"


بعد ردة فعله تأكد أن أمجد متأثر بغياب والدته، وأن سبب غضبه هو شعوره بأنه رجل بالغ لا يحتاج لوالدته، لكنه في الحقيقة يفتقدها، فلم تتح له فرصة لقضاء وقت معها إلا لعام واحد فقط، بعد دخوله الجامعة شعر بأنه رجل بالغ ولا يمكنه أن يطلب الذهاب لوالدته كشقيقته، حتى رياض لم يكن يعرض عليه الذهاب لوالدته، كان ينتظره أن يعرض عليه حتى ولو عن طريق الخطأ ليزيل الحرج عنه لكنه لم يعرض عليه أبداً وهذا زاد غضبه منه


ولم يكن رياض يفهم أبداً سبب غضب أمجد ويجده غضب غير مبرر، وأنه يتصرف كمراهق يريد لفت الإنتباه، وهو بالفعل يريد لفت الإنتباه، لا يريد أن يكون الوحيد المنزعج، يريد إزعاج رياض أيضاً فهو يرى أنه من الظلم أن يكون مستائاً وحده


"ايش عرفك إنك فعلاً بتحب الرجالة؟"

غير أمجد الموضوع طارحاً المزيد من الأسئلة فلم يكن مقتنعاً بأن زين مثلي


"عشان كل أفكاري عنهم، زي ما الهيترو بيفكروا في الستات"


"ما يمكن مجرد أفكار"


"نمت مع رجالة"

رد ليحسم النقاش


"احا بجد!"

تفاجأ أمجد ولم يكن يعلم هل هو متفاجئ من أن زين يخبره أنه مارس الجنس أم أنه استخدم صيغة الجمع وليس المفرد مما يعني أنه فعلها أكثر من مرة


"أيوة عادي"

رد بعدم إهتمام


"إزاي؟"


"هو إيه اللي إزاي؟، ليه عايز تعرف تفاصيل السكس بين اتنين رجالة إلا لو كنت مهتم وعايز تجرب"

سأل ساخراً


"لا طبعاً، مش عايز أجرب"

رد بسرعة مدافعاً عن نفسه ثم أضاف

"بس غريب تهاف سكس مع ناس، مش دا غلط؟"


"إيه اللي خلاه غلط؟، طالما بتاخد إحتياطاتك وبرضى الطرفين كله تمام، بالعكس السكس حاجة طبيعية وصحية جداً، الفرجة على البورن هو اللي حاجة غلط لأنها بتنقلك تجارب خاطئة مزيفة، كمان الشغل دا إستغلال للناس وإتجار بالبشر، وأوقات بيكون تصوير بدون أذنهم كمان"

كان حديث أمجد أو عائلة بسيوني بشكل عام يبهر أمجد دوماً فهو يريه جانباً لم يسبق له التفكير به من قبل أو تخيل أن هناك من يفكرون به


"هو بيسو عارف؟"

سأل وعندها قهقه زين


"أولاً بيسو ملهوش دعوة، أنا مسؤول عن نفسي، بس آه أكيد هو عارف إن ليا تجارب جنسية، لأنها حاجة طبيعية، بس دا مش معناه إني بستأذن أو ببلغه بحاجة، هو مجرد حاجة عادية زي ما أكيد بيسو عارف إني بقص شعري لإني بحبه يكون في طول معين ومش مضطر أبلغه في كل مرة بقصه فيها، بديهيات يعني"

قال ثم استقام واقفاً ودخل الحمام ليستحم


سمعت صوت طرق على باب غرفتها بينما تقوم بترتيب خزانتها، ردت بنبرة ناعسة

"ادخل"


كان مُلهم، دخل وأغلق الباب

"كلمتي تيام مؤخراً؟"


"لا، في حاجة؟"

التفتت وسألت بإستغراب


"معرفش، حاسس الفايبز بتاعته بتتغير"


"لسه مراهق، شخصيته بتتكون، عادي"

إستطردت

"مش أنا شفت البت اللي بعتتلنا ميل؟"


"فعلاً!"

إستغرب مُلهم


"عزمتني على حفلة وكانت بتتنطط أما رفضت، غريبة أوي"


"شفتها أنا وبشرى واستخبينا منها برضه"


قهقهت تاليا

"يا ولاد المحظوظة"


بدأ مُلهم يربط الأحداث معاً، تلك المدعوة فايا مجنونة وتريدهم أن يحضروا، كجنون تلك المجموعة التي كان بها إنشاد


"هقولك حاجة غريبة"

قرر إخبار تاليا ليفكرا معاً


"إيه؟"


"تعرفي إن في جروب جوسيبس معمول عن عيلتنا؟"


"إيه؟"

رفعت صوتها مستنكرة ما سمعته فقد كانت جملة شديدة الغرابة على مسامعها


"في طالب مسكت فونه عشان أتصل بأمجد وساعتها لقيت نتوفكيشن من جروب بيتكلموا عننا، وكمان البجاحة أنهم بعدها ضافوني في جروب وقالولي إن غرضهم كويس وإني المفروض أنبسط أنهم مهووسين بينا"


"ذاتس سو وايلد، هما فاكرين نفسهم بيتابعوا أبطال مسلسل؟"

بدأت تربط حديثهم بحديث فايا ثم قالت

"قصدك إن ممكن فايا تكون منهم؟"


"بالظبط"


"بقى كده!، حيث كده سيبني أنا أتعامل"


"هتعملي إيه؟"

سأل بفضول


"ووتش أند ليرن"

قالت وهي تبتسم بثقة ثم قبلت خده وقالت بثقة

"روح شوف هتعمل إيه، وأنا هكمل توضيب الدولاب وسيب تيتي تخلص الموضوع"


.


get back






.


11. وأنا هربت من الشباك

[منشور على تويتر]

"هو عادي أكون بنت وأحب اقرأ قصص جايز وأفلامهم؟ وسكس سينز وكده؟، بحسهم هوت"


[خانة الردود]

"أيوة عادي زي ما الرجالة بتحب تتفرج على الليسبيان، أصلاً مفيش رجالة بتقرأ روايات جاي"


"احا إيه الزنا اللي بقرأه دا؟، رجالة إيه اللي مش بتقرأ روايات جاي أومال الجايز دول أصلاً إيه؟، فانتازيا؟، ولا مش عادي البنات اللي بتقرأ للجايز ولا الرجالة اللي بتتفرج على ليسبيان بورن، طالما مش آلآي وشايفين إنهم بس ادوات جنسية دا اسمه زنا"


"إنت مين إنت عشان تقررلنا نعمل إيه وما نعملش إيه؟"


"مفيش، أنا واحد من مخلوقات الخيال العلمي اللي بتفركوا عليها، معاك حق مش من حقي اقررلكم حاجة، علمونا أنتم يا كسمك إنتي وهي إزاي نتصرف كشواذ أصل إحنا جداد في الشغلانة وشكلكم تعرفونا كويس وتعرفوا احتياجتنا أكتر مننا"


كان يغمض عينيه ويستنشق رائحة العنبر ممزوجة بخشب الصندل وزهرة الياسمين والمسك وفي النهاية يوسفي منعش


"تيام، الفسحة خلصت"

فتح عينيه من قيلولته القصيرة التي كان يستمتع بها على كتف صديقه بينما يغمره رائحة عطره

"ما ينفعش نطنش الحصة؟"


"هيتبعتلنا استدعاء ولي أمر، وبابا هيموتني فيها"

رد الفتى، كان ذو شعر قصير حليق أسود، يضع نظارات طبية، ولديه شارب خفيف كأي مراهق في الإعدادية في طور النمو، استقام واقفاً، كان طويل أكثر من تيام ومن يراهما معاً يعتقد أنهما في مراحل دراسية مختلفة


لدرجة أن تيام بدأ يبحث عن أطعمه لتجعله ينمو أسرع لأنه شعر بأنه متأخر عن الأولاد في مثل سنه، لكن لا شيئ نجح


طوله مستقر، ووجهه لم ينبت به شعرة واحدة، صوته مازال صوت طفل وليس خشن كصوت أغلب زملاءه، لما كبروا هم وليس هو؟، كيف يكبر مثلهم؟


كان صديق تيام يحب النظافة والنظام، وقد بدأ يضع العطر مؤخراً فقط بسبب التغييرات الهرمونية في جسده التي تجعله يفرز رائحة عرق بكثرة، كان يستحم ثلاث مرات في اليوم وأحياناً أربعة، يضع المسك على جلده ثم يرش عطره ويضع نوعين من مزيلي العرق ليحرص أن تكون رائحته جيدة


على عكس أغلب المراهقين الذين يتباهون برائحة عرقهم ويعتبرونه رمزاً للرجولة فقد كان نظيفاً بنسبة كبيرة، وملابسه دائماً نظيفة ومرتبة


كان اسمه يوسف

وكان مولعاً بالألوان، العطور، والشعر بالأخص العربي

يحب القاء النكات وسماع قهقهات تيام وأحياناً القيام بالمقالب

كانت أشياء سرية يشاركها مع تيام فقط وأمام والديه هو مجرد طالب مجتهد يحب كرة القدم كباقي الأولاد


كان والده رجلاً حازماً جافاً، لا يتحدث معه إلا في حالة وجود مشكلة فقط

كعدم حصوله على درجة كاملة في الإختبار

أو أن يشتكي أي أحد منه

وفي الحقيقة لم يكن والده يتحدث، كان يعنفه، يضربه حتى يسبب له كدمات قوية تظهر بوضوح على جسده


وكان هذا السر الثاني الذي يتشاركه يوسف وتيام 

وهو أن والد يوسف رجل عنيف

يتظاهر تيام بأنه لا يعرف شيئاً ويذهب لزيارته في كل مرة يتأخر في الرد عليه وبنسبة ستون في المئة يكون السبب هو أن والده يعنفه لذا يذهب لمنزله ليوقفه، لأن والده يحب أن يبقى أمام الناس بمظهر الرجل الجيد لذا يتوقف عن ضرب يوسف عندما يظهر تيام


رغم هذا فلم يكن تيام يشعر بالشفقة تجاه يوسف، لم يكن لديه فكرة عن شعور الشفقة، كان فقط يشعر بالقلق ويتصرف ليساعده، ففي النهاية تربى تيام في بيئة مشوهة المشاعر، إبراهيم ليس الأفضل في إظهار مشاعره، فهو يجيد التعامل مع زين لأنه هو من يبادر ويجبره على التعامل معه


أما علاقته بتيام فهي هشة جداً، ووالدته فهي غائبة تماماً وليس لديها أي رغبة للتواصل معه، وجود رياض وبسيوني وزياد جعل حالة تيام أفضل لكنهم لم يكونوا ليعوضوا دور الأب لأن تيام ينتظره من إبراهيم نفسه


"ما تيجي معايا البيت النهاردة"

إقترح تيام لأنه أراد أن يعرف يوسف على زياد


"اشمعنا؟، عندي مذاكرة كتير"


"ساعة زمن، عايز أعرفك على حد"

ترجاه ووافق الآخر في النهاية


كان تيام مسروراً وهو يصعد في السيارة برفقة يوسف بعد أن وصلت بشرى لأخذه


"خدينا عند بيت بيسو"

قال تيام ولم تعلق بشرى فهي تعلم بأن إبراهيم لن يمانع


وبعد وصولهما للمنزل كان يوسف مبهوراً بالأثاث واللوحات، كان المنزل يعجبه ويعطيه شعوراً بالدفء


"زيكو، دا يوسف صاحبي"

عرف تيام بيوسف ومد زياد يده وصافحه بحرارة ثم عانقه

"إيه الولد الحلو المستحمي دا؟"

قهقه مازحاً 


"شكراً، بحاول دايماً أكون نضيف، أصلاً عندي هاجس دلوقتي إن ريحتي وحشة بسبب المدرسة وعايز استحمى"

رد وهو يبتسم بخجل 


"لو ريحتك وحشة هقولك أنا مش بكدب"

قال ضاحكاً ثم استطرد

"أعملكم شاي بلبن؟، أنا عامل كيكة برتقان حلوة أوي هتعجبكم"


لم ينتظر ردهما وشغل الغلاية الكهربائية ليبدأ إعداد الشاي وكان في الخلفية صوت أغنية لفيروز


إمي نامت ع بكير وسكر بيي البوابة

وأنا هربت من الشباك وجيت لعيد العزابي


"زيكو شكله كول أوي"

علق يوسف لأن زياد كان قد صبغ أطراف شعره بالأشقر، ومؤخراً يرتدي ملابس اختارها له زين، قميص أبيض بحجم كبير، بنصف كُم لكن حجمه جعل طرف النصف كُم يصل حتى كوعه، وسروال قصير فوق الركبة


استطاع يوسف لمح الوشم لأن القميص كان ناصع البياض وشبه شفاف

"هو إنت عامل وشم عند كتفك؟"

سأل والتفت زياد

"إيه!"

لم يكن قد سمع بشكل صحيح وبعد ثواني استوعب السؤال فإبتسم ضاحكاً ورد

"آه"


"ممكن أشوفه؟"

سأل بفضول


سحب زياد طرف القميص ليظهر الوشم، تأمله يوسف وقرأه بإعجاب ممزوج بدهشة ثم علق

"حلو أوي"


إبتسم زياد ضاحكاً

"ميرسي"


كان بسيوني في إجتماع عمل لذا بقي زياد في المنزل ولم يذهب لعمله كما اعتادا أن يتبادلا الواجبات المنزلية


"زين في فنون جميلة، حكيتلك عنه قبل كده"

ذكر زين لأن يوسف مولع بالألوان


"نفسي ادخلها"

قال بنبرة خائبة، وكأنه حلم مستحيل، بعيد المنال


"اونكل مش هيوافق صح؟"

سأل تيام واومأ يوسف بالإيجاب بصمت


"بونا بوتيت"

قال زياد بمرح وهو يضع أمامهما كوبي الشاي بالحليب وطبق الكعك ومازال صوت فيروز في الخلفية يعطي المنزل المزيد من الدفء


يا ورد العايق بالطول وبتضل بحالك مشغول

شوكك بثيابي علَّق هلأ لأمي شو بقول؟

شو بقول لأمي هلأ؟ علَّق شوكك بثيابي


"وحشتني"

إبتسم زين ضاحكاً عند قراءة رسالة موسى ثم رد

"أكيد"


"هو إيه اللي أكيد هو دا رد؟"


"مش أنا رديت بيه؟، يبقى رد"


"حلوة باريس؟"

غير موسى الموضوع


"زي الخرا، اهو يومين وراجعين"


"محصلش أي حاجة حلوة"


بدأ زين يفكر ثم ردبعد أن تذكر شيئاً قد نسيه

"رسمت رسمه جديدة"


"وريني"


نهض زين وابعد الملاءة البيضاء عن اللوحة ليقوم بتصويرها، كانت لوحة يمتزج بها البرتقالي والأزرق وكأنهما في صراع بين الأمواج وغروب الشمس وهناك قارب في منتصف هذا الصراع يعافر ليبقى على سطح الماء


اتصل بموسى مكالمة بالصوت والصورة ليريه اللوحة بشكل أفضل وابدى موسى إعجابه بها

"دي رسمتها فين؟"


"صحيت بدري من البضن، رسمتها في بلكونة الاوتيل، بعد ما كنت بدأت أندم إن اخدت معايا ادوات الرسم لإني مرسمتش ولا مرة قبل دي من ساعة ما جينا"


"شكلك بتحب الرسم أوي"


"أيوة، بس مش بؤمن بحاجتي للكلية، أنا موجود بس بسبب إن الرأسمالية بتجبرنا ندخل كليات عشان يقبلونا في الوظايف، غير كده كنت فكست"


"أنا قاطعت أهلي عشان أدخل الكلية"


"مش مهم، المهم تكون مرتاح"


تردد قبل أن يقول

"أوقات بحس بالذنب ناحية بابا وأنه كان يستاهل إبن أحسن"


"اشمعنا؟"


"عشان تعب كتير علشاني وفي الآخر قررت أختار حاجة أنا اللي عايزها بس"


"دا قرارك إنت ومستقبلك إنت، حاجة ما تخصهوش"

لم يكن زين يرى أي مشكلة في أن يعارض الأبناء قرارات ابائهم ففي النهاية هذا مستقبلهم هم، ولا يخص الآباء في شيئ


تنهد موسى تنهيدة عميقة ثم سأل 

"لما ترجع لي مصر ممكن اديك قدوم؟"


إستغرب زين وقوس حاجبيه بتعجب

"إيه؟، يطلع إيه دا؟"


إبتسم موسى ضاحكاً

"بوسة"


"طب ما تقول بوسة، تطلع إيه القدوم دي؟"

كان دائماً يستغرب لهجة موسى السودانية فهو لم يسبق أن سمع هذه المفردات من قبل


"اقول الدايرو"


"هو إيه دا كمان؟"


"يعني براحتي"


"حتى الخناق صعبتوه علينا، أنا شاكك إنك بتألف كلام جديد عشان تعمل عليا نمرة وتطلعني عبيط"

قال بشك وقهقه موسى

"ما محتاج التعب دا انت اصلك عبيط"


"يا عرص"

قال وتعالت قهقهات موسى


"مُلهم"

التفت مُلهم ورأى إنشاد يلتقط أنفاسه 

"نعم!"

قال بضجر فقد كان مازال مستائاً منه


"أخرج من الجامعة دلوقتي"


"نعم!"


"فريق السلة بيدوروا عليك ومعاهم سلاح"

كان يتحدث بقلق وإنفعال وعينان فزعتين


"إيه؟"

لم يكن مُلهم يفهم شيئاً وسحبه إنشاد ليخرجا من باب الطوارئ من مبنى الكلية ثم سحبه لسور الجامعة

"هتنط"


"نعم!، والبوابات مالها؟"

إعترض مُلهم فقد وجده تصرف غريب غير مبرر


"أكيد، لو عايز الجامعة كلها تشوفك ويمشوا وراك، اطلع على ايدي"

قال بحزم وشابك يديه ليصعد عليها مُلهم بقدميه ثم يقفز ليتسلق الجدار ثم يقفز للناحية الأخرى


.


امي نامت ع بكير



.



12.شوقنا بحر

[مجموعة وتساب: كوير فاميلي فان كلاب]


"سمعتوا آخر الأخبار؟"


"إيه؟"


"هي إيه؟"


"طلعوا تبع الداخلية"


"كنت حاسة، عشان كده سايبينهم"


"إزاي وهما ثوار؟"


"عادي تلاقيها نمرة، إنتي عارفة كام مخبر عمل نفسه ثورجي؟"


"بس فعلاً ميك سينس ليه ما اتقبضش عليهم لحد دلوقتي"


"يعني هما مش من الكومينتي ولا حاجة؟"


"شكلها كده"


"يووه، كسم البضان، هنرجع نتابع مسلسلات بس"


"الجامعة بقت مملة تاني"


كانت تقوم بالتدرب على الرقص حتى سمعت صرير باب المسرح ثم رأت تاليا تسير بثبات إليها حتى وقفت أمام المسرح مباشرةً

"هاي!"


كانت ملابس تاليا مختلفة عن ملابسها المعتادة في الجامعة، كانت ترتدي جينز أسود وبلوزة زرقاء بلا أكمام وشعرها منسدل على كتفيها


إبتسمت الفتاة بإرتباك وردت بنبرة اشبه باللهث لأنها كانت تتدرب

"هاي!"


"تعرفي فايا صح؟"

سألتها وردت الفتاة

"مش أوي بس آه، أصلها مش معتبرة حد صاحبها"


"معاكي رقمها؟"


"أيوة"


"اوكاي، هاتيه"

قالت ومدت يدها للفتاة التي ناولتها هاتفها، كتبت تاليا رقم هاتفها

"دا رقمي، ابعتيلي عليه رقم فايا"


تركتها وخرجت من المسرح وسارت لمبنى كلية الآداب حتى وجدت مرادها

"إنشاد"

نادته وعندها استفاق من شروده


"أيوة!"

رد بقلق 


"إنت لسه في جروب الجوسيبس؟"

سألته وتردد لأنه كان قلقاً كيف ستؤثر اجابته على فكرتهم عنه


"انجز، لسه فيه صح؟"

قالت بقلة صبر


"أيوة"

استسلم في النهاية ثم أضاف

"بس أنا.."

قاطعته تاليا

"مش مشكلتي، أنا دلوقتي عايزة منك حاجة محددة"


"هو دا اللي بتتعلموه في الجامعات؟"

كان سليمان الذي رأى مُلهم بينما يقفز من على السور


إقترب وسأله

"ليه الهبل دا؟"


"حد قالي إن فريق الباسكت معاهم سلاح وعايزين يموتوني"


رفع سليمان حاجبيه بتعجب

"قولتلي!، طب تعالى"


أمسك معصم مُلهم ودخل به للجامعة، لم يمر بنقطة التفتيش فقد كانوا يعرفونه


"فين فريق الباسكيت؟"

سأل سليمان أحد رجال الأمن الذين وصفوا له مكان الملعب المخصص لهم


واصل سليمان سحب مُلهم وقبل أن يصلوا للملعب كان قد وجد الفريق


"إنتم بقى فريق الباسكيت؟"

سأل سليمان وهو يتفحصهم بعينيه


"أيوة احنا"

رد قائدهم


"سمعت كده إنكم بتفكروا تمدوا ايدكم على مُلهم؟"


"وإنت مالك؟"

صرخ وعندها سحبه لاعب آخر

"مهاب بلاش، دا عرباوي"


تابع لاعب ثالث

"أنا سمعت إنه اتخانق مع طالب وجاب مسلحين سحلوه وبات في العناية"


"بلاش خالص العربان دا ممكن الموضوع يوصل لقتل العيلة كلها"

تابع اللاعب


"إيه يا دكر؟، مش هتيجي تضربني قلمين؟"

سأل سليمان ساخراً


"حقك علينا منعرفش أنه تبعك"

اعتذر أحد اللاعبين وسدد سليمان له لكمة قوية ثم قال

"ولا يهمك، العلم نور برضه، ودا يفكرك ما تقربش منه تاني"


كانوا قد استغلوا غياب زين وأمجد للإنفراد بمُلهم لكنهم لم يتوقعوا ظهور سليمان


"مبحبش ابان عيل"

تذمر مُلهم وهو يصعد في سيارة سليمان


"ببقى تعرف تدافع عن نفسك، بتروح أنهي جيم؟"

سأله وظل مُلهم صامتاً وعلم سليمان الإجابة

"خلاص أنا رايح الجيم دلوقتي، هاخدك معايا"


كان النادي الرياضي كبيراً وبه قسم طعام وقسم ملابس، اشترى مُلهم ملابساً رياضية وزجاجة مياة وبدأ سليمان يعلمه كيف يستخدم الأجهزة، فبالرغم من وجود مدرب كان مُلهم لا يرتاح للغرباء بسهولة، بالأخص الرجال


"جسمك هيوجعك بكرة ودا عادي، عشان مش متعود على الرياضة بس، بعد كده هتتعود"

نبهه سليمان


"عارف، أنا مش حمار للدرجة دي"


"مش باين عليك"

رد سليمان بوقاحة وعندها دفعه مُلهم ثم خرج من النادي


"إيه شغل القمص دا؟"

تبعه سليمان


"أنا غلطان إني جيت معاك، عيل بضان"


"عيل!، دنا أكبر منك"

إستنكر سليمان


"برضه عيل"


"ماشي، عيل، عيل"

تعالى أوصلك


"لا، هكلم تاليا تيجي تاخدني"


"وليه المشورة؟"


"ملكش دعوة"

كان مستائاً وعلم سليمان أنه لا فائدة من الحديث معه


"اوكاي، هستنى معاك لحد ما تيجي"


"أنا مش عيل، إمشي"

صرخ به


ابتعد سليمان عنه ودخل للنادي لكن بقيت عينيه عليه حتى تأكد من وصول تاليا وصعوده في سيارتها


خرج زين من السيارة وهو يحرك يده قرب وجهه صانعاً تياراً هوائياً بسبب شعوره بالحر بعد أن وصل لمنزله، وقبل أن يستوعب الوضع عانقه سليمان

"حمدالله بالسلامة"


"ملزق"

علق زين ساخراً وهو يبعد سليمان


"زين"

كان تيام الذي قفز بحماس وعانق زين بقوة


"تيمو!، عامل إيه؟"

سأل زين باسماً ومال تيام وهمس في اُذنه

"عايز أكلمك عن حاجة"


"يلا بينا، هدخل استحمى بس الأول ماشي؟"

قال وأومأ تيام بالإيجاب


دخل زين وعانق زياد بقوة وقبلَ زياد جبينه ثم عانق بسيوني وبعدها دخل الحمام ليستحم


"مجودة، انبسطت في بارس؟"

سأل بسيوني باسماً وسحبه لحضنه ثم قبلَ جبينه


"أيوة"

اوما بالإيجاب باسماً


"دايماً مبسوط كده يا حبيبي"

ربت على رأسه بلطف 


خرج زين من الحمام وكان تيام ينتظره في غرفته، إبتسم زين والقى المنشفة التي كان يجفف بها شعره في سلة الغسيل ثم قال باسماً

"إيه الأخبار يا تيمو؟" 


جلس على المقعد الهوائي مقابلاً له

"ها!، عايز تحكي إيه؟"


"صاحبي يوسف"


"آه، الواد أبو ريحة حلوة"

كان زين يعرفه فقد سبق وتحدث تيام عنه معه


"أنا حكيت لزيكو وإنت مش موجود بس برضه عايز أحكيلك"


"مفيش مشكلة"


"هو مش غلط أفكر فيه كتير؟"


"لا، غلط ليه؟"


"مش عارف، حاسس غلط، أصل بسمعهم في المدرسة بيتكلموا عن البنات، بس أنا ما فكرتش فيهم قبل كده، حاسس في حاجة غلط"


"عادي، أنا عمري ما فكرت في بنت، كل واحد بيحب حاجة مختلفة مش معناها أنه غلط"


"بجد!"

قال بشك


"أيوة عادي، مش ضروري تقلد أي حد وخلاص"


"يعني ممكن ما احبش بنت؟"


"أيوة عادي، بيسو وزيكو مكملين حياتهم سوا زي ما إنت شايف وزي الفل"


"بس بيسو اتجوز"


"وزيكو لا"


اقتنع تيام عند هذه النقطة أن الزواج بإمرأة ليس شيئاً الزامياً


"المهم صاحبك دا إيه نظامه؟"

سأل زين ورد تيام بإستغراب

"يعني إيه؟"


"عنده صحاب تانيين؟، بتحسه مقدر علاقتكم ولا عادي زيها زي أي صحوبية عادية؟"


"يوسف عنده صحاب آه بس هو بيختار يقعد معايا أنا عشان ما بحبش أقعد وسط أصحابه، بتكسف عشان كلهم شكلهم كبير إلا أنا"

تابع سائلاً بعد أن تذكر موضوع النمو الذي يزعجه

"هو أنا هكبر إمته؟، تعرف إزاي أكبر؟"


"كل واحد جسمه بينمو بطريقة مختلفة، عيش كل لحظة في طفولتك، إنت لسه في أولى إعدادي مستعجل على إيه؟"


"عايز أكبر، زهقت"

تذمر


"هتكبر كده كده، فا عيش اللحظة دلوقتي واستمتع بالمرحلة دي، عشان اما بتعدي ما بترجعش"

تابع بعدها

"طبعاً أكيد مش مقتنع وبرضه عايز تكبر عشان هي دماغ المراهقين كده فيها جذمة"


صفع تيام فخذ زين

"إنت كمان لسه صغير"


"بس بالنسبالك أنا كبير"


شرد تيام في أفكاره لثواني وسأله زين

"بتفكر في إيه؟"


"يوسف"

رد بتلقائية وإبتسم زين ضاحكاً بسبب تلقائيته

"عسل"


"ما تتريقش عليا"

تذمر عابساً


"مش بتريق، الحب جميل ومسكر"

تنهد تنهيدة طويلة وهو يريح ظهره على المقعد الهوائي بينما تعلو شفتيه إبتسامة ثم أضاف

"وملزق"


استطرد بعدها 

"بس بصراحة أوقات بحب التلزيق دا، لذيذ كده، بس تعرف أما كنت في أولى إعدادي كنت معجب بولد، بس عرفت بعدين أنه كان شايفني عيل بضان وكان بيتريق عليا"


"ودا عجبك إزاي؟"

سأل تيام بإستغراب


"مهو عجبني قبل ما اسمع كلامه، أما سمعت كلامه حطتله صراصير في اللوكر بتاعه"

قال وفتح تيام فمه بصدمة

"نو واي!"


"قطعتله لبس السباحة بتاعة قبل البطولة، وفاتته عشان ملحقش يشتري غيره"

تابع زين وكان تيام مندهشاً


"أنا صحيح بحب الحب بس بقدر أكره بضمير برضه، وأنا محدش يجي عليا"


انفتح الباب ودخل موسى يلتقط أنفاسه ثم تفاجأ بوجود تيام، حمحم متوتراً

"سوري"


"هاي!"

القى زين التحية باسماً


"هسيبكم تكملوا كلامكم"

قال وهمَ بالذهاب لكن أوقفه تيام

"أنا خلصت"


لوح لزين ثم غادر وعندها دخل موسى وأغلق الباب ثم إقترب من زين بلهفة وقبلهُ بقوة وبدأ سلسلة قُبلات لزجة جعلته يعاني ليتنفس

"مشتاقين"


قهقه زين بصخب

"يا واد يا تقيل"


"هو أنا مش حفظتك الرد؟"

تذمر موسى وقهقه زين أكثر

"اوكي، من الأول"


حمحم ليتوقف عن الضحك محاولاً أخذ الموضوع بجدية، نظر لموسى الذي قال

"مشتاقين"


"شوقنا بحر"

رد زين وهو ينظر لوجه موسى ثم انفجر بالضحك وسحبه موسى لحضنه وبدأ يوزع قُبلاته على وجهه ثم تنهد تنهيدة طويلة وقال

"بريدك ريده"



.

13. لما النسيم


"هاي!"

قال زين باسماً بعد دخوله لمنزل موسى ورؤيته لوالده


كان زين يرتدي قميص بألوان زاهية بنصف كُم وسروال قصير يغطي فخذيه ونظارته الشمسية معلقة على قلاداته الملونة 


كان والد موسى رجلاً مهندماً، إبتسم بدوره ثم مد يده وصافح زين

"أهلاً"


نظر لموسى وقال

" عرفنا بالوجيه دا"


كان زين لا يفهم كلامه فقد كانت اللهجة السودانية ما تزال غريبة عليه في حين عرف موسى به

"دا صاحبي زين"


"زين الزين فعلاً اسم على مسمى"

كان والد موسى ودوداً جداً مع زين وكان شيئاً إستغربه موسى نفسه 


"هاي يا اونكل!، أنا زين"

عرف زين بنفسه باسماً بود محاولاً إثبات وجوده لأنه شعر أنه مهمش بسبب لهجتهما التي لا يفهمها


"وأنا عز الدين"

رد والد موسى


"نايس تو ميت يو"

فصل المصافحة 


"عندنا غدا كارب لازم تضوقو معانا"

تابع والد موسى


لم يفهم زين جملته ورد ضاحكاً

"حاسك عايز تقول حاجة"


"بيقولك عندنا أكل يستاهل بؤك"

قام موسى بتمصير الجملة وقهقه زين

"ميرسي يا اونكل، بس أنا واكل، أنا جاي أتونس بيك بس"


"لا، لا مابينفع كدا لازم تجاملنا"

إعترض والد موسى وأصر زين

"لسه واكل صدقني"


"تشرب جَبنة ولا شاي وتاكل معاهم شنو كيك ولا بسكويت؟، أو نخت ليك الاتنين؟"

سأل ولم يمنحه وقت للرد بل رد على نفسه

"حسوي ليك جَبنة واخت ليك معاها كيك وبسكويت"


"جبنة!، هشرب جبنة إزاي يعني؟"

سأل زين بإستغراب وإنفجر موسى بالضحك ولم يكن زين يفهم شيئاً

"إنت بتضحك ليه؟، بتشربوا جبنة بجد؟"


"الجَبنة يعني قهوة"

رد موسى وهو يحاول تمالك نفسه ليتوقف عن الضحك ثم حمحم بعد أن سيطر على قهقهاته

"بابا كلمه مصري، ما بيفهمش سوداني خالص"


"اصحاب من امته بقى؟"

سأل عز الدين


"يجي تلت شهور كده"

رد زين


"إنت كمان في كلية الهبل دي؟"

سأل وعندها قهقه زين

"إيه مشكلتك مع الفن يا عمو؟، عملك إيه؟"


"كلام فاضي، الفن مش محتاج دراسة، عايز ترسم ارسم وخلاص"


"يعني مشكلتك في إنك مش شايفة مادة للدراسة ولا إنك أصلاً مش مقتنع بإن الرسم فن؟"

بدأ حديثه مع عز الدين فقد كان يريد أن يفهمه أكثر ويقربه من موسى


"الرسم فن، مش هنختلف، بس الفن بيفقد قيمته لو تم تقنينه، يعني إيه فن بس يجي حد يراجع وراك ويصححلك تعمل إيه وما تعملش إيه؟، القواعد بتخلي الفن ملوش قيمة ولا معنى"


"أنا معاك في النقطة دي بصراحة، أنا دخلت الكلية عشان اتسلى وأشوف أنماط رسم أكتر مش عشان اسمحلهم يتحكموا في طريقة رسمي، بس هل إنت شايف عموماً إن اللي بنتعلمه بعيداً عن الفن حاجة ليها قيمة حقيقية؟"


كان موسى يتابعهما وهما يتناقشان، كان شيئ لم يجرؤ على فعله من قبل لذا كان يراقبهما ويستمع بتركيز شديد


تابع زين سؤاله

"هل إنت شايف الكليات بتقدم علم حقيقي ولا مجرد نصوص منظمة ومقننة حسب توجهات ومعتقدات كل بلد؟"


"فعلاً التعليم مقنن حسب توجهات كل بلد ودا حاجة مفيهاش أي شك، بس في حاجات فيهم كويسة"


"أختلف معاك، مفيش أي استثناء لتقنين التعليم حتى في الطب بيختلف تعريف كل بلد للمرض عن التاني، دا غير إن في حاجات مصنفة أمراض أو عادات سيئة غير صحية في بلاد وفي بلاد تانية هي حاجات عادية، زي هوس العالم العربي بالحياة الجنسية وإنهم يخلوها حاجة مقززة ومؤذية بكل الطرق ويحاولوا يقنعوك إنها سيئة مع إنها حاجة طبيعية، على النقيض الآخر في بلاد تانية المراهقين مهووسين بالجنس وبيحسوا بالعار لو ما جربهوش، لإن مجتمعهم بيصورلهم إنك لو ما جربتش الجنس لحد سن معين كده إنت متأخر خالص، أو مثلاً المثلية الجنسية اللي بيعتبروها مرض في بلادنا العربية وبرا هي ميول طبيعي، والمجرمين اللي بيتقال عليهم مرضى نفسيين مع إنهم ولاد متناكة عادي مش لازم أي مجرم نقول دا مريض نفسي لإن المرض النفسي بيستخدم كتبرير لأفعاله أنه مريض ومش عاقل، عشان نغض الطرف عنه ونتعاطف معاه ونقول ربنا يشفيه"


"اوكاي، يو جوت ا بوينت"

اقتنع عز الدين بحديثه ثم تابع موافقاً لحديث زين

"حتى الأمراض النفسية بتتقولب لحد دلوقتي، شوية دا مرض شوية لا دا ما طلعش مرض، الدكاترة بتصنف الناس مرضى أو لا على حسب الدولة راضية عنهم ولا لا"


"اكزاكلي، وعشان كده الدولة مش مهتمة بالمرضى النفسيين اللي بيأذوا نفسهم بس، ما كسمهم في داهية، المهم بالنسبالهم اللي بيأثر على المجتمع"


"دي تجربة شخصية؟"

سأل عز الدين بفضول لأنه لاحظ علامات الحروق تحت وشم زين


"أيوة، عشان اللاقي دكتور مهتم بحياتي أخدت وقت، كانوا كلهم بيتطمنوا أما يعرفوا إني بسيطر على انفعالاتي ومش بزعق أو بضرب حد وخلاص فاكس المهم ما تأثرش على الناس، إنت كسمك عادي"

انهى حديثه بنبرة ساخرة


انغمس زين ووالد موسى في نقاش طويل سلس وتفاجأ موسى من كمية المعلومات التي سمعها من والده، رأى منه جوانب جديدة


توقف مُلهم عن التمرن وهو يلتقط أنفاسه من التعب

"عاش"

كان سليمان، تجاهله مُلهم لأنه كان مازال مستائاً منه 


أمسك زجاجته وتجرع منها ثم ذهب لدورة المياة، كان يريد الإستحمام لكنه كان يشعر بالقلق من الأماكن العامة


"هستناك"

استفاق من شروده على صوت سليمان الذي وقف عند باب دورة المياة، ورغم إستياءه منه فهو كان يشعر بالحر والتقزز من عرقه لذا قرر أن يقبل بمساعدته ودخل الحمام واستحم، بدل ملابسه ثم خرج وهو يشعر بالإنتعاش


"شكراً"

شكر سليمان في النهاية


"اوصلك؟، كده كده هعدي عليكم"


"ماشي"

وافق في النهاية، أخذ سليمان حقيبة مُلهم منه ليحملها مع حقيبته ثم وضع الحقيبتين في المقعد الخلفي، صعد مُلهم في السيارة 


"كلمت إنشاد؟"

سأل سليمان


إستغرب مُلهم من سؤاله ثم رد

"لا، هكلمه ليه؟"


"حاسه مش باد بيرسون زي ما إنت مفكر"


"صاحبه إنت بقى"

رد بضجر فقد كان لا يريد الحديث عن إنشاد


"احنا كبار، نتكلم زي الكبار، دلوقتي اللي ضايقك من إنشاد إنه كان في الجروب بتاع الجوسيبس، بس هو كان فيه عشان يتأكد من نواياهم وأنهم مش ناويين شر بس، وحتى عمره ما بعت رسالة واحدة فيه إلا أما تاليا خلته يكدب عشان يوقعهم، لو مش عايز تصاحبه براحتك بس ما تظلمهوش"


"إنت شفت بيتكلموا عني إزاي؟"

كان متأثراً بما قرأه، فهو يكره أن الجميع يصفه بالضعيف


"هما، مش هو"

كرر سليمان ثم عم الصمت حتى وصولهما للمنزل


"هو إنت مش ملاحظ إنك بتيجي هنا كتير؟"

سأل أمجد عند رؤية سليمان


"مهو مش بيت أبوك إنت كمان وإنت هنا عادي"

كان سليمان مستعداً للرد


"إيه شغل العيال دا؟، إنتم الإتنين عيالي، خلاص بقى"

تدخل بسيوني محاولاً فض الشجار


"زين هنا؟"

سأل سليمان 


"لا، زين برا، أعملكم شاي بلبن؟"

سأل زياد بود ثم بدأ يجهزه بدون إنتظار ردهما


"إنت عندك انجر ايشوز زيادة عن العادي، بدأت دراجز ولا لسه؟"

سأل سليمان ونظر إليه أمجد وبدأ يهز ساقه في محاولةً لكتم غضبه

"إنتم عشان حشاشين فاكر الكل زيكم؟"


"احنا مش حشاشين، تجار سلاح بس"

صحح سليمان بأكثر نبرة طبيعية ثم تابع

"إنت بتتوه عشان مش عايزني أعرف إيه اللي مجننك؟، عموماً مش مهتم، بس ما تدوسش أوي في الدراجز مش ناقصين معيلة"


"مين دا اللي عيل"

قبض على تلابيب قميص سليمان الذي إبتسم ليستفزه

"اهي دي ردات فعل مدمنين"


"أمجد بتعمل إيه؟"

سأل بسيوني بهدوء ثم أضاف

"سيبه لو سمحت"


أفلته أمجد وإقترب بسيوني ليتفقده

"إنت كويس"


تفاجأ أمجد أن بسيوني يطمئن عليه هو وليس سليمان، وكأنه يعلم بكم الفوضى داخله، لا يفكر رياض في مشاعره أبداً ولا يسأله عنها فهو يرى أن المشاعر للنساء وأمجد رجل


عند تلك النقطة إنهار أمجد وبدأ يذرف الدموع، عانقه بسيوني وبدأ يمرر يده بلطف على شعره


"تيام"

نادى يوسف وبدأ يسير باحثاً عنه حتى وجده قد غفى على المكتب، إقترب بلطف ثم قام بحمله ووضعه على السرير وعندها همهم تيام ثم مد يديه ليعانق بها يوسف ويسحبه لحضنه


كانت رائحة يوسف مزيج من سائل الإستحمام ومزيلات العرق والمسك والعطور بينما تيام كانت تفوح منه رائحة واحدة فقط، سائل إستحمام الفراولة، والذي كانت رائحته قويةً بالنسبة لسائل إستحمام


رن هاتف تيام، كان إبراهيم، فقد كان من المفترض أنه يدرس في منزل يوسف وسيعود للمنزل قبل المساء، استيقظ ورد على إبراهيم وأخبره أنه غفى وسيخرج حالاً فقد كان إبراهيم ينتظره خارج المنزل


نهض بسرعة وبدأ يضع أغراضه في حقيبته ثم انتعل حذاءه 

"ممكن تبات؟"

سأل يوسف بنبرة مترددة وكأنه يعرف الإجابة


كان تيام منشغلاً بإنتعال حذاءه

"مرة تانية، هشوفك بعدين"

عانقه عناقاً سريعاً ثم خرج بسرعة ليصعد في سيارة إبراهيم


كان يوسف يحب قضاء الوقت مع تيام بشكل خاص، رغم أن لديه الكثير من الأصدقاء فهو كان يفضل تيام، يأتي الكثيرون لمنزله لكن لا يسمح لأحد بالجلوس على سريره فهو يتقزز من الروائح التي تعلق في الملاءة ويتقزز من فكرة وجود شخص آخر على سريره، مكانه المريح


أما تيام فبالرغم أنه لا يضع أي عطر لكن رائحته لم تكن سيئة، ولم يكن يمانع جلوسه أو حتى نومه على سريره


تيام طالب ذكي، ويوسف يحب الأذكياء

مملوء بالنشاط ويتحدث بكثرة، ورغم أن الجميع يضجر من الإستماع لتيام لأنه ثرثار جداً بالأخص عند الحديث عن شيئ يحبه فإن يوسف لم يكن يضجر أبداً من سماعه يتحدث


شغل مشغل الأغاني وبدأت أغنية لمحمد منير، كان ذوق يوسف في الأغاني مختلف عن بقية جيله عاشقين اللغات الأخرى، كان يحب سماع الأغاني العربية، ويحب محمد منير بشكل خاص


لما النسيم بيعدي بين شعرك حبيبتي بسمعه بيقول آهات

وعطورك الهادية الدايبة فيكي كل ما تلمسك بتقول آهات


أخذ شهيقاً عميقاً تبعه زفير بطيئ ثم أغمض عينيه بينما تعلو شفتيه إبتسامة هادئة


.


لما النسيم 




.



14.  ماما؟

"بشرى"

نادى زين والتفتت بشرى باسمة

"زين!"


إقترب منها ثم سأل بروتينية

"عاملة إيه؟"


"زي الفل، إيه أخبارك؟"


"كنت هسألك هتروحي لمامتك تاني امته؟"


"الجمعة، في حاجة؟"


"أيوة، عايزك تاخدي أمجد معاكي"


إستغربت بشرى

"أمجد!"


"أيوة، هو مش أخوكي وابنها؟، ما بتروحوش سوا ليه؟"


"عمره ما طلب يجي، ما أفتكرش أنه عايز يشوفها"

كانت بشرى تعتقد أن أمجد لا يحب فكرة رؤية والدته لأنه لم يسبق أن طلب الذهاب إليها من قبل، ولم يسألها يوماً عن حالها


"هو لازم يطلب؟، دي والدته، قوليله تعالى وصلني واقعد معانا شوية، اقعدوا سوا حبة أنتم عيلة"

كان يريد زين المحاولة في جمع أمجد ووالدته


"ماشي، بس معرفش هيوافق ولا لا"


"أخوكي الكبير ومحتاجاه أكيد هيوافق"

رد بثقة


وفي يوم الجمعة عندما طلبت بشرى منه ايصالها رفض فوراً

"مش فاضي"


"هتسيب أختك لوحدها؟"

حاول زين جره للموافقة


"إنت مالك؟"

رد أمجد بضجر


"ولا يهمك يا شوشو، هوصلك أنا"

كان سليمان الذي تدخل في الحوار بمرح وإبتسامة واسعة


"شكراً"

شكرته بشرى وأشار لها

"اسبقيني على العربية"


خرجت وعندها إعترض أمجد

"توصلها بتاع إيه؟"


"مش إنت رفضت توصلها؟، ملكش فيه بقى"

رد سليمان


"دي أختي!"

إعترض أمجد على رده


"وإنت رفضت توصلها، وهي في مقام أختي"


"لا طبعاً، أختك ليه؟"

إعترض أمجد


"مهو في مقام أخوها برضه يا أمجد عادي"

تدخل بسيوني 


"بيسو لو سمحت ما تتدخلش، دي أختي ومش هسيبها مع عربي"

قال أمجد بحزم


"اوعا الفرعوني"

سخر سليمان


جز أمجد على أسنانه وهو يكتم غضبه ثم إستقام واقفاً

"أنا هوصلها"

قال ثم خرج من الباب


"كل دي انجر ايشوز!، يا نهاري"

علق سليمان 


"معلش، أعذره تراكم تروما"

رد زين محاولاً التخفيف من حدة الموقف


"ولا يهمك، ما باخدش على كلام العيال"


"عيال إيه يا سليمان دا أصغر منك بست شهور بس"

إستنكر زين وأضاف سليمان بفخر 

"ستل أكبر منه، أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة"


"قصدك أعلم منك بسنة"

صحح بسيوني له المثل


"أيوة بالظبط كده"


"هاي!"

كانت فتاة المسرح الخجولة


إستغربت تاليا

"هاي!"


"ممكن أقعد جمبك؟"

سألت بخجل وتردد، ردت تاليا بلا مبالاة

"اتفضلي"


"أنا لبنى"

عرفت بنفسها وردت تاليا بدون ازاحة عينيها عن حاسوبها

"تاليا"


رغم أن زين يبدو كشخص ضجر وقليل الصبر ولكن لا يمكن مقارنته بتاليا إن تعلق الأمر بالتعامل مع الأفراد، زين مرن ويمكنه التعامل مع الكثيرين حتى المختلفين عنه، ولديه صبر ومرونة أما تاليا فقد كانت قد أصبحت ضجرة وقليلة الصبر، لم يعد يروق لها النقاش وتراه مضيعة للوقت، لم تكسب صديقاً واحداً من الجامعة لأنها تضع شروطاً غير قابلة للنقاش لأصدقائها، ولم يرق لها أي طالب حتى الآن


كانت تحب البقاء في منطقة راحتها لذا إختارت مصادقة أشخاص بمواصفات معينة فقط، ومازال مُلهم صديقها وشقيقها المفضل


"إنتي حلوة أوي"

علقت لبنى وإستغربت تاليا ثم ردت

"ميرسي"


شعرت لبنى بالخجل وكأنها استوعبت ما قالته للتو وعندها فرت هاربة، إستغربت تاليا وعادت لتكمل كتابة مقالها


"الواحد هيتخرج إمته من المخروبة دي"

تذمرت تاليا بعد عودتها للمنزل


"هانت خلاص، بعدين ليه خلقك بقى ضيق كده؟، دنا كنت بتعلم الصبر منك"

رد زين بإستغراب


"منا صبري خلص"

ردت ساخرة ثم إستطردت

"يمكن الحاجة الوحيدة اللي مصبراني حبة هو الرقص"


"بقولك، هروح حفلة كده، تيجي ولا مش عايزة؟"

سأل محاولاً تغيير مزاجها


"آجي ما اجيش ليه"


I thank God every day 

That I woke up feelin' this way 

And I can't help loving myself

And I don't need nobody else, no

If I was you, I'd wanna be me too

I'd wanna be me too


كانت تشعر بالضجر لأن الأغاني الإنجليزية لم تعد تروق لها كالماضي، لقد تغير الكثير في تاليا في آخر ثلاث سنوات قد مرت


كانت تجلس في البار وتشرب كأسها بينما تنظر حولها بضجر حتى لمحت المرأة التي سبق ووجدها أمجد وأحضرها للمنزل


رمشت عدة مرات ونظرت بتمعن، هل تتخيل؟

كلا، هي نفس المرأة، وتبدو مرتبكة كعادتها


كيف تعمل إمرأة جبانة كتلك بالدعارة؟

تحب تاليا رؤية النساء الوقحات العاملات بالدعارة 

لقد قابلت أنماط كثيرة من العاملات بالدعارة لكن حتى الآن تلك المرأة أجبنهم، أم أن هذا حدث بسبب صدمة محاولة قتلها؟


تقابلت عينيهما ولوحت تاليا لها باسمة 

"هاي!"


ترددت المرأة ثم إقتربت لإلقاء التحية

"هاي!"


"عاملة إيه؟"

سألت تاليا بروتينية


"شايفاني شمال دلوقتي صح؟"

سألت المرأة بخيبة وكأنها متأكدة من الإجابة


"ليه؟، عشان موجودة هنا؟، منا كمان هنا"


"بس أنا هنا مش جيست"


"اي نو، عادي إيه المشكلة؟، اللي مضايقني بس إن شكلك مش مرتاحة، ما بحبش ست تنجبر على حاجة"


"أنا مش شاطرة في أي حاجة، حتى في الشغل البطال فاشلة"

كانت تتحدث بنبرة ساخرة مملوءة باليأس والخيبة


"جربتي تشتغلي رقاصة؟"


"ياريت، بس مبعرفش"


"ولو علمتك؟"

إستغربت المرأة من حديثها لأنها لم تتصور أن هناك من يرى الرقص وظيفة جيدة، وأن هناك من يريد مساعدتها في تعلمه بدون احتقارها


"أنا رقاصة شاطرة أوي خلي بالك"

قالت ثم سحبتها للرجل الذي يشغل الأغاني وطلبت منه تشغيل أغنية حلاوة روح


ياللي تحب الجمال الحلو حلو الروح

في ناس جميله اوي وعايشة حلوة روح

وبإيه يفيد الجمال لو عشت بيه مجروح


بدأت ترقص وكانت المرأة مندهشة من براعتها وجرأتها، فلم تكن تخاف من نظرات الرجال بل تدفعهم بعيداً وتستمر بالرقص


وقف يراقب بشرى وهي تعانق والدتها بروتينية كالعادة بينما يفكر هل يفترض به مصافحتها أم لا؟، إقترب سليمان وصافحها بحرارة

"إزيك يا طنط؟"


كان يحاول إستفزاز أمجد ليجعله يصافحها هو الآخر، ونجح بالفعل وصافحها أمجد وعندها قبلت والدته خده

"اسمالله عليك كبرت يا حبيبي"


كان أمجد يشعر بالإحراج فهو لا يريد أن يبدو كطفل أمام شقيقته وسليمان لذا ابتعد عنها فوراً


ارتبكت والدته ثم رحبت بهم وقدمت لهم الحلوى والمشروبات، كانت بشرى منسجمة مع والدتها بينما أمجد يشعر بالتوتر والرفض وفي النهاية دخل الشرفة


كان قلقاً من أن يبدو كطفل، ويشعر أنه لو إنسجم مع والدته سيسخر الجميع منه لأنه رجل ناضج ويفترض به الإستقلال عنها


أشعل سيجارة وبدأ يفكر في سبب قدومه لمنزل والدته، لقد أتى كي لا يوصل سليمان شقيقته بدلاً منه اليس كذلك؟

الم يكن من الأفضل لو بقي في السيارة؟


يقرأ الكثير من المنشورات عن أن الطفل المفضل للأم يكون الذكر وتمنى لو جرب هذا الشعور لكنه لم يجربه أبداً، هو بعيد كل البعد عن والدته


سمع صوت سعال والدته والتفت ووجدها تدخل الشرفة، أطفأ سيجارته بسرعة وحرك يده في الهواء صانعاً تيار هواء في محاولة لإبعاد الدخان عن المكان لأن والدته تعاني من حساسية شرسة، الأتربة والأدخنة تجعلها تعاني لتتنفس


ولذا بالأخص تزوجت رياض، لأنه رجل رياضي غير مدخن، فقد كان من المستحيل لها العيش مع رجل مدخن


"حصل حاجة؟"

سألها بقلق لأنه إستغرب إقترابها منه


"وحشتني"

قالت بحنان وكاد يبصق قلبه من كثرة التوتر، تابعت والدته

"حسبتك مش هتيجي تشوفني تاني، في كل مرة كانت بتيجي بشرى كنت بستناك تيجي معاها، كنت بدأت أفقد الأمل بس أما شفتك نازل من العربية النهاردة انبسطت أوي إني شفتك، إنت لسه زعلان مني عشان اتجوزت؟"


كانت تجهل سبب تجاهله لها لذا كانت تسأل محاولةً ايجاد إجابة لسؤالها


"أنا مبحبش حد زيك إنت وأختك، ومحدش هياخد مكانكم"

قالت ولم يكن أمجد يصدقها، فقد كان يراها تعامل أطفالاً آخرين بلطف أيضاً، لم يشعر بأنه مميز، وكان كطفل يكره رؤية والدته تتعامل بلطف مع شخص آخر


"أمجد حبيبي قولي إنت متضايق ليه مني"

ترجته وهو ظل صامتاً ثم قال بلا مبالاة

"مفيش حاجة"


تركها وخرج من المنزل وجلس على مقدمة السيارة، كانت أنفاسه تتسارع ويشعر بالضيق، أخرج سيجارة وأشعلها معتقداً أنها ستساعده على الإسترخاء


كيف يريد التقرب من والدته وفي نفس الوقت لا يحتمل قربها منه؟

لم يكن يفهم نفسه

فجأة وجد علبة طعام ترمى على قدميه، كان سليمان من رماها

"البسكويت دا من ماما، قالت اديهولك"


"من مين؟"

إستنكر ما قد سمعه


"ماما"

رد سليمان ببراءة


"دي مامتي أنا"

إعترض أمجد، كان مستائاً أنه يسمع سليمان بالأخص يقول هذا، قال عن بشرى أنها شقيقته والآن والدته؟


"ماما برضه، ما قالتليش حاجة أما قولتلها يا ماما"

رد بنفس نبرته البريئة 


"ملكش دعوة بعيلتي"

حذره أمجد


"هفكر يا أخويا"

رد ساخراً وعندها اعتدل أمجد واقفاً مما جعل صندوق الطعام يسقط على الأرض، سدد لكمة لسليمان لكنه تحرك وتجنبها ثم تأتأ بلسانه

"العصبية مش حلوة ليك يا مجودة"


"دا أنا هساوي وشك بالأسفلت"

قال بغضب وبدأ سلسلة لكمات بينما سليمان يتجنبها وهو يقهقه ثم بدأ يركض ويطارده أمجد


كان أمجد يستشيط غضباً بينما سليمان يعتبرها لعبة مسلية


.


Me too




حلاوة روح



.


15. بقعة حمراء

"هيما"

هتف زين وهو يدخل الملجأ ثم عانق إبراهيم بحماس على مرأى تيام الذي لم يتشجع يوماً لتقليده، كان إبراهيم يبعد زين في كل مرة يعانقه بها لكن هذا لم يوقف زين عن تكرار عناقه


كان تيام يرى زين رجلاً مثيراً للإعجاب لأنه يجيد التعامل مع والده بشكل جيد، ويعتبره إبراهيم أقرب شخص إليه رغم فرق السن بينهما فقد كان من الواضح أنهما أقرب شخصان لبعضهما، ورغم إختلاف أفكارهما فقد كانا ينسجمان بشكل جيد بفضل زين البارع في التعامل


حتى أنه الوحيد الذي يناديه بلقب وليس باسمه (هيما) كما يقلب بسيوني ببيسو وزياد بزيكو، كان يلقب إبراهيم بهيما، ولم يكن إبراهيم يمانع اللقب أبداً


لم يكن تيام يفهم مشاكل والده أو معاناته مع اللمسات وندوب الماضي، لذا كان يعتقد أنه رجل صعب، حتى لو كان يفهم أن لغة حبه مختلفة، فهو لا يبخل عليه في المال ولكنه أراد عناقاً ولو لمرة واحدة، ولا يريد أن يبادر كزين لأنه لن يحتمل ابعاد والده له، فهو ليس مرناً كزين الذي لا يبالي بردات فعل الآخرين ويفعل ما يريده


كيف ستكون ردة فعل إبراهيم لو علم بأنه معجب بصديقه يوسف؟، بالتأكيد سوف يُجن

ماذا عن زين؟، هل سبق وحادث إبراهيم عن اعجابه بالرجال؟، هل أخبره أنه لم يسبق أن وقع في حب إمرأة ولو لمرة في حياته؟


أصدر هاتفة صوت رنين الماسنجر، كان يوسف يتصل به مكالمة بالصوت والصورة، ربت مظهره بسرعة ثم حمحم ودخل منطقة الجراء ليبتعد عن والده وزين ثم أجاب

"هاي!"


"جيس عملت إيه؟"

قال بمرح ثم حرك الهاتف ليريه طبق يحوي كريب وبجواره شريحة برتقال 


"إيه دا؟"

سأل ببلاهة


"كريب سوزيت"


تفاجأ تيام لأنهما سبق وتحدثا عنه عند مشاهدتهما لفيلم إشاعة حب وسمعا أنه صعب الإعداد

"نو واي!، حلو بقى؟"


"ماشي حاله، بس توقعته أحلى"


"دوقني وأنا أحكم"


"تعالى ودوق"

رد بدون تفكير


تحمس تيام

"ماشي، هاجي"

انهى المكالمة ثم خرج بسرعة من الملجأ ووجد مُلهم وتاليا قد وصلا للتو


"مُلهم ممكن توصلني؟"

سأل ببراءة


"بس كده؟، عنيا"

رد باسماً وأشار لتاليا قاصداً أن تدخل هي لأنه سيذهب لايصال تيام


"مالك فاشخ بؤك كده ليه؟"

سأل إبراهيم بينما يبعد ذراعي زين عنه


"أنا بقيت تيكين"

لوح بيده اليمنى بمرح، كان بها خاتم فضي


"دي مين سعيدة الحظ؟"

سأل وصحح زين

"قصدك سعيد الحظ"


"إيه؟"

إستغرب إبراهيم


"ما تعملش عبيط، أنا عارف إنك عارف ومتأكد إني مش ستريت، بس بتحور عشان مش عايز تبين بشكل مباشر إنك متقبلني عشان حاسس إن دا غلط"

شرح زين شعور إبراهيم ببراعة وكأنه يرى ما بداخله


تابع

"بس بصراحة أنا زهقت، مش هعرفك مين اللي ارتبطت بيه عشان ملكش فيه، بس لازم تعرف أنه راجل"


"إنت متأكد؟"

حاول إبراهيم التشكيك في الأمر

"إنت لسه صغير و.."

قاطعه زين

"أنا متأكد، وإنت عارف إني مش باخد قرارات بسهولة أو بتهور"


كان هذا شيئ متأكد منه إبراهيم، زين ليس متهوراً، هو يأخذ قراراته بحكمة، حتى أنه يستشيره أحياناً، لا يمكنه إنكار كونه مدركاً لتصرفاته وأفعاله


"عندك مشكلة؟"

سأل زين وكان إبراهيم تائهاً، لا يعلم كيف يفترض به الرد، المعارضة؟، لما؟، من الناحية الدينية هو ليس مؤمناً، من الناحية الفطرية فهو لا يؤمن بما يسمى بالفطرة أيضاً، لا يوجد سبب ليرفضه، هو فقط معتاد على الإنجراف مع المجتمع


"عندك مشكلة؟"

كرر زين سؤاله وحرك إبراهيم رأسه بالسلب وعندها إبتسم زين ثم قبلَ خده

"اطلبلي تشاينيز نودلز بقى وموتشي"


وضع تيام الشوكة في فمه ليتذوق الكريب بينما يترقب يوسف ردة فعله، همهم تيام ثم قال

"حلو"


"بجد!"

سأل بشك


"أيوة، البرتقال مديله طعم لذيذ، زي كيكة بيسو كده"


"بجد!، دا ياريت، هو في زي كيكة بيسو"

كان يوسف مغرماً بطهي بسيوني، يراه مثله الأعلى ويتمنى لو يصبح مثله في الطهي فقط على الأقل


رغم أنه لم يقابل بسيوني من قبل لكن تذوق طعامه مراراً فقد كان تيام غالباً يحمل صندوق طعام يجهزه بسيوني له، وكان تيام يتحدث عن بسيوني وشخصيته وبراعته في الطهي لذا اُعجب يوسف به


كان حظ يوسف سيئاً لدرجة أنه في اليوم الذي ذهب برفقة تيام لمنزل بسيوني كان بسيوني في إجتماع عمل ولم يقابله


"عايز أبقى أعرفكم على بعض"

قال تيام وتحمس يوسف

"ياريت"


"ممكن تيجي يوم الجمعة، هقول لبيسو وزيكو"


"هما عايشين مع بعض على طول؟"

سأل يوسف


"أيوة، بيسو قال إنهم اصحاب من زمان وعايشين سوا من وقتها"


"زينا كده؟"

سأل يوسف ببراءة وارتبك تيام في حين أكمل يوسف بنبرة حالمة

"أتمنى نفضل صحاب لحد ما نكبر كده ونعيش سوا زيهم"


نظر لتيام ثم قال

"ولا زهقت مني؟"


"لا، دا ياريت"

رد بسرعة


"من ناحيتي أنا معنديش مانع"

قطع جوهما المرح دخول والد يوسف المطبخ وكان على وشك ضرب يوسف لولا أنه لاحظ تيام


"هاي أونكل!"

القى تيام التحية باسماً


"إزيك يا إبني عامل إيه؟"

سأل والد يوسف وهو يبتسم بتصنع


"هنشوف حضرتك في اجتماع اولياء الأمور؟"

سأل لأنه كان يعلم بأنه يرغب في ضرب يوسف ويحاول تشتيته عنه


"إن شاء الله"

قال ثم نظر ليوسف

"عايزك"


"ممكن أساعد؟"

رفع تيام يده ببراءة وعندها قال والد تيام

"خلاص، مش عايز حاجة"


بعد إنصرافه تنهد كليهما براحة، لقد نجى يوسف من الضرب هذه المرة أيضاً


"تسلم ايدك يا ماما"

قال سليمان وهو يأخذ طبق الحلوى من والدة أمجد وجز أمجد على أسنانه

"دي مش أمك"


"بس ماما لو كانت متضايقة كانت هتقولي"

رد ببراءة


"إنتم الإتنين عيالي"

قالت والدة أمجد وهذا جعله يستاء أكثر، يشعر بأنه ليس مميزاً بالنسبة لوالدته، هي تعامله كأي رجل عادي قد تقابله بالصدفة


خرج من المنزل غاضباً وصعد في سيارته، أشعل سيجارته وصعد سليمان هو الآخر في السيارة

"مش هتبطل شغل عيال؟"


إستاء أمجد وشغل السيارة ثم بدأ القيادة بينما سليمان يقول

"ما تسوقش وإنت متعصب، كفاية شغل عيال"


أوقف أمجد السيارة فجأة في منتصف الطريق السريع ثم فتح الباب وقبل أن ينزل إصطدمت سيارة بالباب وخلعته من مكانه وتجمد أمجد في مكانه من الصدمة وفقد حاسة السمع والبصر ثم لم يعد يسيطر على رئاتيه ونسي كيف يتنفس


"أمجد، سامعني؟، اتنفس، إنت كويس ما تقلقش"

إستفاق على صوت سليمان الذي يتحدث بعد أن رش عطر قوي على وجهه ليجعله يستفيق 


"اتنفس معايا، اهدى، محصلش حاجة"

كان يهدأه بلطف وبدأ أمجد يعود للتنفس بشكل طبيعي


"خليك هنا، هحل المشكلة"

قال ثم نزل من السيارة ليتحدث مع صاحب السيارة التي اصطدمت بسيارة أمجد، إعتذر إليه واعطاه رقمه وأخبره بأنه سيتكفل بأموال تصليحها ثم عاد للسيارة

"يلا نرجع؟، هطلب ونش يجر العربية للميكانيكي ونرجع احنا للبيت بأوبر"


كان أمجد مايزال تحت تأثير الصدمة، إستطرد سليمان ليطمئنه

"خد وقتك، مش مستعجلين"


كان قدوة سليمان هو بسيوني وقد تعلم منه الكثير لذا يجيد التعامل في المواقف الصعبة


"تعرف قبل كده عملت نفس العملة دي، مش نفسها أوي، أوسخ، دخلت في عربية تانية فشخت امها، وكانت عربية مركونة كمان، قاعدة في حالها وأنا فشختها"

قهقه أثناء حديثه

"هو نصيبها كده بقى، أبويا هزقني يومها وقالي إنت أعمى ياض؟، مهو لو ماشية ممكن اعديها أنما دي مركونة قدام بيت بتخبطها ليه؟، بينكم طار؟، مسكني لبني حتة علقة، كنت ساعتها تلتاشر سنة"


"احا وبتسوق؟"

إستغرب أمجد


"ياه!، احنا عربان، عادي، بعدين ما هنا في القاهرة بشوف عيل بشخة بيسوق عادي، هتعملي طالع منها؟، المهم يفلتوا من الكماين وخلاص"


"دا حقيقي، بس برضه حاجة غريبة أن عيل يسوق"


"اديني فشخت العربية وأبويا فشخني بعدها"

قال ضاحكاً


حل الصمت لثواني ثم قال أمجد

"تعرف، إنت مش عرص أوي زي ما كنت شايفك"


قهقه سليمان بصخب

"فعلاً!، شكراً، يلا يا بطل بدل ما عربية تيجي تشيلنا زي منا شيلت جارنا كده"


نزل من السيارة ثم مد يده لأمجد ليساعده في النزول، طلب سيارة لتسحب سيارة أمجد للميكانيكي وعادا لمنزل والدة أمجد


"كنتم فين؟"

سألة والدة أمجد بقلق


"كنا بنتمشى يا ماما"

رد سليمان وإستاء أمجد

"مش مامتك"


"غيران"

رد سليمان بطفولية


شعر أمجد بدمه يغلي وانحنى ليلتقط حصى من حديقة المنزل ثم رماها على سليمان الذي لم يستطع تجنبها بسبب حجمها الصغير وأصابت عينه


فقد توازنه وسقط على الأرض وتفقدته والدة أمجد بقلق

"إنت كويس؟"


بدأت عينه اليمنى المصابة تقطر دماً وعندها صرخ أمجد بصدمة فهو لم يتوقع أن يصل الأمر لهذه الدرجة

"احا!"


.



16. غير مشروط

"ما تقلقش، هو محتاج راحة وانتظام على الأدوية وكله هيبقى تمام"

كان الطبيب يتحدث مع زياد بعد أن اجرى لسليمان جراحة سريعة لأنه اصيب بتمزق في الصلبة وهي الطبقة البيضاء حول القرنية


اتصلت بشرى بزياد بعد أن رأت سليمان ينزف واخبرها أن يأخذوه للمشفى فوراً وأنه أبلغ طبيب العين في المشفى بالحالة ويجهزون لوصوله، وفور وصوله أخذوه لغرفة العمليات


كان أمجد يشعر بالقلق فهو لم يقصد ايذاء سليمان 

"زيكو أنا مكنش قصدي"

قال بخجل وهو يشعر بالعار الشديد


"ما أكيد مش قصدك يا حبيبي، أنا عارفك كويس، مستحيل تإذي حد"

رد زياد وربت على رأس أمجد

"ما تقلقش، شوية ادوية ويبقى كويس"


"بس دا عمل عملية"

كان أمجد يشعر بأن الأمر خطير وأن زياد يحاول تهدأته وكأنه طفل فقط


"بسيطة، هيخف ما تقلقش"

كان زياد بالفعل يحاول تهدأة أمجد كي لا يشعر بالذنب فهو كان يعلم بمقدار الفوضى داخله ولا يريدها أن تزيد أكثر


تابع زياد محاولاً التخفيف من حدة الموقف

"بعدين فاكره خول فرعوني زيكم؟، دا عربي، هيبقى زي الفل"


سمعا صوت ركض ثم رأيا زين وموسى

"سليمان عمل إيه؟"

سأل زين بإندفاع وقلق


"ما تقلقش، زي الفل، سلم على أخوك"

كان يلفت انتباهه لوجود أمجد


نظر زين إلى أمجد ثم عانقه بروتينية وقبلَ خده ثم أشار للغرفة

"هنا؟"


اومأ زياد وعندها دخلها زين وتفقد سليمان الذي كان هناك ضمادة على عينه اليمنى المصابة وكان نائماً


"سيبه يرتاح"

همس زياد وخرج زين من الغرفة بعدها


خرج زين وكان يستطيع الشعور بتوتر أمجد لذا إقترب منه وسحب رأسه لحضنه وبدأ يخلل أصابعه بلطف في شعره مدلكاً رأسه

"ما تقلقش، هو زي القرد"


كان من الغريب بالنسبة لأمجد أن يركز الجميع معه وليس مع المريض، لن ينكر أنه كان مستمتعاً بالأمر ولكنه كان أيضاً قلقاً ويشعر بأنه لا يحق له بأن يحظى بالإهتمام، فهو يرى بأنه حتى والديه لا يهتمان له بشكل مميز فما الذي يدفع الغرباء لفعل هذا؟، لم يكن مقتنعاً بعد أن زياد وعائلته هم عائلته حقاً مهما كرروا أنهم يعتبرونه فرد منهم فقد كان لا يصدق الأمر بسبب علاقته بوالديه


"حصل إيه؟"

كان مُلهم الذي وصل للتو وسأل بإندفاع


"ما تقلقش، كله تمام"

طمأنه زياد


"هنا صح؟"

أشار للغرفة ثم دخلها بدون إنتظار رد زياد


"حاسس بإيه؟"

سأل مُلهم بقلق وكان سليمان نصف نائم

"هحس بإيه يعني؟"


"أصل أنا بابا قبل كده ضربني في عيني ووجعتني أوي، إنت بقى عملت عملية كمان"


"عادي، المخدر لسه شغال"

رد ببساطة ثم حاول الإعتدال جالساً لكن المخدر كان يجعل جسده ضعيفاً، ساعده مُلهم وعندها قال سليمان

"هو أنا حاسس إن فايتني حاجة ومعرفش إيه هي، دماغي مفوتة خالص"

كان ضائعاً بسبب تأثير المخدر


"عينك يمكن!"

رد مُلهم بنبرة ساخرة


"أنا صحيح شبه نايم بس مش متخلف يعني"


"إنت إزاي اتخانقت مع أمجد؟"


"محصلش حاجة، دا أخويا"

رد سليمان بتحفظ، ففي النهاية كان يعلم بأنه ضغط على أمجد وفعل أشياء تزعجه ولهذا السبب خرج عن السيطرة، وكان يعلم من البداية أن نوبات غضبه خطرة


"إيه يا ولا يا عرباوي؟"

دخل زين الغرفة سائلاً بنبرة ساخرة


"زي الفل"

رد سليمان ببساطة وإقترب زين ليجلس على السرير مقابلاً له


"مش أنا قولت لهيما إني بقيت تيكين؟"

قال وتفاجأ مُلهم وسأل بترقب

"بعدين!"


"ولا قبلين، عزمني على الغدا، وكانت ردة فعله أحسن مما توقعت، ما سألش أي أسئلة بضان"

رد بمرح


"هاي!"

كان صوت إنشاد بنبرته الهادئة بين أنفاسه، نظر زياد إليه

"هاي!، إنت صاحب سليمان؟"

كان طول إنشاء يجعل الناس تعتقد أنه أكبر من عمره


"لا، مُلهم"

رد بينما أمجد يتفحصه بعينيه فقد كان مظهر إنشاد ملفتاً، كان يخطف أنظار المارين، قصة شعر الذئب تلائمه تماماً، وتبرز عيناه الزرقاوتين الصافيتين كصفاء سماء يوم صيفي وفكه الحاد يعطيه هالة من الوقار 


"إنت إنشاد!"

عرفه زياد فقد سبق وتحدث مُلهم معه عنه


"أيوة"

إبتسم إنشاد لفكرة أن زياد تعرف عليه رغم أنه لم يقابله من قبل


"نايس تو ميت يو"

صافحه بحرارة بعدها نظر إنشاد لأمجد الذي كان مازال يتفحصه بعينيه

"هاي!"


بعد صمت دام لثواني رد أمجد

"هاي!"


"اتعرفتوا؟"

سأل مُلهم بعد أن خرج من الغرفة


"أيوة"

رد زياد


"كويس، هروح أطمن بيسو بقى"

قال وتبعه إنشاد ليخرجا من المشفى


"هتدخل تشوفه ولا هتفكس؟"

سأل زياد 


"لا طبعاً، هشوفه"

رد أمجد وكأنه يدافع عن نفسه فقد كان يشعر بالذنب تجاه سليمان


"جدع، خش اتطمن على أخوك"

شجعه زياد وربت على كتفه


"ما بحبش هيفا"

كانت تاليا تتحدث مع لبنى بعد أن شغل المقهى أغنية لهيفاء وهبي


"ليه؟"

سألت لبنى بإستغراب وكانت تفكر بأن هذا غريب لأن تاليا لا تهتم بالجوانب السطحية والأخلاقية التي يكره الناس هيفاء بسببها، إذاً لما تكرهها؟


"عشان منافقة، هوموفوبيك، وبتدعم مغتصب"


"إيه؟"

لم تكن تفهم شيئاً


"هيفا منافقة وبتقول أي حاجة عشان الفلوس، وأكتر من مرة تيجي تشتم تستخدم لفظ لوطي وبعدها تحذفه وتعمل انها ما قالتش حاجة، وفي البرايد تنزل علم الرينبو عشان البراند بتاعها بيتارجيت الكويرز، وما تعبتش نفسها تقول كلمتين على بعض تدعم بيها الكومينتي حتى، وقبلها مدير اعمالها نشر تويتات هوموفوبيا صريحة ودافعت عنه وقالت أنه حر ودا رأيه، عشان تثبت تاني إنها منافقة وكلبة فلوس وخلاص، كمان هو لو حد بيدعم الكويرز هيستخدم لفظ لوطي كشتيمة؟، خليها تحط العلم اللي نزلته في طيزها، دا غير انها دعمت سعد المجرد المغتصب، وجت بعدها بكل بجاحة تشارك في حملة ضد التحرش، دي بنت وسخة"


"واو!، مكنش عندي معرفة بأي حاجة من دي"

كانت لبنى متفاجئة


"دا غير إنها بتتمنيك مش بتغني ومشهورة بس عشان بتتمنيك والكل معترف بدا، عادي المنيكة حرية، بس ما تتمنيكش علينا كمان وتدعم مغتصب بعدين تشارك في حملة ضد التحرش وتعمل نفسها نسوية بكسمها"


"على كده بتكرهي شيرين عشان ليها تصريحات ذكورية!"


"لا"


"إزاي؟"


"عشان ادعم ضحية مش لازم تكون مية في المية جود بيرسون، احنا بندعم الضحية لأنها ضحية مش لأنها مية في المية حد كويس، شغل عيال أوي إنها عشان ليها كام كلام ذكوري يبقى أما تتعرض لأزمة هنتجاهلها ونقولها ار يو فور جيت وت هابن ان اليفين ستمبر"

انهت حديثها بنبرة ساخرة وقهقهت لبنى

"مش فاهمة بصراحة"


"هشرحلك، هل لو واحدة متلاعبة أو مستفزة، اتعرضت للإعتداء هنقول فاكس دي مستفزة؟، لا ما ينفعش ستل اللي حصلها إعتداء، دعم الناجين غير مشروط، اتفرجتي على مسلسل لعبة نيوتن؟"


"أيوة"


"كاراكتر منى ذكي مكانتش جود بيرسون، متلاعبة، غبية، متسرعة، بس هل دا مبرر للإغتصاب؟، لا، احنا بندعم الناجين لأنهم ناجين مش لأنهم كويسيين"

كانت تكرر جملتها ثم تابعت

"محدش اتولد متعلم كل حاجة وكل واحد له رحلته في التعلم، وما ننساش كمان إن من الواضح جداً إن شيرين غير متزنة نفسياً ودا شيئ مفروغ منه، بس حتى لو كانت متزنة وليها تصريحات ذكورية زي العوانس غيرانين مننا أو كلام عبيط هل دا مبرر لأي حاجة بتحصلها؟، ببساطة لا"


كانت قد مرت مدة منذ آخر مرة تناقشت فيها تاليا مع أحد لأنها أصبحت كسولة جداً مؤخراً


"هل قبل ما نساعد حد بنشوف سجله ونتأكد أنه ما رماش زبالة في الشارع أو النيل الأول؟، دي حاجة عبثية"


قررت لبنى تغيير الموضوع

"شكلك بتحبي الرقص"


"أوي"

ردت تاليا باسمة


"اشتغلتي قبل كده في المجال دا؟"


"لا، أنا بحبه بس ما اشتغلتش، مش حاسة إني محتاجاه، بس تعرفي اكاونت قمرين اللي على تيكتوك؟"


"أيوة، البنت اللي بترقص"


"دي أنا"

قالت بمرح


تفاجأت لبنى

"بجد!"


"أيوة"


"يالهوي ما خفتيش؟، دول بيقبضوا على أي حد بيرقص على تيكتوك"


"يبقوا يوروني"

قالت بتحدي


"بصراحة أنا مبهورة، أول مرة أكلم حد بنفس أفكارك"


قهقهت تاليا بخفة فهي كانت ترى الوصف مبالغة

"تعيشي وتشوفي"


"خريجة ولا طالبة؟"


"طالبة تاريخ"


"حلو، كان نفسي أكمل تعليم"


"لا، مش مهتمة بصراحة أنا بتعلم لإن نظام الرأسمالية بيجبرنا ندخل كليات بس، لكن مش معترفة بأي أهمية للتعليم الاكاديمي"


"ليه؟"


"عشان التعليم حاجة مرنة غير ثابتة، بس هي عامود من عواميد الرأسمالية، اللي مش بيتعلم بيتم وصمه وبيشتغل شغلانات سيئة تطلع ميتينه ولو جرب مثلاً يتجه لحاجة زي التيكتوك بيتم وصمه وشتمه إنت إزاي تختار حاجة مافيهاش مرمطة؟، لازم تترمرمط زينا، المتعلم بقى بيدي الرأسماليين فلوس وهو بيتعلم وبعدين اما يتخرج لازم يوافي شروط الرأسمالي وحتى أما يكون زي ما طالبين منه بيدوله ملاليم ويتضايقوا لو ما شكرتهمش على الملاليم دي"


شعرت تاليا بالضيق لأنها تحدثت بكثرة

"لو عندك أسئلة ابلعيها، مش قادرة اتكلم تاني"


"إنتي هايلة"

علقت لبني وقهقهت تاليا لوصفها

"إنتي غريبة"


.


17. شجر اللمون

يا سلام على حبي وحبك

وعد ومكتوبلي أحبك

ولا انامش الليل من حبك

يا سلام على حبي وحبك

ده ما كان على بالي احبك

ولا انامش الليل من حبك

يا سلام على حبي وحبك


كانوا يستمعون لغناء شادية وفريد الأطرش بينما يشاهدون فيلم إنت حبيبي


عرض زياد على إنشاد المبيت في المنزل ووافق إنشاد فوراً لأنه اراد التعرف على زياد وبسيوني، أخذوا سليمان هو الآخر بسبب اصابته، وأمجد قال بأنه سيبيت هو الآخر معهم ليطمئن على سليمان فقد كان مايزال يشعر بالقلق والذنب لذا كان الأمر أشبه بحفلة مبيت، أو ليلة عيد حيث يتجمع الأصدقاء للإحتفال معاً


"هند رستم حلوة أوي"

علقت تاليا على مشهد رقص لهند رستم


"فعلاً، حلوة وشاطرة"

وافقها بسيوني


"بس فنانة إستعراضية للإغراء"

قال أمجد وعندها ردت تاليا

"وإيه المشكلة؟، براحتها، ما في ممثلين رجالة كتير استعراضيين وعادي يعني، ولا استعراض الرجالة عادي؟"


"إيه المثير في الراجل؟، ما أفتكرش راجل وإغراء ممكن يجتمعوا في جملة وإلا كان اتفرض عليهم الحجاب كمان"

لم يكن أمجد مقتنعاً


"معاك حق أنهم صنف يقرف بس دا ما يمنعش إن في ادوار استعراض للرجالة بتحب ستات تتفرج عليها، ورجالة كمان، النموذج الوحيد اللي اتذكر للإغراء في القرآن كان يوسف اللي الستات قطعت ايدها أما شافوه وإمرأة العزيز راودته عن نفسه، فا آه من ناحية عقلية ومن ناحية دينية في إغراء من الرجالة"

أشارت بعدها على إنشاد

"عندك إنشاد مثلاً"


إختنق إنشاد وبدأ يسعل وهي تابعت

"تقدر تنكر أنه راجل حلو؟"


بعد ثواني من الصمت المريب رد أمجد

"لا"


رن هاتف زين، كان تيام، وبعد محادثة قصيرة انتعل حذائه وخرج فوراً وصعد في السيارة ثم ذهب لمنزل إبراهيم وطرق الباب


"ما تسيبه يبات عند صاحبه"

قال زين فور فتح إبراهيم للباب


إعترض إبراهيم

"وليه ما يجيش هو؟"


"دا إيه الهبل دا؟، إنت مصدق اللي بتقوله؟"

كان زين يرى جملة إبراهيم غبية


"تيام بقى غريب وكأنه مش طايق يقعد معايا"

تذمر إبراهيم


"معلش سيبه دلوقتي عشان عايز اكلمك عن حاجة"

قال ثم طرب باب غرفة تيام

"تيمو، روح ليوسف وانبسطوا"


فتح تيام الباب وعانقه بحماس ثم أخذ حقيبته وخرج 

"هوصله وهرجعلك"

نبه زين إبراهيم ثم خرج 


أوصل تيام لمنزل يوسف وودعه بقبلة على الخد، طرق تيام الباب لمدة حتى فتح والد يوسف الذي بدل تعبيراته الغاضبة بإبتسامة مصطنعة

"إزيك يا تيام؟"


"هو يوسف مقالكش إني هبات معاكم النهاردة؟"

سأل تيام ببراءة


كان يكذب، لقد أتى خصيصاً لأنه يعلم أن والد يوسف يضربه وهو يريده أن يتوقف لذا ذهب ليوقفه فسوف يضطر لتمثيل اللطف كعادته


"اتفضل يا حبيبي"

افسح له ودخل تيام وهو يحمل حقيبته وذهب مباشرةً لغرفة يوسف الذي كان يضع منديلاً على أنفه لأنه يقطر دماً وكان وجهه مليئ بالكدمات


أفلت تيام حقيبته وسقطت على الأرض وأسرع لتفقد يوسف

"تنشل ايده"

تمتم وهو يتفقد وجهه ثم جر حقيبته وفتحها ليخرج مرهم الكدمات ويبدأ بوضعه على كدماته


"مكنتش تيجي"

عاتبه يوسف 


"ليه؟"


"مش عايزك تشوفني كده، ما بحبش حد يشوفني كده"

لم تكن أول مرة لكن كان يوسف يشعر بالعار دوماً من فكرة أن يراه أحد بكدماته


"أنا حد؟"

عاتبه تيام


"إنت خصوصاً يا تيام"

قال وابعد يد تيام التي كان يضع بها مرهم الكدمات على وجهه، كان ينظر للأرض بإنكسار


ابتعد عنه وسار لجهاز تشغيل الأغاني في غرفته الذي يحوي أغاني محمد منير فقط، شغله وارتمى على السرير يحدق في السقف بشرود


كام عام ومواسم عدوا؟

وشجر اللمون دبلان على أرضه

وفينك؟


إقترب تيام بحذر منه ثم سأل بتردد لأنه خائف من سماع الرد

"يوسف إنت عايزني أمشي؟"


بيني وبينك أحزان ويعدوا

بيني وبينك أيام وينقضوا

شجر اللمون دبلان على أرضه


تنهد يوسف بعمق بعد صمت قارب على بلوغ الدقيقة

"أنا مش عايزك تشوفني ضعيف"


"بس أنا مش شايفك ضعيف"


"ما تبقاش كداب، أنا حاسس إنك موجود في حياتي عشان تبقى شخصية المنقذ اللي بيلحق الولد الأهبل اللي أبوه بياكل علقة كل يوم، أنا الموضوع دا بيضايقني أما بفكر فيه، حاولت أشتت نفسي بس في الآخر برجع لنفس النتيجة، إنك في حياتي كشخصية المنقذ بس"


"بس دا مش صح، إنت على طول بتساعدني، عندك صحاب كتير، أنا معنديش غيرك، أنا ساذج وتافه بشهادة الكل، بس إنت دايماً بتتمسك بيا"

كان مشتتاً بينما يتحدث فهو كان يريد أن يثبت ليوسف بأن علاقتهما ليست مجرد شخص يساعد الآخر على الإفلات والده الذي يعنفه، لا يمكنه إحتمال فكرة تستطيح علاقتهما بوصفها بعلاقة المنقذ فقط


إعتدل يوسف جالساً لأنه لم يحتمل حديث تيام عن نفسه

"إنت مش ساذج أو تافه، هما اللي عبط"


"مش هاممني هما شايفيني إيه، يهمني ما تشوفنيش مجرد شخصية منقذ، إنت مش شايفني صاحبك؟"

سأل وإقترب منه منتظراً سماع رد


حل الصمت لثواني كان يفكر فيها سيف في حل لهذا الموقف حتى قال

"ممكن ما تجيش تاني البيت؟"


"ليه؟"


"عشان مش عايزك تشوفني كده"


"عايز تسطح علاقتك بيا؟"


"تيام لو سمحت، اللي بتعمله بيزود قلقي مش بيقلله، ممكن ما تجيش بيتي تاني؟"

كان يشعر بأنه مجرد فتى مراهق مثير للشفقة 


ظل الصمت سيد الموقف لأن تيام شعر بأن لسانه ثقيل جداً، كان صوت محمد منير يجعل الأمر أسوأ


وكل شيئ بينسرق مني

العمر م الايام، والضي م النني

وكل شيئ حواليا يندهلي

جوايا بندهلك، يا ترى بتسمعني؟


"تيام"

ناداه يوسف ليستفيق من شروده ثم كرر سؤاله

"ممكن ما تجيش بيتي تاني؟"


"حاضر"

رد بنبرة مرتعشة وهو على وشك البكاء 


"حلو كده لبابا ولا لماما بقى؟"

كان زياد يسأل إنشاد بمرح


قهقه إنشاد بسبب طريقته

"الطول من عيلة ماما، كلهم طوال جداً، لون عيني من جدي، تقاسيم وشي خليط من اعمامي، بسمع كتير مجاملات لشكلي بس بصراحة مش حاسه مميز، يمكن المميز هو طولي بس"

كان إنشاد أطول حتى من زياد وبسيوني


تابع بعدها

"أنا كده ولسه بطول برضه، بقيس طولي وبلاقي نفسي بكبر أكتر"


"ويجي ملحد يقولك الاديان خرافة، شكلك من قوم عاد"

علق سليمان وعندها قهقه زياد وإنشاد بصخب


"هو زين فين؟"

سأل أمجد


"زين راح لإبراهيم"

رد بسيوني ثم أضاف

"في حاجة؟، اكلمهولك؟"


"لا، خلاص"

رد أمجد بفتور ثم تركهم ودخل للشرفة وأشعل سيجارة


يحاول التخلص من الشعور بالذنب لكن لا يستطيع، بعد أن أنهى خمسة سجائر سمع صوت والده

"أمجد!"


التفت بسرعة وسقطت السيجارة من يده

"بابا!"


بدأ رياض يسعل

"كل دا دخان؟، اومال لو مش في البلكونة؟"


حرك أمجد يده ليصنع تيار هواء ويبعد الدخان

"إيه اللي جابك؟"


"حد يقول لأبوه إيه اللي جابك؟"

إستنكر رياض وصفع مؤخرة رأسه


كان زياد قد حادث رياض وأخبره بأن عليه قضاء المزيد من الوقت مع أمجد وعليه أن يكون أكثر حناناً معه ويعتبره مازال طفلاً لأنه مازال متأثراً بإنفصاله هو وزوجته


"تيجي نخرج نشرب حاجة، بس مش سجاير"

قال وإستغرب أمجد لكنه وافق في النهاية


أخذه رياض لمقهى سيلنترو، جلسوا في ركن على اريكة وكان أمجد مستغرباً لأنهما شخصان فقط وهذا الركن كبير عليهما، وبعد دقائق رأى والدته تدخل وتجلس على المقعد المقابل للأريكة، كان يشعر بأنه في حلم


والديه معاً، وكليهما يعيرانه الإهتمام، عانقته والدته ثم بدأت تسعل بسبب رائحة الدخان العالقة في ملابسه

"سوري"

إعتذر بسرعة ثم استقام واقفاً 

"هشتري توب تاني من المحل اللي جمب الكافية"


خرج فوراً واشترى قميصاً جديداً، مضغ علكاً ليطرد رائحة الدخان من فمه ثم عاد للمقهى وبدأ والديه يتحدثان عنه أثناء طفولته، كانت والدته تعرف أكثر لأنها من كانت تتكفل بكل شيئ يخصه، وتفاجأ بأن والدته تهتم به حقاً فقد كان قد نسي هذا الأمر بعد انفصالها عن رياض


شعر بأنه طفل سعيد لأول مرة


.


يا سلام على حبي وحبك



شجر اللمون



.



18. المنقذ

[منشور على فيسبوك]

"عيد قيامة مجيد لمصر كلها"


[خانة التعليقات]


"مصر كلها؟، لا يا حبيبي إحنا مسلمين"


"قالك قيامة!، الحمدلله على نعمة الإسلام"


"أنا مستعد اتناقش معاك عن دينك واثبتلك إنه متحرف حالاً"


"ربنا يهديكم للإسلام"


[خانة الردود]

"يسوع يهديكي للمسيحية"


"عقلكم يهديكم للإلحاد بدل الهطل دا يا حبايبي"


قضى زين ليلته يقنع إبراهيم أن عليه عناق تيام عند رؤيته وكان إبراهيم غير مقتنع ويخبره أنه لو اراد عناقه كان ليعانقه هو وعندها أخبره زين أن طريقته طفولية وأنه من الطبيعي أن يعانق الوالد ابنه فيكفي غياب والدته وعدم إهتمامها الذي يجعل تيام يشعر بأنه يتم تجاهله وأنه غير محبوب حتى من والدته التي يفترض أنها رمز الحنان


عاد تيام للمنزل مكسور الفؤاد بعد أن قضى معظم ليلته يبكي بصمت لأنه لن يذهب لمنزل يوسف مرة أخرى، عانقه إبراهيم بحذر بعد دخوله للمنزل، وكان تيام في أمس الحاجة لهذا العناق لذا بدأ يبكي


حاول إبراهيم سؤاله عن سبب بكاءه لكن تيام لم يكن يرد، وبعد دقائق فصل العناق وذهب للحمام ليغسل وجهه


خرج من الحمام وسار بخطوات متعرجة بسبب تشوش رؤيته إثر بكاءه، ارتمى على السرير ثم أمسك هاتفه وفتح حساب يوسف على فيسبوك، فتح صورته التي كانت مرتبة ومثالية جداً، يرتدي فيها كنزة باللون الكستنائي وبنطال سكري، شعره مصفف بطريقة مرتبة، يبتسم بدفئ، ويكاد يقسم أنه يستطيع شم رائحة عطره وسائل الإستحمام من الصورة


أخذ يحدق بها حتى تشوشت الرؤية لأن الدموع تجمعت في عينيه، يصبح أبعد فأبعد عن يوسف، ما الخطوة التالية؟، هل سيتوقف عن الحديث معه في المدرسة أيضاً؟


يوسف شعبي ويحبه الطلاب، تيام هو الطالب الغير محبوب الذي يلقبونه بالتافه، حتى أن يوسف أحياناً يتعرض للإنتقاد لإختياره مصادقة تيام، إن ابتعد عنه ستصبح علاقته بالطلاب أفضل


ماذا سيحدث بعد أن يقطع يوسف علاقته بتيام؟

لا يمكنه تخيل الأمر فلا يكتمل يومه إلا برؤية يوسف


سمع صوت طرق على الباب ثم صوت إبراهيم

"تيام إنت كويس؟"


"أيوة"

رد بفتور


"ما تزهقش منه، اسأله كتير"

كان زين يتحدث مع إبراهيم بعد أن ذهبا للملجأ


"مبحبش الزن"

تذمر إبراهيم 


"معلش إعتبره إبنك"

قال بنبرة ساخرة وصفع إبراهيم مؤخرة رأسه

"اتلم"


"منتا بتستهبل، دا ابنك، محتاج فيزيكال تاتش، محتاج كلام حلو، محتاج يحس بحبك"


"إنت عارف إني مليش في الكلام دا"


"معلش، لازم يبقى ليك، دا ابنك ومحتاجك"


"ما تجرب تكلمه إنت"

كان إبراهيم قلقاً ويريد التهرب من مواجهة تيام


"إيه شغل العيال دا؟، وبتقول عليا أنا اللي خول؟"


"ما الطبطبه دا شغل خولات"


"لا دا شغل ولي أمر، التهرب هو اللي شغل خولات"

تنهد ثم قال

"هدربك على كل كلمة وسؤال ورد ممكز تحتاجه وإنت بتتكلم معاه"


إستسلم إبراهيم وبدأ زين يشرح له كيف يتحدث وما الأسئلة التي قد يطرحها تيام وكيف يجيب عليها، وما الذي يحتاج تيام سماعه منه


كعب الغزال يا متحني بدم الغزال

كعب الغزال يا متحني بدم الغزال

أنا شايف الأرض بتتمرجح تحت الخلخال

ما تبطل تمشي بحنية، ما تبطل تمشي بحنية لا يقوم زلزال


كانت تاليا ترقص ببراعة بينما تتحرك برشاقة حول لبنى وتميل عليها، كانت تجد مرافقة لبنى ممتعة، فالأغلب يجد الرقص شيئ غير أخلاقي حتى لو كانوا يرقصون في أماكن معينة فهُم يرون الرقص في الأماكن العامة أشبه بالدعارة، ناهيك عن أن تاليا لا ترى الدعارة عاراً على المرأة بالأساس


لبنى إمرأة بسيطة اتجهت للعمل بالدعارة بعد أن طردها والديها من المنزل وحاولا قتلها بسبب خلعها للحجاب، كانت مرة واحدة تجرأت بها وخلعته ولسوء حظها رآها إبن عمها وسحلها لمنزلها وأبلغ والديها فوراً


كان حدثاً صادماً ومرعباً ومنذ هذا الحدث لم ترتدي الحجاب مرة أخرى 


"تعرفي"

بدأت لبنى تتحدث وكأنها تائهة بينما تعبث تاليا بكوب الفودكا

"إيه؟"


"أوقات مش بندم أبداً على خلعي للحجاب اليوم دا، وأنه مهما حصل دا كان أحسن سيناريو، أوقات بفكر إني لو عشت بنت محجبة مع أهلي وبعدين جوزوني لشيخ كان هيبقى بالنسبالي اسوأ الف مرة من اللي أنا فيه دلوقتي"


"دا كويس، يبين إنك مسؤولة عن قراراتك ومش ندمانة عليها"


"عمري ما حكيت لحد عن أهلي، عشان أكيد هيوصفوني بالفاجرة اللي قلعت الحجاب، بيتجننوا لو شافوا بنت لبسته وبعدين قلعته، ممكن يكونوا خمورجية وبنت مش بتلبس أطول من الهوت شورت بس يشتموا اللي تقلع الحجاب برضه"


"عارفة أنا الناس دي"

ضحكت بسخرية ثم قالت

"إنتي شجاعة أوي يا لبنى"


"ياريت، أوقات بحس إني جبانة جداً"


"في غيرك خافوا ياخدوا القرار دا مع إنهم عايزينه، إنتي شجاعة جداً"


إبتسمت لبنى بخجل وبدأت اتصال أعين بينها وبين تاليا إنتهى بمناداة صاحب الملهى لها


"لولو"

كان لقبها لأن الاسماء محظورة في الملهى


"هروح"

قالت بإرتباك ثم نهضت وهرولت إلى مديرها


I wanna take you away

Let's escape into the music, DJ, let it play

I just can't refuse it, like the way you do this

Keep on rockin' to it

Please don't stop the, please don't stop the music


كان زين يتمايل راقصاً في البار بينما يحمل زجاجة فودكا في يده، يرتدي بلوزة بيضاء بلا أكمام قصيرة تظهر معدته التي يوجد حولها حزام فضي رفيع وكأنه سوار للخصر، بنطال أسود طويل، وعلى وجهه مساحيق بارزة، فوق جفنه لون ازرق، على خديه أحمر خدود باللون الوردي وملمع خدود يجعل وجهه لامعاً بشكل ملفت، على شفتيه ملمع شفاة ويزين شعره مجموعة دبابيس شعر متنوعة 


بدأ يتجرع من الزجاجة بينما يرقص ثم تعثر وسحبه موسى لحضنه

"حاسب"

نبهه بود


نظر زين لموسى ثم سحبه من ملابسه ليخفض رأسه ويقبلهُ قبلة لزجة بطعم الفودكا ثم قال

"بفكر أعمل بيلي بيرسينج"


"دو ايت"


"طب يلا"

سحب موسى من يده ليخرجا من البار، جاراه موسى وذهب معه لمكان للوشوم والأقراط، جلس زين على المقعد وشابك موسى يده اليمنى معه

"سمعت من اللي عملوه إنه سهل، ما تقلقش"

طمأنه موسى


"أنا مش خايف أصلاً"

كان يتحدث بثمالة واضحة


"هاي، إيه الأخبار؟"

كانت إمرأة على ذراعيها وشووم وعلى حاجبها وانفها اقراط وشعر مصبوغ بالبنفسجي


"عايز يعمل بيلي بيرسينج"

قال موسى


"بس كده؟، بسيطة خالص"

كانت تتحدث بإبتسامة وهي تعدل من قفازاتها المطاطية ثم أمسكت إبرة الكانولا والمعقم، عقمت سُرته ثم رشت عليها المخدر وثقبتها بالإبرة ووضعت القرط

"خلصنا"


كان القرط فضياً ويزينه قطعة مجوهرات مزيفة

"حلو أوي"

علق زين وهو ينظر لنفسه في المرآة


"إنت الحلو"

قال موسى وقبلَ خده وعندها قهقه زين وهو يلتقت إليه

"بكاش"


مد يده ليلمس خد موسى بكفه ثم قال وهو ينظر لعينيه بشرود

"بكاش عسول"


"تيام"

نادى يوسف بينما يخرج تيام من الفصل فور رنين جرس الإستراحة، تظاهر أنه لم يسمعه وأسرع في خطواته هارباً تجاه السلم حتى أمسك يوسف بمعصمه

"تيام، أنا بندهلك"


كان تيام يشعر بأن يوسف يخجل منه، ففي النهاية الجميع يصف تيام بالطالب التافه والممل بينما يوسف محبوب 


"أنا بندهلك، مالك؟، ليه بتهرب مني؟"

سأل يوسف وهو ينظر لتيام الذي يتجنب النظر لوجهه


سحب تيام يده من قبضة يوسف مما جعله يتفاجأ فلم يسبق أن ابعد يده من قبل

"مش عايز أتكلم"


كان يوسف حائراً وقلقاً فقد كانت أول مرة يتصرف فيها تيام بهذا الجفاء معه، وسأل بخوف حقيقي

"ليه؟"


"ما تصاحبش الولد الغبي التافه يا يوسف، إنت أكبر من كده"

كان يتحدث بصوت خافت وعينيه موجهتان للأرض 


حديثه شحن يوسف بالغضب

"إيه اللي بتقوله دا؟، أنا عمري قلت عليك كده؟"

سأل بنبرة مرتفعة، كان غاضباً من سماع تيام يصف نفسه بهذه الصفات


"بس دي الحقيقة"


"لا، دا مش صح، إنت مش بتعرف تحس صح"


"وإنت اللي بتعرف؟"

صرخ به بدوره ونظر لوجهه بعينان تغمرهما الدموع 

"ما إنت قلت عليا مجرد منقذ وخلاص في حياتك، ممكن تقولي إيه اهميتي في حياتك وإنت شايفني مجرد منقذ؟"


ابتلع ريقه متذوقاً طعم دموعه المالحة والتقط أنفاسه ثم تابع

"إنت قلت إني في حياتك شخصية منقذ بس، وبعدين قلتلي مجيش بيتك تاني، ممكن تقولي دا معناه إيه غير إنك مش عايزني، لا كصاحب، ولا حتى منقذ، ولا أي حاجة"


كان يوسف حائراً، وكأنه أدرك للتو أثر كلماته على تيام، هل كانت بكل هذه القسوة؟

لقد كان يشعر بالعار من نفسه لذا اراد أن لا يأتي تيام لمنزله كي لا يرى كدماته فقط، هذا كل ما اراده لم يقصد أن يطرده من حياته، أراد فقط أن لا يبدو ضعيفاً أمامه


هو يحب فكرة كونه اليد المساعدة لتيام، يحب فكرة كونه صديقه الوحيد، حتى أنه لا يحادث أي أحد عن مهارات تيام كي لا يكتشفوا أنه طالب مثير للإعجاب ويصادقوه لأنه سيشعر بالغيرة


في أحد المرات اتى طالب جديد وتبادل الحديث مع تيام لمرة، ولأن تيام ثرثار جداً فقد تحدث معه لمدة طويلة، وتشابكا الايادي لمدة، كاد الدخان يتطاير من رأس يوسف من فرط غيرته


همَ تيام بالإنصراف وتحرك يوسف بسرعة ووقف أمامه ليمنعه 

"استنى"


مسح تيام دموعه بكُمه بخشونة وإقترب يوسف بهدوء ليمسك بيده ثم بنعومة يشابك يديه معه

"تيام أنا مقدرش أكمل من غيرك"

قالها بضعف حقيقي، يترجاه أن لا يتركه


"بس إنت اللي طردتني"

رد تيام ثم استنشق ماء أنفه ليمنع مخاطه من النزول على شفتيه


"أنا مكنتش أقصد، أنا آسف، أنا بس مكنتش عايزك تشوفني ضعيف"


"أنا عمري ما شفتك ضعيف"

رد بدون تفكير وهذا جعل يوسف يبتسم بإنكسار ثم إقترب بحذر وعانقه بذراعين مرتعشتين، وكأنه يستمد القوة منه 


.


كعب الغزال



Don't stop the music 



.

19. وهبت عمري للأمل

[منشور على فيسبوك]

"إزاي صوت فيروز حلو كده؟، الف رحمة ونور عليها"

(رابط أغنية فيروز صباح ومسا)


[خانة التعليقات]


"لا يجوز الترحم على غير المسلم"


[الردود]

"هولد اب هي فيروز مش مسلمة؟"


"فيها إيه اما نترحم عليها وإنت مالك؟"


"هتخترع دين جديد بروح أمك؟، غير المسلمين ما بيدخلوش الجنة، إن الدين عند الله الإسلام"


"الناس بتدخل الجنة برحمة ربنا"


"وهيجيلها رحمة ربنا منين وهي مش مؤمنة بيه؟"


"مين قال؟، كل واحد مؤمن بطريقته"


"إنتم بتألفوا في الدين ليه؟، لازم تكون مسلم عشان تكون مؤمن، المسلمين الكيوت دول اللي شوهوا الدين وخلوا الشذوذ والزنا والدياثة تنتشر"


"بس ربنا رحيم"


"وآية لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح إبن مريم دي إيه؟، ولا اتعميت؟، زعلانين على كافرة مغنية، الأغاني حرام أصلاً"


"فيروز عايشة."

كان آخر تعليق جعل الجميع يتوقفون عن كتابة التعليقات


"هو في إيه؟، الجامعة مقلوبة وحاجة غريبة"

كان مُلهم يتحدث مع تاليا في الركن الفارغ الهادئ الذي يحب الجلوس به بينما هي تشرب كوب قهوتها المثلجة بلا مبالاة


"قصدك إيه؟"

نظرت إليه لتعطيه إنتباهها


"منتشر إن فايا على علاقة ببنت، ودا مستحيل لإن البنت دي أصلاً ليزفوبيك دي بتحب تراقب الجايز بس"


"طب حلو، خليها تجرب تبقى نجمة الجامعة بجد، وتجرب شعور الكويرز اللي مهووسة بطيزهم"

ردت ساخرة وعندها فهم مُلهم الأمر وقال بتفاجؤ

"إنتي اللي قولتي دا؟"


قهقهت تاليا بصخب

"حلوة؟"


"إنتي بجد؟"

لم يكن مُلهم يتوقع تصرف كهذا من تاليا التي تبدو إمرأة رزينة وهادئة


"هو آه بضان أن المعرصة دي يتقال عليها من الكومينتي بس خليها تجرب شعور شهرة الكويرز والهوس بتاعها ونشوف هترجع تستوك تاني إزاي"


"جاتلك الفكرة دي إزاي؟"


"مش صعبة، اللي تقبله علينا نقبله عليها، الموضوع بسيط"

لم تكن تجد الفكرة عبقرية أو معقدة


"إنتي لسه بتتواصلي مع البنت اياها؟"

كان يقصد لبنى


"أيوة، في مشكلة؟"


"لا، بس حاسك اتعلقتي بيها جامد"


نظرت لساعة هاتفها ثم استقامت واقفة

"وإيه المشكلة؟، ست لذيذة وعسولة"


بدأت تسير وتبعها مُلهم

"طب والبنت الويردو اللي بتظهر تقولك إنتي حلوة وتختفي دي؟، اتأكدتي بتفيلرت ولا لا؟"


"نات ماي تايب، ما بحبش الستات الجبانة، ممكن أشفق عليها بس مش أكتر، فا مش مهم بتفيلرت ولا لا، لإني مش مهتمة خالص"


كانت تاليا قد بدأت تغير طريقة ملابسها ، كانت ترتدي بنطال قماشي بلون الكراميل وبلوزة بلا أكمام بيضاء اللون، وشعرها ينسدل على كتفيها، بدأت تضع المساحيق أيضاً في الجامعة بعد أن كانت ممتنعة لأنها تريد الإبتعاد عن الأنظار 


لكن بعد أن تحدثوا عنها حتى وهي تحاول البقاء بعيداً قررت التصرف بعشوائية لتثير جنونهم، لذا كانت أحياناً ترتدي ملابس محتشمة، وأحياناً ملابس قصيرة كاشفة، مساحيق هادئة ثم أخرى بألوان صاخبة، وشعر مستعار بألوان ملفتة، كانت تحب جعلهم يستغربونها ويبدأون محاولة تحليل شخصيتها من خلال ملابسها


"بتحب إنت الناس الهادية"

قالت تاليا ورد مُلهم بسرعة وكأنه يدافع عن نفسه

"مش أوي"


"ومالك بترد كده ليه؟، فيها إيه لو بتحب الناس الهادية؟"


تنهد مُلهم وخلل أصابعه في شعره مرجعاً اياه للخلف محاولاً تخفيف توتره

"حاسس الناس كلها مركزة معايا وعايزين يشوفوا هرتبط بمين"


"كسمهم، ما تفكرش فيهم، ما تخليش مراقبة الهيترو ليك تخليك تتصرف عكس طبيعتك، أعمل اللي تحبه وفي كل الأحوال هما هيبضنوا فا فكك منهم"

ربتت على كتفه ثم قالت وهي تنظر لشعره

"أعملك ضفيرة؟"


كان مُلهم يقلق كي لا يتم تشبيهه بالنساء وإخباره بأن عمليات تصحيحه كانت بلا فائدة لأنه يتصرف كإمرأة، لكنه قرر تجاهلهم والتصرف على سجيته


"بليز"

رد ودخلا قاعة محاضرات فارغة وجلسا ثم بدأت تاليا تقوم بتجديل شعره بحنان، كانت علاقتهم دوماً كعلاقة الأم وطفلها رغم أن مُلهم أكبر من تاليا بشهرين لكنها كانت دوماً ملجأه الآمن


قبلت رأسه بعد أن إنتهت

"أحلى ضفيرة لأحلى مُلهم"


إبتسم ضاحكاً ثم امسك هاتفه ليتفقد شكله بها، كان سعيداً وشعر بالغباء أنه يترك الناس تؤثر على قراراته، فسعادته أهم من أي حكم سخيف يصدر من الناس حوله

"تسلم ايدك"


أنا بعشق الطريق لأنه فيه لقانا

وفرحنا وشقانا، أصحابنا، شبابنا

فيه ضحكة دموعنا وفيه بكيت شموعنا

وضاع فيه الصديق، ده أنا بعشق الطريق


كان يوسف في غرفة تيام، يستمع لمحمد منير أثناء قيامه بالرسم، بينما يجلس تيام على مقعد المكتب ويقوم بحل واجباته المنزلية


كان يوسف يقوم برسم تيام مستخدماً الألوان الزيتية التي اهداها له بسيوني منذ دقائق فقط عند لقائهما لأول مرة


كان سعيداً جداً برؤيته ومر اللقاء بشكل أفضل مما توقع، تفاجأ به يهديه علبة الوان زيتية ومجموعة فرش رسم، كان يقوم بالتخطيط بقلم الرصاص أولاً ثم يقوم بالرسم بإستخدام الألوان، ورغم أنه لم يذهب لفصل واحد لتعلم الرسم فقد تعلم من الانترنت وكان يرسم بشكل جيد


توقف عن الرسم وتأمل ما رسمه، كان وجه تيام الذي ينظر لجهازه اللوحي بتركيز، كان قد رسمه بأسلوب لطيف، عينان لامعتين، خدين ورديان، حاجبان معقودان وشفتين بارزتين لإنغماسه في شاشة الجهاز اللوحي


بدأ تيام يدندن مع الأغنية

"أنا بعشق البحر وبعشق السماء

وبعشق الطريق لأنهم حياة"


أخذ نفساً عميقاً وتلاه زفير وتمتم بتعب أثناء شروده

"وإنت يا حبيبي، إنت كل الحياة"

كان قد أخطأ وغنى بصيغة المذكر لأنه يحفظ أغنية نجاة وليس منير لأن زياد يشغلها بصوت نجاة دائماً


"خلصت؟"

سأله يوسف


إستفاق تيام من أفكاره

"أيوة"


"طب ما تيجي نشوف فيلم"


"نشوف إيه؟"

أغلق تيام الملف الذي كان يدرس منه


"مش عارف، إيه رأيك؟"


همهم يوسف وأخذ الجهاز اللوحي من تيام ثم فتح قائمة أفلام الكارتون حتى توقف عند فيلم 

"سبيل باوند، شكله لذيذ"


"دا بيحكي عن إيه؟"

سأل تيام بينما يبحث يوسف عن موقع مقرصن لمشاهدة الفيلم ثم رد عليه

"بنت باباها ومامتها الملك والملكة بيتحولوا لوحوش وبتحاول ترجعهم بشر تاني"


كان الفيلم يروي عن علاقة فاشلة بين والدين، وابنتهما التي لا تريدهما أن ينفصلا لأنها كأي طفلة تحتاج وجود والديها معاً وليس متفرقين، ولكن في نهاية الفيلم تتعلم بأنه ليس بالضرورة أن يبقى والديها معاً لتكون سعيدة، فيمكن أن يكونا منفصلين وتجمعهما علاقة إحترام وصداقة متبادلة، ويمكنها أن تشعر بحبهما حتى بعد انفصالهما


كان هذا أول فيلم كارتوني يشاهدانه يناقش معضلة انفصال الوالدين وأن النهاية السعيدة لا تعني بالضرورة عودة الزوجين لبعضهما


"مش وحش، بس كان هيبقى امتع لو متدبلج مصري"

علق تيام


"فعلاً، بحب الأفلام المدبلجة، بتكون فن أكتر"

وافقه يوسف


كانا يستلقيان على السرير متجاورين بينما يتحدثان، نظر تيام إلى يوسف وقال

"بفكر ابدأ أنزل جيم"


"اشمعنا؟"

نظر يوسف إليه بدوره


"عشان اما أكبر أكون رياضي جامد"

رد وقهقه يوسف بخفة

"فعلاً!"


"ما تتريقش عليا"

تذمر تيام


"مش بتريق"

رد وتابع تيام

"أنا حتى روحت مرة جيم عمو رياض وقابلت هناك واحد في ثانوي شكله روش جداً وقال أنه بدأ رياضة وهو في سني وإني ممكن ابقى زيه، هخليه يعلمني"


تبدلت تعبيرات وجه يوسف عندما سمع تيام يتحدث عن فتى آخر

"مين؟"


"اسمه محمد"


"اسم بضان"

علق يوسف بإمتعاظ ولم ينتبه أنه قالها بصوت مسموع حتى لاحظ تعبيرات وجه تيام المستغربة

"إنت تعرفه ولا إيه؟"


"لا، بهزر"

برر بسرعة، في الحقيقة كان منزعجاً من فكرة وجود فتى آخر ينافسه على تيام، فقد كان مرتاحاً لفكرة أن يكون هو الوحيد صديقه


"هوريك صورته روش موت"

قال وأخرج هاتفه ثم فتح حسابه على انستجرام وبدأ يريه صوره، كان مراهقاً رياضياً وجسده متناسق، لديه ذقن خفيفة وشعره مجعد مصفف بعناية، يمكنك ملاحظة أنه مراهق نظيف من صوره ومظهره المرتب والأهم شعره الذي يبدو دوماً في أفضل حالاته


"ممكن الجيم يخليني أكبر بسرعة"

كان تيام يفكر كثيراً في موضوع كون مظهره صغيراً


"دا عنده كام سنة؟"

سأل يوسف


"هو في تانية ثانوي، تقريباً ستاشر سنة"

رد تيام ثم أطفأ شاشة هاتفه

"عجبك؟، تيجي معايا؟"


وجده يوسف عرض لا يفوت، لقد طلب منه تيام بنفسه مرافقته، يمكنه التأكد من أن محمد لن يصبح أقرب لتيام منه


"ماشي، هاجي معاك"

رد وشعر تيام بالحماس

"هكلم عمو رياض حالاً"


وهبت عمري للأمل ولا جاشي

وغمرت غيطي بالعرق ما عطاشي

ورعيت لمحبوبي هواه ما رعاشي

والليل عليا طويل، وأنا العليل

موجود دوا بس الطبيب ما رضاشي


كان بسيوني يشغل أغنية الشيخ أمام بينما يقوم بالطهي وفي غرفة الجلوس يتبادل زين وأمجد الأحاديث بينما يلعبان العاب الفيديو بينما يستلقي سليمان على الأريكة ويلقي تعليقات سخيفة على لعبهما


رن جرس الباب وفتح زياد ووجده إنشاد

"يادي النور، رجلك أخدت على البيت"

قال باسماً وإبتسم إنشاد بدوره، كان يحمل علبة حلويات


مدها لزياد الذي أستاء

"إيه دا؟، هتعمل فيها ضيف؟، ما تجيش تاني"


قهقه إنشاد

"دي حاجة بسيطة"


"تيجي بإيدك فاضية بعد كده، معندناش حد بيجي معاه حاجة"

حذره زياد


"دي عشان سليمان، مش مريض برضه؟"

حاول التبرير


همهم زياد مفكراً

"ماشي، بس ما تعملهاش تاني، احنا مش حارمينه من حاجة"


دخل إنشاد والقى التحية، فقد أمجد تركيزه وخسر في اللعبة

"هاي!"

رد التحية وتنهد بضيق لأنه خسر


"اومال مُلهم فين؟"

سأل إنشاد قبل أن يجلس على الأريكة


"مع تاليا، بيشتروا لبس جديد"

رد زين ثم قال

"ما تيجي تلعب معايا كده بدل اللوزر دا اللي بيخسر من الصبح"


"دنتا بضين"

علق أمجد ثم مد ذراع اللعب لإنشاد الذي شكره بود وبدأ يلعب، كان بارعاً ويربح لعبة تلو الأخرى


"إنت إزاي شاطر في كله؟"

سأل زين


"عشان فاضي"

رد بإختصار


"أنا شاطر في الطاولة"

قال أمجد لأنه اراد أن يثبت أنه ليس فاشلاً في كل الألعاب وعندها رد إنشاد

"فاين، هاتها نلعب"


نهض أمجد وذهب لغرفته ليفتش عن اللعبة حتى وجدها، وقبل أن يخرج من الغرفة شعر بأنه لا يريد اللعب معه في غرفة الجلوس، نظر لغرفته الفوضوية وترك اللعبة على الطاولة ثم بدأ يجمع الملابس من على الأرض بسرعة ويرميها في سلة الغسيل، جمع الأوراق ورماها في سلة القمامة ثم رش من عطره في الغرفة، رتب سريره سريعاً وشغل المكيف ثم خرج وهو يحمحم ويرتب ما سيقوله


إستغرب إنشاد عندما وجده عاد بأيدي فارغة بعد كل هذا التأخير

"ملقتهاش ولا إيه؟"


"لقيتها، تعالى نلعب في اوضتي"

لم يضف أي شيئ آخر لأنه كان مرتبكاً وبدأ يفكر بأن طلبه فكرة سيئة وأن إنشاد لن يروق له قضاء الوقت معه، فهو أتى فقط لمُلهم وزين وليس من أجله


قطع أفكاره استقامة إنشاد واقفاً

"فين أوضتك؟"


إستغرب أن إنشاد وافق ببساطة وحل الصمت لثواني حتى إستوعب صمته وقال بإرتباك وهو يشير للممر

"هنا، من هنا"


بدأ يسير وتبعه إنشاد بينما يسمعان صوت الشيخ إمام


والعشق زين

العشق زين بس الهموم سبّاقة

والشوف حديد

والشوف حديد بس الغيوم خنّاقة


.


أنا بعشق البحر





وهبت عمري للأمل



.


20. على نياته

كان إنشاد يجعل أمجد يجرب مشاعراً لم يسبق له الشعور بها من قبل، صوته، أي لمسة بسيطة بينهما، قهقهاته، أي حركة يقوم بها حتى لو كان يجلس على الأريكة بصمت ويتفقد هاتفه


كان يجذبه بشكل خاص، وكان جاهلاً للسبب، هل لأنه رجل وسيم؟، ولما يراه رجلاً وسيماً؟، الا يفترض أنه مغاير الميول؟


كان أحياناً يجد نفسه يتلصص على تفاصيل وجهه ويتأملها بهيام، كيف لرجل بأن يكون بكل هذه الوسامة؟، بل السؤال هو كيف له أن يراه بكل هذه الوسامة اليس رجلاً مثله؟


قبل أشهر فقط كان يسأل زين بإستغراب عن حبه للرجال مقتنعاً بأن هذا خيال وغير حقيقي، ولكن هاهو الآن يفعل نفس الشيئ


كان إنشاد دائماً ملفتاً، يسمع المغازلات بإستمرار بشكل روتيني، لذا كان أمجد يراه صعب المنال، بل مستحيل فهو لا يعترف حتى لنفسه بإنجذابه إليه، ويحاول تشتيت نفسه


كان مستغرباً فلم يسبق له أن جذبه أحد بهذه الطريقة إلا عندما كان في الإعدادية، كان معجباً بفتاة ويراقبها دوماً، ولكن لم يصل الأمر لدرجة ارتباكه من صوتها، لذا كان مستغرباً من ردات فعله تجاه إنشاد


وقف في المطبخ يعد لنفسه كوب شاي البابونج لأنه كان يعاني من الأرق من كثرة أفكاره


انقطع التيار الكهربائي وشعر أمجد بالقلق فهو يخاف الظلام ويشعره بالإختناق، بدأ يمد يديه باحثاً عن هاتفه حتى تذكر أنه تركه في غرفته، بينما يسير بأنفاسه متلاحقة بسبب شعوره بالإختناق إصطدم بأحد وكاد يسقط لولا أنه أمسك به ثم رأى ضوئاً، كان إنشاد قد شغل مصباح هاتفه


"سوري، فوني كان مهنج، عقبال ما شغل الكشاف بقى"

إعتذر وأفلت أمجد ليقف بإعتدال بدون مساعدة 


كان إنشاد قد أصبح كسليمان، جزء من العائلة ويزورهم بإستمرار وينام في المنزل، لقد قام بسيوني وزياد بتعديل المنزل وزيادة عدد الغرف لهذا السبب بالأخص، ارادا أن يكونا والدي أي طفل تعرض للنبذ


"هو النور قطع؟"

سأل أمجد وإستوعب غباء سؤاله بعد أن طرحه


"تصدق مفكرتش إن ممكن يكون في ماس كهربي، استنى أشوف البيوت جمبنا منورة ولا لا"

بدأ يسير للشرفة وتبعه أمجد لأنه لم يرد البقاء في الظلام


كان الهواء في الشرفة منعشاً، والمنازل حولهم مظلمة بالكامل

"يبقى النور قطع"

قال إنشاد بعد رؤية المنازل المظلمة


"الجو حلو"

علق إنشاد ثم سحب مقعداً وجلس ثم نظر لأمجد

"ما تقعد إنت كمان"


سحب له مقعداً

"اقعد"


نظر أمجد للكرسي لثواني ثم جلس عليه، كان يشعر بالتوتر وبدأ يهز ساقه وعندها سأله إنشاد

"عايز تدخن صح؟"


توقف عن هز ساقه لينتبه إليه

"أيوة بس علبة سجايري مش معايا"


"تعالى نجيبها من الأوضة"

رد ببساطة ثم استقام واقفاً ورافق أمجد لغرفته، أحضر علبة السجائر والولاعة وهاتفه ثم عادا للشرفة


أشعل سيجارة وشعر ببعض الإسترخاء وهو ينفث دخانها، لما إنشاد بكل هذا اللطف؟، ولما يعجبه الأمر؟، في العادة كان ليجد رجلاً كإنشاد مزعجاً، رجل وسيم ولطيف، لا يحب الرجال الرجال الوسيمين واللطفاء بل يغارون منهم


"شكلك هادي أوي، مش فاهم إزاي كنت بتتخانق مع سليمان كتير"

علق إنشاد فهو لم يرى أمجد غاضباً ولو لمرة واحدة


ولاحظ أمجد للتو أنه يصبح اليفاً في حضور إنشاد، لما يفعل هذا؟، ولما يصبح جسده في حالة توتر قصوى قربه؟


"سوري، بضنتك ولا إيه؟"

صمت أمجد جعل إنشاد يعتقد بأن جملته كانت سخيفة 


لم يرد أمجد أن يعتقد إنشاد أنه لا يحب رفقته، رغم أنه يرتبك من قربه لكنه يحب هذا الشعور

"لا، أنا بقيت هادي مؤخراً"


شعر إنشاد بالقلق وسأله بجدية

"كله تمام؟"


إستغرب أمجد فهو غير معتاد أن يسأله الغرباء عن حاله، فحتى والده نفسه لا يهتم لتلك الدرجة، هو يحاول ولكنه لم يصل لأفضل نتيجة بعد

"إيه؟"


"بتقول بقيت هادي مؤخراً، كله تمام؟، حاجة ضايقتك؟، مش قصدي أكون حشري، أنا بسأل بحسن نية بس، ممكن ما تردش لو مش حابب"

كان لطيفاً وحريصاً وهذا ذكره بزياد


"هو إنت دايماً هادي كده؟"

سأل أمجد وعندها قهقه إنشاد

"لا"


"بجد؟"


"أنا بلعب سلة وبوكسينج عشان أفرغ طاقتي بدل ما أمسك الناس أعجنهم"

رد ضاحكاً


بدأ أمجد يفكر كيف سيبدو إنشاد وهو يتشاجر، وكيف سيشعر إن رأى هذا الجانب منه، هل سيزيد إعجابه أم سيقل؟، لا يدري


عادت الأضواء للعمل وعندها قال إنشاد

"اهو الكهربا رجعت، هسيبك بقى تسجر براحتك، نايتي"


غادر وتركه وعندها تنهد بتعب ثم اراح ظهره على الكرسي وأغمض عينيه 


لما يمنحه هذا الشعور؟، الم أسفل المعدة، لكنه ليس مستائاً منه، فهو يجعله يشعر بالإثارة


فتح حساب إنشاد على فيسبوك وبدأ يفتش في صوره، حتى في الإعدادية التي يبدو بها الجميع سيئيين مظهره كان جيداً


لقد عرف معلومات عنه من خلال مُلهم، وتأكد بأنه لديه جانب عصبي حقاً، يحب الروائح الهادئة، كما يحب الكتابة، لديه مدونة ينشر عليها خواطره وأشعاره، يكتب عن الحب، يناسب هذا مظهره تماماً


وجبته المفضلة هي سمك الرنجة المدخن، لكنه لا يأكلها بكثرة لأنها تحتوي الكثير من الأملاح، مشروبه المفضل هو خليط من المياة وأوراق النعناع وشرائح الليمون وقطع الخيار، يحب شربه أثناء اداء تمارينه


لونه المفضل هو الأصفر، الذي يتلألأ بمثالية مع لون عينيه، وأحياناً يميل للأخضر الفاتح والأزرق الملكي


لديه شقيقة واحدة وهي جميلة مثله، ولكن عندما رأى أمجد صورتها لم يشعر بأي انجذاب تجاهها


كان يعتقد أن إعجابه بإنشاد سطحي وسيختفي بعد أن يعرفه أكثر لكنه كان يصبح مسروراً أكثر كُلما حصل على معلومة جديدة عنه وكُلما تقابلا بالصدفة في منزل بسيوني


بينما يشتري كوب قهوة مثلجة من قاعة الطعام في الجامعة رأى إنشاد يتحدث مع طالبة، ومع نهاية حديثه مسح على رأسها، ولم ينتبه أمجد لنفسه إلا بعد أن سحق كوب القهوة 


رماه في القمامة بغضب ثم ذهب لقاعة محاضراته وكان غاضباً ما تبقى من اليوم حتى عودته لمنزله، إستغرب رياض لأن أمجد كان هادئاً منذ مدة، لما عاد للغضب؟


"حصل حاجة ضايقتك؟"

سأل رياض بحرص


"ملكش فيه"

رد بإنزعاج وقرر رياض تركه كي يهدأ 


وضع الوسادة على رأسه محاولاً كتم أفكاره، لما يشعر بكل هذا الغضب لرؤيته إنشاد يتعامل بلطف مع فتاة؟، هل لأنه ربما قد تجمعه بها علاقة؟، هو لم يعرف أبداً هل إنشاد رجل مغاير أو مثلي، لكن ما تأكد منه هو أنه حقاً يحمل مشاعر إعجاب تجاهه، لقد جعله يشعر بأشياء لم يسبق أن شعر بها من قبل


"أمجد!"

استفاق من شروده بينما يقوم بالتمرن في النادي الرياضي على صوت إنشاد، بعد أن انقطع لمدة أسبوع عن زيارة منزل بسيوني لأنه كان غاضباً ولا يريد رؤية إنشاد


كان هو من يناديه

"هاي!"

إبتسم بتصنع 


"فينك يا عم ما بلاقيكش عند بيسو الأيام دي، بضناك ولا إيه؟"

كان يسأل بمرح كعادته


"مشغول، امتحاناتي قربت"

برر ولم يكلف نفسه عناء تصنع الإبتسام


"ربنا معاك"

رد إنشاد ثم ناداه رجل آخر وبدأ يتبادل معه أطراف الحديث وشعر أمجد أنه مهمش، رغم أنه كان غاضباً وينوي تجاهله


نهض ليستخدم جهاز المشي وكان شارداً لذا تزحلق وسقط على ركبته ثم وجهه، لم يشعر بأي شيئ بعدها من شدة الألم وعندما فتح عينيه وجد إنشاد ينظر إليه بقلق

"سامعني؟"


"أيوة، تمام، تمام"

رد بتملل وإعتدل جالساً وعندها رأى جرح ركبته وشعر بالألم، كذلك شعر بالألم في أنفه وشفتيه


"تعالى معايا، هوصلك"

قال وساعده في النهوض، كان ليرفض لكنه لم يستطع إبعاده عندما أمسك بيديه


أخذه لسيارته وقال

"ما تقلقش، في صيدلية هنا هجيب مطهر وشاش وكحول بعدين نكمل لبيت بيسو"


"بس بيسو مش بابايا"

كان يشعر بأن إنشاد يتعامل معه وكأن زياد وبسيوني والديه، ولسبب ما إعترض، وكأنه أراد أن يعرفه إنشاد أكثر، وأن يسأله عن نفسه ليعرفه بشكل أفضل


"عندك مشكلة في انك تروح بيته؟"

سأل بإستغراب


"لا، بس حاسس إنك بتتعامل كأنه والدي"


"بس بيسو وزيكو معتبرينك ابنهم فعلاً، زاي ار سو كايند"


"فعلاً، بس في الحقيقة هما مش أهلي"

كان يحب علاقته ببسيوني وزياد ولكنه أيضاً يريد رياض في حياته وينتظر إهتمامه


"هيزعلوا أوي لو سمعوا كده، هما بيعتبروك ابنهم، مش بأنبك بس حاول ما تفكرش فيهم إنهم أغراب"

قال ثم أدار مفتاح السيارة


بعد وصولهما للمنزل ورؤية حالة أمجد فزع زياد وبسيوني وبدأ كل واحد منهما يقدم الدعم لأمجد، من خلال تنظيف الجرح وتعقيمه ثم تضميده وتوزيع القُبلات على وجه أمجد


لن ينكر بأنه ممتن لوجود بسيوني وزياد في حياته، فهُما الداعم الأول له، أكثر حتى من والده الذي مازال يتعلم


مال إنشاد وقبلَ رأس أمجد بدوره، وكان الأمر صادماً لأمجد لدرجة أنه توقف عن التنفس لما يقارب الدقيقة ودقات قلبه تتصاعد بجنون


لما هذا الرجل يربكه لتلك الدرجة؟


.



21. حل سحري

"دا يوسف صاحبي"

كان تيام يعرف يوسف على محمد في النادي الرياضي


"عارفه"

قال محمد ومد يده لمصافحة يوسف الذي إستغرب

"إزاي؟"


"أخويا الصغير معاكم في المدرسة، اسمه عمرو"


"عمرو المليجي؟"

استفسر يوسف ورد محمد

"بالظبط"


"مش شبهك خالص"

علق يوسف وقهقه محمد

"فعلاً، كلهم بيقولوا كده"

أضاف بعدها

"بس إنت آخر حد يتكلم عن الإختلاف وإنت مصاحب تيام"


"ليه؟، ماله تيام؟"

رغم أنه متأكد كل التأكد أن تيام لا يشبهه لكنه إنزعج من جملة محمد


"ملوش، بس انتم مش شبه بعض خالص، مع إن شكلكم صحاب أوي"


"عادي"

رد وشعر تيام بالتوتر في الجو لذا تتدخل

"مش هتسخن ولا أيه؟"


سحب يوسف ليذهبا لجهاز المشي ليتجهزا للتمرين، كان محمد لطيفاً وفي النهاية قرر يوسف مصادقته بدلاً من الإستياء منه، وبعد إنتهاء التمرين وجد تيام شارداً


"مالك كده؟"

سأل بقلق ورد تيام فوراً بدون تفكير

"أنا مش عايزك تصاحب محمد"


إستغرب يوسف

"هو مش إنت اللي عرفتني عليه وقولت عايزنا نبقى أصحاب؟"


شعر تيام بالضغط

"خلاص"

كان سيفر هارباً لكن أوقفه يوسف

"تيام لو سمحت كلمني زي ما بكلمك"


حل الصمت لثواني حد رد تيام

"أنا تافه أوي، هتلاقيه أحسن مني وهتسيبني"


تفاجأ يوسف مما سمعه، حتى الآن لا يثق تيام بأن علاقتهما مميزة!، ويعتقد أن يوسف سيستبدله 


"مفيش حد أحسن منك"

قال يوسف بجدية كي لا يسمح تيام بفهم الجملة بطريقة أخرى


أخذ شهيقاً عميقاً ثم زفيراً هادئاً

"تيام إنت عارف أنا أعرف كام حد؟"


أومأ تيام بالسلب وعندها أكمل يوسف

"كتير، بس ولا واحد منهم يقدر ياخد مكانك، لو حد منهم فكر بس يحط نفسه في مقارنة معاك هقطع علاقتي بيه، إنت محدش يقدر ياخد مكانك"

كرر جملته مرتين ليؤكد لتيام حديثه


بدأ يذرف الدموع ويوسف يمسحها بلطف، كان تيام يعاني من الخوف من الهجران بسبب هجر والدته له، لذا كان يشعر بأن يوسف سيتركه في أي لحظة لأنه ليس شخصاً مميزاً، فوالدته نفسها تركته، فكيف بشخص ليس من عائلته؟


ضمه يوسف لحضنه وبدأ يربت على رأسه ويكرر له بأنه لا بديل له، وأنه يحبه هو فقط، وأنه شخصه المميز


نفسي اللاقي الدنيا مرة حققتلي حلم عادي

ووقفت سير المجرة لأجل ما تجمعنا لحظة

بره عن كل المشاهد

واننا تجمعنا دايره

قطرها كان سنتي واحد


كان مُلهم يشغل أغنية لفرقة هوس بينما يجلس على المقعد الهوائي في غرفته يضع حاسوبه على فخذيه ويقوم بالكتابة على مدونته، يجلس مقابلاً له على المقعد الخشبي إنشاد الذي يكتب بدوره على هاتفه 


كان قد أشعل شمعة معطرة برائحة العود، كان جزئاً من طقوس الكتابة بالنسبة لمُلهم، عندما تصبح الكتابة صعبة يقوم بإشعال شمعة معطرة، يطفئ أضواء الغرفة القوية ويشغل المصابيح الصغيرة فقط، ويشغل أغاني لم يسمعها منذ مدة، كان هذا يساعده على الكتابة


كانت كجلسة للكتابة المشتركة بينه وبين إنشاد، وكان سليمان على حق فقد إحتاج مُلهم إنشاد في حياته، ساعده في الكتابة وعلمه أشياء جديدة


انفتح الباب قاطعاً انسجامهما ودخل أمجد وسأل بإندفاع

"مُلهم هو زين فين؟"


إنتبه بعدها لوجود إنشاد الذي إبتسم

"هاي مجودة!"

القى إنشاد التحية بمرح


"هاي!"

رد أمجد وإبتسم بتكلف بسبب توتره


"زين خرج مع تاليا، في حاجة؟"

رد مُلهم على سؤال أمجد


"لا، أصله مش بيرد على موبايله، قلقت"

رد وهو يدحرج عينيه ليشتت نفسه عن إنشاد


"تلاقيه مش سامعه، أصلهم راحوا يشتروا طلبات الشهر، تلاقيهم مشغولين"


"معاك حق"

قال ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب بحذر، لم يكن يعلم أن إنشاد موجود فلم يخبره زياد بالأمر بإعتبار أن إنشاد لم يعد ضيفاً فقد أصبح جزء من العائلة


"خد ثانية"

ناداه سليمان وأشار له قاصداً أن يقترب


اقترب أمجد بإستغراب، فمنذ الحادث احتكاكه بسليمان كان بسيطاً، وكان دائماً معهما شخص ثالث، فلم يجلسا وحدهما أبداً

"خير!"


"ممكن تروح تشتريلي جلافز عشان البوكسينج؟"

كان سليمان يعمل على احد المشاريع التي كلفه بها أستاذه، لذا كان مشغولاً


"بس أنا ما بفهمش فيها خالص"

رد وعندها فكر سليمان لثواني حتى تحدث بعد أن تذكر شيئاً

"خد إنشاد معاك، هو بيلعب بوكسينج وبيفهم فيهم"


أصبح خفقان قلبه مؤلماً، تنفسه تحول لشبه إختناق، حاول ابتلاع ريقه ليرطب حلقه الجاف لكنه فشل

"إنشاد!"


"أيوة، في مشكلة؟"

قال ببراءة بأكثر نبرة طبيعية


حمحم وحاول أن يكون رده طبيعياً

"لا، بس هو مشغول مع مُلهم"


"مش هيقول حاجة لو طلبت منه، عادي يعني"


ملأ أمجد كوب ماء وشربه ليرطب حلقه، حمحم ثم تنهد، عليه أن يخرج مع إنشاد لشراء قفازات الملاكمة لسليمان، الأمر عادي اليس كذلك؟


توقف عند غرفة مُلهم وبدأ يفكر في الهرب لكنه في النهاية استجمع قوته، أمسك المقبض وقبل أن يفتحه فتح إنشاد الباب وتفاجأ كليهما برؤية بعضهما


"هاي!"

القى إنشاد التحية ضاحكاً


"هاي!"

رد لاهثاً وهو يحاول تنظيم أنفاسه


"أنا ماشي بقى، باي"

كان يتحدث مع مُلهم أكمل سيره وعندها إستجمع أمجد شجعاته

"إستنى"


توقف إنشاد والتفت إليه 

"أيوة!"


حمحم محاولاً السيطرة على نفسه وأن يتحدث بثقة، هو مجرد صديق لشقيقه مُلهم، لا يفترض به القلق منه، إقترب منه ثم قال

"سليمان عايز يجيب جلافز للبوكسينج، وأنا مش بفهم فيه خالص"


"بس كده!، يلا نجيب لسلوم الجلافز"

إنشاد ودود ويمنح الجميع القاباً


اخذا سيارة سليمان بما أنهما سيخرجان للتسوق من أجله فمن العادل أن يستعيراها


بعد دخولهما لمتجر المستلزمات الرياضية كالعادة كان إنشاد ملفتاً، في البداية يخطف الأنظار بسبب طوله الفارع، وبعد ملاحظة وجهه وشعره يصبح ملفتاً أكثر


"دا مقاس سليمان"

اختار إنشاد قفازين ثم وضعهما في سلة التسوق


"عرفت إزاي؟"

سأل أمجد ببلاهة


"بالإحساس، عادي، بعملها على طول"

رد ببساطة


"هو حضرتك ممثل؟"

سأل فتى مراهق إنشاد ورد الآخر ضاحكاً

"لا"


"هو إنت طويل كده إزاي؟، عايز ابقى زيك"

كان يتحدث بإعجاب ودهشة


"العب عقلة"

ربت على رأسه بلطف


انصرف المراهق في النهاية وعندها سأل أمجد

"إنت طويل عشان بتلعب عقلة؟"


"لا، دي جينات، بس للناس التانية العقلة المفروض بتطول آه"


"على كده هبات في الجيم"

علق وعندها قهقه إنشاد

"ليه كده؟، طولك كويس"


"بس إنت أطول بكتير"


"جينات، أعمل إيه؟، بعدين كفاية نق، هتكفي على وشي دلوقتي"

انهى حديثه ضاحكاً 


توقف عند ركن المشروبات وأخذ زجاجة مزيج من الليمون والخيار وأوراق النعناع

"تشرب ديتوكس؟"


"جربته قبل كده ما حبتهوش"

كان قد سبق وجربه عندما علم أنه مشروب إنشاد المفضل


"ليه كده؟، دا لذيذ خالص"

قال ثم أضاف

"إختار أي نوع تاني أو أي عصير طيب، على حسابي"


تفقد أمجد الثلاجة ثم توقف عند عصير موز بالحليب وإختاره

"خلي بالك عليه بلح وواي بروتين كمان، دا بروتين شيك"

نبهه إنشاد


"أكيد طعمه هيبقى أحسن من العصير بتاعك"

رد وعندها قهقه إنشاد

"ماشي يا سيدي"


"لو سمحت"

التفت إنشاد ورأى فتاة مراهقة ترتدي ملابس المدرسة الإعدادية

"ممكن الانستا بتاعك؟"


مدت له هاتفها وقبل أن يأخذه إنشاد منها سمعا صوت إنكسار، كانت زجاجة البروتين التي كان يحملها أمجد، كان صوت الإنكسار قوياً وكأنه رماها قصداً ولم تسقط سهواً


"إنت كويس؟"

سأل إنشاد بقلق ومد يده ليتفحص يدي أمجد وبعد أن اطمئن أنها سليمة قال

"حصل خير، نجيب غيرها"


إقترب عامل النظافة ليقوم بالتنظيف وأخبره إنشاد أنه يمكنه المساعدة لكنه منعه وأخبره بأن هذا عمله ويكفي أن يدفع ثمن الزجاجة، أخذ إنشاد زجاجة أخرى ووضعها في السلة

"يلا نحاسب؟"


بعد كل تلك الفوضى كانت الفتاة قد إنصرفت لذا هدأ غضب أمجد، دفع إنشاد الفاتورة ثم عادا للسيارة، إستغرب أمجد عندما رأى إنشاد يضع أصبعه في عينه، أخرج عدسة شفافة، كان يعتقد بأنها سبب لون عينيه لكنه وجد عينيه لم تتغيرا، وضعهما في حافظة العدسات ثم أخرج نظارة من جيبه وادار مفتاح السيارة


"إنت بتلبس نضارة؟"

سأل بدهشة


"أيوة، عيني لونها لطيف بس مش شغالة"

رد بنبرة ساخرة ثم أضاف وهو يفرك عينيه

"معرفش بتوجعني ليه، بس تقريباً في ازاز دخل فيها"


"يالهوي!، طب ما نروح لدكتور"

شعر أمجد بالقلق ومال بسرعة على إنشاد، أزاح نظارته بأطراف أصابعه بحذر، واقترب منه لدرجة أن أنفاسهما إختلطت في المنتصف، بدأ يتفحص عينيه بعناية، كان لديه هاجس داخلي، خائف أن يرى أثراً مألوفاً، أثراً يشبه ما أصاب سليمان


"اتس فاين، مش أول مرة يحصل كده، بحتاج عيني تدمع وخلاص"

قال إنشاد بنبرة هادئة، فيها نوع من الاعتياد، وابتسامة ودودة محاولاً طمأنته، وعندها فقط إنتبه أمجد لوضعيته، يداه لا تزالان تحيطان بوجه إنشاد. نظراته غارقة في عينيه، كانت المسافة بين وجهيهما ضئيلة، لدرجة أن كل نفسٍ يصدره أحدهما، يشعر به الآخر، كان أمجد يشم رائحة عطر إنشاد ممزوجة برائحة شمعة العود، الهواء من حولهما صار ثقيلاً


لحظة مشبعة بتوتر كثيف، غير مُعلن، لكن ملموس

حتى أن إنشاد شعر به، عينه اهتزت للحظة، كأنه أدرك شيئاً، نظر أمجد إلى شفتي إنشاد، ثم عاد بسرعة إلى عينيه، وكأن التحديق الطويل صار سؤالاً

وللحظة تساءل أمجد، ماذا لو قبّله؟


ماذا سيحدث لو استسلم لتلك الرغبة الصغيرة التي تختمر بداخله منذ فترة؟


بوق سيارة قطع الصمت، أعاد عقارب الوقت إلى الحركة ارتبك أمجد وابتعد بسرعة ليعود لمقعده كمن فُضح سره، أما إنشاد، فعاد بيديه إلى المقود، أدار السيارة بهدوء وأفسح الطريق للسيارة المارة، دون أن ينبس بكلمة


.


حل سحري



.

22. مافي غيره

"اليوم دا كنت حاسة إني هموت، كان هيقتلني، ومكانش لوحده، كان بيقول أنه عايز يخلع ضوافري من مكانها، ووهو بيهزر مع أصحابه وعشان حظي كان حلو السلسلة مكنتش مربوطة كويس، فا عرفت أجري، ومع إن جسمي مكنش سليم بس مكنش عندي أي مشكلة في الجري، كنت مذعورة ورجلي بتجري بأسرع ما عندي، الراجل دا مجنون، كان بيضحك هو وأصحابه وبيمشي على مهلة، وكأنه متأكد إني عمري ما هعرف أفلت منه، جريت كتير، وفعلاً كنت بدأت أفقد الأمل عشان المكان مقطوع، بس لحسن حظي لقيت أخوكي، في البداية خفت منه لأنه راجل بس قلت كده كده أنا ميته، على الأقل أجرب حظي"

كانت لبنى تروي تفاصيل اليوم المشؤوم


"أنا مش هسيب الراجل دا"

قالت تاليا وعندها قالت لبنى بسرعة لأنها شعرت بالقلق

"ما تهزريش، دا راجل واصل وخطر جداً"


"يبقى متعرفش سليمان أخويا، مفيش أخطر من عيلته، دول قبل كده في ظابط وقفهم في كمين قاموا خطفوه وطلعوا ميتينه والشرطة قدمتلهم إعتذار كمان"


"يالهوي!، دول عربان ولا إيه؟"

كان مشهور عن القبائل العربية كونهم لا يخضعون للقوانين، وأن الشرطة تخشاهم


"بالظبط"


"أصلك من العربان!"

سألت بدهشة فقد كانت تعتقد أن سليمان شقيق تاليا حقاً وليس مجازاً


قهقهت تاليا بسبب ردة فعلها

"لا، سليمان مش أخويا حرفياً، بس متربيين معاه، يعني البيت اللي عايشين فيه أصلاً كان بيته المفروض"


"شكله بيحبكم أوي"


"دا حقيقي، واحنا كمان بنحبه"

ردت بتلقائية، كانت صادقة فقد كانت تعتبر سليمان شقيقاً لها


"عيلتكم حلوة أوي"

قالت بتلقائية ثم أضافت

"مش قصدي أحسدكم، بس إنتم عيلة حلوة فعلاً"


"مش بؤمن بالحسد، براحتك، وتقدري تكوني جزء من عيلتنا"


"بجد!"

سألت بتفاجوء ممزوج بشك


"أيوة، عيلتنا مفتوحة لأي حد محتاج عيلة، زيكو كان منبوذ من عيلته فا بقى حلمه إنه يخلي المنبوذين أولاد له، عشان ما يبقوش لوحدهم زي ما حصله، وبيسو شاركه نفس الحلم"

أمسكت بيدي لبنى

"اعتبري نفسك بقيتي واحدة مننا"


تأثرت لبنى لأن عائلتها نفسها قد رفضتها، والآن عائلة أخرى بالكاد يعرفونها، ويعلمون بأمر عملها بالدعارة يتقبلونها بصدر رحب


هل كانت تطلب الكثير من عائلتها البيولوجية عندما ارادت خلع الحجاب؟


"تلعب معايا؟"

سأل مُلهم سليمان الذي رد مستنكراً

"إنت بتستغل إني بعين واحدة دلوقتي ولا إيه؟"


"ممكن أغمي عين أنا كمان، ولا إنت بتتلكك عشان خايف أكسبك؟"


"تكسب مين يا بابا؟، دنا أكسبك وأنا مغمض الإتنين"

أمسك ذراع اللعب


وخسر في النهاية

"شكلك تكسبني وإنت مغمض فعلاً"

سخر مُلهم


"بس يلي أخرك خمسة كيلو"

لمح لكون ذراعيه ضعيفتين وأنه بالكاد يحمل وزن الخمسة كيلو


"دا كتير على فكرة"

تذمر مُلهم 


"كتير للوزرز آه"

قال بغرور ساخراً


"شكلك عايز أمجد يعميلك العين التانية"


"هتعيطله ولا إيه؟"

سخر سليمان


"كده أنا اللي هعميهالك"

كان على وشك لكمه حين سمع صوت بسيوني يسأل

"هو أمجد فين؟"


"خرج يجيبلي حاجة، في حاجة؟"


"لا، كان طالب مني حاجة ونسيت اديهاله، اما يرجع بقى"


"طالب إيه؟"

سأل سليمان بفضول


"وأنا أقولك ليه؟، إيه الحشرية دي؟"

رد بسيوني


"يوه على الكسفة"

قهقه مُلهم مستمتعاً بإحراج سليمان


سمعوا صوت الجرس وفتح بسيوني، كان أمجد وإنشاد

"كويس كنت لسه بدور عليك"

قال بسيوني وأشار لأمجد ليتبعه


دخل غرفته ثم ناوله زجاجة فودكا

"عارف إنها مش أول مرة بس دي أول مرة تطلب مني فا هنبهك تخلي بالك إن محدش يستغلك وإنت درانك"

نبهه بسيوني


"ما تقلقش"

رد أمجد وعندها قبلَ بسيوني جبينه

"انجوي يا حبيبي"


كانت أكبر معضلة في حياة أمجد هو شعوره بالإنفصال عن والديه، مهما حاول الإندماج معهما كان يفشل، لا يمكنه التقرب من والدته لأنه كبير الآن ويخجل من الحديث معها، حتى لو أصبح يزورها مع بشرى فمازال هناك حاجز بينهما، وحاجز بينه وبين رياض الذي لا يفهمه


لقد طلب من بسيوني زجاجة فودكا رغم أنه يمكنه الحصول عليها بسهولة لأنه اراد أن يسمع بسيوني يتحدث معه بإهتمام، فهو يفتقد الإهتمام الخالي من التحكم، كان والده ليتشاجر معه ويصرخ به ويمكن أن يصل الأمر للضرب لو طلب منه زجاجة فودكا، وكان بكل الأحوال سيشرب، بموافقته أو بدونها، لذا إختار إخبار بسيوني


جلس في غرفته وبدأ يشرب وهو يتذكر الموقف المربك بينه وبين إنشاد، وكم كانت عيناه ساحرتين أكثر من المعتاد، رائحة عطره الممزوجة برائحة الشمعة المعطرة كانت مميزة بشكل خاص، تمنحه الم المعدة، التي لا يفهم لما يسمى بالفراشات، الفراشات ليست مؤلمة هكذا!، وكان يرى اسم الباعوض مناسب أكثر، فلسعته مؤلمة وازيزه مزعج، تماماً كشعور الإعجاب الذي يبعث بألم المعدة والتوتر الذي يشوش التفكير


هل هو حقاً معجب بإنشاد؟، أم أنه يشعر بالغيرة منه لأنه رجل بوجه وجسد رائعين؟، فهذه أول إجابة ستحصل عليها أن أخبرت أحدهم أنك أصبحت مهووساً برجل أطول وأكثر وسامة منك، بالتأكيد أنت تغار منه 


لكنه لا يرغب بأن يحصل على وجهه وجسده بهذه الطريقة، بل يرغب بأن يجلس في حضنه ويغرق في عينيه، ينزعج لفكرة أن يحصل شخص آخر على الإهتمام منه، لدرجة تحطيم الأشياء، كما سبق وسحق كوب القهوة، ثم حطم زجاجة البروتين


هذه غيرة ولكن ليست منه بل عليه، هو يكره رؤية شخص آخر يتقرب منه

كيف ستكون ردة فعل إنشاد لو علم عن أمجد شيئ كهذا؟

مشاعره المشوهة ورغبته بجعله له هو فقط


اشعل سيجارة ثم أمسك هاتفه في لحظة ثمالة وفتح محادثة إنشاد على وتساب

"إن"

ارسل ورد إنشاد عليه بعلامة إستفهام


"تصدق حلوة، إن، دلع حلو"


"هو إنت درانك؟"

إستغرب من تحليله السريع

"عرفت إزاي؟"


"عشان عمرك ما حاولت تختارلي نيكنيم قبل كده، أصلاً عمرك ما بعتلي رسالة على وتساب قبل كده، فإن يبقى اولها هبل يبقى أكيد درانك"


كان يكتب ويحذف بسبب تشوش رؤيته من فرط ثمالته ثم اتصل في النهاية ورد إنشاد

"الو!"


قهقه أمجد بثمالة

"صوتك حلو أوي"


"دنتا سكران طينة"

علق إنشاد


"مش أوي، بس مبسوط، أو قلقان، مش عارف، من دا على دا"

كان يتقلب على سريره ويتحدث بعشوائية بدون تفكير


"قلقان ليه؟"

سأل بإهتمام


"قلقان عشان حاسس إن شكلي كده بحبك"

كان يتحدث بنبرة ثملة ويتلعثم أثناء حديثه، تفاجأ إنشاد رغم أنه كان يتوقع الأمر من نظرات أمجد لكنه لم يتخيل أنه سيقولها بهذه السرعة


"ليه حاسس كده؟"

سأل إنشاد


"معرفش، ودا مزعج أوي بجد، أنا مش عارف إنت عاجبني ليه، شكلك حلو آه بس معلش يعني منتاش أجمل راجل في المجرة ما في رجالة حلوة كتير اشمعنا انت؟"

صمت لثواني ثم أضاف

"بس أنا شايفك احلاهم"


تقلب ليستلقي على ظهره وتابع

"عارف فيروز اما قالت في ناس كتير بس ما بيصير غيره؟"


"قصدك في ناس كتير لكن بيصير ما في غيره"

صحح له إنشاد


"مش مهم، المهم أنا فاهمها دلوقتي، عشان في كتير عرفتهم قبلك وبعدك، بس ما ادونيش نفس الشعور، وأنا بجد مش فاهم نفسي"


"وإيه كمان؟"


"اما بشوفك مع حد بتضايق، ما تكلمش حد"


"ليه؟"


"كده، مش عايزك تكلم حد، بتعصب أوي، عارف البنت اللي طلبت الانستا بتاعك، كنت عايز اكسر الازازة على دماغها بس مسكت نفسي"


"هولد اب، دي عيلة"

شعر بالقلق من حديثه العنيف


"يبقى اما حد يطلب منك الانستا ترفض"


همهم إنشاد ثم سأل

"وهتديني إيه في المقابل؟"


"عايز إيه؟"


"إنت تقدر تقدم إيه؟"


"مش عارف، أنا عمري ما ارتبطت ومعرفش بيعوزوا إيه"

رد ببلاهة


"تقدر توقف تدخين؟"

سأل بينما ينفث أمجد دخان السيجارة، فكر لثواني ثم قال

"لو هتبقى بتاعي هوقف"


"كداب أوي، طب لو قفشتك بتدخن أعمل فيك إيه؟"


"هتوديني النوتي كورنر؟"

سأل ساخراً 


"هتعمل وشم على مزاجي في كل مرة تكدب فيها"


"على كده جسمي هيبقى خريطة"

قهقه ساخراً


"يعني معترف إنك كداب؟"


أطفأ عقب السيجارة ثم قال

"مش أوي، بس السجاير ادمان"


"هنوقفها بالتدريج"


"هو إنت ليه مهتم؟"


"هو إنت مش عايزني؟"


"أيوة، بس هل إنت عايزني؟"


"هجرب، يمكن أعوزك، بس اللي متأكد منه إني مش عايز يجيلنا سرطان رئة"

صيغة التثنية في جملة إنشاد جعلت أمجد يشعر بالسعادة، يحب أن يتم ذكره ويكره أن يتم اقصاءه


إنشاد قلق عليه، هو يهتم له

كما أن تلك الصيغة تعني أن إنشاد يخطط للبقاء قربه في الأيام التالية وهذا يعني له الكثير


مشاعر إنشاد تجاه أمجد لم تكن كره أو حب، كانت بسيطة، ليست عميقة كعلاقته بمُلهم وزين وتاليا وحتى سليمان، كانت علاقته بأمجد بسيطة جداً، رسمية جداً، فيما عدى تلك المواقف المحرجة التي تحمل في طياتها توتراً التي جعلته يفكر أن علاقتهما يمكن أن تأخذ منحنى آخر 


لذا قرر إعطاء أمجد فرصة، فهو لا يبدو بكل هذا السوء


.


23. عقدة الأم

"بيسو، زيكو، دي لبنى"

عرفت تاليا بلبنى التي كانت خجلة ومتوترة


"يادي النور"

قال بسيوني بود وأضاف زياد

"تاكلوا إيه؟"


"صوابية سياسية"

ردت تاليا وقهقه بسيوني

"ومالو"


"لبنى عايزة تعرف وجهة نظركم عن الدعارة"

تحدثت بجدية وعندها همهم زياد وسحب مقعداً ليجلس

"اوكاي، يلا نتكلم"


رغم أن لبنى كانت تعمل في الدعارة فلم تكن ترى نفسها شخصاً صالحاً، كانت نظرتها لنفسها كنظرة المجتمع، أنها مخطئة ومذنبة


"الدعارة هي اتجار بالبشر، المجرم الوحيد هو صانع المنظومة دي والسبب في وجودها، ما ينفعش نلوم الضحايا اللي بيتم استغلالهم جنسياً ونقول أنهم السبب، حتى لو كانت البنت نفسها إختارت الوظيفة دي دوناً عن غيرها، كونها واخداها وظيفة مش متعة معناها انها مضطرة عليها عشان تدفع فواتيرها اللي الرأسماليين السبب في ارتفاعها هي والضرايب، لو كانت فعلاً بتعمل دا برغبتها بدون ضغوط مجتمعية مكانتش اخدت فلوس منهم"

تابع بعدها

"ومع إن الدعارة مكانتش هتبقى موجودة لولا الرجالة اللي بتطلبها مع ذلك بيتم وصم الست بس مش الراجل، ودا دليل أكبر أنه إستغلال من طرف واحد"


كانت أول مرة تسمع شخص يتحدث بهذه الطريقة بجدية وليس بسخرية، فالجميع يسخر من فكرة أن يتم وصم الرجل لممارسة الدعارة وأنه شيئ كوميدي خيالي فالرجل لا يعيبه شيئ


تابع بسيوني مكملاً حديث زياد 

"تجار المخدرات مثلاً بيتم التعامل معاهم بحزم وبيتم وصمهم، بس القوادين لا، ولو حصل وتم وصمهم بيشتموهم بالستات، يعني إنه ديوث عشان سايب ست تحت ايده تنام مع راجل، بس لو نامت معاه هو عادي، نظرة ذكورية ناتجة عن السلطة الأبوية، شايفين الست هي شرف الراجل، عشان الراجل مش بيتحاسب على غلطاته، بل بيتم وصم الستات اللي حواليه، أختك مش محجبه، والدتك أتجوزت بعد أبوك، شفت بنت عمك بتكلم ولد، انما لو الراجل نفسه حشاش وبينام في بيوت الدعارة عادي"


كانت لبنى سبق وقرأت منشورات لزياد وبسيوني يدافعان فيها عن النساء ويهاجمان فيها النظام الأبوي ولكن سماع الكلام كان مختلفاً، فيمكن لأي أحد كتابة بعض الكلمات أو سرقتها من مقالات أجنبية وترجمتها والتظاهر بالإقتناع بها ليجذب النساء حوله، ولكن لا يمكن لهم الحديث عن هذا بكل هذه الاريحية كما يفعلان الآن


زياد وبسيوني ليسا مزيفين

هما رجلان يدافعان عن النساء بشجاعة وشراسة ومقتنعان كل الإقتناع بحرية المرأة

ولا يريان بأن هذا يستحق الثناء، فحرية المرأة ومساواتها بحرية الرجل من البديهيات


"عندك أسئلة تانية؟"

سأل زياد بود


بعد تردد دام لثواني سألت

"هو أنا أقدر ابدأ حياة جديدة؟"


"أيوة يا حبيبي طبعاً تقدري"

كان يتحدث معها بود كما يتحدث مع أولاده، ثم أضاف بمرح 

"وتقدري كمان تبقي جزء من عيلتنا، دا لو حابة طبعاً، خلي بالك إحنا عيلة روشة موت"


ساد الصمت لثواني ثم إقتربت لبنى لتدفن جسدها في حضن زياد الذي عانقها بحنان ثم قبلَ جبينها


"نفسي أجرب أشرب"

علق يوسف على مقطع في فيلم حيث كانت شخصية تشرب النبيذ


"قولتلي إن بيسو وزيكو بيشربوا!"

استفسر يوسف لأن تيام سبق وكان قد أخبره عندما فتح الثلاجة ووجد بها زجاجة كحول


"أيوة، مسموح الشرب للكبار وبيسو وزيكو بيجيبولهم لو طلبوا كمان"


"هو إيه الحكمة؟، حاسس إن الكحول مش هيفرق كبير من صغير يشربها، ما ممكن يكون كبير ومتهور أكتر، كمان لو هي شيئ وحش هتبقى للكبير والصغير"


"ممكن تسأل زيكو أو بيسو"


"مش قصدي"

شعر بالقلق فقد إعتقد أن سؤال كهذا سيجعلهما يكرهانه


"بتكلم بجد، اسألهم، بيحبوا الأسئلة، ما بيحبوش الإنصياع بصمت"

قال وعندها شعر يوسف ببعض الطمأنينة


"عاملين إيه يا حلوين؟"

كان زياد الذي حمل صينية عليها كوبي شاي بالحليب وطبق كعك


"زيكو، يوسف عايز يسألك حاجة"

قال تيام وتوتر يوسف، وكأنه لم يسمع جملة تيام التشجيعية، فقد كان معجباً بزياد وبسيوني وقلق من أن يرياه مجرد فتى مزعج يتذمر


وضع زياد الصينية على الطاولة وقال بود

"أكيد، اتفضل"


تردد يوسف وشجعه تيام 

"ما تقلقش"


تشجع يوسف في النهاية

"ليه حاطين سن معين للشرب مع إنه مضر للصغير زي الكبير؟، وممكن الكبير يكون أصلاً متهور والصغير عاقل"


"حاطين سن عشان نحاول نحميكم لسن معين على الأقل، الكحول مش وحشة بالكامل، ادمانها اللي مؤذي، وأكيد لو كنت كبير وادمنتها هنتدخل عشان نساعدك، أصلاً أغلب الكحول طعمها معرص فا الغالبية بيدوقها ويرجع، أو بيشرب خفيف، صحيح أعرف ناس مدمنة بس دول بيستخدموا الكحول كسيلف هارم، كطريقة لإيذاء نفسهم مش كشيئ ممتع، بتمنالهم الأفضل بس مقدرش أحشر نفسي، أنا آه دكتور بس مش دكتورهم، ولازم هما اللي يختاروا التعافي، عشان كده مش بنقرر لحد"


إستطرد

"بزمتك لو عايز حاجة وأهلك رفضوا مش هتعملها من وراهم؟"


فكر يوسف وقال زياد

"رد عادي، طبيعي تعمل اللي عايزه، مش هجادج، دي حاجة عادية"


أومأ يوسف

"أيوة، لو ممكن أعملها من وراهم هعملها"


"عشان كده بنتناقش مع اولادنا ونوصل لحل وسط مش بنجبرهم على حاجة، عشان كده كده هيعملوا اللي في دماغهم، ولعلمك الشرب مش ممنوع للمراهقين بالكامل، لو جيت طلبت مني تجرب هشربك عادي، أصلك لو ماشربتش قدامي هتشرب من ورايا، وأنا أحبك تشرب قدامي وأضمن إنك تكون كويس ومتتعرضش للإستغلال أو أي اذى خلال التجربة، وكده كده طعمها عرص ومش هتحبها، يمكن تشرب تاني أما تكبر بس مش هيبقى عندك الحماس والفضول اللي بيكون عند المراهقين المكبوتين، أما تمنع عن مراهق حاجة بتخليه مهووس بيها أكتر، هتخبي عنه معلومات جنسية هيعرفها بطرق وحشة وممكن يتعرض للإستغلال، هتمنعه من خروجات معينة هيقولك عندي درس وهيروحها، هتشرط عليه حاجة هيعاند، وهيحس بنشوة ولذة في أنه بيعاند وبيعمل حاجة ممنوعة فا بيعملها كتير ويجيب آخرها كمان، لو سايسته هتوصلوا سوا لحل وسط يرضي الطرفين، هو يبقى راضي وإنت متطمن"


أضاف بنبرة ساخرة

"أنا بقى بحرم عيالي من لذة إنك تعمل حاجة ممنوعة من ورايا لإني مش بحظر حاجة بدون رضاك ودايماً تقدر تتناقش معايا"


كُلما سمع يوسف زياد أو بسيوني يتحدثان كُلما زاد إعجابه بهما، وكُلما فكر كم أن عائلته بعيدة كل البعد عن عائلتهما، كان لديه جزء صغير يحسد أي أحد يرعاه والدان كزياد وبسيوني


"لو عندك أي طلب أو سؤال قول ما تتكسفش"

قال زياد بود وبإبتسامة


"لا، دا كان سؤالي، شكراً"

رد بإحراج وربتَ زياد على رأسه بحنان

"ما تشكرنيش إنت زيك زي تيام بالنسبالي، لو احتجتوا أي حاجة أنا موجود عشانكم"


وللحظة قرر يوسف أن يتخلى عن صلابته، ومال على زياد ودفن رأسه في حضنه، عانقه زياد ومسح على ظهره بلطف ثم قبلَ رأسه


"سلامتك يا حبيبي"

قال بحنان جعل يوسف يجهش بالبكاء، بدأت الدموع تتجمع في عينيه وبدأ ينتحب وتعالت شهقاته، كان يشعر بالأسف على نفسه، أنه مثير للشفقة حتى في نظر نفسه، فليس لديه والدين يهتمان لأمره ربع إهتمام زياد وبسيوني 


كيف لشخصان لا تجمعه بهما أي صلة عائلية أن يكونا الطف من والديه؟، كيف لرجلان في مجتمع لا يشارك به الرجل في التربية إلا بماله أن يكونا جيدان لهذه الدرجة وأحن عليه من والديه البيولوجيان؟


"إزيك يا ماما؟"

القى سليمان التحية بمرح على والدة أمجد


"يالهوي!، عينك مالها؟"

تفاجأت فلم يخبرها أحد عن الحادث وهذه أول مرة تأتي بها لمنزل بسيوني لزيارة أمجد وبشرى اللذان يقضيان معظم وقتهما مع بسيوني وزياد


"بسيطة، أصلاً يومين وهشيلها، ما تقلقيش"

رد باسماً وهي بدأت تسأل عن السبب وكان أمجد يشعر بالغيرة والتهميش


كان يتمنى لو يحصل هو على هذا الإهتمام، هل يفقع عينه ليهتم والديه به؟


"مساء الخير"

كان إنشاد الذي دخل وهو يحمل كيس تسوق مملوء بأنواع مقرمشات مختلفة تجهزاً لليلة الأفلام التي اعتادوا عليها كل يوم جمعة


"هاي طنط!"

القى التحية باسماً وصافحته والدة أمجد بحرارة وهي تتفقد مظهره ووجهه

"مين الواد الحلو دا؟"


قهقه إنشاد

"دا من ذوقك، أنا إنشاد"


"وأنا والدة أمجد وبشرى"

عرفت بنفسها وعندها إتسعت إبتسامته

"وأنا أقول النور دا جاي منين؟"


قهقهت والدة أمجد

"بكاش!"


كانت مشاعر أمجد مشوهة، لا يعلم كيف يفترض به أن يشعر مع لقاء والدته بالرجل الذي يحمل تجاهه مشاعر الإعجاب


هو يريد الإهتمام من والدته ومن إنشاد، وجودهما معاً محير، ماذا لو حصل على الإهتمام من كليهما؟


لم يكن أي أحد يفهم مقدار الجرح داخل أمجد بسبب إنفصال والدته عنه عاطفياً، ومهما فعل كان يشعر بأنه مازال بعيداً عنها، يحبها بشدة ويريد إهتمامها لكن لا يمكنه الطلب، يشعر بالخجل والعار والخوف


مازال يشعر بأنه الطفل الذي تركته والدته وتزوجت، مازال يشعر بأنها تخلت عنه، مهما كان يردد بأن لها كامل الحرية بالزواج، وبالفعل كان مقتنعاً بأنها لم تقم بشيئ خاطئ، فهذا لم يمنع أفكاره ومشاعره التي تتردد بأن والدته لا تحبه 


"جبت لعبة نلعبها سوا"

لوح بكيس بلاستيكي


"إيه دي؟"

سألت بشرى بفضول


"دي لعبة عائلية جداً، لطيفة كده"

أخرجها من الكيس، كان صندوقاً يحوي مجموعتي أوراق، تحدي وصراحة، ومكتوب أنها لعبة للعائلة


"أول مرة أسمع عنها"

قالت والدة أمجد وهي تتفقد الصندوق بدهشة


"كويس، العبوا سوا وأنا هساعد بيسو"

قال وهمَ بالذهاب لكن أوقفه أمجد

"العب معانا"


"إيه!"

إستغرب إنشاد ثم أضاف

"دي عائلية"


"عادي، العب معانا"

كان يشعر بالتوتر لفكرة اللعب مع شقيقته ووالدته فقط، عائلته تشعره بتوتر مفرط 


شعر إنشاد بقلقه لذا وافق كي لا يحرجه

"اوكاي، يلا نلعب"


.


24. مسرح جريمة

[منشور على تويتر]

"الواحد تعب من أنه بينحت في الصخر في مصر، نفسي اهاجر بجد"


[خانة الردود]


"ما تهاجر يا منحط يا دوني، مصر مش عايزاك ولا عايزة اشكالك أصلاً"

[الردود]

"مهو لو نعرف نمشي كنا مشينا هنستنى التأشيرة تطلع من طيزك يعني"


"المنحطين اللي زيك هما اللي بوظوا البلد يا ولاد الكلب"


فتح صفحة المعلق ووجد لديه تغريدة

[مصر هي أمي]

ضغط على اعادة النشر مع إضافة تعليق

[كسمك]


احب اشوفك كل يوم يرتاح فؤادي

والقلب داب من البعاد يا طول عذابي

يا سيدي شوف ذلي اليك والامتثال

حرام عليك ارحم ودادي


فتحت عينيها وهي تشعر بشفتين تُقبلانها وعندها إبتسمت بسعادة، مدت يديها لتحيط بها رقبة لبنى ثم سحبتها أكثر لتبادلها القُبلات


"صباح الخير"

قالت باسمة ثم قبلت خدها


اعتدلت تاليا جالسة ثم نظرت لساعة هاتفها

"هروح الحق الإمتحان"

قبلت شفتي لبني ثم استقامت واقفة لتدخل الحمام


بدلت ملابسها ورتبت مظهرها ثم قبلت لبنى قبل أن تخرج

"مش هتأخر"


خرجت بسرعة وأخذت مفاتيح السيارة، نهضت لبنى وسارت للمطبخ حيث يتناول زياد وبسيوني الإفطار مع سليمان


"صباح الخير، تعالي كلي"

ناداها زياد


إقتربت وسحبت مقعداً وجلست، كان منزل زياد وبسيوني مريحاً لأقصى درجة، كانت تعتقد أنها ستشعر بالغرابة بينهم لكنها شعرت بالراحة حولهم بسرعة، وكانت تتصرف بحرية أكبر من حريتها في أي مكان سكنته


"هنروح النهاردة نحضر حفلة هتشارك فيها بشرى، في الاوبرا تيجي معانا؟"

عرض بسيوني على لبنى


"بس أنا معرفش بشرى"

شعرت بأن وجودها سيكون مزعجاً وأنها متطفلة فهي بالكاد تعرف بشرى من حديث تاليا عنها فقط، ورأتها بضعة مرات لكنها لم تتحدث معها


"مش إنتي بقيتي من عيلتنا؟، خلاص بشرى بقت أختك"

رد بسيوني ببساطة


"معنديش لبس مناسب"

ردت في النهاية وقال زياد

"نشتريلك، بسيطة، أنا كده كده كنت نازل اشتري حاجات، تعالي معايا نشوفلك لبس للاوبرا"


وافقت لبنى في النهاية وخرجت مع زياد واختارت فستان أسود يصل لتحت الركبة، رتبت شعرها وذهبت بصحبتهم للأوبرا لتشاهد العرض، وهناك قابلت رياض وإبراهيم، كانا مختلفان عن زياد وبسيوني ولكن إبراهيم كان من الواضح أنه قريب جداً من زين الذي عانقه بحميمية وقبل خده وناداه بلقب (هيما)


كيف تقوم هذه الأسرة بنشر الحب في أي مكان يذهبون إليه؟


"يا بضاني السودانيين في كل حته، حتى بقوا في عيلة زين كمان، هيطلعولنا فين تاني؟، ما يرجعوا بلدهم بقى"

تذمرت طالبة بعد أن سمعت موسى يتحدث باللهجة السودانية، وعندها فتشوا خلفه وعلموا بأمر والده السوداني، كانت تتحدث بصوت مسموع قاصدة أن يسمعها موسى، فهُم دائماً وقحين عندما يتعلق الأمر بالجنسيات الأخرى 


"ابعد كده"

دفع زين موسى ليفسح له وسار للفتاة ثم قال

"هو مش ابوكي برضه شغال برا مصر وعشان كده عارف يدفع مصاريف الكلية اللي بتمن عربية دي؟، قولي لابوكي يرجع لكسم بلده وتعيشوا عيشة اهلكم بقى"


"بابا شغال بمجهوده مش لاجئ"

حاولت الدفاع عن نفسها وكانت تظن أنها ربحت النقاش


"واخد وظايف اهل البلد اولى بيها سويتي، اما كل واحد أهله برا البلد المتناكة دي يرجعولها ابقوا اتأمروا"

عند تلك النقطة لم تستطع الرد


لقد حادثها بنفس الطريقة التي يحادثون بها اللاجئين واصحاب الجنسيات الأخرى العاملين في مصر، رغم أنهم يتذمرون من العنصرية ضدهم في الخليج فهذا لم يمنعهم من التصرف بعنصرية ضد الجنسيات الأخرى في مصر ومطالبتهم بالرحيل 


لم يعد زين يهتم بالقومية أو غيرها فقد رأى بأن الناس يستخدمون القومية كغلاف لعنصريتهم، أنا أحب مصر لذا أعامل بقية الجنسيات بعنصرية، أنا أحب مصر لذا لا أريد لأي أحد أن يشتكي من الضرائب أو الوضع المزري للنساء بشكل خالص والبشر بشكل عام


لقد أصبح يكره سماع كلمة قومية بل وحتى اسم مصر أصبح مزعجاً لأنه أصبح يمثل القوميين 


انموت لتحيا مصر؟

كلا

لتذهب مصر للجحيم


لقد مات الكثيرون من أجلها وهي لا تهتم


عيون، عيون، عيون

كل العالم عيون

نروح فين يا حبيبتي من زحمة العيون؟

من زحمة العيون


يمد يديه ليخرجها من نافذة السيارة مستشعراً الهواء العليل بينما يغمض عينيه ويستمع لأغنية محمد منير


فتح عينيه وهو يستذكر ما حدث قبل دقائق فقط بينما تسيل الدماء من رأسه


كان في منزله يقوم بعمل فروضه المدرسية حين دخل والده حاملاً عصى معدنية وضربه بها على رأسه، جعلت الضربة يفقد القدرة على تحريك جسده لدقائق استمر فيها والده بركله حتى استعاد وعيه بجسده


تركه والده وعندها نهض وسار مترنحاً للمطبخ، فتح الدرج باحثاً عن أكثر السكاكين حدة ثم اخفاها خلف ظهره وسار لغرفة الجلوس حيث يكسر والده الأغراض كعادته


صعد فوق الأريكة وامسك السكين بقبضتيه ثم طعنه في رقبته بأقصى قوته، لم تكن طعنة واحدة، كرر طعناته فقد كان يعلم أن والده سيقتله بلا شك إن نجى بعد هذه الطعنة، لذا اراد أن يتأكد من موته


بدأ يلتقط أنفاسه وملابسه ملطخة بالدماء، كان والده ينزف بغزارة ملوناً الأرضية باللون الأحمر


سار بهدوء لغرفته، اتصل بزياد وروى له بهدوء ما حدث، وعندها اتى لاصطحابه، سأله بقلق عن حاله عندما رأى رأسه وأخبره أنه بخير، ساعده في تبديل ملابسه وغسل يديه وذراعيه ثم أخذه في سيارته وشغل له أغنية لمحمد منير لأنه عرف من تيام أنه مغنيه المفضل


أخذه للمشفى وأشرف بنفسه على فحصه ثم تضميد رأسه وكتب له ادوية لتساعده على الشفاء لأن الضربة كانت قوية وأثرت على رأسه وتوازنه


بعدها عرضه على طبيب نفسي وتحدث معه بلطف أن لا يعتبرها جلسة نفسية بل مجرد حوار بسيط وأن الطبيب هو صديقه ولن يفشي أي سر يخصه وسيحافظ عليه


دخل يوسف الغرفة وجلس، يديه مشبوكتان على ركبتيه، ينظر إلى الأرض. الطبيب لم يبدأ بالكلام فورًا، بل انتظر برهة وهو يراقبه


بدأ حديثه بنبرة هادئة ودافئة

"أنا شام، صاحبي زياد حكالي إنك ولد قوي، وطلب بس نحكي شوي، مو جلسة علاج ولا شي رسمي، بس دردشة، تمام؟"


يوسف لم يرفع عينيه. الطبيب ابتسم بخفة ومد له دفترًا صغيرًا عليه كلمات ملوّنة تمثل مشاعر متنوعة.

الطبيب:

"شايف هالدفتر؟، خذ شوفه شوي، لو بدك تختار شعور واحد بتحسه هلأ، شو ممكن يكون؟"

يوسف قلب الصفحات بسرعة وكأنه يتذكر اسماء المشاعر 


أخرج دفتراً ومده إليه، كان يحوي اسماء المشاعر، القى يوسف نظرة سريعة عليه ثم رد

"مبسوط، ومتطمن"


إبتسم الطبيب وقال

"حلو كتير، شو اللي خلاك تحس هيك؟"


يوسف رفع عينيه أخيراً ليقابل عيني الطبيب 

"عشان بابا مات، مش هيضربني تاني"


لم يقاطعه، فقط أومأ بتفهم ثم عندما وجد أنه لا يتحدث بالمزيد سأله

"هو اللي ضربك في راسك؟"


يوسف أومأ بالإيجاب، نظراته متصلبة قليلاً

"بس خلاص مش هيضربني تاني"


صمت الطبيب للحظة كي يسمح ليوسف بالتفكير ملياً إن كان يريد الإفصاح عن المزيد أن أنه انتهى من الحديث وعندما وجده مازال صامتاً سأل

"في شعور تاني جواتك؟ حتى لو بسيط؟"


تردد يوسف وبدأ ينظر لدفتر المشاعر مرة أخرى ثم رد

"حاسس إني فاضي من جوا، بس مرتاح"


"في شي تاني حابب تقوله؟"

سأله الطبيب بصوت منخفض يشبه الهمس، وعم الصمت لقرابة الدقيقة

لم يقطع الطبيب هذا الصمت، بل بقي جالساً بهدوء تام، وكأنه يفسح المجال لمساحة داخل يوسف كي يفصح عما يفكر به


وكان شعوره في محله، رفع يوسف عينيه ببطء، وقال بنبرة خافتة

"هو غلط أكون مبسوط؟"


ارتفع حاجبا الطبيب قليلاً، دون أن يتغير صوته

"ليش مفكر هيك؟"


رد يوسف بإرتباك وهو يضم كفيه معاً 

"عشان مش طبيعي أكون مبسوط بعد ما قتلت بابا، حتى لو كان بيضربني، ده مش طبيعي صح؟"


"إنت قتلته ليه؟"

سأل الطبيب بهدوء


"عشان كنت خايف، وضعيف ومكنتش عايز أفضل كده طول حياتي"


"عشان بيضربك صح؟"

سأل واومأ يوسف بالايجاب


يوسف، الشعور اللي حاس فيه هلأ مش غلط، في ناس بعد موقف صعب متلك، بتحس بذنب كبير، حتى لو الشخص اللي مات كان عم يؤذيها، بس في ناس تانية بتحس بارتياح، يمكن لأول مرة بحياتها"

سكت الطبيب لحظة، ثم أضاف

"ما في ردة فعل واحدة، وما في شي اسمه (ردة فعل شريرة) نحنا بشر، وكل واحد فينا بيتعامل مع الوجع بطريقته، وهيدا اللي إنت عملته، طريقة بقاء مش دليل شر"


حل الصمت لدقيقة ثم قال الطبيب

"جلستنا خلصت، مش مضطر تضغط على نفسك، ودا رقمي لو حسيت انك محرج تكلم زياد عشان تجيلي"

مد بطاقة عمله التي تحوي رقمه ثم ابتسم ليوسف الذي ابتسم بتكلف ثم خرج وقابله زياد بعناق قوي وقُبلات


أخذه لمنزله وهناك قابل تيام وعانقه بقوة ثم بدأ يقهقه، كان يشعر لأول مرة بأنه ليس طفلاً مثير للشفقة


.


صامويل وثيبي من ستاي اواي، هاني من خلخال في المصيدة، فيروز من طبول ومسدس، اما يشوفوا يوسف قتل ابوه هو كمان



.



.


أحب أشوفك كل يوم




عيون



.


25. أمجد الصغير

رمى الكرة لتدخل السلة ثم قام الحكم بإستخدام الصافرة ليعلن انتهاء المباراة


صافح زملاءه في الفريق ثم ذهب لغرفة تبديل الملابس ليغسل وجهه ووجد أمجد هناك

"هو إنت هتفضل تطلعلي زي البخت كده على طول؟"

سأل إنشاد بضجر وعبس أمجد

"ما وحشتكش؟"


التفت إنشاد كان يبدو أنه تذكر شيئاً

"بص برا الموضوع أنا عايز أطلب منك حاجة"


"إيه؟"

سأل بفضول ممزوج بقلق


"عايزك تروح لثيرابي، جلسة واحدة بس على الأقل"


تنهد أمجد بضجر ثم تأفأف وعندها قال إنشاد

"دي ردة فعل طفل، وأنا مش بيدو"


"إيه!"

لم يفهم أمجد مقصده


"أمجد إنت بتتصرف كطفل، في صدمة في طفولتك مخلياك كده، لازم تشوف ثيرابي وتكتشف معاه صدمتك دي"

كان يحاول جعل نبرته وطريقته لطيفة قدر المستطاع، لكنه أيضاً تحدث بشكل مباشر بدلاً من الألغاز ليسهل على أمجد الأمر ولا يترك له مجالاً للفهم بشكل مختلف


"أنا بتصرف كطفل؟"

إستنكر أمجد


"اهو دي ردة فعل الأطفال اما حد يقولهم أنهم أطفال، أمجد أرجوك افهمني، أنا عايز اديك فرصة بس إنت مش بتساعد"


فكر أمجد لثواني ثم رد بضجر

"فاين، هشوف ثيرابي"

قال ثم خرج من الغرفة


كان يعلم جيداً أن حديث إنشاد حقيقي، لكنه يتهرب منه، هو خائف من مواجهة صدمة طفولته


"ازيك؟"

سأل الطبيب ليستفيق أمجد من شروده ثم يحمحم

"تمام"


"تحب تبدأ كلام عن إيه؟، إيه أكتر حاجة واخدة حيز في تفكيرك دلوقتي؟"


صمت لثواني وكأن الزمن توقف، ثم افصح أخيراً عنه

"ماما"


"إيه ماما في حياتك؟، موجودة ولا لا؟"


تردد وكأنه طفل يفكر ثم رد

"موجودة"

صمت لثواني ثم أضاف

"بس أنا مش حاسسها موجودة"


"ليه؟، هل هي مثلاً امرأة عاملة فا مش موجودة؟، ولا مش موجودة عشان كبرت وشايفاك لازم تعتمد على نفسك خلاص؟"


"هي وبابا اتطلقوا، وانقطعت علاقتنا بيها، بس من اربع سنين رجعت تاني"


"وبعدين!، إيه اللي خلى العلاقة ترجع"


"صديق للعيلة اتدخل، هي كانت اتجوزت فا قطعنا علاقتنا بيها، وبابا قال من حقها تتجوز وأنه كان مقصر معاها ومكنش مهتم وأنها عندها حق فا رجعت علاقتنا بيها شوية"

كان يفرك اصابعه ببعضها بتوتر وهو يتحدث


"وإنت شايف إن فعلاً من حقها تتجوز؟"


"أيوة، هي حرة، بابا مكانش أحسن زوج برضه"


"أنا مش بسألك عن الصح والغلط، أنا بسأل اللي إنت شايفه"


تجولت عيناه في الغرفة وكأنه يهرب ثم رد

"عادي"


"لما بتفتكر مامتك، إيه الكلمات اللي ممكن توصف مشاعرك ناحيتها؟"

سأله وللحظة نسي أمجد كل المشاعر حتى بدأ الطبيب يكتب في دفتره اسماء المشاعر وناوله الدفتر والقلم

"مش ضروري تتكلم، اعمل دايرة على اللي حاسس بيه


(زعلان، محبط، غيران)

كانت المشاعر التي رسم حولها دوائر


"حلو أوي، تعرف تحدد كل شعور نابع من إيه؟، ما تضغطش على نفسك لو تعرف كويس لو مش عارف ابقى فكر بعدين"


حل الهدوء لدقائق وأمجد يحدق في الدفتر بصمت حتى بدأ يكتب


زعلان: حاسس إن ماما مش بتحبني

محبط: حاسس إن عمري ما هعرف يكون ليا علاقة كويسة معاها

غيران: من كل حد عنده علاقة كويسة مع امه


وضع الورقة على المكتب ليقرأها الطبيب، وتركه الطبيب بعض الوقت تحسباً لأي إضافة قد يرغب بها ثم قال أخيراً

"اللي كتبته مهم جداً، واضح إنك شايل مشاعر كبيرة، ولسه بتحاول تفهمها"


ظل أمجد ساكناً، وكأن كل كلمة تُقال تفتح باباً في جدار داخله لم يقترب منه أحد من قبل


أضاف الطبيب، بصوت هادئ

"أنا شايف ولد حاسس إن الحب حاجة مش مضمونة، حاجة ممكن تتسحب منه في أي وقت، حاسس إن وجود مامتك مش بيطمنك، بل بيزيدك حيرة، صح؟"


ارتجف جذع أمجد للحظة وكأن الطبيب يضغط على جرح قديم كان يحاول اسكاته بالمسكنات


تابع الطبيب 

"تحب نحاول نفهم أكتر؟، يعني، أول لما رجعت مامتك من أربع سنين، أول إحساس حسيت بيه كان إيه؟، فرح!، توتر!، خضة!، ولا ولا حاجة؟"


تردد أمجد، ثم رفع عينيه إلى السقف كأنما يحاول الهرب من ذكرياته، ثم قال بصوت أقرب للهمس

"مكنتش مصدق، يعني كنت مفكر انها خلاص راحت ومش هترجع، بس لما رجعت حسيت إني صغير تاني بحاول اتعامل عادي بس معرفتش، فجأة، ومتلخبط"


"متلخبط إزاي؟"


"حاسس إني عايز أبقى قريب، بس في نفس الوقت خايف أصدق، وخايف أرجع أتعشم"


أومأ الطبيب بتفهم

"يعني جزء منك كان عايز يحضنها، وجزء تاني كان واقف بيراقب؟"


أمجد هز رأسه ببطء

"كنت مستني تعمل حاجة تثبت إنها رجعت عشاني، بس هي كانت بتحاول تتعامل عادي، ولا كأنها غابت عننا سنين"


"وإنت مكنتش عايز العادي، صح؟، كنت عايزها تعتذر، تعبر، تشرح، تبرر؟"


لم يرد أمجد لكن صمته ونظراته قالا كل شيئ


تابع الطبيب حديثه

"طب لو سألتك، في لحظة من اللحظات، كنت زعلان منها أكتر ولا من باباك؟"


سكت أمجد لثواني يفكر ولكنه في الحقيقة كان يحاول أن لا يبكي لأن الحديث عن والدته يفتح جروحه القديمة

"بابا"

رد في النهاية 


"ليه؟"

سأل الطبيب بإهتمام


"علشان هو اللي خلاني أصدق إنها غلطانة، كان دايماً بيقول إنها سابتنا، وإنها اختارت جوزها الجديد علينا، وعمره ما حاول يرجع علاقتنا بيها، بالعكس كان بينبسط أما يلاقينا مش بنحبها ومختارينه هو، وأنا صدقته، ولما رجعت، فضلت حاسس بالذنب إني ما سألتش عنها، ولا حتى حاولت أفهم"

تابع بإنفعال

"بس هي برضه غلطانة، يعني بابا متوقع منه أنه ما يهتمش إنما هي تمشي وما تحاولش بكل جهدها تشوفني حتى لو كنت وقتها برفض كان المفروض تحاول أكتر، إزاي تسيبني لوحدي؟"


همهم الطبيب ثم سأله

"أمجد هو إنت بتحكيلي عن والدك ووالدتك في نظرك كطفل ولا في نظرك دلوقتي"


وعند تلك النقطة شعر أمجد بأن الطبيب يطعنه في جرجه القديم الذي يحاول اسكاته منذ سنوات، هو يشعر بالغضب من تصرفات والده السابقة، وليس الآن، رياض الآن أكثر اتزاناً، هو أيضاً غاضب لأن والدته تزوجت ويرى كطفل أنها تخلت عنه وجعلته مجرد طفل عادي كأي طفل تقابله وتتحدث وتلعب معه


"أمجد مش إنت المجروح، أمجد الصغير هو اللي مجروح"


هزّ رأسه ببطء، ثم تمتم بصوت مبحوح

"أنا مش زعلان دلوقتي، أنا زعلان من زمان، من زمان أوي، من وأنا واقف قدام الباب ومستنيها ترجع، كل يوم، وفي الآخر عرفت إنها اتجوزت ومش راجعة"


أسند ظهره للكرسي، لكنه لم يسترِح، بل بدا كمن غرق أكثر في الذاكرة


تابع الطبيب برفق

"يعني اللي بيتكلم دلوقتي هو أمجد الصغير، مش كده؟"


رد وهو ينظر للسقف بشرود مستذكراً ذكرياته مع والدته التي كان رأسه يحاول جعله ينساها كي لا يفتح له جروح الماضي، فهذه الذكريات لن تعود أبداً لذا يتألم في كل مرة يفكر بها


"أيوة، أمجد اللي كان فاكر إنه أهم واحد عند ماما

أمجد اللي كان بينام في حضنها، وبيحكيلها كل حاجة حتى وهو بيعيط من غير سبب"

توقف للحظة، ثم انفجرت الجملة من فمه كما لو كانت محبوسة منذ الطفولة

"إزاي قدرت تسيبني؟، إزاي تبقى ماما وتسيبني عادي كده كأني مش ابنها اللي بتحبه؟"


لم يُقاطعه الطبيب، بل أخرج مندرج صغير ورقة، وكتب عليها كلمتين، ثم دفعها إليه

كانت الورقة تحمل كلمتين فقط

(أمجد الصغير)


"أنا شايف إن أمجد الكبير بيحاول يفهم ويحلل، ودي قوة، بس أمجد الصغير لسه مستني حد يطبطب عليه"


كان أمجد يمسح دموعه بخشونة، مد له الطبيب منديلاً ليمسح مخاط أنفه ثم سأله

"تحب نسمعله؟، مش هنجادج، هنسمعه بس"


تابع الطبيب

"تحب نجرب حاجة بسيطة؟"


رفع أمجد حاجبيه، متردداً

"زي إيه؟"


"هتكتب رسالة، من أمجد الصغير لمامته، قوله يقول اللي جواه زي ما هو، من غير ما يفكر لو اللي بيقوله منطقي أو لأ، أخلاقي ولا لأ، عايز يعيط؟، يزعق!، يسأل؟، كله مسموح"


نظر أمجد للمفكرة، ثم للطبيب، ثم تنهد

"هو دا نوع من أنواع العلاج النفسي يعني؟"


ابتسم الطبيب بود

"نوع من أنواع الاعتراف بالمشاعر، اللي ما بنعترفش بيه، بيقعد جوانا وبيأثر على تصرفاتنا وردات فعلنا من غير ما ناخد بالنا"


أخذ أمجد المفكرة، قلب الصفحات متأملاً ثم سأل بتردد

"ولما أكتب الرسالة المفروض اقرأهالك؟"


رفع الطبيب كتفيه ببلاهة

"دا لو بس لو إنت حابب"

تابع بعدها

"الرسالة دي مش ليا، ولا حتى لمامتك، دي لأمجد، عشان يسمع نفسه، ويسامح نفسه"


تردد أمجد ثم قال

"هكتبها في البيت، مش هنا"


"براحتك خالص، بس يا ريت لما تكتبها، ما تحاولش تكتبها حلو، اكتبها بصدق، من غير قواعد أخلاقية، عايزك تكون مرتاح وإنت بتكتبها، ومش ضروري خالص أشوفها"


استقام أمجد واقفاً

"شكراً يا دكتور"


"على إيه؟، دا شغلي، ما تنساش الهوموورك"

لوح له بود وخرج أمجد ثم صعد في السيارة وبدأ يحاول تهدأة أنفاسه 


هذه أول مرة يتحدث بصراحة عن صدمة طفولته بإختفاء والدته فجأة من حياته


لقد كان طفلها المدلل، ثم فجأة اختفت، جعله هذا يعاني من خوف شديد من الهجران، يشعر بأن اي شخص يحبه سيذهب ويتركه خلفه


تفقد هاتفه ووجد رسالة من إنشاد

"اما تخلص لو حبيت تكلمني أنا موجود"


بدأ يذرف الدموع ويشهق كطفل، ثم اتصل به لأنه اراد أن يسمع صوته

"أمجد إنت كويس؟"

شعر إنشاد بالقلق من صوت بكاءه


"ام فاين"

رد وهو يمسح دموعه بخشونة


.



26.مغرم

"اهدى يا حبيبي"

كان رجل ذو بشرة قمحاوية، شعر مجعد وعينان بُنيتان، جسد رياضي يتحدث مع ابنه الصغير الذي يقفز بحماس ويحاول الإفلات من يده بعد دخولهم لملجأ الحيوانات الخاص بإبراهيم


"نورتنا يا فندم، اتفضل"

رحبت الموظفة بهما بود ثم سألته

"حضرتك جاي تبني صح؟"


"مظبوط، وعايز كلب صغير على قدنا كده، ويكون سهل نربيه"


"اتفضل هوريك اسهل الكلاب في التربية"


"لي لي لسه مخلص مكالمة مع الأستاذ كامل وقال أنه مسافة السكة وجاي، خلي بالك"

لاحظ وجود الرجل وابنه وعندها إبتسم وإقترب وصافحه بحرارة

"نورت يا فندم"


صافح الطفل بعدها بينما الرجل شارد في إبراهيم، حليق الرأس، تعبيرات وجهه الحادة ومعها خديه الممتلئان


"تعالى هوريك مجموعة وإنت تختار منهم، اتفضل"

قال بحرارة وتبعه الطفل لأن الرجل من شدة شروده أفلت يد ابنه


بدأ إبراهيم يريهم أنواع الكلاب وأخبرهم أنه اعد كتاباً الكترونياً للعناية بكل جرو، واشار لهم على الكود المعلق عند كل نوع الذي يمكنه تحميل الكتاب منه


كان أبراهيم ودوداً مع الطفل فقد ساعده زين كثيراً وأخبره أنه لكسر الحاجز عليه معاملة جميع الأطفال بلطف وليس ولديه فقط


اختار الطفل في النهاية جرو من فصيلة جولدن ريتريفر، وبدأ إبراهيم يشرح كيفية العناية به للوالد الذي كان لا يركز في الحديث بل ينقل نظره بين وجه إبراهيم ويديه اللتان تتحركان مع حديثه لأنه كشخص يعاني من اضطراب فرط الحركة يتحرك بإستمرار


"لو عندك أي أسئلة تانية أو حصلت أي مشكلة في رقم للدعم عندنا، هتلاقيه في نهاية الكتاب الإلكتروني"


مد يده ليداعب شعر الطفل

"خلي بالك منه ماشي؟"


أومأ الطفل بحماس ونظر إبراهيم إلى الرجل ثم قال

"نورتنا يا أستاذ كيرلس"

كان قد عرف اسمه من بطاقته الشخصية عندما وقع على أوراق التبني


استفاق كيرلس من شروده وشكره بإرتباك ثم انصرف مع ابنه، وبعد هذا اليوم أصبح يزور الملجأ ثلاثة أيام في الأسبوع لأسباب مختلفة


كانت كلها أسباب تافهة، كان من الواضح أنه فقط يريد رؤية إبراهيم، فقد كان الرقم في الكتاب الالكتروني لخط الدعم وليس رقماً خاصاً بإبراهيم


"الكلب ما هوهوش النهاردة دا طبيعي؟"


"هو المفروض اخرج الكلب أمته؟"


"إيه أحسن نوع طوق اجيبهوله؟"


"هو ممكن ياكل كبدة؟"


"هو ممكن يشرب قصب؟"


"اعمل إيه عشان أضمن ما يجلهوش حشرات؟"


"هيما"

دخل زين وعانق إبراهيم كعادته، لم يكن يلاحظ وجود كيرلس


"زين!"

قال كيرلس بنبرة إستفهامية وعندها نظر زين إليه وابتسم

"كيرو!"


"تعرفه؟"

سأل إبراهيم


صافح زين كيرلس بحرارة

"الا أعرفه، دا اللي كان بيقعد بينا اما كان بيسو وزيكو بيتقبض عليهم، اختفيت فين كده؟"


شعر إبراهيم بالعار لأنه كان السبب واراد الإنسحاب من المحادثة لذا عاد خطوة للخلف


"كنت مسافر، لسه راجع من كام شهر، ومش عارف أوصل لا لزيكو ولا بيسو، ارقامهم بعناوينهم اتغيرت"

رد كيرلس وتابع زين

"خلص وتعالى اخدك لبيتنا"


"إنت هنا بتعمل إيه؟"

سأل كيرلس


"هيما دا صاحبي، أنا اصلاً شريكه"

قال بفخر


"يا سلام!"

استنكر إبراهيم جملته


"هتنكر!"

رفع حاجبيه بتعجب


"لا، فعلاً زين شريكي"

قال وعندها عانقه زين

"شاطر يا هيما"


"منك وتعرفه ما تخليك معاه عشان ميعرفش حاجة عن الكلاب وكل شوية يضرب مشوار للشلتر"


"بس كده!، عنيا، يلا يا كيرو نكمل كلام في العربية"

سحب كيرلس ليخرجا وفور صعودهما في السيارة قال كيرلس

"أنا مش عايز اتكلم عن الكلاب"


"اومال!"

استغرب زين


"عايز اتكلم عن هيما بتاعك"

قال وعندها رفع زين حاجبيه بتفاجوء

"بتهزر!"


"لا، سكته ايه؟"


"سكة إيه دا مطلق من زمان، عنده لوجين وتيام، وهتلاقيهم في بيتنا اما نروح"


"واو!، قريبين منه للدرجة دي؟"

تفاجأ كيرلس


"أيوة، وبصراحة مش عارف هيما عاطفياً يدخل علاقات ولا لا، يعني هو عارف إني كوير وعادي، بس مش عارف هو نفسه ممكن يتقبل فكرة إن راجل عايز يتعرف عليه ولا لا، إنت تعرف إيه عنه؟"


"راجل لذيذ ولطيف، طاقته مسكرة، وشكله عنده ايه دي اتش دي، دي فتية من عندي"

قهقه زين

"هو فعلاً عنده، وباين عليه فشخ من تصرفاته وحركته، كان جه سألني اعرف إيه عن الايه دي اتش دي واديتله رقم ثيرابي، قولتله انا صاحبك مش دكتور، طلعني من الموضوع"


"تربية بيسو وزيكو صحيح"

علق كيرلس وقهقه زين


"إنت خلفت امته؟"

سأل وهو ينظر للطفل الذي يلعب بجهازه اللوحي في المقعد الخلفي


"من ست سنين، وطلقت كمان"


"يادي الوكسة"


"كنت عايز انزل مصر وهي قالت انها معتبرة مصر جحيم، عندها حق بس أنا كنت عايز اسمع ناس بتتكلم عربي حواليا واشوف صحابي القدامى، فا انفصلنا وخيرت ملاك يقعد معاها ولا معايا فا اختارني، وفي الاجازة هبعته لمامته، بحاول أشغله عشان ما يتأثرش"


"ابقى هاته يقعد معانا"

قال وعندها سأل كيرلس

"هيما معاكم؟"


"لا، عياله آه، هو مش بيجي كتير، ومش هقدر أقولك ليه"


"أيوة برضه سكته إيه؟"


"سكته مش معروفة، مدخلش علاقة حب واحدة في حياته، مراته اهله اللي جوزهاله، وكانت اسوأ علاقة في الدنيا والاتنين خرجوا منها كارهين بعض، حتى طليقته سابتله العيال ومشيت، هو دلوقتي مستقر عن الأول بكتير بس معرفش سكته بصراحة"


"بيحب ايه طيب؟"


"بيحب في الروايح المسك الأبيض، وبيحب النكت العبيطة بتاعت زمان دي، واكلته المفضلة السمك المشوي، والحلويات بلح الشام، بيحب كمان بوب ايت عنده واحدة في مكتبه بتساعده يخفف توتر، بيحلق شعره على طول عشان عنده اضطراب نتف الشعر فا اما بيقصره ما بيعرفش ينتفه"

قال معلومات عشوائية عنه ثم حذر كيرلس

"اياك يعرف اني قولتلك حاجة، لولا اني متأكد منك كنت رنيتك علقة"


"ما تقلقش، مش هيعرف حاجة"

طمأنه كيرلس


"هتتلكك بإيه بقى عشان تكلمه؟"


"هتصرف"

قال كيرلس واختفى لأسابيع حتى موعد عيد الميلاد، ذهب للملجأ وتفاجأ إبراهيم برؤيته

"ياه، عاش من شافك"

قال باسماً واقترب كيرلس ثم مد له علبة هدايا صغيرة


"إيه دا؟"

سأل بإستغراب وأخذها منه ثم فتحها ووجدها جوارب بطابع عيد الميلاد


"شكراً على صبرك"


"على إيه بس؟، دا شغلي"

استطرد بعدها باسماً بعد أن استوعب اليوم

"عيد سعيد أو مجيد، معرفش بتقولوا إيه"


"زي ما بتقولها"

قالها بهيام جعل إبراهيم يستغرب وتتلاشى ابتسامته

"إيه!"


حمحم كيرلس ثم سأل مغيراً للموضوع

"مش تعزمني اقعد حبة؟"


"هو إنت محتاج عزومة؟، اقعد يلا"


اعد كوبي كاكاو وكان كيرلس يراقبه بهيام، رغم أن لديه موظفة استقبال وعاملة نظافة الا أنه دوماً يجهز المشروبات بنفسه وكان كيرلس يرى هذا مثيراً للإعجاب، بينما إبراهيم كان يقوم بهذا لأنه يحب الحركة ويكره البقاء ساكناً


لذا بالضبط كان يعمل كشرطي، يعمل حتى تخور قواه ويعجز عن الحركة، عندها يشعر بالراحة 


"اومال فين ملاك؟"

كان يسأل عن ابنه


"سافر لمامته"

رد كيرلس ثم ارتشف من الكوب

"تسلم ايدك"


"هتقضي العيد لوحدك؟"

سأل إبراهيم وقد اشفق على حاله


"عادي، ولا تقضيه معايا؟"

نظر لإبراهيم الذي استغرب وقال ضاحكاً

"ليه تقضيه مع راجل غريب؟"


حرك كيرلس قدميه ليقربها بحذر من قدم إبراهيم ثم قال

"كل الوقت دا نعرف بعض ومسمي نفسك راجل غريب؟"


"كل كلامنا كان عن الكلاب"

لم يكن إبراهيم مقتنعاً


حرك كيرلس كفه بحذر ليقربه من يد إبراهيم

"طب كويس، دي فرصة نتكلم فيها عن نفسنا بدل الكلاب"

مال على إبراهيم الذي بدأ يصل إليه ما يرمي إليه كيرلس وعندها تزحزح من مكانه ليبتعد عنه لأنه كان متوتراً فهو لا يرى نفسه متزناً


"اوكاي، بس أنا ممل جداً معنديش حياة غير للشيلتر"


"جود، أنا معنديش حياة غير ملاك"

اخفض صوته وهمس

"وإنت"


"إيه؟"

لم يسمعه إبراهيم


"بيسو عزمني على حفلة للاوبرا لبنوتة اسمها بشرى هتغني فيها مع كورال، اداني تو تيكتس، ما تيجي نروح سوا"


"معايا تيكت على فكرة، دي بنت اخويا"

قال وتظاهر إبراهيم بالجهل رغم أن زين سبق وأخبره

"واو!، دي إشارة، يلا نجهز ونروح"


عاد كل واحد منهما لمنزله ليتجهز ثم تقابلا عند الاوبرا، بعد أن حصل كيرلس على رقمه الخاص أخيراً، توقف كيرلس يتأمل إبراهيم ببذلته ثم مد يده ليلمس رأسه وشعر إبراهيم أنه يسخر من شعره الحليق


"ما بلاش سماجة"


"مش برخم، بس أول مرة اللاقي راجل لايق عليه حلق الشعر كده"

جملته احرجت إبراهيم وحركت داخله مشاعر جديدة لم يعلم بوجودها


أمسك كيرلس بيده وسحبه ليدخلا ثم يجلسا في مقعديهما وبدأ الكورال الغناء بينما كيرلس لم يفصل يده عن يد إبراهيم وتظاهر أنه فعل هذا بتلقائية، فلم ينظر لإبراهيم بل وجه نظره للكورال 


ليلة عيد، ليلة عيد، الليلة ليلة عيد

زينة وناس، صوت جراس عم بترن بعيد

ليلة عيد، ليلة عيد، الليلة ليلة عيد

صوت ولاد، تياب جداد وبكرا الحب جديد


.


ليلة عيد



.


27. كيب كالم

اقترحت تاليا اقامة حفل مبيت للفتيات، ووافق بسيوني، وفي هذا اليوم افرغوا المنزل من الرجال وذهبوا للمبيت عند رياض


بينما بقيت تاليا ولبنى وبشرى ولوجين بالإضافة لليليان صديقة زين التي قد تعرفوا عليها مؤخراً


"إيه فيلمكم المفضل؟"

سألت تاليا وهي تفتح الشاشة الالكترونية


"بحب أفلام الأميرات"

ردت لوجين


"أنا بحب الأفلام الغنائية"

ردت بشرى


"بحب الأفلام الجيرلي"

ردت ليليان


"وانتِ يا لبنى؟"

سألت تاليا لتستفيق لبنى من شرودها ثم ترد بحيرة

"مش عارفة، اصلي مش بتفرج كتير، يمكن الأفلام الجيرلي برضه"


"طبعاً أنا بسألكم بس في الآخر هشغل حاجة على مزاجي"

قالت ضاحكة وقهقهت الفتيات، فتحت تاليا يتيوب ومنه شغلت فيلم الباب المفتوح


"ما بتزهقيش من الفيلم دا؟"

سألت لبنى لأنها كانت تعرف أنه فيلم تاليا المفضل وشاهدته أكثر من مرة معها


ردت تاليا بتلقائية

"عمري، بحب الرسايل فيه أوي، وفكرته، كل حاجة فيه تحفة"


تنهدت لبنى بهيام بعد مشهد الرسائل ثم قالت بنبرة حالمة

"لو حد بيعرف يكتب رسايل كده هحبه أكيد"


"الرسايل المكتوبة بالايد مهدور حقها"

وافقتها تاليا وتابعت لبنى

"دا حقيقي، الناس دلوقتي بتبعت أي كلمتين على وتساب وخلاص"


تركتهم تاليا ودخلت غرفة وبعد دقائق خرجت برسالة مكتوبة ناولتها للبنى التي تفاجأت وابتسمت ضاحكة بغير تصديق

"إنتي مش معقولة بجد!"


فتحت الورقة وبدأت تقرأها

"عزيزتي لبني، في كل يوم أقول بأنني لا يمكن أن أحبك بدرجة أكبر، لكن تمر الأيام وأجده يستمر في الإزدياد

حبي لكِ ينمو كشجرة سيكويا عملاقة، كبير وقوي ويعيش لسنوات طويلة

عزيزتي لبنى عندما رأيتك لأول مرة علمت أنني سأحبك، عرفت أن تلك المرأة ستكون أكبر من مجرد نسمة تعبر يومي وتختفي، فأنتي إعصار قوي يأخذ الناس في طريقه، وهكذا سرقتي قلبي، بطيب خاطر

عزيزتي لبنى أحبك، وأريد تشارك المستقبل معك، أريد رؤيتك سعيدة دوماً، وأريد أن يطمئن قلبك فأنا لن أتركك أبداً"


سحبت لبنى تاليا بعيداً عن أعين الفتيات ثم عانقتها بقوة وتبعت العناق بقبلة قوية، طويلة حتى انقطعت أنفاسها وبدأتا سلسلة قهقهات من فرط سعادتهما


استطاع سليمان بوسائطه جعل يوسف يفلت من سجن الأحداث، وتم وصفه بالطفل الغير متزن نفسياً وأنه يحتاج علاجاً مكثفاً وليس السجن


كان على يوسف البقاء لأسبوع واحد في المشفى قبل أن يأخذوه للمنزل لذا جهز إنشاد الذي أصبح جزء من العائلة حقيبة اغراض يوسف وقام أمجد بالقيادة


"تفتكر يوسف هيبقى كويس في الأسبوع دا؟، حاسه ممكن يدخل في صدمة"

قال إنشاد وعندها رد أمجد ساخراً

"أنه قتل أبوه دا عادي؟، بس أسبوع في مستشفى هو اللي هيصدمه؟"


فجأة مرت سيارة من جانبه وكسىت المرآة، أوقف أمجد السيارة ثم نزل لتفقدها وركن الرجل الآخر السيارة وبدأ يتشاجر مع أمجد رغم أنه خطأه هو


"دي أصلاً غلطتك ما تخلنيش اتغابى عليك"

حذره أمجد


"تلاقي أمك اللي جايبهالك، على آخر الزمن هيكلمني عيال خولات"

عند تلك النقطة سار أمجد للسيارة وأعتقد إنشاد أن الشجار إنتهى لذا همَ بالعودة للسيارة لكنه وجد أمجد يحمل مطفأة الحريق ثم ضرب بها سيارة الرجل ليحطم زجاجها


"احا!"

تفاجأ إنشاد وصرخ وهمَ أمجد بضرب الرجل نفسه لكن إنشاد منعه وسحبه، سبهم الرجل ودفع إنشاد أمجد داخل السيارة ثم بدأ القيادة بسرعة ليبتعدا


"احا يا أمجد ما تعملش كده تاني أحا بجد"

كان إنشاد مستغرباً مما حدث


"يعني غلطان وبيبجح وعايزيني أسكت؟"

لم يكن أمجد مقتنعاً


"معلش أمسحها فيا"

ربت على كتف أمجد ثم ركن السيارة عند المشفى ليقابل زياد الذي سلم الملابس ليوسف ثم ودعه بقبلة وبعدها تركه مع تيام ليودعه

"خمسة وتيجي ها!"


أومأ تيام وغادر زياد، كان تيام محتاراً، كيف سيقضي أسبوعاً بدون يوسف

"هو ما ينفعش يحجزوني معاك؟"

سأل بحزن 


"يبعد الشر عنك، أسبوع وهخرجلك"

ربت على كتفه بخشونة، كتربيت الرجال الذكوريين


"بس أسبوع كتير، دنا مقدرش أقعد يوم من غيرك"

كان محبطاً وحزيناً


وضع تيام يده تحت ذقنه ليجعله ينظر إليه

"أسبوع واحد ومش هسيبك لحظة واحدة تاني، ما تقلقش"

كان يحاول طمأنته وفي النهاية أومأ تيام بالإيجاب وقبلَ تيام خده


"يلا متخليش زيكو يستنى"

قال وعندها تحرك تيام ليخرج ثم في آخر لحظة عاد مهرولاً، لم يفهم تيام السبب حتى وجده يُقبل خده

"هتوحشني"


إبتسم يوسف ضاحكاً

"إنت كمان"


"في إيه؟"

سأل زياد مقاطعاً أمجد وإنشاد


"مفيش"

رد إنشاد قبل أن يرد أمجد وتفاجأ أمجد لأنه اعتقد أن إنشاد سيستغل الفرصة ليشتكيه، لكن يبدو أنه رجل ناضج حقاً


"تعالى نجيب قهوة"

قال إنشاد محادثاً أمجد ليبتعدا عن زياد


"العصبية مش حل"

كان إنشاد يعاتبه


"هو اللي بدأ، عايزني أطبطب عليه؟"

لم يقتنع برده


"لا، بس مش لدرجة تكسر عربيته، قدر جابونا دلوقتي"


"ياريت، عشان أكمل على دماغه"

رد وتنهد إنشاد بقلة حيلة


"أمجد إنت صعب بجد"


"إنت ليه محسسني إني ضربته من باب للطق؟"


"من إيه؟، إيه الكلمة دي؟"

إستغرب إنشاد


"اتعلمتها من زياد، يعني من غير سبب"


تنهد إنشاد

"مش مهم، المهم ما تتخانقش تاني"


بينما يدخلان المقهى أصطدم رجل بأمجد، أتضح أنه الرجل نفس صاحب السيارة وتبعهما ليكمل الشجار، حاول لكم أمجد وقبل أن يدافع أمجد عن نفسه أمسك إنشاد بقبضة الرجل، سحبه لخارج المقهى ثم دفعه


"خلاص، مش هتسوق فيها وإنت اللي غلطان"

قال إنشاد ورد الرجل بالغضب

"كسرتم عربيتي ياولاد الهرمه"


"هو ليه كلكم بتقولوا كلام غريب النهاردة؟"

سأل إنشاد بإستغراب ولاحظ أن أمجد يحاول دخول الشجار، قبض على معصمه وقال بحزم

"خليك مكانك"


أومأ أمجد بالإيجاب لأنها كانت أول مرة يرى إنشاد بكل هذه الجدية، أفلت إنشاد يده ثم قال للرجل

"تعالى خد حقك"


حاول الرجل لكمه لكنه فشل وعندها قال إنشاد بإبتسامة باردة ونبرة يتخللها المرح

"دوري"


سدد لكمة قوية لوجه الرجل جعلت الدماء تتطاير من أنفه، فقد توازنه وسقط على الأرض


.



28. إعتذار

[منشور على تويتر]

"تعرف إزاي إن اللي كاتب القصة الجاي اللي بتقرأها هيترو وومن؟، أنا أقولك، تلت ترباعها سكس منقوش من بورن هاب، والنص التاني علاقات توكسيك على اغتصاب، نفسي الستات الهيترو تركز في حياتها بدل مهي حاشرة مناخيرها في اطيازنا"


[التعليقات]


"يعني لا عاجبكم اللي بتكلموا عنكم بخير او بغيره؟، انتم عايزين ايه؟"

[الردود]

"عايزين تسيبونا في كسم حالنا"


وقف أمجد أمام المرآة يتأمل وشم الفراشة على ذراعه، اقترب إنشاد منه وسأله

"لسه بيوجع؟"


"ناه، ام فاين، فاكرني فرفور؟"


قهقه إنشاد

"مش القصد


"ولا يكون قصدك بقى"

التفت إليه

"إنت ليه عمرك ما رسمتني؟"


"هو إنت طلبت قبل كده؟"


"هو لازم أطلب؟"


"ايه جو العيال دا؟، اقعد، هرسمك"

سحبه ليجلس على المقعد ثم بدأ يجهز ادواته وبدأ يركز في فرشاة رسمه، كان يغوص في عالم آخر عندما تمسك أصابعه بالفرشاة


كانا يجلسان في احد الغرف في منطقة للدراسة والعمل، كان إنشاد يحاول انهاء مشروعه في هدوء حين اتصل به أمجد وسأله عن مكانه ثم اتى فوراً


بعد أن انتهى من الرسم كان أمجد متحمساً وعندما رأى طريقة الرسم انبهر، كانت قد رسم تفاصيل الصغيرة ولون خديه باللون الوردي فبدى وكأنه خجل أو أن خديه احمرا من كثرة الضحك


"دي حلوة أوي"

قال وهو يبتسم ضاحكاً وابتسم إنشاد لردة فعله

"كويس انها عجبتك"


"يلا نرجع البيت بقى"

غلف اللوحة ثم حملها وخرج وبينما يسيران للبوابة قال رجل

"اخيراً غاروا"

ولسوء حظه فقد سمعه أمجد والتفت إليه

"بتقول حاجة؟"


"هتعمل إيه يعني يا دكر؟"

سأل بنبرة ساخرة وعندها تحرك أمجد بسرعة وسحب كرسياً ثم ضرب به الرجل


"يا احا!"

ليس وكأن إنشاد رجل مسالم فهو يتشاجر ولكن بالنسبة لأمجد فهو نسمة ربيعية منعشة، أما أمجد فهو اعصار مدمر


"أمجد يلا"

سحب أمجد من ملابسه ودفعه للخارج بسرعة، وضع اللوحة في السيارة والتفت لأمجد ليدخله ولكنه كان قد ذهب ليكمل شجاره مع الرجل الذي خرج ليحاول الإنتقام


"عربيتك دي؟"

سأل أمجد ثم أخرج من جيبه القبضة الحديدة التي تستخدم للدفاع عن النفس ولكم بها زجاج السيارة محطماً اياه


"أمجد أرجوك أطلع يلا نمشي"

بجوار أمجد فإن إنشاد يشعر بأنه رجل مسالم جداً


"اما أعلم على وشه الأول"


بدأ إنشاد يفكر ثم قرر اللعب بآخر ورقة لديه

"لو ما ركبتش حالاً علاقتنا انتهت"

لم يكن يضع الكثير من الآمال على هذه التهديد لكنه وجد أمجد ينصاع له وصعد في السيارة، يبدو أنه مهتم بعلاقتهما حقاً


أمجد لديه صفات جيدة، فهو كإنساد فيما يتعلق بالدفاع عن من يحبهم، فقد كان إنشاد ليضرب الذين تنمروا على مُلهم من قبل لكن مُلهم وقتها منعه لذا احترم قراره ولم يضربهم


اوصله للمنزل وعندها سأل أمجد بتوتر

"هتشرب معايا شاي بلبن ولا زعلان؟"


ابتسم إنشاد ضاحكاً ثم نزل من السيارة ليدخل المنزل، وفور دخول أمجد للمنزل بدأ يجهز للشاي بالحليب بنفسه، أمجد لديه بعض الصفات الجيد، فمنذ أن علم أن إنشاد يحب الشاي بالحليب وهو يعده بنفسه في كل مرة يزور بها منزله، كما أنه اعد له شطائر التونة، وسأل زياد عن وصفات لمن يحبون ممارسة الرياضة وبدأ يعد وصفات لتساعد إنشاد في البناء العضلي


كان أمجد لطيفاً، بإستثناء نوبات غضبه التي تتسبب بكوارث، ولكن اليوم إختار إنشاد تجاهل تلك النوبة وتأمل أمجد وهو يعد له كوب الشاي بالحليب


قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس

وتشتي الدنيا ويحملوا شمسية

وأنا بأيام الصحو ما حدا نطرني


ساعد زياد يوسف للنزول من السيارة بينما تنهمر الأمطار بغزارة

"اهلاً في بيتك يا يوسف"


"شكراً"

رد باسماً بخجل


كان يشعر بالإحراج، فكيف لشخص لا تجمعه به صلة عائلية أن يكون بكل هذا اللطف معه؟


العالم ليس عادلاً

والده رجل فظيع، ورجل آخر كل الصلة التي تجمعه به أنه صديق أحد الأطفال الذين يرعاهم، وقد اختار الرجل ليس فقط العناية بالطفل بل العناية بصديقه المثير للشفقة الذي يتعرض للتعنيف من والده


كان يوسف يفكر كثيراً بسبب قلقه، وحرص زياد على أن يخبره أن عليه زيارة طبيب نفسي، وأنه سيدعه يختار الوقت الذي يناسبه فالإجبار ليس حلاً، فرؤية الطبيب النفسي مسؤولية كبيرة، واحياناً يسبب الضغط


"يوسف!"

هتف تيام ثم هرول إليه وعانقه بقوة، وبعد ثواني استوعب يوسف الأمر وبادله العناق

"وحشتني"


سحبه تيام من يده

"عايز اوريك حاجة"


سحبه لغرفته ثم أدفتح جهازه اللوحي للعبة روبلكس واراه تصميم منزل

"بص، دي أوضة تيام"


كان يوسف قد صمم منزلاً في اللعبة كمنزل بسيوني وزياد وزاد به غرفت ليوسف


بدأ يوسف يذرف الدموع

"شكراً"


"يوه!، بتعيط ليه، حسبتك هتكون مبسوط!"

شعر تيام بالخيبة


"أنا مبسوط.. مبسوط أوي كمان"

عانق تيام

"شكراً


دخل كيرلس ملجأ الحيوانات وهو يحمل في يده خاتماً مصنوع من ورق النخيل، سار مباشرةً لإبراهيم ثم مد يده

"ممكن ايدك ثانية؟"


استغرب إبراهيم لكنه مد يده في النهاية، وضع كيرلس الخاتم في بنصره ثم افلت يده


بدأ إبراهيم يتفحص الخاتم ثم علم تاريخ اليوم

"حد سعف سعيد، أو مجيد، معرفش بتقولوا إيه بس كل سنة وإنت طيب"

انهى حديثه ضاحكاً


"ايه رأيك يوم عيد القيامة تيجي تتعشى عندي؟"

سأل كيرلس وإستغرب إبراهيم

"أنا!"


"أيوة، هنعمل أكل كتير، بتحب الديك الرومي؟"


"عمري ما دوقته"


"حلو، يبقى جه الوقت تجربه"

كان كيرلس متحمساً جداً


كان إبراهيم متردداً لكن حماس كيرلس كان يمنعه من الرد

"ماشي"


"شكراً"


المسيح قام من بين الاموات، ووطىء الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور

هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنفرح ولنتهلل به


في عشية عيد القيامة أخذ إبراهيم تيام معه ليلعب مع إبن كيرلس، وبينما الجميع منشغل سحبه كيرلس لحديقة الكنيسة، وعندها قرر إبراهيم التحدث بما يقلقه بينما يشابك كيرلس يده معه ويبتسم بسعادة

"أنا مبسوط أوي انك جيت"


"كيرلس أنا مش كويس زي ما إنت مفكر"

كان يفكر في عمله كضابط شرطة 


"ليه بتقول كده؟"


"عشان دي الحقيقة، أنا مش كويس، أنا اتسببت بأذى ناس كتير، حتى ولادي"

كان يرى نفسه فاشلاً في كل شيئ حتى في كونه والداً


"ليه؟"

كرر كيرلس سؤاله 


"أنا كنت ظابط، وكنت وحش أوي بجد"

خرجت الكلمات وكأنه يبصقها ليشعر بأنه أخف بعد أن إعترف لأول مرة أنه يرى عمله في الشرطة شيئ سيئ


"كنت، خلاص، اللي فات مات"

حرك أصابعه بنعومة على أصابع ابراهيم محاولاً تهدأته

"المهم إنت إيه دلوقتي"


"بس اللي فات ما ماتش وناس كتير اتأذت بسببي، حتى الراجل اللي صلح علاقتي بإبني ما بقدرش أكون معاه في نفس المكان بسبب اللي عملته فيه زمان"


"سألته هو سامحك ولا لا"


"أكيد لا، مش محتاجة سؤال"


"اسأله، لو قال لا اسأله يسامحك إزاي انما ما تفضلش كده لا منك مرتاح ولا مكفر عن ذنبك"

كان حديث كيرلس منطقياً


"بجد!"


"هو بيته فين؟، يلا نروحله"

سحبه من معصمه ليسيرا بين الحضور في الكنيسة الذي كانوا يرنمون ويراقبونهما بإستغراب حتى خرجا


فتح باب السيارة لإبراهيم ودفعه ليصعد ثم صعد هو الآخر

"البيت فين بسرعة"


أخبره بالعنوان ثم قال

"أنا خايف"


"عشان كده لازم تواجه"

بدأ قيادته السريعة للمنزل ثم نزل ورن الجرس، كان زياد وبسيوني مع اولادهما في الحديقة


"هاي!"

قال زياد بمرح وعندها سأل كيرلس

"هو دا؟"


"لا"

رد إبراهيم بسرعة


"يبقى دا"

لمح بسيوني وسحب إبراهيم إليه 

"يلا، قوله"


بدأ بسيوني يرتب أنفاسه فمازالت رؤية إبراهيم توتره

"هاي!"

قال بإبتسامة مصطنعة


نظر إبراهيم للأرض بدوره وبدأ يتحدث بتوتر، يتلعثم وكأنه طفل يتعلم الكلام

"أنا آسف على كل حاجة، وشكراً على اللي عملته مع تيام ولوجين، أنا عمري ما كنت هبقى أب كويس، وعندك حق تكرهني أنا مش كويس، بس أنا طمعان تسامحني"


تفاجأ بسيوني فهو لم يتوقع أبداً أن يعتذر إبراهيم

"ولا يهمك"

كان يشعر بأن توتر وقلقه يصبح أخف، إعتذار إبراهيم صادق، يجعله يشعر أنه لن يكررها أبداً بالأخص مع تعزيز علاقته بزين


"ما تقعدوا تتعشوا معانا"

عرض زياد 


وكعادة زين قفز فجأة ليعانق إبراهيم من الخلف ثم هتف

"هيما"


"قطعت خلفي"

تذمر إبراهيم


"أحسن، هو احنا ناقصين عيال تاني"

رد زين بتلقائية وعندها أنفجر الجميع بالضحك


كانت ليلة عيد القيامة هي ادفء ليلة بالنسبة لإبراهيم بعد الليلة التي قضاها مع رياض يسبان فيها والدهما، ولثاني مرة يشعر بالراحة والسلام بسبب بسيوني


.


قديش كان في ناس



المسيح قام



.

29.حبيبي وعنيا

"بما انك جديد في البيت ودا أول رمضان هتقضيه معانا فا لازم تعرف إن محدش هنا بيحاسب التاني، الصوم رغبة شخصية، الايمان شيئ شخصي حاجة ما تخصناش"

قالت تاليا وتابع زين

"بس أنا ما بطيقش المؤمنين بصراحة يا جو، لو هتبقى مؤمن خف كلام معايا"


صفعت تاليا كتفه

"اتلم"


"أنا أصلاً أوقات بنسى إن لسه في ناس مؤمنين، عشان مش بخلي حد منهم في الكومينتي بتاعي"

كان يتحدث بتعبيرات وجه ممتعظة


"ليه؟"

سأل يوسف ببراءة


"عشان المؤمنين ما بيقعدوش في حالهم، لازم بيبقوا عايزينك تتعبد إنت كمان عافية كده، ولو محاولوش يقتلوا ميتينك يبقوا عملوا خير فيك وبيقولولك عد الجمايل يا عم اديني سايبك عايش"


"معلش اصله عنده ريليجس تروما"

تدخل مُلهم ثم مال وقبلَ خد زين ثم وضع يديه على اُذنيه وقال بصوت منخفض كي لا يسمعه

"ولد حاول يقتله أما قاله بكل براءة أنه مش حابب شخصية محمد وجوازاته الكتيرة"


تفاجأ يوسف أن هناك طفل حاول قتل طفل آخر

"بجد!"


"وكمان المديرة اما عرفت باللي حصل لامت زين أنه غلطان في اللي قاله وشافت رد فعل الطفل طبيعي"


كان يوسف متفاجئاً أن زين تعرض لشيئ كهذا، فهو كان يعتقد أن ابناء بسيوني لم يمروا بأي صدمة، وأن حياتهم كانت وردية وهادئة مليئة بالحب والسلام


"في أطفال كتير بتتربى على كراهية أي حد مختلف عنهم، أو حتى أي حد يسأل مجرد سؤال لأنهم معندهمش إجابة وممكن يكونوا سألوا السؤال دا لأهلهم وهما ضربوهم فا كرروا فعل اهلهم مع حد تاني عشان ينفسوا عن غضبهم"

شرحت تاليا ثم أبعد مُلهم يديه عن اُذن زين


اقترب يوسف من زين ثم عانقه ساحباً رأسه لحضنه، كانت زين جالساً لذا كان من السهل سحب رأسه

"أنا آسف"


"هو بيعتذر ليه دا؟، اهو ترجمة المصطلحات الإنجليزية دا هو اللي ودانا في داهية"

قلد جملة بسيوني بمرح محاولاً تغيير مزاج يوسف


قهقه يوسف وارتعشت عينيه لتسقط دموعه على خديه

"أنا مبسوط أوي انك عايش يا زين"

قال يوسف ورد زين وهو يقرص خده بمرح

"حبيبي شكراً، بس أنا اللي مبسوط أكتر اني عايش عشان أشوف الوش القمر دا"


عانقه بلطف ثم قال

"بس خلي بالك محدش هيصوم معاك لو ناوي تصوم، اصلنا احفاد أبو لهب"


قهقه يوسف بصخب، ثم دخل في نوبة قهقهة لدرجة الإختناق والسعال جعلت الجميع حوله يقهقهون


حبيبي وعنيا لو فى وسط مية ما يخفاش عليا

قلبي بيلمح طيفه قبل ما عينى تشوفه

ده ديماً أوصافه بتخيل فى عنيا


كان بسيوني يرقص مع زياد بأنسجام ومرونة، يحرك قدميه مبتعداً، ثم يعود للإقتراب ليغوصا في عيني بعضهما


كان إبراهيم يراقبهما بدهشة فهو كان يرى هذا النوع من الرقص للنساء فقط، كان من المدهش والغريب رؤية رجلين يرقصان ببراعة


"تيجي تجرب؟"

سأل كيرلس ليستفيق إبراهيم من شروده 

"إيه؟"


استقام كيرلس واقفاً وبدأ يسحبه

"يلا نجرب نرقص"


"لا طبعاً، أنا مش ست"

كان مازال متمسكاً برأيه بأن الرقص للنساء 


"بس دا مش رقص ستات"

حاول كيرلس إقناعه لكن إبراهيم كان مُصراً

"الرقص عموماً للستات، قلة قيمة"


"تيمو، ترقص معايا؟"

سأل وهتف تيام باسماً

"أنا!"


سحبه كيرلس وقال ساخراً

"أيوة، هعلمك، هو اعمى بيجره مجنون بس ادينا بنجرب"

وصف نفسه بالمجنون لأنه لا يجيد الرقص


الخفة اللي شاغلني مهما يبعد عني

أنواره تخايلني، لو في أخر الدنيا

أبو شامة وعلامة، أبو طلعه بسامه

قلبي بيفرح عليه ياما ياما لما يهل عليا


بدأ كيرلس يقلد حركات بسيوني وزياد اللذان جعلا حركاتهما ابطئ ليستطيع كيرلس وتيام مجاراتهما


أفلت كيرلس يدي تيام ودفعه برفق ليوسف وعندها عرض عليه الرقص ووافق يوسف فوراً


ورغم كل الذكورية السامة التي تشربها إبراهيم منذ طفولته فهو لم يشعر بالإشمئزاز لرؤية يوسف وتيام معاً بل ابتسم رغماً عنه وهو يرى ابنه سعيداً


ولبعض الثواني رأى نفسه مكان يوسف، فقد كان مثله يوماً ما، طفل مليئ بالحيوية والنشاط، لديه الكثير من الأصدقاء ويحبه الجميع


ترى هل لو كان والده مختلفاً كان ليتغير مستقبله؟


"بابا، ممكن ابات النهاردة هنا؟"

سأل تيام ببراءة

"براحتك يا حبيبي"

رد إبراهيم بحنان وربت على رأسه وعندها هتف تيام

"هيه، هبات هنا"

عانق يوسف بقوة


"يبقى نمشي سوا"

قال كيرلس ولم يمانع إبراهيم فلم يكن يقوى على القيادة، مشاعره استهلكت جسده وجعلته متعباً


صعد في السيارة وغفى أثناء الطريق، أوقف كيرلس السيارة أمام منزله ثم مال على مقود القيادة ليسند خده عليه بينما يتأمل وجه إبراهيم بينما أغنية محمد فوزي تذاع من مشغل أغاني السيارة


تعب الهوى قلبي والحلو مش داري

ولامتى هنخبي على بعض ونداري؟

تعب الهوى، تعب الهوى قلبي


مد يده بحذر ليلمس شعر إبراهيم ثم يمرر كفه بنعومة عليه

"إبراهيم"

همس ثم ابعد يده، اعتدل في جلوسه ثم حمحم وبدأ ينقر كتف إبراهيم

"وصلنا، ولا تيجي تبات عندي؟"

انهى جملته بمرح


"إيه؟، شكراً، معلش أصلي كنت نعسان"

كان يتحدث بعشوائية ثم تثائب

"أشوفك بعدين"


"طب هات بوسة"

قال وعندها مال إبراهيم وقبلَ خده بتلقائية فلم يكن مدركاً للموقف ولكنه معتاد على أن ابنه هو من يطلب منه القبلة لذا أعتقد أنه يقبل تيام


نزل من السيارة ودخل منزله بينما كيرلس لم يستوعب ما حدث إلا بعد ثواني، بدأ يقهقه كمجنون من فرط سعادته


(أعمى سايقه مجنون)


.


حبيبي وعنيا



تعب الهوى قلبي



.


30. استراحة

-2011-


"هاي!"

القى زياد التحية وهو يدخل منزل بسيوني وهرولت تاليا لتعانق بسيوني

"بيسو"


نظرت لزياد نظرات فاحصة

"مين دا؟"


"دا زيكو، حكيتلك عنه"

قال ثم أضاف

"سلمي عليه"


"مش ضروري، براحتها، مش المفروض نجبر الطفل يتعامل مع الناس اللي ميعرفهمش، المفروض نحترم حدودها عشان محدش يستغلها"

كان زياد يتحدث بصوت منخفض كي لا تسمعه ثم انحنى أمام تاليا باسماً

"مبسوط اني قابلتك يا برينسيس"


"زين فين؟"

سأل بسيوني وردت تاليا

"نايم"


"فين المطبخ؟، هعملك مكرونة حلوة"

شمر زياد أكمامه


حمل بسيوني تاليا ثم أشار بيده للممر

"على اليمين"


تحرك زياد للمطبخ وبدأ يستكشف أماكن الأغراض، دخل بسيوني المطبخ وكان مستمتعاً بمراقبة زياد يتصرف وكأنه في منزله، ويقوم بالتقطيع بمهارة، لطالما رأى بسيوني الرجال البارعين في الأعمال المنزلية مثيرين


كان بسيوني يضع شروط حازمة لشريك حياته القادم، يجب أن يحبه تاليا وزين، ويجب أن يجيد الطهي والتنظيف، والأهم أن لا يكون مؤمناً لأن بسيوني لا يحتمل رفقة المؤمنين، يمكنه مصادقتهم بسطحية ولكن يستحيل أن يرتبط بمؤمن، وأخيراً عليه أن يكون مؤيداً للثورة، للحرية


كان زياد مثالياً من كل النواحي، بالأخص أنه كان بارعاً أكثر من بسيوني في التعامل مع زين وتاليا، كان رجلاً لم يكن ليحلم به بسيوني


حتى عندما تشاجرا وقرر الإنفصال عنه كان دائماً يشتاق إليه، ويشعر بالأمان في حضنه، وفي النهاية لم يستطع تجاوزه وكان حبه له كبيراً لدرجة غفرانه للشجار 


غنيلي الليلة غنيلي من عمق القلب

ضميني يا دفء حياتي بدثار الحب

مدي عينيك الساحرتين الى عيني

وضعي كفيك الدافئتين على كفي

ودعيني اتلو صلواتي لمقام الحب


كان بسيوني وزياد يرقصان معاً بينما يدندنان مع الأغنية ثم عانقه زياد وقبلَ جبينه وابتسم بسيوني بتلقائية


"بتحبني أنا ولا بشرى؟"

سأل زياد


حل الصمت لثواني ثم رد بسيوني

"انت بشرى"


قوس زياد حاجبيه بإستغراب وابتسم ضاحكاً معتقداً أنه يمزح فهو بالأساس لم يكن يسأله بجدية لأنه يتجنب الحديث عن بشرى

"إيه؟"


"بتؤمن بتناسخ الأرواح؟"


"لا"

رد بينما يضع بسيوني يديه على كتفيه وينظر لعينيه بشك مباشر، حرك يديه ليكوب بها وجه زياد

"بس إنت عارف إني بؤمن بيه جداً"


"أيوة، غريبة بس مقبولة"


"أنا مؤمن إنك بشرى"


تنهد زياد بينما تتزاحم أفكاره في رأسه، قاطعه بسيوني ليُهدئ فوضى أفكاره

"مش قصدي إنك بديل"


"هو كلامك له معنى تاني؟، حرفياً بتقول إني بشرى، بيسو هو انت حبتني عشان أنا شبه بشرى بس؟، واخدني بديل؟، وعشان تاليا وزين حبوني؟"


"أنا مش قصدي"

توتر بسيوني


"اومال قصدك ايه؟"


"قصدي انكم نفس الروح، إنت مش بديل بشرى، إنت نفسك بشرى"


كان زياد يتوتر ويفقد الثقة بنفسه عندما يتعلق الأمر ببشرى، فهو يؤمن بأن بسيوني لو تم تخييره بينه وبين بشرى سيختارها بلا شك وأن السبب الوحيد الذي جعله يختاره هو موتها


ابتعد عن بسيوني وهو يحبس دموعه

"بيسو لو سمحت سيبني لوحدي دلوقتي"


كان بسيوني يعلم أنه عندما يطلب زياد وقتاً بمفرده فإن أفضل طريقة لمساعدته هو تركه على راحته لذا انصرف وتركه


جلس زياد على المقعد وبدأ ينظم أنفاسه

"هل هو بديل بشرى؟"

كان دائماً يتهرب من هذا السؤال


وقع زياد في حب بسيوني أولاً، وسقط بعمق، وكان متأكداً بأن مقدار حبه له أكبر وأنه يغفر له حتى اعتباره بديلاً لبشرى


كان يتهرب من التفكير في بشرى لأنه لا يريد أن يتألم عندما يذكر نفسه أنه مجرد بديل لها، بدأ يذرف الدموع وفجأة انفتح باب الغرفة ودخل أمجد


مسح زياد دموعه بسرعة بينما أمجد سأل بقلق

"مالك؟، في ايه؟"


"مفيش، جاي ليه؟، تعالى قول"

كان يريد الاستمرار بقيام دور الوالد لأمجد، فهو يؤمن أنه لا ذنب للأطفال بما يمر به الآباء


"مش هتحكي؟"


"لا، هتقول إنت عايز إيه؟"


استسلم أمجد وتنهد وهو يقترب من زياد ثم قال

"بابا فاشل"


رمش زياد عدة مرات ثم قال بتفهم

"اوكاي مش هكون أب روتيني وأقولك عيب، أو دا باباك وبيتعب ولسه بيتعلم عشان دي مش المفروض تكون مسؤوليتك، بس هقولك إن أي كلام هتقوله أنا متفهمه تماماً ومش هتهمك بالعقوق أو أفكر عنك أي حاجة وحشة"


"شايف!، إنت أب كويس، اشمعنا إنت كده وبابا مش عارف يتعلم؟، اهلك كانوا كويسيين؟"

جلس على مسند المقعد الذي يجلس عليه زياد ليكون قربه


تنهد زياد بعمق

"لا"


"كمان!، شفت إنت بقيت أب كويس مع إن اهلك مكنوش كويسيين، وبابا مش عارف يتعلم"


"إيه اللي حصل؟"


"حاولت أجس نبضه ناحية الهوموسكشوالتي لقيته مقفل دماغه خالص، كمان بيحسسني إني بشحت منه الاتنشن، كل فين وفين أما يقولي كلمة حلوة، وبحس نفسي شحات أوي، هو أنا كتير عليا أن بابا يقولي أنه بيحبني في كل الأوقات؟"


ربت زياد على ظهره برفق

"إنت حابب مني أقدملك إيه يساعدك؟"


"مفيش، أنا عايز الحب من بابا، بابا وبس، نفسي يحبني من غير شروط، نفسي يقولي أنه بيحبني، نفسي اتأكد من حبه ليا عشان اكدب أفكاري وأقولها بثقة أيوة أنا بابا بيحبني"

تابع بعدها

"بابا معاكم بيكون بشخصية ومعايا بشخصية تانية، مش فاهم ماله، كأنه بيكدب عشان يندمج معاكم"

صمت لثواني ثم أضاف وهو يستجمع الأحداث

"أو عشان ما يزعلش بيسو، بحسه بيحاول يراضيه أو ياخده على قد عقله وخلاص"


ابتسم زياد ضاحكاً

"أيوة، واخدين بالنا، عشان كده بيسو قلل نقاش معاه، حسه بياخده على قد عقله بس"


"ليه مش عايز يتعلم؟"

سأل بإنزعاج صريح


"معلش برضه لازم يتعلم بنفسه عشان يقتنع، حاول ترمي خيوط قدامه يمكن يحاول يمشي وراها"


"اما يتصرف كويس فترة بعدين يرجع زي ما كان بيضايقني أكتر من أنه على طول يتصرف بعدوانية، عشان تصرفاته الكويسة بتديني شوية أمل أنه ممكن يتغير، وبعدين في ثانية بياخد مني الأمل دا"


شعر زياد وكأن حديث أمجد يطعنه، فهو كان دائماً يحاول اقناع نفسه أن بسيوني يحبه وأنه ليس بديلاً لبشرى لكنه كان يفشل


"أنا همشي، اشوفك بعدين"

ودعه أمجد وقرر زياد الخروج ليحاول تصفية ذهنه


ركن سيارته ثم امسك هاتفه وبدأ يمرر في محادثاته القديمة حتى توقف عند رقم مسجل باسم (تاج)


اتصل به وفور رده قال بدون مقدمات

"فاضي نتكلم؟"


"اكيد"

رد بلهفة


"سلينترو فرع الدقي"


كانت محادثتهما مختصرة، وبعد ساعتين وصل رجل ملثم بقبعة رأس وكمامة

"هاي!"


سحب مقعداً وجلس، كان المقهى هادئاً والجميع منشغل بشؤونه ولا أحد يركز معهما


"هاي"

رد زياد ثم تابع

"عامل إيه؟"


"كويس عشان شايفك"

رد ثم أبعد الكمامة عن وجهه


"محمد المقابلة دي ملهاش أي معنى غير اني مخنوق بس، متحطش آمال على حاجات مش حقيقية، لو حاسس بضغط تقدر تمشي"


"لا، معنديش مانع، كفاية أشوفك"

نظر له نظرة فاحصة ثم قال بصوت أشبه بالهمس

"كان نفسي تجيلي البيت، أعملك مساج يريحك، شكلك تعبان خالص"


تنهد زياد بضيق وقلب عينيه وعندها أسرع محمد وقال

"آسف، بس وحشتني أوي، وهعرضها عليك للمرة الأخيرة، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشانك، أعتزل الغنا، نسافر، نتجوز ونتبنى عيل، اتنين، تلاتة، العدد اللي تحبه، ولو على الفلوس عندي كتير، بس حبي ليك أكبر من أي فلوس"


كان محمد مغنياً مشهوراً، وكان هو وزياد زملاء في الجامعة، كان تجربة زياد الأولى في العلاقات، ولكنها فشلت، لأن زياد لم يكن يشعر بمشاعر مميزة تجاهه، ولكن محمد يحبه بجنون


ومنذ ذاك الوقت كان زياد قلقاً من أن يحدث له المثل، أن يحب رجلاً بجنون، وأن لا يبادله الآخر، ومازال قلقاً حتى اللحظة ويشعر أحياناً أن علاقته ببسيوني من طرف واحد


"محمد، لو سمحت ما تضغطش عليا، أنا مش ناقص"


"طب تيجي البيت أعملك مساج؟، شكلك تعبان أوي، عايز أساعد بس"

ترجاه ومد يده ليمسك بيده بنعومة

"سيبني اساعدك"


استسلم زياد في النهاية وصعد في سيارته، أخذه لمنزله ثم بدأ يقوم بتدليك كتفيه، رأسه ثم ساقيه حتى غط زياد في النوم 


بدأ هاتفه بالرنين وأخذه محمد على الفور ثم رد

"الو!"


"الو!، كنت عايز زياد"

كان رياض وكان مستغرباً لأنها أول مرة لا يرد فيها زياد على هاتفه


"نايم، تحب اوصله حاجة اما يصحى؟"

فتح باب الشرفة ودخلها ثم انحنى ليأخذ علبة السجائر من خلف اصيص الريحان، كان يخفيها ولا يدخن إلا نادراً


"لا، هبقى اكلمه أنا"

قال وعندها انهى محمد المكالمة ثم أشعل سيجارته


نفث دخانها ليهدئ أعصابه وهو يفكر في أن زياد في منزله، أخيراً بعد كل تلك السنوات، ربما هناك نقطة ضعف في علاقة بسيوني وزياد ويمكنه إستغلالها لفصلهما


بعد التدخين غسل أسنانه جيداً ثم مر على زياد ومال وقبلَ خده


فكر لثواني ثم أخرج هاتفه واتصل بشقيقه

"عايز أطلب منك حاجة"


استيقظ زياد ووجد طفلاً يعض يده، ابتسم ضاحكاً ثم اعتدل جالساً

"صباح الخير، اسمك إيه يا جميل؟"


"مؤنس"

كان محمد ينادي الطفل وهناك طفل آخر أكبر يلعب بالمكعبات على الأرض


"مين الحلوين؟"

سأل زياد باسماً فقد كان رؤية الأطفال يحسن مزاجه


"ولاد أخويا"

رد محمد وابتسم بتلقائية بسبب رؤيته لزياد سعيداً، حمل زياد مؤنس ثم اعتدل واقفاً

"جعان؟، تحب أعملك إيه؟"


"طب وأنا؟"

سأل محمد ورد زياد

"إنت كبير تقدر تعمل لنفسك أكل، مين العسول دا كمان؟"

سأل الطفل الآخر ورد محمد

"منير"


"الله!، ايه العيال اللي كلهم بحرف الميم دول"

قال ضاحكاً


"لسه كمان في مازن، بس هو في درس دلوقتي اما يخلص هيجي"


قبلَ زياد خد مؤنس

"تعالى نعملك حاجة تاكلها وبالمرة نعمل لأخواتك"


ابتسم محمد وهو يراقبه بينما يسير للمطبخ، كان يعلم أن نقطة ضعفه هي الأطفال لذا حادث شقيقه وأخبره بأن يحضر أطفاله إليه ليبقى زياد معه أطول فترة ممكنه


بدأ هاتف زياد بالرنين، كان رياض، أغلق محمد الصوت ثم ترك الهاتف على الطاولة وتبع زياد للمطبخ


.


غنيلي



.


31.متزوج تقريباً

واللهي لو رجع بيا الزمن الف مره

لاعمل نفس الي عملته انا تاني كل مره


وصل مازن لمنزل محمد ووجد مؤنس ومنير يرقصان مع زياد


"زياد!"

قال مازن بنبرة استفهامية


"ايه دا؟، تعرفني؟"

قال زياد ضاحكاً فقد كان مستغرباً


"سمعت عنك حبة كده"

رد مازن ثم اقترب وصافحه ثم نقل نظره لمحمد الذي كان يحذره بنظرات جانبية


"إنت بقى في سنة كام؟"

سأله زياد ورد مازن

"تالتة ثانوي"


"يا عيني!، رخمة أوي السنة دي، حاول متخليش حد يضغط عليك فيها، كده كده التعليم حالياً هو مجرد مصنع بينتج عمال للرأسماليين عشان الفجوة بين الفقير والغني تفضل كبيرة ويفضل الفقير عامل عند الرأسمالي"


استغرب مازن وقهقه مقوساً حاجبيه

"رأس ايه؟، يعني إيه؟"


"بإختصار التعليم اللي بتتعلمه هل بتستفيد منه؟"


"بصراحة لا، أنا مال أمي بحشائش السافانا ونهر المسيسيبي اللي بيصب في خليج المكسيك ولا هستفيد إيه من الجذر التكعيبي؟"


"بالظبط، ومش هتستفيد منه لا في حياتك ولا في شغلك بس الرأسماليين بيشترطوا عليك يكون معاك شهادة عشان تشتغل عندهم وإلا هيستحقروك ويقولوا عليك من حثالة المجتمع وهيشغلوك في شغلانات اسوأ، الرأسماليين بيستغلوا التعليم عشان يضمنوا انهم اخدوا منك فلوس وانت لسه صغير وانك جاهز ومتبرمج لمطحنة الشغل عندهم، مفيش حاجة اسمها تعليم مجاني كله بفلوس فلازم يضمنوا أن مخك اتغسل وانك صرفت للرأسماليين التانيين فلوس على تعليمك، مع أنه تعليم عديم النفع والقيمة بس لازم يكون معاك شهادة عشان يعترفوا بيك ويحددولك قيمة"


كان مازن منبهراً بحديث زياد فلم يسبق أن سمعه من قبل، الجميع يخبره أن التعليم مهم وأن الثانوية هي من تحدد مستقبله وقيمته

"تقريباً فهمت"


قهقه زياد ثم ربت على رأسه

"قيمتك مش في مجموع الثانوية أو الكلية اللي بتدخلها، قيمتك هي اللي بتحددها بنفسك، فا خليك دايماً مقدر نفسك"


غمز محمد لمازن وعندها قال مازن

"إنت هتبات معانا صح؟"


"ما افتكرش"


"ليه؟، مش حاببنا؟"


"خالص، بس عندي بيت ارجعله"


"إنت متجوز؟"


فكر زياد لثواني

"تقدر تقول كده"


"ايه الرد دا؟، مهو يا آه يا لا"

استغرب مازن من رده


نظر لمحمد الذي حرك رأسه بإشارة خفية فهمها مازن

"عمو ما تشغل الأغنية تاني كده، فاتتني"


شغل محمد الأغنية وأمسك مازن بيد زياد

"ولا مش عايز ترقص معايا؟"


قهقه زياد

"هو أنا أطول؟"


حبينا ضحكنا وعيطنا

وكل التفاصيل دي عملتنا

وبقينا احنا بكل ما فينا

حلونا وعيوبنا ولذاذتنا

وعرفنا نقوم لما وقعنا 

عرفنا الدفى لما اتجمعنا

حسينا احنا بطعم الدنيا

و اهو ده الي ادى لعمرنا معنى


"إيه رأيك؟"

سأل زياد مازن عن رأيه في الطعام


"حلو أوي، ما ينفعش تفضل معانا على طول؟"


قهقه زياد بخفة

"عشان اطبخلك؟"


"أيوة خليك معانا على طول"

وافقه منير بحماس 


قبلَ زياد خده

"معلش ورايا مسؤوليات"


"طب خليك معانا النهاردة بس"

ترجاه منير


"أيوة، خليك معانا النهاردة"

انضم مازن إليه ليحاول اقناع زياد بالبقاء


"ما ينفعش"


"ليه؟"

سأل مؤنس بإنزعاج


"عندي عيلة ارجعلها"


"عندك عيال؟"

سأل منير بفضول 


"أيوة"


"عندهم كام سنة"


ابتسم وهو يجيب

"أصغر حد فيهم في الكلية"


"يعني كبار، مش محتاجينك، مش هيجرى حاجة لو قعدت معانا"

رغم أن جملة منير كانت تلقائية لكنها لفتت نظر زياد أن زين وتاليا كبرا ولم يعودا يحتاجان وجوده 


هل يمكنه احتمال غيابه عن منزل بسيوني؟، هل لديه حياة مستقلة بعيداً عنه؟


"هو فين موبايلي؟"

تحسس جيوبه الفارغة


"سحبته، هديهولك وإنت ماشي"

رد محمد 


"محمد ما تهزرش"


"ههزر ليه؟، ولا عايز تمشي وتسيب العيال زعلانة؟"


كانت نقطة ضعف زياد أنه لا يحتمل التسبب بحزن أي طفل، وكان محمد يعرف هذا جيداً ويستغل الأمر


"بليز"

مط مؤنس الياء مترجياً واستسلم زياد في النهاية


"ماشي"


"هيه، هسمعك أغنية بحبها"

هتف مازن بسعادة


"اما يقعد معايا الأول"

حاول منير سحب زياد إليه


"مهو قاعد معاكم من الصبح وأنا لسه جاي"

تذمر مازن


"مؤنس، سيب مازن ياخد وقته لو سمحت"

قال بهدوء وحزم 


عبس مؤنس ومال زياد وقبلَ خده

"هرجعلك تاني ما تزعلش"


سحبه مازن لغرفته ثم شغل أغنية ليجسي تروح لمين

"فناني المفضل، وبعده اونكل"


"مخلي عمك بعده!"

رفع حاجبه مستنكراً


"مهو مش غريب بقى"

رد ببلاهة وقهقه زياد

"عسل"


وتدور ع اللي ضاع منك

واللي فاضلك وتتوه وتروح لمين يدلك

كل الدنيا ضدك

وتدور ع اللي ضاع منك

واللي كان في ضِلك والدنيا دي كل يوم تهدك

تسند ع الناس تذلك


"مش حزينة الأغنية؟"

علق زياد


"شبهي، تايه"


"اتس فاين، طبيعي تبقى تايه، العشرينات كده"


"العشرينات!، هو أنا مش هلاقي نفسي في العشرينات؟"

سأل بصدمة


قهقه زياد بسبب ردة فعله

"لا طبعاً، العشرينات سن اكتشاف الذات، إنت بتكون لسه طالب، بعدين بتتخرج وبتبتدي تكتشف سوق العمل وتتطحن فيه، العشرينات هي بداية كل حاجة، استمتع بيها، ما تضغطش على نفسك"


تنهد بضيق

"حسبت إن العشرينات يعني استقلال"


"عادي، ممكن تكون ليك استقلال، إنت اللي بتحدد، بس هي سن اكتشاف الذات عموماً، فا ما تحملش نفسك أكبر من طاقتها وعيش سنك"


"عندك كام سنة؟"


"اتنين وخمسين"


"يالهوي!"

قال بصدمة وقهقه زياد

"للدرجة؟"


"شكلك صغير، بالكتير تلاتين"


"بالكتير!، اهو أنتم يا مراهقين بالنسبالكم أي حد كبير عشريني أو يادوب تلاتين، مش عارفين تتخيلوا أن ممكن يكون اربعيني وخمسيني عادي، عشان عقلكم مش مستوعب الأعمار دي لأنكم لسه صغيرين، بعدين ما عمك من نفس سني"


"عمو حالة شاذة، شكله صغير أوي، حسبت محدش زيه"


قهقه زياد

"عمك فعلاً حالة شاذة، في السن دا وفاضي يغني راب زي العيال"


"إنت شايف عمو عيل؟"


همهم زياد مفكراً

"بصراحة آه"


"عشان كده مش حابب تقعد معانا؟"


"إيه علاقة عمك بيكم؟"


"ما إنت في بيته، إزاي إيه علاقة عمنا بينا؟"


قرر زياد تغيير الموضوع

"أنا وعمك كنا اصحاب أيام الجامعة"


"عارف"


استغرب زياد

"فعلاً!"


"أيوة، حكالي إزاي اتقابلتوا في ندوة تبع الأزهر ومن بصة واحدة كل واحد عرف إن التاني ملحد"


قهقه زياد بصخب

"أيوة"


"شكلكم قريبين من بعض"

علق زياد لأن مازن كان يتحدث ببساطة عن كون عمه ملحداً


"إنت متجوز؟"


"حاجة زي كده"


"يعني إيه؟"


"مش بؤمن بالجواز بشكل قانوني، أنا شايف إنك لو حابب حد وموجود معاه دا كفاية مش محتاجين تدخل الحكومة"


"يعني بتحب حد؟"


فكر لثواني ثم تنهد تنهيدة طويلة

"أيوة"


"ومالك زعلان كده؟"


"مش زعلان"


"يا سلام!، دا وشك يقطع الخميرة من البيت"


قهقه زياد ثم صفع كتفه بخفة

"تعرف الكلام دا منين؟"


"عارف لو بقيت مع عمو هيبسطك أوي"


"إنت مالك إنت بالكلام دا؟، خليك في مذاكرتك"


"ما يرضنيش أشوف عمي متضايق واسيبه كده"


"وإنت عارف عمك متضايق ليه؟"


"أيوة، بس معرفش إنت مش عايز توافق ليه"


"عشان الحب حاجة مش بايدينا، زي ما عمك بيحبني، أنا بحب حد تاني"


"متأكد إنك بتحبه؟"

جملته كانت استنكارية ومتذمرة ولكنها اربكت زياد لأن آخر شجار بينه وبين بسيوني ذكره بشجارهما السابق الذي انتهى بفراق سنوات كان يتوسل فيها إليه ليعود 


هل هو الوحيد المتمسك بهذه العلاقة؟


"ثانية، محتاج شوية وقت"

استأذن ثم خرج من الغرفة وخرج لغرفة الجلوس حيث كان محمد يلعب مع يونس العاب الفيديو


"عايز موبايلي"

قال زياد وعندها سأل محمد

"ليه؟"


"هو إيه السماجة دي؟، هات الموبايل"


"خلقك ضيق، اهدى"

ترك ذراع اللعب ثم مد أخرج هاتفه من جيبه وناوله اياه


دخل زياد الشرفة ثم فتح قائمة الأرقام واتصل برقم مسجل باسم (دنيا)


"زيكو!"

هتفت فور ردها


"هو أنا اوبسيسد ببيسو؟"

سأل بدون مقدمات


قهقهت بصخب

"إيه الدخلة دي؟"


"جاوبي"


"أيوة، بس إيه الجديد؟"


"حاسس أنه مش متبادل"


"حبك لبيسو كبير جداً، استحالة يعرف يردهولك، بس أنتم دايماً كنتم كده، إيه الجديد؟"


زفر الهواء من فمه ثم لاحظ علبة السجائر خلف الأصيص، حركه وأخرج العلبة ووجد معها ولاعة، اشعل سيجارة ثم نفث دخانها


"إنت معايا؟"

سألت بإستغراب عندما طال صمته 


"تقريباً اللي جد أن العيال كبرت"


"بس دا إيه علاقته ببيسو؟، كنت صابر عشان العيال ولا إيه؟"

انهت جملتها بنبرة ساخرة


"مش عارف، بجد مش عارف، حاسس فجأة إني فتحت جروحي اللي كنت بتجاهل وجودها"


"تيجي عندي شوية؟"


"أنا أكيد هاجي، بس وبعدين؟، هو دا مش تهرب برضه؟، أنا مش عارف أفكر، وبيسو وحشني"


"طبيعي يوحشك، دا عشرة عمر"


"دنيا، دا جوزي"

كان مستغرباً أنها وصفته بأنه شخص قضى معه بضعة سنوات فقط وكأنها تهمش علاقتهما


"طيب يا عم ما تتحمقش أوي كده، دا جوزك"


"أنا بكلمك ليه أصلاً؟، محدش فيكم بيطيق بيسو"


كان أصدقاء زياد لا يحبون علاقتهما، لذا سطح علاقته بهم منذ ارتباطه به


"هو إنت بتتلكك؟، أنا مقولتش نص كلمة عنه، ولا اكمنك عارف أنه واخدك ناني للعيال فا بتحسس على بطحتك؟"


"أنا غلطان إني كلمتك"


حل الصمت لثواني كان زياد ينفث فيها دخان سيجارته بضيق


"زيكو أنا آسفة، مكنش المفروض اتكلم كده، دا مهما كان دا حد إنت بتحبه والمفروض أحترمه عشانك"

تداركت الموقف بسرعة واعتذرت


"كتر خيرك يا ستي"

قال بنبرة ساخرة


"ما خلاص بقى اتأسفتلك، عايز إيه تاني؟"


فكر لثواني ثم رد

"مفتاح شقة اسكندرية"


"بس كده!، تعالى خده، على الله تتعدل بعدها"


كان زياد يشعر بالضغط ويريد الإختلاء بنفسه ليراجع قراراته الأخيرة 


"زيكو، زيكو"

كان يونس يهتف


"أيوة يا حبيبي"

رد بود


"في حد عايزك"


استغرب زياد فهو لم يخبر أي أحد بمكان تواجده، اطفأ السيجارة ثم دخل الغرفة ثم خرج منها لغرفة الجلوس ووجد رياض هناك مما زاد استغرابه أكثر


"في حاجة حصلت؟"

سأل بإستغراب


"ما بتردش على تليفونك من إمبارح"


"آه، أنا هنا، عند صاحبي"

رد ببلاهة ممزوجة بإستغراب فلم يكن قد استوعب الموقف بعد


"عايزك في موضوع مهم، ممكن تيجي معايا دقيقة؟"


زاد قلق زياد

"اوكاي، هاجي"


"هستناك"

قال محمد قاصداً أنه سينتظر عودته، بينما ينتعل زياد حذائه


خرج زياد مع رياض ثم صعد في سيارته وسأله

"عرفت مكاني إزاي؟"


"من تليفونك"


"احا إنت بتراقبني؟"

تفاجأ زياد


"عادي، قلقت بس عشان مردتش، وبيسو قال ما يعرفش إنت فين، ما تعتبرش مراقبة"

كان يتحدث ببساطة ثم انتبه لرائحة زياد وسأل بإستغراب

"إنت بتدخن؟"


"مش دايماً، المهم عايز إيه؟"


تنهد رياض وشعر زياد بالتوتر في الجو، فما الشيئ الذي قد يجعل رياض يتتبع موقعه ويداهمة بهذه الطريقة؟

حتى قال رياض

"عايز نتكلم عن أمجد"


.


الف مرة



تروح لمين



.

32. ذوبي ثَغرَكِ بثَغري، وغني

"أمجد كبير ومش المفروض يكون في أي واصي عليه"

قال زياد واعترض رياض

"هو الغلط فيه كبير وصغير؟"


"إيه الغلط؟، طالما مش بيأذي غيره يبقى حاجة ما تخصناش"


"زياد أنا مش بتدخل في تربيتك يبقى إنت كمان ما تتدخلش في تربيتي"


رفع زياد حاجبيه بتعجب

"اومال بتسألني ليه؟"


"أنا عايزك تتكلم معاه، هو بيسمع منك"


"مش هكلمه عن حاجة مش مقتنع أنا بيها"


"هتحب إن علاقتي بيه تبوظ؟، واني امد ايدي عليه؟"


"وليه تمد ايدك عليه من أصله؟، ما تسيب الولد في حاله"


رد رياض بحزم

"أنا مش هسيب أبني في الجنان دا، أنا غلطان اني من الأول سبته يختلط بيكم"

صمت لثواني بعد استيعاب ما قاله


"أعمل اللي تعمله يا يارض دي حاجة ما تخصنيش، بس ما تلزقش فيا أنا وبيسو أي حاجة مش عاجباك في عيالك"


فتح باب السيارة ثم خرج منها وعاد لداخل منزل محمد حيث كان الأطفال ينتظرونه بحماس


"حسبتك مش هترجع"

قال مازن وقهقه زياد

"ليه كده بس؟"


"ممكن تلعب معايا؟"

سأل مؤنس بحماس


"ممكن اللعبكم لعبة بحبها؟"

سأل وتبادل مؤنس ومنير النظرات ثم ردا

"ماشي"


"عايز ورقة وقلم"

قال وعندها ركض مؤنس لحقيبته، أخرج دفتره ومزق ورقة منه ثم أخذ القلم من المقلمة وناول الورقة والقلم لزياد


"اللعبة دي اسمها الغمزة، بنعمل ورق على عددنا وورقة فيها غمزة، اللي بيبقى معاه الورقة بيغمز للباقيين إلا واحد بس بيسيبه يخمن مين معاه الغمزة"

قال وهو يرسم عين في آخر ورقة 


"هلعب معاكم"

قال محمد وعندها أضاف زياد ورقة أخرى

"هنشوف"


بدأوا يلعبون وكانوا جميعاً مستمتعن باللعبة ويقهقهون بصخب، وفي النهاية نام مؤنس ومنير وبقي مازن مستيقظاً يتحدث مع زياد بينما يجلس محمد ويستمع لمحادثتهما


"أول ما هبلغ ههاجر"

قال مازن ورد زياد

"عين العقل، بس حاسب عشان كل بلد ليها تمن ومفيش حرية كاملة"


"أي حاجة أحسن من البلد بنت الأحبة دي"

قال وعندها قهقه زياد

"إنت لحقت تشوف منها حاجة؟"


"شوفت اللي مكفيني، كفاية كده"

كان مازن قد ضاق ذرعاً من البقاء في مصر رغم صغر سنه


استطرد مازن بعد أن تذكر شيئاً

"بتحب الرقص صح؟"


ظل زياد صامتاً لثواني، كان يفكر هل هو من يحب الرقص أم أنه فعل هذا فقط من أجل بسيوني، ليكون بديلاً مثالياً لبشرى


"أصل عمو كان قايلي إنك بتعرف ترقص فلكلور، كان عندي فضول أعرف بيكون عامل إزاي"

تابع مازن


بعد صراع قصير في رأس زياد استقام واقفاً

"مش مضطر ترقص"

نبهه محمد 


"أنا عايز أرقص"

قال ثم أخرج هاتفه وشغل اغنية طر بنا يا ليل، ترك الهاتف على الأرض ثم بدأ يتحرك بمرونة، يرقص بخفة محركاً خصره، فخذية وذراعيه


اقترب من مازن ثم أمسك بيده وسحبه ليقف ويشاركه الرقص، واستغل مازن الأمر وسحب محمد ليرقص معهما ثم انسحب ليتركهما يرقصان معاً ووقف يراقبهما والإبتسامة تعلو شفتيه


كان محمد يحاول تقليد حركات زياد بينما يراقبه الآخر ويفكر هل هو يحب الرقص حقاً أم أنه يقلد بشرى؟


وضع ذراعيه خلف ظهره وحرك كتفيه مع حركات رشيقة من قدميه وهو يدور حول محمد بخِفة، بينما يفكر هل يرقص لأنه يحب الرقص أم أنه تلقائياً أصبح يستنسخ بشرى ليعجب بسيوني


لقد توقف عن التدخين منذ ارتباطه ببسيوني لأن التدخين يصيبه بالقلق، لكن هل يريد هو التوقف عن التدخين حقاً؟


"إنت شاطر أوي"

استفاق من شروده على صوت محمد، كان يلتفط أنفاسه بعد أن توقف عن مجاراته في الرقص لأنه عجز عن تقليده


"أنا مش عارف أنا عايز أرقص ولا برقص لإني بعرف أرقص"

تحدث بما يدور في رأسه بدون ادراك


أمسك محمد بيده ليوقفه عن الحركة

"يبقى ما ترقصش"

كان تصرفاً سريعاً وحازماً، لم يفكر بل كان يرى بأنه من غير المقبول أن يقوم زياد بشيئ مع بال شارد ومشوش


قهقه زياد بسبب ردة فعله السريعة وسأل محمد بقلق

"ضايقتك؟"


"لا، بس أوقات بنسى إن في ناس ممكن تاخد ردات فعل سريعة"


نظر لساعة الحائط ثم تحدث بسرعة

"أنا هروح لدنيا، هعدي عليكم تاني، باي"

خرج فوراً كي لا يمنحهم فرصة لمنعه


تنهد محمد بقلة حيلة بينما يراقب الفراغ الذي خلفه زياد 


"هو زيكو فين؟"

سأل سليمان وهو يلتفت حوله باحثاً عنه ورد مُلهم

"بيسو قال أنه بيفصل حبه"


"غريبة، عمر ما زيكو بعد عن بيسو قبل كده، العكس بس اللي بيحصل"

كان سليمان مستغرباً


"اهو مرة من نفسه"


حل الصمت لثواني، جلس سليمان بجوار مُلهم الذي كان يلعب العالب الفيديو ثم مال على اُذنه وهمس

"تفتكر متخانقين؟"


كان شيئ لم يتوقعه مُلهم، انتشرت القشعريرة في جسده، أوقف اللعبة ثم نظر لسليمان، كانت انشات بسيطة تفصل بينهما، تحدث مُلهم أمام شفتيه

"زيكو مش بيتخانق مع بيسو"


"اشمعنا؟"


"عشان زيكو بيحب بيسو أوي"

عاد للنظر لشاشة اللعب ثم شغل اللعبة


"ممكن اطلب منك حاجة؟"

سأل سليمان ولم يزح مُلهم عيناه عن الشاشة

"ايه؟"


"ممكن تمثل انك صاحبتي؟"


ترك مُلهم ذراع اللعب وسقطت على الأرض من اثر صدمته

"أفندم!"


"بابا جايبلي عروسة، عايز أقوله إني مصاحب عشان ما اتدبسش في الجوازة"


"وإنت متعرفش ستات؟"


"ما بثقش في الناس بسهولة"


"وبتسألني عشان إنت مؤمن إن الست بالولادة بتفضل ست صح؟"

كان غاضباً من طلبه ويشعر أنه يشكك في جنسه وينكر كونه رجلاً


وعلى عكس مُلهم الذي يتحدث بعصبية رد سليمان بهدوء

"خالص، بس إنت شكلك قمور، فا حاسك مناسب"


"وإنشاد؟"


"عشان أمجد ياكلني؟"


بدأ غضب مُلهم ينطفئ وواصل سليمان حديثه

"لو مش موافق عادي، بس هتدبس في جوازة ومعنديش حد تاني يمثل أنه صاحبتي"


تنهد مُلهم بعمق

"عايز إيه؟"


"هعرفك على عيلتي، بس كده، مش هنشوفهم تاني بعدها"

كان يحاول اقناع مُلهم ولكن بدون ضغط وبدأ مُلهم يميل إليه ويقتنع بحديثه


"شباب حد شاف زيكو؟"

كان أمجد الذي دخل المنزل للتو


"مش هنا"

رد مُلهم


"اومال فين؟"


"منعرفش، واخد شوية وقت لوحده"

رد وكان أمجد يدور في غرفة الجلوس بتوتر واضح

"هو دا وقته؟"


غادر أمجد في النهاية، صعد في السيارة وقاد لمنزل إنشاد، طرق الباب وفور فتحه له قال

"يلا نهرب"


"إيه؟"

تفاجأ إنشاد من دخوله المفاجئ وجملته


"بابا بقى يخنق بجد، يلا نهرب ونستقل في أي بلد تانية"


"أنا معنديش مشكلة خالص مع كونسيبت الهروب، بس هل إنت متأكد إنك مستعد تسيب كل حاجة؟، هل إنت مدرك الموضوع؟، انك تسيب بلد كاملة بكل الناس والأماكن اللي فيها؟"


"أيوة عادي، ولو على بيسو وزيكو هما بيسافروا يو اس كل سنة نقدر نشوفهم هناك"


"إنت خلاص قطعت مع والدك ووالدتك خالص؟"


"أنا كنت عرص إني كنت عايز اصلح علاقتي بيهم أصلاً"

كان غاضباً ومحطماً


"اهدى بس، ما بناخدش قرارات واحنا متعصبين"

أمسك بيديه محاولاً تهدأته


"يلا نمشي، عشان خاطري"

كان أمجد منفعلاً ويريد المغادرة فوراً


"طب ادخل نتكلم بس الأول"

كان يتحدث بهدوء وحنان


سحبه برفق ليدخل ثم أغلق الباب، عانقه برفق وبدأ يربت على ظهره


"مبحبش الاحضان الجافة دي"

تذمر أمجد لأن هذا النوع من الأحضان يذكره بوالده واحضانه الذكورية السامة 


بدأ إنشاد يحول عناقه لعناق حميمي، مرر كفه بنعومة على ظهره، كان يدلكه برفق وببطئ، لمساته جعلت تنفس أمجد أثقل، ثم لم يعد يقوى على الوقوف وشعر بقدميه ترتعشان من التوتر ساقطاً في حضن إنشاد ليسلمه نفسه بالكامل


"أحسن؟"

همس في اُذنه ثم قبلها


بادله أمجد العناق متشبثاً به، تنهد بتعب ثم رد لاهثاً

"أحسن"


حل الصمت لثواني وكانت انفاسهما هي الشيئ الوحيد المسموع حتى قطع إنشاد الصمت سائلاً بهمس

"لسه عايز تمشي؟"


"أيوة"

رد وعندها فصل إنشاد العناق ثم نظر لعيني أمجد المرتعشة لثواني وشعر بأنه لا يحتمل رؤيته بكل هذا الإنكسار والحزن

"يلا نمشي"


.


33. حلاوة الحب كله


"إيه مسلسلك المفضل؟"

سأل مازن


"سابع جار"


"كنت شايف نفسك انهي كاراكتر فيهم؟"

سأل لأن المسلسل مشهور بأنك ستجد شخصية تشبهك لأن الشخصيات به متنوعة


"هبة، البنت التايهه"


"انت كنت تايه وإنت صغير؟"

سأل بفضول عيناه تلمع وهو ينظر إليه


"كلنا بنبقى تايهين واحنا صغيرين، بس هبة شبهي لأنها بتكره القواعد، الحدود، تايهه وبتبدأ شغلانات، كورسات، علاقات ومش بتكملها، أنا كنت كده"


"هبة مكروهة جداً من المشاهدين"

علق مازن وقهقه زياد

"عشان بنت، لو مثل دورها راجل كانوا عدوها، إزاي بنت ملهاش حدود وبتدور على الحرية؟، إزاي بتشرب كحول وحشيش عادي كده؟، دي منحلة"


"إنت عندك أخوات؟"


حل الصمت لثواني وكأن زياد يتذكر شيئاً ثم رد في النهاية

"لا"


"العيشة كالإبن الوحيد حلوة؟"


"لا، بيكون عليك كل الفوكاس وآمال عالية ولازم تبقى زي ما أهلك عايزين وإلا كده تبقى إبن عاق"


"بس شكلك بقيت إبن عاق"

علق لأن حياة زياد لا تبدو كحياة سيوافق عليها والدان، فمن سيترك إبنه كل هذه السنوات بلا زواج؟


ضحك زياد ثم رد باسماً

"حقيقي، أنا إبن عاق"


"إيه الصفات اللي تحبها تكون في شريك حياتك؟"

سأل فجأة ولم يستوعب زياد سؤاله

"إيه؟"


"ايه التايب بتاعك؟"


"مش عارف، أهم حاجة مش حد ريليجيس أكيد"


"موجود، إيه تاني؟"


رفع زياد حاجبيه بتعجب

"هو إنت بتشقطني؟"


"يمكن"

طريقة حديثه جعلت زياد يقهقه

"أنا مش بيدو"


"بشقطك لعمو مش ليا"


تلاشت إبتسامة زياد

"ملكش دعوة بمواضيع الكبار"


"الراجل اللي بتحبه عامل إزاي؟"


بدأ زياد يفكر في بسيوني وهو يرد

"راجل حنين، طباخ شاطر، ثوري شرس، نسوي اشتراكي، طبعاً اثيثت، ما بيرتاحش إلا في حضني، بيتعلم من غلطاته"


توقف عن الحديث عندما شعر بالشوق الشديد لبسيوني، وبدأ يستوعب أنه حقاً يحبه وأن تصرفاته ليست استنساخاً لبشرى، بل أنه أحياناً يغير من نفسه كي لا يشبهها لأنه خائف من أن يحدث مقارنة بينهما، لكن بسيوني لا يقصد أبداً فهو يؤمن بتناسخ الأرواح ولا يقصد أنه بديل بل أنه مثالي تماماً له كما كانت بشرى


استقام واقفاً

"أنا لازم امشي"


"هتروحله؟"

سأل مازن


"أيوة، الحب دا أحلى حاجة في الحياة، حاجة ما نقدرش نتحكم فيها"


"مفيش أي فرصة لعمو؟"

سأل مازن بخيبة، يحاول استمالة زياد


"أنا قولتله قبل كده إن مفيش، الحب حاجة ما نقدرش نتحكم فيها، سلملي على عمك"

خرج مسرعاً ثم صعد في سيارة أجرة وعاد للمنزل، دخل مباشرةً لغرفة بسيوني حيث كان يعمل على حاسوبه فور رؤيته تفاجأ، اقترب زياد بسرعة وقبلهُ بشغف، بادله بسيوني ثم همس

"احا أنا في ميتينج"


"احا!"

صرخ زياد وابتعد عنه بسرعة


لحسن الحظ كان الاجتماع بالصوت فقط ولم الكاميرا تعمل


"افندم!"

استغرب الطرف الآخر من لفظ زياد بينما زياد كتم ضحكته وحمحم بسيوني

"مش عارف الصوت دا جه منين"


خرج زياد ثم عانق زين وقبلَ خده عدة مرات،مر على تاليا وفعل نفس الشيئ وهي قالت

"أمجد كان بيدور عليك"


أخرج هاتفه واتصل بأمجد

"الو يا حبيبي، تاليا قالت إنك سألت عني"


"أنا ههاجر"

قال بدون مقدمات وشعر زياد بالقلق من أن يُجن رياض أن حدث هذا


"إيه اللي حصل؟"

سأل بهدوء


"بابا بقى لا يطاق، تصدق أنه قالي ما تقعدش مع زين عشان ما تتخولنش زيه؟"

تذمر بضيق


"اخدت قرارك خلاص؟، فكرت كويس؟"


"فكرت كويس ومعنديش أي ندم"

رد بثقة


"لو محتاج أي مساعدة في الورق قولي يا حبيبي"

قال بحنان عندما وجد أن أمجد قد حسم قراره وأنه لا مجال للتراجع


ابتسم أمجد وتنهد براحة فهو كان يريد سماع هذا الكلام، كان زياد يعرف جيداً كيف يتحدث مع الأطفال والمراهقين وكيف يرضيهم ويطمئنهم


"بحبك"

قال أمجد ورد زياد

"وأنا بموت فيك يا روحي"


انهى المكالمة وفجأة سحبه بسيوني ثم باغته وقبلهُ قبلة عميقة همس لاهثاً بعدها

"وحشتني أوي أوي أوي"


"وإنت كمان أوي أوي أوي أوي"

رد باسماً وابتسم بسيوني بدوره ثم أحاط بذراعيه رقبته ليقبله قبلة أعمق


"إنت عمرك ما هتكون بديل"

همس أمام شفتيه وهو ينظر لعينيه


"عارف، أنا آسف إني سبت الانسكيورز بتاعتي تأثر على علاقتنا، المفروض إني كبير وواعي مش عيل"


وصع سبابته على شفتيه ليسكته ثم قال

"الانسكيور مش لسن محدد، طبيعي تحس بدا، والمفروض أحتويك وقتها، ما تترددش تتكلم عن أي حاجة تقلقك، احنا موجودين مع بعض عشان نسهل حياتنا مش عشان نكون مصدر قلق لبعض"


"تيجي نرقص سوا"

قال لأنه اراد أن يثبت لنفسه أنه يحب الرقص وليس أنه يستنسخ بشرى، هذه المرة سيرقص بثقة


شغل بسيوني أغنية عبدالوهاب في يوم وليلة ثم بدأ يتحرك برشاقة وتبعه زياد وهو ينظر لعينيه بهيام


في يوم وليلة، يوم وليلة

خدنا حلاوة الحب كله في يوم وليلة

أنا وحبيبي، أنا وحبيبي

دوبنا عمر الحب كله في يوم وليلة


"هاي!"

القى كيرلس التحية على إبراهيم الذي كان يتحدث مع العامل في الملجأ


"هاي!"

رد إبراهيم ثم تابع

"جاي تسأل عن حاجة للكلب؟"


"لا، جاي اقضي شوية وقت معاك"

قال بصراحة ثم جلس بجواره على الأريكة

"عندك مشكلة؟"


تزحزح إبراهيم ليترك مساحة بينهما لأنه مازال غير معتاد على اللمسات

"لا، نورت"


"ايه أخبار بيسو؟"


"ماله؟"

سأل ببلاهة


"خلاص اتصالحتوا؟"


"علاقتنا مش قوية، أحنا بس مصاحبين اولاد بعض، العادي يعني"


"حاسس بإيه ناحيته؟"


"الذنب، بس دكتوري قال أنه شعور يوزليس واني المفروض طالما حاسس بالذنب أعمل حاجة مش أحس بس"


"اوكاي، قررت تعمل إيه؟"


"مش عارف، عارف إن وجودي حواليه بيوتره فا اني ازوره كتير مش حاجة كويسة"

كان متوتراً، وحائراً لا يعرف كيف يتصرف


"ممكن تخبزله كيكة"


نظر إبراهيم لكيرلس

"بس أنا ما بعرفش أعمل كيكة"


"بسيطة، هساعدك"


"متأكد الكيكة هتحل المشكلة؟"

سأل إبراهيم بشك فلم يكن يفهم ما دخل الكعك بالإعتذار والشعور بالذنب


"تبادلوا الكيك، هيبقى حاجة ظريفة وتقلل التوتر بينكم، والاحسن تبعته مع حد من عيالك أو عياله بدل ما تقابله، عشان ما تصحيش التروما عنده"


بدأ إبراهيم يفكر وتابع كيرلس

"مش هتعرف ترجع الزمن لورا بس تقدر تغير المستقبل، خلينا نغير المستقبل"


"ماشي، خلينا نغير المستقبل"

استسلم إبراهيم في النهاية، فربما يقلل هذا شعوره بالذنب تجاه بسيوني


"يلا بينا نجيب مقادير الكيك"

كان كيرلس متحمساً وسحب إبراهيم ليقف


"دلوقتي؟"

استغرب إبراهيم


"وراك حاجة؟"


حل الصمت لثواني ثم رد

"لا"


"يبقى يلا"

سحبه بحماس لخارج الملجأ


صعد في سيارة كيرلس ثم بدأ هاتفه بالرنين، كان رياض 

"إبراهيم إنت شفت أمجد؟"

كان صوته يبدو قلقاً


"لا، في حاجة ولا إيه؟"


"معرفش عنه حاجة من امبارح، ممكن تعرفلي مكانه؟"


"اهدى، هعرفلك مكانه حالاً"

انهى المكالمة ثم اتصل بصديقه الذي مازال يعمل في الشرطة

"عايز أطلب منك حاجة"


.


في يوم وليلة



.



34.الأمل الأخير

"تيام"

كان يوسف ينادي بعد أن استيقظ وحده في الغرفة، خرج من الغرفة وكرر نداءه

"تيام"


"يوسف"

التفت ووجد تيام يحمل طبق بسكويت، وملابسه بها بقع دقيق وزيت، وتعلو شفتيه ابتسامة واسعة


اقترب ومد له الطبق

"عملت بسكويت"


ابتسم يوسف ثم أخذ بسكويتة وقضم منها

"تسلم ايدك"


"حلو؟"


"أيوة، تسلم ايدك"

أخذ بسكويتة أخرى بينما تيام كان سعيداً ويكاد يقفز من فرط سعادته


"يعني إنت كنت عارف؟"

كان إبراهيم يتحدث مع زياد وكان صوته مرتفعاً


الصوت العالي أصاب تيام بالقلق، لاحظ يوسف الأمر وسحبه للشرفة ثم وضع يديه على اُذنه كي لا يسمع محادثة زياد وإبراهيم


"إبراهيم لو سمحت اهدى، صوتك عالي"

قال زياد بهدوء


"إبن أخويا مشي وساب البلد وعايزني اهدى؟"

كان يتحدث بعصبية


"لو مكانش حاسس بضغط مكانش مشي"


"وهو عادي كده مع أول خناقة يهرب؟، إيه اللي بتعلموه للعيال دا؟"


"دا مش هرب، دا استقلال، هو مش عايز تدخل في حياته، زهق من التحكمات"


"يبقى يتكلم مع ابوه زي الرجالة"


"لو كان ممكن يتكلم كان اتكلم، رياض منشف دماغه وشايف أنه من حقه يتحكم فيه لأنه ابنه، بعدين مش جزء من نظرتكم الذكورية إن الراجل ما يعيبهوش حاجة؟، مش المفروض تضايقوا أنه مشي"


"وهو يعرف إيه عن الإستقلال؟، دا عيل، هيروح يتسول هناك؟"


"ما تقلقش هو كويس وكله تمام، لو قلقان أحب أطمنك، انما لو عايزه يرجع عشان تكملوا تشكيل فيه على مزاجكم فا دا مش هيحصل"


"ما بلاش جو العيال دا"


"جو العيال هو انكم عايزين تتحكموا فيه كأنه طفل"


"وهو أي حاجة يقولها ما ينفعش نعارضه؟، هنربيه إزاي؟"


"ممكن تقولي إيه اللي مضايقك منه؟"


"إزاي يهرب ويسيب ابوه كده؟"


"عشان الضغط مش الحل، هو كبير وله حق يحدد عايز يعيش لوحده ولا مع اهله"


"يعني ابني تيام لو قرر يمشي هتقوله يمشي؟"


"براحته"

تابع بعدها

"إبراهيم ياريت تفكر شوية، هل تحب أهلك يعاملوك بنفس الطريقة؟، لو آه فا مفهومك للحب خاطئ، الحب مش تحكم، الحب حجة الديكتاتور عشان يتحكم فيك باسم الحب، بس دا لا يعني أنه فعلاً بيحبك، الحب المشروط بشيئ هو حب نرجسي، أمجد كده ولا كده كده كان ماشي، تحب ما تعرفش عنه حاجة خالص ولا يبقى في حد بيطمنك عليه؟"


"هاي يا حلوين؟"

القت لبنى التحية بمرح لينتبه إليها يوسف وتيام


"لسه راجعين من كلاس بيلي دانس، حضرتوا كلاس قبل كده؟"

سألت تاليا بمرح واومأ تيام ويوسف بالسلب


خلعت تاليا حذائها لتقف حافية ثم شغلت أغنية زياد ظاظا ولا مين وأمسكت يد لبنى

"يلا نوريهم حاجة فن"


بدأتا ترقصان برشاقة ومرونة، كانا يشغلان تيام ويوسف كي لا يركزا مع إبراهيم وزياد، ونجحتا في هدفهما ببراعة لأن الأغنية والرقص اخذتا كل تركيز تيام ويوسف


زهقت انا من اللف بس انا اجيله لو كان فين

ده اللي مليش غيره ده اللي كلامه كله عليه

ومابيسبنيش

من غيره مش بعيش

ولا مين، ولا ليه

انا هجيبك مش هتشغلي بالي

ومش هسيبك شغلاه

ساعتين صفا وهتبقي حلالي


اقتنع إبراهيم بحديث زياد في النهاية، فقد كان تفكيره مختلفاً عن عائلته لكنه خضع لهم خوفاً منهم وإنتهى به الأمر بالبؤس والحزن ونوبات الغضب حتى خرج من قيودهم وعاش كما يرغب أن يكون وعندها تحسنت نفسيته وصحته ونوباته غضبه أصبحت أقل


ادرك إبراهيم أن زياد محق، لا يحق لهم التحكم بأمجد وهو حتى الآن لا يعلم سبب خلافاته مع رياض 


"هو إنت تعرف اتخانقوا ليه؟"

سأل إبراهيم


"اسأل رياض"

رد زياد لأنه اراد للشقيقان أن يتحدثا فقد ينجح إبراهيم  في جعل رياض يرى الحدث من منحنى آخر


حل الصمت لثواني ثم سأل إبراهيم بهدوء

"هو إبني لو قرر يمشي ويسيبني هتساعده بجد؟"


"بدل ما تفكر في إزاي تحبسه وتضمن أنه ما يمشيش، فكر إزاي متخلهوش يوصل للمرحلة دي"


"إزاي ما اخلهوش يوصل للمرحلة دي؟"


"خليك دايماً موجود علشانه، احتويه، خليه يجيلك بدل ما يهرب منك"

أضاف بعدها بسرعة

"ومش قصدي إنه دلوقتي بيهرب منك، دا مجرد مثال"


بالرغم من أن رياض هو من خرج عن طوع والديه وإبراهيم هو من انصاع لهما فإن تربيتهما كانت مختلفة، وكان رياض لا يدرك كم الألم الناجم من الإجبار لأنه لم يجربه ويريد تنفيذ ما يريده هو ويرى أن رؤيته هي الصحيحة 


"ممكن تخلي أمجد يرجع؟"


"لا، ماليش إني أفرض عليه حاجة، دا قراره هو، بس بدل ما تبقى عايزينه يرجع عشان تثبتوا انكم متحكمين فيه ما تراجعوا نفسكم وتشوفوا إيه اللي خلاه يمشي"


"هو إيه اللي ضايقه؟"


"كلمه بنفسك، مليش اني اتكلم باسمه، واسمعه كويس من غير احكام لحد ما يخلص كلامه"

نصحه زياد بهدوء وغادر إبراهيم في النهاية


انتبه زياد لصوت الأغنية ودخل الشرفة ووجد لبنى وتاليا ترقصان، عندما انتبهت تاليا لوجوده سحبته ليرقص معهما


"مبسوط؟"

سأل إنشاد ليستفيق أمجد من شروده ثم يومأ بالايجاب


"مش حاسك"


"بصراحة كان نفسي بابا يحبني زي ما أنا"


"إنت كلمته إزاي؟"


"سألته إيه رأيك في الهوموسكشوال قال أننا ملناش دعوة بيهم وأنهم مرضى، وفترة بتمر على الناس وبتعدي وأننا مش المفروض ننساق ورا أي تريند أو شعارات باسم الحرية واجندات الغرب، اتعامل مع الموضوع أنه تريند مش أكتر"

تابع عندما تذكر المزيد

"كمان قالي ابعد عن زين عشان صحبته هتخليك زيه واللي بيعمله دا غلط وهيندم عليه بعدين، وإن مش أي حاجة نفكر فيها تبقى صح، احنا بشر مش حيوانات، شبه الهوموسكشوالتي بإنها مجرد غريزة حيوانية مش المفروض ننجر وراها"


"دا بعيد أوي، ورديت عليه بإيه؟"


"قولتله الابحاث اثبتت إن المثلية مش مرحلة ولا مرض قالي هو أي حاجة يقولوها الغرب تصدقها؟"


"هي جات ا بوينت ذو"

رد إنشاد ضاحكاً


"هو دا وقت هزار؟"

تذمر أمجد فهو كان مهموماً ولا يحتمل المزاح


"سوري، بحاول أخفف عنك"

ربت على كتفه وزاد تذمر أمجد

"مبحبش طبطبة الرجالة الذكورية دي"


عانقه إنشاد ثم بدأ يوزع قُبلاته على وجهه ثم همس

"حقك عليا"


"تفتكر بابا لو عرف إني كوير هيعمل إيه؟"

كان أمجد يفكر في رياض كثيراً، يتمنى لو يتقبله ويحبه وتتحسن علاقتهما


"مش مهم"


"لا، مهم بالنسبالي، نفسي يحبني، ماما حاولت المحلها قعدت تستغفر وتقول اميتوا الباطل بالسكوت عنه، تفتكر هتعمل إيه لو عرفت هي كمان؟"


"عندك بيسو وزيكو"


"بس هما مش اهلي الحقيقيين، كان نفسي اسمع الكلام دا من بابا وماما مش من ناس اتعرفنا عليهم بالصدفة عشان سكننا سوا وقت الكورنتين، يعني إيه يبقى ناس عرفناهم صدفة أقرب وأحن عليا من اهلي؟، دا جنان"


اصدر هاتف أمجد نغمة إستلام الرسائل، كان إبراهيم

"ممكن اتكلم معاك حبة؟"


بدأ يفكر وتدور عيناه في الغرفة لثواني ثم قررت أن يجرب محادثته، وإن إنتهت المحادثة بشكل سيئ سيقطع كل آماله عن عائلته

"اوكاي"


.


ولا مين



.


35. فترة وتعدي 

"إيه رأيك في المثليين؟"

سأل إبراهيم وعندها رد كيرلس ضاحكاً

"أحسن ناس"


عبس إبراهيم معتقداً أن كيرلس يسخر منه

"أنا مش بهزر"


"ولا أنا، عندك مشكلة معاهم؟"


"هي المثلية مش غلط؟، مش شذوذ وتصرف غير طبيعي؟"


رفع كيرلس حاجبيه بتعجب

"ومين قال كده؟"


"دا حسب معلوماتي"


"معلوماتك غلط، المثلية شيئ طبيعي، حب اتنين بالغين من نفس الجنس لبعض حاجة عادية، مش شايف إنه جنون إنك تتهم حد بالغ عاقل بالمرض لمجرد أنه بيحب من نفس جنسه؟"


لم يكن إبراهيم مؤمناً لذا لم يجب بإجابات روتينة كآيات من القرآن أو أن يقول أنها شيئ محرم لأنه بالأساس لا يؤمن بحدود الأديان


"مش ممكن تكون مجرد فترة وتعدي؟"


"احتمال، بس لو فترة دا بيكون حب مؤقت سطحي مش بيكون العيب في أنه بيحب من نفس جنسه بتكون العلاقة نفسها سطحية"


"إنت اتعاملت معاهم قبل كده؟"


"أنا واحد منهم"

رد بلا تردد وتفاجأ إبراهيم 


"بجد!"


"يس، عندك أي أسئلة؟"


بدأ إبراهيم يفكر في أنها فرصة ليحاول فهم عقول المثليين لذا بدأ يسأل

"امته عرفت إنك مثلي؟، إزاي اتجوزت؟"


"أنا مش مثلي، أنا مزدوج، بحب الرجالة والستات، عرفت دا أما كنت في اعدادي، كنت ببص كتير لزميلي في الاسكواش، وبفكر فيه كتير وعرفت إن دا مش حاجة عادية انك تفكر في زميلك طول الوقت وأنه اعجاب"


"إزاي عرفت إنها مش فترة وتعدي؟"


"عشان ما عدتش، ولحد دلوقتي بيعجبني رجالة"


"ما يمكن يكون غيرة، إنك عايز تبقى زيه مثلاً"


قهقه كيرلس

"صدقني الأفكار اللي بتجيلي عنهم مش غيرة خالص"


شعر إبراهيم بالخجل بعد سماع جملته، حمحم ثم سأل سؤالاً آخر

"بتبقى مستني إيه من عيلتك؟"


"تقبل، دعم، إني لسه ابنهم زي ما كنت، بس اهلي كانوا متشددين جداً ورفضوني، بعدين بعد ما اتجوزت طليقتي رجعوا تقبلوني على أساس انها كانت فترة وخلصت، وأنا كملت تمثيل إنها كانت فترة لإني حبيت الاتنشن اللي ادهولي وإني رجعت ابنهم تاني، لحد ما اتطلقنا واتضايقوا عشان مش عارف إنت تعرف ولا لا بس في ديننا مفيش طلاق، فا اتضايقوا جداً وقالوا مش هيكلموني إلا اما ارجعلها"


انتبه أنه روى الكثير فقال مازحاً

"سوري دوشتك معايا"


"لا، كلامك صح، الحب العائلي مهم جداً، وغيابه ممكن يخلي الإنسان يفكر يعمل أي حاجة عشان يتلقاه"

كان إبراهيم يتقبل حديث كيرلس ويفهمه بشكل جيد ففي النهاية هو قد صمت لسنوات عن اعتداء والده وخاله من أجل الحفاظ على حب العائلة فقد خاف إن تحدث أن يروه طفل سيئ كاذب ويحرموه من حبهم 


"بتسأل ليه بقى؟"

سأل كيرلس ومد يده ليرتب شعر إبراهيم 


"وإنت مالك؟"

كان إبراهيم يرى أن أمور عائلته تخصه هو لذا لم يرد أن يروي لكيرلس عن الأمر


قهقه كيرلس ثم بعثر خصلات شعره

"عسل"


صفع إبراهيم يده وبدأ يرتب شعره وبينما يفعل لاحظ نظرات كيرلس

"في حاجة؟"


"ما تعملش في الكوير اللي تعرفه نفس اللي اهلي عملوه فيا، خليك سابورتيف"


"يعني إيه كوير؟"

سأل ببلاهة


"كوير هو أي ممبر من الالجي بي تي كومينتي، مثلي، مزدوج، ترانس نان باينري، كله بقى"


"نان إيه؟"

سأل بإستغراب


"لو بتسأل عشان تتريق أنا مش في المود، لو عايز تتعلم بجد هقولك"


فكر إبراهيم في أنه يريد أن يكون أقرب لأمجد ليصلح علاقته برياض لذا اجاب

"عايز أتعلم"


بعد جلسة طويلة قرر إبراهيم الذهاب لرياض ليحاول الاصلاح بينه وبين أمجد


"مساء الخير!"

القى التحية عندما فتح له رياض الباب، كان رياض يبدو مهموماً ومستائاً


لم يرد التحية بل ترك الباب ودخل ليدور في دوائر في غرفة الجلوس


دخل إبراهيم ثم أغلق الباب

"ممكن نتكلم شوية؟"

سأل بهدوء 


"إنت عرفت حاجة عن أمجد؟"

سأل بإندفاع


"إنت ليه كنت بتتخانق مع أمجد؟، إيه آخر حاجة حصلت بينكم؟"


"جنان وهبل، كان بيتكلم عن المثلية"


"وكان ردة فعلك عاملة إزاي؟"

على غير العادة كان إبراهيم الهادئ ورياض الغاضب


"عادي يعني، قولتله إن دا غلط زي أي حد عاقل ما كان هيعمل"


"ما فكرتش تشوف الموضوع من وجهة نظره؟"


"وجهة نظره إزاي يعني؟"


"أنه عايزك تتقبله زي ما هو"


"جرى إيه يا إبراهيم؟، إنت دلوقتي اللي هتعلمني أتعامل إزاي مع ولادي؟، ما كنت نفعت نفسك دنتا راميلي عيالك كل الوقت"

كان غاضباً ولا يدرك ما قاله حتى بعد التفوه به


"معاك حق، أنا آسف، مش هرميلك عيالي تاني"

انسحب إبراهيم في النهاية فلم يكن ليستطيع الرد على جملة رياض 


كان رياض يعتقد أن إبراهيم يتحدث إثر إنفعاله فقط ولكن مضت الأيام ولم يكن ولدي إبراهيم يزورانه أبداً كما جرت العادة، عندها علم أنه تجاوز حدوده في حديثه


حتى قرر الذهاب لمنزله ليتحدث معه، عند وصوله رحب إبراهيم به بتحفظ، وبعد دخوله القى الطفلان التحية عليه بلا عناق أو قبلات وعندها فقط استوعب أنه قد مرت فترة منذ آخر مرة عانقهما بها، فهما دائماً في منزل بسيوني وزياد يتلقيان كل الحب والإهتمام لذا اهتمامه ليس مميزاً، كيف تفوه بشيئ كهذا لشقيقه؟


"إبراهيم أنا آسف على اللي قولته"

بدأ رياض حديثه


"ولا يهمك"

رد إبراهيم بلا مبالاة، كان يبدو أن الإعتذار لم يؤثر به


"أنا بعتذرلك بجد"


"وأنا مش مستني إعتذارك"


"اومال؟، ما تبقاش قماص"


"أنا مش قماص، بس اللي بتعمله في أمجد مش عدل، أمجد محتاجك معاه"


"يعني هو أنا لازم أوافق على أي حاجة يقولها عشان ابقى أب كويس؟، يعني لو قالي هطلع حرامي ادعمه برضه؟"


"إيه علاقة السرقة اللي هي جريمة وبتسبب أذى للغير بالمثلية؟، ولا حاجة، انت بتشبهها بيها بس عشان الإتنين حرام بالنسبالك، أنتم المسلمين كده بالنسبالكم مفيش فرق بين الحرام والجرايم وممكن تعملوا جرايم لمجرد أنها مش حرام"


إستغرب رياض

"أنتم المسلمين!"


"أيوة، أنا اثيثت"

لم يكن هناك مجال لإنكار الأمر بعد ما قاله لذا اعترف


تفاجأ رياض أكثر، هو يعلم أن شقيقه يسب الأديان لكن هناك الكثيرون يفعلون وهم في النهاية مؤمنين، اما إبراهيم فقد وصف نفسه بشكل قاطع أنه ملحد


"إنت بتتكلم جد؟"

سأل رياض بتفاجوء


"ممكن ما نحولش الموضوع ونركز في الكلام على أمجد؟"


"إبراهيم أنا حاسس إني معرفكش"


"كل دا عشان اثيثت؟، منتا بتسمعني بسب الدين ليل نهار، إيه اللي جد؟"

رد بضجر


"دا من امته؟"

كان رياض مصدوماً ولا يستوعب الامر


تنهد إبراهيم بضجر وكرر

"ممكن نركز في موضوع أمجد؟"


"يعني إنت شايف أنه عادي؟"


"أيوة"


"لو تيام جه قالك أنا مثلي دي هتبقى نفس ردة فعلك"


رد إبراهيم بلا تفكير

"أيوة عادي"


"إنت بتقول دا بس عشان هو مش مثلي فعلاً ولا قالك حاجة"


"بابا"

تدخل تيام في محادثتهما التي سمعها بسبب صوت رياض المرتفع


"أيوة يا حبيبي!"

رد إبراهيم بود


بدأ تيام يفرك يديه ببعضهما

"إنت فعلاً مش هتمانع لو كنت مثلي؟"


استغرب إبراهيم السؤال لكنه لم يغير رأيه

"أكيد، براحتك يا حبيبي"


اقترب تيام ثم سحب إبراهيم من طرف ملابسه ليميل عليه ثم همس في اُذنه

"أنا بحب يوسف"


كان إبراهيم متفاجئاً لأنه لم يلاحظ الأمر، ورد في النهاية

"اوكاي، براحتك"


لم يستوعب أن والده لا يمانع فسأل بشك

"بجد!"


"أيوة عادي"


قفز تيام وعانق إبراهيم بقوة بينما رياض متفاجئ مما سمعه، تيام حقاً مثلي!، وبدأ يفكر أن السبب هو اختلاطهم بعائلة بسيوني


دخل تيام لغرفته وعندها سأل إبراهيم

"هتكلمه؟"


"دا مش طبيعي، أكيد دا بسبب اختلاطهم بزين"


تفاجأ إبراهيم من تحليله

"مش كان الأولى يبقى زين زي المجتمع السائد اللي حواليه من إن عيالنا يقلدوه؟"


"العيال في السن دا بتحب التمرد، أكيد بيعملوا أي حاجة ممنوعة وخلاص"

لم يكن رياض مقتنعاً


"بص إنت مش هتقتنع لو مين كلمك، لازم تقتنع بنفسك، فا هسيبك براحتك"

قال إبراهيم ثم نادى لوجين 

"لوجي، عملتلك الشاي بلبن"


كان رياض يرى الحب المثلي مرحلة مؤقتة، تعلق مرضي يجب أن تتم معالجته، كما كانت تجربته هو مع بسيوني، ولا يؤمن بأنها حب حقيقي


.


36.أب مثالي

انتي لسه زي ما انتي قمر في عيني

أحلى عمر دا اللي كان بينك وبيني

واما تيجي في الكلام سيرتك بقول

دي حبيبتي الغالية دي بنت الأصول


كان زياد وبسيوني يرقصان معاً بينما يراقبهما إبراهيم بعد أن وصل للتو ووجدهما يرقصان وقرر الجلوس بصمت في انتظار انتهاء رقصتهما


توقفا عن الرقص وصفقت تاليا بحماس بينما قهقه كليهما ثم تبادلا قبلة دافئة، كانت أول مرة يتبادلان قبلة أمام إبراهيم، فقد طمئنهما كيرلس أن يتصرفا بطبيعتهما أملمه وأنه ليس كارهاً للمثليين، تأكد إبراهيم أن علاقتهما ليست صداقة بعد رؤيتهما يتبادلان القبلات


"نورتنا، اعملك شاي بلبن؟"

سأل زياد بود


"لا، عايز اكلمك"


جلس زياد على المقعد المجاور له

"بيسو، اعملنا حاجة نشربها"


انصرف بسيوني ليتركهما وحدهما ودخلت تاليا الشرفة، ثم سأل زياد

"خير، حاسك عايز تقول حاجة"


"تيام قالي أنه مثلي"

قال بدون مقدمات لأنه كان قد تعب من دوران الجملة في رأسه


"حلو، ورديت عليه إزاي؟"


"قولتله عادي، بس قلقان أعمل حاجة غلط، اتصرف إزاي معاه"


ابتسم زياد لأنه أحب حرص إبراهيم على أن يحافظ على علاقته بتيام 


"قوله إن حبك له مش هيتغير، وانك بتدعمه في أي قرار هياخده، سواء بيحب بنت أو ولد مش هيفرق حاجة"


"بس؟"

كان متوتراً وقلقاً


"ما تقلقش، الموضوع بسيط، ولو احتجت تسأل أي سؤال رقمي معاك، أنا مبسوط إن تيام قالك دا معناه إنه بيعتبرك حد قريب منه جداً"


"بجد!"

سأل بشك فهو لا يثق بكونه والداً جيداً، فمنذ أيام فقط وصفه رياض بأنه يرمي أطفاله في منزله وأنه لم يقم بتربيتهم


"أيوة، إنت أب هايل، إبنك وثق فيك وقالك، دا معناه إنك قريب جداً منه، تعرف إن تيام معرفش حد خالص غيري؟، حتى بيسو مقالهوش، دا معناه إنك قريب جداً منه أقرب حتى من بيسو اللي العيال بتحبه"


"العيال بتحبك إنت"

صحح إبراهيم وقهقه زياد

"مش دايماً"


"لا، العيال بتحبك جداً، إنت بتدي فايبز الأب المثالي"


"شكراً، أتمنى"

رد بخجل 


"كان نفسي أكون زيك، بس حاسس صعب أوي، حتى بيسو مش زيك، هعرف أنا؟"


"مش مهم كل الأطفال تحبك، المهم عيالك، وتيام قالك أنه مثلي دا معناه إنك أقرب حد له، خلي عندك ثقة في نفسك يا مسيو"

انهى جملته بمرح


إبتسم إبراهيم ضاحكاً

"شكراً"


"رياض عامل إيه؟"


تلاشت إبتسامته بعد سماع اسم رياض وعندها سأل زياد

"في حاجة حصلت ولا إيه؟"


"رياض شايف المثلية فترة وبتنتهي مع الوقت"


همهم زياد

"فاكر إن تجربته بتنطبق عن الكل"


"تجربته!"

لم يفهم إبراهيم مقصده


"بص دي حاجة خاصة ما اقدرش احكيهالك، بس حاول مع رياض يمكن يحكيلك"


"ما أفتكرش إني هعرف اتكلم معاه"


"حصل حاجة ولا إيه؟، حابب تحكي؟"


تنهد بضيق

"قالي الحقيقة، اني أب فاشل وراميله عيالي وإني آخر حد اتكلم عن التربية"


"ممكن أقول حاجة وما تزعلش؟"


ابتسم ضاحكاً

"قول، كده كده خربانة"


"لا إنت ولا أخوك بتعرفوا تربوا، اللي ربى عيالكم بيسو، أنا آسف يعني بس عيالكم بيقعدوا معانا أكتر ما بيقعدوا معاكم أصلاً، فا رياض ملهوش حق يعايرك لأنه هو نفسه إبنه سابه وهج، لو كان أب مثالي فعلاً ومربي أجيال كان أتصرف أحسن"


قهقه إبراهيم

"معاك حق"


"بس لو هنقارن بينك وبين رياض إنت قابل للتعلم عنه، ودي حاجة ما توقعتهاش، بصراحة يعني أول ما شفتك أول مرة كان نفسي أقتلك وعمري ما تخيلت اني ممكن اتكلم معاك كلمتين فما بالك إنك سبت شغلك، فتحت شلتر، اتغيرت خالص، مع انك عرفتنا بعد رياض بس اتغيرت أسرع منه"

أضاف بعدها 

"سوري لو بان كلامي عن رياض سلبي، بس اتعصبت شوية من كلامه، حقك عليا، دا أخوك في الآخر برضه"


ابتسم إبراهيم وربت على يد زياد برفق

"اتس فاين"


.

37. مناظرة

"هاي!"

القى بسيوني التحية بعد أن فتح له رياض الباب 


"هاي!"

رد بنبرة استفهامية


"ممكن ادخل؟"

سأل بسيوني وعندها أفسح رياض له

"اتفضل"


جلس بسيوني على الأريكة ثم بدأ حديثه بلا مقدمات

"ممكن نتكلم عن أمجد؟"


"ليه؟، هو مش مشي وعمل اللي في دماغه؟"


"دا مهما يكون ابنك برضه"


"دا مش ابني اللي ربيته، أنا ابني ما يعملش كده"


"ليه متضايق منه؟"


"عشان بيمشي ورا أي هبل وخلاص ومش راضي يتعالج"


"يتعالج من إيه؟"

كان يتحدث بهدوء ويستمع بتركيز لحديثه


"من تعلقه المرضي بالرجالة"


"ومين قال أنه تعلق مرضي؟"


"عشان دا مش طبيعي"


"مين قالك أنه مش طبيعي؟"

سأل وحل الصمت لثواني حتى رد بسيوني بدلاً عنه

"أنا أقولك، إنت بتقيس عليه تجربتك الشخصية"


"مش تجربتي الشخصية بس، دا حرام، مخالف للفطرة اللي ربنا خلقنا عليها"


"مين قال أنه حرام؟، فيه بعض المفسرين بيقولوا إن قوم لوط ما اتعاقبوش عشان المثلية الجنسية، لكن العقاب الإلهي حصلهم بسبب حاجات تانية، زي إنهم كفروا بربنا، وكذبوا النبي، واتريقوا عليه، وكانوا بيعتدوا على المسافرين ويهتكوا أعراضهم، وكمان خانوا العلاقة الزوجية، وكان عندهم طمع وجشع، وبيشاوروا كمان إن معظم الأحاديث اللي بتتكلم عن كُره المثلية مش بس ضعيفة في السند، دي كمان مش متفق عليها بين العلماء، وزوجة لوط اتعاقبت عشان كانت بتساعدهم مش عشان كانت موافقة على المثلية"


"بس الأزهر افتى أنه حرام"


"نفسه الأزهر اللي كان بيقول إن ختان النساء سنة ودلوقتي حرمه؟، ونفس اللي حرموا العبور بس دلوقتي بقوا يحللوه في ظروف معينة؟"

تابع بسيوني

"مين فينا اختار يتخلق على وضعه؟، انت اخترت تتولد راجل؟ أو تتولد مسلم؟ أو تتولد في الزمن ده؟

ابنك برضو ما اختارش"


"طب ولو دا ابتلاء؟ مش ممكن دي طريقة ربنا بيختبره بيها؟"


"وممكن كمان يكون اختبار ليك إنت، هل هتحبه وهو مختلف؟ هل هتختار الرحمة؟

الابتلاء مش دايماً يكون في اللي بنمر بيه، أوقات بيكون في رد فعلنا"


"بس إحنا مش كده، دي مش طبيعتنا، دي حاجة غريبة عن مجتمعنا وديننا"


"طب ما النبي محمد نفسه عاش وسط ناس بتدفن البنات أحياء، ومع كده ما قالش دي طبيعتهم، غير، وعدل، برحمة، الطبيعة مش حجة، لأن البشرية طول عمرها بتتغير وتتعلم، وبعدين، إنت متأكد إننا كنا دايماً مش كده، ولا دا اللي اتقال لنا نصدقه؟"


"بس ما هو الطبيعي إن الراجل يحب ست؟ لو غير كده، يبقى فيه خلل، مش كده؟"


"يعني إيه طبيعي؟ لو هنمشي ورا الطبيعي، يبقى الإنسان ماكانش ركب عربية ولا طيارة، الطبيعي مفهوم بيتغير حسب السياق والثقافة"


"طب ليه بنشوف ناس بيتعالجوا من المثلية؟"


"هما مش بيتعالجوا، هما بيتعرضوا لضغط نفسي اسمه (العلاج بالإكراه) والمنظمات النفسية العالمية قالت الكلام ده جريمة، زي مثلاً ما يجي ناس تعذب اسير لحد ما ينطق بكلام هما عايزينه عشان يوقفوا تعذيب، هل دا معناه أنه قال دا بمزاجة أو إن اللي قاله حقيقي؟"


"هو لسه صغير، مش فاهم، مش ناضج، يمكن يتعدل"


"وإنت صغير كنت بتحب البنات وإنت مش ناضج، ليه ساعتها حبك كان (طبيعي)؟"


"طب ماشي، بس لو كل الناس بقت كده، الحياة مش هتمشي، مفيش جواز طبيعي، مفيش نسل"


"هو حد قال إن كل الناس هتبقى كده؟، زي ما فيه ناس ما بتحبش غير من نفس جنسها، فيه ناس بتحب الجنس الآخر، وفيه ناس مش بتحب خالص، ربنا خلق التنوع، ولو كلنا زي بعض كانت الدنيا باظت من بدري، وبعدين قيمتك مش في الطفل اللي بتخلفه، قيمتك في اللي بتربيه وتحبه وتحميه من العالم"


"ماهو لو سيبت ابني على راحته، بكرا يتجرأ أكتر، يتشبه بالنساء، يطلع يتكلم أكتر، وأنا هقول للناس إيه؟"


"أصعب نظرة هي نظرة ابنك ليك يوم ما يحس إنك مكسوف منه، عارف يعني إيه حد يعيش عمره يحاول يكسب حب أبوه؟ دي حرب نفسية يومية، الناس؟ هتقول وتنسى، لكن ابنك لو كره نفسه، أو اختفى من حياتك دي حاجة ما بتتنساش"


"هو ربنا بيرضى عن كده؟ يعني الحب ده يرضيه؟"


"ربنا مش بيقيس الحب بجنس اللي بنحبه، ربنا بيقيسه بالنية، بالصدق، في ناس جوازهم حلال بس كله ضرب وإهانة، وفي ناس علاقتهم مش مفهومة عند المجتمع، بس كلها احترام ورحمة ربنا اسمه (الرحمن) لسبب"

تنهد تنهيدة طويلة

"هسيبك تاخد وقتك وتفكر، لو عندك أسئلة تانية اسألني"


إنصرف بسيوني ثم صعد في سيارته وتنهد بعمق، اتصل زياد به ليطمئن عليه

"عملت إيه؟"


"حاولت"


"معلش يا حبيبي، أكيد دا ضغط عليك إنك تتكلم عن حاجة مش مقتنع بيها فاهمك، انت كويس؟"


"أيوة، أنا كويس"

رد وهو يتنهد بتعب


"سمع منك؟"


"أيوة، مستني النتيجة"

سحب حزام الأمان ثم شغل السيارة


فور أن دلف بسيوني إلى عتبة البيت، كان زياد في انتظاره، واقفاً في آخر الممر كمن تنبّه لتعبه قبل أن يصل، لم ينبس بكلمة، فقط تقدم نحوه واحتواه بين ذراعيه، عناقٌ طويلٌ، دافئ، أشبه بحبيب يحتضن جندياً عائداً من الحرب


ثم تراجع قليلاً، وبدأ يوزع على وجهه قُبلات صغيرة، واحدة على جبهته، وأخرى على وجنتيه، ثم على طرف أنفه، وأخيراً قبّله عند زاوية فمه، همس بعدها

"حمدالله على السلامة"


أمسك بيده، وقاده نحو الحمام حيث كان البخار قد ملأ المكان، تعبق في الأرجاء رائحة زيت اللافندر العطري، والماء يملأ حوض الإستحمام


بهدوءٍ خلع زياد عنه ملابسه، ثم طواها بعناية

ساعده على الدخول في حوض الاستحمام، ثم جلس خلفه، مد يديه إلى كتفيه وبدأ بتدليكهما بأصابعه الرطبة، يتحرك بلطفٍ وتروٍ، وكل بضع ثوانٍ يتوقف ليطبع قبلة خفيفة بين لوحي كتفيه أو على مؤخرة عنقه


أخذ زجاجة الشامبو، سكب بعضاً منه بين كفيه، ثم وضعه على رأسه، يدلك فروة شعره بحركات دائرية

همس وهو يغسل شعره

"بحبك"


قبل قمة رأسه قبل أن يغسله بالماء الدافئ، ثم بدأ يدلك كفيه واحداً تلو الآخر، يضغط بلطفٍ على أصابعه، كأنه يعيد لها الحياة، ثم صعد بذراعيه حتى بلغ الكتفين، قرب وجهه وقبلَ شفتيه قبلة هادئة، عميقة 


بعد الاستحمام، لفه بمنشفة قطنية، وساعده على ارتداء ملابسه، قطنية رمادية ناعمة

أجلسه على الكرسي أمام المرآة، وبدأ يسرح شعره ببطء، يمرر الفرشاة بين خصلاته 

أمسك بمجفف الشعر، وجففه بحرارة خفيفة، يمرر أصابعه بين الخصلات ليفك تشابكها برقةٍ 


ثم وضع في كفيه بضع قطرات من زيت عطري بنفحات خشب الصندل والبرتقال، وبدأ يدلك رقبته وكتفيه بحركات ناعمة، منتظمة، يتابع تنفسه حتى بدأ يهدأ، وكل شيء فيه يسترخي


همس قرب أذنه

"يومك كان طويل، بس أنا هنا علشانك يا حبيبي"


وما هي إلا لحظات، حتى غطّ بسيوني في نوم هادئ، رأسه مائل إلى صدر زياد، وكأن جسده وجد مكان راحته أخيراً


"ممكن أعزم يوسف على الغدا؟"

سأل تيام ببراءة وهو يفرك يديه ببعضهما بتوتر بينما يقوم إبراهيم بإعداد الطعام


"أكيد، ينورنا"

رد إبراهيم باسماً وعندها ابتسم تيام ثم اقترب من إبراهيم وصعد فوق الكرسي ليصل لخده ثم يقبله، نزل بعدها وعاد لغرفته بسرعة


كان إبراهيم يشعر بالتوتر وقلق من التصرف بشكل خاطئ لذا اتصل بزياد وابلغه بما حدث ليعطيه نصائح عن كيفية التصرف عندما يزوره يوسف


ذهب إبراهيم للتسوق عندما وجد أن مقادير الوجبة التي قرر اعدادها ناقصة، وبينما يقوم بوضع زجاجة الزيت في سلة المشتريات سمع صوت كيرلس

"إبراهيم!"


التفت إليه ثم ابتسم

"هاي!"


"هاي!، إزيك؟"

كان كيرلس يبتسم بإتساع 


"ماشي الحال"


"هتطبخ إيه؟"

سأل كيرلس بود


"مكرونة بشاميل"


"ياه!، أنا كمان هعملها، طب ما نعمل سوا؟"


فكر إبراهيم لثواني ثم رد

"اوكاي"


"على فكرة أنا طباخ شاطر جداً"


ضحك إبراهيم

"بصراحة أنا مش شاطر خالص، أنا لسه متعلم الطبخ قريب"


"طب كويس، لحسن حظك اني هعمل معاك الأكل، أنا أشطر حد يعمل مكرونة بشاميل"


"فعلاً!"

رفع حاجبه مستنكراً


"يلا نكمل شوبينج، وبعدين تيجي معايا البيت نعملها"


"اشمعنا أنا اللي اجي معاك؟"


"اللي تشوفه، معنديش مانع لو عايزني اجي"


فكر إبراهيم أن وجود رجل غريب سيكون موتراً لتيام لذا تراجع

"لا خلاص، نطبخ عندك"


"جود، يلا نكمل المقادير"

قال بإبتسامة واسعة ودفع عربة التسوق


.



38. الضيف

ليه عايزين ياخدوه من قلبي، ليه يلومني الناس على حبي؟

كل كلامهم مش هيأثر، وأنا ولا هبعد ولا هتغير

يمكن حتى هقرب أكثر، مهما يحاولوا الناس بالعكس

حبنا جوة قلوبنا بيكبر، مهما يحاولوا يطفوا الشمس


استفاق بسيوني على دفء مألوف يلامس شفتيه وصوت ميادة الحناوي، كان لا يزال بين النوم واليقظة، حين شعر بشفتي زياد تطبعان قبلة ناعمة، مستمرة، تطرق باب روحه قبل أن تطرق فمه

ابتسم، دون أن يفتح عينيه، ثم رفع يديه ببطء، يطوق بهما وجه زياد، يمرر أنامله على وجنتيه كأنه يتحقق من كونه حقيقياً


قال بنبرة مبحوحة، ما زالت آثار النوم فيها

"بتصحيني كده؟ دا أنا ممكن أعمل نفسي نايم على طول"


ضحك زياد بخفوت، عينيه تلمعان وهو يرد

"مش محتاج تبقى نايم عشان ابوسك"


مال بسيوني أكثر، حتى التصق به، ثم جذب زياد إليه ليتمدد فوقه، كأن جسده لا يكتمل إلا بثقل الآخر عليه


"كنت محتاج ده، بحتاجك تلمسني عشان أحس اني لسه عايش"


تنهد زياد وهمس قرب أذنه، بينما كانت أنامله تعبث بخصلات شعره

"أنا دايماً موجود علشانك"


كان كل شيء حولهما ساكناً، حتى الهواء

رفع زياد وجهه قليلاً لينظر في عينيه، ثم مرر إصبعه برفق على ملامحه، كأنه ينظر له للمرة الأولى في حياته، ثم قال

"حاسس إنك وحشتني أوي"


رد بسيوني، وعيناه تذوبان من فرط التعب والامتنان

"أنا ما ليش مطرح غيرك، إنت دايماً واحشني"


انخفض زياد ليقبله مرة أخرى، قبلة لم تكن شهوانية، بل دافئة، عميقة، كأنها تستخرج الألم من صدره قطرة قطرة

قبلة استغرقت الوقت الذي يحتاجه جسد بسيوني كي يتذكر أنه محبوب، أنه آمن، أنه ليس مضطراً للهرب أو التصنع، أنه يمكنه التصرف على طبيعته قرب زياد


حين ابتعد زياد أخيراً، سأل بحنان

"عايز تكمل نوم؟"


ضمه إليه، رأس بسيوني استقر على صدر زياد

أغمض عينيه من جديد، والدفء يحيط به من كل اتجاه،

وهو يسمع دقات قلب زياد، نبض منتظم، خافت، لكن كاف ليطمئنه أن الحياة لا تزال تستحق


"زيكو"

اقتحم زين الغرفة جاعلاً بسيوني يكاد يبصق قلبه


بدأ زياد يمسح على شعره بلطف ليهدأه ثم قال معاتباً زين

"مش بنخبط الأول؟، إيه دخلة المخبرين دي؟"


تجاهل حديث زياد وسأل

"ممكن أسافر استراليا اسبوعين؟"


"ما تسافر، بس اما يطلعلك تمساح من قعدة الحمام ما تقولش اني ما حذرتكش"


"شكراً يا حبيبي، حولي الفلوس بقى، باي"

خرج من الغرفة وأغلق الباب وعندها أمسك زياد يد بسيوني وبدأ يوزع قبلاته الدافئة على ظاهرها ثم باطنها، ليجعله يعود للإسترخاء


"كله تمام يا روحي"

همس وداعب بيده الأخرى رقبته حتى بدأ بسيوني يغط في النوم مرة أخرى وبعدها قبلَ زياد جفن عينه اليمنى

"صدق وجهك العظيم"


ابتسم بسيوني ضاحكاً وعينيه ماتزال مغلقة، رفع يده لوجه زياد الذي أمسك بيده وقبلها ثم همس كلمات مضناك

"مولاي وروحي في يده، قد ضيعها سلمت يده"


كانت كلمات مضناك لها تأثير كبير على علاقتهما، لذا كانت تطفوا في رأسهما في كل مرة يكونان فيها معاً


(بيني في الحُب وبينكَ ما لا يَقدِرُ واشٍ يُفسِدُهُ)

كان مقطعهما المفضل، وكانت حقيقة علاقتهما، فلا يمكن لأي شيئ أو أحد تفريقهما، كانت علاقتهما قوية، قد يختلفان أحياناً، لكن في النهاية يعودان لأحضان بعضهما


"تحب ناخد اجازة احنا كمان؟"

سأل زياد ورد بسيوني بدون أن يفتح عينيه

"ماشي، بس بلاش برا مصر"


"أسوان حلوة؟"

سأل وابتسم بسيوني ضاحكاً

"حلوة فشخ"


"كلمت رياض إزاي؟"


همهم ثم فتح عينيه

"بلح، قوم لوط ما اتعاقبوش عشان مثليين، الدين رحمة الخ الخ"


"معلش، دا الكلام اللي ممكن يسمعه المؤمنين، انما لو قولتلهم أيوة حرام واحنا مش مهتمين هيموتوا"


"مش مصدق الناس اللي بتدافع وبتقول الإله كان قصده السرقة والنهب والاغتصاب مش المثلية انهم مصدقين اللي بيقولوه، دنا كنت بتكلم خمس دقايق وكنت هتف على نفسي"


"بيصعبوا عليا، الكويرز المتمسكين بالدين مش مدركين أنهم متمسكين عشان الريجليس تروما، عشان مرعوبين من جهنم بس، مش عشان دينهم كيوت وهما بيحبوه"


"ما يصعبش عليك غالي"

رد بنبرة ساخرة ثم قبلَ شفتيه


"بابا"

هتف تيام بعد سماع صوت الباب يفتح ثم تلاشت إبتسامته عند رؤية كيرلس


"مين دا؟"

سأل ورأى ملاك يدخل المنزل هو الآخر


"دا أستاذ كيرلس، ودا ابنه ملاك، سلم عليه"


نظر تيام لملاك بشك ثم صافحه على مضض

كان إبراهيم يحمل صينية المعكرونة في يده

"هجهز السفرة"

تركها على الطاولة ودخل المطبخ ليحضر الأطباق، تبعه كيرلس

"هساعدك"


تبادل تيام وملاك النظرات ثم قال ملاك

"أنا عندي كلب"


"بابا عنده شيلتر"

رد تيام


"ما أنا جبته من عنده"

كان ملاك يتحدث بمرح وحيوية


"هاي!"

كان يوسف الذي قطع محادثتهما ونظراتهما ليصافح ملاك مثبتاً وجوده

"أنا يوسف"


"أنا ملاك"

عرف ملاك بنفسه بمرح بينما يوسف كان ينظر له كعدو ينافسه على اهتمام تيام


"يلعن دين ام كده"

تذمر إبراهيم لأن قطعة المعكرونة وقعت على الأرض بينما يقوم بنقلها للطبق


بينما يقوم بالتنظيف رن جرس المنزل

"هنضف أنا، شوف مين"

قال كيرلس وعندها تركه إبراهيم وسار للباب


كان رياض، رفع إبراهيم حاجبيه بتعجب

"خير!"


"هتسيبني واقف على الباب؟"


"اتفضل"

افسح له ليدخل ثم أغلق الباب واشار له ليتبعه للشرفة


"إنت بجد ملحد؟"

سأل رياض وعندها رد إبراهيم

"إنت بجد ضارب كل المشوار دا لبيتي عشان السؤال دا؟"


"ممكن تجاوب؟"


"أيوة يا سيدي ملحد"


"ليه؟، إيه اللي خلاك كده؟"


"مفيش، من كتر اللذاذة والجمال اللي في الدين نفسي جذعت فا قلت الحد شوية"

كان يتحدث بنبرة ساخرة


"أنا بسأل بجد"


"بس مش مستعد للإجابة، فا بريح نفسي وبريحك، سؤالك استنكاري مش أكتر، إنت مش هتستوعب ردي"


"أنا خايف عليك"


"بلاش الأسطوانة دي، لو كنت مصدقها كنت سمعت كلام بابا وماما ودخلت شرطة واشتغلت شغلانة بابا عشان هما عارفين مصلحتك وخايفين عليك"


كانت أول مرة يسمع بها إبراهيم يتحدث بهذه الطريقة، شعر وكأنه لا يعرفه 


"إنت كده من امته؟"


"دايماً، بس كنت باخد بالي من كلامي عشان ما تبصليش البصة اللي باصصهالي دلوقتي دي، عشان ما بحبش وجع الدماغ"

أضاف بعدها

"أنتم بتجبروا الناس تلبس ماسك عشان تتكلم معاكم كلمتين، مش عارفين نبقى بطبيعتنا"


"فكر أكتر، باب ربنا دايماً مفتوحلك"


"وأنا مش عايزه، خليهولك"


"بتحس بإيه وإنت لوحدك في الدنيا دي من غير إله تحتمي فيه وتدعيله؟، مش خايف؟"

كان رياض لا يستوعب فكرة الالحاد ويرى أن الجميع يحتاج الإله ليلجأ إليه ويحتمي به، فكرة وجود اله مطمئنة وتجعلك تشعر أنك في أمان حتى لو كان أمان مزيف مبني على ايمان أعمى غير مدعوم بأي ادلة عقلية


رد إبراهيم ببساطة

"نفس شعور السمكة اللي ما بتعرفش تسوق عجل، ولا حاجة"

تابع بعدها

"وجود إله من عدمه ما يفرقش معايا حاجة، حياتي متوقفة عليا أنا وقراراتي أنا، لو عايز حاجة بعملها، لو نفسي في حاجة بسعى عشان اوصلها بنفسي، مش اقعد ادعي لشيئ مجهول الدليل الوحيد على وجوده شوية كلام متداول"


"أنا مش شيخ، بس ممكن تروح لشيوخ وتتكلم معاهم، أكيد هيجاوبوا على كل استفساراتك وتقدر ترجع للدين"


"شيوخكم تخلي الواحد لو مؤمن يكفر أصلاً"

قال ساخراً ثم أضاف

"مش هقبل الكلام عن كوني اثيثت تاني، دي حاجة ما تخصكش"


"بس إنت كنت بتصوم"

كان يحاول أن يثبت لإبراهيم أنه يقوم بأوامر الدين إذاً فهو مؤمن بدون ادراك منه


"محصلش، كنت بمثل عشان لو قلت اني مش صايم هاخد محاضرة وأنا بحب اريح دماغي"


"مش حاسس إن المصايب اللي إنت فيها بسبب بعدك عن ربنا؟"


"مصايب إيه؟، أنا زي الفل"


"مش خايف ربنا يحرمك من حاجة مهمة في حياتك عشان ترجعله"


"اهو إنت بتثبت كلامي، تعبدكم مبني على الخوف، هتصلي عشان خايف ربنا يحرمك من حاجة، أو يعاقبك على حاجة، هل في أي منطق في اللي بتقوله؟، لا"


"ما طبيعي احنا مخلوقين عشان نعبده بس"

كان رياض مقتنعاً بما يقوله ولا يفهم حديث إبراهيم


"دا إيه الفضا دا؟"

تنهد ثم اضاف

"أنا مش حمل كلام مش هيودي ولا يجيب، لو دا اللي جاي تتكلم عنه بس يبقى خلاص"


"لو عايز تتكلم تاني أنا موجود"


"صدقني مش عايز"

رد إبراهيم بلا تفكير ثم قال وهو يخرج من الشرفة

"اتفضل اتغدى معانا"


.


الشمس



.


39. خطفوني عينيك

"مبروك يا حبيبتي"

قبلَ بسيوني خد تاليا ثم تبعه زياد وقبلَ خدها الآخر

"الف مبروك يا روحي"


كانوا يباركون لها لأنها رسمياً أصبحت تعمل كراقصة ورغم أن لبنى تعيش معهم منذ فترة فقد كانت مندهشة من أنهم يباركون لها بدلاً من محاولة قتلها كما يفعل أغلب الأهالي، لم تستطع الإعتياد على طريقة عائلة بسيوني وزياد أبداً، كانا دائماً يدهشانها


بارك لها زين واهداها الة الرق، بينما اهداها مُلهم الصاجات


"روحتي فين؟"

سألت تاليا لتستفيق لبنى من شرودها


"دايماً بفكر هو دا حقيقي ولا حلم هصحى منه"


قهقهت تاليا

"اتطمني، مفيش صحيان ولا حاجة، إلا لو زهقتي مننا وعايزة تمشي"


"أبداً، بس حاسة الحب الغير مشروط دا شيئ خيالي"


شابكت تاليا يديها مع يدي لبنى

"دا المفروض يكون العادي يا لبنى، بس الأهالي مجانين وبيربطوا الحب بتصرفات ولبس معين، وحتى أوقات بيربطوه بدرجات معينة في الدراسة أو كلية معينة، بس دا مش طبيعي، دا جنان، الطبيعي هو الحب الغير مشروط"


أغمضت لبنى عينيها لبرهة، كانت تحاول أن تحبس دموعها خلف الجفون، كان الألم القديم، لا يزال ينبض في أعماقها بندبة لا تلتئم


قالت بصوت خفيض

"عارفة لما تحكي القصة كتير وتفتكري إنك خلاص بقيتي أقوى؟ بس تيجي كلمة واحدة، كلمة زي اللي قلتيها دلوقتي تهزك وتفتح كل حاجة تاني"


نظرت إلى تاليا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة مرتعشة، خليط من الامتنان والحنين لما لم تعشه


"أنا حكيتلك قبل كده اللي حصل، بس ساعات كده، وسط كل الحب اللي حواليا بحس إني بحلم، إن في حاجة غلط، إن في تمن لازم هيتدفع قريب، علشان الحب ده مش ممكن يكون حقيقي أو مجاني"


رفعت تاليا يدها ولمست خدّ لبنى برقة، وقالت بنبرة هادئة حنونة

"لأ، هو حقيقي وإنتي تستاهليه، زي ما إنتي كده، من غير أي تعديل ولا تبرير"


حينها فقط، سمحت لبنى لدمعة أن تنساب من زاوية عينها. لم تكن دمعة انكسار، بل دمعة اعتراف بأنها، لأول مرة، تُحب كما هي، دون شروط، دون تهديد، ودون خوف


سحبتها تاليا لحضنها برفق وبدأت لبنى تتحدث وهي تذرف الدموع

"أنا بخاف أفرح عشان ببقى حاسة إن في مصيبة هتحصل وإني ما استاهلش الفرحة دي واستحالة الدنيا تسيبني كده"


ظلتا على هذا القرب، وكأن الهواء من حولهما تواطأ ليمنحهما مساحة للبوح الصامت


تحدثت لبنى بصوت خافت:

"أنا مش مصدقة إني بحس كده، مش عارفة أنا خايفة ولا مبسوطة"


ضحكت تاليا بخفة، وقربت وجهها حتى صارت أنفاسهما تختلط

"وأنا بقول لجسمي يهدى، بس كل مرة تبصيلي كده، قلبي بيدق كأنها أول مرة أشوفك"


تسللت يد لبنى إلى عنق تاليا، تُمسك بها كما يُمسك الغريق بطوق نجاة، لكنها لم تكن تغرق بل كانت تطفو، لأول مرة


همست

"ينفع أقولك حاجة؟"


"أي حاجة منك تنفع"

ردت تاليا، وهي تقرب جبهتها من جبهة لبنى


"أنا نفسي أدوب جوا حضنك، مش علشان أستخبى بس، علشان أعيش"


في تلك اللحظة، لم يكن هناك زمن، ولا ضجيج، فقط امرأتان، في غرفة، تحت ضوء خافت، ودفء غير مألوف


اقتربت تاليا أكثر، حتى لامست شفتيها جبين لبنى، قبّلتها كأنها تُبارك وجودها، ثم نزلت ببطء إلى عينيها، ثم خدها، وأخيراً توقفت عند شفتيها، تنتظر الإذن

نظرت لبنى في عينيها، ثم أغلقت عينيها ببطء، كأنها تقول نعم بدون كلام


شفتاها التصقتا بلطف أولًا، كأنها تسألها إن كانت على ما يُرام، ثم زاد عمق القبلة رويدًا، كما لو كانت تحاول أن تمحو من فمها كل الكلمات المؤذية، وكل ذكرى أوجعتها تاليا لم تتحرك من مكانها، ثم تنفست ببطء، وكأن قلبها أُعيد تشغيله


خطفوني عينيك خطفوني

ورموني في نار وسابوني 

وقوام قوام نظرة وسلام

ناديتك لقيتك مجنني


كان تيام يقوم بتزيين كعكة بالكريمة بتركيز شديد وكأنه يرسم لوحة فنية بينما يستمع لأغنية عمرو دياب التي كانت تنساب من السماعة في المطبخ


أضاف دوائر من الشوكولاتة على الأطراف، ثم رسم قلباً صغيراً في المنتصف باستخدام مربى الفراولة، كأنه يكتب رسالة صامتة لا يجرؤ على النطق بها


حين انتهى، ابتسم باتساع، ثم حمل الطبق بحذر شديد، عيناه تراقبان الكعكة وكأنها كنز ثمين، سار به بخفة حتى غرفته، حيث كان يوسف جالسا على سريره، مستغرقاً في هاتفه


"يوسف"

نادى تيام عليه لينتبه إليه


رفع يوسف رأسه، فوجد الكعكة أمامه، عينيه اتسعتا بدهشة طفولية

"واو!، مين عملها؟"


رد تيام بفخر لا يخفيه وابتسامة تكاد تقفز من وجهه

"أنا"


وضع الطبق على الطاولة الصغيرة جوار السرير، وفجأة شحب وجهه قليلاً عندما استوعب أنه نسي ادوات المائدة 


"ثواني"

قالها وهو يلتف بسرعة ويركض نحو المطبخ

عاد بعد لحظات يحمل طبقين وسكين وشوكتين كأنها طقوس خاصة لمناسبة غير معلنة


بدأ بتقطيع الكعكة بعناية، ثم وضع قطعة في الطبق ومده ليوسف


"تسلم ايدك"

قالها يوسف بابتسامة دافئة، كانت كفيلة بإشعال حريق في خدي تيام، شعر برعشة خفيفة تسري في أطرافه، وكأن فراشات الكاكاو التي صنعها بالكريمة قد استعمرت معدته الآن وبدأت في الرقص


"جرب وقولي رأيك، بس لو طلعت وحشة راعي مشاعري"

قال تيام بنبرة سخرية خفيفة محاولًا إخفاء توتره


أخذ يوسف الشوكة، وقطع قضمة صغيرة ووضعها في فمه. مرت ثوانٍ صامتة بينما يمضغ، كان تيام يراقبه وهو يتذوق أول لقمة الوقت بدا له أطول مما ينبغي، كأن الزمن نفسه قرر أن يختبر صبره. لم يكن الأمر مجرد كعكة، بل قطعة من روحه خبأها بين طبقات الكريمة ومربى الفراولة


ابتسم يوسف بعينه قبل فمه

"دي أحلى كيكة دوقتها"


كان تيام يحبس أنفاسه بإنتظار رده وفور سماعه عاد للتنفس براحة ثم سأل بشك

"بجد؟"


"أيوة، تسلم ايدك"

كان يبتسم بود وبعينان لامعتان جاعلاً تيام يشعر بالصداع بسبب ارتفاع حرارة رأسه من الخجل والتوتر


"تيام، يوسف، هتروحوا عند بيسو وزيكو ولا قررتوا تقعدوا هنا؟"

كان إبراهيم يسأل من غرفة الجلوس


تبادلا النظرات لثواني وكأنهما يتحدثان بعينيهما فقط ثم رد تيام في النهاية

"هنروح"


إنت حبيبي حبيبي حبيبي

كل ما فيك يا حبيبي حبيبي

أغلى الناس عندي في ترتيبي

والباقي يجي بعدين


ضحك بسيوني وهو يمد يده لزياد، وكأن كل سنة من الخمسة عشر الماضية تعيد نفسها في لحظة رقص بسيطة


تشابكت أيديهما بسلاسة معتادة، راقصين بنعومة على وقع الأغنية، كأن الجسدين حفظا بعضهما مثلما تُحفظ الكلمات عن ظهر قلب


ابتسم زياد، ابتسامة شقية يعرفها بسيوني جيداً، ثم جذبه إليه بخفة، كمن يستدعي قلبه للبيت

"ياللي عيونك دول خدوني..."

وقبل أن تكتمل الجملة، كانت المسافة بينهما قد اختفت اقترب زياد أكثر، وضع يده خلف عنق بسيوني، وقبله، بشغف، وبحب لا يزال جديداً رغم السنين


قبلة حملت بين طياتها سنوات من الصبر والمودة، من الفقد والتعلق، من حب لم يعد يحتاج برهاناً، لأنه صار جزءاً لا ينفصل من كيانهما


"تليفونك بيرن"

نبه زين زياد الذي مد يده وأخذ منه الهاتف، كان أمجد

"الو يا حبيبي!"


"أنا وصلت لحاجة، وحبيت أقولهالك"


ابتسم زياد وسأل بفضول

"قول يا واد، أنا سامع"


تنفّس أمجد ببطء، وقال بصوت واضح 

"أنا بطلت أحاول، أبويا مش هيحبني، مش هيتقبلني، ومش هيشوفني بني آدم طبيعي مهما حاولت"

ظل زياد صامتاً، تركه يتحدث على راحته


أكمل أمجد

"كنت فاكر إن لو حاولت معاه هيغير رأيه، كنت بحاول كتير عشانه، بس الحقيقة هو مش عايزني أصلاً، مش عايزني زي ما أنا، وأنا تعبت، وبقيت شايف إن رضاه مش شرط عشان أعيش"


زياد أطرق برأسه قليلاً، ثم قال بصوت منخفض، حنون

"أنا كنت مستني اليوم ده، مش عشان بطلت تحاول، لأ، عشان أخيراً اخترت نفسك"


أمجد سأل بتنهيدة أقرب للبكاء

"أنا مش وحش، صح؟"


رد زياد فوراً، بصوت فيه نبرة حنونة

"إنت أشطر ولد ما خلفتهوش"


سكت أمجد، صوت تنفسه تغير ثم قال

"شكراً إنك هنا، حتى لما مش بطلب"


رد زياد بتلقائية

"أنا دايماً هنا عشانك"


.


خطفوني



.



40. عائلة بالإختيار

[منشور على فيسبوك]

"لازم نتفلكس تجيبلك شخصية شاذة مضحية وجدعة عشان نتقبل وجودهم، مهما كانوا برضه مش هنتقبلهم، وهننبسط بس اما يموتوا، شغل الشحتفة دا عشان نتقبلهم مش هينجح، حتى لو اتبرعلي بكليته هقتله"


"اوافقك إن نتفلكس بتألف، الكويرز مش ملايكة، أنا مثلاً كوير ولو شفت هيترو هطلع دين أمه مش هضحي بنفسي عشانه"


"حقيقي، أنا شاذ ولو شفتك هطلع ميتين اهلك"


"ولا تقدروا تعملوا حاجة، رجالة طرية"


"تعالى نتقابل وهوريك إيه الطري"


استيقظ بسيوني على لمسة دافئة فوق خده، شفتا زياد تطبعان قبلة ناعسة خفيفة

ابتسم بسيوني تلقائياً قبل أن يفتح عينيه، وسمع صوت زياد يهمس 

"صباح الخير"


فتح عينيه ببطء، كأنه يعود من حلم جميل لا يريد مغادرته، ورد بصوت ناعس

"صباح النور، كلمت العيال؟"


كانا قد هربا من ضوضاء القاهرة إلى أسوان، كأنهما يشحنان روحهما من جديد 

هز زياد رأسه وهو يتكئ على كوعه، يراقب ملامح بسيوني المطمئنة

"أيوة، كلمتهم بدري، زين خد الدوا، ويوسف راح يبات عند تيام"


مد زياد يده بلطف ليرتب خصلة متمردة من شعر بسيوني سقطت على جبينه

ابتسم بسيوني، ثم مال وقبلَ شفتي زياد قبلة خفيفة تشبه الشكر، قبل أن يهمس

"صباح النور"


ضحك زياد وهو يقترب أكثر

"إنت ناوي تفضل تكرر صباح النور لحد امته؟"


"طالما كل صباح بيبدأ بيك، مستعد أقولها مليون مرة"

قالها وهو ينظر له بعيون عاشقة


ضحك زياد وهو يسحب الغطاء عليهما من جديد


"مُلهم"

كان مشغولاً بهاتفه حين سمع سليمان ينادي، رد ولم يزح عينيه عن هاتفه

"إيه؟"


"جبتلك هدية"


ابعد عينيه عن شاشة هاتفه لينظر لسليمان ثم سأل بفضول

"إيه؟"


مد سليمان له علبة هدايا، أخذها مُلهم بحماس والفضول يقفز من عينيه، فتح العلبة ووجد بها شالاً عربياً، أخرجه من العلبة وعندها سمع صوت شيئ يسقط على الأرض، وضع الشال جانباً ومال ليبحث عن الشيئ الذي سقط، وجدها قلادة ذهبية يتدلى منها حجر كريم أزرق


تأملها بدهشة وبفم مفتوح ثم وضعها حول عنقه وأمسك هاتفه ليتفقد مظهره


"عجبتك؟"

سأل سليمان وهو يبتسم بفخر


"شكلها حلو أوي"

قال مُلهم بإعجاب وهو يتفقد القلاة في كاميرا الهاتف


"شكراً انك خلصتني من زن أهلي عشان الجواز"


"كانت تجربة مش ولابد"

رد ضاحكاً ثم ترك الهاتف وامسك الشال


"اسمحلي"

أخذ سليمان الشال منه ولفه حول رأسه بإحكام


"عايز ابقى اروح سينا تاني، بس مش لأهلك أكيد"

قال مُلهم ورفع هاتفه ليلتقط صورة لنفسه بالشال


"معنديش مانع، اني تايم تحب تروح قولي"


قطع نظراتهما الصامتة صوت تاليا

"سليمان ما تاخد يوسف تفسحه شوية"


استغرب سليمان ورفع حاجبه بتعجب

"دا إيه المناسبة؟"


اقتربت منه وهمست

"عيد ميلاده وعايزين نزين البيت"


"تمام، معنديش مشكلة، هاخده"

وافق سليمان في النهاية


استقام واقفاً وذهب لغرفة يوسف ثم طرق الباب

"تيجي نخرج؟"


فتح يوسف الباب وعلى شفتيه ابتسامة، كان يرى سليمان رجلاً قوياً مثيراً للإعجاب لذا وافق فوراً 


فور مغادرة سليمان ويوسف المنزل بدأ الباقون في تزيينه، نفخ البلونات وتعليق فروع الزينة، وبدأ مُلهم يخبز الكعكة


ركن سليمان السيارة ثم نزل منها وتبعه يوسف

"عايز تدخل كلية إيه بقى؟"

سأل سليمان كاسراً للصمت في محاولة لتمرير الوقت


"مش عارف لسه، بس نفسي أكون زيك"


تفاجأ سليمان ثم قهقه بخفة معتقداً أنه سمع مزحة

"زيي أنا؟"


"أيوة، نفسي أكون قوي زيك"

كان يتحدث بجدية وعينيه معلقة على سليمان وكأنه بطله الخارق


كان سليمان مستغرباً من جملة يوسف لأنه يعلم بأنه قتل والده، فكيف لطفل تجرأ وفعل شيئ كهذا أن لا يرى نفسه شجاعاً؟، رغم كل شيئ فإن سليمان حتى الآن لم يقتل شخصاً واحداً لأنه لا يمتلك الشجاعة لفعل هذا، ولا يضمن أنه لن يندم لاحقاً، ولا يمكنك إصلاح خطأ كالقتل 


"ليه شايفني قوي؟"


رد يوسف دون تفكير، كأن الجواب كان واضحاً تماماً في ذهنه

"عشان بتحمي الناس اللي بتحبهم، ما بتخليش حد يأذيهم"


لم يكن سليمان يرى ما يقوم به بالشيئ المميز، فوالده يشتكي دوماً منه ويخبره أنه جبان لأنه يرفض القتل، لم يكن يرى دفاعه عن من يعتبرهم عائلته بالشيئ الكبير أو المميز


ظل صامتاً، ينظر إلى الأمام، عيناه متعلقتان بأضواء الشارع

كان يسمع صوت يوسف، لكن داخله كان يعيد الكلمات بصوت مختلف


هل القوة فعل هجومي؟ أم فعل صامت من الحماية؟

هل كونه امتنع عن القتل ضعف؟ أم شجاعة؟

والأهم، هل من يحمي الآخرين دون أن يؤذي، هو حقاً أقوى ممن يؤذي ليحميهم؟


بالنسبة له، لم تكن الأجوبة واضحة بعد

لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً

يوسف جعله يرى في نفسه جزء لم يلاحظه من قبل


"شكراً انك طلعتني من قضية بابا، كان زماني في سجن الأحداث"

كان يوسف يعلم أن سليمان هو السبب في جعله يفلت من السجن بعد قتل والده


"على إيه بس؟، المهم تكون كويس"


تنهد يوسف بتعب فبالرغم من أنه يبدو وكأن قتله لوالده لم يؤثر به ففي الحقيقة كان قد أثر به، وأثر برؤيته لنفسه، ويشعر أحياناً بأنه شخص سيئ وأن الناس تراه قاتلاً

"بحاول"


"أنا جيت"

وصل تيام المنزل وهتف وهو يخلع حذاءه على عجلة من أمره، ووجدهم يتحدثون ويرتبون الزينة

"اساعد في إيه؟"


"شوف مُلهم في المطبخ، زين معاه الكيكة"

ردت تاليا لأنها كانت تعلم عن براعته في تزيين الكعك


دخل المطبخ وعندها شم رائحة الفانيليا والكريمة الفواحة، ووجد مُلهم يمسك بكيس الكريمة ويزين الكعكة، اقترب منه ثم مد يده

"هات أكمل أنا"


ناوله مُلهم الكيس ليكمل تيام تزيين الكعكة بتركيز صانعاً قلوب صغيرة وكأنها رسالة حب صامتة بينما يراقبه مُلهم بإبتسامة مُحبة دافئة


بعد الانتهاء من تعليق البالونات وترتيب الزينة وإطفاء الأنوار استعدادًا للمفاجأة، اتصلت تاليا بسليمان وأخبرته أن "كل حاجة جاهزة". لم تمر دقائق حتى ركن سيارته بالخارج، فتح الباب بهدوء ودفع يوسف ليدخل أولاً


كان يوسف لا يزال يحمل ذلك التردد في خطواته، يلتفت حوله بقلق وكأنه يقتحم بيتًا لا يخصه، لكنه ما إن خطا إلى الداخل، حتى أضاءت الأنوار دفعة واحدة، وانطلقت الأصوات


"مفاجأة!"

"كل سنة وإنت طيب!"

"يوسف!"


وقف مكانه مذهولاً، وكأن قلبه تعثر لحظة، ثم بدأ يلتقط المشهد أمامه، زينة ملونة معلقة من السقف، كعكة كبيرة تتوسط الطاولة، ووجوه تبتسم له بحب


تيام كان أول من اقترب، يحمل كعكة صغيرة مزينة بكريمة بيضاء ورسم قلب صغير من السكاكر في المنتصف، قال وهو يمدها نحوه

"كل سنة وإنت طيب يا يوسف"


لم يستطع يوسف الكلام، فقط رفع يده وستر بها عينيه التي بدأت تغرق بالدموع، فاقتربت منه تاليا واحتضنته بحنان، لبنى لحقتها فوراً، ثم بدأ الباقون يتوافدون عليه بالعناق، حتى سليمان اقترب منه وربت على كتفه وقال بنبرة مرحة "يخربيت النكد، خلاص بقى يا عم، عيد ميلاد مش جنازة"


في تلك اللحظة، رن هاتف تاليا، نظرت في الشاشة ثم ابتسمت

فتحت المكالمة على المكبر، وسمع الجميع صوت بسيوني يقول

"يوسف يا حبيبي، كل سنة وإنت طيب. أنا وزياد بنحبك"


تبعه صوت زياد وهو يضحك

"بنحبك أوي"

مط الياء في نهاية كلامه


ضحك يوسف، ضحكة حقيقية خرجت من القلب، وكأنها أول ضحكة منذ سنوات

طرق خفيف على الباب، فتحه تيام فدخل إبراهيم، يحمل صندوقاً بفتحات تهوية، وقف في منتصف الغرفة وقال: "أنا استأذنت بيسو وزيكو قبل ما أجيبه، وقالولي إنه تمام"


مد الصندوق ليوسف وقال بابتسامة دافئة

"كل سنة وإنت طيب"


فتح يوسف الصندوق بلهفة، وعيناه تتسعان بدهشة وسعادة، وجد هرة صغيرة رمادية بعيون واسعة بريئة احتضنها فوراً وقبلَ رأسها وقال باندهاش طفولي

"دي أحسن هدية جاتلي في حياتي"


ضحك إبراهيم

"بلاش كده، هتزعل الباقيين مني!"


رن هاتف سليمان، هذه المرة أمجد، اتصل ليبارك بدوره، ثم تلاه إنشاد الذي قال بابتسامة

"عيد ميلاد سعيد يا حبيبي، عقبال المية سنة"


بدأ الحاضرون يغنون

"هابي بيرث داي تو يو"

ثم تحولت الأغنية تلقائيًا إلى "سنة حلوة يا جميل" بصوت جماعي دافئ


وفي وسط الغناء، دخل زين من الباب برفقة عيسى، لم يقولا شيئاً في البداية، فقط ابتسما واقتربا من يوسف متسللين بين الموجودين، ثم قبلاه على خده بلطف، وكأنهما يثبتان حضورهما في هذه اللحظة


كان يوسف واقفاً بينهم، محاطاً بمن لم يكن يتخيل أنهم سيصيرون عائلته، شعر بأن قلبه اتسع بما يكفي ليحتوي كل هذا الحب. لم يعد يشعر أنه مجرد "ضيف"، بل فرد حقيقي من هذه العائلة التي اختارته واختارها


وفي تلك الليلة، وهو ينظر إلى الهرة النائمة بين يديه، وإلى الكعكة التي لم تُقطع بعد، شعر أنه أخيراً، ولأول مرة في بيته


.


تمت

28.7.2025


.



تعليقات