رواية خلخال في المصيدة كاملة

 مدخل

"هاني عاطف الحديدي"

قال الرجل في مكبر الصوت ليصعد الشاب صاحب العيون البُنية والبشرة الخمرية والشعر المصبوغ بالأشقر الذي تظهر جذوره السوداء على المسرح ثم يصافح أساتذته ويستلم شهادته


كان شاباً صاحب ملامح مريحة وإبتسامة لطيفة، يرتدي عباءة وقبعة التخرج الزرقاوين، وتحتها بنطال جينز أزرق وكنزة بنفسجية


ما إن صعد سمعوا صوت زغرودة عالية والتفت الجميع لمصدر الصوت ليروا إمرأة ببشرة قمحية، عيون عسلية وشعر أسود مموج طويل، ترتدي فستان ستان أحمر يصل لتحت الركبة بأكمام منفوخة


رغم نظرات الموجودين لها فهي لم تقطع الزغرودة إلا بعد أن تحرك الشاب لينزل من على المسرح


عانقها أولاً ثم عانق أصدقائه، وقفوا مجاورين لبعضهم وأشاروا لأحد المصورين ليقوم بتصويرهم، خلع الشاب قبعته ووضعها على رأس المرأة لتقهقه

"انا حتى لم أحصل على الشهادة الإبتدائية"


"لا تحتاجينها"

خلعوا قبعات التخرج والقوها عالياً وقلدتهم المرأة ليقوم المصور بإلتقاط الصورة


مدت المرأة له حقيبة هدايا ثم نظرت لساعة هاتفها

"سأذهب الأن، أستمتع"

قبلت خده قبل أن تذهب


ودعها ثم تسلل معهم لأحد الغرف الفارغة وأخرجوا زجاجات كحول قام أحدهم بأحضارها بالسر 


صدموا زجاجاتهم ببعضها ثم بدأوا يشربون، نهض هاني وبدأ يتحدث بحماس عن أكثر الأحداث المضحكة التي حدثت له في هذا العام


وبينما يتحدثون لمح هاني رجلاً يقف خارج الغرفة يتصنت عليهم


سار إليه ثم مد له الزجاجة

"يمكنك مشاركتنا"

قال باسماً


"كلا، لا يمكنني"

رد الرجل صاحب الحاجبين الكثيفين والعيون والشعر البُنيان، لم يكن يبدو ودوداً، ولا يبدو طالباً أو أستاذاً


تبادل النظرات مع أصدقائه 

"لا تخجل"

تدخل أحد أصدقاء هاني وبدأوا يصرون على الرجل بأن يشرب وسحبوه للداخل


في النهاية شرب معهم وكانت دقائق ليفقد إتصاله بالواقع ويفقد وعيه، مد هاني يده في جيبه وأخرج محفظته، وجد بها بطاقتين، الأولى شخصية والثانية بطاقة خاصة برجال الشرطة


أعاد البطاقتين للمحفظة واعاد المحفظة لجيبه وهو يبتسم ثم مد يده في جيبه الأخر وأخرج مجموعة مفاتيح ثم نظر لأصدقائه

"لنذهب، لقد كانت حفلة ممتعة"


"أسنتركه هنا؟"

سأل أحد أصدقائه


"أجل، فأنا لا أعرفه بالأساس"

خرج أولاً وتبعه البقيه


توقف عند سيارة ثم فتحها بمفتاح من المفاتيح التي أخذها من الشرطي، صعد ثم أخرج من جيبه بطاقة ذاكرة ذكية وأوصلها بالسيارة


بدأ يتخطى الأغاني الموجودة عليها ثم توقف عند واحدة ورفع الصوت


"سيارة من هذه؟"

سأل أحد أصدقائه


"للتسلية، أصعد مع روماني، لنتقابل في المطعم المعتاد"

أغلق باب السيارة ثم شغل المحرك 


"ما هي خططكم الأن؟"

سأل شاب بعيون زرقاء يرتدي نظارة بينما يجلسون في أحد المطاعم


"سأسافر وأبقى بالخارج لبعض الوقت"

رد أحدهم


"وانا سأنام لمدة شهر"


"ماذا عنك يا هاني؟"

سأل بينما يقوم هاني بتناول الطعام


"سأستمر بالعمل في وظيفتي الحالية، لا جديد"


"إذاً لن تحاول الإستقرار وفتح مكان خاص بك؟"


"كلا"

رد بدون تفكير ثم تذكر بأنه لم يفتح هدية المرأة بعد


مد يده في الحقيبة ليجد بها علبة هدايا، فتحها ووجد خلخالاً ذهبياً بحلقات ذهبية، إبتسم ثم مال ورفع طرف بنطاله ليخلع الخلخال الذي يرتديه ويرتدي الذهبي


التقط صورة له ثم أرسله لرقم وتساب مسجل بإسم (سيلي) وأرسل معها نصاً

"أنتي الأفضل"


أستيقظ الرجل الذي تركوه في الغرفة وحده ثم إستفرغ، بدأ ينظر حوله ويتذكر ما حدث ثم نهض وخرج من الغرفة، كان الجو مظلماً، أخرج هاتفه من جيبه وفتحه ليجد مكالمات فائتة، تجاهلها وأضاء كشاف هاتفه ثم بدأ يسير حتى توقف عند البوابة الحديدة وعند تفحصها وجدها مغلقة بقفل


طرق بكفه عليها عدة مرات حتى فتح أحد الباب، كان حارس يحمل كشاف في يده اليمنى

"من انت؟، وما الذي تفعله هنا؟"


أخرج الرجل بطاقة عمله ومدها إليه ليراها

كان اسمه مُدَثر


أنصرف بعدها للمكان الذي ركن به سيارته، وجدها مركونة بطريقة غير التي ركنها، ووجدها مفتوحة، كان المفتاح موضوعاً على مقعد السائق، أخذه ثم صعد ولم يجد شيئاً مفقوداً بها، كان هناك بطاقة ذاكرة موصلة، كان مستغرباً لأنها لا تخصه، ضغط على زر التشغيل وعندها صدر صوت أغنية عالي


مكسور يا إيقاع أربع ترباع، بتدق الوهم على الأسماع


أغلقها بسرعة ثم أخفض الصوت كي لا يتفاجأ به مرة أخرى، أخذ نفساً عميقاً وهو يريح ظهره على المقعد 


بدأ هاتفه بالرنين، رد وعندها سمع صوت إمرأة

"هل انت بخير؟، لما لم تكن ترد؟"

كانت تتحدث بنبرة قلقة


"انا لستُ طفلاً، ماذا تريدين؟"

كان يتحدث بنفاذ صبر


"كنت أطمئن عليك لأنك تأخرت ولم تخبرني أنك ستبيت بالخارج"


"انا في طريقي"

قال وهو يسحب حزام الأمان


"تصحبك السلامة"

قالت ثم أنهت المكالمة


أغمض عينيه وهو يدلك رأسه لأنه كان ما يزال يشعر بالصداع، عدل جلوسه وفتح عينيه ليمسك بالمقود ثم يبدأ القيادة

. .




.

1. الفرعون الصغير

"هذا هو"

قال الرجل وهو يمد صورة لبطاقة شخصية لمُدَثر ليتفقدها

"هاني عاطف الحديدي"


"مراهق!"

قال ثم نزلت عيناه ليتفقد سنة الولادة


"طالب جامعي، يدرس الهندسة في جامعة القاهرة"

وضح الرجل الأخر


"سيكون الأمر سهلاً، المراهقون في مثل هذا العمر أغبياء ويسهل الإمساك بهم"

إستقام واقفاً ثم أخرج هاتفه والتقط صورة لبطاقة هاني الشخصية


خرج ثم صعد في سيارته، توقف عند بوابة الجامعة ليُري الحارس بطاقته قبل أن يدخل، ركن سيارته ثم نزل


كانت الجامعة مليئة بالحيوية أكثر من المعتاد، لم يعلم هل هذا العادي أم هناك ما يحدث لأنه يرى شباب هذا الجيل مجانين


دخل مبنى كلية الهندسة ووجد الجميع يركضون في أماكن مختلفة وهم يحملون أغراضاً ويتحدثون مع بعضهم


أوقف أحدهم

"إنتظر"


"أجل!"


"ماذا يحدث؟"


"اليوم الثقافي، علينا إعداد المسرح والأزياء"

رد الشاب وكان مستعجلاً

"تريد شيئ أخر؟"


"كلا"


أسرع الشاب بالهرولة وأخرج مُدَثر هاتفه وفتح صفحة الجامعة ثم تفقد قسم الهندسة ووصل لصور دفعة السنة الأولى الجديدة وبدأ يبحث في تسجيلات الإعجاب حتى وجد هاني


فتح صفحته ووجد منشورات حديثه قام أصدقائه بالإشارة إليه بها، عرف مكانهم من خلال الصور


خرج من المبنى ثم وصل عند مبنى كلية الآداب ووجد الطلاب يقومون بإعداد مسرح وكان هناك صوت أغاني


تقرا في الجرنال حاجات

إصلاحات وزيكا مات

كشف أثري المومياوات

قوم يا واد هات الحوادث

تلقى حادث في البلاد


"هاني"

كان هناك الكثير من الطلاب ينادون بإسمه


"ماذا!"

رد وكان يحمل صندوقاً بينما يخرج من بوابة مبنى كلية الآداب، كان يرتدي قميصاً وبنطال جينز عليهما تراب بسبب نقله للأغراض


"لما لم تبدل ملابسك بعد؟"

سأل شاب أسمر بعيون خضراء


"الم تطلبوا مساعدتي؟"

ناوله الصندوق


"سنقوم نحن بإعداد المسرح، من سيشاركون في العرض إذهبوا لتبديل ملابسكم"

قال بصوت مرتفع وصفق بيديه لينتبهوا إليه


نفض هاني التراب عن يديه ثم عاد لداخل مبنى كلية الآداب، غسل يديه ثم بدل ملابسه لملابس فرعونية، ثم وضعت له فتاة صهباء بعض المساحيق 


نظر لنفسه في المرآة ثم رأى إنعكاس شاب أبيض يقف خلفه وعندها تنهد بضجر


"تبدو وسيماً"

قال الشاب ليلتفت هاني

"تمنيتُ لو أمكنني قول المثل لك، لكنك قبيح جداً"


تركه وبدأ يسير

"بالطبع انا وسيم"

رد الشاب وهو يتبعه


توقف هاني عن السير ثم التفت إليه فجأة وأقترب ليهمس أمام شفتيه

"وسيم كمحتل إنجليزي يكرهه المصريون ويريدون ذبحه"


أبتعد عنه وهو يبتسم ثم عاد ليكمل سيره، كان يرتدي قلادة فرعونية وكانت جزئاً من ملابسه، ولكن ما لم يكن جزئاً من ملابس العرض هو خلخال قدمه اليمنى


كان يمشي حافي القدمين، بينما يخرج من البوابة كان هناك شخص يركض ليدخل وأصطدم به وعندها فقد توازنه وكاد يسقط، لولا أن الشاب الأبيض أسرع ومد ذراعه ليحيط بها خصره ويسحبه إليه


إستاء هاني ودفعه ليبعد ذراعه وعندها أندفع جسده للسلالم مرة أخرى، وهذه المرة التقطه إمرأة بشعر أسود طويل مموج

"كيف الحال؟"

قالت باسمة وهي تنظر لوجهه وهو إبتسم بدوره ثم عانقها


"الراقصة سيليا!"

همس مُدَثر عند رؤيته للمرأة


"يبدو أنكم تقومون بعمل جيد"

قالت سيليا وهي تنظر للمسرح


"بالتأكيد"

قال بفخر 


"هاني"

كانت فتاة تنادي، بشرتها خمرية وعيونها سوداء وشعرها مجعد أسود تربطه بوشاح به حلقات، ترتدي فستان رقص أحمر مفتوح من فوق الركبة وبه حلقات تصدر صوتاً عندما تتحرك


نزلت السلالم وهي تمسك وشاح أخر أكبر به حلقات هو الأخر، كانت تصدر صوتاً وهي تتحرك حتى وصلت لهاني وسألته

"هل أزعجك أحمد مرة أخرى؟"


"ليس بالأمر المهم، لقد توليت الأمر"

رد عليها


كان مُدَثر يراقب الوضع عن بعد، هذا الفتى محبوب ومعروف، الجميع يتحدث معه، وتعرفه الراقصة سيليا


سحبته الفتاة وذهبت معهما سيليا ليدخلوا المبنى مرة أخرى، وهذه المرة قرر مُدَثر أن يتبعهم


رأى الفتاة التي ترتدي فستان الرقص تقوم بتعديل تسريحة شعر هاني ثم وضعت تاجاً فوق رأسه


سمعوا صوت الموسيقى أصبح أعلى وعندها شعرت سيليا بالحماس

"لقد شغلوا مكبرات الصوت"


"أجل، جيد اليس كذلك؟"

رد هاني باسماً


"سأرتب مظهري"

قالت الفتاة وتبعتها سيليا

"كما تعلم، لا تذهب فتاة للحمام وحدها"


أنتبه هاني بعدها لوجود مُدَثر رغم أنه كان هناك الكثيرون يسيرون حوله لكنه لم يكن مألوفاً لذا لفت نظره


كان مُدَثر يمسك هاتفه ولا ينظر للأخر كي لا يشعره بأنه يراقبه، أخرج هاني هاتفه ليلتقط صورة لنفسه ثم قام بنشرها


"هاني، هيا"

أتى شاب وسحبه من معصمه ليخرج من المبنى 


بدأوا يتدربون على العرض، ترك هاني هاتفه في الكواليس، ووجدها هاني فرصة جيدة لتفتيشه


تسلل للكواليس بين الزحام وإنشغال الجميع ثم أخذ هاتفه، كان مغلقاً بكلمة سر وبصمة، شيئ متوقع، الشباب يغلقون هواتفهم دائماً


أعاد الهاتف لمكانه ثم خرج ليتصل بأحد أصدقائه

"كيف يمكن فتح هاتف مغلق بكلمة سر؟"


"يجب أن تعرف كلمة السر"


"لا حلول أخرى؟"

"ما دمت تريد المعلومات الموجودة عليه فيجب أن تعرف كلمة السر، أو أرسل إليه فيروساً لتخترق هاتفه وسترى كل ما به"


"ليس لهذه الدرجة، أنه مجرد مراهق، سأجد دليلاً بدون الحاجة للهاتف"


"مراهق!، ولما هو مطلوب؟"


"الشذوذ والفجور"


"المراهقون في هذا الجيل غريبون جداً"


أنهى المكالمة ثم قرر تخصيص اليوم للبحث في حسابات هاني على مواقع التواصل، غادر وصعد في سيارته


وصل لحسابه على أنستجرام وبدأ يتفقد المنشورات وبينما ينظر لأحد الصور لاحظ خلخالاً في قدمه، يبدو أنه لم يكن يرتديه من أجل العرض كما كان يعتقد


"مقزز"

تمتم وهو يمرر في صوره، وجد مقاطع يغني بها، كان له صوت مميز، وأغلب الأغاني التي يغنيها غير معروفة


وصلته رسالة على وتساب أثناء تصفحه من رقم مسجل بإسم سمير

"الن تأتي للتجمع هذا العام أيضاً؟"


"ما الفائدة من القدوم؟"


"رؤية أصدقائك القدامى!"


"تعلم بأنني لا أطيقهم، كما أنهم سيستغلون الأمر للسخرية مني"


"انت تضخم الأمور، فقط تعالى ولو لمرة في حياتك"


فكر مُدَثر لثواني ثم أرسل

"حسناً، لكن لن أبقى طويلاً"


أرسل سمير له موقع المطعم وعندها شغل سيارته، عند وصوله تردد قبل أن ينزل من السيارة، ثم قرر النزول لإنهاء الأمر بسرعة


دخل المطعم ووجد الطاولة بسهولة، بدأ يصافحهم واحداً تلو الأخر وهو يبتسم بتصنع ثم جلس في المقعد الفارغ


"أخيراً أتيت"

قال أحد الرجال ثم أضاف

"بصراحة أعتقدت أنك ستسمر في الهرب من لقائنا"


"لا أتهرب، انا لا أطيق رؤيتكم فقط"

رد ببساطة فاجأت بعضهم وأضحكت البعض الأخر


"فقط لأن حياتك مثيرة للشفقة"

رد الرجل


"لم أكن لأقول هذا لو كُنتُ مكانك، بالأخص أنك حصلت على ترقيتك فقط بسبب والدك الذي يعمل بالحربية، وهو قد توسل إليهم كثيراً ليوفقوا لأنك رجل فاشل ومهمل ومثير للشفقة"

قال بهدوء وأستقام الرجل واقفاً ومد يده ليتشاجر معه لكن أمسكه الأخرون وأخذوا يهدأونه


"أجل، من الأفضل أمساكه لأنه لو حاول الشجار معي سأكسر قضيبه"

أستقام واقفاً

"لن أراكم لاحقاً أيها الخاسرون"


أنصرف وتركهم، عاد لمنزله، القى التحية على والدته قبل أن يدخل غرفته، أمسك هاتفه وفتح حساب هاني ووجده قد نشر صورة جديدة من العرض الثقافي


رؤية المراهقين سعداء وهم يقومون بأشياء غريبة يجعله غاضباً، الجيل الجديد لا يعرف عن الرجولة شيئاً


لا يحتاج أدلة ليجذم بأن هذا الفتى مثلي، طريقة حديثه، ملابسه، كيف يتحرك، كل شيئ به لا يمت للرجولة بشيئ، وحتى لو لم يكن مثلياً فهو منزعج من تصرفاته، عليه أن يتصرف كالرجال وليس كالنساء


كان هاني يحرك شفتيه بدون أن ينطق بحرف وهو يأخذ رشفات من زجاجة البيرة 


"أرجوك لا تقل بأنك تفكر في ذاك السافل"

تحدثت الفتاة صاحبة الشعر المجعد


كانوا يجلسون في سيارة سيليا التي سألت

"مهاب مرة أخرى؟"


"وهل يوجد غيره؟"

سألت صاحبة الشعر المجعد ثم بدأ هاتفها بالرنين لتقول

"يبدو أن علي الذهاب، أهتمي أنتي بالباقي"


خرجت من السيارة لتقول سيليا

"لقد ذهبت فاطيما، الأن وبكل هدوء أخبرني هل تحدثت مع مهاب أم لا؟"


"لم أتحدث معه، حتى لو كنتُ ثملاً فأنا لست بكل هذا الغباء لأفعلها"


أخذت منه الزجاجة

"يكفي ما شربته"


تأفأف ثم أخرج هاتفه وبالصدفة وجد أن مهاب يتصل به، هاتفه دائماً على وضع الصامت، أغلق الأغاني في السيارة ثم قام بالرد


"مرحباً" 


"مرحباً!، كيف حالك؟"

تحدث مهاب


"بخير"

لم يسأله عن حاله هو الأخر كي لا تطول المكالمة


"مبارك دخولك كلية الهندسة"


"انا بها من خمسة أشهر بالفعل"


"هل انت ثمل؟"

علق على نبرته 


"أجل"


"سأحادثك في وقت لاحق، أنتبه لنفسك"


أنهى المكالمة ثم فتح الكاميرا ليلتقط صورة لنفسه


"لما قمتَ بالرد؟"

سألت سيليا


"أردت سماع صوته"

رد لتقلب سيليا عينيها

"تعلمين أنه حبي الأول"


كان هاني يواجه مشكلة مع التجاوز، كان يتعلق بالناس بصعوبة وبالتالي يصعب عليه نسيانهم وتجاوزهم، ولكنه كان أيضاً كأي مراهق كان أحياناً يتصرف بتهور، يرد على مكالمة أو رسالة ليس عليه الرد عليها بدلاً من محاولة التجاوز


كان يعيش صراعًا صامتاً بين قلبه الذي يتشبث بما كان، وعقله الذي يطالبه بالمضي قدماً، أحياناً يفتح المحادثات القديمة في منتصف الليل، يقرأ الرسائل كما لو كانت فصولاً من كتاب، وأحياناً يمسحها كلها دفعة واحدة، وكأنه يحاول أن يقنع نفسه بأن المحو أسهل من الشفاء


لكن الحقيقة كانت أنه لا يريد أن يشفى تماماً كان جزء منه يجد راحة غريبة في الوجع، وكأن الحنين صار هو الشيء الوحيد الثابت في حياته المتقلبة


"سأوصلك"

شغلت السيارة ثم بدأت القيادة


ركنت السيارة عند منزله وقبل أن ينزل قالت

"أحذر"


"سأفعل"

نزل من السيارة ثم أخرج مفاتيحه من جيبه، فتح المنزل ثم سار مباشرةً لغرفته


أخرج من درجه زجاجة سائل أزالة المساحيق ليبدأ مسح وجهه، في النهاية غفى وهو يمسحه 



2. هاتف مغلق

الدنيا ربيع والجو بديع

قفل لي على كل المواضيع


أغلق المذياع ثم أوصل بطاقة ذاكرة به وشغلها


حلاويلا يا حلاويلا يا خسارة يا حول الله

حلاويلا يا حلاويلا يا خسارة يا حول الله


  تحرك في الحافلة باحثاً عن مقعد فارغ ولم يجد إلا بجوار الشاب الأبيض


"يمكنني النزول من الحافلة بدلاً من الجلوس بجوارك"

قال وهو يقف بجوار مقعده


"لما؟، لن آكلك"


"ماذا تفعل هنا؟، اليس لديك محاضرات!، معمل!، صنع المخدرات!"

كان يتحدث بضجر


"انا أيضاً مشترك في نشاطات دار الأوبرا"


أستقام واقفاً وأفسح له

"أجلس"


جلس هاني في النهاية وجلس أحمد بجواره، ظل صمتاً لبعض الوقت بينما يعبث هاني في هاتفه ثم قال

"كنتَ رائعاً في العرض"


"أعلم"

رد هاني ولم يبعد عينيه عن هاتفه


"قد نقدم العرض سوياً المرة القادمة"


"لا أعتقد"


ظل أحمد صامتاً لبعض الوقت بسبب ردود الأخر ثم سأله

"متى ستتجاوز الأمر؟"


"الا تشعر بالإحراج من نفسك عندما تنظر لي؟"

تبادلا النظرات لثواني حتى سمعا صوت سعال حاد


توقفت الحافلة ونزل منها أحد الطلاب الذي كان متعباً وذهب معه أحد المشرفين وصعد مُدَثر بدلاً عنه


أستغل هاني الأمر ودفع أحمد

"أنهض"


أستقام واقفاً وأفسح له وعندها ذهب للجلوس بجوار مُدَثر، أراد الإبتعاد عن أحمد ولا يهم بجوار من سيجلس


كون هاني قريباً هذه المرة جعل مُدَثر يلاحظ أشياء أكثر عنه، يضع عطراً نسائياً، تحركاته مهما كانت بسيطة وعفوية ليست كتصرفات الرجال بنظره 


توقفت الحافلة عند دار الأوبرا وتحرك هاني لينزل منها، تبعه مُدَثر تاركاً مسافة بينهما


وقف هاني على المسرح وعندما وجد أحمد يدخل هو الأخر زفر الهواء من فمه بضجر ثم فكر لثواني وإبتسم

"أيمكنني إختيار الأغنية هذه المرة؟"

سأل المدرب


"لا مانع، غني ما تريد"


رتب شعره ثم حمحم وبدأ الغناء

"آه يا أسمراني اللون، حبيبي الأسمراني

يا عيوني ناسياني عيون، حبيبي الأسمراني"


ترك أحمد المسرح بينما إبتسم هاني بأتساع لأنه نجح في إزعاجه، ثم وقعت عيناه على مُدَثر، الأن تذكر أين سبق ورآه، في الجامعة، هل هو أحد المشرفين الجدد؟


أنغمس في التدريب ثم بعد الإنتهاء جلس على المسرح وناوله أحد زملائه زجاجة ستلا ليشرب منها


كان مُدَثر يعلم بأن هاني قاصر، لم يبلغ الثامنة عشر بعد، سيبلغها الشهر القادم، ويبدو أنه معتاد على الشرب، شيئ أضافي يجعله يرى هذا الجيل مهووس بخرق القواعد


عاد هاني للغناء

"يا طير يا مسافر لبعيد روح قول للأسمراني

ليه سافر ونسي المواعيد يا حبيبي يا أسمراني"


"هاني"

توقف عن الغناء ونظر لمن ينادي، كان شاب ببشرة داكنة وعيون عسلية وشعر أسود 


عبس فور رؤيته بينما الشاب أقترب ليلقي التحية

"مرحباً!"


"ماذا تفعل هنا؟"


"أتيت لرؤيتك، انت ثمل مرة أخرى!"

نظر للزجاجة في يده


"عُد من حيث أتيت"

رد وهو يستقيم واقفاً 


شعر مُدَثر بأن هناك شيئ يحدث، تجاوز المقاعد ليقترب ويحاول سماع ما يقولانه


"كيف ستعود للمنزل هكذا؟"

سأل الشاب


"بالسيارة"


"مع من؟، أحمد؟"

سأل وبدأت عيون هاني تجوب في المكان ثم توقفت عند مُدَثر

"معه"


كان هاني يُجبر نفسه على التجاوز، لا لأنه نسي، بل لأنه يعلم أن العودة مستحيلة

كان في داخله حنين خافت، لا يؤلمه كما في البداية، لكنه باقٍ، كأثر جرح قديم يلسع أحياناً حين تهب الذاكرة

سمح لنفسه أن يشعر، لكنه لم يسمح لها أن تعود


تحرك ليقفز من فوق المسرح، سقط لأنه فقد توازنه، ثم إعتدل واقفاً 

"انا بخير"


أقترب من مُدَثر ثم وقف بجواره

"هذا مشرف من الجامعة، سيوصلني" 


لم يتوقع مُدَثر بأن المراهق هو من سيقترب منه بكل هذه السهولة، يبدو أن غباء المراهقين فاق توقعاته


نظر الشاب لمُدَثر ثم قال

"إنتبه عليه"


أمسك هاني معصم مُدَثر

"هيا، لنذهب قبل أن أستفزغ"


كان مُدَثر لا يستوعب حتى الأن أنه الأن مع الفتى المثلي بهذه السهولة، خرج معه من دار الأوبرا ثم سأله

"أين منزلك؟"


فتح هاني هاتفه وحدد موقع منزله على خريطة جوجل ثم ناول الهاتف لمُدَثر، الذي طلب سيارة أجرة وأبقى هاتف هاني معه، كان قد أنتبه لكلمة السر التي فتح بها الهاتف، فتح وتساب ووجده مغلقاً بكلمة سر مختلفة، كذلك كان تويتر


صعدا في سيارة الأجرة وغفى هاني بينما مُدَثر فتح البوم الصور، لم يكن مغلقاً، كان أغلب الصور به هي صور ذاتية لهاني، يجد ملابسه وطريقة تصويره مستفزة لكنها ليست كافية لحبسه، لا يوجد دليل واحد على كونه مثلي


ترك الهاتف عندما وجد أنه لم يستفد منه أي شيئ، وصلا عند منزله وعندها وضع هاتفه في جيبه ثم أيقظه وسحبه لينزل من السيارة


كان هاني نصف نائم، ودعه بقبلة في الهواء ثم أخرج مفاتيحه،  دخل المنزل مباشرةً لغرفته وأستلقى على سريره كجثة


عاد مُدَثر لمنزله وهو يشعر بالصداع من جنون المراهقين، جلس على طاولة الطعام ليأكل وبينما تضع له والدته الطعام سألته

"هل تريد أخباري بشيئ ما؟"


"شيئ ما!"

أستغرب سؤالها


"مثلاً، إمرأة تقابلها"


أستغرب أكثر

"كلا، لا أقابل أحداً"


عبست والدته

"من العار أن تكون بمثل هذا العمر وتكذب، تفوح منك رائحة عطر نسائي"


أنتبه مُدَثر عندها لرائحة عطر هاني التي علقت بملابسه، هو لا ينتبه أبداً بمثل هذه الأشياء


لم يعلم مُدَثر كيف يجيب فهو ليس معتاداً على الكذب ولا يمكنه البوح بالحقيقة، نهض وخلع ملابسه والقاها في الغسالة


بينما يفعل وجد هاتف هاني وأكتشف أنه لم يعده إليه، كان هناك مكالمات فائتة، والهاتف على وضع الصامت كالعادة


دخل غرفته ثم فتح الهاتف وفتح الشيئ الوحيد الذي ليس مغلقاً بكلمة سر، البوم الصور


أخذ يتفحص الصور ويمرر باحثاً عن أي صورة له مع رجل أخر لكنه لم يجد، هناك بضعة صور له مع سيليا وفاطيما فقط


بينما يمرر وجد صورة له ببنطال قصير يظهر فخذية، وعندها أنتبه لوجود وشم هناك

(الوجع مؤقت بس الفخر أبدي)


"من يقوم بعمل وشوم بالعربية؟"

علق وهو يقوم بتكبير الصورة لينظر للوشم 


فجأة فتحت والدته باب غرفته وعندها أفلت الهاتف من يده بسبب تفاجؤه لأنه كان مركزاً في الصورة، نظرت والدته للهاتف وهو أسرع ومد يده ليغلق شاشته


حمحم

"أجل!"


نظرت له والدته نظرات لم يفهمها ثم قالت

"سأذهب انا ووالدك لزيارة جدتك غداً، سأترك لك الطعام في الثلاجة"


خرجت من الغرفة وتركت الباب مفتوحاً وعندها تنهد ثم حك مؤخرة رأسه، فتح هاتف هاني ووجد أنه من السهل الإعتقاد بأن هذه أفخاذ إمرأة وليس رجلاً، بالبداية شمت والدته رائحة عطر نسائي والأن هذا!


وهو لا يمكنه قول الحقيقة، ولا يمكنه الكذب لأنه سيئ به، لا يستطيع الكذب على والديه


وجد أن هناك رقماً مسجلاً بإسم مهاب يتصل، الهاتف لا يصدر أي صوت لأنه على وضع الصامت


أيفترض به الرد ليعيد الهاتف إلى هاني؟

قرر تجاهله اليوم وأن يرد غداً، القى الهاتف في درجه ثم أمسك هاتفه ليجد رسائل من صديقه نادر


"كيف الحال؟"

"علمت أن شادي أزعجك عندما ذهبت لحفل لم الشمل"


"لا أحد يجرؤ على أزعاجي، لقد توليت أمره"


"كُن حذراً فهو ليس رجلاً سهلاً"


"انا أيضاً لست رجلاً سهلاً"

القى هاتفه جانباً وكان مستائاً من فكرة أنه لا يمكنه الإمساك بهذا المراهق بكل سهولة لسببين


الأول أنه قاصر، وهذا سينتهي بحلول أقل من شهر لذا ليس بمشكلة كبيرة، أما الثاني فهو أنه لا يوجد دليل يمكنه أستخدامه ضده، يمكن للجميع الإقسام على أنه لا يتصرف كرجل لكن هذا ليس دليلاً كافياً


أخذ ينقر بأصبعه على فخذه حتى خطرت له فكرة، أمسك هاتفه ثم قام بإنشاء حساب على فيسبوك، أستخدم به صورة لشخص حقيقي وقام ببعض التعديلات بها، راقب حسابات الأشخاص الموجودين في قائمة أصدقاء هاني ليقلدهم في المنشورات وفي ترتيب الحساب ثم بدأ يرسل إليهم طلبات صداقة


بعد دقائق بدأوا يوافقون واحداً تلو الأخر

"المراهقون أغبياء"

تمتم وهو ينظر للإشعارات


.


الدنيا ربيع



حلاويلا



يا أسمراني اللون



.

Sarsor:

3. من الفريسة؟

مد يده ليبحث عن الهاتف حوله على السرير لكنه لم يجده، أعتدل جالساً ثم بدأ يبحث بجدية عنه، بدأ يحاول التذكر ماذا حدث البارحة


نهض ثم نزل على ركبتيه ليمد يده تحت السرير ويخرج هاتفاً صغيراً أحتياطياً يضعه هناك لحالات الطوارئ، أتصل برقمه عدة مرات حتى رد مُدَثر


"أجل!"


"هذا هاتفي"


"لقد نسيته معي البارحة، الا تذكر؟"

سأل مُدَثر ببراءة


"ليس بالضبط"

قال وتحرك ليدخل الحمام ويغسل أسنانه بعد أن أطمئن أن هاتفه لم يُسرق


"تستذهب للجامعة اليوم؟"

سأل وكان مستغرباً من أصوات الضوضاء حول هاني


بصق هاني معجون الأسنان من فمه ثم رد

"أجل"


ترك الهاتف وشغل مكبر الصوت ليغسل وجهه

تجاهل مُدَثر صوت المياة وسأل

"إذاً لنتقابل عند مبنى الهندسة؟"


أغلق هاني الصنبور ثم رد 

"كلا، لنتقابل عند بوابة الجامعة، أحتاج الهاتف في المحاضرة"


أمسك الهاتف وعاد لغرفته ليضعه على السرير ثم يقف أمام المرآة ليضع المرطب وواقي الشمس


"حسناً، متى بالضبط؟"

سأل مُدَثر


"بعد نصف ساعة"

رد وهو يضع مرطب الشفاة ثم فتح الخزانة ليخرج ملابساً منها


"حسناً"

رد مُدَثر رغم أن الطريق للجامعة من منزله يأخذ أكثر من نصف ساعة


خرج وصعد في سيارته ليبدأ القيادة للجامعة، وصل بعد ساعة كاملة، أتصل بهاني ظاناً بأنه تأخر عليه وأنه دخل لمحاضرته


"لقد وصلت"

قال هاني فور رده على المكالمة


"أين انت؟"

سأل وبدأت عيونه تبحث عنه حتى وجده يرتدي كنزة بيضاء وجينز أزرق وحقيبة قماشية عليها كلمات عربية من أغاني لا يعرفها، وكان يحتضن بذراعه دفتراً كبيراً


نزل من السيارة ثم لوح له وأسرع هاني وهرول إليه

"أعتذر على التأخير"


"لا بأس، انا أيضاً وصلت للتو"

مد له الهاتف وأخذه هاني ثم هرول ليدخل وهو يقول

"شكراً"


دخل هاني لمحاضرته مباشرةً وأنشغل بها حتى أنتهت، وعندها بدأ يتفقد الإتصالات والرسائل الفائتة، فتح رسائل مهاب ولم يقرأها، فعل هذا فقط ليظهر لمهاب بأنه رآها ولم يرد


فتح فيسبوك ووجد طلبات صداقة جديدة، مرر ليراها ثم توقف عند الحساب المزيف الخاص بمُدَثر، وجد أن أصدقائه أضافوه بالفعل، فتح صفحته ليمرر بها ثم فتح الصورة ليراها بشكل أوضح، إبتسم ثم وافق على الطلب


"لنتسلى"

همس ثم فتح وتساب وأرسل لفاطيما

"متى ستتفرغين؟"


"عند الثالثة"

"ماذا عنك؟"


"الثالثة والنصف، لنتقابل في سيلينترو"


"حسناً"

"لما لم تكن ترد البارحة؟"


"أضعت هاتفي، لكن لحسن الحظ لم يُسرق"

"سأحادثك عندما نتقابل"


"حسناً"


بعد أن أنهى محاضراته ذهب للمقهى الذي أتفقا أن يتقابلا به، طلب كوب قهوة ثم جلس وأخرج هاتفه ليتصفح تويتر


وصلته رسالة على فيسبوك وعندما فتحها كانت من الحساب الجديد الذي أضافه حديثاً، كان بإسم نور


"مرحباً"

فتح الرسالة ثم تجاهلها، فعلها قصداً ليريه بأنها يتجاهله 


"تأخرت عليك؟"

قالت فاطيما وهي تسحب الكرسي لتجلس، إبتسم عند رؤيتها

"كلا"


تركت حقيبتها

"سأطلب أولاً"


ذهبت لتطلب وهو عدل من تسريحة شعره

"كيف كان يومك؟"

سألت وهي تجلس وفي يدها كوب قهوة وطبق به قطعة كعك


"جيد، لم أرى أحمد اليوم"


"لابد أنه كان لديه الكثير من المحاضرات، ففي النهاية هو لا يمكنه التهرب منها دائماً، كلية الصيدلة ليست سهلة"

ردت ثم أرتشفت من كوبها


"هل وصل إليك طلب صداقة من حساب اسمه نور؟"

سأل هاني


"أجل، هل تعرفه؟، لم أقم بأضافته"


"كلا، يضع صورة لجون وقام ببعض التعديلات عليها"


"جون!"

قالت بأستغراب


"شخص أعرفه، وقد هاجر منذ مدة بالفعل وأغلق جميع وسائل التواصل الخاصة به"

أمسك الشوكة ليأكل من قطعة الكعك


"إذاً هو حساب مزيف؟"


"أجل، شخص يريد الدخول بيننا، أتسائل عن غرضه؟"


"يستخدم أسلوباً أذكى من الضباط، أم هو ضابط شاب؟، في العادة يستخدمون جندر أو تويتر للقبض على المثليين"


"سواء أكان ضابطاً أو شخصاً فضولياً فهو ما يزال غبياً، لماذا يعتقد بأنني سأتحدث عن ميولي في حساب به معلوماتي الشخصية الحقيقية؟"


"لأن هناك أشخاص كانوا يقومون بهذا"


"جميعهم تعرضوا لمشاكل مع الشرطة وتعلموا درسهم"

أرتشف من كوبه 


"إذاً ماذا ستفعل؟"


"سأتسلى"

رد باسماً


"أحذر"


تلاشت إبتسامته عندما تذكر شيئاً

"لقد نسيت"


"ماذا!"


"والداي سيعودان الأسبوع القادم، علي البحث عن سكن لأبقى به لأني لن أحتمل وجودهم"


"سأتحدث مع سيليا ونبحث لك عن سكن قريب من الجامعة"


"قبل نهاية الأسبوع القادم، علي الإنتقال قبل مجيئهم"


"لا تقلق، سيليا لديها الكثير من العلاقات"


تفرقا ليعود كل شخص إلى منزله، فتح رسالة حساب مُدَثر ثم رد

"مرحباً"


القى هاتفه على سريره ليدخل الحمام ليغسل وجهه ويبدل ملابسه، خرج ووجد رسالة جديدة من الحساب

"صوتك رائع"

فتحها ولم يرد


ذهب للمطبخ ليعد لنفسه الطعام، بعد أن إنتهى رد

"أعلم"


رد الحساب في نفس اللحظة

"اسمي نور"

ومجدداً تجاهله وتناول طعامه ثم غسل الأطباق وبعدها رد

"حسناً!"


"أردت أن نكون صديقين"

فتح رسالته ثم فتح تيك توك ليشاهد مقاطع عشوائية لمدة ثلاث ساعات وبعدها رد

"حسناً"


"إذاً لنتعرف"

"انا نور، بكلية الفنون الجميلة، عمري تسعة عشر عاماً"

كان مُدَثر يعلم بعض المعلومات المشهورة عن المثليين


وأكثر معلومة مشهورة هي أن أغلب من يدرس الفنون الجميلة مثليين


قهقه هاني عند رؤيته للرسالة لأنه وجدها الأغبى حتى الأن، أو ذاك الرجل الذي يراسله يعتقد أنه غبي لدرجة أنه لن يشك به إن قال أنه يدرس الفنون الجميلة


لكن هذا لم يجعله يرد بسرعة، تجاهله لساعة ثم رد

"لدي الكثير من الأصدقاء هناك، بما انت مشهور؟، ربما أعرفك؟"


"لا أختلط بهم كثيراً فأنا خجول"


"غريب، لا يدخل الفنون الجميلة إلا الإجتماعيين"

قرر العبث به بما أنه من الواضح أنه يكذب


"إذاً أترى من الأفضل أن أتركها؟"


"أجل، أدرس شيئاً يفيد مستقبلك"

أقتبس الجملة التي يرددها عليه والديه دائماً


"لهذا تدرس الهندسة؟"


"أجل، لأن أموالها كثيرة"


"لم أتوقعك هكذا"


"هكذا!"


"أعتقدت أنك تسعى خلف أحلامك"


"لا أسعى خلف شيئ، الأحلام من تسعى خلفي"


"يبدو أنك واثق من نفسك!"


"لا أحب أحداً بمقدار نفسي"

أرسل ثم القى الهاتف بجواره لينام


كان يرد عليه ردوداً متأخرة حتى تأخر الوقت وقرر النوم وتركه


صباح اليوم التالي كرر روتينه وذهب للجامعة وفتح رسائل الحساب بدون قراءتها فقط ليريه أنه يتجاهله ثم أكمل يومه بشكل طبيعي


"هاني"

قلب عينيه عندما سمع صوت أحمد


أكمل سيره وتجاهله وأحمد هرول ثم توقف أمامه

"لما لا تعطيني فرصة؟"


"لقد أعطيتك واحدة بالفعل، وانت أضعتها"


"كلا، كل شيئ كان لمهاب فقط، لم تعطني أبداً فرصة"

تحدث بأنفعال لدرجة أن البعض سمعه والتفتوا إليهما


"يبدو أنك تعلم جيداً أنك لا تروق لي، إذاً لما لا تتوقف عن ملاحقتي كالجرو؟"

تجاوزه ليكمل سيره


عاد إلى منزله ثم فتح الرسائل ليقرأها هذه المرة

"هذا مدهش، ليتني هكذا"

"ما هو فيلمك المفضل؟"


"الفيل الأزرق"

أختار الفيلم ليكمل للأخر تصوره عنه كمراهق يحب خرق القواعد فقط لأنه وجد الأمر مسلياً 


"ما هي فرقتك المفضلة؟"


ومجدداً أختار فرقة يتباهى من يسمعونها بأن ذوقهم مختلف وثوري

"كايروكي"


"لديك ذوق مختلف في كل شيئ، حتى عطورك، هذا رائع"


"بالطبع فأنا مميز جداً"

قهقه وهو يرسل الرسالة


"لاحظت أنك دائماً تخرج مع فتاة بشعر مجعد أو مع الراقصة سيليا، لما تخرج مع النساء فقط؟"


قهقه هاني حتى كاد يختنق من كثرة قهقهته، وجد صاحب الحساب غبياً جداً ليسأل هذا بشكل مباشر بدون الإنتظار بضعة أيام ليتعرفا أكثر حتى


نقر على لوحة المفاتيح ليكتب ثم يرسل

"لأنها حبيبتي"


حدق مُدَثر بالشاشة بإستغراب ثم همس

"كيف؟"


كان قد سبق وطلب من صديقه نادر أن يخبره كيف يتحدث مع فتاة يريد مصادقتها ليعلم كيف يتحدث مع هاني، وهو من أخبره بمختلف الأسئلة التي طرحها عليه 


والأن المراهق يخبره بأنه مرتبط بفتاة؟


كانت والدة مُدَثر تاركة الراديو مفتوحاً كعادتها، وكان يصدر أغنية لسعاد حسني 


يا يا يا واد يا تقيل

يا يا يا مشيبني

يآه، دا انا بالي طويل

وإنت، إنت عاجبني



.



4. مطلوب رسمياً

أخرج مفاتيح السيارة من جيبه ثم صعد بها، شغل المذياع وكان بمزاج جيد لدرجة أنه لم يهتم بتيغير القناة


عِنَدي وكلك شقاوة واوام بتزيد غلاوة

وبجد عليك حلاوة في الدنيا مافيش كده

ده اللي يشوفك يحبك يتمنى حياته جنبك

آه لو تفتحلي قلبك أنا بتمنى الرضا


ركن السيارة في المكان المحدد الذي أرسلته سيليا له على وتساب، بدأ يلتفت حوله وعندها رآها تلوح له، أقترب ليعانقها


سحبته لداخل المبنى ثم صعدا السلالم وبدأت تريه المسكن، كان بسيطاً يناسبه، غرفة نوم واحدة، مطبخ صغير وحمام وغرفة جلوس لا يحتاجها لأنه لا يخطط لدعوة ضيوف


مكانها جيد وقريب من الجامعة، عانق سيليا التي أصرت على الذهاب معه لشراء أثاث غرفة النوم، أختارت أشياء تعلم أنه يحبها، مفارش وأغطية مريحة، وأشترت إضائة بألوان مختلفة، ووسائد كثيرة


أتت فاطيما أيضاً وقامت بمساعدة سيليا في الترتيب، أحضرت معها زجاجات كحول ومرآة كبيرة للغرفة


شعر هاني بسعادة بالغة، لقد ترك منزل والديه، وحصل على سرير أحلامه، سرير مريح وبه كل شيئ يريده، سيشتري بقية أغراض المنزل لاحقاً، لكن الأن فهو سعيد جداً بغرفته الجديدة


غادرت الفتاتين وفتح زجاجة كحول ليشرب منها، فتح رسائل فيسبوك ثم ضغط على محادثة الحساب المسمى بإسم نور


لم يكن مُدَثر قد توقف عن مراسلته فهو شعر بأنه كاذب، لذا قرر أن يتحدث معه أكثر حتى يمنحه الأخر الثقة ويخبره بنفسه


"الجو مزعج جداً"

"أتحب الصيف أم الشتاء؟"

قرأ رسائل مُدَثر التي سبق وتجاهلها ثم رد

"الشتاء"


ترك هاتفه ثم نهض ليقوم بروتينه المسائي، عاد للجلوس ووجد رسالة أخرى

"إذاً لابد أنك مسرور الأن بهذا الجو"


تجاهله وفتح وتساب ثم حدق في محادثة مهاب، كان يفكر هل يراسله أم لا؟، هو سعيد جداً وأول شيئ فكر به هو مراسلته ليخبره بأنه سعيد


ولكن كلا

لا يمكنه فعل هذا بعد كل ما حدث


"الديك وشم؟"

قرأ رسالة أخرى من حساب نور


ضغط عليها ليرد

"أجل"


"أيمكنك أن تريني أياه؟"


كان يرتدي بيجامته ذات البنطال القصير فهو يحب النوم بملابس خفيفة، التقط صورة للوشم على فخذه ثم أرسلها بدون تفكير، كان مشوشاً ويشتت أفكاره عن مهاب 


"لا تقل أنك تجلس هكذا في مثل هذا الجو؟"


"لما لا؟، أحب أن أكون خفيفاً عند النوم"

"ماذا ترتدي انت عند نومك؟"

كان أول سؤال يطرحه على الأخر


الذي أرتبك لأن هاني لو طلب صورة ستكون مشكلة لأن جسده لا يشبه جسد صاحب الصورة التي يضعها، تمالك نفسه ثم أرسل

"بيجامة ثقيلة بالتأكيد"


سحب هاني الغطاء وعاد لتجاهل مُدَثر، ثم نام في النهاية


أستيقظ وعند تذكره أنه في مكان غير منزل والديه شعر بالسعادة، نظر في ساعة هاتفه ثم نهض ليقوم بروتينه الصباحي


بعد أرتداء ملابسه التقط لنفسه صورة في المرآة التي أهدتها له فاطيما ثم غادر


السيارة التي أتى بها البارحة لم تكن له أيضاً، كانت تخص فاطيما وتركتها له يومها ليقوم بالتسوق بها


ذهب للجامعة وحضر محاضراته بشكل طبيعي، وأثناء خروجه من الجامعة لاحظ وجود مُدَثر


"انت!"

قال ولوح له ثم أقترب منه بينما مُدَثر لا يعلم لما يلوح له ويفكر هل يفترض به البقاء أم الذهاب


"أجل!"

بقى مكانه في النهاية


كان هاني يرتدي بنطال قطني رياضي رمادي وكنزة باللون السكري، وحقيبة قماشية مختلفة عن السابقة، مكتوب عليها (لما تكون كاشير إبقى حاسبني)


"انت من أعدت لي هاتفي!، لم أشكرك بشكل جيد يومها، شكراً جزيلاً"

قال باسماً ثم مد يده وأمسك بيد الأخر وصافحه بحرارة


رائحة عطره فواحة جداً، لذا أبعد مُدَثر يده كي لا تلتصق به

"العفو، لم أقم بشيئ يذكر"


لوح هاني له ثم تركه وذهب، وحتى بعد ذهابه كانت ما تزال رائحة عطره موجودة، مد مُدَثر يده ليقربها من أنفه وعندها شم رائحة عطره


إستاء ثم صعد في سيارته وأخرج زجاجة ماء ليغسل يديه وهو يتمتم

"مقزز"


شغل سيارته وبينما يعود لطريقه لاحظ أن هناك رجلان يعترضان طريق هاني، شعر بالفضول وركن السيارة ليراقب ما يحدث


سحب أحداهما دفتره ثم رماه للأخر الذي مزقه، كان الجو هادئاً وأعتقد مُدَثر بأنهم سيلقنون الفتى المراهق درساً ليتصرف كرجل، لكنه تفاجأ عندما وجده يضربهم بل وأخرج سلاحاً حاداً من جيبه ووضعه على رقبة أحدهم


وبدأ مُدَثر يفكر بأنه لا يتصرف بشكل كامل كما يبدو، وما دام لديه كل هذه القوة لماذا يتصرف دائماً كالنساء؟، لما لا يتصرف كرجل بدلاً من التعطر والتحرك والتحدث كالنساء؟


أنصرف هاني تاركاً الأخر يفكر في إجابة لسؤاله، عاد مُدَثر ليكمل قيادته، ذهب إلى ستاربكس ثم أخرج هاتفه ووجد بأن هاني لم يرد على رسائله بعد، هذا الفتى مزعج جداً ويرد عليه بعد وقت طويل دائماً 


"كيف حال فاطيما؟"

أرسل رسالة أخرى علها تجعله يرد أسرع، لكن كالعادة رآها هاني ولم يرد


فتح محادثة صديقه زياد على وتساب

"كيف تجعل فتاة هي من تبدأ بالحديث معك بدلاً من تجاهلك؟"


"أنشر منشورات وصوراً لك مع أشخاص أخرين، أماكن أرادت زيارتها مثلاً، أو طعام أرادت تجربته، ستسألك عنه عندها"


لا يمكن له نشر صور مع أشخاص آخرين لأنه ليس جون، إذاً سيستخدم الحل الأخر، الذهاب لأماكن أراد الذهاب إليها وتجربة أشياء أراد تجربتها


ولكن ليس الأن، عليه الإنتظار فبقي أسبوع واحد ليكمل الفتى المراهق الثامنة عشر وعندها يمكنه القبض عليه


مر هاني على مركز التسوق لشراء بعض الأغراض للسكن قبل أن يعود إليه، بعد وصوله خلع حقيبته ثم حذائه وأستلقى على السرير ليأخذ قيلولة


أستيقظ وأمسك هاتفه لينظر للساعة ووجدها التاسعة مسائاً، نهض وبدل ملابسه وأغتسل ثم قام بأعداد الطعام لنفسه


أخرج من درج المطبخ كوباً مكتوباً عليه (اللي فاكرني طيب كل سنة وهو طيب) ملأه بالقهوة ثم جلس على سريره وأخرج حاسوبه من حقيبته ليعمل بعد أن كان قد أنقطع عن عمله بسبب إنشغاله بالمشاريع الدراسية وأختباراته، يعمل مصمماً، هو من يقوم بتصميم الحقائب والأكواب وأحياناً الملابس التي يرتديها، يحصل عليها بالمجان من الصفحات التي يعمل لديها 


لقد أنهى أختباراته والأن سيعود للعمل، يخرج للتمشية أحياناً أو يخرج مع سيليا وفاطيما، لا يسمي الرجال الذين يعرفهم بالأصدقاء فهو لا يثق بهم، سيقول بأنهم أصدقاء لكن لن يثق بهم أبداً


من قام بالإهتمام به كانت سيليا، عندما كان يبحث عن الأمان والحب في مكان غير منزله بما أنه دائماً لديه مشاكل مع والديه، فتحت له سيليا أحضانها وأهتمت به، ثم عرفته بفاطيما


ينجذب هاني للرجال لكنه لا يثق بهم، بالأخص بعد أول تجربة علاقة مر بها، التي لم يستطع تجاوزها حتى الأن


سمع طرق على باب السكن بينما يعمل على حاسوبه، كان يتحدث مع فاطيما 

"هناك من يطرق الباب"


"أتعتقد أنه لص؟"

ردت فاطيما


"أيمكن أن يكون لصاً؟"


"ومن سيأتي في مثل هذا الوقت؟"

ردت عليه وعندها ترك حاسوبه وأقترب من الباب بحذر


"من الطارق؟"

لم يجد رداً على سؤاله وطُرق الباب مرة أخرى


شعر بالقلق ثم أخذ نفساً عميقاً، أمسك سكيناً ثم فتح الباب ووجد سيليا وفاطيما تحملان كعكة وترتديان قبعات عيد الميلاد

"عيد ميلاد سعيد"


"تمزحين!"

قال محادثاً فاطيما التي أخذ تقهقه ثم البسته قبعة عيد الميلاد


"ما رأيك بمفاجئة هذا العام؟"

سألت ليعبس

"سيئة"


عانقته سيليا

"توقف عن العبوس، أصبح عمرك ثمانية عشر، أصبحت بالغاً، الأن ستشرب الخمور بشكل قانوني"


قهقه لجملتها، تفقدت فاطيما حاسوبه لترى على أي تصميم يعمل ثم وضعته جانباً لتجلس على السرير


"لقد أتينا قبل الثانية عشر لنكون أول من يعايدك"

قالت سيليا وهي تجلس هي الأخرى


جلس هاني بينهما ثم التقط صورة لهم سوياً، حملت فاطيما الكعكة وأصرت عليه أن يظهرها في الصورة وعندها التقط صورة أخرى ثم نشرها في قصة فيسبوك


شغل أغنية إيقاع مكسور ليرقصوا عليها 


سمعنا الطبلة الملفوفة تسطل جناحتنا المنتوفة

سمعنا الطبلة الملفوفة تسطل جناحتنا المنتوفة


أتاه الكثير من الرسائل على الصورة التي قام بنشرها في قصة فيسبوك


"كل عام وانت بخير"


"عيد ميلاد سعيد لأفضل صوت في الجامعة"


"عيد ميلاد سعيد يا هاني"


"أنظروا من أصبح بالغاً!"


"عيد ميلاد سعيد لمصممنا المتألق"


تجاوز الرسائل كلها بضجر حتى وجد رسالة مختلفة من حساب نور

كانت صورة في متجر مليئ بمنتجات يحبها 

"كل عام وانت بخير"


"أين هذا المتجر؟"

أرسل ولم يرد مُدَثر لكن هذا لم يزعج هاني فهو لا يهتم بمراسلة أحد إلا سيليا وفاطيما


أخذ الصورة وأرسلها لفاطيما

"أتعرفين هذا المكان؟"


"هناك الكثير من المتاجر تبيع نفس الأغراض"

ردت عليه


"أريد هذا المتجر"


موتنا بطيئ والعطاطيئ ما إحنا الغوغاء ولابد نطيئ

موتنا بطيئ والعطاطيئ ما إحنا الغوغاء ولابد نطيئ

نزلنا البير زحاليق زحاليق، القلب كبير والصدر يساع

نزلنا البير زحاليق زحاليق، القلب كبير والصدر يساع


.



5. قفص مفتوح

مهما فعل مُدَثر فهو لم يستطع الإمساك بأي طرف لخيط يدله على دليل لكون هاني مثلياً، حتى أنه بدأ يعتقد بأنه مجرد مراهق يتصرف كالفتيات فقط وليس مثلياً


وبدأ حديثه يصبح أقل حتى توقف عن الحديث معه لأنه وجد الأمر أضاعة للوقت، وعاد لينشغل بعمله العادي بعد أن قدم تقريراً عن أن هاني ليس مثلياً وأنه مجرد مراهق ناعم كالنساء


مرت ثلاثة أعوام ونسي أمره تماماً، كان والديه يخبرانه بأن عليه الزواج لأنه على مشارف الأربعينات ويريدان رؤية أحفاده


لذا خرج في موعد أعمى رتبه والديه ووالدي المرأة، كانت إمرأة في بداية العشرينات، لطيفة وجميلة، ومهذبة، وهشة ومطيعة، النموذج المثالي الذي يحبه الرجال الذكوريين لذا وافق لأنه وجدها فرصة للخروج من منزل والديه


فهو على مشارف الأربعينات وما زال والديه يتدخلان في خصوصياته، لذا وجد الزواج فرصة للإستقلال، وبينما كانا في ايكيا لشراء الأثاث كانت خطيبته محتارة بين شيئين وعندها تدخل شاب لمساعدتها


كان هاني، بدأ يسألها عن لون وشكل ونظام منزلها وعلى حسب إجاباتها ساعدها في إختيار القطع المناسبة، أُعجبت المرأة بذوقه وسألته إن كان يعمل هنا وأجابها بأنه يعمل في متجر للتحف ثم أخرج من جيبه ورقة وكتب عنوان واسم المتجر ثم أعطاها الورقة وهو يبتسم


لم يكن مُدَثر منتبهاً لأنه لم يكن مهتماً بالأثاث وترك خطيبته تختار ما تريد وكان يقف جانباً، بعد أن أشترت حادثته عن هاني وكيف أنه جيد في التنسيق وأنها تريد الذهاب لمتجر التحف الذي يعمل به


وبالفعل ذهب معها لمتجر التحف، فور رؤيتها لهاني إبتسمت وسألته عن حاله بينما مُدَثر تفاجأ من رؤيته للفتى الذي لم يعد مراهقاً بعد الأن، لكنه لم يتغير كثيراً، ما زال يشبه النساء في تصرفاته وهيئته، حتى نبرة صوته لم تصبح خشنة


نضج هاني في تلك السنوات، أصبح أكثر حكمة وحذراً، ولكنه لم يفقد حسه المرح واجتماعيته ولطفه، وأيضاً حدته وعنفه وقت الشجار


أنتبه هاني لوجود مُدَثر ثم سأل المرأة

"هذا زوجك؟"


"خطيبي، سنتزوج نهاية الشهر"

ردت باسمة بخجل


"لقد قدم خطيبك لي خدمة منذ بضعة سنوات، سأقوم بعمل خصم خاص لكما، لكن عليكما دعوتي لزفافكما"

قال وهو يتحرك ليخرج من مكانه ويبدأ السير في المتجر وتبعته المرأة

"بالطبع انت مدعو"


كان مُدَثر متفاجئاً أن هاني ما زال يتذكره حتى الأن، بعد أن أختارت المرأة ما تريد ناوله مُدَثر بطاقته البنكية وعندها سأله هاني

"ما اسمك؟"


"مُدَثر"


"وانا هاني"

أعاد له بطاقته باسماً بعد أن سحب منها الفاتورة 


الغريب أنه لم يعلق على اسمه كما يفعل الجميع، فهم يرون اسمه غريباً


كم عمر ذاك الفتى الأن؟

مرت ثلاث سنوات أي أن عمره الأن واحد وعشرون عاماً، بالغ رسمياً في القوانين والمحاكم


أخذت خطيبته تتحدث عن أن هاني رجل رائع ولطيف وأنه من النادر وجود شخص بكل هذا اللطف


فتح محادثة صديقه زياد ثم ارسل صورة للمتجر

"أتعرف متجر التحف هذا"


"أجل، والدتي تحب شراء التحف من هناك لأن العامل شاب لطيف تحب الحديث معه"


يبدو أن النساء بمختلف الأعمار يحبونه، ويبدو أنه ظلم الفتى، هو ليس مثلياً، هو فقط يحب مصادقة النساء


قبل زفافه بأسبوع ذهب مع خطيبته للمتجر لتقوم بدعوته للزفاف، صافحه هاني بحرارة

"مبارك لكما، تبدوان رائعان معاً"


لم يصافح المرأة لأن القانون يقول أن لا تصافح النساء اللاتي يمتلكن رجلاً وإلا فهذا طعن في رجولتهم


وكالعادة علقت رائحة عطر هاني بيده، غسلها فور عودته للمنزل، مرت الأيام وخطيبته من تقوم بالتجهيز للزفاف فهو لا يهتم بالتفاصيل


وفي يوم الزفاف حضر هاني، كان يرتدي بنطال جينز أسود وقميص أبيض واسع، ويحمل في يده علبة هدايا كبيرة


مدها لمُدَثر

"مبارك زواجكما"


شكره بأقتضاب ثم وضع العلبة في سيارته، كانت زوجته تتحدث مع هاني، ثم فجأة نظر له وأشار إليه

"مُدَثر، تعال"

كانت أول مرة يناديه بإسمه


أقترب وقال هاني وهو يشير لشعر زوجته

"عدل شعر ليندا"


لم يفهم مُدَثر

"لا أفهم"


"أيمكنني تعديله؟"

سأل ليرد

"أفعل ما تريد"


بدأ هاني يقوم بتعديل شعرها ليعيد ترتيبه وعندما إنتهي أخرج هاتفه ليريها كيف تبدو الأن

"انت رائع حقاً"


"سأذهب قبل أن يأكلني زوجك"

شعر بأنه تلقى الكثير من المدح من سيدة تزوجت للتو


بارك لهما مرة أخرى ثم عانق مُدَثر كما يفعل الجميع في حفلات الزفاف، لا يتصافحون بل يتعانقون، غادر وتركهما 


صباح اليوم التالي أستيقظ مُدَثر أولاً لأنه معتاد على الإستيقاظ مبكراً، خرج لغرفة الجلوس ووجد علبة الهدايا التي سبق وأهداها له هاني في الزفاف


فتحها ووجد بها منحوتة لقفص فارغ بابه مفتوح، لم يفهم ما معنى هذه التحفة أو ما فائدتها، تركها مكانها ودخل المطبخ ليعد لنفسه كوب قهوة


لقد أستقل عن عائلته!، فعلها قبل أن يتمم أربعين عاماً بشهر واحد، أخذ كل هذا الوقت للإستقلال!


أخذ منزلاً في منطقة عادية، ليست حياً من أحياء الأغنياء، مجرد منزل بسيط، له جيران، لا يهتم بمعرفتهم


دخل من الشرفة وسمع صوت المذياع، ليندا لم تكن نائمة، كانت قد أستيقظت وشغلت المذياع، وهذا جعله يشعر بأنه لم يغادر منزل والديه


يانا يانا يا تاعبني، يانا يانا يا سايبني

للعذاب يسهر عليا والسهر يتسلى بيا

لو صحيح مش داري بيا ليه بتتلفت عليا؟

وأما بتقابلك عينيا ليه بتهرب من عينيا؟


شعر بأنه يشعر بالإختناق، بدل ملابسه وخرج للتمشية حتى وجد مقهى، دخله ليرتاح من المشي


"مُدَثر!"

كان صوت هاني


كان يجلس عند طاولة في المقهى وأمامه حاسوبه، شعر مُدَثر بالغرابة أنه أصبح يراه كثيراً فجأة


أقترب ليصافحه ثم جلس في المقعد المفابل له على الطاولة

"كيف الحال؟"

سأل مُدَثر


"بخير، لقد أجلتُ عملاً مهماً البارحة وها انا أدفع الثمن"

قال ضاحكاً وهو ينظر لحاسوبه


"هل هذا تابع للمتجر؟'

سأل بشكل تلقائي


"كلا، هذه وظيفة أخرى"


"لديك وظيفتان!"

وجد الأمر غريباً


"أجل"

رد ببساطة ثم أكمل

"راتب المتجر بالكاد يكفي الإيجار"


"الا تعيش مع والديك؟"

قهقه هاني عندما سمع سؤاله

"تركتهما قبل أن أتمم الثامنة عشر"


تفاجأ مُدَثر أن الفتى الأشبه بالنساء أستقر عن والديه منذ أن كان في السابعة عشر بدون الحاجة للزواج ليستقل، هذا الجيل يفعل الكثير من الأشياء المجنونة


ثم فكر بأنه ربما طرده والديه بسبب تصرفاته وأنه أضطر فقط للتأقلم لا أكثر


"الا تريد العودة للعيش معهما؟، سيوفر هذا المال"

سأله


"كلا، أحب البقاء مُستقلاً، شعور رائع"

شمر أكمامه لأنها كانت تزعجه أثناء أستخدامه للفوتوشوب وعندها لاحظ مُدَثر وشماً جديداً على معصمه، كان تاجاً صغيراً، ما معناه؟، وما معنى القفص الفارغ الذي أهداه له؟


أصبح الفتى أغرب عندما كبر في السن، وهو لن يسأله عن معنى أي شيئ بالطبع، بل هو لا يريد مقابلته مرة أخرى، برائحته عطره القوية تلك وحديثه وتصرفاته الأُنثاوية


تذكر أنه قبلاً أخبره بأنه مرتبط بفاطيما وعندها سأله

"كيف حال فاطيما؟"


أستغرب هاني لأنه لم يسبق أن حادث مُدَثر عن فاطيما، لقد نسي مُدَثر أنه سأله من الحساب الوهمي


"بخير، كيف تعرفها؟"

سأل هاني


"لقد سمعت أنها خطيبتك"

رد بأول رد خطر بباله عندما تذكر بأنه لا يفترض به سؤاله عنها لأنه لم يخبره هو بل تحدث مع الحساب الوهمي


"كلا، ما زال الوقت مبكراً فنحن صغيران على الزواج"

رد هاني ببساطة


شغل بعدها أغنية ورفع صوتها، كان يبدو أنه معتاد على فعل هذا لأنه لم ينظر أحد إليه ولم يستاءوا من الصوت


شرفت يا نيكسون بابا، يا بتاع الووتر جيت

عملولك قيمة وسيما، سلاطين الفول والزيت

فرشولك أوسع سكة، من راس التين على مكه

وهناك تنزل على عكا، ويقولوا عليك حجيت

ماهو مولد ساير داير، شي الله يا اصحاب البيت


.


6. رجل محايد

كان يمسك بهاتفه ويتصفح فيسبوك حتى سمع صوت الباب وعندها أغلق شاشة الهاتف لينظر للشخص الذي دخل المتجر


"مرحباً!"

القى التحية باسماً على السيدة المُسنة التي دخلت


كان يعمل في متجر تحف، قام بعمل بعضها، تحدثت السيدة

"ساعدني في ايجاد هدية مناسبة لزوجي بمناسبة عيد زواجنا"


إبتسم هاني بشكل أكبر

"كل عام وانتي بخير، بالتأكيد، سأقترح عليكي بعض القطع، أستريحي"

أشار لها لتجلس على الكرسي


بدأ يختار بضعة تحف ثم وضعها على الطاولة وبدأ يتحدث عن معنى كل واحدة منهم، دخل شخص آخر للمتجر، كانت ليندا زوجة مُدَثر 


"طاب مسائك ليندا، كيف الحال؟"

قال باسماً


"مرحباً"

القت ليندا التحية على السيدة العجوز أيضاً


"أنتهى شعر العسل؟"

سأل هاني ليندا بينما تشاهد السيدة التحف التي أختاراها


"أجازة عمله كانت أسبوعان فقط"

قالت بخيبة ثم عادت لتبتسم

"لكن المهم أنه بخير فهو كان يبدو ذابلاً بدون عمله، يبدو أنه أعتاد عليه حتى أصبح جزئاً من روتينه"


"سأختار هذه"

قالت السيدة ليأخذ هاني التحفة ويغلفها ثم يبتسم وهو يعطيها لها في حقيبة الهدايا

"كل عام وانتِ بخير"


غادرت السيدة وجلست ليندا مكانها

"عيد ميلاد مُدَثر الأسبوع القادم ولا أعلم ما الذي يحبه لأهديه أياه"


"أستقومين بحفلة صغيرة؟"


"كلا، هو يكره الحفلات"


"إذاً هو ذاك النوع من الأشخاص الذي يكره الحفلات ويحب الروتين!"


"بالضبط"


"هل لديه ساعة معصم؟"


"أجل"


"أقترح أن تحضري له ملابس مماثلة لملابس لديه، أو شيئ تعلمين أنه يحتاجه، فالأشخاص أمثاله يحبون الهدايا العملية التي يمكنهم الإستفادة منها"


"الا يمكنك محادثته ومعرفة ما يحتاجه؟، انت جيد في هذا"

كانت ليندا محتارة وقلقة من أن تحضر له هدية سيئة بما أنهما متزوجان حديثاً، لا تريده أن يتذكر أول عيد ميلاد له في زواجهما بشكل سيئ


"زوجك منشغل دائماً، لن يتفرغ للقدوم"


"سأخبره أنني طلبت منك شيئاً وأريد منه أحضاره، وعندما يأتي أخبره أنه لم يجهز بعد وتحدث معه"


"حسناً، سأبذل جهدي لمعرفة ما يحتاجه وسأخبرك"

قال لتبتسم ليندا ثم تبادلا أرقام الهواتف


كان هاني في عامه الرابع في الجامعة، يعمل في الإجازة بشكل مضاعف ليعوض الأيام التي تغيبها أثناء أيام دراسته


مسائاً كان يدرس على هاتفه حتى سمع صوت باب المتجر وعندها أغلق شاشة الهاتف، نظر للقادم ليجده مُدَثر 


"كيف الحال؟"

سأل باسماً


"بخير، قالت ليندا بأنها طلبت شيئاً منك"

تحدث مباشرةً عن سبب قدومه


"طلبها لم يجهز بعد"

أستطرد بعدها

"لم أرك منذ مدة، كيف الحال؟"


"بخير"

رد بأقتضاب وتحرك هاني ليخرج إليه من خلف الرف ثم أمسك يده وسحبه ليجلس على الكرسي وجلس على الكرسي المقابل له


كان هاني يرتدي بنطالاً قصيراً لذا كان خلخاله واضحاً، وقميص بنصف كُم باللون الأخضر الفاتح، بدأ حديثه سائلاً

"انت لا تحب التحف اليس كذلك؟"


"لا تروق لي، لا أفهمها"

رد مُدَثر بصراحة وعلى عكس العادة لم يكن يشعر بالإشمئزاز عند رؤية جسد الأخر، بدأ يراه عادياً، ولكنه ما زال يستفزه، لما لا يتصرف كرجل؟


"أتحب العطور؟"

سأله ليرد الأخر

"كلا، أكره الروائح بالأخص القوية"


نظر هاني نظرة فاحصة على مُدَثر الذي شعر بالإرتباك بسبب نظراته وسأله

"هل هناك مشكلة؟"


"كلا، لقد تذكرت بأن لدي موعداً في دار الأوبرا"

إستقام واقفاً


"مازلت تغني هناك؟"

سأل بشكل تلقائي ونظر للأخر وهو يأخذ حقيبته القماشية، كان مكتوب عليها (إنت حر وانا حر) وهناك رسمة باللون الأحمر لطائر يحلق


"أجل، أتريد القدوم؟"

سأل بعفوية ثم أضاف وهو يتجاوزه

"أو ربما أنت تكره الأغاني أيضاً"


أستقام مُدَثر واقفاً ليتبعه ويخرج من المتجر ليقوم هاني بإغلاقه بالمفاتيح

"لا أكرهها، لكن لا أحبها أيضاً"


"انت عجوز جداً"

قال ثم وضع مفاتيحه في جيبه


"ماذا تغني هناك؟"


"تعال إن أردت أن تعرف"

قال بنبرة مرحة ثم بدأ يسير مبتعداً


"إنتظر"

قال مُدَثر بصوت مرتفع ليلتفت إليه هاني بأستغراب


"لدي سيارة، يمكنني إيصالك"

أقترح مُدَثر ووافق هاني وصعد في سيارته


فتح النوافذ لأنه وجد رائحة عطر هاني مستفزة كالعادة، ركن السيارة عند دار الأوبرا ثم نزل هاني أولاً ليذهب مباشرةً للمسرح الذي يغني به


دخل مُدَثر خلفه ثم جلس على مقعد من مقاعد الجمهور، كان هاني يتحدث مع أصدقائه في المسرح بعفوية كعادته ثم حمحم وأخذ مكبر الصوت من مكانه يبدأ الغناء


مش نظرة وإبتسامة مش كلمة والسلامة

دي حاجات كتيرة ياما لو ناوي تحبني

ايه يعني قلبك حنين؟

ايه يعني رمشك يجنن؟

لو حلو انا برضه حلو

وتجيني وأقول يحنن

ولا أخاف ولا أنحني


كان قد غير من ضمائر الأغنية للمذكر بدلاً من المؤنث ولم يعلق أحد على الأمر بل صفقوا له لأنهم يحبون صوته


مارس هوايته المفضلة بعد الغناء، شرب زجاجة كحول وأخذ يغني بعشوائية 


ياه لو كنا جوز عصافير، نروح بعيد عن هالناس نطير

نتخبى ع الشجر بعش صغير، وما نسأل عن حدا تاني


أراح ظهره على خشبة المسرح مستلقياً ليحدق بالسقف


راح أضل معاك حتى لو بتنهار سما أحلامنا

أيدي ع أيدك نبني فوق الغيم مكاننا


"هل انت بخير ايها الفتى؟"

سأل مُدَثر وهو يقف بجوار هاني


شعر هاني بأهتزاز هاتفه في جيبه ليخرجه، كعادته يتركه على الوضع الصامت، كانت فاطيما

"هل أنتهيت من دار الأوبرا؟"


"أجل"


"إنتظرني، سآتي لأصطحبك"


"حسناً"

أنهى المكالمة ثم قال لمُدَثر

"فاطيما ستأتي لأخذي"


"حسناً"

غادر وتركه، صعد في سيارته وبدأ يسأل نفسه لما أتى معه لدار الأوبرا؟، ولما فجأة أصبح يراه كثيراً؟


عاد إلى منزله، إستحم وبدل ملابسه وجلس يتناول الطعام مع ليندا التي كانت تسأله عن يومه وكعادته كان يرد عليها بجُمل بسيطة


في اليوم التالي تحدثت ليندا مع هاني وخرجا سوياً لشراء هدية لمُدَثر، لاحظ هاني أنه يحب أرتداء الألوان المحايدة لذا أقترح شراء قميص أبيض بنصف كُم، لأن كل قمصانه بكُم ويقوم برفعه عندما يشعر بالحر، مما يعني أنه أكسل من أن يخرج لشراء قميص بنصف كُم لنفسه


كما أقترح عليها شراء عطر خفيف أشبه بمعطرات الملابس، هو يكره العطور لكن عطر خفيف سيكون جيداً بالأخص في الصيف


سألته أن يأتي لتناول العشاء معهما في أحد الأيام قبل أن يذهب لعمله وهو وافق باسماً ثم ذهب للمتجر


بعد يوم طويل عاد هاني لمنزله ليستلقي على سريره ثم ينام بدون النظر لهاتفه، أيامه التالية كانت حافلة بسبب الإختبارات


يوم عيد ميلاد مُدَثر أهدته ليندا القميص والعطر، شكرها بأقتضاب وأكمل يومه بشكل طبيعي


"لما لا تحصل على عنوان هاني وتذهب لتهنئته بيوم مولده؟"

سألت ليندا عند إقتراب عيد ميلاد هاني


"يمكنكِ إرسال رسالة إليه، ثم الا تلاحظين أنكِ تتحدثين كثيراً عن رجل غريب؟"

قال وهو يقوم بتعديل ياقة قميصة


"غريب!، نعرفه منذ ما يقارب العام"

أستغربت حديثه


أخذ معطفه ليرتديه

"توقفي عن الحديث عنه، يمكنكِ الثرثرة عن أي شيئ سخيف من مواضيع النساء التافهات بدلاً من التحدث عن رجل أخر"

تركها وذهب


شعرت بالحزن لأنه يصف حديثها بالسخيف والتافه، ولكن ماذا كانت تتوقع من رجل الشرطة؟، معاملة هاني اللطيفة جعلتها تنسى واقع الرجال 


.


7. معطف كبير

"كل عام وانت بخير"

فتح عينيه ليجد سيليا وفاطيما يقفان عند سريره بكعكة، جلستا وأشعلت سيليا الشموع وفاطيما سحبته ليجلس

"هيا أطفئها"


نفخ هاني الشموع لتنطفئ ثم فرك عينيه

"كم الساعة؟"


"الثانية عشر إلا عشر دقائق، كعادتنا أول من يحتفل بيوم مولدك"

قالت فاطيما بفخر


"يبدو أن يومك كان متعباً"

قالت سيليا ووضعت الكعكة على المكتب 


"كالعادة، لكن بأي حال بقي عام واحد وسأتخرج لذا لا يهم ما سيحدث به"

قال باسماً


أخرجت فاطيما هاتفها لتقوم بإلتقاط صورة كما يفعلون كل عام ووضعها هاني في قصة فيسبوك كالعادة


"كيف الحال مع الرجل الذي يأتي للمتجر بحجج مختلفة؟"

سألت سيليا ليبتسم هاني


"إسلام رجل جيد من نواحي عديدة"


"بإستثناء اسمه بالتأكيد"

علقت سيليا على جملته 


قهقه هاني

"حسناً اسمه مقلق قليلاً"


"ربما هو ضابط وهذه حيلة جديدة لإستدراجك"

قالت فاطيما


بدأ هاني يشعر بالقلق

"أتظنان هذا؟"


"ولما لا؟، انت تبدو نموذجاً مثالياً للمثليين، ربما هو يستدرجك فقط"


"بأي حال لم أشعره أبداً بأنني أستلطفه"

رد كذباً رغم أنه كان يستلطفه بنسبة ما 


فقد كان إسلام لطيفاً ومهذباً، ويحترمه، لا يتطفل على حياته بل يدخلها بنعومة ويضفي لمسته، كان نوعه المفضل لذا كان يشعر بالخوف منه


"جيد، أستمر هكذا"

ربتت سيليا على رأسه


اليوم التالي رتب مظهره، أرتدى كنزة حمراء وبنطال رياضي أبيض، رش من عطره ثم أرتدى حقيبة قماشية من حقائبه، وضع سماعات رأسه، شغل الأغاني ثم خرج


الحلو ماشي ولا همه، يبعدني لو اقرب منه

ده اللي محدش مالي عينه، حسنه، وجماله مساعدينه

هيجنني ده هيجنني، كل ما اقرب يبعد عني


دخل المتجر ثم خلع السماعات وبدأ يرتب أماكن التحف ويمسح الغبار عن بعضها، فتح هاتفه ليدرس لبعض الوقت ثم عاد لترتيب التحف


سمع صوت الجرس الذي يُصدر عندما يفتح أحدهم الباب وعندها التفت باسماً

"مساء الخير"


كان رجلاً يرتدي معطفاً أسوداً طويلاً، شعره أسود، عيونه سوداء وبشرته قمحية، لديه ذقن خفيفة ويحمل في يده باقة زهور


"مساء الخير"

إبتسم وهو يقترب منه


"تبحث عن شيئ معين، أستاذ إسلام؟"

سأل هاني بود


"كل عام وانت بخير"

مد له باقة الزهور


تفاجأ هاني

"شكراً"

أخذ منه الباقة ورغم سعادته فقد شعر بقلق أكبر أنه الأخر يعرف يوم ميلاده


"كيف علمت؟"


"فيسبوك"

رد بأختصار، لكن هذا لم يطمئن الأخر


تحرك هاني ليضع الباقة على المكتب وعندها إنتبه إسلام لحقيبته، كانت المكتب عليها (إنت حر وانا حر)


"حقيبة جميلة"

علق وهو ينظر إليها


"انا من أقوم بتصميمها"

رد بتلقائية وهو يبتسم


"وغصباً عن الكل، إنا نرد عليهم ذُل"

تفاجأ هاني لأن إسلام أكمل مقطع الأغنية المكتوبة على الحقيبة


"تعرفها؟"

لم يستطع إخفاء دهشته


"بالتأكيد"

رده بالنسبة لهاني كان وكأنه يصرح بميوله


"كيف عرفتها؟"

واصل اسألته


"بالصدفة، من سبوتيفاي"


تبادلا النظرات الصامتة، كان إسلام يحاول بكل جهده أن يجعل وجوده لطيفاً ومريحاً ولكن هاني لم يكن معتاداً على شيئ كهذا بالأخص بعد علاقته السابقة


قطع حديثهما ونظراتهما لبعضهما إنفتاح الباب ودخلت ليندا بعيون منتفخة، كان يبدو أنها بكت كثيراً، أسرع هاني إليها

"ماذا حدث؟"


"هل انا تافهه؟"

سألت بحزن


"كلا، من قال هذا؟"


شعر إسلام أنه لا يفترض به أن يكون موجوداً

"سأذهب الأن"


"كلا، إنتظر"

أوقفته ليندا


"أجل!"

أستغرب طلبها رغم أنها أول مرة يراها بها


"انت تبدو مثل مُدَثر، لذا ستتحدث بصدق، ما المواضيع التي تريد الحديث فيها مع زوجتك ربة المنزل غير العاملة بعد عودتك من العمل؟"


"أي شيئ تريده، ولدي تعليق على جملة غير العاملة، ربات البيوت هُن نساء عاملات، الا تقومين بالطهي والتنظيف والغسيل؟، هذه وظائف يعملها الناس مقابل أموال، وانتي تقومين بها بالمجان"


أستغربت ليندا أن هيئة إسلام كرجل شرقي لا تتناسب مع حديثه، لا أحد من قبل أعترف بعمل ربات البيوت، هل الرجال حول هاني لطفاء مثله؟ 


أكمل إسلام

"لا يفترض أن نتحدث مع من نحبهم عن مواضيع شائكة، ماذا سأستفيد عندما أتحدث عن السياسة أو أرتفاع الدولار أو الإحتباس الحراري؟، من المفترض أن نتحدث عن كيف كان يومنا، وأحياناً كيف نخطط للمستقبل"


كان هاني معجباً بحديث إسلام، أفكارهما متقاربة، يبدو رجلاً لطيفاً حقاً، ربما اساء الظن به، ابعد نظره عن إسلام ليركز مع ليندا

"هل تشاجرتي مع مُدَثر؟"

سأل هاني


"أجل، أشعر بأنني زوجة سيئة"

كأي زوجة كانت تلوم نفسها على حديث زوجها عنها بالسوء


"ثقي بي، انتِ زوجة جيدة جداً، بالتأكيد كان منزعجاً بسبب عمله فقط"

ربت على كتفها

"سأتحدث معه من أجلك"


شعرت ليندا بالقلق على هاني لأن مُدَثر فعل كل هذا بسبب إستيائه من حديثها عنه

"كلا، لا حاجة للأمر، سأقوم بأعداد طبقه المفضل، معك حق، بالتأكيد هو متعب من العمل"


إستقامت واقفة كي لا تمنحه فرصة ليحاول الحديث معها عن الأمر

"شكراً للمساعدة، طاب مسائكما"

خرجة وتركتهما


"هل تصادق جميع زبائنك؟"

سأل إسلام


"تحبني النساء، بالأخص المتزوجات، يحببن الحديث معي عن أيامهم أو هواياتهم لأن أغلب أزواجهم مزعجين"

قال باسماِ ثم نظر في ساعة هاتفه


"سأذهب للأوبرا أتأتي معي؟"

سأل لأنه شعر بأن إسلام ليس سيئاً كما يظن، هو فقط رجل ودود يريد التقرب منه بصدق، ووافق إسلام


أغلق المتجر ثم صعد في سيارته ووضع إسلام له حزام الأمان قبل أن يشغل السيارة، كانت تصرفاته اللطيفة والحريصة تجعل قلب هاني يرفرف


"مما تخرجت؟"

سأل هاني محاولاً خلق حديث معه


"السياسة والإقتصاد"

رد إسلام


"انا أدرس الهندسة"


"فهمت الأن"

قال ليستغرب هاني

"فهمت!"


"سبب كونك صعب المراس"

قال ليقهقه هاني


ركن السيارة عند دار الأوبرا وسحبه هاني بحماس لغرفة فارغة ليقوم بالغناء


رح اضل معاك حتى لو بتنهار سما أحلامنا

إيدي عإيدك منبني فوق الغيم مكاننا

وابواب الجنة بتفتح بس عشاننا

و منصير الملك و الملك ببلادنا


أمسك إسلام يده برفق وهو ينظر إليه بعينان حالمتين

"انت مغني جيد"


"بالتأكيد"

رد بثقة كعادته


"الا تشعر بالتشويش عند القيام بكل هذا؟"


"كل هذا؟"

لم يفهم سؤاله


"تعمل مصمماً، وتقوم بالنحت، وتعمل في متجر، وتقوم بالغناء، اليس هذ كثير عليك؟"


"لا أراها بهذه الطريقة، أراها بأنني أفعل كل الأشياء التي أحبها في آن واحد"

قال وهو يتحرك في المكان بينما عيون إسلام تتبعه


"انت نشيط جداً"


"لا أحب البقاء ساكناً، عندما أصبح عجوزاً لن أمتلك خياراً غير البقاء مكاني، لذا ما دُمتُ شاباً فسأفعل كل شيئ وأجرب كل شيئ أريده"


أتصلت به فاطيما

"أماتزال في دار الأوبرا؟"


"سأعود مع إسلام"

رد وكان إسلام يقاوم نفسه كي لا يبتسم 


"ظننتك تأخذ حذرك!"

لم تكن مطمئنة


"لا تقلقي، سأتحدث معكِ في وقت لاحق"


"سأنتظر تفسيراً، طمئني عندما تعود للمنزل"


"حسناً"

أنهى المكالمة ثم وضع هاتفه في جيبه


"لنذهب"

قال هاني وتحرك أولاً ليتبعه إسلام


خرجا من الدار وكان الجو قد أصبح أكثر برودة، لسعة خفيفة في الهواء اخترقت ثيابهما. خلع إسلام معطفه ووضعه على كتفي الأخر.

"ستصاب بالبرد"


ابتسم هاني، ابتسامة ارتفعت بها زوايا فمه بهدوء لم يصل إلى عينيه بعد، ثم ارتدى المعطف، كان المعطف ثقيلاً، يحمل دفء إسلام ورائحته الخفيفة، وهو ما جعله يشعر فجأة وكأنه يرتدي عناقاً


ثم تبادلا النظرات الصامتة لثواني

لم تكن نظرة عادية، بل كانت تلك اللحظة الحرجة التي ينتقل فيها الود إلى معنى أعمق

كانت عينا إسلام تحدقان بهدوء وثبات، تستكشف التفاصيل الدقيقة، لمعة الرضا في عيني هاني وهو يحتضن الدفء، الطريقة التي استقر بها القماش على كتفيه


كانت نظرة تساؤل صامت يختلط فيها قلق الصديق بتردد المستكشف الذي يقف على عتبة أرض جديدة "لماذا يريحني أن أرى هذا المعطف عليك؟"


أما هاني، فكانت عيناه تحكيان قصة مختلفة، كانت النظرة طويلة، رقيقة، وذات لمعة دافئة تكاد أن تكون مرئية


كان يرى في عيني إسلام صورة نفسه المغطاة بمعطفه، ورأى في هذه الصورة اعترافاً غير منطوق، كان التوتر الجميل يلوح في أطرافها، محاولة إدراك هل هذا الاهتمام مجرد إحسان، أم أنه البداية الهشة لـ "شيء ما" كان كلاهما يخشى تسميته، كانت نظرة منكسرة إلى حد ما، لكنها ممتلئة بالامتنان والفرح الخفي الذي يدفع الحدقة إلى الاتساع قليلاً


"مرحباً!"

نظرا للشخص الذي قاطعهما، كان مُدَثر


"مرحباً"

رد هاني التحية باسماً كعادته


تبادل مُدَثر وإسلام النظرات وعندها قال هاني

"إسلام هذا مُدَثر، مُدَثر هذا إسلام"


"أهلاً"

قال مُدَثر بنبرة جافة ثم نظر لهاني

"أريد الحديث معك"

إنتبه أنه يرتدي معطفاً كبيراً عليه


"حسناً، إسلام أمهلنا لحظة"

قال هاني ثم سار مبتعداً مع مُدَثر ثم توقف ليتحدث

"ما الأمر؟"


"أردت شراء شيئ لليندا"

قال وعندها إبتسم هاني بسعادة

"جيد، تريدني أن أساعدك؟"


"أجل"

رد وعندها قال هاني

"إنتظرني لحظة"


عاد مهرولاً لإسلام

"هذا زوج ليندا ويريد مصالحتها بهدية، سأذهب معه"

كان سيخلع المعطف ليعيده لإسلام لكن الأخر أوقفه

"كلا، أبقه معك"


"سأعطيه لك غداً إذاً"

قال هاني ثم لوح له قبل أن يذهب أوقفه إسلام

"أريد رقمك"


أعطاه رقمه وأتصل إسلام به

"وهذا رقمي"

إبتسم ثم تركه وعاد لمُدَثر وهو يسجل رقمه


صعد معه في سيارته ورغم برودة الجو فهو لم يغلق النوافذ لأنه ما زال يكره رائحة عطر هاني النسائية


أخبره أن يذهب لمركز تجاري وليس متجر التحف، ركن السيارة ونزل هاني بحماس وسار أولاً ليتبعه الأخر


أخبره هاني أنه عليه هو إختيار الفستان لزوجته لكنه لم يكن يريد أتعاب نفسه بالتفكير بشيئ سخيف يخص النساء برأيه لذا أخبر هاني بأن يختار هو


أختار هاني عطراً أيضاً ثم أخبره أن عليه أن يخرج معها ويذهبا لمطعم، وجد مُدَثر الأمر سخيفاً ومضيعاً للوقت


"ولما لا يمكنني إعطائها الهدايا فقط؟"

سأل مُدَثر


"لأنها ليست كافية، عليكما قضاء بعض الوقت معاً، هي تحتاج أن تشعر بوجودك معها"


"هي تعلم بأنني منشغل وأعمل طيلة النهار"

كان ما يزال غير مقتنع أن عليه الخروج معها


8. غير مرخص

خرج هاني من سكنه وذهب للمنزل المقابل له ثم طرق الباب ولأول مرة فتح مُدَثر الباب بنفسه بدلاً من ترك ليندا تفتحه


"هذا حقاً منزلك؟"

سأل بإستغراب


"أجل"

رد مُدَثر ونظر للأخر الذي يقف ببيجامة خفيفة أمام باب منزله

"أدخل"


دخل هاني وبدأ ينظر حوله ووجد صورة معلقة لليندا ومُدَثر يوم زفافهما

"يبدو أنه منزلك حقاً"

علق وهو ينظر للصورة


"لقد أخبرتك أنه منزلي"

قال مُدَثر"


"لكن انا أسكن هناك منذ خمسة أعوام"

تفاجأ مُدَثر، هذا هو السكن الذي سبق وقال أنه أستقر عن والديه به؟


أكمل هاني

"لم أخرج للشرفة أبداً، كنت أنظفها فجراً بين الحين والأخر فقط"


خرجت ليندا من غرفتها

"انا جا"

توقفت عن الحديث عند رؤيتها لهاني وعندها سألت بقلق

"هل انت بخير؟"


إبتسم عند رؤيتها ترتدي الفستان الذي أختاره لأن هذا يعني أن مُدَثر سيخرج معها كما طلب منه


"هذا عشوائي جداً لكني أكتشفت للتو أنني جاركم"

قال هاني وتفاجأت ليندا

"حقاً!"


"أجل، لم نتقابل أبداً لأننا نخرج بأوقات مختلفة كما يبدو"

قال ثم حمحم

"سأترككما لتخرجا، أستمتعا"


لوح لليندا ثم خرج وعاد لسكنه، دخل غرفته ونزل تحت الغطاء ثم عاد للإمساك بهاتفه وراسل فاطيما

"أتصدقين أن مُدَثر وليندا بالمنزل المقابل لي؟"


"تمزح!"


"كلا، لم ننتبه أبداً لوجود بعضنا، ولم أكن لأنتبه لولا دخولي للشرفة لأنني كنت متوتراً"


"مهلاً، لما كنت متوتراً؟"


"كنت أتحدث مع إسلام"


"كُن حذراً"


"لا تقلقي"


ترك هاتفه وفتح حاسوبه ليعمل عليه، ليس عليه الإنجراف مع حماسه تجاه إسلام، ربما هو شخص سيئ!

تجاربه السابقة جعلته قلقاً


في اليوم التالي ذهب لعمله بشكل طبيعي، قابل إسلام وأعطاه معطفه وأخذا يتحدثان ثم أفترقا، بينما يغلق المتجر بدأت السماء تمطر، كان هاني سعيداً لأنه يحب الأمطار


عندما وصل لباب سكنه مد يده في جيبه ولم يجد المفاتيح، يبدو أنه كان مشتتاً لدرجة أنه نسي المفاتيح، هناك نسخة أخرى تركها مع سيليا، أخرج هاتفه ليتصل بها


"متى يمكنك القدوم؟، لقد نسيت مفاتيحي؟"


"الطريق سيئ، ربما بعد ساعتين"


رأى سيارة مُدَثر تدخل چراچ المنزل المقابل له وعندها قال

"كلا، الجو سيئ، لا تخرجي، سأتصرف"


ذهب لمنزله ثم طرق الباب وفتح مُدَثر وتفاجأ عند رؤيته للأخر بملابس مبتلة بالكامل لدرجة أنه يقطر مائاً


"لقد نسيت مفاتيحي، أريد البقاء هنا لبعض الوقت حتى أتصل بفا"

قاطعه مُدَثر مفسحاً له

"أدخل بسرعة"


دخل هاني ثم خلع حذائه، كان المنزل هادئاً وصوت أم كلثوم يخرج من المذياع


هفضل احبك من غير ما أقولك إيه اللي حير أفكاري

لحد قلبك ما يوم يدلك على هوايا المتداري


وصل هاني أخيراً للمذياع بعد أن بحث عنه في أرجاء غرفة الجلوس ثم أغلقه

"هل هناك مشكلة؟"

سأل مُدَثر الذي أحضر ملابس جافة من خزانته


"أكره أم كلثوم"

قال هاني ومد له مُدَثر الملابس

"بدل ملابسك"


"أين؟"

سأل وأشار له مُدَثر ليترك حقيبته القماشية على الطاولة ويدخل غرفة النوم


بدل ملابسه، كانت بيجامة ثقيلة وكبيرة، لحسن الحظ البنطال كان به رباط، سحبه وربطه ليناسبه


خرج من الغرفة 

"شكراً، سأتصل بفاطيما لنتقابل"

أمسك هاتفه وأتصل بفاطيما، ولسوء حظه كانت عند صديقتها ولم تخرج منذ أن بدأت تمطر لأن الأمطار غزيرة


لاحظ مُدَثر الأمر وعندها قال

"يمكنك البقاء، لن تستطيع الذهاب لأي مكان، ليندا ذهبت لزيارة والديها ولم تستطع العودة لذا ستبيت هناك"


"شكراً"

شكره هاني رغم أنه بأي حال لا يمتلك حلولاً أخرى ولا يمكن للأخر رميه في الشارع والسماء تمطر بهذه الغزارة، لذا من البديهي أن يطلب منه البقاء


"أتريد شرب شيئ ساخن؟"

سأل مُدَثر


"لا بأس، انا بخير"

لم يرد طلب أي شيئ منه لأنه من البداية وجد بقائه في منزله تطفلاً ولا يريد إزعاجه أكثر


"قهوة أم كاكاو؟"

غير مُدَثر سؤاله وهذا أربك الأخر وعندما لم يجد رداً قال

"كاكاو إذاً"


دخل المطبخ ليقوم بأعداد كوب كاكاو له ثم خرج وناوله إياه بينما كان يتفقد حاسوبه ويتحدث في الهاتف مع إسلام الذي أتصل ليطمئن عليه بعد أن لاحظ حالة الطقس

"شكراً"


"أتعمل؟"


"أحاول"

رد ثم قال محادثاً إسلام

"انا بخير، سأبقى في منزل جاري لا تقلق"

أنهى المكالمة وعندها سأل مُدَثر

"شقيقك!"


"ماذا!، كلا، لا أشقاء لي، أنه صديقي"

ترك هاتفه ثم نظر إليه وسأل

"أيمكنني تشغيل أغاني؟"


"أجل"

قال وعندها شغل هاني أغنية 


بتسأليني مُت ليه؟

وإنتي كنتي بلاد بعيدة

كنت بجري عايز أوصل، وإنتي كنتي بلاد بعيدة

كنت سامعك لما قلتي كُفر في بداية القصيدة


لم يكن ذوق هاني يروق لمُدَثر، كما أنه لم يجده ولو لمرة واحدة يشغل أغنية لكايروكي كما زعم من قبل أنها فرقته المفضلة، يبدو أنه كان يكذب 


إنتي ليه مقتولة مني؟ غصب عني رغم إني

عايزة مني حنان بحن، عايزة مني جنان بجن


"لا أحب مثل هذا النوع من الموسيقى لكن"

توقف عن الحديث وأخفض هاني صوت الأغنية

"ماذا!"


"هذا النوع من الموسيقى يذكرني بأيام الثورة"


شعر هاني بالفضول

"هل حضرتها؟"


"بالتأكيد"


أغلق حاسوبه

"كم كان عمرك؟"


"كنتُ في السابعة عشر"


"يبدو أنك كبير حقاً"


"كم كان عمرك وقتها؟"

سأل مُدَثر متظاهراً بالجهل رغم أنه يعرف تاريخ ميلاد الأخر


"لا حاجة للسؤال"

رد ليقهقه مُدَثر وعندها سأل هاني

"إذاً كيف كانت؟"


"لما انت مهتم بها لهذه الدرجة؟، أتحب الشغب؟"


"يبدو أنك لم تشارك بها"

أستنتج من حديثه


"أجل، كنتُ فقط مع اللجان الشعبية"


"هل كنت تحمل سلاحاً؟"

عاد للسؤال بفضول


"بالتأكيد، كيف ستواجه أحداً بيد عارية؟، كان معي مسدس"


تفاجأ هاني

"مسدس!، هل كان مرخصاً؟"


"كان مسدس والدي، لم أكن أمتلك رخصة سلاح ولكن لم يكن هناك قانون وقتها، هرب المساجين وعمت الفوضى"

نظر لكوب الكاكاو ثم قال

"أشربه قبل أن يبرد"


أمسك هاني الكوب وأرتشف منه ثم واصل اسألته

"هل حقاً أغلقتم الطرق؟"


"هذا هو بالضبط تعريف لجان شعبية، بدلاً من نقاط تفتيش الشرطة نقوم نحن بالتفتيش، لذا أجل أغلقنا الطرق لنتأكد أن من سيدخل أو سيخرج ليس أحد المطلوبين"


"لابد أنك لم تتجاوز الأمر بسهولة، الفكرة مرعبة"


"انا رجل، أتجاوز كل شيئ"

رد مُدَثر


"الجميع يأخذ وقتاً للتجاوز، لا علاقة للأمر بكونك رجلاً"

قال هاني


"من السهل قول هذا فأنت"

توقف مُدَثر عن الحديث لأنه أدرك أنه لو أكمل كان سيتحدث بنظرته الصريحة عن الأخر


ببساطة أنه ليس رجلاً بالأساس ولهذا يتحدث هكذا ويريد لبقية الرجال أن يتصرفوا كالنساء مثله كي لا يكون وحيداً


"ماذا!"

قال هاني لأن الأخر لم يكمل جملته


"لا شيئ"

رد مُدَثر ثم إستقام واقفاً

"سأذهب للنوم"

دخل غرفة النوم وأستلقى على السرير وهو يفكر أنه كان عليه طرد الشاب شبيه الفتيات بالخارج ولا يهم الأخلاقيات


داهمه الأرق وأخذ يتقلب ثم نهض ونظر في الساعة ليجدها الثانية فجراً، خرج من الغرفة ووجد هاني ينام على الأريكة متكوماً حول نفسه


عاد للغرفة وأخرج غطائاً من الخزانة ثم قام بتغطيته بينما يفعل لاحظ أن وجهه مائل للأحمر وكان يتنفس من فمه، مد يده لخده ووجد حرارته مرتفعة


لم يعلم ماذا يفعل، بحث على الإنترنت ثم بدأ يقوم بعمل كمادات خافضة للحرارة ولكن حرارته لم تكن تنخفض


شعر بقلق حقيقي ثم حمله ووضعه في سيارته، قام بالقيادة رغم الطرق السيئة ثم ركن السيارة عند المشفى ودخل قسم الطوارئ


أخذت الممرضة تسأله عدة أسئلة وهو لا يعرف أي إجابة منها، في النهاية أعطته إبرة خافضة للحرارة وبقي تحت الملاحظة حتى بدأت حرارته تنخفض


كتب الطبيب عدة أدوية له وناول الورقة لمُدَثر، عاد لمنزلة بدون أحضار أي دواء لأن الصيدليات كانت مغلقة بسبب الجو


وضع هاني على السرير في غرفة الأطفال في منزله، غطاه بغطائين ووضع زجاجة ماء بجواره على المنضدة ثم سحب كرسي المكتب ليضعه بجوار السرير وجلس عليه ليراقب حالته وهو لا يعلم كيف سيتصرف إن حدث شيئ أخر


.



9. الاسوأ

أستيقظ هاني وأخذ يسعل، أعتدل جالساً وبدأ يبحث عن ماء لأن حلقة كان جافاً، ناوله مُدَثر زجاجة الماء ليشرب 

"شكراً"

شكره ثم بدأ يفكر أين هو وماذا حدث


مد يده حوله للبحث عن هاتفه

"أين هاتفي؟"


خرج مُدَثر لغرفة الجلوس وأحضر الهاتف إليه

"شكراً"

شكره مجدداً ثم بدأ يتفقد المكالمات الفائتة


الساعة كانت التاسعة صباحاً، أتصل بفاطيما

"كيف سار الأمر؟"

سألها


"بخير، غادرت منزل صديقتي، أهناك أمر ما؟"


"أيمكنكِ أحضار المفتاح الإحتياطي من سيليا؟، أحتاجه"


"بالتأكيد، ما بال صوتك؟"


"أستيقظت للتو فقط"

لم يرد إقلاقها


"حسناً، لا تقلق، سأحضره وآتي إليك"


"إنتبهي لطريقك"

أنهى المكالمة ثم فتح الإنترنت لتصل إليه أشعارات مختلفة من مواقع التواصل


فتح وتساب ليتفقد رسائل إسلام

"طمئني عندما تدخل منزلك"

إبتسم بتلقائية عند رؤيته للرسالة ثم أغلق شاشة الهاتف


"هل هذه غرفة الأطفال؟"

سأل هاني وهو ينظر حوله، كان السرير مرسوم عليه شخصيات كارتونية وهناك ملصقات على الجدران


"أجل"

رد مُدَثر


"مازلتم تقومون بتجهيزها قبل الزواج"

علق ليسأل مُدَثر

"ومتى يجب تجهيزها؟"


"عندما تأخذ انت وزوجتك قرار الإنجاب"


"قرار الإنجاب!"

مصطلحاته كانت غريبة بالنسبة إليه


"أجل، لأن الإنجاب مسؤولية كبيرة، تحتاج التفكير والدراسة"


"لا أعتقد هذا"


"أعتقدت أنك وليندا تقومان بتأجيل الإنجاب"


لفت هاني نظره لشيئ كان يتجاهله، تأخر زوجته في الإنجاب رغم أنه لا يستخدم أي وسائل لمنع الحمل، كان والديه يسألانه دائماً عن الطفل حتى توقف عن زيارتهما، ولكن الأن فقد أقترب الربيع، أي أنه سيمر عام كامل على زواجهما بدون إنجاب، عليه إجراء الفحوصات الطبية ليكتشف السبب


"أجل، لكن هذا لا يعني أننا سنتناقش في فكرة الإنجاب"

لم يرد الإعتراف بأنه ليس المتحكم بكونهما لم يحظيا بطفل حتى الأن لأن هذا مهين بالنسبة للرجال


"عليك أن تحاول أن تعتاد مساعدتها لأنها لا يمكنها فعل كل شيئ عندما تصبح حاملاً"


"جميع النساء حملت، ليس بالشيئ الكبير"


"بل هو شيئ كبير، عليك أن تقرأ أكثر عن الحمل"

إستقام واقفاً

"سأعيد لك بيجامتك بعد غسلها"


خرج من الغرفة ثم أعاد حاسوبه لحقيبته القماشية التي كانت ما تزال رطبة، أتصل بفاطيما ليسألها عن مكانها ثم أرتدى حذائه الذي كان مبتلاً وخرج لأن منزل مُدَثر كان يشعره بالإختناق


وقف أمام باب سكنه حتى وصلت فاطيما وفتحت الباب

"تبدو متعباً، أترك أغراضك وتعال سأخذك للطبيب"


خلع حذائه وأرتدى حذاء أخر وبدل ملابسه ثم ذهب معها عند الطبيب، أشترت له الأدوية التي كتبها ثم عادت معه لسكنه


"عودي لعملك، لا ضرورة لوجودك"

قال بينما فاطيما تقوم بتحضير حساء الخضراوت


"أصمت انت، انا أعرف مصلحتي"

ردت عليه


وجد هاتفه يضيئ بإسم إسلام، حمحم ثم رد على مكالمته

"صباح الخير"


"كيف سار الأمر، هل عدت لمنزلك؟"


"أجل"


"ما بال صوتك؟"


"أستيقظت للتو فقط"


"أيمكنك أن ترسل عنوان منزلك؟"

شعر هاني بالقلق، أغلق مكبر الصوت في المكالمة ثم ذهب لفاطيما في المطبخ

"إسلام يريد عنواني، ماذا أفعل؟"


"بالطبع لا توافق، انت لا تعرفه جيداً بعد"

ردت فاطيما


"هل تسمعني؟"

سأل إسلام لأن صمته طال


شغل هاني مكبر الصوت وهو يعود لغرفته

"أجل، كان هناك عطل في الهاتف، ماذا كنت تقول؟"


"هل يمكنك أعطائي عنوانك"


"كلا"

جلس على سريره 


"حسناً، أتفهم الأمر، أردت فقط الإطمئنان عليك"


"لا تقلق، فاطيما معي"


"سأتصل بك في وقت لاحق"


"حسناً، أتمنى لك يوماً سعيداً"

أنهى المكالمة وهو يبتسم


"هل هذه ملابس جارك؟"

سألت فاطيما وهو تمسك ببيجامة مُدَثر


"أجل، يجب غسلها قبل إعادتها"


"لا تقلق، سأغسلها بشكل جيد بيداي وأعيدها بنفسي"

أخذتها ووضعتها في طبق الغسيل وسكبت عليها مائاً مغلياً ثم وضعت مسحوق الغسيل


وضعت الحساء لهاني

"أنهي طبقك كاملاً"


جففت البيجامة بمجفف الشعر ثم وضعتها في حقيبة ورقية عليها شعار أحد ماركات الملابس 


خرجت وطرقت باب منزل مُدَثر وبعد مدة فتح لها، مدت له الحقيبة وهي تبتسم بتكلف

"شكراً للإهتمام بهاني"


كانت أول مرة يرى فاطيما وجهاً لوجه، أخذ منها الحقيبة ثم سأل

"كيف حاله الأن؟"


"بخير، لن أتركه قبل أن يتحسن"

غادرت وتركته لتعود لسكن هاني


كان دائماً يسمعه يتحدث عن فاطيما ومع فاطيما وينشر صور معها لكن هذه أول مرة يراها، وشعر بأنهما حقاً مرتبطان، فلن تأتي فتاة لمنزل رجل غريب لا تجمعها به أي علاقة، يتصرفات كالمتزوجان


عادت ليندا ظهراً وعندها حادثها مُدَثر عن الذهاب لطبيب لمعرفة سبب تأخر الحمل، كانت خائفة من أن تكون هي المشكلة لكنها وافقت 


بعد إجراء التحاليل طلب الطبيب تحاليل إضافية من مُدَثر بدون علم ليندا وعندها بدأ يشعر بالقلق


"فرصتك في الإنجاب ليست معدومة، يمكنك أخذ بعض العقاقير وتجربة التلقيح الصناعي"

أخبره الطبيب


ومُدَثر أعتبر الأمر مهيناً لأقصى حد، كيف لا يمكنه الإنجاب بسهولة كأي رجل؟، هذا يعني بأنه ليس رجلاً، لو علم والديه بأنه سيقوم بتلقيح صناعي للإنجاب لن يرحماه


"نحن لا نتوافق، لا يمكننا الإنجاب"

لم يعترف لليندا أنه هو المشكلة


وليندا كأي زوجة كان عليها البقاء فإن فكرت للحظة بتركه لأنهما لا يمكنهما الإنجاب سوياً سينعتها الناس بأسوأ الألقاب، لكن إن كانت هي من لا تُنجب فقط سيخبرونه أن عليه أن يتزوج بأخرى


"انا راضية، المهم أننا معاً"

قالت وكانت قلقة بأن يرد عليها بأنه هو غير راضي ويريد الإنجاب وسيذهب للزواج بأخرى


"سأخرج"

خرج للتمشية وشعرت ليندا بالقلق وحادثت هاني


"أتعتقد بأنه يفكر بالزواج بأخرى؟"

سألت بقلق


"لا تقلقي، سأتحدث معه، لا أعتقد بأنه سيتزوج بأخرى بهذه السهولة"

طمئنها 


أنهى المكالمة ثم أغلق المتجر ودخل المقهى القريب من سكنه الذي سبق وقابل مُدَثر به من قبل، وبالفعل وجده هناك


"مرحباً!"

القى التحية باسماً ثم سحب مقعداً وجلس


نظر مُدَثر إليه، كان هاني كعادته لا يحب أرتداء الملابس الثقيلة، يرتدي هودي أبيض كبير وبنطال جينز أزرق، الجديد أن هناك سوار حول يده، وقلادة بحلقات حمراء وبيضاء حول رقبته


أشار للنادل وطلب قطعة كعك بالڤانيلا، وكوب قهوة، ثم عاد للنظر لمُدَثر

"كيف كان يومك؟"


"الأسوأ"

رد بتلقائية، لم يستطع الصمت


"لما؟"


لم يكن ليخبر الفتى شبيه النساء بأن المشكلة به وأنه لا يمكنه الإنجاب بسهولة

"لا أتوافق مع ليندا ولن ننجب"


"ولما هذا سيئ؟، أتحب الأطفال؟"


"وما فائدة الزواج بدون الإنجاب؟"

رد بالإجابة النموذجية التي يجيب بها الأغلبية إن لم يكن الجميع


"انت لم تجب على سؤالي، هل تحب الأطفال؟، هل انت مستعد لتكون والداً؟، كيف جهزت نفسك لتكون والداً؟"


أسئلة الفتى شبيه الفتيات كانت غريبة دائماً


"الجميع يمكنه أن يكون والداً، لا حاجة للإستعداد فهذه فطرة، كما فطرة النساء على الإنجاب ورعاية الأطفال"


"بالطبع كلا، في مجتمعنا الجميع يمكنه أن يكون والداً لأن الرجال لا تفعل شيئاً غير مضاجعة النساء والبقية هُن من يقمن به، الحمل والولادة والتربية، والرجل يلعب مع أطفاله لدقائق ثم يطلب منها إبعادهم ليرتاح، غير آبه أنها تعمل في المنزل وترعى الطفل أيضاً، لا يشارك الرجال في شيئ لذا يرون الإنجاب شيئ لا يحتاجون التفكير به، لن يفعلوا شيئ غير مضاجعة زوجاتهم"


"لما تثرثر عن النساء بكل هذه الجدية؟، هل تصرفك مثلهم أنساك أنك يفترض أن تكون رجلاً؟"

لم يستطع البقاء صامتاً بعد سماع حديث الأخر عن النساء الذي وجده سخيفاً

"جميع النساء تقوم بأعمال المنزل وتنجب وتربي الأطفال، ما المميز بهذا؟"


"النساء يعملن أيضاً خارج المنزل، ما المميز بعملك كرجل؟"

رد هاني عليه


"لا يتساوى عمل الرجل والمرأة أبداً"


"هاني"

التفت هاني لمصدر الصوت ووجد أنه أحد زملاء الجامعة أستقام واقفاً ليبتسم ويصافحه تاركاً حقيبته القماشية على الكرسي وعندها لاحظ مُدَثر الكلام عليها

(شوب شوب قوصوك)


.


10. تحقيق

كان هاني منشغلاً بهاتفه حين سمع جرس إنفتاح باب المتجر، نظر للقادم ووجده إسلام، إبتسم ابتسامة سعيدة صافية وأغلق شاشة هاتفه 

"مساء الخير"


"مساء الخير"

رد إسلام وهو يقترب ثم أشار لهاني

"أقترب للحظة"


خرج هاني من خلف طاولة الحساب وعندها أخرج إسلام من جيبه قلادة يتدلى منها تاج صغير

"ستتناسب مع الوشم"

قال وهاني لا يصدق أن الأخر أحضر له قلادة


"الا تعجبك؟"


"كلا، أعجبتني جداً"

إبتسم وفتح إسلام قفل القلادة

"سألبسك إياها"


أعطاه هاني ظهره ليقوم بإلباسه القلادة، وبعد أن أغلق قفلها أقترب ليقوم بتقبيله لكن أوقفه صوت جرس إنفتاح الباب وعندها أبتعد عنه والتفت كليهما ليجدا أن الذي أتى كان مُدَثر


"مساء الخير"

القى هاني التحية ثم تحرك ليقف مكانه خلف طاولة الحساب


كانت نظرات مُدَثر موجهة لإسلام، دحرج عينيه لينظر لهاني

"أريد الحديث معك"


"سأذهب الأن"

قال إسلام محادثاً هاني ثم أضاف

"سأحادثك لاحقاً"


كانت علاقتهما تصبح أعمق فأعمق، وتأكد هاني بأنه شخص جيد لذا هما الآن في مرحلة إختبار العلاقة


راقبه مُدَثر وهو يخرج بينما هاني خرج من خلف طاولة الحساب ليجلس على الكرسي المقابل لها ثم يشير لمُدَثر ليجلس على الكرسي الأخر


كان الجو أصبح ربيعياً، لذا كان هاني يرتدي بنطال جينز أبيض وبلوزة بُنية بأكمام طويلة، لكن طولها قصير تُظهر معدته عندما يتحرك، وحول رقبته قلادة بخرز أبيض وبُني والقلادة التي البسها له إسلام للتو


"كيف الحال؟"

سأل بعفوية


أراد مُدَثر سؤاله متى سيرتدي كالرجال بدلاً من ملابس النساء تلك لكنه لم يفعل، وقال

"أردت شراء هدية لليندا لأن عيد ميلادها فات ولم أكن أعلم"


لم يستوعب هاني أن الأخر يتحدث ببساطة عن تفويته لعيد ميلاد زوجته، هو حقاً لا يهتم بأي شيئ تجاهها


"حسناً، لكن أقترح عليك جلب كعكة وأقامة حفلة صغيرة لها، وأخبرها بأنك تأخرت لأنك أردت مفاجئتها"

أستقام واقفاً وبدأ يسير بين التحف


"لما أهديتنا قفصاً في يوم زواجنا؟"

سأل مُدَثر بعد تفكير طويل، فهو كان فضولياً دائماً تجاه معنى هذه الهدية


"يصفون الزواج بأنه قفص يُحبس به الزوجان، وانا لا أراه كذلك، يفترض بالزواج أن يكون إثنان متحابان حران، لذا القفص فارغ ومفتوح"


قال وهو يتحرك بين التحف ثم أمسك واحدة

"هذه هي"


كانت تحفة على شكل رمز المرأة، ينبت منها الزهور، وضعها بحقيبة ورقية ثم تركها على الطاولة

"نحتاج الذهاب للمركز التجاري لشراء الهدية"


"وما كانت هذه؟"

سأل مُدَثر ببلاهه


"هذه هدية مني انا، ولا تعتبر هدية ذات قيمة كبيرة فهي معنوية فقط، وانت رجل وتعلم بأن الهدايا العملية هي الأفضل"

أخذ هاتفه ووضعه في جيبه

"لنذهب"


خرجا وأغلق المتجر ثم صعد معه في سيارته، ركنها عند مركز التسوق وكالعادة نزل هاني أولاً وتبعه مُدَثر، أخذ هاني عربة تسوق كبيرة وجرها لممر الأجهزة وتبعه مُدَثر


كان الناس يسترقون النظر إليه بسبب ملابسه وأكسسواراته، ولكن هاني كان معتاداً على الأمر


"هذه هي الهدية"

قال هاني وأشار على جهاز غسل الأطباق


نظر مُدَثر للسعر

"غالية جداً، ثم ما فائدتها؟، غسل الأطباق ليس عملاً متعباً"


"إذاً جرب أن تغسلها انت لمدة أسبوع لنرى هل سيروق لك الأمر أم لا"


صمت مُدَثر ودفع ثمن الجهاز في النهاية، وضعه في السيارة بينما هاني أخبره بأنه يريد التسوق لنفسه، بقي معه وهو يقوم بشراء المكسرات والمقرمشات


"هل ستقيم حفلة؟"

سأل مُدَثر


"أجل لفاطيما، هي تحب المقرمشات أكثر من الحلوى"

أجاب وهو يضع الأكياس في حقيبة التسوق 


"أنظري في يده اليسرى خاتم زواج، أيعني هذا أنهما متزوجان؟"


"كلا، الفتى الأخر يده فارغة، ربما هو أبنه"


"أبنه ويتركه يرتدي هكذا؟، لقد تطور الأباء هذا مدهش"

كان هناك فتى وفتاة يتهامسان قربهما وسمعهما مُدَثر


هل أعتقد فتى مراهق للتو أنه والفتى الأنثاوي مرتبطان؟، هو متزوج والفتى الأخر مرتبط، وكليهما يتسوقان لنسائهما


شعر بالإشمئزاز لفكرة أن هناك من نظر إليه بنظرة أنه مثلي

"سأنتظرك في السيارة"

قال مُدَثر وخرج من المركز ليصعد في سيارته، حتى أنه كان يفكر في المغادرة وتركه


المفاجئة كانت خروج هاني من المركز برفقة إسلام، الذي حمل منه الحقائب، هذا الرجل مثلي بلا شك، لقد كان على وشك تقبيل هاني منذ بضعة ساعات لولا أنه دخل المتجر


"سأعود مع إسلام"

قال هاني بإبتسامة صافية خجول ورغم أن مُدَثر كان بالأساس يريد ترك هاني والمغادرة إلا أن فكرة عودته مع إسلام كانت تزعجه


"لقد أتيت معي، لذا عليك العودة معي، ما زلنا لم نختر الكعكة"

قال وعندها التفت هاني لإسلام

"لقد نسيت أمر الكعكة، أسمع، أبقي أغراضي معك، ولنتقابل في المتجر"


أومئ إسلام ثم ذهب لسيارته وصعد هاني مع مُدَثر، أختار هاني متجر الكعك، نزلا من السيارة ثم دخل المتجر ووقف ينظر للكعكات، أنحنى للينظر للكعكات في الرف العلوي وظهره كان عارياً


وقف مُدَثر خلفه ليبعد النظرات عنه، ولا يعلم لما فعل هذا، ربما لأنه أتى معه وسينظر الناس له بإزدراء لمرافقته فتى مثله


"هذه مناسبة"

أختار هاني واحدة من الرف السفلي ثم أعتدل واقفاً


نادى الموظف وكان سينحني مرة أخرى ليشير للكعكة لكن مُدَثر قبض على عضدة ليبقيه مكانه، وأشار للكعكة بقدمه

"هذه"


أستاء الموظف أنه أشار بقدمه ولم يهتم مُدَثر للأمر، هو سيدفع أموالاً، سيشير بما يريد حتى لو كان قضيبه


تحدث هاني مع الموظف بلطف طالباً منه تغليف العلبة بطريقة معينة، لكن الموظف غلفها بطريقة عشوائية، نظر مُدَثر للعلبة ثم دفعها للرجل مرة أخرى وقال وهو يضغط على مخارج حروفه بصوت منخفض

"أعد تغليفها وإلا رميتها في وجهك"


أخرج بطاقته البنكية وأعطاها لهاني

"أذهب لتدفع"


تركه هاني وذهب للمحاسب، أنتهى الموظف من التغليف ومد العلبة لمُدَثر الذي قال

"تعامل بشكل مهذب في المرة القادمة، اليوم حذائي على زجاج الرف فقط، المرة القادمة سأجعلك تلعقه"


كان أسلوبه مخيفاً لذا خاف الموظف، خرج مُدَثر مع هاني من المتجر وصعدا في السيارة، كان مع هاني علبة كعك صغيرة


"ما هذه؟"

سأل وهو يسحب حزام الأمان


"أخبرني أنها هدية من المحل"

كان يبتسم وهو ينظر للعلبة الصغيرة


كان الجو بينهما هادئاً، شغل مُدَثر الراديو، رغم أنه لا يهتم بالأغاني لكن يبدو أن كثرة صحبته لهاني جعلته مثله، أراد فقط صوت في الخلفية بينما يقوم بالقيادة وبينما يقوم هاني بتصوير العلبة الصغيرة، كانت تذاع أغنية لكريس براون


Make you tattoo my name on it

Make you cry like a baby

Let's GoPro and make a video

Baby, you can

Ride it, oh, yeah

Bring it over to my place


أغلق مُدَثر المذياع، كان يفكر كيف تذاع أغاني جنسية كتلك على المذياع بكل بساطة فقط لأنها بالإنجليزية؟


أفترقا عند المتجر، نزل هاني ليخرج إسلام من سيارته التي كان يركنها عند المتجر منتظراً وصوله، ثم دخلا المتجر سوياً، غادر مُدَثر وهو يقبض بيديه على عجلة القيادة


أخرج هاتفه ثم راسل أحد زملائه في العمل

"أحتاجك للتحقيق في أمر ما"


"أجل!"


"لقد وجدتُ رجلاً شاذاً، وهذه المرة انا متأكد"


"ما اسمه؟"


"سأزودك بمعلوماته بعد قليل"

ترك الهاتف ليعود للتركيز على القيادة 


أهدى ليندا الهدايا والكعكة بجفاء كعادته وهي كانت سعيدة وعانقته وأخبرته بأنها تحبه


أستيقظ فجراً وهو يلتقط أنفاسه وحلقه جاف، أعتدل جالساً ثم نهض ودخل المطبخ ليملأ كوب ماء ويشربه، جلس على كرسي المنضدة وهو يتذكر ما قد حلم به


حلم جنسي بهاني، الذي كان يمتلك أعضاء تناسلية أُنثاوية، وبدأ بكل جدية يفكر ما نوع الأعضاء التناسلية التي يمتلكها الأخر؟، ربما هو نصف إمرأة ولهذا يتصرف هكذا!


ولكن ما معنى حلمه؟، هل حدث هذا بسبب حديث المراهقان عن أنهما مرتبطان ثم تلك الأغنية الجنسية؟، عليه الإبتعاد عن الفتى شبيه الفتيات لبعض الوقت فهو لا يريد المزيد من الأحلام الجنسية التي يراها مقززة

.


11. تحدي فقط

كانت ليندا تشعر بالوحدة وهي تجلس وحدها في المنزل، حادثت هاني وأخبرها أن فاطيما معه وأنهما سيأتيان لقضاء بعض الوقت معها


شعرت بالسعادة وقامت بخبز البسكويت، تعرفت بفاطيما وعرفها هاني على أنها حبيبته كما سبق وعرفها على مُدَثر


"ولكن لما لم تقيما حفل خطبة حتى الأن؟"

سألت ليندا


"لسنا مستعجلان، الزواج يحتاج الكثير من الترتيبات ونحن ما نزال صغاراً"

ردت فاطيما 


"لدي فكرة، لنلعب"

أقترح هاني


"ماذا سنلعب؟"

سألت ليندا


"تحدي"

رد هاني


"أتقصد حقيقة أو تحدي؟"

سألت ليندا


"كلا، لا يوجد حقيقة، تحدي فقط"

قال وهو يخرج هاتفه ليفتح اللعبة


عاد مُدَثر وكان يسمع أصواتاً داخل منزله، كان الأمر غريباً لأن ليندا ليس لديها أي أصدقاء، فتح الباب ودخل وعندها وجد فاطيما وهاني وليندا يجلسون على الأرض 


"مساء الخير!"

قالها بنبرة إستفهامية


"تعال والعب معنا"

قالت ليندا باسمة


"العب معكم!"

أستغرب جملتها


نهض هاني وأمسك معصمه وسحبه ليجلس

"نلعب تحدي"


"تقصد حقيقة أو تحدي؟"

سأل ليرد الأخر

"كلا، تحدي فقط"


كان هاتفه على الأرض في المنتصف، ومفتوح به لعبة حقيقة أو تحدي، ضغط على أيقونة تحدي في التطبيق وعندها ظهرت بطاقة

"قم بالطهي"


"بالطبع كلا"

قال مُدَثر عند قراءته للتحدي


"لما؟، أطهي شيئاً سهلاً"

أستغرب هاني أنزعاجه


"هو لا يجيد طهي أي شيئ"

قالت ليندا


"تمزح!"


"هذا عمل النساء"

قال وأستقام هاني واقفاً ثم سحبه لينهض

"بالطبع كلا، الطهي هو مهارة على الجميع تعلمها، هو سبب من أسباب بقائنا على قيد الحياة"


سحب مُدَثر للمطبخ ثم بدأ يبحث حتى وجد كيس معكرونة

"لنبدأ بشيئ سهل"


أنحنى ليفتح خزانة المطبخ ويخرج وعاء طهي، كان يرتدي بلوزة بلون الكراميل بنصف كُم، تظهر بطنه وظهره عندما يتحرك، وبنطال جينز أزرق


مد لمُدَثر الوعاء

"إملأ معظمه بالماء، ولكن ليس كله"


أخذ الوعاء منه ثم فتح الصنبور وملأ معظمه، أشار هاني للموقد

"ضعه هنا"


وضعه ثم قال هاني

"تعرف كيف تشعله إليس كذلك؟"


شعر بأنه يسخر منه، ضغط على زر الإشعال الذاتي لتشتعل ثم وضع الوعاء فوقها


"الأن أنتظر حتى تغلي"

قال ثم أخرج هاتفه وشغل أغنية


لو كل الناس قالت الحقيقة، قالت الحقيقة

تولع في الدنيا حريقة، هتلوث بيها البيئة

اطفي الحريقة، واقفل كل البيبان


"كيف تعرف هذه الأغاني؟"

سأل مُدَثر لينظر له هاني

"ماذا!"


"تشغل دائماً أغاني غريبة، كيف تعرفها؟"


"كانوا ينشرون موسيقاهم على يتيوب، والأن هُم بكل مكان"


"لكن لم يسبق أن رأيت أي أحد يشغل الأغاني التي تقوم بتشغيلها"


"الأذواق تختلف"

رد ببساطة


ترك هاتفه على منضدة المطبخ وأقترب لينظر للوعاء ليتفقد الماء

"لم يغلي بعد"

قال ثم أبتعد وأمسك وعاء الملح ثم مده لمُدَثر


"ماذا!"

قال بأستغراب


"ضع بعض الملح في الماء"

أخذ مُدَثر منه الوعاء ثم فتحه وملأ ملعقة ووضعها في الماء


"هل هذا كافي؟"


"كلا، أضف ملعقة أخرى"


أضاف ملعقة أخرى ثم مد هاني يده ليأخذ منه الوعاء ويعيده لمكانه


"تكره أم كلثوم؟"

قال مُدَثر عندما تذكر أن هاني سبق وقال بأنه يكرهها


"أجل"


"لما؟"


"السؤال هو لما يحبها الناس؟، إمرأة مختلة نرجسية وطريقة غنائها قبيحة، كان لديها أفضل كاتب أغاني وهي أستغلته أسوأ إستغلال وأفسدت كلماته بغنائها القبيح"


تفاجأ مُدَثر من حديثه عنها

"انت حقاً تكرهها!"


"بالطبع، فلا يوجد بها ميزة واحدة"

قال ثم أمسك كيس المعكرونة وناولها له

"الماء يغلي"


أفرغ مُدَثر الكيس ثم القاه في القمامة

"هل تحب أن تبدو مختلفاً ولذا تنتقد ما يحبه الأغلبية؟"

كانت نظرة مُدَثر عن هاني كمراهق يحب أن يكون متمرداً ومختلفاً ما تزال كما هي


"انا أحب عبدالحليم، ليس كثيراً ولكن لا أكرهه، ولكن أم كلثوم!، المختلون فقط يحبونها"


قهقه مُدَثر ثم قال

"لما لا تغني أحد أغانيها؟"


"كلا"


"قلتَ بأن كاتبها جيد، لذا يمكنك الغناء"

أخرج هاتفه وبحث عن كلمات أغنية الف ليلة وليلة ثم مد له الهاتف

"هيا غني"


رمقه هاني بنظراته ثم أغلق الأغاني في هاتفه وأخذ منه الهاتف، نظر للكلمات ثم حمحم ليبدأ الغناء


يا حبيبي الليل وسماه ونجومه وقمره وسهره

وإنت وانا، يا حبيبي انا، يا حياتي انا

كلنا، كلنا في الحب سوا

والهوى، آه منه الهوى، سهران الهوى

يسقينا الهنا ويقول بالهنا


كان مُدَثر شارداً في صوته حتى توقف عن الغناء

"أتمزح!، أكمل"


تنهد هاني ثم أكمل


يا حبيبي يلا نعيش في عيون الليل ونقول للشمس تعالي

بعد سنة مش قبل سنة، دي ليلة حب حلوة بألف ليلة وليلة


توقف عن الغناء وأخرج ملعقة خشبية من الدرج ومدها لمُدَثر

"عليك تقليب المعكرونة كي لا تلتصق بالوعاء"


"لما توقفت؟"

سألت ليندا ودخلت فاطيما معها المطبخ


"ضجرت"

رد هاني


"إذاً غني أغنية أخرى"

قالت ليندا


"ماذا تفعلن في المطبخ؟، التحدي لم ينتهي بعد، عدن لغرفة الجلوس حتى ننتهي"

قال هنا وأشار لهما ليخرجا من المطبخ


أخذ مُدَثر الهاتف منه وسأله

"إذاً لن تغني شيئ أخر؟"


"قلب المعكرونة"

قال وأمسك هاتفه


"كيف تعلم أنها نضجت؟"

سأل مُدَثر


"ضعها في فمك وأمضغها وستعرف هل هي ناضجة أم لا"

أجاب هاني


أخرج مُدَثر بالملعقة بعض المكرونة من الوعاء وقربها من فمه وعندها أسرع هاني وصفع يده لتسقط الملعقة على الأرض


"ما الأمر؟"

سأل مُدَثر بإستغراب


"هل انت مختل؟، المياة مغلية وستضعها في فمك على الفور؟، عليك تبريدها"

كانت أول مرة يسمع بها هاني يتحدث بهذه النبرة


التقط الملعقة من على الأرض ثم وضعها في الحوض وأخذ ملعقة أخرى، أخذ بعض المعكرونة من الوعاء ثم نفخ في الملعقة عدة مرات وبعدها مدها لمُدَثر

"أفتح فمك"


فتح مُدَثر فمه ليأكل المعكرونة

"ناضجة أم لا؟"

سأل هاني


"ليس بعد"

رد مُدَثر


"إذاً إنتظر لبعض الوقت"

قال ثم عاد لأمساك هاتفه


عم الصمت لدقيقتين وعندها أخبره هاني بأن يطفئ الموقد ثم أخرج المصفاة من خزانة المطبخ وأخبره أن يفرغ المعكرونة بها


أفرغها دفعة واحدة وهذا فاجأ هاني وأسرع ليمسك بيديه

"لقد أحترقت يدك"

علق وهو ينظر ليديه الحمراء


"لا بأس، الأمر عادي"

قال ببساطة بينما هاني خرج وسأل ليندا عن مرهم حروق، أخذه منها ثم عاد ليضعه على يدي الأخر


"انا بخير"

قال بضجر ثم أضاف

"انا رجل"


"لم أقل أنك إمرأة"

رد هاني ثم ترك المرهم وسأل

"ما هذه الجروح على ظهر يدك؟، هل تعرضت لحادث؟"


"أي جروح؟"

سأل وأشار هاني على جروح مختلفة وقديمة نسي مُدَثر وجودها


"هذه جروح قديمة تعود للإبتدائية"


"إبتدائية!"

أستغرب جملته

"ماذا حدث؟"


"كنتُ طفلاً مشاغباً وقتها لذا كان والداي يضربانني بعصى في كل مرة يطلبان مني أن أقوم بعمل فروضي المنزلية، وكما ترى فأنا دائماً كنت أعاندهما ولا أكتبه إلا بعد أن يضرباني بالعصى"

قهقه وكأنه يروي قصة مضحكة ولكن هاني لم يبتسم حتى


"والديك كانا يضربانك على ظهر يدك بعصى وانت في الإبتدائية!"


"أجل، أعتقد أن الجميع مر بهذه المرحلة"

كان ما يزال يبتسم وكأنه شيئ طبيعي وذكرى مضحكة


مد هاني يديه وسحب الأخر من ملابسه ليميله عليه ثم عانق رأسه وأخذ يربت ويمسح عليها بلطف، ورغم أن هذا تصرف قد يزعج مُدَثر بشدة بالأخص من الفتى شبيه النساء صاحب العطور القوية لكنه لم يبعده


وصلت رسالة على هاتف مُدَثر من رقم مسجل بإسم وائل أمسك به ليقرأها

"متى أخر مرة تحدثت بها مع زياد؟"


"ربما منذ شهران"

"لماذا؟"

رد مُدَثر


أرسل له ملفاً لزياد، وكتب بأنه متهم بالتشبه بالنساء وكانت هناك صورة له قبل وبعد أن تغير مظهره، تفاجأ مُدَثر لدرجة أنه أغلق الملف عدة مرات ثم فتحه


صديقه زياد أصبح إمرأة


.



12. حب كبير

دخل الشرفة ليستنشق الهواء بعد أن حاول الهرب عدة مرات من أحلامه بهاني، وبينما يجلس سمع صوته


"مُدَثر"

نظر للشرفة المقابلة ووجده يلوح له باسماً ببيجامته النسائية التي جعلته يعود لتفكيره، أي نوع من الأعضاء التناسلية يمتلك هذا الفتي؟، لأنه لا يتخيله بشيئ غير الاُنثاوية


"لما أستيقظت باكراً؟"

سأل هاني


لم يكن ليخبره بأنه تراوده أحلام جنسية عنه، وأن صديقه أصبح إمرأة


"شعرت بالحر"


"لنخرج للتمشية"

قال هاني ولم ينتظر رده، دخل من الشرفة ليبدل ملابسه لبنطال قصير أبيض وبلوزة بدون أكمام باللون الكستنائي


أرتدى حذائه وأخذ مفاتيحه ثم خرج، ذهب لمنزل مُدَثر وطرق الباب طرقات خفيفة كي لا يزعج ليندا، فتح مُدَثر ثم خرج معه رغم أنه لم يكن مقتنعاً بالأمر 


"تبدو شارداً"

قال هاني ليستفيق مُدَثر من شروده

"بعض المشاكل في العمل فقط"


"ماذا تعمل؟، ربما يمكنني مساعدتك؟"

بعد سؤاله أستوعب مُدَثر أنه لم يسبق أن أخبر هاني بعمله أبداً


هل لهذا السبب يتصرف معه براحة؟، لأنه لا يعلم بأنه شرطي؟، هل كان ليسير أمامه بملابس كتلك وخلخال حول كاحله لو علم بوظيفته؟


"ربما فارق العمر بيننا كبير لكني سريع البديهه، لذا يمكنك سؤالي"

أضاف هاني


أجل، فارق العمر

هو أكبر من هاني بتسعة عشر عاماً


"سأذهب بعد أسبوع للقيام بمشروع التخرج، لن تستطيع طلب مساعدتي عندها، لذا إن أردت شيئاً أطلبه بسرعة"


"مشروع التخرج!، الم تتخرج بعد؟"

سأل بإستغراب


"الهندسة خمسة أعوام، هذا عامي الأخير"


لقد نسي مُدَثر أنه يدرس، يعمل هذا الفتى وظيفتين، ويغني في دار الأوبرا، ويدرس الهندسة، لديه الكثير من الطاقة


هل يسأله عن الرجال الذين يصبحون نسائاً؟، وكيف يتصرف إن كان ذاك الشخص صديقه؟، ولكن كلا، أراء هذا الفتى غريبة، عليه فقط القبض على صديقه وجعله يعود لصوابه


فتح محادثته مع زياد ثم أرسل

"كيف الحال؟"


مد هاني يده ليقطف زهرة من الشجرة بينما عيون مُدَثر تتفحص جسده ويحاول تخمين هل هو رجل أم إمرأة؟


أقترب منه وهو يحمل الزهرة ثم قال باسماً

"أعطها لليندا"


نظر للسماء ثم قال

"علي العودة، أستعود؟"


أستقام مُدَثر واقفاً وعاد معه، دخل المنزل وهو ينظر للزهرة، سار للمكتبة الصغيرة في منزله، أخذ كتاباً من كتب القانون، فتحه ووضع به الزهرة ثم أغلقه وأعاده لمكانه


لم يرد زياد عليه طيلة اليوم وعندها تذكر أنه سبق وأخبره أن والدته تذهب للمتجر الذي يعمل به هاني بأنتظام وعندها بدل ملابسه الرسمية ثم ذهب للمتجر


كان إسلام هناك، يتحدث مع هاني ويضحكان، وهذا جعل مُدَثر يتذكر أنه لم يتخلص منه بعد، هو يكرهه وسيتخلص منه


"مساء الخير"

قال وأقترب ليرد هاني

"مساء الخير"


"أريد الحديث معك"

نظر هاني لإسلام الذي همس له بشيئ وعندها أومئ هاني وخرج إسلام بعدها


كاد مُدَثر يحترق غيظاً، بما همس له؟


"هل كل شيئ على ما يرام؟"

سأل هاني وأشار له ليجلس


"أريد أن أسأل عن سيدة يفترض أنها تأتي هنا كثيراً"


"ماذا!، لماذا؟"


"هي والدة أحد أصدقائي وقد أنقطعت أخباره وأشعر بالقلق عليه"

كان قد سبق وجهز أجابته


"ما اسمها أو كيف تبدو؟"

سأل وعندها فتح مُدَثر هاتفه ثم فتح صورتها ومد الهاتف لهاني


"السيدة ثريا!"

قال هاني عند رؤية صورتها


"متى أخر مرة رأيتها بها؟"


"منذ أسبوع، كانت تقول بأن أبنها مفقود وأنها تشعر بالقلق عليه، كما أنها قالت شيئاً غريباً ولم تفسره"


"ماذا قالت؟"


"قالت بأن والده لو وجده سيقتله"


تأكد مُدَثر عندها أن زياد بالفعل غير مظهره وهرب، لما فعل هذا؟، كانت حياته جيدة لما أفسدها بهذا الهراء؟


"إن عثرت عليه طمئني"

قال هاني وأستقام مُدَثر واقفاً

"بالتأكيد"


أنصرف وبعدها بدقائق دخلت السيدة ثريا للمتجر

"السيدة ثريا!"

قال هاني فور رؤيتها


"أريدك أن تساعد أبني، هو مثلك، ستساعده اليس كذلك؟"

لم يفهم هاني حديثها لكنه أجاب

"بالتأكيد سأساعده"


أخرجت ورقة من جيبها

"هذا أخر عنوان أخبرني بأنه موجود به، أذهب إليه قبل أن يصل له والده"


أسرع هاني وخرج ثم صعد في سيارة إسلام وأخبره بالعنوان، نزل من السيارة وتبعه إسلام مسرعاً


طرق الباب عدة مرات

"أتيت من طرف والدتك ثريا، انا هاني"

قال هاني وبعدها بثواني أنفتح الباب


وجد هيئته نسائية وعندها سأله

"عذراً، لما يريد والدك قتلك؟"


هل قصدت والدته بأنه يرتدي ملابساً مثله؟، أنه يبدو اُنثاوياً مثله؟


"لأنني إمرأة ولست رجلاً"

ردت المرأة 


كان إسلام ينظر حوله ثم قال

"لنكمل الحديث في السيارة"


صعد ثلاثتهم في السيارة، جلس هاني في المقعد الخلفي بجوارها ليطمئنها

"ما اسمك؟"


"ليلى"

ردت وأخرج هاني مناديلاً مبللة وبدأ يمسح وجهها وهو يبتسم

"اسم جميل"


أخذها لسكنه وأعطاها ملابس نظيفة، ثم سألها أن يقوم بتسريح شعرها وهي سمحت له


كان إسلام يراقبه بعيون مُحبه، كيف يستطيع هاني شفاء الجروح بمجرد لمسها، جعل الأرض الجرداء تزهر بمجرد السير بها، نشر الإبتسامات بمجرد دخوله لأي مكان


"سأذهب للفيوم للقيام بمشروع تخرجي، ما رأيك بالمجيئ معي؟"

سألها هاني ثم أضاف

"حتى تبتعدي لبعض الوقت عن مكان وجود والدك"


"حسناً"

وافقت في النهاية


أعد إسلام وجبة الغداء بينما يتحدث هاني مع ليلى 

"يمكنك الغناء أيضاً؟"


"ما دمتي لن تطلبي مني الغناء لأم كلثوم سأغني لأي أحد"

قال لتقهقه

"تكره أم كلثوم؟"


"لابد أنكِ عجوزة لتحبيها"


"لا أحبها، لكن لم يتجرأ أحد من قبل على قول أنه يكرهها"


"لأنهم مختلون"

قال ثم حمحم وهو يمسك هاتفه ليفتح قائمة الأغاني المكتوبة لديه ثم توقف عند واحدة


عشانك يا قمر أطلع لك القمر

مدام هواك أمر أطاوعك يا قمر

بحبك، احبك، احبك، يا قمر

اطويلك السما على جناح الهوى

بروحي المغرمة وقلبي اللى انكوى

واسمعك كلام ما يقوله الا أنا


وقعت عيناه على إسلام بعد أن توقف عن الغناء ووجده هو الأخر ينظر إليه، وللحظة شردا في عيني بعضهما


اوليست معجزة أن يجدا بعضهما بهذه الطريقة الغريبة؟، ومأن روحيهما قد التقيتا قبل أن تلتقي اجسادهما


"هل أنتما مرتبطان؟"

سألت ليلى


"تقريباً"

رد إسلام


"طاقة حبكما كبيرة جداً، يمكنني الشعور بها"

قالت وتفاجأ هاني


هل يستطيع أي أحد يراهما معاً تخمين أنهما مرتبطان؟، لأن هذه ستكون مشكلة 


أخذت ليلى قيلولة بينما هاني يعمل على حاسوبه بيده اليمنى ويده اليسرى يمسك بها يد إسلام


"حادثني دائماً عندما تذهب للقيام بالمشروع"

قال إسلام بحنان


"بالتأكيد، ستشعر بأنني بجوارك، سأحادثك طيلة الوقت"


"هل حدث شيئ مع مُدَثر؟"

سأل إسلام وعندها تذكر هاني أن مُدَثر قال بأن أبن السيدة ثريا صديقه، أي أنه يفترض أنه صديق ليلى، قرر سؤالها عندما تستيقظ


لم تنم طويلاً بسبب قلقها، ناولها كوب ماء ثم سألها

"الم تخبري أي أحد من أصدقائك عن كونكِ عابرة جنسية؟"


"كلا"


"كان هناك شخص يسأل عنكِ وقال أنه صديقك وأنه قلق جداً عليكِ"

قال هاني وتفاجأت ليلى

"صديقي انا؟، من؟"


"اسمه مُدَثر"

سقط الكوب من يد ليلى وظهر عليها تعبيرات الفزع


"ما الأمر؟"

سأل هاني بقلق


أبتلعت ريقها بحذر ثم قالت

"مُدَثر ضابط شرطة يقبض على العابرين والمثليين"



.



13. تغيير جذري

غادر هاني مبكراً للفيوم وأخذ ليلى معه، ودع ليندا من خلال الهاتف، وبعد يومان فقط قُبض على إسلام بتهمة حيازة مخدرات، لم تكن تخصه، ولسبب ما شعر بأن من قام بهذا كان مُدَثر لأنه كاره للمثليين وفي نفس الوقت لا يمتلك أي دليل على كونهما مثليان


أخذ يراجع تصرفاته ولا يستوعب بأنه أخفض دفاعاته لتلك الدرجة ودخل منزل رجل يستمتع بتحول حياة المثليين لجحيم


توقف عن الحديث مع إسلام كي لا يتأذى أكثر، حتى بعد براءته من التهمة، وبقي في الفيوم حتى بعد إنتهاء مشروع التخرج، عاد وقت الحفل، حضرت سيليا معه وكانت سعيدة وهي تراه يتخرج


البسها قبعة التخرج بدلاً من أن يرتديها هو، قام أصدقائه بتهريب الخمور داخل القاعة، تسللوا لغرفة جانبية وأخذوا يشربون ويتحدثون عن أشياء أضحكتهم طيلة مسيرتهم الدراسية في كلية الهندسة


أنتبه هاني لوجود مُدَثر خارج الغرفة، سحبه لداخلها وساعده أصدقائه، ثم أجبروه على الشرب حتى فقد وعيه، تفقد هاني محفظته وتأكد بالفعل أنه شرطي من بطاقته الشخصية، أخذ مفاتيحه ثم غادر مع أصدقائه وتركه هناك


قاد السيارة للمطعم الذي أتفق على الإجتماع به مع أصدقائه


"الن تفتح متجرك الخاص؟"

سأله صديقه ورد هاني

"كلا، ليس الأن"


أعاد السيارة ثم القى المفاتيح على المقعد، تركها مفتوحة وغادر في سيارة أجرة لمنزله


أستلقى على السرير لينام فور دخوله، صباح اليوم التالي أعد كوب قهوة ثم فتح حاسوبه ليعمل عليه


تفقد حساب إسلام وصوره بصمت، يشتاق إليه لكنه لا يريده أن يتأذى، كل هذا بسبب الشرطي ذو الاسم القبيح، ليته لم يتقرب منه منذ البداية


نظر ناحية الشرفة وبدأ يفكر في ليندا، كان قد أشتاق إليها ويريد الحديث معها فلا ذنب لها، بل هي أكثر شخص مسكين لأنها زوجته


أمسك هاتفه ثم راسلها

"هل انتي وحدك في المنزل؟" 

تذكر بعدها أنه لا يمكنه دخول منزل امرأة متزوجة وحده وعندها أتصل بفاطيما


"أجل، هل عدت؟"

ردت ليندا


"سآتي انا وفاطيما لقضاء بعض الوقت معك"

أرسل إليها وأنتظر حتى أتت فاطيما ثم ذهبوا إليها


"لقد أطلت الغياب"

عاتبته ليندا


"كان لدي الكثير من المشاغل"

رد وهو يجلس على الكرسي ثم نظر للتحفة التي سبق وأهداها إليهما


قدمت ليندا لهما البسكويت وأخذوا يتحدثون سوياً حتى سمعوا صوت الباب، كان مُدَثر


نظر لهاني الذي نظر له بدوره ثم أستقام واقفاً وأقترب ليصافحه، كان يتمنى لو بعتصر رقبته بيديه لكنه اكتفي بإبتسامة مصطنعة

"مرحباً"


كانت طريقة إرتداء هاني للملابس قد تغيرت، يرتدي بنطال طويل لا يظهر خلخاله، وكنزة بيضاء، ولا يرتدي أي أكسسوارات


"مرحباً"

رد مُدَثر ولم يفهم لما تركه الأخر البارحة في مكان غريب والأن يصافحه


"كنا نتحدث أتريد مشاركتنا؟"

سأل هاني


"عن ماذا؟"

سأل وتحرك هاني ليجلس مكانه مرة أخرى


"لا شيئ، نلعب لعبة التحدي"

قال ثم أخرج هاتفه من جيبه


وضع الهاتف على الطاولة ثم قال

"هيا، أضغط عليه لترى حظك"


أقترب مُدَثر ثم ضغط على أيقونة التحدي

"قم بخبز كعكة"

قرأ التحدي وأستغرب أنه يظهر له دائماً تحديات طهي


"حظاً سعيداً"

قال هاني ثم قال محادثاً فاطيما

"دورك"


"الن تساعدني؟"

سأل مُدَثر


"أبحث على الإنترنت"

رد ببساطة ثم أكمل ساخراً

"ثم أنك رجل، لا تحتاج المساعدة" 


نهض مُدَثر ثم سحب هاني من عضده

"ستساعدني"


"ماذا تفعل؟، أتركه"

قالت فاطيما ونهضت وأسرعت ليندا لتقف في المنتصف


"هو يمزح معه فقط، ما الأمر؟، لما الجو بينكم هكذا؟"

لم تكن ليندا تفهم شيئاً فهي معتادة أن هاني ومُدَثر يتعاملان بشكل طبيعي


لم يرد هاني لليندا أن تشعر بما يحدث لذا قال باسماً

"أجل، نحن نمزح، سأساعده بالطبع"


أبعد يد مُدَثر عن عضدة ثم دخل المطبخ وتبعه الأخر

بدأ هاني يخرج المكونات ثم قال

"أفرغهم في الطبق"


"كيف كان مشروع تخرجك؟"

سأل مُدَثر


جلس هاني على الكرسي بجوار الطاولة

"جيد"


"لكنك قد تغيرت"


"للأفضل اليس كذلك؟"


"لا أعلم، لا تبدو على سجيتك"


"الجميع يتغيرون"

رد ببساطة وهو يعبث بهاتفه


"هل حدث شيئ سيئ أثناء مشروع تخرجك؟"

سأل وأستغرب هاني، ما بال هذا الرجل؟، هو لا يشك ولو بمقدار ذرة أنه السبب 


"شيئ سيئ كماذا؟"

سأله


"هل ضايقك أحد بسبب مظهرك؟"

سأل وظل هاني صامتاً لا يستوعب أن الضابط الكاره للمثلية يسأله سؤال كهذا 


"وماذا لو ضايقني أحد بسبب مظهري؟، أستحق هذا اليس كذلك؟"


توقف عن وضع المكونات في الوعاء والتفت إليه

"إذاً فقد حدث هذا حقاً؟"


"وماذا لو حدث؟"

رفع صوته


"هل كان أحد زملائك؟"

سأل مُدَثر


"ماذا؟"


"من قام بإزعاجك، من يكون؟"

كان يسأل بجدية وهذا جعل هاني لا يفهم ما باله، لما يهتم إن أزعجه أحد أم لا؟


"الا تعرفه؟"

واصل مُدَثر وعندها رد هاني

"ضابط شرطة" 


توقع أنه سيصمت عندما يجيبه بإجابة كتلك لكنه سأله

"أتعرف اسمه؟"


تفاجأ ثم تلعثم

"ماذا!"


"هل تعرف اسم الشرطي؟"


"كلا"


"هل ستتعرف عليه إن رأيته؟"


كان متفاجئاً من كمية الأسئلة التي يسألها

"ماذا!، كلا، لا يهم، لقد حدث وإنتهى الأمر"


"أين رأيت هذا الشرطي؟"


"يكفي، عد لعجن الكعكة"

قال هاني وأشار له أن يبتعد لكنه لم يفعل


أعاد سؤاله بجدية وهو يضغط على مخارج حروفه

"أخبرني أين قابلت هذا الشرطي؟"


"لا أتذكر حسناً!"

رفع صوته ثم أضاف هامساً

"انت تخيفني"


أبتعد مُدَثر عنه ثم رد بتوتر

"لم أقصد"


الضابط كاره المثليين يخبره بأنه لم يقصد إخافته؟، يالها من نكتة، فهو مستعد لضرب المثليين حتى الموت وقد سبق وفعلها فقد روت له ليلى عن أنه يستمتع بضربهم


بدأ يفكر أن قدومه لمنزل مُدَثر لم تكن فكرة جيدة، وجوده مع شرطي يقوم بتعذيب المثليين لم تكن أذكى فكرة فكر بها


"لقد تأخر الوقت، يجب أن أعود للمنزل لأعمل"

قال هاني وهو يستقيم واقفاً


"لم يتأخر الوقت، يمكنك البقاء أطول"

قال مُدَثر


"كلا، لقد تأخرت، لدي عمل كثير"

خرج من المطبخ بدون النظر لمُدَثر ثم أخذ فاطيما وغادر


"أخبرتك أننا كان علينا أن لا نبقى مع وجوده"

عاتبته فاطيما


"لا بأس، انا بخير، لم يحدث شيئ"

رد وهو يفتح حاسوبه 


غادرت فاطيما وبقي قلقاً يفكر بأنه كان قرب مُدَثر الذي كان يستطيع أعتقاله بأي لحظة وتحويل حياته لجحيم، وقرر أن لا يذهب لمنزله مرة أخرى وإن قابل ليندا ليكن في الخارج


أراد محادثة إسلام، إخباره أنه قلق ومشوش ولا يعلم حتى كيف يشعر، لكنه سيعرضه للخطر، وربما في المرة القادمة سيقبض عليه بتهمة الشذوذ والفجور حقاً


بدل ملابسه لبيجامته ثم سحب الغطاء، داهمه الأرق لساعات، لا يستطيع التوقف عن التفكير بإسلام، هل من الصعب أن يحظى بنهاية سعيدة؟، لما لا يمكنه الحصول عليه؟، غط في النوم في النهاية، إستيقظ على صوت طرق على بابه


كان مستغرباً لأنه لا ينتظر أحداً، نهض وهو يفرك عينيه ثم فتح الباب ووجد مُدَثر أمامه، فزع وأعتقد أنه هنا ليقبض عليه وظهر هذا على وجهه


"ما الأمر، لما تنظر لي هكذا؟"

سأل مُدَثر بإستغراب وعندها نظر هاني بعيداً ليهدأ نفسه وحمحم

"لم أنم جيداً"


"أتريد التمشية؟"

سأله ورد هاني

"كلا، انا متعب"


كان مرتبكاً لأنه يقف ببيجامته التي يصنفها المجتمع انها نسائية أمام الشرطي وأراده أن ينصرف بأقرب وقت ممكن


"التمشية ستساعدك لتهدأ، هيا"

كان مُدَثر مُصراً


"حسناً"

رد في النهاية وأفسح له ليدخل ثم دخل غرفته بسرعة ليبدل ملابسه


أرتدى بنطالاً رياضياً باللون الرمادي وبلوزة بيضاء بأكمام طويلة ثم خرج 

"لنذهب"


"الجو حار، هل انت متأكد من ملابسك؟"

سأل مُدَثر وهو ينظر لملابس الأخر


"أجل"

رد بأقتضاب ثم خرج أولاً وتبعه مُدَثر


تأكد من أنه أخذ مفاتيحه كي لا يضطر للجوء لمُدَثر لأنه يُفضل النوم في الشارع على التواجد في منزله


كان يشعر بالقوة مع تواجد الأخرين حوله، والأن هو يشعر بأنه فريسة سهلة للشرطي، لذا عليه التصرف بحذر


.


14. أمطار في أغسطس

"هل أخبركِ هاني بأي شيئ؟"

سأل ليندا وهو يعدل من ملابسه أمام المرآة


"أي شيئ عن ماذا؟"


"عن شخص أزعجه"

رش من العطر الذي سبق وأقترحه هاني على ليندا وأشترته له بالفعل


"كلا، لقد أصبح قليل الحديث منذ مشروع التخرج ولا أعلم السبب"


عندما خرج للتمشية معه وحاول الإمساك بيده إندفع بعيداً بسرعة، كان يفكر ما الذي حدث ليصبح فزعاً هكذا؟


أخذ مفاتيح سيارته ثم خرج، نظر لشرفة هاني وهو يخرج السيارة من الچراچ، لحسن حظه مواعيدهما مختلفة، لذا لم يره أبداً بملابس عمله، ثم أنه لا يرتديها دائماً، هناك أيام يتوجب عليه إرتدائها وأيام يرتدي ما يريد للتخفي


مر يومه بشكل طبيعي، عاد لمنزله وبدل ملابسه ثم خرج وذهب لمتجر التحف، كان هاني يقوم بترتيب التحف في الرف العلوي وصوت المذياع يملأ المتجر


يا من هواه اعزه وأذلني

كيف السبيل إلى وصالك دلني؟


"إنتظر، لحظة"

تحدث هاني عندما سمع صوت جرس الباب وهو لا يعلم هوية القادم


"خذ وقتك"

قال مُدَثر وعندما سمع هاني صوته أرتبك وأفلت السلم، أسرع مُدَثر إليه وقفز ليلتقطه، سقط هاني فوقه، ولثواني كان الصوت الوحيد المسموع كان المذياع


وحلفت انك لا تميل مع الهوى

أين اليمين وأين ما عاهدتني؟


نهض هاني وهو يتحسس رأسه، نهض مُدَثر بعده ثم سأله

"هل أصطدم رأسك بقوة؟"


أقترب ليلمس رأسه وعندها دفعه هاني

"انا بخير"


عاد مُدَثر بضعة خطوات للخلف عندما لاحظ أن الأخر لا يريده قريباً منه

"حسناً"


لاحظ أن هاني توقف عن الإبتسام عند رؤيته أيضاً!

"كيف يمكنني مساعدتك؟"

سأل بطريقة رسمية ولم يكلف نفسه عناء تصنع الإبتسام


"يمكنك أخباري بما حدث، يمكنني مساعدتك"

قال مُدَثر


"لا يمكنك"


"جرب أخباري، في أي نقطة تفتيش ذاك الشرطي؟، أين رأيته؟"

أعاد أسألته التي سبق وطرحها ولم يجب عليها الأخر


هاني لم يفهم لما يسأله الشرطي الكاره للمثلية عن هوية الشخص الذي أزعجه؟، لما هو منزعج أن هناك من أزعجه؟، ولما لا يشعر ولو للحظة أنه طرف في هذا؟


لما يتصرف وكأنه صديقه؟، هل مثل دور صديقه لفترة طويلة لدرجة أنه أندمج معه؟ 


"ولما قد تهتم؟، لقد أخبرتني أكثر من مرة بأنني لستُ رجلاً"


"بماذا أخبرك ذاك الشرطي؟"

سأل مُدَثر متجاهلاً حديثه


"وهل يتحدث رجال الشرطة؟"

قال ساخراً ثم همَ بالذهاب وعندها قبض مُدَثر على عضده

"ماذا فعل لك؟"


بدأ يشعر بقلق حقيقي من الرجل المختل الذي يريد أي أحد ليفرغ غضبه به، رد في النهاية

"ماذا تعتقد أنه فعل؟"


قال هذا ليطلق له العنان لتخيلاته، أفلته مُدَثر أخيراً وأسرع هاني ليدخل خلف طاولة الحساب ليبتعد عنه

"إن لم تكن تريد شيئاً فعليك الذهاب"


غادر مُدَثر ولم يعلم هاني هل يسعد لأنه غادر أم يقلق لأنه غادر بسهولة بدون شجار أخر


حادث فاطيما وروى لها ما حدث

"ما بال هذا المختل؟، هل نسي نفسه؟، من كثرة التظاهر نسي أنه شرطي!"


"لا أعلم لما يتصرف بهذه الغرابة"

رد هاني 


"سآتي لأخذك اليوم لدار الأوبرا، لا تذهب وحدك"

قالت فاطيما وبالفعل أتت باكراً لأخذه لدار الأوبرا


كان هاني يحب الغناء هناك، يحب فكرة أنه ما زال يغني حتى الأن، أستلقى على أرضية المسرح بعد أن أنتهى من الغناء وحدق في السقف


يفكر كيف حال إسلام الأن؟، ماذا كان ليفعل لو كان معه؟، كان ليعانقه ويهدأه، يعد له مشروباً دافئاً ويتحدث معه عن اسوأ الإحتمالات وكيف أنه من المستحيل حدوثها، كان ليمسك بيديه ويبقى ممسكاً بها حتى يغط في النوم


"ليتكَ كنتَ قدري"

قالها بحزن وهو يمد يده وكأنه يحاول لمس السقف ثم أغمض عينيه وأنزل يده


"هل انت بخير؟"

سألت فاطيما ونزلت على ركبتيها قربه


"أفتقد إسلام"

رد هاني


سحبته فاطيما لأحضانها

"لا بأس، قد تتقابلان بظروف أفضل في المستقبل"


بدأ هاني يبكي لأنه يعلم بأن هذا مستحيل، الظروف لا تصبح أفضل بل تسوء، مما يعني أنهما لن يكونا معاً أبداً


أتصل مُدَثر بوائل وطلب أن يخبره بأسماء جميع الضباط الذين كانوا موجودين في نقاط التفتيش من القاهرة للفيوم في اليوم الذي غادر به هاني واليوم الذي عاد به 


أراد ايجاد الضابط الذي جعل الفتى المليئ بالحيوية والنشاط شخصاً هادئاً وقلقاً، الذي سرق الطمئنينة من عينيه وأستبدلها بالفزع، لم يكن يدرك أنه يبحث في حلقة مفرغة لأنه هو هذا الضابط 


ولكن صادف أن قام أحد الضباط بأزعاج فتاة في ذاك اليوم، ولسوء حظه الشديد أن مُدَثر أعتقد أنه يقصد بالفتاة هاني وأنه الشخص الذي قام بإزعاجه


لذا هو ذهب لإفراغ غضبه على ذاك الضابط، وأفزعه ضرباً، عاد بعدها لمنزله مرتاح البال وبدل ملابسه، خرج وذهب لسكن هاني وطرق الباب 


فتحت فاطيما وتذكر مُدَثر أن هاني مرتبط، كيف نسي هذا؟، أجل، الفتى الاُنثاوي مرتبط بتلك الفتاة منذ أكثر من خمس سنوات


"هل هناك مشكلة؟"

سألت فاطيما


الف كذبة بسرعة

"كنت سأدعوكما على العشاء"


"شكراً لكننا سنتعشى خارجاً، ربما في يوم أخر"

نظرات فاطيما إليه لم تكن نظرات ترحيب


ولسبب ما أعتقد مُدَثر بأنه شفاف وأنها ترى أنه لا يحب فكرة أرتباطها بهاني ولهذا تعامله بهذه الطريقة 


عاد لمنزله وجلس يفكر ما المميز في فاطيما لتبقى معه كل هذا الوقت وتظل علاقتهما جيدة هكذا؟


"ما الأمر؟"

سأل هاني


"هذا الرجل غريب"

قالت فاطيما ثم جلست بجوار هاني 


"هل كان الطارق مُدَثر؟"


"أجل، قال أنه يدعونا على العشاء، ورفضت وأخبرته بأننا سنتعشى خارجاً"


"هل يمكن أنه يخطط للإيقاع بي؟، ولهذا هو مستاء أنني غيرت طريقة ملابسي؟"

كان هاني يحاول التفكير في سبب تصرفات الأخر


"بماذا أخبرته عندما سألك أخر مرة عن هوية الشرطي؟"


"لم أجبه، وعندها بدأ يسأل عما قاله أو فعله"


ضمته فاطيما ومسحت على شعره بلطف

"لا تقلق فهو لا يمتلك أي دليل على كونك مثلياً، لن يستطيع فعل أي شيئ"


"أتسائل كيف لم أنتبه أبداً لحديثه المهين الذي كان يردده دائماً، لقد كنت غبياً لدرجة أنني أعتدت سماعه"


خرج هاني مع فاطيما لملاقاة سيليا وتناول الطعام في أحد المطاعم، ولبعض الوقت نسي كل شيئ، أن لديه مشاكلاً، أن علاقاته دائماً تفشل، وأن جاره ضابط شرطة


أعادته فاطيما لسكنه، ودعها بإبتسامة وأرسل لها قُبلة في الهواء، فتح الباب ودخل ثم فتح الثلاجة وأخرج زجاجة كحول، بدل ملابسه لبيجامته المريحة ثم فتح حاسوبه وفتح فيلماً ليشاهده وهو يشرب


فجأة سمع صوت الرعد وفزع، أخذ بعض الوقت ليستوعب أنه صوت رعد، نظر من نافذة غرفته، لما هناك صوت رعد في مثل هذا الجو؟


أرعدت وأبرقت في نفس الوقت ثم بدأت تمطر، أمطار في أغسطس!، كان الأمر غريباً جداً


سمع طرقاً على باب منزله، وهذا زاد رعب الموقف، أخذ وشاحاً والتحف به ثم تحرك ليفتح الباب ووجد مُدَثر أمامه

"لقد نسيت مفاتيحي"


أخذ هاني بعض الوقت لإستيعاب الموقف في حين سأل مُدَثر

"الن تدخلني؟"


أفسح له

"تفضل"


تركه هاني في غرفة الجلوس ودخل غرفته ليرتدي بنطالاً رياضياً فوق سروال بيجامته القصير ثم خرج إليه وأعطاه منشفة


"لكن أين ليندا؟"


"ذهبت لزيارة والديها"


تماماً كالمرة السابقة، بإستثناء أن مُدَثر هو من نسي مفاتيحه وليس هاني


حك هاني مؤخرة رأسه

"ماذا تريد أن تشرب؟"


"أي شيئ"

رد وأخرج هاتفه 


دخل هاني المطبخ وأعد له كوب قهوة، جلس تاركاً مسافة كبيرة بينهما


"تعلم بأنني لن أفعل شيئاً سيئاً لك"

تفاجأ هاني عند سماع جملته

"ماذا!"


أقترب مُدَثر منه

"لما ترتدي البنطال في وجودي؟"


"سأرتديه في وجود أي أحد فأنا رجل"


"حتى حديثك تغير"

مد يده وعندها صفعها هاني وأستقام واقفاً وهو يلتقط أنفاسه


أستقام مُدَثر واقفاً ثم رفع يديه بجواره قاصداً أنه لن يفعل أي شيئ

"انت تتصرف بغرابة"


"بل انت من تتصرف بغرابة، ما مشكلتك؟، كنتَ دائماً تقول بأنني لستُ رجلاً والأن انت مستاء لأنني أصبحت أتصرف كرجل؟"

صرخ به


باغته مُدَثر وسحبه بسرعة، كان هاني يفكر في اسوأ الإحتمالات الممكنة، في حين أحاطه مُدَثر بذراعيه ضاماً أياه، لم يستوعب أن الرجل الذكوري يقوم بعناقه الأن!


دفعه بسرعة، بقوة، بعنف وهو يلتقط أنفاسه وصرخ به

"ابتعد عني"


"حسناً...حسناً..فقط اهدأ"

رفع يديه قاصداً أنه لن يلمسه مرة أخرى 


.


15. مغاوير

استيقظ هاني وهو يشعر بالعطش وخرج ليملأ كوب ماء وعندها لمح شخصاً على الأريكة، أخذ بعض الوقت ليتذكر أنه مُدَثر قضى ليلته هنا 


دخل الحمام وغسل وجهه عدة مرات عله إن خرج لن يجد مُدَثر هناك على اريكة منزله 


لكنه وجده على الأريكة كما تركه، كان يفكر متى سيغادر، بينما مُدَثر يفكر لما فجأة أصبح هاني يكرهه لتلك الدرجة، الم يكونا مقربين؟


أتصل بليندا ليستعجلها بالعودة، ثم خرج وأرتاح هاني لذهابه، أعد لنفسه كوب قهوة وأخذ يفكر لما عانقه؟، أم أن هذه طريقة حديثة للإمساك بالمثليين؟، بدلاً من الإتفاق على موعد للقاء ثم القبض عليه يذهب لمنزله ليرى كيف ستكون ردة فعله 


تصرفاته غريبة


"هل كل شيئ بخير؟"

سألت ليندا ليستفيق مُدَثر من شروده


"أجل"

ترك الملعقة ثم إستقام واقفاً


"لكنك لم تأكل"


"لا أشعر بالجوع"

قال ثم خرج للشرفة ورأى هاني يصعد في سيارة فاطيما


هو مرتبط

هو مرتبط بامرأة


خرج للتمشية وعند عودته سمع أصواتاً في المنزل، كان هاني وفاطيما مع ليندا 


"مُدَثر، جيد أنك عدت، لقد أتى هاني وفاطيما لمشاركتنا خبراً سعيداً"

قالت ليندا بحماس 


رفعت فاطيما يدها اليمنى ليرى خاتماً يعانق خنصرها

"لقد أشترينا خواتم الخطبة"


ظل يحدق في خاتمها لثواني، لا يعلم هل الخاتم حول خنصرها أم حول رقبته


"مبارك"

قال في النهاية وإبتسم بتكلف، لم يستطع الإبتسام لأكثر من ثانيتين ثم تركهم ودخل غرفة النوم 


لما يشعر بكل هذا الإختناق عند رؤيته لخاتم خطبة فاطيما؟، هما مرتبطان منذ سنوات طويلة بالطبع سيتزوجان في النهاية


خرج لغرفة الجلوس ليجلس معهم، فور خروجه مدت فاطيما يدها لتشابكها بيد هاني أثناء جلوسهما بجوار بعضهما 


أغلق قبضته ثم دحرج عينيه بعيداً عن أيديهما ليركز فيما يقولونه


"ننتظر الشتاء لأقامة حفل الخطبة لأننا نكره الصيف"

قالت فاطيما وهي تبتسم


"أنتظر بفارغ الصبر، لا تنسوا دعوتنا"

قالت ليندا بسعادة


"بالتأكيد، أنتما أول المدعوين، لم نخبر أحداً بعد"

قالت ونقلت نظرها بين ليندا ومُدَثر


أستقامت واقفة وتبعها هاني

"علينا الذهاب لأبلاغ الباقين"

قالت فاطيما ولم تكن قد فصلت يدها عن يد هاني


ودعا ليندا ثم أنصرفا

"أشعر بالسعادة أنهما سيقومان بحفل الخطبة أخيراً"

كانت ليندا سعيدة من أجل هاني وفاطيما


بينما مُدَثر كان منزعجاً، من الخاتم، من إمساكها بيده، ومن فكرة وجودها، لم يكن يفهم هل هذا لأنه يحتقر النساء أم أن هذه المرأة بالأخص تزعجه


"هذا الرجل"

قالت فاطيما لينتبه إليها هاني

"ماذا!"


"قتلني الف مرة في عقله"


"ماذا!، لماذا؟"


"لا أعلم"


"هل تراه يعلم بأننا نقوم بالتمثيل؟"


"لا أعتقد، وحتى لو شك في الأمر فهو لا يمكنه فعل شيئ، انت رجل مرتبط بإمرأة الأن، لا شيئ مثير للشبهات حولك"


أخرج هاني هاتفه ليتصفح تويتر ثم توقف عند رؤيته لتغريدة جعلت عيناه تلمع بسعادة

"لنذهب"

مد الهاتف لفاطيما لتقرأ التغريدة


كانت حفلة كاريوكي كبيرة، الجميع يمكنه الغناء، وسيحضر فنانون أيضاً


"حسناً، لا مانع"

ردت فاطيما


في ذاك اليوم أرتدى هاني ما يحب أرتداءه، بنطال جينز أزرق وبلوزة بُنية بنصف كُم، تظهر معدته عندما يتحرك، قلادة بها خرز أبيض وبُني، ونظارة شمسية


رش من عطره ثم أخذ حقيبة قماشية مكتوب عليها (حبيبي معاه مسدس، أحسنلك تهرب)

وضع أغراضه بها ثم أغلقها وخرج ليصعد في سيارة فاطيما، أوصل هاتفه بها ثم شغل أغنية ورفع الصوت


أولاً سنة حلوة يا جميل

تانياً الليل هيكون طويل

قول لأمك ما تخاف

الملهى على بعد رصاص


وصلته رسالة على وتساب من سيليا

"كن حذراً"


"لا تقلقي"

رد


تالتاً البس الاسود وانزل

عالماً بس تتلُچ فوق التلال

بيصير الصبيان رجال

مغاوير بعاصمة الليل


ركنت فاطيما السيارة ثم نزلا منها في المكان وإبتسم هاني بسعادة وهو ينظر إليه، دخلا من البوابة ثم بدأ هاني يلتفت حوله متفحصاً المكان بينما فاطيما تقف بجواره لتتأكد أنه لن يتعرض للمضايقه


رأى مجموعة أشخاص يعرفهم من دار الأوبرا وعندها سار بين الزحام إليهم

"مرحباً!"


التفتوا إليه ثم صافحوه وكان هناك أشخاص أخرون يرمقونه بنظراتهم بسبب ملابسه


علمونا على الملعب نلعب عصابات

شوب شوب قوصوك


"أتيت وحدك؟"

سأل أحد الفتيان بصوت مرتفع ليستطيع الأخر سماعه بين أصوات الموسيقى


"كلا، أتيت مع فاطيما"

رد ثم التفت ولم يجدها


أرتبك وبدأ يفكر كيف أضاعها، هل حدث هذا أثناء سيره بين الزحام؟


كنا سوى عم نتسلى وينك اختفيت؟

شوب شوب قوصوك


أخرج هاتفه ليتصل بها لكن لم يكن هنا تغطية لشبكة الهاتف، أخذ يلتفت حوله باحثاً عنها ثم وقعت عيناه على المسرح


تحرك بين الزحام ثم صعد فوقه وأخذ مكبر صوت ثم تحدث به وهو يلوح

"فاطيما، انا هنا"


أخذ ينظر بين الموجودين باحثاً عنها، أخذ رجل مكبر الصوت منه

"المكان ليس لأمثالك"


ركله هاني ثم هرول لينزل من فوق المسرح، وبينما يهرول أمسك أحد بمعصمه وسحبه، جهز قبضته ليقوم بلكم الشخص ولكن الأخر أمسك بقبضته

"إهدأ"

كان مُدَثر


لما هو هنا؟


سحبه مُدَثر للمسرح وبدأ هاني يفكر بأنه يفعل هذا ليجعل الرجل يضربه كما ركله، حاول الإفلات من قبضته لكنه لم يستطع


توقف أمام الرجل ثم أفلت يد هاني ولكمه، تفاجأ هاني لدرجة أنه فتح فمه من هول صدمته


أستوعب ما حدث عندما وجد مُدَثر يستمر في ضرب الرجل، أسرع ليقف أمامه

"يكفي"


أمسك يد مُدَثر وسحبه لينزلا من فوق المسرح ثم ذهب لأحد الأكشاك في المكان وأشترى زجاجة ماء ومدها إليه


"هاني"

كانت فاطيما


أسرعت إليه وعانقته ثم أمسكت يده وبدأت تطمئن عليه ثم نظرت لمُدَثر

"دعينا لحظة"

قال هاني ولم تبتعد فاطيما كثيراً كي لا تضيعه مرة أخرى


"لما ضربت الرجل؟"

سأل هاني ولم يرد مُدَثر


وبعد تفكير أضاف هاني

"لأنه أخبرني أن المكان ليس لأمثالي؟"


"ما رأيك؟"

رد مُدَثر


"لكنك كنت تخبرني بكلام أسوأ من هذا، الأمر لا يستحق كل ما حدث"

كان هاني مستغرباً لأن مُدَثر لطالما أخبره بأنه ليس رجلاً والأن هو غضب لأن هناك رجل أخبره بأن المكان ليس لأمثاله فقط؟


"لكني لم أعد أقول هذا"

رد مُدَثر


وهذا حير هاني أكثر، ماذا يريد؟

"حسناً!"

قالها بنبرة إستفهامية ثم حمحم

"سأذهب لفاطيما"


أعطاه ظهره وهمَ بالذهاب وعندها سحبه مُدَثر وعانقه بقوة، كان هاني يشعر بالغرابة، وعندما تحركت يد مُدَثر على ظهره تفاجأ وحاول دفعه عدة مرات حتى تدخلت فاطيما ولكمت يده ثم سحبت هاني إليها


تبادل مُدَثر وفاطيما النظرات لثواني ثم سحبت هاني ليبتعدا عنه ويختفيا في الزحام


.



16. فأر في المصيدة

"لابد أنه يعرف أنني مثلي ويفعل هذا قصداً"

قال هاني وهو يجلس في منزل فاطيما


"ماذا حدث؟"

قالت ليلى بعد أن دخلت من باب المنزل ووجدت الجو مملؤ بالتوتر


"أعتقد أن مُدَثر يصر على جعل حياتي جحيماً"

رد هاني وأقتربت ليلى لتجلس بجواره

"ماذا فعل؟"


روى هاني ما حدث وعندها قالت ليلى بإستغراب

"مُدَثر ضرب الرجل؟"


"ضرباً مبرحاً، ولكن ليس هذا موضوعنا"


"بل هو موضوعنا، مُدَثر لم يتشاجر مع شخص لسبب غير نفسه من قبل"


"ماذا تقصدين؟"


"أقصد أنه يضرب الأشخاص الذين يزعجونه فقط، أما إن أزعج أي أحد أصدقائه، أو أي أحد من دائرة معارفه، فهو لا يهتم"


"لا أفهم"

قال بينما تبادلت ليلى وفاطيما النظرات ثم قالت ليلى

"أعتقد أن مُدَثر مهتم بك"


"ماذا!"

قال بصوت مرتفع


"أخبرني بالمزيد، ماذا حدث بينكما أيضاً؟"

سألت ليلى وعندها تذكر هاني عندما عانقه مُدَثر، هو لم يروي حتى لفاطيما عن الأمر


"في ذاك اليوم الماطر، أخبرني أنه أضاع مفاتيحه ويريد البقاء عندي، أرتديت بنطالاً فوق بنطال بيجامتي القصير، وعندها سألني لماذا أرتدي البنطال أمامه"

تفاجأت فاطيما وأكمل هاني

"أخبرته بأنني رجل وأرتدي كالرجال وعندها عانقني حتى صباح اليوم التالي"


أستقامت فاطيما واقفة

"سأذهب لركل خصيتيه"


أمسك هاني بمعصمها

"كلا، يكفي شجاراً"


"هذا اللعين يتحرش بك مراراً وانت ستتركه يفلت هكذا؟"

كانت غاضبه


"مُدَثر مهتم برجل مثلي، يالها من نكتة"

قالت ليلى وهي تريح ظهرها على الأريكة


"لكنكِ أخبرتيني أنه كاره للمثليين"

قال هاني


"هو كذلك، لكن ما يفعله معك له تفسير واحد فقط"


"أو ربما يريد إغتصابي فقط بما أنني لستُ رجلاً"

لم يكن هاني يصدق أن الأخر مهتم به


"ليندا المسكينة التي تشعر دائماً أنها زوجة مقصرة، بينما زوجها يطارد رجلاً ويتحرش به"

قالت فاطيما


"هو لا يهتم بي بالتأكيد لذا توقفوا عن قول الهراء"

أستقام هاني واقفاً


"لدي فكرة لتتأكد، لكنها سيئة"

قالت ليلى


عاد هاني لمنزله ثم بدل ملابسه لبيجامته، كان متوتراً وهو يفكر في تنفيذ خطة ليلى، أمسك هاتفه وأتصل بمُدَثر، بعد أن حصل على رقمه من ليندا 


بمجرد أن رد مُدَثر قال هاني

"أيمكنك المجيئ لمنزلي بسرعة؟، أحتاج المساعدة"


"هل انت بخير؟"

شعر مُدَثر بالقلق


"ستأتي أم لا؟"

قال هاني بنفاذ صبر


"سآتي فوراً"

أنهى المكالمة وبعد دقيقة واحدة طُرق باب منزله


أخذ نفساً عميقاً ثم فتح الباب 

"ماذا حدث؟"

سأل مُدَثر


"هناك فأر"

قال هاني وكان مستعداً لسماع أسوأ الإهانات من الأخر


"أين رأيته؟"

سأل وأستغرب هاني ثم أشار للمطبخ 


"حسناً، إنتظر هنا"

قال ثم دخل المطبخ وترك الأخر لا يصدق ما يحدث


أمسك هاتفه ثم راسل ليلى

"لم يسخر مني"


"أخبرتك"

ردت عليه


"لم أجد شيئاً"

قال مُدَثر ثم نظر للهاتف بين يدي هاني


"هل تتحدث مع فاطيما؟"

سأل ورد هاني

"أجل"


أقترب ليجلس بجواره

"وهل ستساعدك هي؟"


"أجل، هي دائماً تساعدني"


نظر مُدَثر لفخذيه وعندها شعر الأخر بالإرتباك 

"يبدو أن الفأر قد إختبأ، شكراً للمساعدة"

أستقام واقفاً والأخر لم يبعد عينيه عن جسده


"لما تنظر إلي هكذا؟"

سأل هاني عندما وجد أن الأخر لا يحاول حتى إخفاء نظراته


"فقط، أرى كم أن فاطيما محظوظة"

رفع عينيه لينظر لوجهه


أستقام واقفاً

"من الجيد أن اراك بهذه الملابس مرة أخرى"

خرج تاركاً الأخر يفكر في جملته 


فتح محادثة ليلى ليرسل

"لا تخبري فاطيما"

"لكني أعتقد أن مُدَثر تحرش بي لفظياً"


"ماذا!"


"لما يتوقف عن النظر لجسدي، وأخبرني أن فاطيما محظوظة"


"لا أصدق أن مُدَثر يتحرش برجل لسبب غير إزعاجه"


"من قال أنه لا يريد إزعاجي؟"


"لا أريد إقلاقك لكن يبدو أنه لا يريد إزعاجك بل يريد مضاجعتك"


"أين؟، في قسم الشرطة قبل أن يقوم بتسليمي؟"

لم يكن يصدق أن ضابط الشرطة منجذب إليه


"أنتظرني، سآتي إليك"

قرأ رسالة ليلى ثم أغلق شاشة هاتفه وأراح ظهره على الأريكة، متى ستتوقف الأحداث المجنونة عن الحدوث؟


كان قلقاً، خائفاً ومشوشاً

ثم فجأة أصدر هاتفه نغمة استلام رسالة

تفقده ووجدها رسالة من إسلام، كانت رابط لأغنية لوردة

(روحي وروحك حبايب من قبل دا العالم والله)


اغرورقت عيناه بالدموع وبدأ يتذكر كل ذكرياته السعيدة والمطمئنة مع إسلام، كم كان من المريح والآمن التواجد معه

وكيف أصبحت حياته بمجرد افتراقهما


ايمكنهما أن يجتمعا مرة أخرى؟


(ما معنى أن يرغب رجل في النوم مع رجل أخر)

قام مُدَثر بالبحث بأستخدام هاتفه لمدة ثلاثة دقائق فقط ثم أغلق نافذة البحث


هو لا يصدق ما قرأه، فهو لا يشعر بالرغبة تجاه أي رجل أخر سوى هاني، وحتى عندما فتح موقعاً ليشاهد مقاطع جنسية لم يشعر بأي شيئ، لم يحب مشاهدتهم بل أنه شعر بالإشمئزاز، هو يحب مراقبة هاني فقط 


"لما يبدو ضعيفاً لهذا الحد؟، أريد أن أجعل جسده يرتعش من النشوة"

همس وهو يغلق قبضته ويفتحها عدة مرات


خرج ليجلس في الشرفة وعندها رأى ليلى تدخل سكن هاني، كان يشعر بأنها مألوفة، دخل المطبخ وأخذ طبق بسكويت من الذي أعدته ليندا ثم خرج ليذهب لسكن هاني وطرق الباب 


فتحت ليلى وعندما رأت مُدَثر شعرت بالفزع، نهض هاني ليقترب من الباب ثم دفع ليلى برفق ليبعدها عن عيون مُدَثر

"ما الأمر؟"


تذكر مُدَثر أين رأى هذا الوجه من قبل

"هل هذا زياد؟"

سأل ليرد هاني

"لا يوجد رجال هنا"


"مع هيئته تلك فهو بالتأكيد ليس رجلاً"

قال مُدَثر ثم مد يده ناحية ليلى وعندها صفع هاني يده

"أبتعد عنها، هي في منزلي"


أمسك مُدَثر بيده ووضع بها طبق البسكويت ثم قال

"كانت حياته جيدة وهو من أختار أفسادها، من قد يولد رجلاً ثم يقرر أن يصبح فتاة؟، ياللعار"


"إن لم تصمت سأصفعك"

قال هاني بحزم 


"سأتركه فقط من أجلك، لكن عندما أمسك به خارج هذا المنزل سيتمنى لو ظل يتصرف كرجل"

قال ولم يحتمل هاني حديثه وصفعه


قبض مُدَثر على معصمه وعندها سقط طبق البسكويت على الأرض بينما يحاول هاني أبعاد يده عنه


"انت محظوظ جداً لأنني لا أريد إيذائك"

همس أمام وجهه


"لا يهم، فأنا أيضاً لستُ رجلاً في نظرك"

كعادة هاني، شجاع في الدفاع عن أصدقائه أكثر من الدفاع عن نفسه


أفلته وعندها سقط على الأرض لأنه كان يحاول الإبتعاد عنه في نفس الوقت، أنحنى مُدَثر ومد يده وقبض على عضده ليسحبه لينهض


"ماذا تريد أيضاً؟"

صرخ هاني


أفلته مُدَثر بعد أن نهض ثم تركه وغادر، أغلق هاني الباب ثم أقترب من ليلى التي كانت مذعورة 

"لا تقلقي، لن أدعه يمسك بسوء"


"كلا، لا أريد أن يؤذيك انت أيضاً"

ردت ليلى


"إبقي هنا، سأفكر في حل"

قال هاني ليهدأها ثم جلس يفكر كيف سيتصرف


حتى لو كان مُدَثر لن يقبض عليه هو فهو يريد القبض على ليلى، لا يمكنه الشجار لأنه رجل ذكوري سيحاول فرض سيطرته دائماً ويصبح أعنف وأعند، الحل الوحيد هو أن يحاول الحديث معه وأقناعه، وهذا صعب


لكنه سيفعل أي شيئ كي لا تصاب ليلى بأذى، أرتدى سروالاً أبيض قصيراً وبلوزة باللون الأخضر الفاتح، ثم أرتدى قلادته ذات الحلقات، تعطر ثم أخذ نفساً عميقاً


وضع من مرطب الشفاة ثم أخذ مفاتيحه ووضع سماعات رأسه حول رقبته 

"لا تذهبي لأي مكان"

قال ثم خرج


ذهب لمنزل مُدَثر ثم طرق الباب، فتحت ليندا، إبتسم ثم دخل وسألها عن مُدَثر، جلس على كرسي غرفة الجلوس وهو ينظم أنفاسه حتى أتى مُدَثر


"أتريد المشي معي؟"

سأل هاني وإبتسم بتكلف


ورغم أنه لم يكن يشغل أي أغاني فقد كان يستطيع سماع صوت دنيا وائل 


مش سامع الموعظة، أصل المازيكا عالية

إنتهى صلاحية العسل

طاقتك كافية تحسسني بالفشل

بتلف تدور تسأل ايه العمل

جوانا النور


.



17. خاتم الخنصر

خرج مُدَثر مع هاني وظلا صامتين حتى جلسا على أحد المقاعد العامة

"أريد الحديث معك عن ليلى"


"من هي ليلى؟"

سأل مُدَثر بإستغراب


"زياد"

وضح ليقول مُدَثر ساخراً

"زياد أصبح ليلى!"


تمالك هاني نفسه لأنه يفترض أن يتفاوض معه لأنه صاحب اليد العليا والشجار سيجلب المشاكل فقط


"أجل هذا ممكن، فقط كانت في الجسد الخطأ"


"يولد الناس بأجساد صحيحة"


"كلا، يولد الناس أحياناً بأمراض وعيوب خلقية، هل هذا شيئ صحيح؟"


قلب مُدَثر عينيه

"إذاً أي أحد لا يعجبه جسده يمكنه تغييره؟"


"وما المشكلة؟"


"هذا هراء"


"لما قد تنزعج أن رجلاً أصبح إمرأة أو العكس؟، كيف أثر هذا على حياتك؟"


"يؤذي عيني"

قال ببرود ساخراً وتمالك هاني نفسه كي لا يرد عليه رداً وقحاً


"لن يؤثروا على حياتك أبداً، لكن هذا سيجعل حياتهم أفضل، أن تُحبس في جسد لا يخصك هو أمر صعب جداً"

تابع حديثه بلطف محاولاً أقناع الأخر 


"كيف لك أن تعرف؟، هل انت إمرأة؟، هل كنت إمرأة؟، أم هل تخطط لتصبح إمرأة؟"

سأل وكان سؤاله يبدو ساخراً لكنه كان فضولياً لأنه كان يشعر دائماً أن هذا الفتى إمرأة، لا مبرر لإنجذابه لرجل أخر، لذا بالتأكيد هو إمرأة


"كلا، انا رجل، لم ولن أغير جنسي، ولكن هذا لرغبتي الخاصة، لأنني راضي عن جسدي ونفسي"


"لما؟، ترتدي مثل النساء، لما لا تصبح إمرأة؟"


"لأن الملابس مجرد قطع قماش، لا تحدد الجنس"

كان يواصل رده بهدوء 


"تخترعون أشياء سخيفة لكسر كل أنواع الأعراف والقوانين التي تربينا عليها، جيلكم مهووس بخرق القواعد"


"العالم دائماً يتجدد ويتطور، لم نعد نعيش في الكهوف، لدينا سيارات وطائرات وإنترنت به معلومات بلا حدود"


"ما زلت غير مقتنع"

قال ببرود وهذا أثار غيظ هاني


"ماذا تريد لتقتنع؟"

سأل بغيظ مكتوم


نظر مُدَثر له نظرة فاحصة وشعر هاني بالقلق ثم قال

"أرجو أن تترك ليلى وشأنها"


"انت تهتم بالنساء بشدة، لم أرك تختلط بالرجال كما تفعل مع النساء"


"لأنهم أكثر لطفاً من الرجال"

رد هاني ببساطة


"سأفكر في أمر زياد"

قال مُدَثر


"اسمها ليلى"

صحح هاني


"قلت أنني سأفكر، لم أقل أنني أقتنعت بحديثك"

أستقام مُدَثر واقفاً


أستقام هاني واقفاً هو الأخر وعندها مد مُدَثر يده ليمسك بالقلادة التي تحيط رقبته

"تبدو أفضل بهذه الملابس"


حاول هاني البقاء ثابتاً وأن لا يظهر خوفه من قرب الأخر منه، حتى أبعد مُدَثر يده وعاد للسير، وعندها التقط هاني أنفاسه 


كل تلك الإمتيازات من كونه رجلاً ذكورياً

لكن ولا واحدة جعلت هاني ينجذب إليه

هو يحب الفتيات فقط، يحب النساء

وللحظة تمنى مُدَثر لو كان إمرأة ليهتم هاني لأمره كما يهتم بالنساء الأخريات 


لا يفهم حتى سبب إنجذابه إليه، لما مازال يريده حتى بعد أن تأكد أنه حقاً رجل؟، حتى لو كان لا يبدو كذلك فهو بالفعل يمتلك أعضاء تناسلية ذكورية، من المفترض أن يجعله هذا يتقزز منه 


أمسك هاتفه ثم فتح صفحة هاني على فيسبوك وبدأ يمرر في الصور، لديه صور كثيرة مع فاطيما، كان هذا يزعجه، وما يزعجه أكثر الخاتم الذي يحيط بنصره الذي يعني أنه مرتبط 


بدأ يفتح المقاطع التي يغني بها واحدة تلو الأخرى حتى توقف عند أول مقطع قام بتحميله


يا بختك، تعرف تقعد لوحدك

لا حاطط إيدك على خدك، ولا قلبت معاك عياط

يا غُلبي، كل ماجي أقعد لوحدي

دماغي تبدأ تاكلني، وتشدني ونروح هناك

وأنا مش عايز أروح هناك


لما هو جيد جداً في كل شيئ؟، لما يعجبه لهذه الدرجة؟، به كل شيئ ضد مبادئه


بدأ يفكر بأنه كان من الأسهل له أن يطلب من هاني فسخ خطبته مع فاطيما مقابل ترك ليلى وشأنها، ولكن عندها عليه تفسير لما طلب هذا منه 


رغم أن مُدَثر متزوج فهو لا يهتم بإرتداء خاتم زواجه فهو يراه شيئاً سخيفاً، إرتداء الخواتم للنساء فقط، لكنه يريد خاتم فاطيما، يريد أخذه منها وأرتداءه هو


في اليوم التالي طرق باب سكن هاني، فتح له هاني وإبتسم بتكلف

"مرحباً!"


"هل لديك ضيوف؟"

سأل مُدَثر


"كلا، فاطيما وليلى، وهن لسن ضيوفاً، انت هو الضيف"

رد هاني 


فاطيما هنا!، دخل مُدَثر ثم القى التحية وكانت ليلى خائفة وتشبثت في فاطيما في حين كان مُدَثر يرمقها بنظراته


"ماذا تريد أن تشرب؟"

سأل هاني


بينما مُدَثر كان يفكر كيف يجعل فاطيما تخلع خاتمها، وعندها خطرت له فكرة


"ماذا لديك؟"

سأل مُدَثر ثم دخل المطبخ وتبعه هاني مستغرباً أنه بالفعل قد دخل


"أتريد القهوة؟"

سأل هاني


"كنت أفكر بأحضار هدية لليندا، أيمكنك أعطائي خاتم فاطيما كي أشتري نفس مقاسه؟، مقاساتهما متطابقة"

أعتقد هاني أن مُدَثر أخيراً أصبح يهتم بزوجته


خرج وطلب الخاتم من فاطيما ثم أعطاه إياه

"لا تنسى أعادته"


"لن أنسى"

رد ثم أنصرف


"الن تشرب شيئاً؟"

سأل هاني


"في المرة القادمة"

رد ثم خرج من الباب


إبتسم وهو ينظر للخاتم ثم إرتداه في خنصره لأن مقاس فاطيما كان صغيراً بالنسبة ليده، لم يكن تصرفه يتناسب مع سنه، رجل أربعيني يتصرف كمراهق بسبب وقوعه في الحب


عاد لمنزله ثم وضع الخاتم حيث يخفي أغراضه الهامة، وفي اليوم التالي ذهب لعمله بشكل طبيعي، كان يرتدي ملابس العمل الرسمية


بينما يدخل سيارته الچراچ رأى هاني يودع ليلى، نزل من السيارة ثم ذهب إليه قاصداً القاء التحية


"مساء الخير!"

قال باسماً لكن هاني فزع عند رؤيته ثم قال

"قلت أنك ستفكر بأمر ليلى"


أستغرب مُدَثر حديثه ثم أنتبه أنه يرتدي ملابس عمله، لقد نسي الأمر فعندما رأى وجه هاني لم يفكر بشيئ أخر غيره


"لن أفعل شيئاً سيئاً له"

قال ثم مد يده ليضعها تحت ذقنه 

"فأنت لطيف جداً وانا لا أريد جعلك حزيناً"


أبتلع هاني ريقه بحذر في حين قال مُدَثر باسماً وهو يبعد يده عنه

"ما رأيك بأن تخرج معي؟، لنتناول العشاء بالخارج"


أومئ هاني بالإيجاب لأنه كان خائفاً أن يقوم مُدَثر بإيذاء ليلى إن رفض


"جيد، أرتدي شيئاً لطيفاً مثلك"

قال مُدَثر قبل أن ينصرف


دخل هاني سكنه وأخذ يلتقط أنفاسه ثم دخل غرفته وفتح الخزانة، عليه إرتداء شيئ يعجب الشرطي


أرتدى بنطال رياضي أبيض وبلوزة بدون أكمام زرقاء تظهر سُرته، ثم أرتدى فوقها قميص أبيض بأكمام طويلة، تركه مفتوحاً وربط نهايته بعقدة لتغطي سُرته


رتب شعره، وضع المرطب وواقي الشمس ثم مرطب الشفاة، رش من عطره وتذكر أن مُدَثر سبق وقال بأنه يكره العطور وعندها رش الكثير من العطر كي يضمن أنه لن يقترب منه وسيضجر منه بسرعة


أرتدى قلادة بها حلقات زرقاء وبيضاء ثم سمع صوت طرق على الباب، أرتدى حذائه ثم فتح ليرى مُدَثر


"لا تبدو سعيداً!"

قال مُدَثر وهو ينظر لوجهه وعندها إبتسم هاني بتصنع

"لنذهب"


صعد معه في سيارته وأخذ ينظم أنفاسه

"استرخي"

قال مُدَثر لأنه لاحظ أرتباكه في حين تصنع هاني الإبتسام مرة أخرى 


.



18. موعد عشاء

ركن السيارة عند مطعم ثم نزلا، جلسا على أحد الطاولات وطلب مُدَثر في حين هاني كان ينظر حوله، يأتي الناس هنا مع أزواجهم أو عشاقهم، كانت ليندا لتستحق هذا العشاء وليس هو


سكب مُدَثر له بعض الكحول في كأسه

"أشرب"


شرب الكأس دفعة واحدة وعندها سكب مُدَثر له مرة أخرى

"متأكد أنك لم تجرب هذا النوع من قبل، يقدمونه هنا فقط"


"ربما بعد الطعام"

قال وهو يبتسم بتصنع لأنه لم يرد الإستمرار بالشرب


"إذاً كيف حال عملك؟"

سأل مُدَثر


"جيد"

رد بأقتضاب وعم الصمت لبعض الوقت حيث كانت الأغنية التي يشغلها المكان بصوت خافت عالية بالنسبة لمُدَثر


I have but one desire

And that one is you

No other will do

I've lost all ambition for worldly acclaim

I just wanna be the one you love


وضع النادل الطعام، أمسك بالشوكة والسكين وبدأ يأكل وهو يأخذ رشفات من الكأس بين الوقت والأخر


"ماذا ستفعل بشأن الخدمة العسكرية؟"


"لن أقوم بها"


"لما؟"


"لأنني الإبن الوحيد"


"ما أدراك؟، تركت المنزل منذ سنوات، ربما أنجب والديك مرة أخرى"


وضع هاني يده على فمه وأخذ يقهقه، زادت قهقهته بسبب الكحول وسأل مُدَثر

"ما الأمر؟"


"لقد أخبرني والدي بأنه سيقوم بإنجاب طفل غيري، بما أنني طفل مخنث حسب وصفه وهو يريد رجلاً، وأنه سيحرص على إنجابه كي أذهب للجيش"

أخذ رشفة من كأسه ثم أكمل وهو يقهقه

"وعندها قمتُ بركل خصيتيه وجعلتهُ عقيماً"


تفاجأ مُدَثر من أمرين، الأول أن والد هذا الفتى كان يقوم بتهديده ولكن هذا لم يؤثر عليه وواصل ما يفعله وأستقر عنه، والثاني أنه جريئ لدرجة أنه لم يتردد في ضرب والده عندما هدده بإنجاب أخر 


"هل كنت تتشاجر مع والديك دائماً؟"

سأل مُدَثر


"أجل، كانا يقومان بضربي عندما كنتُ طفلاً، لذا كان علي رد الجميل لهما وضربهما عندما أكبر"

أنهى جملته مقهقهاً


"هل ضربتَ والدتكَ أيضاً؟"


"لقد جعلتها تُزيل الرحم"

تفاجأ مُدَثر لدرجة أنه لم يرمش وظل يحدق في الأخر بينما هاني أكمل

"قالت بأنها ستذهب لتنجب حتى لو لم يكن من والدي لذا قررت عقمها كما عقمت والدي"


أكل من طبقه ثم أمسك الزجاجة ليملأ كأسه وشرب من الزجاجة بدلاً من الكأس

"لقد أنقذتُ أي طفل كان ليولد لشخصان مثلهما"


"لكن كيف نجوت بفعلتك؟"

سأل مُدَثر لأنه رأى ما فعله ليس بالشيئ البسيط


"أولاً بالنسبة لوالدي فهو لن يعترف أبداً بأنه أصبح عقيماً من أجل ذكوريته الشامخة في المجتمع، أما بالنسبة لوالدتي فأنا كُنتُ في الرابعة عشر عندما قمتُ بهذا، كما تعلم، لا يُحاكم القاصرون"

رفع كتفيه ببلاهة مع نهاية جملته ثم عاد للشرب من الزجاجة


تفاجأ أكثر أن طفلاً في الرابعة عشر كان يعرف بالضبط ما يريد ويحارب من أجله ولم يندم على أي شيئ حتى بعد بلوغه العشرينات


كيف لفتى يبدو ضعيفاً ورقيقاً بأن يصدر منه كل تلك التصرفات؟، مُدَثر هو رجل ذكوري بكل مقاييس الرجولة السامة لكنه لم يتجرأ أبداً على أخذ أي قرار ضد أفعال والديه، بل هو قد أصبح لا يستطيع أخذ أي قرار في حياته لأنه يأخذ بعض الوقت ليستوعب أنه هو من سيقرر وليس والديه 


"لابد أنك تراني أبناً فاسقاً فجيلكم يقول بأن والديك مهما كانا قاسيين فعليك أطاعتهما، وأنهما يفعلان كل شيئ بدافع الحب، وهذه طريقتهما في التعبير عن حبهما، الضرب، الإهانة، المقارانات، والحرمان، كل شيئ بدافع الحب ولا يمكنك الغضب بل عليك تذكر الأمر والضحك وأن تقدر كم يحبانك، فكيف تستاء من والديك؟، دعني أخبرك بأن هذا هراء، لقد عقمت والدي ووالدتي ولستُ نادماً، ولو عاد بي الزمن سأفعل هذا الف مرة"


أخذ مُدَثر الزجاجة منه

"لقد شربتَ ما يكفيك"


"أعتقد أنك كنت لتصبح مثل والداي إن أنجبت"

قال هاني ووضع مُدَثر الزجاجة بجوار طبقه

"ماذا تقصد؟"


"لو كنتُ أبنك ولستُ مجرد رجل تراه بين الحين والأخر كنتَ لتضربني كل يوم، انت لم تخفي هذا في حديثك معي حتى، انت تحتقرني بشدة"


"أخبرتك بأن هذا قد تغير"


"منذ يومان فقط كررتَ علي بأنني لستُ رجلاً وأن علي أن أصبح إمرأة"

قال هاني وشعر مُدَثر بكم يتلفظ بالكثير من الحديث بدون التفكير به لأنه مبرمج على الحديث بشكل تلقائي هكذا 


"أريد الفاتورة"

قال مُدَثر للنادل ثم دفع وسحب هاني ليعودا للسيارة


مد مُدَثر يده ليضع لهاني حزام الأمان، كان قد أصبح هادئاً

"هل انت بخير؟"

سأل مُدَثر


"وما المهم في هذا؟"

سأل هاني


"انت تهمني"

قال وعندها قهقه هاني وقال ساخراً

"بالتأكيد"


أقترب مُدَثر منه وعندها توقف هاني عن القهقه، نظر لشفتيه لثواني ثم تراجع وأعتدل في مقعده وشغل السيارة


توقف عند سكنه وراقب هاني حتى دخل من الباب، ركن سيارته ثم دخل منزله، أخذ يفكر في هاني وكيف فوت على نفسه فرصة تقبيله ليرى هل يريد هذا حقاً أم أنها مجرد أحلام وفي الواقع سيتقزز أنه يُقبل رجل


وبعد تفكير طويل خرج من منزله وذهب ليطرق لباب هاني، الذي فتح ببيجامته وبعيون نصف مفتوحة، دخل مُدَثر وأغلق الباب ثم قام بتقبيله


لم يكن هاني يستوعب الأمر بينما مُدَثر وجد أن الأمر لا يقززه وعندها كرر القُبلة بشكل أعمق ومد يديه ليحيط بها خصره، أستند هاني على الحائط ونزلت يد مُدَثر ليلمس وشم فخذه، تماماً كما كان يفعل في أحلامه 


لكم هاني صدره عدة مرات حتى فصل مُدَثر القبلة، تبادلا النظرات لثواني ولم يكن هاني يصدق بأن هذا حقيقي، وعندما أنتبه ليد مُدَثر الموجودة على فخذه صفعها بسرعة ثم أبتعد عنه وهو يلتقط أنفاسه


"لم أفعل لك شيئاً لتفعل كل هذا"

صرخ هاني ولم يفهم مُدَثر جملته


"أفعل ماذا؟"


كانت يدي هاني ترتعشان، أغلق قبضته ليوقفهما ثم قال

"بما أنني لا أبدو رجلاً فأنت تريد إغتصابي لجعلي أقدر النعمة التي كنتُ بها"


أراد مُدَثر أن يرد لكنه لم يعلم بماذا سيرد

لما هو منجذب إليه؟، وهل هو مجرد إنجذاب جنسي؟، هل هو منجذب فقط لأنه يبدو كالنساء؟، ماذا يريد منه؟

حتى هو لا يدري


لم يكن يعتبر ما فعله اعتدائاً فهو يفعل ما يريد، ولا يعترف بمسميات هذا الجيل، هو قبله لأنه اراد هذا، وسيفعل ما يريد فهو صاحب اليد العليا

هو الشرطي الذي لا يمكن لأحد أن يرفضه


غادر وعاد لمنزله وأخذ يفكر لما هو منجذب لهاني؟

لأنه لا يجد إجابة لسؤاله


بينما هاني أخذ ينظم أنفاسه وغسل فمه عدة مرات، جلس على سريره وعض على إبهامه وهو يفكر بأن الشرطي قد قبلهُ هذه المرة، في المرة القادمة قد يغتصبه حقاً


لم يستطع أن يروي لفاطيما أو حتى ليلى ما حدث، لا يمكنه أخبارهما أنه بكل غباء ذهب في موعد مع الشرطي ثم حدث هذا، لأنه فعل هذا من أجل ليلى، كان خائفاً أن يؤذيها إن رفض بالأخص أنه طلب منه هذا وهو يرتدي ملابس الشرطة


كان ما يزال يعتقد أن مُدَثر يفعل هذا لينتقم من كونه مثلياً فهو يكره المثليين ويحب تعذيبهم، وأنه يريد إغتصابه ليقوم بإذلاله كما يفعل أغلب رجال الشرطة بشكل خاص والرجال بشكل عام عندما يعلمون بأن هناك رجل مثلي


والسبب الرئيسي لإستخدامهم الإغتصاب هو أنهم يعتبرون الرجل الذي يُعاشره رجل أخر هو إمرأة، كيف له أن يقبل أن يكون هو من يُعاشر كالنساء الحقيرات؟، بعد أن أنعم الله عليه بأن يكون رجلاً يقوم بإستخدام جسده كالنساء؟


يعلم الرجال جيداً أن الإغتصاب هو وسيلة إذلال وإخضاع بالقوة، ولكنهم يحبون التظاهر بالجهل والتعامل وكأن شيئ لم يكن وأن النساء تضخم الأمور أو أنها هي السبب فيما حدث


بينما دخل هاني في نوبة بكاء وتشنجات رن هاتفه، كان يحتاج لسماع صوت أي أحد عله يهدأ لذا رد

"مرحباً!، اشتقت إليك"

صوت إسلام جعله ينهار أكثر ويبكي بشدة


"ما الأمر؟، هاني ماذا أصابك؟"

أخذ يسأله ولم يتلقى رداً لذا خرج فوراً وذهب لمنزله


فتح له هاني وهو يرتعش ويبكي وعانقه إسلام بقوة ثم حمله ووضعه على الأريكة، دفن هاني جسده في حضن إسلام الذي كان يمسح على شعره بلطف ثم طبع قبلة على جبينه


ظل معه حتى غط في النوم وهو يمسح على ظهره برفق ثم شابك يديه معه


استيقظ هاني وعندما شم رائحة عطر إسلام شعر بالأمان وأخذ شهيقاً عميقاً ودفن وجهه في حضنه أكثر، كان سعيداً ويشعر بالأمان حتى تذكر مُدَثر، سيؤذي إسلام إن رأه معه مرة أخرى


ابعد رأسه عن حضنه وعندها سأل إسلام بقلق

"كيف تشعر؟"


"إسلام عليك الذهاب"

قال وابتعد عن حضنه


"لماذا؟"

سأل إسلام


كيف يخبره بأن جاره رجل شرطة وأنه هو من استهدفه؟، كيف يخبره أن قربه منه يعني تهمة جديدة؟


"فقط اذهب من هنا من فضلك"

اعطاه ظهره واستغرب إسلام لكنه قرر اطاعته فهو لم يكن ليقوم بشيئ رغماً عنه، لذا غادر في النهاية


صباح اليوم التالي كان مُدَثر يفكر هل يمر على هاني أم لا، ولو مر بماذا سيخبره؟


هاني مثقف جداً عن الأشياء الجديدة في هذا العصر، ربما عليه سؤاله عن نفسه، لما ينجذب إليه؟


كان يفكر في نفسه فقط ولا يعتبر أن ما سبق وفعله بهاني يستحق التفكير 


طرق بابه وفتح هاني بعيون منتفخة من البكاء، يرتدي رياضي وكنزة، أبتلع ريقه بحذر

"أجل!"


"أريد الحديث معك"

قال ووضع هاني يده خلف ظهره لأنها كانت ترتعش

"بالتأكيد"


أفسح له ليدخل ثم أغلق الباب وجلس على الكرسي كي يضمن أن الأخر لن يجلس بجواره


لم يكن مُدَثر ليستطيع أخبار هاني بأنه ينجذب إليه فقط وأنه يريد معرفة ما معنى هذا، لذا قرر الكذب


"أريد السؤال عن شيئ حول الأشياء الغريبة في جيلكم"

بدأ مُدَثر حديثه


"حسناً"

رد هاني


"لدي صديق، أنجذب لرجل أخر، رغم أنه لا يحب الرجال ويتقزز من فكرة الأرتباط بهم، لكنه كان منجذباً لذاك الرجل بشكل خاص، ما معنى هذا؟"

أستغرب هاني أن مُدَثر يتحدث عن صديق له أنه ينجذب لرجل بكل هذه البساطة ثم عاد للتركيز في السؤال


"هذا يعني أن صديقك لا يهتم بجنس الشخص الذي يحبه"


"ماذا يعني هذا؟"


"هو يحب هذا الرجل لذا ينجذب إليه، ولا يعني هذا بالضرورة أنه يحب جميع الرجال، هو يحبه فقط"

شرح هاني


"هل هذا شيئ ممكن؟"


"أجل، يسمى بالشمولية الجنسية، لا يهتمون لجنس الشخص بل للشخص نفسه"

بعد أن تحدث أستوعب أنه هكذا أثبت لمُدَثر أنه يعرف أشياء عن مجتمع الميم وفكر أن هذا على الأرجح فخ ليتأكد أنه مثلي


أخذ مُدَثر يفكر في حديثه ولم يرد طرح المزيد من الأسئلة كي لا يثير الشكوك، إستقام واقفاً ثم قبل أن يذهب قرر الإعتذار كي لا يظهر بمظهر الرجل (الشاذ) الذي قام بتقبيل رجل آخر

"أعتذر لما حدث البارحة"


أستغرب هاني

"عفواً!"


"لقد أثر الكحول على عقلي"

كذب لأنه لم يشرب بالأساس لكن هاني لا يتذكر هل شرب أم لا 


"وتعبيراً على أسفي سأغض الطرف عن زياد تماماً وسأتخلص من أوراقه الموجودة عندي"

سماع هاني الحديث عن ليلى جعله سعيداً، حتى أنه لم يصحح له أنها فتاة واسمها ليلى، سيتركها وشأنها أخيراً!


"لقد نسيت الأمر بالفعل"

قال هاني باسماً


نظر مُدَثر لوجه الأخر السعيد لثواني ثم غادر

هو يصبح سعيداً فقط عندما يتعلق الأمر فقط بالنساء

ومجدداً تمنى لو أنه كان إمرأة 


.


19. نوبة فزع

نظر للسماء وهي تمطر من خلف زجاج نافذته

"لقد أتى الشتاء أخيراً"

قالت ليندا وهي تضع أمامه كوب قهوة


"لا أحبه"

قال مُدَثر ثم أرتشف من الكوب


"أعلم، لكن هذا الشتاء بالأخص مميز لأنه سيكون به خطبة هاني وفاطيما"

هذا بالضبط ما كان يفكر به مُدَثر منذ أن بدأ الطقس يبرد، أنه يقترب من موعد خطبة الفتى الذي ينجذب إليه


ياللسخرية لقد كُلفَ بمراقبة الفتى ليعلم هل هو مثلي أم لا، لكن أتضح أنه يحب النساء، والأن هو من يريده ولا يحتمل فكرة خطبته بتلك الفتاة 


"لنقم بدعوتهما لعشاء رأس السنة"

أقترحت ليندا


"فكرة جيدة"

رد ثم بدأ هاتفه بالرنين، كان والده الذي يتهرب منه منذ زواجه


يعلم بأنه سيحادثه عن الإنجاب، ولو أخبره بأنه لا يتوافق مع ليندا فسيجعله يتزوج بأخرى 


رن جرس منزله وفتحت ليندا، سمع صوت والده ولم يستوعب أنه أتى بنفسه إليه، لأن منزله بعيد عن منزل والديه، ولأن والديه يريان أن الإبن هو من يزور الوالدان ومن العار وغير الجائز حدوث العكس


صافح والده الذي كان متجهماً هو ووالدته

"لما لا تجيب على أتصالاتنا؟"


"لدي الكثير من العمل"

رد بأقتضاب، هذا أقصى ما يمكنه قوله فهو لا يستطيع الكذب عليهما 


"كان عليك ترك كل شيئ والرد علي"

قال والده وشعر مُدَثر أنه سيتعرض للإذلال أمام زوجته لذا قال

"ليندا، أتركينا لبعض الوقت"


"لما؟، عليها البقاء لترى كم أنك أبن جاحد، بمجرد زواجك توقفت عن محادثتنا وزيارتنا"

رفع والده صوته


"أبي انا لم أعد طفلاً لتصرخ بي"

قال مُدَثر وعندها صفعه والده

"انا والدك وستظل طفلاً ما دُمتُ حياً"


"لما لم تنجبا حتى الأن؟"

سألت والدته ليندا


أرتبكت لأنها كانت متفاجئة من أسلوبهما وكررت والدته

"لما لم أرى حفيدي حتى الأن؟"


"لأننا لا نتوافق ولا يمكننا الإنجاب معاً"

ردت ليندا بإرتباك


"إذاً لما مازلت متزوجاً بها حتى الأن؟، طلقها، لقد زوجتك اياها فقط لتنجب"

صرخت والدته


كان مُدَثر يشعر بالضغط وبأنه عاد طفلاً، لقد عاش أفضل أيامه حينما كان بعيداً عن والديه، كان على وشك الدخول في نوبة فزع


جرس الباب أفاقه من شروده، فتحت ليندا، كان هاني

"لدينا ضيوف"

قالت لهاني كي تجعله ينصرف


"حقاً!"

قال بنبرة إستفهامية


"أجل، والداي مُدَثر أتيا لزيارتنا"

إبتسمت بتكلف كي لا تثير الشكوك


"أريد القاء التحية عليهما"

قال هاني ثم دخل ولم تستطع ليندا منعه


"مرحباً"

القى هاني التحية ليلتفتوا جميعاً إليه


كان يرتدي كنزة برتقاليه وبنطال جينز أزرق وقلادة بها حلقات صفراء وبيضاء


"من هذا؟"

سأل والد مُدَثر


"انا هاني، جار مُدَثر وليندا"

قال باسماً، كان يمكنه الشعور بأنهما والدين متسلطين لذا فضلَ البقاء لحماية ليندا 


"لابد أن جيرتك لهذا المخنث جعلتك تتصرف بهذه الطريقة"

قال والده محادثاً اياه


أقترب هاني بثبات ثم لكمه، تفاجأ الجميع بينما مُدَثر لم يكن حتى يستوعب ما يحدث


"على كبار السن التحدث بأدب لأن أسنانهم سهلة التحطيم"

قال هاني وهو ما يزال يبتسم


"كيف تجرؤ؟"

مد والده يديه ليضربه وعندها قبض هاني على معصمه ودفعه ليسقط على الأرض، كان رجلاً عجوزاً من السهل دفعه


أمسك أحد كراسي الطاولة ثم فك أحد الواحه، ومال لوالد مُدَثر وقبض على معصمه ليثبت يده ثم ضرب ظهر يده وأصابعه بالعصى

"لقد كُنتَ رجلاً سيئاً، فكر في تصرفك"

همس ثم أفلته وأبتعد 


نظر لوالدته ثم قال

"أتريدين نصيبك؟، لا أمانع ضرب النساء العجائز"


"سأتصل بالشرطة"

أخرجت هاتفها وعندها خطفه من يدها ثم القاه على الأرض لينكسر وقبض على معصمها وهددها

"لقد ضربتُ أمي حتى جعلتها تفقد رحمها، أتريدين أن أفعل المثل بك؟"


كانت والدة مُدَثر متفاجئة فقد أعتادت على أن الجميع يحترم الكبار ويقدسهم، أفلت هاني معصمها


هاني قوي جداً عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن شخص أخر، كانت ليندا قلقة وترغب بمساعدتهما بالخروج لكن هاني أشار لها أن تبقى مكانها


بعد أن غادرا إبتسم هاني وكأن شيئ لم يكن

"كنت سأدعوكما لتأتيا لحضور عرضي في دار الأوبرا"


"لم يكن عليك فعل هذا، قد يقومان بتقديم بلاغ عنك"

قالت ليندا


"حتى إن فعلا لن يحدث شيئ"

رد هاني ببساطة


بينما مُدَثر لا يستوعب تصرفات هذا الفتى، كيف يصبح شرساً بلحظة، ومنذ أيام فقط كان يرتعش عند رؤيته


"ليندا"

تحدث أخيراً لتنظر إليه

"أجل"


"لنتطلق"


تفاجأ هاني وتفاجأت ليندا أيضاً

"ماذا؟، هل الأمر من أجل الإنجاب؟، لنذهب لطبيب أخر ربما يمكننا ايجاد حل"


"انا من لا يمكنني الإنجاب وليس انتِ، لقد كذبت عليكِ"

ظلت ليندا صامتة لثواني ثم قالت

"لا بأس، انا لست راغبة في الإنجاب، يكفيني وجودنا معاً"


"انا لا يكفيني، لقد تزوجتك فقط من أجل والداي"

قال وعندها تدخل هاني لأنه لم يحتمل رؤية ليندا تعاني مع رجل أناني مثله

"تطلقي، جدي شخص أخر يهتم لأمرك حقاً، ليس عليكِ البقاء كزوجة وفية مطيعة حتى بعد أن كذب عليك"


كان هاني شاهداً على إهمال مُدَثر لليندا، فهو حتى لا يُتعب نفسه بالتفكير بهدية من أجلها، ويخبرها بحديث جارح دائماً ثم يتعامل بشكل طبيعي 


"لكن، ربما نجد حلاً، هذه فقط لحظة إنفعال"

ردت ليندا، ففي النهاية بعد الطلاق لن يمس مُدَثر شيئ فهو رجل، بينما هي ستصبح إمرأة مطلقة


"انتي صغيرة وفي بداية شبابك، لا تدفني نفسك"

قال هاني ورغم أن حديثه كان مُهيناً لمُدَثر فهو لم يكن مستائاً فبعد أن أستقل عن والديه هو لا يحتاج البقاء متزوجاً


أقترب هاني منها وعندها عانقته، بادلها العناق ومسح على شعرها

"انتي فتاة شابة وجميلة، ما تزال حياتكِ طويلة"


فصلت العناق ثم سألته وهي تمسح دموعها

"متى العرض الذي ستغني به؟"


"غداً، في السادسة مسائاً"

رد هاني ثم أضاف

"إن أردتي قضاء بعض الوقت مع فاطيما فيمكنني أخذك إليها، لا أُفضل فكرة بقائك هنا، ما رأيك؟"


وافقت ليندا وأخذها هاني لفاطيما، كانت لم تستوعب بعد أن زواجها كله مبني على الأكاذيب، تزوجها من أجل والديه، هو من لا يستطيع الإنجاب، وهاني كان السبب في بقاء هذا الزواج قائماً لأن حديثها معه كان يجعلها تشعر بأن كل شيئ على ما يرام


وبعد كل هذا هو من يقوم بتطليقها برغبته كما تزوجها من أجل رغبته بإرضاء والديه، ولا يمكنها التذمر فلا يفترض بالنساء الشكوى لأنهن دائماً السبب في فشل الزواج، هذا أمر معروف


شعر هاني بالراحة أن ليندا أخيراً ستترك مُدَثر الذي لا يهتم لها ولو بمقدار ذرة، ستحزن لبعض الوقت أن زواجها كان أكذوبه لكن هذا أفضل من أن تبقى معه على هذا الحال


بينما مُدَثر سقط على أريكته بمجرد إنصرافهما، لا يصدق كل ما حدث، صراخ والديه وتدخل هاني ثم تطليقه لليندا، بعد كل تلك السنوات مازال صراخ والديه يجعله مرتعباً ولكن هاني تعامل مع الأمر ببساطة، حتى أنه تعمد ضرب ظهر يدي والده تماماً كما كان يفعل معه في طفولته


ربما والديه ليسا بكل تلك القوة التي كان يعتقدها دائماً!، وكل هذه هي تراكمات سنوات طفولته لا أكثر، هذا شيئ لم يكن ليدركه أبداً لولا تدخل هاني


رغم أن علاقته معه ليست جيدة، وقام بتصرفات غبية معه جعلت الأخر يرتعش بمجرد رؤيته لكنه ساعده في النهاية، يبدو أنه كان صادقاً حين قال بأنه سينسى الأمر تماماً


ويبدو بأنه مهووس بمساعدة الأخرين


أهواك وأتمنى لو أنساك وأنسى روحي وياك

وإن ضاعت يبقى فداك لو تنساني

وأنساك وأتاريني بنسى جفاك وأشتاق لعذابي معاك

وألقى دموعي فكراك أرجع تانى

في لقاك الدنيا تجيني معاك ورضاها يبقي رضاك

وساعتها يهون في هواك طول حرماني


توقف عن الغناء بعد أن أنهى الأغنية وعندها بدأ الجمهور بالتصفيق، غادر المسرح للكواليس ثم أخذ زجاجة ستلا من أحد العاملين ليشرب منها


"ما تزال لديك تلك العادة"

التفت ليرى مُدَثر


"ما المشكلة؟"

سأل هاني


"الشرب بعد الغناء"

وضح مُدَثر قصده


"أجل، أحب الشرب بعد الغناء"

رد وأقترب مُدَثر ثم سحب كرسياً وجلس عليه 


"أتريد أن تصبح مغنياً؟"


"كلا، أغني للتسلية فقط"


"امازلت ستقوم بحفل خطبتك انت وفاطيما؟"

سأل بينما يقوم هاني بالشرب من الزجاجة


"أجل، هل هناك مشكلة؟"


ظل مُدَثر صامتاً لبعض الوقت يفكر فيما يفترض به قوله

"هل تشعر بالندم لتطليقك ليندا؟"

سأل هاني ثم أضاف

"لأن الندم لن ينفعك"


"أتحب فاطيما؟"


أستغرب سؤاله

"أجل"


"أتحبها حقاً وتريد الزواج بها؟"


شعر هاني بأن هناك فخ في سؤاله وأخذ يفكر لما قد يطرح سؤالاً كهذا

"هل انت معجب بفاطيما؟"


تنهد مُدَثر ثم إستقام واقفاً

"تحب الشرب بعد الغناء اليس كذلك؟"

أخذ زجاجة الستلا من يده

"هذه قمامة، سأجعلك تشرب كحول حقيقية"

سحبه من معصمه بعدها ودفعه هاني بعنف حقيقي ثم صرخ به رغم ثمالته فقد كان كارهاً له

"لا أريد شيئاً منك"


.


20. مسرح جريمة

أنا هويت وإنتهيت وليه بقى لوم العزول

يحب إني أقول ياريت الحب ده عني يزول


فتح عينيه وهو يسمع صوت سيد درويش، رفع رأسه وعندها شعر بثقل شديد على رأسه ثم إستفرغ، أخذ يسعل وهو يلتقط أنفاسه ثم نظر للسقف، جيد، هذا سقف غرفة نومه، هو في منزله


أخذ بعض الوقت ليستجمع قوته ثم نهض، دخل الحمام وغسل وجهه عدة مرات، إستحم وبدل ملابسة ثم أعد لنفسه كوب قهوة وجلس يستجمع ذكريات الأمس


لقد أخذ هاني لأحد أماكن الشرب، وهناك أصبح الفتى الخجول جريئاً وجعله يشرب رغماً عنه، ليست هذه المشكلة، المشكلة أنه لا يتذكر هل أخبره بشيئ عن إنجذابه إليه أم لا؟


خرج للشرفة ونظر لسكن هاني، أمازال سيتزوج فاطيما؟، أمسك هاتفه ثم فتح محادثته معه، ماذا سيخبره؟، لا تتزوجها لأنني أريدك!


طلب عاملة لتنظف المنزل لأنه لا يحب القيام بالتنظيف، صعد في سيارته وبينما يضع حزام الأمان تذكر بعض أحداث البارحة


لقد قام بتقبيل هاني، لماذا حدث هذا وهو ثمل؟، أراد الشعور بكل شيئ، ليته كان يتحمل الكحول


مد يده ليمسك المقود وعندها تذكر الصوت الذي كانت تصدره شفتيهما عندما يتبادلان القُبلات، هل يتذكر هاني هذا هو الأخر؟


"إسلام"

لقد كان هاني يعتقد أنه إسلام، كان يردد اسمه بين القبلات وهو شبه فاقد للوعي


أفلت المقود وأراح ظهره على كرسي السيارة، لما مازال يتذكر إسلام؟، لما مازال موجوداً في باله حتى بعد كل ما حدث؟، كيف سيتحدث مع الأخر الأن؟، أم أن هذه فرصته ليخبره بصراحة أنه لا يريده أن يتزوج فاطيما؟، ربما سيريده إن تحدث معه وسينسى أمر إسلام


كان يفكر بغرور رجل شرطة لا يقبل الرفض


نزل من سيارته وسار لباب هاني ثم طرقه، لم يجد رداً وعندها كرر طرقه عدة مرات حتى فتح هاني وهو يحك مؤخرة رأسه وما زال يرتدي بيجامته، كان يبدو أنه قد أستيقظ للتو


نظر مُدَثر لوشم فخذه، دائماً يجذبه، يريد لمسه، تقبيله، وترك علاماته عليه


"هل هناك مشكلة؟"

سأل هاني وهو شبه نائم 


"هل انت بخير؟"

سأل وهو ينظر لوجهه لأنه كان يبدو أنه يعاني من الصداع


"أجل، كل شيئ على"

توقف عن الحديث ووضع يده على فمه ثم هرول للحمام ليستفرغ


تبعه مُدَثر وأحاط بذاعه خصره ليمسك به أثناء إستفراغه كي لا يسقط وجهه في المرحاض لأنه كان هشاً جداً في عينيه 


بعد أن توقف سحبه ليبعده عن المرحاض، أخذ هاني يلتقط أنفاسه ثم أستند على مُدَثر ليصل للحوض ويغسل فمه 


حمله مُدَثر بعدها ليضعه على سريره وسحب الغطاء ليغطيه ثم وضع يده على جبينه ليتفقد درجة حرارته، لم تكن مرتفعة، هذه إشارة جيدة


"كيف تشعر الأن؟"

سأل مُدَثر


أعتدل هاني جالساً ثم صفع يده

"انا بخير، هذه آثار مع بعد الثمالة فقط، أعتقد أنني غير معتاد على هذا النوع من الكحول"


مد مُدَثر يده ليضع كفه على خده ثم حرك يده على شعره وصفعه هاني مجدداً

"ابتعد عني"


"أتريد شرب شيئ ما؟"

كان يتحدث بنبرة حنون لم يسبق أن سمعه هاني يتحدث بها من قبل


"يمكنني خدمة نفسي بنفسي، انا بخير"

قال ثم حاول النهوض وعندها قبض مُدَثر على كتفيه وجعله يعود للجلوس


"سأعد لك بعض النعناع"

قال ثم تركه وذهب للمطبخ وبدأ يبحث به حتى وجد النعناع ثم سكب عليه الماء المغلي وعاد لهاني بالكوب، وناوله أياه 

"شكراً"


بدأ هاني يتذكر بعض أحدث البارحة وعندما تذكر تقبيله لمُدَثر أفلت كوب النعناع وسقط على السرير ولسع فخذيه، أسرع مُدَثر وسحبه ليبتعد عن السرير ثم بلل منشفة ومسح بها فخذيه


"انا بخير"

قال هاني وهو يبتسم بتكلف


هذا الفتى غير مفهوم، يكون أحياناً أقوى رجل عرفه وأحياناً أخرى أضعف مخلوق قابله في حياته


"فخذيك محترقان"

قال مُدَثر وهو ينظر لجلده الذي تلون بالأحمر


"سأكون بخير"

قال لأنه اراد فقط التخلص من مُدَثر كان قلقاً من أن يتذكر ترديده لاسم إسلام فعندها سيفكر في الإنتقام منه وهو لا يريد أن يصيبه أي مكروه، بينما مُدَثر دخل الحمام ليبحث في خزانة الأدوية حتى وجد مرهم للحروق


عاد لهاني ثم حاول وضعه على مكان حروقه، بينما هاني أخذه منه

"يمكنني وضعه بنفسي"

قال بحدة 


  وهو يضع المرهم بدأ يتذكر كيف كان يُقبله البارحة، الرجل الكاره للمثليين كان يُقبله قُبلات عميقه لزجة، بالكاد كان يستطيع التقاط أنفاسه 


هل يتسلى هذا الرجل به؟، حديثه مليئ بكراهية جميع الأجناس، يكره النساء، يكره الرجال الغير ذكوريين، يكره المصطلحات الحديثة للإتجاهات الجنسية ويكره العابرين


"أماتزال ستقيم حفل خطبتك انت وفاطيما؟"

مازال يكرر سؤاله، رغم أنه سبق وأخبره بأنه سيفعل


"هل هناك مشكلة؟"

سأل هاني بعدوانية، لم يرد أن يعتقد الشرطي أنه لقمة سائغة


"أشعر أنكما تسرعتما، الم تقولا أنكما ما تزالان صغيران؟"

أستغرب هاني جملته

"أنه مجرد حفل خطبة وليس زواجاً"


نظر مُدَثر لعيون هاني

"أتحبها حقاً؟"


أرتبك وشعر بأن هناك خدعة في السؤال، هل ينوي ايذائها أيضاً؟

"الا تريدني أن أقيم حفل الخطبة؟"


تبادلا النظرات الصامتة لثواني ثم قرب مُدَثر وجهه ليمحي المسافة بينهما مُقبلاً شفتيه، هذه المرة الرجل الكاره للمثليين بوعيه وليس ثملاً، دفعه هاني بقوة وتسارعت أنفاسه بذعر


"ماذا تريد مني؟"

سأل هاني


"أريدك"

رد مُدَثر ومد يده ليلمس وشم فخذه بكفه وصفعه هاني


"تريد مضاجعتي؟"

سأل هاني 


"لا أريد هذا فقط، أريدك بأكملك أن تصبح لي"

مد يده الأخرى ليلمس بكفه خده وواصل هاني صفعاته

"ابتعد أنت مقزز"


"حسناً...حسناً"

ابتعد عنه أخيراً


"انت متناقض، منذ بضعة أيام فقط أخبرتني بأن علي أن أكون إمرأة لأنني أتصرف كالنساء"

صمت لثواني ثم قال

"هل تريدني لأنني أشبه النساء بالنسبة إليك؟"


"كلا"

رد مُدَثر


"من تخدع؟، أعلم بأنك تكره المثليين وتحب القبض عليهم وضربهم حتى لو وصل الأمر للقتل"

قال هاني 


"من قال هذا؟"

سأل مُدَثر


"هل ستنكر؟، لن أصدق حرفاً مما تقوله إن حاولت الإنكار"

صرخ به


تنهد مُدَثر

"حسناً، لن أنكر"


"إذاً ماذا تريد مني؟"


أستجمع شجاعته ليقول الحقيقة لأول مرة في حياته

"انا منجذب إليك انت فقط، كنت أتحدث عن نفسي حينما سألتك عن الرجل الذي ينجذب لرجل واحد ويتقزز من الباقين"


"إذاً يفترض بي تجاهل كل شيئ وأن أوافق على البقاء معك لأنه من بين كل المثليين الذين تحول حياتهم لجحيم أخترتني لتضاجعني؟"

سأل ساخراً


لم يعلم كيف يرد فهو لم يفكر أبداً في هذا، كان فقط يفكر كيف سيخبره بأنه يريده، ولم يفكر في التبعيات


"مُدَثر أنت قد لفقت قضية المخدرات لإسلام وجعلته يقضي أياماً في الحجز حتى ثبتت براءته فقط لأنه مثلي، أعلم أنك من فعلتَ هذا، انت لا تفكر في شيئ سوى نفسك، تريد مواصلة القبض على المثليين والسخرية من النساء، والتعامل بذكوريتك السامة، وتريدني أيضاً أن أبقى معك، لا يمكنك الحصول على كل شيئ"


كان حاقداً وغاضباً، كانت المشاعر الوحيدة التي يحملها للشرطي الذي دخل حياته وأفسدها وابعد عنه الرجل الذي يحبه ثم تحرش به


اما مُدَثر فقد كان يفكر بأنه لا يمكنه رمي كل حياته وعمله بهذه السهولة، ربما عليه أن يتجاوز هذا الفتى فقط، هذا أسهل من أن يغير حياته كاملة من أجله


تركه وعاد لمنزله، وأخذ يفكر في أن الأمر بسيط، لقد أخبر الفتى بمشاعره وتلقى الرفض، لذا عليه تجاوزه لأنه لا يمكنه أن يتغير

الرفض ليس بالشيئ الكبير اليس كذلك؟


لقد قام بتقبيله، ليس عليه أن يكون طماعاً ويرغب بأكثر من هذا، يكفيه أنه حصل على قُبلات متبادلة أثناء ثمالتهما


شغل هاني الأغاني على هاتفه وبدأ ينظف المنزل، كان منفعلاً، غاضباً ومنزعجاً، وقف أمام مرآة الحمام وأخذ يغسل شفتيه وفمه مرات عديدة وهو يتذكر ما حدث البارحة


ميغركش القصة، المنظر خداع

النغمة المفضلة هي الوداع 


.



21. أمر واقع

قابلني اما الشمس تغيب

قريب مني بس بعيد


كان يضع مرطب الشفاة وهو ينظر للمرآة حتى إنفتح باب الغرفة، كان في أحد الغرف الفندقية لأنه وفاطيما خططا للقيام بحفل الخطبة في أحد الفنادق


فحتى لو قال الضابط أنه لن يؤذيه فهو لا يصدقه، لذا سيكمل مسرحية الخطبة


التفت ليرى مُدَثر

"مرحباً!"

قالها بنبرة إستفهامية


نظر مُدَثر له نظرة فاحصة، كان هاني يرتدي بذلة سوداء، أقترب منه وبقي هاني ثابتاً مكانه رغم شعوره بالغرابة لوجود الأخر


أخذ يحدق بعينيه لثواني ثم قال

"مبارك"


"شكراً"

لم يعلم كيف يرد على مباركته بالأخص مع نظراته تلك، كانت تشعره بالقلق، بأنه سيتحرش به


مال عليه وعندها أبعد هاني وجهه ودفعه بعنف

"لا يمكنك"


أغلق مُدَثر قبضته ليتمالك نفسه ثم إبتعد عنه وخرج من الغرفة، عاد هاني للنظر في المرآة ليرتب شعره، الشرطي لا يريد التنازل عن أي شيئ ويريد الحصول عليه والبقاء في عمله أيضاً، يريد الحصول عليه بعد أن أفسد حياته!


"هاني!"

تلاشى تجهمه وغضبه عند سماعه لصوت إسلام، ارتخت أعضائه وابتسم بنعومة


"إسلام!"

اقترب منه ثم شابكا ايديهما، كان قلقاً من أن يصيبه مُدَثر بسوء لأنه نادى باسمه أثناء ثمالته


"انتبه لنفسك"

نبهه ورد إسلام

"لا تقلق، أنا بخير، أجيد الاهتمام بنفسي"

مسح على شعره بحب


شعر هاني بالضعف للحظة، اراد تقبيله لكنه قرر أن يجعل القبلة عناقاً، دفن وجهه في حضنه بينما يربت إسلام على ظهره برفق


في الرمل انا تايه

في الموج انا دايب

في البحر انا سارح

مش فاكر ليلة امبارح


دخلت سيليا الغرفة وعندما رأتهما كانت ستخرج لكن أوقفها هاني وهو يبتعد عن حضنه

"مرحباً إسلام!"

رحبت به


"مرحباً سيليا!"

صافحها بحرارة ثم نظرت لهاني

"تبدو وسيماً جداً بالبذلة" 


خرج معها للقاعة ثم بدأ يصافح الموجودين

"لما أتى ذاك المختل إن كان سيقف بعيداً ويرمقنا بنظراته كوالدة العريس الغير راضية عن العروس"

قالت فاطيما وهي تنظر حيث يقف مُدَثر 


"ليفعل ما يريد، لا يمكنه تهديدي بشيئ"

قال هاني


أخذ كأساً ليشرب ومدت فاطيما يدها لتعدل له ربطة عنقه، غادر مُدَثر القاعة وعندها قهقهت سيليا بمرح

"لقد غادر"


"جيد، وجوده مزعج"

قالت فاطيما


كان مُدَثر يعتقد بأن الأمر بسيط، سينسى ذاك الفتى وينتهي الأمر، هذا أسهل من أن يتغير من أجله، لكنه وجد نسيانه أمراً صعباً، وبدلاً من أن تساعده المرات التي قبلهُ ولمسه بها على نسيانه جعلته يرغب بالمزيد


لا يريد النوم وحده، يريد النوم وهو يحتضنه بين ذراعيه، يريد رؤيته كل يوم في منزله، يريد أن يطلب رأيه في ملابسه، أن يتحدث معه عند قيامه بأي شيئ، وعن كل شيئ، يريد لمس وشم فخذه مراراً وتكراراً


هذا يجعل تغيير حياته بأكملها أسهل من نسيانه، كان يرى أنه من السخف بعد كل تلك السنوات أن يقع بالحب وهو في الأربعينات من عمره، والأن هو يتصرف كمراهق


مراهق لا يتقبل فكرة الرفض ويريد الحصول على مراده بأي ثمن ولا يهتم للطرف الآخر


عاد لمنزله وجلس في الشرفة، ينتظر عودة الأخر، ولكن بماذا سيخبره؟


ربما عليه الإبتعاد عن محيطه لبعض الوقت وما يزيد شوقه هو وجوده في أماكن مألوفة كان يراه بها


فتح خزانته وأفرغ أمتعته ثم وضعها في سيارته وهو لا يعلم إلى أين سيذهب، لكنه سيبتعد


أيام هاني عادت لطبيعتها بعد أن توقف مُدَثر عن الظهور في حياته فجأة، عاد ليرتدي الملابس التي يرتاح بها، والكف عن القلق من أنه مراقب


حصلت ليندا على وظيفة بمساعدة فاطيما بعد أن أكتسبت بعض المهارات من تدريبات العمل التي ذهبت إليها


كان كل شيئ على ما يرام حتى كان في أحد حفلات الأوبرا وبينما يخرج وجد شرطي أمامه

"هاني الحديدي؟"

سأل الشرطي


"أجل"

رد هاني


"تعالى معي"

قال الشرطي ثم صعد هاني معه


رغم كل شيئ فهو حافظ على هدوئه، ما دام الأمر لا يخص ميوله فسيكون كل شيئ بخير، يمكنه الخروج من أي شيئ إلا هذا


"قدم السيد نضال الألفي بلاغاً بأنك قمت بالإعتداء عليه هو وزوجته"

كان والد مُدَثر


"هذا غير صحيح"

رد هاني


نادى الشرطي والد مُدَثر

"هل هذا هو الفتى؟"


"أجل"


"لم أقم بشيئ"

قال هاني بهدوء


"هذا الفتى يكذب"

صرخ والد مُدَثر


"أرجو منك الهدوء أستاذ نضال"

قال ثم رفع صوته محادثاً ضابط أخر

"خذ هذا الفتى للحجز وأهتم به بشكل خاص"


بعد أن أخذ الضابط هاني تحدث الرجل بهدوء

"أعذرني لكن هذا الفتى لا يبدو أنه يستطيع إيذاء حشرة، يمكننا تأديبه من أجلك إن كان يزعجك، ولكن ليس ببلاغ إعتداء"


"لكن هذا الفتى ضربني"


أستغرب من إصراره

"لقد أتصلتُ بمُدَثر منذ قدومك وسيأتي بنفسه وانا متأكد بأنه سيحرص على تأديب هذا الفتى أكثر من الضباط في الحجز لذا لا تقلق"


"مُدَثر! لا فائدة من ذاك السافل"


"يمكنني القيام بالمحضر من أجلك لكن في النهاية لن تستفيد شيئ منه لأن الفتى يبدو كالنساء، يمكنك تغيير البلاغ لبلاغ عن تشبهه بالنساء إن أردت ضمان أن يتصاعد الأمر أكثر"


دخل مُدَثر قسم الشرطة ركضاً ثم توقف عند الضابط

"أين الفتى؟"


"في الحجز، لا تقلق لقد"

تركه مُدَثر قبل أن يكمل حديثه وذهب لغرفة الحجز


"أفتح هذا الباب"

أخبر الضابط المكلف بالحراسة ليفتح الباب، دخل ثم وجد هاني يتشاجر مع أحد الموجودين بالحجز


أقترب ولكم الرجل ثم ركله عدة مرات حتى أوقفه هاني

"ماذا بك؟، توقف، الأمر لا يستحق"


قبض مُدَثر على معصمه ثم سحبه لخارج الحجز، نظر لملابسه ثم قال

"من أزعجك منذ دخولك للقسم؟"


كان مُدَثر يستشيط غضباً لذا رد هاني

"لا أحد، انا بخير"

لم يكن يريد المشاكل


"أسمعني جيداً، أعلم ماذا يفعل رجال الشرطة بالفتيان أمثالك لذا إن لم ترد وجعلتني أستخدم مخيلتي سأقتلهم جميعاً"

أغلق قبضته بشكل أكبر على معصمه


"انت تؤلمني"

قال ليفلته مُدَثر


كان الجو بالقسم مليئ بالتوتر وهناك ضباط شرطة يسترقون النظر عليهما، وعندها سحبه مُدَثر للحمام وأغلقه من الداخل


"ماذا حدث؟"

سأل بنفاذ صبر


"لا أريد الدخول في مشاكل أكبر، أريد المغادرة فقط"

رد هاني


"لا تريد المشاكل!، سأريك المشاكل"

همَ بالذهاب وعندها أمسك هاني بعضده ليمنعه


"كنتَ لتفعل المثل بي، تماماً كما فعلت بالكثيرين، وربما منذ قليل كنت تفعل الأسوأ برجل أخر"

قال وعندها أبعد مُدَثر يد هاني عنه


"وسأفعل الأسوأ بهم الأن"

مد يده ليفتح الباب وعندها أسرع هاني وسحبه ثم صرخ به

"لا تتهرب من حديثي، كنت لتفعل المثل بي أنا لستُ مميزاً عمن قمت بتعذيبهم يا مُدَثر، لا شيئ مميز بي إلا رغبتك الجنسية تجاهي"


حل الصمت بعد صراخ هاني وعندها قال مُدَثر

"يمكنني ترك عملي"

اعتقد بأن هذه بطاقته الرابحة وأن هاني سيقبل به بعدها 


"هذا شيئ يخصك وعائد إليك، لا يعنيني في شيئ"

رد هاني عليه ببساطة ثم تابع

"لا شيئ سيجعلني أرغب بك يا مُدَثر، لا شيئ ابداً حتى لو تغيرت، يمكنك التغير من أجل نفسك ومن أجل الناس حولك فما ذنبهم ليحتملوا انانيتك تلك؟، لكن تغيرك لن يجعلك تمتلكني أبداً"


.



22. فرصة

(الفخر أبدي)

كان وشم هاني، الذي لا يظهر بقيته لأن الغطاء يغطي فخذه


استيقظ في احضان إسلام، عندما شم رائحته إبتسم ثم دفن وجهه في حضنه، كان سعيداً به بجواره وللحظة نسي كل شيئ، نسي أنه مهدد وأن هناك شرطي مهووس به


رفض هاني مُدَثر رفضاً قاطعاً حتى أنه رفض عرضه لايصاله للمنزل واتصل بإسلام ليأتي لاصطحابه من قسم الشرطة


كان خائفاً ويحتاج لحضنه ليطمئن، فور رؤيته عانقه بقوة، أمام ناظري مُدَثر الحقود، لكن إسلام لم يهتم بل أسند هاني بحنان وأخذه لسيارته


شم الياسمين

و دوق الدبس بطحينة

و تذكر، تذكر، تذكر تذكرني

يا اخي أوعى تنساني


ابتعد إسلام عن هاني الذي توتر وتشبث به وعندها قال إسلام بحنان

"سأعد لك طبقاً لتأكله"


"لستُ جائعاً"

تذمر هاني


"عليك أن تأكل، لا تدع إضطراب طعامك يصبح أسوأ، لا تقلق لن أذهب لأي مكان، أنا في مطبخك"

قال ثم رفع صوت الأغنية ولوح بهاتفه

"يمكنك سماع صوتها، أنا هنا ولن أذهب لأي مكان"


دخل المطبخ ليعد الطعام بينما يسمع هاني الأغنية 


كان بودي خليك بقربي

عرفك ع أهلي وتتوج لي قلبي

أطبخ أكلاتك

أشطف لك بيتك

دلع ولادك أعمل ست بيتك


نهض ثم دخل المطبخ وعانق إسلام ودفن أنفه في ظهره ليشم رائحته، كان يشعر بالأمان والراحة قربه، التفت إسلام وبادله العناق الحميمي

"لن أتركك ابداً مرة أخرى مهما حدث"


كان إسلام قد قرر البقاء مع هاني حتى لو كلفه هذا أن يُقبض عليه مرة أخرى، يمكنه إحتمال السجن لكن لا يمكنه إحتمال بعده عنه


"يا حبيبي... يا نصيبي"

كان يغني مع الأغنية وابتسم هاني في حضنه


جلس مُدَثر في منزله بفكر في حديث هاني

هل يمكنه ترك وظيفته؟


هو بالأساس أختار تخصصه وعمله من أجل والده لا أكثر، ولكن بعدها أعتاد عليه، ماذا سيعمل بعد أن يتركه؟، هاني من الجيل الجديد لديه الكثير من الهوايات، إن ترك وظيفة يمكنه معرفة بأي مجال عليه أن يبحث أما بالنسبة إليه فهو لا يعرف أي شيئ غير عمله كشرطي


"ماذا سأعمل بعد ترك وظيفتي؟"

سأل مُدَثر الفراغ، مع من سيتحدث بعد أن رفضه هاني؟


زياد؟، زياد الذي أصبح ليلى!

الذي كان يوماً أقرب أصدقائه


فتح محادثته ثم ارسل

"ليلى!"


"؟"

ردت عليه بعلامة تعجب


"هل أنت ليلى..زياد..أعني ليلى؟"

لم يعلم كيف بفترض به الكتابة


"أجل"


"ايمكنني الحديث معك لبعض الوقت؟"

أرسل وبعد دقائق ردت ليلى 

"حسناً"


تقابلا في حديقة، كان من الغريب والمستفز رؤية صديقه بهيئة امرأة، كانت ليلى متوترة وتركت مسافة بينهما وظل الصمت سيد الموقف


"أفكر بترك وظيفتي"

كسر مُدَثر الصمت الطويل


"جيد"

ردت ليلى


"وماذا سأعمل بعدها؟"

سأل ونظر إليها وهي كانت تتجنب النظر إليه ثم ردت

"أي شيئ، هناك الكثير من الوظائف"


"وانا لا أعرف شيئاً إلا عملي كشرطي"


"يمكنك أن تتعلم غيره، هذا هو العالم الحديث، تتعلم لشهر أو أثنين ثم تعمل، الأمر بسيط"

شرحت ليلى ونظرت إليه لتختبر ردة فعله، هل هو مقتنع أم أن هذه خطة ليقبض عليها ويقوم بتعنيفها للموت؟


كانت طريقة تفكيرهما مختلفة، مُدَثر يرى العالم معقداً جداً، بينما هاني وأصدقائه مرنون، يتعاملون ببساطة مع أي شيئ يقعون به


"أي وظيفة تناسبني برأيك؟"

سأل مُدَثر


نظرت ليلى له نظرة فاحصة

"التسويق، سهل وسريع، لكن هذه الوظيفة تحتاج صبراً لذا يفترض أن تتعلم الصبر في فترة التدريب"


"ولما التسويق؟"


"فقط لأنه سهل ولأنه عصري"

ردت ببساطة وهو رفع حاجبيه فهو لا يعرف شيئاً عن التسويق

"حقاً!"


"ماذا!"

قالت ليلى ببلاهة


"أتعتقد أن بأمكاني التأقلم مع شيئ غير كوني شرطياً؟"

سأل وردت ليلى متجاهلةً أنه حادثها بالضمير المذكر

"لما لا؟"


"نحن مختلفان، انت مرن، تتأقلم بسهولة حتى أنكَ صادقت هاني، واصبحتما مقربان، اما انا فقد عشت لأكثر من أربعين عاماً في نظام معين بطريقة معينة وقواعد معينة، ولم أجرب أبداً كسرها"


"يمكنك التأقلم لكن عليك أن تتوقف عن التفكير بأنك تهدم أكثر من أربعون عاماً من الروتين السخيف وأطاعة الأوامر كرجل آلي، أنت اربعيني ولست سبعينياً لتتحدث كالعجائز"

تنهدت ليلى ثم استطردت


"أريدك أن تتحدث بما تفكر به معي، أنظر للأشخاص حولنا وإبدأ بإلقاء الأحكام عليهم حسب مظهرهم"


بدأ مُدَثر ينظر حوله

"مثلاً، هذه الفتاة"

قالت ليلى ونظر مُدَثر حيث تنظر


كانت فتاة تقف برفقة رجل بجوار شجرة، يتحدثان ويتبادلان الإبتسامات

"فتاة تقابل رجلاً بدون علم أهلها، وهذا شيئ غير لائق"


"ماذا عن الرجل معها؟"


"ماذا عنه؟"


"هو أيضاً يقابلها بدون علم والديه، هل هذا شيئ لائق أم لا؟"

سألت ليلى وشعر مُدَثر بأن هناك فخ في سؤالها

"لا أعلم"


"أتعلم ماذا أرى انا؟"

سألت ليلى


"ماذا؟"


"أثنان يحبان بعضهما في بداية علاقتهما"

أشارت بعدها لرجل يصرخ في طفل صغير

"ماذا عنه؟"


"رجل وإبنه"


"بل رجل يقوم بتعنيف إبنه، الصراخ والضرب ليس شيئاً عادياً"


"إذاً كيف سيقومون بتعليمه أن هناك أشياء خاطئة إن لم يكن هناك عقاب؟"

لم يقتنع مُدَثر بإجابتها


"عليهما قبل الإنجاب الذهاب لمتخصص ليعلمهم كيف يربون الطفل تربية إيجابية بدون هذا الهراء، وإن لم يكونا يستطيعان، إذاً ليستخدما الواقي أثناء مضاجعتهما"


نظرة الإثنان للأمور كانت مختلفة جداً


"تجد الأمر مربكاً؟"

سألت ليلى


"كثيراً"


"ستعتاد مع الوقت"

ردت ببساطة


"هل هكذا يفكر هاني؟"

سأل وعندها تنهدت ليلى بضيق

"هل تفعل كل هذا من أجل هاني؟"

استقامت واقفة

"أنت حقاً أناني سخيف..وأنا الحمقاء التي أعتقدت أن هناك بعض الأمل فيك"


استقام واقفاً

"إنتظر"


التفتت ليلى وصرخت به

"ضمائري مؤنثة وليست مذكرة، أنا ليلى ولست زياد"


ظل مُدَثر صامتاً لثواني ثم قال

"أنا آسف"


"انسى الأمر، كل ما تريده هو كسب هاني الرجل شبيه النساء بالنسبة إليك، الا تعلم كم أن هذا مقرف؟، الا تعلم أن هاني يحب إسلام بشدة؟، الا تشعر بأنك متحرش لعين؟"

كانت تضغط على مخارج حروفها ثم تركته وانصرفت غاضبة


.


23. تقبل الرفض

نشأ هاني تحت سقف أسرة لا تعرف للمرونة طريقاً، أسرة محكمة الإغلاق بقواعد صارمة كجدران سجن. كان الانصياع هو العملة الوحيدة المقبولة، وكانت الحزم الأبوي والقسوة الأمومية هي المنهج التربوي الثابت، لكن المفارقة كانت أن تلك القيود لم تخنق روحه، بل صقلت فيه نواة صلبة لشخصية مستقلة، عنيدة، ترفض الذوبان في قالب التوقعات الأبوية


كلما حاول هاني التعبير عن نفسه، أو اتخاذ قرار بسيط يخصه، كان والداه يعتبران ذلك "تحدياً لسلطتهما"

رداً على ذلك، لجأ الوالدان إلى أسلوب واحد في التربية الضرب المبرح والعنيف

كان الضرب هو العقاب المعتاد على أي انحراف، من تأخير بسيط في الواجبات إلى طريقة جلوسه غير المستقيمة


لكن الصدمة كانت أن هذا العنف لم يؤثر في قناعات هاني أبداً. بقي هاني متمسكاً بشخصيته المستقلة، وكأن الضرب يزيدها قوة وصلابة، لم ينجح والداه في تحويله إلى دمية مطيعة


ومع استمرار تعرضه للضرب كجزء يومي من حياته، بدأت نفسيته تتأثر بشكل خطير، لم يعد الأمر مجرد تمرد صامت، بل بدأ هاني يجمع في داخله حقداً هائلاً وعدوانية مُتزايدة


في البداية، كانت هذه العدوانية تُصرف في الخيال، كان هاني يقضي ساعات طويلة يتخيل سيناريوهات انتقامية

يرى نفسه يرد الضرب لوالديه بنفس القسوة التي عومل بها، ويشعر بالانتصار المؤقت داخل رأسه، كان هذا الخيال بمثابة وسيلة هروب له من واقعه المؤلم


لكن العقل والجسد لا يفرق بينهما إلى الأبد تحت الضغط بعد سنوات من تلقي العنف وتخزين الغضب، بدأت حدود الخيال تنهار، تحولت فكرة الانتقام من مجرد حلم يقظة إلى هدف حقيقي وخطير، لقد أصبح هاني، الطفل الذي تربى على الضرب، مستعداً لأن يصبح هو نفسه مصدر العنف، تحولت خيالاته العدوانية إلى واقع ينتظر الفرصة لينفجر


عاش هاني تحت الضغط المتواصل من والديه القاسيين، اللذين لم يريا فيه سوى مشروع فاشل أو شخصية يجب تقويمها بالعنف، لكن كل هذه الضربات والقسوة لم تكن لتوازي تأثير الكلمات التي قيلت في تلك الليلة الباردة


بدأ النقاش كالمعتاد، حول تصرف ما اعتبره الأب تحدياً لسلطته أو دليلاً على "عدم نفع" هاني، كان الأب يتحدث بنبرة استعلاء وغضب، يلوم ويحطم كل ذرة ثقة في نفس ابنه. كان هاني يحاول أن يضبط نفسه كالعادة، متحصناً بصمته وغضبه الداخلي


ولكن الأب، مدفوعاً بغضبه الأعمى ورغبته في إخضاع هاني نهائياً، أطلق الكلمات المدمرة التي تجاوزت كل الحدود. قال الأب بهدوء مرعب ممزوج بالسخرية "أنت لست نافعاً ولن تكون، لا تقلق، سأنجب غيرك ليحل محلك ويكون الابن الذي أتمناه"


هذه الكلمات لم تكن تهديداً، بل كانت إعلاناً لإلغاء وجود هاني وقيمته بالكامل، كانت تعني أن سنوات تمرده ومعاناته لا تساوي شيئاً، وأن مصيره هو الاستبدال والنسيان


في تلك اللحظة، لم تعد الضربات القديمة ولا الغضب المستقل مهمة، شعر هاني وكأن شيئاً ما انكسر داخله نهائياً. لقد تحطم آخر حاجز نفسي كان يفصل بينه وبين جنونه، لم تعد هناك سيطرة، تبخرت كل محاولات ضبط النفس في الهواء


هاني، الذي لطالما تخيل نفسه ينتقم، وجد القوة لتنفيذ ذلك الحلم المريض، اندفع نحو والده، ليس بدافع الانتقام فقط، بل بدافع إثبات الوجود والرفض المطلق للإلغاء


كانت الضربة الأولى قوية ومباغتة، بدأ هاني يضرب والده بـعنف مروع، مستخدماً كل قوته وكل الحقد المكبوت لسنوات، لم يكن يضرب رجلاً، بل كان يضرب سنوات القسوة، وصوت السخرية، وكلمة "غير نافع"


تدخلت الأم في صدمة وفزع، لكن هاني كان في حالة هياج كامل، لا يرى ولا يسمع، انقلبت الأدوار، صوت الصراخ الذي كان يملأ المنزل يأتي الآن من الوالدين اللذين لم يتخيلوا أبداً أن الابن الذي عذبوه قد يعيد توجيه هذا العنف إليهما


لقد زرعا في هاني العنف، وعندما حاولا إلغاءه بالكامل، أطلقوا العنان للوحش الذي خلقوه، ليعود ويضرب جذورهما


بيني وبينك حرف جر، عاكس مدارات الرحايا

بيني وبينك مسألة، تؤول إلي ما لا نهاية

وشط نيل وبنت سمرا، وأصل فصل المدرسة

بيني وبينك كل قرش حشيش، وحبة هلوسة


نزع سماعات رأسه وأراح ظهره على كرسي المقهى بعد أن إنتهى من عمله


أخرج هاتفه ليجد رسالة من إسلام

"متى ستنتهي؟"


"إنتهيت"


"سأمر عليك لاصطحابك"

قرأ رده وابتسم باتساع ثم عض ابهامه بتوتر


لطالما كان وجود إسلام يجعله سعيداً لدرجة توتره، يشعر بالقلق من أن تختفي هذه السعادة فجأة، من أن يتلاشى هذا الأمان


خرج من المقهى عند رؤية سيارة إسلام، صعد بها ثم قبلهُ قبلة سريعة


"كيف كان عملك؟"

سأل إسلام


"جيد"

رد هاني وهو يسحب حزام الأمان


اوصله إسلام لمنزله ثم نزل معه ودخله، فور دخولهما سحبه هاني للمطبخ

"سأعد لكَ وجبة شهية"


"أنا محظوظ حقاً لتطهو لي"

قال إسلام باسماً وابتسم هاني بخجل بدوره


"هل ازعجك الشرطي مرة أخرى؟"

سأل إسلام


"كلا، وإن حاول سأركله"

رد بثقة وضحك إسلام على طريقته

"جيد، لكني قلق عليك"


"لا تقلق، أنا قوي"

قال بفخر واشار له إسلام ليقترب ثم عانقه وقبلَ رأسه

"أعلم هذا يا حبيبي...أعلم"


"إسلام لا تقلق، لم أعد أخاف هذا الرجل بعد الآن"

قال لأنه كان يشعر بأن إسلام مازال قلقاً عليه 


"هل سيتركك وشأنك؟"


"ليفعل ما يريد، فلن أقبل به بأية حال، بل سأريه كيف يتصرف الرجل الذي يراه شبيهاً بالنساء، هذا المختل مهووس بي فقط لأنه يراني امرأة"

كان مُدَثر يكرر عليه بأنه يبدو كالنساء أو أن يجري عملية ليصبح بجسد امرأة، معظم حديثه كان يدور عن كون هاني شبيهاً بالنساء 


إستغرب إسلام

"ولما لم يبحث عن امرأة إذاً؟"


"لأنه مختل، يعتقد أنني سأكون ممتناً أنه اختارني من بين جميع المثليين الذين أفسد حياتهم، يعتقد أن الجميع يجب أن يسيروا على هواه وأن كل شيئ في العالم يحدث من أجله"


"ليلى كانت صديقته اليس كذلك؟"

سأل إسلام ورد هاني بخيبة

"للأسف، أتمنى أن لا يخلف وعده، لقد وعدني أن يتركها وشأنها"


مسح إسلام على رأسه

"نحن معها ولن نتركها، هي ليست وحدها بعد اليوم"


ابتسم هاني ثم قبلَ شفتي إسلام وبعدها بدأ يغني


روحي وروحك حبايب من قبل دا العالم والله

انا فؤادي متيم  من قبل يوم التلاقي

وربي هوا للي يعلم محبتي واشتياقي


بدأ إسلام يدندن معه ثم شابك يديه معه وبدأ يرقص معه بمرونة


يكتبلي في الحب نايب ويطل على العشاق طله

روحي وروحك حبايب من قبل دا العالم والله


"اعطيني فرصة"

كان يراسل ليلى وهي كانت تتجاهله

"ارجوكِ"

"ليس لدي أحد الجأ إليه غيرك"


في النهاية ردت ليلى عليه

"ماذا تريد؟"


"فرصة أخرى، أريد التعلم"


"إذاً درس اليوم عن الرفض، أريدك أن تفكر جيداً في رفض هاني لك، لأنه رفض قاطع"


"لماذا؟"


"هذه حريته الخاصة، هو لا يريدك، هو يحب إسلام، رجل جيد ومسالم ويحترمه ولا يجبره على شيئ"


"يمكنني أن أكون مثله"


"حتى لو أصبحت مثله فهو لن يغفر لك ما فات"


"لماذا؟"

تذمر مرة أخرى


"يمكن أن يكون لأسباب عديدة، جميعها تخصه هو، ولأن هذه حريته الخاصة، عليك أن تتعلم تقبل الرفض"


تنهد مُدَثر ثم أغلق شاشة الهاتف، يفكر لما تعرض للرفض؟


الا يمكنه الحصول على فرصة أخرى إن تغير؟

اليس هذا ظالماً؟


"إذاً حتى لو تغير الناس لا يحصلون على فرصة أخرى؟"

ارسل لليلى


"أجل، الفرصة الأخرى هي إمتياز لا يحظى به الجميع، فلا تغفر جميع الخطايا، ولا يسامح الجميع"


"إذاً ما فائدة التغير؟"


"يا الهي!، التغير لأن الجميع يستحقون أن تعاملهم بشكل جيد وليس بطريقة لئيمة، التغير لأن اللطف واجب على الجميع وليس خياراً، نحن نتصرف بطريقة جيدة لأننا نريد أن نكون أفضل وليس لنثير اعجاب أحدهم"


أخذ يحدق في رسالتها ثم اراح ظهره على الأريكة وحدق في السقف 


لقد تربى مُدَثر بطريقة صارمة ولكن منذ أن أصبح شرطياً فقد أصبح لا يتقبل الرفض، ويحصل على كل ما يريد


بدأ يبحث يدور في دوائر ويرسل الف رسالة لليلى التي ضجرت منه وبدأت تتجاهله، بدأ يتذكر حديث هاني عن أنه دمر حياة الكثيرين وتسبب بقتل بعضهم أيضاً، وأنه لا يستحق فرصة أخرى وإن كان سيتغير فهذا لأن الناس لا يستحقون العنف منه وليس ليحظى هو براحة البال بعد أن أفسد حياة كل هؤلاء الناس


في بعض الأحيان هناك أشخاص لا يستحقون المسامحة، وهو واحد منهم، وعليه تقبل الأمر

عليه تقبل أن ذنوبه صعبة الغفران


بعد تفكير طويل مؤلم في احاديث هاني

في النهاية صمت وقرر تقبل الرفض


.



24. ليس لأجلي بل لأجله

نشأ هاني ومُدَثر في ظروف لم تختلف كثيراً في قسوتها كانت العائلتان تؤمنان بأن التربية الصارمة هي الطريق الوحيد للإخضاع والسيطرة، الفرق لم يكن في العنف المُسلَّط، بل في طبيعة الروح التي تلقته


كان مُدَثر، منذ صغره، يميل إلى الخضوع والاستسلام كل ضربة تلقاها، وكل إهانة سمعها، كانت تكسر جزءاً من إرادته وتغرسه أعمق في الخوف، تعلم أن النجاة الوحيدة هي أن يكون ظلاً لوالديه، أن يوافق على كل شيء، وأن يخفي شخصيته الحقيقية خوفاً من العواقب


أما هاني، فكان العنف يخدم معه غرضاً معاكساً تماماً كلما زادت قسوة والديه، ازدادت أفكاره استقلالاً و رسوخاً، الضرب لم يغير قناعاته، بل زاد من شجاعته الدفاعية، وكأن كل سياط يوقظ فيه بطلاً عنيداً يرفض الانحناء


وبينما كان مُدَثر يعيش ويموت كل يوم خوفاً من إبداء رأيه، كان هاني يراكم الغضب الذي سيصبح سلاحه، هذا الغضب، المقترن بشخصيته المستقلة، خلق منه كياناً ثورياً داخلياً، يقوده نحو مسار الصدام لا الخضوع


تحول هاني من ضحية العنف إلى معنف ثائر، لم تنجح القسوة في إخضاعه، بل دفعته إلى الدفاع عن استقلاله بشجاعة عنيفة، مهما كانت النتيجة المأساوية


أما مُدَثر بقي سجيناً لتربيته، حتى عندما بلغ الأربعين، ظل يعيش في ظل والديه، جباناً، غير قادر على اتخاذ قرار واحد أو الدفاع عن فكرة تخصه، كان مستقبله كله مرآة لخوفه، بينما كان ماضي هاني كله وقوداً لانفجاره


ستي قالتلي البنات بيلبسوا فساتين

أمي قالتلي البنات ميلعبوش في الطين

وخالتي التي ترتدي الخمار

قالتلي غني براحتك بس هتروحي النار

بس أنا أبويا مقاليش

فأنا هعمل الصح وأشرب حشيش 


كان مقطع لهاني وسيليا وفاطيما وليلى يغنون مع كعكة عيد ميلاد هاني


لما النساء جيدات في كل شيئ؟، هل لهذا السبب يفضلهن هاني؟، يقضي معهن أفضل أوقاته


مرت ليلى عليه كعادتها فهي الآن معلمته، كانت تضع مساحيق صاخبة لأنها كانت في حفلة عيد ميلاد هاني هي الأخرى


"هل تضعين مساحيقاً؟"


"أجل، ما رأيك؟"

سألت ليلى بإبتسامة


"لا تحتاجينها، تبدين أفضل بدونها"


"إجابة غير موفقة"


"ماذا!"

أستغرب من ردها


"عندما يسألك شخص عن رأيك في مساحيقه لا يفترض أن تخبره أشياء مثل أنه أفضل بدونها أو أنها تفسد مظهره، فقط عليك أن ترد أنها جيدة، رائعة، تقديراً للمجهود الذي بذله في وضعها، ثم أنني بالأساس لم أقل أنني أعتبر نفسي قبيحة بدونها، وضعتها لأنني أردت وضعها وشعرت بالسعادة عند رؤية نفسي بها"


لم يكن مُدَثر قد فهم تماماً ما قالته لكنه أجاب

"حسناً"


"لم تقتنع اليس كذلك؟"

لاحظت ليلى


"انا فقط لم أفهم"

في كل مرة تحاول ليلى شرح شيئ لا يفهمه مُدَثر وتضطر ليلى للشرح عدة مرات يشعر مُدَثر بكم أنهما مختلفان


"هل سبق وسمعتني أقول أنني لا أحب شكلي؟"

سألته وأومئ مُدَثر بالسلب


"أضع المساحيق لأنني سعيدة وليس لأنني أشعر بالعار من شكلي، وحتى لو رأيتَ شخص آخر يضعها لأنه يشعر بالعار من شكله لا تخبره بجملة أنه أفضل من دونها، فقط أخبره أنه يبدو رائعاً عندما تراه بها، وعندما تراه بدونها أخبره بنفس الجملة، هذا كل شيئ، عليك تقدير المجهود الذي يقوم به ليضع تلك المساحيق على وجهه، تخيل أن تتعرض للتنمر بسبب شكلك ثم عندما تستخدم المساحيق يخبرونك بأنك لا تبدو جيداً بها وكنت أفضل بدونها، في كل الأحوال يخبرونك بأنك لا تبدو جيداً، هذا غير عادل"


"فهمت"


إبتسمت ليلى ضاحكة

"جيد"


بدأ مُدَثر يشم ملابس ليلى بشك ثم سألها 

"هل كنتم تدخنون الحشيش؟"

سأل مُدَثر وقهقهت ليلى

"انها مجرد أغنية لمغنية"


"كيف سمحوا لها بالغناء؟"


"في الواقع هي لا تتمحور عن الحشيش ذاته، بل عن السلطة الأبوية على النساء"


"هذا يجعل سبب منعهم لها أكبر"

قال وقهقهت ليلى أكثر ثم شغلت الأغنية


عالم مفيش في دماغها غير الجواز والنيش

صيني، ودهب، وملايات، والستاير كرانيش

اوعي مرة تباتي برا أو تتأخري في مرة

اوعي لا البواب يشوفك ومتتجوزيش


كان مُدَثر قد بدأ بالتحسن والتعلم وكانت ليلى صبورة معه، يسأل الكثير من الأسئلة وكانت ليلى تجيبه وتخبره أيضاً بأن عليه بذل بعض الجهد في البحث عن أجوبة بنفسه فلا يمكنه الإعتماد عليها في كل شيئ


كان يرى هاني وهو يخرج من منزله مع إسلام ويشعر بالغيرة والإنزعاج، لما ليس هو؟


الأمر أعمق من مجرد التغيير، كان عليه التمرد على والديه في وقت ابكر وبناء شخصية مستقلة وليس الانقياد خلفهم طيلة تلك السنوات


كانت الأيام تمر، مُدَثر يتعلم بينما هاني يصبح أقرب فأقرب لإسلام وتتعزز علاقتهما


"ما هو فيلمك المفضل؟"

سأل إسلام بينما يشغل التلفاز وهو يجلس على الأريكة بجوار هاني الذي اسند رأسه على كتفه


"الباب المفتوح"


"أعرفه، كانت والدتي تحبه"


"النساء رائعات، يجعلنني أشعر دوماً أن هناك أمل في الحياة"

قال هاني باسماً


"حياة النساء تكون أصعب، إن امتلكن الأمل فمن نحن لنفقده؟"


هاني وإسلام كانت علاقتهما اكتشافاً متأخراً لكنه حاسم، كلاهما يقف على "الأرض المحايدة"، مساحة لا تشوبها سلطة الأبوين

لم يكونا مجرد صديقين، بل توأمي أفكار، تتطابق رؤاهما حول الظلم الممارس، ويتشاطران إيماناً يقوم على العدل والحق المهضوم


كان إسلام المرآة التي أكدت لهاني أن تمرده ليس جنوناً، بل حقيقة يجب الدفاع عنها بشجاعة، هذا الدعم الفكري ملأ الفراغ الذي خلفته سنوات العزلة القسرية


.



25. مفترق طرق لثلاث جهات

كان مُدَثر يتفقد مكتبته ووجد الزهرة التي سبق وأخبره هاني بأن يهديها لليندا لكنه احتفظ بها لنفسه، تأملها في صمت حتى سمع فجأة طرقاً قوياً على الباب، فتح الباب ووجدها ليلى فزعة


"ما الأمر؟"

سأل مُدَثر لتستفيق ليلى ثم تدخل بسرعة وتغلق الباب


"أبي يلاحقني"

قالت وهي تلتقط أنفاسها 


سمع طرقاً قوياً على الباب ممزوجاً بصراخ وعندها أشار لليلى

"أدخلي غرفتي"


دخلت ليلى ثم فتح مُدَثر الباب، حاول والد ليلى الدخول بالقوة وعندها أوقفه مُدَثر

"ماذا تحاول أن تفعل؟"


"آخذ أبني"


"لا يوجد أبناء هنا أيها العجوز"


"لقد رأيته يدخل هنا"

صرخ الرجل


"وانا أخبرك بأن أبنك ليس هنا"

ضغط مُدَثر على مخارج حروفه


دفع الرجل مُدَثر وعندها لكمه ليخرج مرة أخرى

"لا تحاول أستخدام القوة معي، أسنانك هشة ويسهل كسرها"

هدده 


"سأقدم بكَ شكوى"


"ضعها في مؤخرتك، لقد تركت عملي في الشرطة"

قال قبل أن يصفع الباب في وجهه


أقترب من باب غرفة هاني ليقول

"لقد ذهب"


خرجت ليلى من الغرفة وهي لا تستوعب أن مُدَثر قد دافع عنها، صحيح أنه تغير قليلاً لكنها لم تتوقع أن يدافع عنها بدلاً من أن يخبرها أنه كان عليها البقاء بجسد رجل

"شكراً"


"لا حاجة للشكر، أعتبريه رد جميل لمشاركتك الطعام معي أيام الخدمة العسكرية"

رد ثم أضاف وهو يسير للمطبخ

"بمناسبة الطعام، لدي هنا بطاطس مطبوخة ودجاج مشوي، أتريدين البعض؟"


"شكراً، لست جائعة"

جلست على الأريكة وسكبت لنفسها كوب ماء لتشرب


خرج مُدَثر من المطبخ ووضع على الطاولة طبق بسكويت ثم جلس تاركاً مسافة بينهما

"إذاً، كيف الحال؟"


مررت يدها في شعرها بسبب توترها

"بخير"


"اعذريني لو تصرفت بغرابة، مازلت أتعلم"

قال مُدَثر وهو يبتسم بتكلف 


صمتا لثواني ثم قال مُدَثر

"أتذكرين عندما قفزتي من نافذة غرفتك عندما أغلق والدك الباب ليمنعك من الخروج في غيابه؟"


قهقهت ليلى

"التوت قدمي لكني لم أهتم وأكملت اليوم، ثم عند عودتنا فتح وائل الباب بمفك صغير وعندها تشاجرت معه لأنه لم يفعل هذا منذ البداية بدلاً من تركي أقفز" 


"وائل كان ليصبح لصاً بارعاً"

علق مُدَثر


"أشتاق إليه أحياناً لكن أشعر بأنه عند رؤيتي بل انا متأكدة أنه سيقتلني"

ردت وأغلقت قبضتها لتتوقف عن الأرتعاش


"كان أقربنا إليكِ"

أضاف مُدَثر


"أجل، كان والدي يثق به لأنه كان يجيد تمثيل دور الرجل المهذب أمامه، لذا كان يزورني كثيراً، لكن بعد أن حصل على وظيفته بالكاد كان يراسلني"


فكر مُدَثر لثواني ثم قال

"سأجرب الحديث معه عن الأمر لأرى ردة فعله"


"لا حاجة للأمر، أعلم بأن هذا فقط سيذكره بي وسيعود للبحث عني ليقتلني"

ردت ثم أستقامت واقفة

"علي الذهاب الأن"


"ربما والدكِ مايزال بالجوار!"


"سآخذ حذري، شكراً لما فعلته من أجلي"

قالت باسمة ثم غادرت


فتح مُدَثر محادثة وائل ثم أرسل

"كيف الحال؟"


"هل تحاول أغاظتي لأنك تركت العمل ؟"


"كلا، اسأل فقط عن حالك"


"بخير"


"الا تفتقد زياد؟"


أخذ وائل بعض الوقت ليرد

"أجل، أفتقد صديقي الرجل زياد، وليس ما فعله بنفسه"

"ذاك الغبي أفسد حياته بنفسه"


"لقد فعلها وأنتهى الأمر"

"أستظل غاضباً منه؟"


"أجل، حتى يعود رجلاً كما كان، حتى يعود صديقي الذي أعتدت عليه"


"ماذا لو لم يعد؟"


"في هذه الحالة لا أصدقاء لي، لقد مات زياد بشرف كرجل"


"لقد كان زياد أقرب شخص لي من بينكم جميعاً، لكن انت كنت الأقرب إليه، وتعلم الفرق بيني وبينك، أحقاً لا تفتقده؟"


"أخبرتك أنني أفتقد صديقي الرجل وليس هذا الهراء"


"ماذا لو كان صديقك الرجل فعل هذا بكامل عقله وأرادته؟، وأنه مرتاح أكثر بجسده هكذا؟"


"هذا هراء"


"لما لا تعطها فرصة؟"


"انا لا أصادق النساء"

"أضاجعهن فقط"


توقف مُدَثر عن الكتابة لثواني ثم أرسل

"هل انت خائف من أن تشعر برغبة جنسية تجاه ليلى بأعتبارها كانت صديقك من قبل؟"


"من هي ليلى؟"


"زياد"


"هذا هراء!، وسمى نفسه ليلى أيضاً!"


"أجبني"

"هل انت خائف أن تشعر برغبة جنسية تجاهها؟"


"لن أشعر بشيئ تجاه رجل أصبح إمرأة هذا مقزز"


"لا أعتقد أن زياد كان المفضل لديك حقاً كما كنتَ انت المفضل لديه"


"لا تعتقد!، لقد قضيت مع هذا المخنث كل وقتي، كنت أذهب لمنزله كثيراً لأن والده كان يحبسه أغلب الوقت، لقد سرقت والده عدة مرات من أجله، تلقيت الضرب بدلاً عنه عندما كان يغضب والده في وجودي، انت لا تعلم شيئاً عما فعلتهُ من أجله"


"فعلت كل هذا من أجله ولا يمكنك البقاء معه لأنه أصبح إمرأة؟"


"لأنني أصادق الرجال فقط، لا أصادق المخنثين"


"لم يتصرف زياد يوماً بطريقة ذكورية، كنتَ تعلم هذا لذا كنت تحوم حوله قلقاً من التنمر الذي سيتلقاه بسبب لطفه"


"كان زياد رجلاً، دخل الجيش ومر بالتدريبات وتصرف كرجل حقيقي"


"ولم يعد يريد أن يكون في جسد رجل بعد الأن"


"إذاً ليمت بشرفه كالرجال"


"أستجرؤ على قتله حقاً؟"


"أجل، سأخرج للبحث عنه بنفسي وأغسل عاره بيداي"

أرسل وائل ثم أغلق شاشة هاتفه، أتى والد ليلى ليخبره بأنه رآها عند منزل مُدَثر الذي تشاجر معه ورفض تركه يدخل


تحدث وائل مع ضباط الشرطة المتخفين في المنطقة للبحث عنها مرة أخرى بعد أن كانوا قد توقفوا بأمر من مُدَثر، كما أرسل لنقاط التفتيش بياناتها مرة أخرى ليضيق النطاق عليها


وبما أنها لم تحسب حساباً لكون الشرطة تبحث عنها من جديد فقد تم الأمساك بها في أحد نقاط التفتيش


نزل وائل من سيارته ثم سحبها من شعرها ودفعها لسيارته، شغلها وقاد حتى مكان فارغ ومهجور، نزل ثم سحبها لتسقط على الأرض ثم إخرج مسدسه


"كانت حياتك رائعة لكنك أخترت أفسادها"


رغم الرعب الذي كانت تشعر به فقد أستفزتها جملته

"رائعة!، حياتي كانت رائعة!"


لم يحتمل وائل سماع صوت صديقه الذي أصبح اُنثاوياً لذا ركله 

"كُنتَ رجلاً حقيقياً، ماذا تريد أكثر؟"


"تعلم جيداً بأن لقبي كان المخنث، وتعلم كيف كان يعاملني والدي"


"والحل كان أن تصبح إمرأة؟، هل حل هذا مشاكلك؟"


"لم يحل شيئاً، لكنه جعلني راضية عن جسدي على الأقل"


ضرب رأسها بالمسدس

"كان عليك الموت كرجل"


تحسست رأسها وأبتل كفها بالدماء

"أُفضل الموت كإمرأة"


سمعا صوت سيارة، كانت سيارة مُدَثر التي توقفت أمام وائل بالضبط، نزل منها ثم قال

"كنت لأدعسك لولا أننا كنا صديقين"


"لقد جُننت انت الأخر!"

صرخ وائل


"بل انت من جننت، أقسم لولا أنني أعطي أعتباراً لصداقتنا لكُنتُ هشمتُ وجهك جراء فعلتك"

صرخ بغضب


أستقامت ليلى واقفة وأمسكت بكنزة مُدَثر

"فقط لنذهب من هنا"


كان وائل يحترق غيظاً

"الأن هو صديقك المفضل؟، أتعلم!، يناسبك أن تكون إمرأة فأنت تنتقل من قضيب لآخر مثلهن"


"لقد حاولتَ قتلي للتو!"

لم تستوعب ليلى جملته


"بسبب الهراء الذي تقوم به، لما فعلت بنفسك هذا؟، كنتَ جيداً كرجل"


"لم أكن يوماً جيدة كرجل"

ردت ليلى


"بل كُنتَ كذلك، وكنتَ صديقي انا"

صرخ ثم أضاف

"عد لرشدك وعد لتكون رجلاً"


"هذه ليست لعبة، انا إمرأة ولن أغير جسدي مرة أخرى"

صرخت هي الأخرى


كان وائل يشعر بالغيظ الشديد وهو يرى ليلى تستند على مُدَثر

"هل يضاجعك؟، لهذا أنت سعيد معه؟"


كان مُدَثر على وشك أن يرد ولكن ليلى أوقفته

"ماذا تريد؟"


"أقول أنه يضاجعك ولهذا السبب هو سعيد لكونك إمرأة"


"لما كل افكارك متعلقة بالجنس؟"

صرخت ليلى


"هو لا يهتم لأمرك، لو كان يهتم حقاً لصفعك لتعود لرشدك، لن تنعم بحياة جيدة بعد أن غيرت جسدك، لن يقبل أي أحد بك، المجتمع، الناس، وستموت وحيداً إن لم تمت مقتولاً"


"لدي أصدقاء الأن"

قالت وهذا زاد غضب الأخر


"لأنك عاهر، تستبدل أصدقائك بسهولة"


"لقد جننتَ!، انت تريد قتلي ومستاء أن لدي أصدقاء أخرون، منذ أن بدأتَ عملكَ وانت تتجاهلني، والأن انت مستاء وتلقبني بالعاهر لحصولي على أصدقاء جدد؟"


أفلتت مُدَثر وأقتربت من وائل

"لطالما كنتَ أنانياً وتكره فكرة مصادقتي لأي أحد غيرك، والأن تريد قتلي لأنني لم أعد كما كنت في ذاكرتك، أتتعامل معي كأنني دمية؟"


قبض وائل على ذقنها وكان مُدَثر ليلكمه لولا أن ليلى قالت

"أتركنا، هو صديقي"


"الأن تذكرتَ أنني صديقك؟"

قال وائل


"انا إمرأة، سواء أحببتَ هذا أم لا فهذا لن يغير شيئاً"


صمت وائل لثولني ثم قال

"إذاً يمكنني مضاجعتك بما أنك إمرأة!"


"إن أستطعتَ فعلها فإفعلها"

ردت وعندها أفلت ذقنها


غادرت مع مُدَثر وهي تلتقط أنفاسها، لم يأخذها للمشفى لأنهم سيطلبون تفاصيل أسباب أصابتها، أخذها لمنزله وأخذ يمسح الدماء ويضع مرهم للكدمات وضمد رأسها 


"انت رجل جيد"

قالت ليلى ليبتسم مُدَثر

"شكراً"


"ليت وائل يتعلم هو الأخر"

أضافت بحزن


"سيتعلم، هو يحبك بشدة"


"لذا أراد قتلي؟"

قالت بنبرة ساخرة


"يحتاج بعض الوقت، أراهن أنه سيتغير"

ربت على كتفها


.


26. مكانك معي

"أقفز"

كان وائل يتحدث مع زياد أيام مراهقتهما


"ماذا لو لويتُ قدمي مرة أخرى؟"

سأل زياد بقلق


"سألتقطك"

فتح ذراعيه


أخذ زياد يفكر لبعض الوقت ثم قفز، التقطه وائل وسقط كليهما على الأرض


لم يكن لديهما وقت ليشعرا بالألم، نهضا وركضا ليبتعدا عن المنزل ثم أخذا يقهقهان


"ماذا ستصبح في المستقبل؟"

سأل زياد


"ضابط شرطة بلا شك، منذ أن كنتُ في الروضة أخبرتهم بهذا"

قال وائل بفخر


"الروضة!، هذا مدهش!، عندما كنت في الروضة قالت معلمتي بأنني أخبرتهم بأنني أريد أن أصبح أميرة"

قال زياد وعندها قهقه وائل


"لكن أتعلم، يمكنك أن تصبح أميرة، انت هش وصغير جداً مثلهن"

قال وائل وهو ينظر لزياد نظرة فاحصة 


"سيقتلني والدي، لذا كلا"

رد زياد


"لن أدعه يفعل"


أستيقظ وائل من حلمه بذكرياته مع ليلى عندما كانا في المرحلة الإعدادية، تأفأف وأخذ يتقلب ثم نهض


أعد لنفسه كوب قهوة وهو يتذكر شجارهما الأخير، لقد تمسكت بمُدَثر، الأن هو صديقها المقرب؟


كان يشعر بالإنزعاج من فكرة أن مُدَثر يعتبرها صديقته المقربة، حتى لو كانت لا تعتبره كذلك فهو كان الأقرب إليها، لكنه كان ما يزال منزعجاً من فكرة وجود مُدَثر


والأن بعد أن وافقها مُدَثر على فكرة كونها إمرأة فهو أصبح الأقرب إليها، بعد كل تلك السنوات حصل عليها بسهولة!


لما لا تقتنع بقلقه؟، هو يعلم مصلحتها، أن تكون إمرأة ليس شيئاً سهلاً فما بالك بأن تكون عابرة جنسية، سيحاول الجميع قتلها، عليها فقط العودة لرشدها والتصرف كرجل


أبلغ الجميع بالتوقف عن البحث عنها، لكنه ما يزال مستائاً من كل ما حدث


فتح محادثة مُدَثر وفكر قبل أن يرسل

"أين يعيش زياد؟"


"لن أخبرك ما دمت تقول أنها زياد"

رد مُدَثر ليزفر وائل الهواء من فمه بضجر

"أين تسكن ليلى؟"


أرسل مُدَثر عنوانها وعندها أخذ وائل سلسلة مفاتيحه ثم خرج ليصعد في سيارته، ماذا سيفعل عند رؤيتها؟، يصفعها حتى تعود لرشدها؟، يقتلها ربما؟


ركن السيارة ثم نزل وطرق الباب وفتحت ليلى بشعر مبعثر وبيجامة نوم ستان، فور رؤيتها لوائل فزعت وأبتعدت عن الباب


"لديك صدر كالنساء!"

علق وائل لأن بيجامتها كانت كاشفة لصدرها


عادت بضعة خطوات للخلف

"لأنني إمرأة"


دخل وائل ثم أغلق الباب

"هذا ما قصدته بأنه لا يمكنك العودة رجلاً؟" 


"بأي حال لا أريد العودة"

ردت ثم التقطت منشفة لتضعها على كتفيها لتغطي بها صدرها


مد وائل يده ليضعها على خدها

"لا أعلم ماذا أريد أن أفعل بك، ضربك أم قتلك"

أبعد يده وهو يضيف

"أم مضاجعتك"


"قلت أنني مقززة، لذا لن تقوم بهذا"

قالت ليلى


"حديثك يجعلني أرغب بفعل هذا لأزعاجك فقط، لتقدر كم كنت في نعمة عندما كنتَ رجلاً"


"لو كنتُ أعلم أن صداقتنا ستنتهي هكذا لكنتُ وافقت على البقاء أتعرض للضرب في المدرسة عوضاً على لقائك"

قالت لأن لقائهما الأول حدث عندما لاحظ وائل أن هناك مجموعة طلاب يضربونها وعندها تدخل ودافع عنها


قبض على شعرها

"أتكرهني لهذه الدرجة؟، وماذا فعلت لك؟، انت من أفسدت كل شيئ"

دفعها وعندها سقطت على الأرض


أعتدلت جالسة وجلس هو أمامها ثم أمسك بيديها

"كان عليك الموت كرجل"


"إن كنت ستخيرني بين سماع هذا الهراء أو إغتصابي فإنني اُفضل الخيار الثاني، على الأقل عندها سأكرهك كما ينبغي"


"أتحب قضيب مُدَثر لتلك الدرجة؟، تريد التخلص مني ليبقى هو فقط معك؟"


"انت مختل تماماً، لا تفعل أي شيئ جيد لي لكنك لا تريد تركي وشأني، لما تشعر بالإنزعاج من مُدَثر؟، تصرف مثله إن كنتَ منزعجاً من قربه مني"


"انا من أشعر بالقلق الحقيقي عليك، انا من أهتم بأمرك وليس ذاك الفاسق الذي يدعمك بهذا الهراء الذي سيفسد حياتك"

كان يصرخ بعصبية


"وائل نحن لم نعد صغاراً، نحن تجاوزنا الأربعين بالفعل، لذا توقف عن الحديث وكأنك تعرف مصلحتي أكثر مني"

قالت بهدوء


"هذا أخر ما لديك؟"

سأل وائل


"انا إمرأة، ولن أغير رأيي حتى لو صفعتني الف مرة"


أراد وائل التعبير عن غضبه، حزنه، وخيبته، لكنه لم يجد كلمات مناسبة، وإبتعد عنها


"فقط تقبلني كما انا، هذا ليس صعباً"

قالت ليلى


"عندما رأيت ملفك أول مرة لم أصدق الأمر، وأرسلته لمُدَثر لأنني لم أرد أن أكون الشخص الذي يقتلك، لكن ولا حتى هو وافق على قتلك، وبقيت انا شرير القصة"


"ليس عليك أن تبقى شرير القصة، عليك تقبل كوني إمرأة فقط"

أمسكت بيده برفق


"كيف أتقبل فكرة أنك أصبحت إمرأة؟، صديقي الذي كنا نفعل كل شيئ معاً أصبح إمرأة بجسد اُنثاوي، الأن إن نمتَ بجواري على السرير سأضاجعك"


"ليس عليك التفكير بجميع النساء بطريقة جنسية"


"حتى لو تجاوزنا هذا، فلا يمكننا أن نكون كالسابق، فأنت لم تعد رجلاً"


"حسناً دعك من هذا، كل ما أطلبه منك الأن هو تقبل فكرة أنني إمرأة، هذا كل شيئ أريده في الوقت الحالي"

قال ونظر إليها لثواني ثم قال

"حسناً"


إبتسمت ليلى ثم عانقته بقوة

"انا أحبك بشدة، لا تعلم كم كنت منزعجة لفكرة أننا لم نعد معاً"


أبعدها وائل

"لا تعانقني بكل هذا الصدر وهذه الملابس"


أرتبكت ليلى

"أعتذر، أتريد شرب شيئ ما؟"


أستقام وائل واقفاً

"كلا، سأغادر"


غادر وائل وأمسكت ليلى هاتفها لتراسل مُدَثر

"لقد أتى وائل وتحدثنا، وأعتقد أنك محق فهو يتغير"


وصلت الرسالة لكن لم يقرأها مُدَثر فقد كان مشغولاً بعمله

"لما تأخرت كاتبة المحتوى الجديدة؟"

سأل بعد أن دخل مكتب فريقه الذي يعمل معه


"لقد راسلتها، قالت بأنها وصلت منذ عشرة دقائق"

ردت فتاة سمراء مُحجبة 


"أعتذر على التأخير"

التفت ليرى ليندا تحتضن حاسوبها لصدرها وهي تلتقط أنفاسها، كان ترتدي بنطال أسود وقميص أبيض، ملابس رسمية


تفاجأت عند رؤيتها لمُدَثر وهو الأخر تفاجأ

"انتي كاتبة المحتوى؟"

سألها


"أجل"

ردت وكان من في المكتب يتسائلون عن سبب سؤاله ونظراتهما


"تفضلي، أرجو أن تعوضي التأخير لأن علينا تسليم الصفقة بعد ثلاث ساعات من الآن"

تحدث معها بشكل رسمي


"حاضر"

دخلت مباشرةً لتجلس وتفتح حاسوبها وهو خرج ليعود لمكتبه الخاص، أمسك هاتفه وقرأ رسالة ليلى ليبتسم


"الم أخبرك"

رد عليها 


في وقت الإستراحة أشترى مُدَثر شطيرة وقهوة وذهب للمكتب، كان الجميع ذهبوا لطلب الطعام إلا ليندا كانت تعمل


وضع الشطيرة والكوب على طاولتها

"شكراً"

شكرته عندما رأته


"يبدو أنكِ لم تعودي ربة منزل"

قال لترد عليه 

"وانت لم تعد رجل شرطة"


"أعتذر على"

صمت لثواني ثم قال

"تعلمين، إفساد زواجك الأول بتصرفاتي الأنانية"


"كلا، والداي كانا سيزوجانني بأي حال، لولاك ولولا تعرفي بهاني كانت حياتي لتكون أسوأ، لو كنت قد تزوجت بغيرك لم أكن سأقابله، لم أكن لأعلم بأن لي أي قيمة كإمرأة"

أرتشفت من كوب القهوة ثم قضمت من الشطيرة


"أرجو أن نعمل معاً بشكل جيد"

أضافت ليندا


"بالتأكيد فأنا أقوم بأفضل صفقات التسويق وأفكاري رائعة"

قال بفخر وهذا جعل ليندا تقهقه 


.



تمت

15-4-2023


.

فصل إضافي

بتقدر تاخد كل أغراضي

حاول إمحيني عالفاضي

إتركني بحالي أنا راضي

ما بتغيرني


كانت تضع مساحيق التجميل أمام المرآة، رشت من عطرها ثم تفقدت هاتفها

"ماذا ترتدين؟"

كانت رسالة من وائل


التقطت صورة لنفسها في المرآة ثم أرسلتها


"ما هذا؟"

"لا بد أنكِ تمزحين!"

"بدلي هذه الملابس فوراً"


تنهدت ليلى بعد قراءة رسائله

"لا أريد"


"لا تخرجي بهذه الملابس"


"لست من يخبرني ماذا أفعل"

ردت ثم أخذت حقيبتها وعندها رن هاتفها


"بدلي هذه الملابس وإرتدي شيئاً يغطي جسدك"


"أغطيه بالفعل"

ردت وهي تخرج من الباب


"ما الذي تبغينه من إرتداء هذه الملابس؟، أن يتحرش بك الرجال؟"


"ما هذا الهراء الذي تهذي به؟، لا توجد إمرأة تريد أن يتحرش رجل بها"

أغلقت باب المنزل وعندها صرخ

"أخبرتك أن لا تخرجي بها"


"توقف عن الصراخ وإلا سأنهي المكالمة، حادثني بطريقة جيدة"


"بدلي ملابسك وسأحادثك بطريقة جيدة"


"عليك محادثتي بطريقة جيدة مهما كانت ملابسي، عليكَ إحترامي دائماً"


"ما دمتي تتصرفين كالعاهرات فأنا لن أحترمك"

قال وعندها أنهت ليلى المكالمة وصعدت في سيارتها


وضعت حزام الأمان ثم تنهدت، في كل مرة تتحدث فيها مع وائل ينتهي الأمر بشجار، لقد بدأ مراسلتها بشكل يومي منذ أسبوعان فقط وفي خلالهما تشاجر معها كل يوم لسبب مختلف عن الآخر


يريدها أن ترتدي ملابس بطريقة معينة، أن تتصرف بشكل معين، وتتحدث بشكل معين، وأن تذهب لأماكن معينة، وأن لا تصادق الرجال، وأن يقوم بتقييم صديقاتها النساء


هو يتصرف كرجل شرقي ذكوري بإمتياز


"لقد تعبت من وائل"

أرسلت لمُدَثر


"هل حاولتي الحديث معه؟"


"هو لا يقبل النقاش أبداً، بالأخص لأني إمرأة، فهو بطبعه لا يستمع للنساء"


"سأحاول الحديث معه من أجلك"


"أشكرك، لكن لا أعتقد أنه سيتغير"


"لقد تغيرت، وهذا يعني أن أي أحد يمكنه التغير"

رد مُدَثر


بدأت القيادة وهاتفها يستمر بالرنين، كان وائل لكنها كانت تتجاهله، نزلت للمقهى لتقابل أصدقائها


"تبدين فاتنة"

كانت أصدقائها يخبرونها وهي تبتسم بسعادة فهي تحب سماع مديحهم


بدأت سهرتها وكانت تشرب وتقهقه مع أصدقائها حتى أتى موعد العودة للمنزل


"هل يمكنكِ إيصالي في طريقك؟"

سأل أحد أصدقائها


"بالتأكيد"

ردت ثم خرجا من المقهى وعندها وجدت وائل ينتظرها بجوار سيارتها


"إبقى هنا للحظة"

قالت لصديقها ثم إقتربت من وائل

"لما أتيت؟"


خلع معطفه ووضعه على كتفيها

"توقف، لا تجبرني على فعل شيئ لا أريده"


"لما تريدين التعري؟، ليلتم حولك الرجال؟، كالرجل هناك"

كان يقصد صديقها


"رامي صديقي، ولا أسمح لك بالحديث عنه بهذه الطريقة"


"لا يوجد شيئ يسمى بصداقة بين رجل وإمرأة"


"بل يوجد، مثل رامي، ومُدَثر ومثلك لو توقفت عن هذه التصرفات لأنني قد أضجر وأتركك"


"أنتي غبية، جميع الرجال تريد مضاجعة النساء فقط"


"لا قدرة لي على النقاش معك الآن فأنا متعبة، لذا أرجو أن تتركني وشأني الآن"

قالت ومدت له معطفه

"لن أردتيه"


إستاء وائل ومد يده ليصفعها ولكن أوقفه رامي

"ما الذي تفعله؟"


"من تكون لتمنعني من تأديبها؟"

صرخ وائل به


"هل هو شقيقك؟"

سأل رامي ليلى التي ردت

"كلا، دعك منه، لنذهب"


"من هذا الرجل الذي تذهبين معه؟"

صرخ وائل


"وائل أرجوك، لا تجعلني أقطع علاقتي بك، أرجو أن تهدأ وأن تتركنا نذهب بسلام"


"إذهبي معه ليضاجعك"

صرخ ثم إنصرف وتنهدت ليلى

"أعتذر عما بدر منه"

إعتذرت لرامي


"لا بأس"

رد بإقضاب ولم يسألها عما حدث لأنه وجد الموقف محرجاً لما فيه الكفاية


بمجرد أن دخلت غرفتها أخذت تبكي، كل ذاك الوقت كانت تحاول أن تحافظ على وائل لأنه تقدر علاقتهما ولأنه صديقها المفضل منذ الطفولة، لكنها لم تعتد تحتمل


"لم أعد أستطيع تحمل الأمر"

قالت بعد أن إتصلت بمُدَثر لتشكو له


"نهائياً!"


"لم أعد أستطيع، في كل مرة يتحدث يرهقني، أخبره أننا لم نعد صديقين بعد الآن، سأقوم بحظره"


"هل أنتِ متأكدة من هذا القرار؟، قد يقوم بتتبعك"


"أرجوك أخبره أن يتوقف، أنا متعبة حقاً"

كانت تبكي أثناء حديثها


"حسناً، خذي قسطاً من الراحة"

أنهى المكالمة لتكمل بكائها


"توقف عن تتبع ليلى، أخبرتني أن أبلغك أن صداقتكما إنتهت"


"لا يهمني، أنا لا أصادق العاهرات بأي حال"


"هل أنت متأكد أنك تريد إنهاء علاقتك بها بهذه الطريقة بعد كل هذه السنوات؟"


"صديقي كان رجلاً وليس إمرأة"


"إياك أن تكرر هذه الجملة، مهما بلغ غضبك ليس مسموحاً لك بقولها"


"لما أنت من تقرر ما هو الجيد وما هو السيئ؟، أصبحت تتحدث كالمخنثين، وأنا لا أريد أن أصبح مثلكم"


"سأدعك لتفكر فيما قلته، ولن أتحدث معك مرة أخرى إلا إن إعتذرت، وأرجو أن تترك ليلى وشأنها وإلا تصديت لكَ بنفسي"


"من تكون لتخبرني ما أفعله؟، أنت تشجعها لتصبح عاهرة، أنت مخنث بلا شك"


"أكرر، سأدعك لتفكر فيما قلته، لن أقبل أي حديث معك إلا بعد الإعتذار"


رمى وائل هاتفه بغضب ليصطدم بالأرض

"جميعكم مختلون"


بعد أن هدأ قليلاً فتح صفحة ليلى على فيسبوك ووجد أنها قامت بحظره، شعر بغضب أكثر ورمى هاتفه مرة أخرى


قرر تجاهلها لأيام لكنه كان يفكر بها دائماً، قام بتحميل تطبيق أنستجرام وفتح حسابها ليتفقد صورها، كان مستائاً من ملابسها، ومن وجود الرجال في بعض صورها


كان يشعر بدمه يغلي، هو يعتبر ليلى من أهل بيته، يفترض أن يُشرف على تربيتها ويتحكم بها كما يفعل الرجل الشرقي


أراد الذهاب وضربها ثم حبسها كي تتوقف عما تفعله، فهذا ما يفعله جميع الرجال عندما يرون إمرأة سعيدة وتتصرف كما تريد بدون أن تحسب حساباً لأحد


"مرحباً!"

نظر لمصدر الصوت ووجده شاباً يرتدي سروال رياضي وكنزة رمادية، حول رقبته قلائد ملونة 


هو يعرف هذا الشاب، لقد رآه عدة مرات، سحب كرسياً وجلس، كانا في مقهى

"أنا هاني"


"لا أتحدث مع المخنثين"

قال ورد هاني

"تحتاج الحديث معي، ففي النهاية سوف تندم، ولكن بعد فوات الأوان"


"أنا لا أندم على أي شيئ"


"بل ستندم على معاملتك لليلى بتلك الطريقة، أنت مهووس بها، وفي المقابل تعاملها كرجل ذكوري شرقي يريد إمتلاكها والتحكم بها، هل هذا كل ما تعرفه عن العلاقة بين الرجل والمرأة؟"


"لم أضاجعها حتى الآن، لذا عليها أن تكون ممتنة أنني لم أعاملها كعاهرة حقاً بما أنها تتصرف كواحدة"


"لا يمكنك مضاجعة العاهرة بدون موافقتها"

قال وعندها قهقه وائل ساخراً


"إنها عاهرة، بالطبع يمكنني"


"كلا، مازال لها حق الرفض"


"أنت مخنث بالطبع ستقول هذا"


"قل ما تريد، لا أعتبرها مسبة، ففي النهاية أنت ستكون الخاسر عندما تتركك ليلى ولا تعود إليك مرة أخرى"


"بل أنا الرابح لأنني قطعت صلتي بهذه العاهرة، فأنا لستُ مخنثاً لأرافق إمرأة كتلك"


"ما دمتَ تعتقد أن لكَ الحرية الكاملة في كل شيئ حتى التحكم في النساء فأنت لن تكون صديقها أبداً"

إستقام واقفاً


"لا أريد أن أكون صديقها"

صرخ ورد هاني

"كما تريد"


إنصرف وتركه، بينما وائل كان يغلي وغير مقتنع بأي شيئ، ويتسائل لما الجميع أصبح يتصرف بطريقة شاذة عن التربية التي تلقاها


البحر قالي ما تنزلنيش

واطلع جبل عالي وماتجيش


كانت ليلى تغني مع الأغنية وترقص مع أصدقائها

"كل عام وأنتِ بخير"

كانت ليندا تمد علبة هدايا


"شكراً"

قالت باسمة ثم عانقتها


"لولو"

كان هاني الذي دخل لتوه، هرولت إليه وعانقته بقوة


"كل عام وأنتِ بخير"

قال ومد لها حقيبة هدايا


عانقت إسلام ثم مُدَثر بعده، وهو قبلَ رأسها

"أتمنى لكِ عاماً مبهجاً"


أعطاها حقيبة هدايا وعندها عانقته مرة أخرى، بعد دخولهم نظرت للباب ووجدت وائل يقف هناك، شعرت بالخوف والتفتت لتنادي على مُدَثر لكن وائل سبقها وسحبها ليعانقها


لم تكن مرتاحة بعناقه بل كانت مذعورة، سحبتها فاطيما لتبعدها عنه 

"كيف تجرؤين؟"

قال بغضب لفاطيما التي لم تهتم بنبرته


"لا يمكنك لمس فتاة بدون موافقتها"


"وهل طلبَ أي رجل منهم موافقتها أم أن هذا القانون علي فقط؟"

لم يكن مقتنعاً بجملتها لأنه رآها تعانق هاني وإسلام ومُدَثر


"هُم أصدقائي الذين أرتاح لهم"

بررت ليلى


"أنتِ فقط تحبين الجميع عداي"


"أجل"

ردت وتفاجأ من ردها


"أنت رجل غير مريح بالنسبة إلي"

تابعت حديثها


تركها وغادر وعندها تنهدت براحة، كانت خائفة من أن يقوم بشيئ غبي


كان وائل في كل مرة يحاول أن يبتعد عن ليلى تماماً يجد نفسه يعود لمراقبتها، لا يدري هل هو هوس بالسيطرة أم أنه يريدها أن ترى عواقب كونها إمرأة لتغير رأيها وتعود صديقه القديم


وجد نفسه يريد أن يعود للحديث معها، يريد معانقتها كما يفعل مُدَثر، رغم أنه لا يؤمن بالصداقة بين الجنسين


"أنا آسف"

قال وهو يقف عند باب منزل مُدَثر


"أدخل"

أفسح له ليدخل وبدأ وائل يسأله الكثير من الأسئلة


فتحت ليلى الباب ووجدت وائل أمامها يحمل باقة أزهار، ورغم هذا فقد شعرت بالرعب


"أيمكنني الدخول؟"

سأل وردت

"كلا"


كان يستطيع رؤية عضة حب على عضدها، لقد علم من مُدَثر أنها مرتبطة بالفعل، ولكنه لم يكن يعلم كم سيغضب عندما يرى دليلاً على كونها قد نامت معه


"أرجو منك أن تنصرف"

أضافت لأنه لم يتحرك


إستفاق من شروده، لا يمكنه قتلها، ضربها، لا شأن له بها، لا يفترض به الحديث عن الشرف، فهي حُرة في تصرفاتها كحريته تماماً


"أرجو أن تقبلي إعتذاري"

مد لها باقة الزهور


نظرت إليه بشك

"تفعل هذا لتعود لضربي؟"


"كلا، إنتي حرة في أي تصرف تقومين به"

كانت كلمات ثقيلة عليه، فهو ليس مقتنعاً بالكامل بها


ولكنه ينام مع النساء، ما المشكلة لو نامت هي مع الرجال؟، لا فرق، كٍليهما يفعلان نفس الشيئ

لكن المجتمع ينكر هذا


"أرجو أن تقبلي الباقة"

قال وهي أخذتها بقلة حيلة ثم أغلقت الباب


جلست على الأريكة وتركت الباقة على الطاولة وعندها إنتبهت أن معها بطاقة


"عزيزتي ليلى

لقد كتبت هذا الخطاب بمساعدة صديقك هاني، لأنني بصراحة لا أجيد كتابة الخطابات

أنا لستُ شديد الذكاء، أو سريع البديهة فيما يتعلق بتغيير ثوابت حياتي، فهو شيئ شِبه مستحيل، وصعب بدرجة كبيرة، فحتى لو فعلتُ عكسها سيظل عقلي يحادثني بأنني أقوم بشيئ خاطئ، لكن عندما يتعلق الأمر بكِ فأنا أجد نفسي في حرب عنيفة مع معتقداتي ورغبتي بأن أبقى معك

عزيزتي ليلى إني أحبك رغم أنف عائلتي، والعادات والتقاليد، والعالم أجمع، الذي يقول بأنكِ لا يحق لكِ إلا أن تكوني في الجسد الذي ولدتي به

أعتذر عما بدر أو عما سيحدث لاحقاً لأنني لستُ سريعاً في التعلم، لكنني أحاول"


كانت تذرف الدموع وهي تقرأها، لطالما كان وائل صديقها المفضل، ولطالما كانت خسارته هي أكبر خسارة مرت بها


أرادت فقط أن يعودا صديقين، لكن نظرة وائل للنساء كانت دونية جداً، فهو لا يعترف بأي فائدة للنساء إلا بأن ينام معهن لا أكثر


"مرحباً!"

القت التحية على مُدَثر وعانقته ثم لاحظت وجود وائل وعندها مدت يدها لمصافحته


كان وائل مستائاً ولكنه يستحق، فهو السبب بكونها أصبحت تخاف منه، ولن تعود ثقتها بسهولة


"لقد خسرتي"

قال مُدَثر وقهقه ووكزته ليلى

"أنتم تغشون بالتأكيد"


"وائل مع من تتحدث؟"

سأل مُدَثر لأن وائل كان مشغولاً بهاتفه


"راما"


"الن تتوقف عن النوم مع الجميع؟"


"أنا لا أنام معها، هي صديقتي"

رد وتفاجأوا


"هذا رائع"

قال مُدَثر ثم عانقه

"أنت تقوم بعمل جيد"


نظر لليلى التي كانت تنظر إليه بدورها، نهضت من كرسيها وإقتربت منه ثم عانقته أيضاً

"عمل جيد"


لقد مر شهر كامل منذ آخر مرة لمسها بها، كانت دائماً تتجنبه، حتى بعد الإعتذار


"أيمكنني مبادلتك العناق؟"

سأل وهي إبتسمت

"أجل"


بادلها العناق بقوة وأخذت تقهقه لأنها إختنقت

"من الرائع رؤيتهما معاً"

تمتم مُدَثر


لقد عادا ليكونا معاً مرة أخرى، هذا أراحه، فقد كان قلقاً عليهما لأن كليهما يحتاجان بعضهما


كانت أغنية فرقة وسط البلد تُذاع بصوت مرتفع في المقهى


ولما مرة الليل برق على صدر فدانين قلق

ولأني قررت الحياة ورفضت أموت

رغم إختلافنا المؤتلف، فيكي بموت


.




تعليقات

  1. يتم القراءة للمرة ال5 🤘🏻

    ردحذف
  2. هقراها تاني لاني بحبها و اتمنى مدثر يختفي

    ردحذف

إرسال تعليق