لا أحد يعلم
صدفة رقمية صغيرة — طلب صداقة أُرسل بالخطأ — تفتح نافذة على اعترافات لم تُقَل من قبل.
ولكن هل يكفي أن يراك شخص واحد… كي تنجو؟
.
مدخل
مشاعل لم تتعلم كيف تحلم، بل كيف تحسب
تحسب عدد الساعات، عدد الأكواب، عدد المرات التي تبتلع فيها تعبها وتبتسم
لم تكن من محبي القهوة، لكنها تصنعها جيداً بما يكفي لإرضاء الزبائن
في مكان آخر، كانت كنزي تكتب
لا لأنها تملك ما يُقال، بل لأنها لو سكتت ستختفي
البيت مزدحم، والكلمات هي المساحة الوحيدة التي لا يزاحمها فيها أحد
لم تكن أيٌّ منهما تبحث عن الأخرى
لكن في عالم يُجيد تجاهل النساء المتعبات
يكفي خطأ صغير...
لتبدأ حكاية لا أحد يعلم عنها شيئاً
.
تعمل مشاعل في مقهى في الرياض بينما تعمل كنزي في مكتبة في القاهرة فكيف يمكن أن يلتقي عالمهما؟
الحوارات باللهجة المصرية والسعودية
.
مقتبس من قصة حقيقية
.
.
.
1. خارج حدود الخارطة
-كنزي-
تنفسي يا كنزي تنفسي..
"عيب عليكي تتبلي على الراجل"
كان الرجل يدافع عن رجل متحرش
نظرتُ إليه باحتقار، وأراهن بكل ما أملك أنه من فصيلته، يمارس القذارة ذاتها حين تسنح له الفرصة، لم أصمت، لم أكن يوماً من اللواتي يبتلعن الإهانة ويوارين وجوههن في الأرض
"أيوة أنا بتبلي عليه، وأنا بنت ستين كلب.. واللي هيفتح بؤه هنيكه!"
ساد الصمت
الرجال في بلدي يُصعقون حين تتحدث فتاة بمثل هذه الألفاظ، تسقط هيبتهم الزائفة ويعجزون عن الرد
سمعتُ أحدهم يتمتم خلفي بذهول
"الستات اتجننت!"
يسعدني جداً أن أكون مجنونة، يسعدني أن أزرع الخوف في قلوبهم بدلاً من أن أعيشه وحدي
وبحركةٍ سريعة، نزعتُ دبوساً من حجابي، وبكل ما أوتيت من غيظ، غرسته في قضيب الرجل. غرسته حتى النهاية، وكان صراخه وهو يتلوى تحت قبضة الألم أمتع موسيقى سمعتها في حياتي
لو كانت معي شفرة حلاقتي اليوم، لكنتُ مزقت رجولته الزائفة تماماً، لكن للأسف، اكتفيت بالدبوس. وقبل أن أهبط من السيارة، ألقيتُ في وجهه كلمتي الأخيرة
"ابقى كررها بقى يا كسها.. المرة الجاية هريحك منه خالص"
ليروني فاسقة، أو مجنونة، أو خارجة عن الملة.. لا يهمني. المهم أنني لن أكون مجرد امرأة تتعرض للتحرش وتصمت
وصلتُ إلى مكان عملي؛ "المكتبة". أتمنى أحياناً لو كانت لدي فرصة للعمل في أماكن أرقى بمرتباتٍ تُشعرني بآدميتي، لكن من أين لي بمقومات تؤهلني لذلك؟
كل ما لدي من التعليم هو حتى المرحلة الثانوية
تركت التعليم بعدها لأتفرغ للعمل ففي منزلنا لا ينفق أحد قرش على الآخر
لدي ثلاثة أخوة ذكور ووالد عاطل
لا أحد منهم ينفق قرشاً واحداً علي
"عايزة حاجة!، بفلوسك يا ماما"
هكذا تمت تربيتي
منذ طفولتي وأنا أعمل وأحياناً كنت اتسول في الشوارع لأجني المال لأنفقه على احتياجاتي الخاصة
"صباح الخير"
القت التحية على مديرتي ثم وقفت مكاني خلف طاولة الحساب
مديرتي امرأة لطيفة ولكنها حازمة أيضاً
راتبي ضئيل ولكن هذا ما يتقاضاه من يعملون في وظائف كتلك، أولئك الذين لا يملكون إلا شهادة الثانوية
في فترة الاستراحة أو عندما لا يكون هناك زبائن أستغل الوقت في تصفح فيسبوك، فليس لدي المال الكافي لشحن باقة انترنت لذا استغل انترنت المكتبة
لدي الكثير من الأصدقاء على فيسبوك، هناك لا أشعر بالعار أو بالغرابة، حيث نتشارك نفس الأفكار، ربما لسنا في نفس الطبقة الإجتماعية لكن هناك لا يسألون من أي طبقة أنا، ما يهمهم هو أفكاري فقط
هناك نتناقش ونتحاور ونلقي النكات أيضاً
هناك ملجأي الآمن
أفتحُ الباب، فيستقبلني ذاك الهواء الثقيل الذي لا يتغير. بمجرد أن تطأ قدماي عتبة المنزل، أشعر بالاختناق، كأنني دخلتُ سجناً طوعياً أعود إليه كل ليلة لأقضي عقوبتي
في هذا المنزل غرفتان، واحدة لوالدي، والأخرى لإخوتي الثلاثة
أما أنا؟ فلا مكان لي في هذا المنزل إلا أريكة غرفة الجلوس
هناك، أعيش بلا خصوصية ولا هدوء، لا شيء سوى الاكتئاب الصاخب، حيث أستلقي وأنا أسمع أصوات أطفال الشارع، صراخهم وشجاراتهم التي لا تنتهي وتخترق رأسي المثقوب بالهموم
أتعلمون؟ لم أحلم يوماً بغرفة لي وحدي، أراه شيئاً مستحيلاً لدرجة أنني لا أتجرأ حتى على الحلم به
فور عودتي، أول ما أفعله هو رمي حجابي على الأريكة بتقزز... أكرهه
أكره أنني مجبرة على ارتدائه، وإلا سيتحول إخوتي ووالدي إلى قتلة بدافع الشرف المزعوم
سري الأول هو أنني أخلعه أحياناً حين أكون في مكان بعيد، لأتنفس قليلاً بعيداً عن أعينهم
وأكره الشعر الطويل أيضاً، أراه سلطة أبوية أخرى تحاول تقييدي، لذا أقصه باستمرار قصة البيكسي أقصه بنفسي هنا في المنزل، فلا مال لدي لأهدره في الصالونات، وبمرور الوقت صرتُ جيدة في ذلك، اعتدتُ على تشكيل ملامحي بنفسي
والدتي ميتة، لكن رحيلها لم يترك في قلبي أثراً
لم تكن يوماً حنونة علي لأذكرها بالخير
كل ما بقي منها في ذاكرتي هو قسوتها، والضرب المستمر، وبرودها الذي كان يقتلني قبل أن تموت هي
لم تعانقني يوماً، ولم تقل لي أحبك أبداً
كانت امرأة قاسية كالجدران التي تحيط بي
أتعلمون بماذا أحلم حقاً؟
أحلم بعائلة حنونة
أعلم أن هذا مستحيل، لذا أهوى الخيال، أحلم بأن تتبناني عائلة أخرى.. عائلة حبيبتي ربما
أوه!
لقد قلتها.. هذا سري الثاني
أنا مثلية، أحب النساء، لكنني عزباء في الوقت الحالي، ما زلت أبحث عن امرأة حنونة، امرأة تكون لي سقفاً وجداراً وتعوضني عن بؤس حياتي الحالية
وأعتقد أن رحلة البحث هذه ستكون طويلة جداً، وربما.. لن تنتهي أبداً
أما عن سري الثالث.. فهو الحقيقة التي لا يجرؤ أحد في هذه المنزل على تخيلها
أنا ملحدة، لا أؤمن بالأديان، ولا أؤمن بوجود إله.. فلم أحصد من فكرة الدين سوى الخراب والأذى
الجميع هنا يؤذيني، يضربني، ويقمعني بحجة الدين، لستُ بلهاء أو ساذجة لأردد تلك الأسطوانة المشروخة بأن 'العيب في البشر وليس في الدين'.. لا، العيبُ في الأصل، في الدين الذي جعلني إنسانة من الدرجة الثانية، كائناً أدنى من الرجل، ناقصة عقل، وعورة يجب تغليفها وتغطيتها
حتى في أحلامهم عن الجنة، تلك المكافأة التي يلوحون بها.. ما هي إلا سجن آخر
يخبرونني أن مكافئتي هناك ستكون أن يضاجعني زوجي ليل نهار، وأن أعود بكراً في كل مرة ليتمكن من الاستمتاع بي وكأنني مجرد آلة للمتعة لا تنتهي صلاحيتها
"ضعوا جنتكم هذه في مؤخرتكم.. لا أريدها، ولا تشرفني"
-مشاعل-
استيقظُ كل صباح قبل أن تشرق شمس الرياض، ليس لأنني أحب البدايات، بل لأنني المحرك الذي يجب أن يدور لكي يعيش هذا البيت
أبدأ بديما، أختي الصغيرة ومدللتي
أساعدها في ارتداء ملابسها، وأقف خلفها أمشط شعرها وهي تتذمر، ترفض هذه التسريحة وتطلب تلك، تختار ما يناسب مزاجها الطفولي المتقلب وأنا أطاوعها بكل حب
بعد أن ننتهي، أمسك يدها الصغيرة ونمشي سوياً في الشوارع حتى نصل لمدرستها، أطمئن عليها وهي تدخل، ثم أغير وجهتي إلى المقهى حيث يبدأ يومي الحقيقي
أنا مشاعل
تعليمي توقف عند المرحلة الإعدادية فقط، أما الباقي؟ فلم أستطع إكماله
حين توفيت والدتي، انهار كل شيء
والدي لم يكتفي برحيلها، بل تزوج من امرأة أخرى وقرر حذفنا تماماً من حياته، تركنا لمصيرنا وذهب ليعيش حياته الجديدة، وكأننا لم نكن يوماً جزءاً منه
كان علي أن أعمل لأساعد في المنزل
أعمل أنا وشقيقي هتان
ورغم كل الضغوط، أقسمتُ ألا تمر ديما بما مررتُ به، لا أريدها أن تنكسر مبكراً، أريدها أن تتعلم حتى الجامعة، وأن تعمل في وظيفة مرموقة، أريدها أن تصبح أفضل فرد في هذه العائلة
لدي الكثير من الآمال المعلقة على كتفيها الصغيرين، أنا الوحيدة في المنزل التي تؤمن بأن التعليم هو النجاة، لذا أنا من أدفع مصروفات تعليم ديما من عرق جبيني من عملي، أما هتان؟ فهو لا يهتم، يرى التعليم إضاعة للوقت، ويكتفي بمشاركتي في دفع الإيجار وفواتير الكهرباء فقط
يجب أن أعترف، مظهري الجيد هو ما ساعدني في الحصول على هذه الوظيفة أنا شعبية جداً بين الفتيات اللاتي يرتدن المكان، أحب قصة شعري البيكسي القصير، وأرتاح في ارتداء الملابس الذكورية، فهي تمنحني شعوراً بالأمان في هذا العالم الغابة
أضعُ الكمامة أغلب الوقت، وغالباً ما يعتقد الناس في الشارع أو المقهى أنني رجل، وهذا لا يزعجني البتة، بل يريحني.. فهو يقلل من عدد المتحرشين الذين يلاحقونني بنظراتهم
شقيقي هتان يتقبل الكثير من أموري، يتقبل ملابسي الغريبة، ويتقبل أنني لستُ محجبة، وحتى حين يضيق بي الحال وأشعل سيجارة لتهدئة أعصابي أمامه، يتقبل ذلك بصمت.. ولكن، هناك سر أخفيه عنه بكل جوارحي، سر لو عرفه لربما تغير كل شيء
أنا ملحدة
لن أؤمن أبداً بوجود إله
وإن كان موجوداً فعلاً كما يدعون، فأنا لا أريد منه شيئاً سوى أن أسُبه وأضربه حتى الموت
ذاك الحقير! بسببه أعيش هذه الحياة القذرة، وبسببه أعاني يومياً لأكسب لقمة عيشي
ما المغزى من خلق الناس ثم جعل حياتهم بائسة بهذا الشكل؟ هل تجد هذا مضحكاً أيها الإله السخيف؟ هل تستمتع بمراقبة عجزنا؟
سمعتُ من بعض الأصدقاء أن مصر بها عدد كبير من الملحدين، وأنني سأجدهم في مجموعات فيسبوك
لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم، فطلبتُ من صديقتي أن تنشئ لي حساباً، وبالفعل قامت بذلك وبدأت تُعلمني كيف أستخدمه
أشعر أحياناً بأنني إنسان كهف خرج للتو إلى النور، لا أعرف شيئاً عن الفيسبوك ولكنني أتعلم بسرعة! أحب أن أتحدث وأسمع الكثير من الآراء، لذا أنا مهتمة جداً بالمجموعات النقاشية
دخلتُ الكثير منها، وكنت أستمتع بقراءة نقاشات الملحدين وغيرهم، وفي كل مرة، كنتُ أقتنع أكثر بأنني في الطريق الصحيح
حين ينتهي عملي المجهد، وفي طريق عودتي للمنزل، أشتري بعض الحلوى لديما، أدخل البيت فأجدها غارقة في دفاترها تقوم بواجباتها المدرسية
أقترب منها، أقبل خدها بحنان، وأعطيها الحلوى، في تلك اللحظة، وسط تعبي وغضبي من العالم، أشعر أن هذه الطفلة هي الشيء الحقيقي الوحيد الذي يستحق أن أقاتل لأجله
(وافقت كنزي على طلب صداقتك)
كان اشعاراً قد وصل إلي على فيسبوك
متى أرسلت لها طلب صداقة؟
لابد أنه عن طريق الخطأ
فتحت صفحتها وظهر لي أننا نتشارك في المجموعات الالحادية لذا قررت أن لا أحذفها
بدأت أمرر في صفحتها، اقرأ منشورات تناقش الأديان، وأخرى تسخر منها، وأخرى تشعل تساؤلات كثيرة داخل رأسي
كانت تتناقش بكل حيادية في التعليقات حتى لو كان لديها رأي معين فهي غير منحازة له بل تتقبل سماع الرأي الآخر وتستقبله وتحاول رؤية منظور الجميع
وهناك منشورات لخواطر وأشعار، يبدو أنها كاتبة!
بينما امرر رأيت صورة لها
بشعر أحمر ناري مقصوص قصة البيكسي، استطعتُ رؤية جروح واضحة حول رسغها.. جروح لن تلاحظها عين عادية، بل تلاحظها فقط عين فعلت المثل
وأجل، لقد كنتُ أجرحُ جسدي من قبل، لكنني توقفت، لا لأنني شفيت، بل لأنني ما عدتُ متفرغة حتى لهذا الألم، فالحياة وضعت على عاتقي ما هو أثقل
امرأة نحيلة، بصدر بارز وشعر أحمر ناري
نحن الملحدين نتشابه بشكل كبير
ولكني لا اشبههم لذا أحياناً أشعر بالضياع
ولكني أتذكر شيئاً مهماً
نحن متنوعون لنا مختلف الاشكال ولا يجب أن يكون لنا شكل محدد أو معين فنحن نمتلك حريتنا الكاملة
أحياناً أفكر هل حقاً أحب مظهري هذا أم أنني أخترته لأنني أكسل من أن أغيره؟
أحياناً أفكر هل لو كانت والدتي مازالت حية هل كان لينتهي بي الأمر في نفس المصير؟
والدتي كانت حنونة ولطيفة، وكانت تعمل لتساعد في نفقات المنزل، لا أتذكر الكثير عنها لكني متأكدة أنها كانت لتجعلني أكمل تعليمي ولم تكن لتسمح لي بالعمل بعد الإعدادية
كيف استطاع والدي تجاوز موت والدتي بهذه السهولة واستبدلها بأخرى ورمانا نحن أيضاً وكأننا مجرد عبء عليه؟
أتمنى لو أنني كنت أشجع في طفولتي، كنت لأقتل والدي ولم أكن لاسجن لأنني قاصر
من الممتع أن تكون فوق القانون
دخلت غرفتي التي أتشاركها مع ديما، ارتميت على السرير وقررت أخذ غفوة
علي غداً البحث عن وظيفة أخرى مسائية فقريباً ستصبح ديما في المرحلة الإعدادية وستحتاج مصروفات أكثر
سيكون كل شيئ بخير
سأجد وظيفة أخرى مسائية وسيصبح معي مال وفير لأنفقه على مدللتي الصغيرة
.
.
.
.
2. وطن بديل
-مشاعل-
المثقفين والكُتاب بتوعنا قلبوا القراءة بيزنس ورأسمالية بحتة، وبقوا بيتعاملوا مع الكتاب كأنه براند غالي مش من حق الغلبان يلبسه
بجد حاجة تقرف لما تلاقي كاتب قاعد ينظر عليك ويقولك أنا ضد القرصنة وماتشتريش النسخة المضروبة، وهو عارف كويس إن سعر كتابه يكسر ميزانية بيت كامل لمدة أسبوعين أو حتى شهر! يا سيدي، أنت مش بتدافع عن الفن، أنت بتدافع عن جيوبك وبتقول للفقير بوضوح لو معكش فلوس، مش من حقك تقرأ.. الجهل هو مقامك.
بقينا بنشوف استحقار للمهمشين والفقراء في كل حرف بيترص.. بيحسسوك إنك لو قرأت نسخة PDF أو كوبي رخيصة عشان تشبع عقلك، تبقى حرامي ومجرم في حق الفكر. طب والفقير اللي مرتبه كله ميجبش كتابين من إصداراتكم الفشيخة دي، يعمل إيه؟ يروح يرمي نفسه في البحر عشان السادة المثقفين يرتاحوا؟
أنتم مش شايفيننا أصلاً، ولا معتبرين إن من حقنا نعرف أو نفكر طالما جيوبنا فاضية. القراءة بقت حق حصري للي معاه الفائض، والجهل بقى قدر مفروض علينا بالعافية.
وفروا نصايحكم لنفسكم.. لو التمن إني أكون حرامية كتب في نظركم عشان أعرف أعيش وأفهم، فأنا فخورة باللقب ده. جنتكم الثقافية دي خلوها ليكم، إحنا لينا الشوارع والنسخ المضروبة والـ PDF اللي بيخوفكم.
"هالبنت تتكلم عني!"
تحولت الثقافةُ إلى "منظرة" واستعراض
أصبح الكتابُ إكسسواراً يُوضع بجانب كوب القهوة المختصة لالتقاط صورةٍ مثالية، أما نحنُ المطحونون خلف الماكينات، فليس لنا حق في الحلم
غلبني الضيق وأنا أفكر هل المعرفةُ أصبحت حكراً على من يملكون الفائض؟ هل كوني فقيرة يعني أن أظل جاهلةً للأبد؟
استحقار الفقراء الذي تحدثت عنه كنزي لمستهُ في نظرات الكُتاب المتعالين في معارض الكتب، وفي أسعار الروايات التي تُعادل نصف فاتورة الكهرباء التي أقاتلُ لسداده
أُعجبتُ بشراستها، بقوتها، وبجرأتها الدائمة في طرح المواضيع
فجأة، شعرتُ بجرأةٍ غريبة تتسللُ إلى أصابعي
لم أعد أريد الاكتفاء بالمراقبة من بعيد
ضغطتُ على أيقونة الرسائل، وبدأتُ أكتبُ لها، وقلبي يدقُّ بعنف خلف صدي
"كنزي.. قريت كلامك عن الكتب والفقر
تدرين؟ أنتي قلتي اللي كلنا خايفين نقوله، أنا باريستا بالرياض، وأشوف بعيوني كيف القراءة صارت برستيج للأغنياء وبس، وإحنا اللي نكرف مالنا شي، شكراً على شجاعتك، وشكراً لأنك تذكريننا إننا موجودين حتى لو جيوبنا فاضية"
كنت اعتقد أنها مجرد رسالة عابرة وأن كنزي لن ترد، ولكنها ردت
ومنذ تلك اللحظة، بدأت المحادثاتُ بيننا تنسابُ كخيط حرير وسط أشواك الواقع، تحول المسنجر من مجرد تطبيق تافه في هاتفي المكسور إلى نافذتي الوحيدة للتنفس
كانت الرسائل تتطاير بين الرياض والقاهرة في كل وقت، أرسلُ لها وأنا تحت أضواء المقهى الخافتة وخلف ماكينة القهوة أو خلف طاولة الحساب في المتجر الءي أعمل فيه مسائاً، وترد علي وهي فوق أريكة الصالة المزدحمة بضجيج إخوتها أو في المكتبة الهادئة التي تعمل بها
بدأ الأمرُ بنقاشات حادة عن الدين والإلحاد، وجدتُّ في كنزي المعلمة التي تملكُ الحجة واللسان السليط، كانت تشرحُ لي ما يعجزُ عقلي عن صياغته، بينما وجدت هي في الأذن الصاغية والقلب الذي يشاركها نفس الغضب الوجودي، لم يقتصر الأمر على الفلسفة، بل امتد ليطال كل تفاصيل بؤسنا اليومي
في إحدى الليالي، أرسلت لي كنزي رسالة صوتية
"عارفة يا مشاعل؟ أوقات بحس إن ربنا لو موجود فعلاً، يبقى هو أكتر حد بيحب يشوفنا بنتعذب.. ليه يخلقني في صالة ويخلق غيري في قصر؟ ليه يخليني أشتغل ليل نهار عشان أعرف أعيش؟"
أخذتُ نفساً عميقاً، وأزحتُ الكمامة قليلاً لأهمس لها برسالة صوتية، والغضب يحرق عروقي
"تدرين يا كنزي.. أنا دايم أقول نفس الشيء، لو هو موجود ليه ترك أبوي يرمينا؟ ليه خلاني أنكتم خلف هالكمامة عشان بس أعيش؟ أحس إننا مجرد أرقام في لعبة سخيفة هو يديرها ويضحك علينا"
هربنا معاً من واقعنا إلى بنتيرست، نتبادل صوراً لبيوت غريبة، غرفٍ بجدران زجاجية تطل على غابات لا يسكنها البشر
كتبت لي كنزي بحسرة
"عارفة؟ أنا حلمي بس باب.. وأدخل وأقفله ورايا، محدش يسألني بتعملي إيه"
فرددتُ عليها وأنا أتخيل مطار الملك خالد أمامي
"وأنا حلمي شنطة سفر.. وجواز سفر ما فيه ختم رجوع"
كانت محادثاتنا تتأرجح بين الضحك الهستيري على مواقف الزبائن المترفين ومتحرشي الحافلات، وبين البكاء الصامت عبر الرسائل النصية التي تبلل شاشاتنا
صرنا نتبادل الأغاني كأننا نقتسمُ أرواحنا، هي ترسل لي "الشيخ إمام" بكل ثورته، وأنا أرسل لها "عبادي الجوهر" بكل شجنه
لقد خلقنا لأنفسنا وطناً بديلاً، وطناً لا يحتاجُ لخرائط أو حدود، كان يحتاج فقط لشحن البطارية.. وباقة إنترنت لا تنتهي
كانت كنزي كريمة جداً معي، تتشاركُ معي صورها الشخصية بتلقائية، تارةً بشعرها الأحمر الناري، وتارةً وهي تضحك وسط الكتب، بينما أنا.. كنتُ مجرد اسم مستعار وصور للطبيعة
في يوم، سألتني كنزي بنبرةٍ غلبت عليها السخرية
"هو براحتك وكل حاجة يا مشاعل.. بس إيه حكاية السعوديين مع إنهم مش بيتصوروا خالص؟ إنتوا عليكم تار ولا إيه؟"
ضحكتُ خلف الشاشة، رددتُ عليها بكلماتٍ حاولتُ أن أبدو فيها هادئة
"ما أحب أتصور، بس ياللا.. لعيونك بتصور الحين"
خلعتُ الكمامة، والتقطتُ صورةً سريعة بوضعيتي العادية، لكنني بمجرد أن رأيتها في المعاينة، شعرتُ بنفور غريب لم تكن هذه الصورة هي التي أريد لكنزي أن تراها أحسستُ أنها ليست مناسبة، وأن ملامحي باهتة تحت إضاءة المقهى الكئيبة
بسرعة غير معهودة، دخلتُ حمام المقهى، وقفتُ أمام المرآة، عدلتُ خصلات شعري، غسلتُ وجهي بالماء وكأنني أغسل عنه تعب الوردية بأكملها. ولأول مرة في حياتي، شعرتُ برغبة في استخدام مساحيق تجميل، أن أكون جميلة بالمعنى التقليدي لأجلها. لكنني لم أكن أملك سوى هاتفي، ففتحت تطبيق سناب واستخدمت فلتراً للتجميل يُبرز ملامحي ويخفي شحوبي
التقطتُ أكثر من صورة، كنتُ أتأمل وجهي في كل واحدة وكأنني أراه لأول مرة، في النهاية، استقررت على أكثر صورة شعرتُ أنها جيدة، وأرسلتها
بقيت متوترةً، يدي ترتجف، وأفكاري تتقافز
"هل ستعجبها؟ هل ستراها مصطنعة؟"
ثوان مرت وكأنها سنوات، حتى أومضت الشاشة برسالةٍ من كنزي جعلت الدم يتدفق في وجهي بحرارة
"مزة!"
كانت كلمة واحدة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعلني أبتسم لنفسي في مرآة الحمام كالمعتاد، ولأول مرة.. لم تكن الكمامة هي ما يغطي وجهي، بل خجلاً لم أذقه منذ زمن طويل
أنا معتادة على المجاملات، فمظهري الذي يمزج بين القوة والنعومة جعلني شعبية في المقهى
كنتُ أسمع كلمات الثناء من الفتيات والزبائن يومياً، لكنني كنتُ أستقبلها ببرود تام، خلف كمامتي وبابتسامةٍ باهتة لا تتجاوز حدود الواجب. كانت مجرد كلمات تتبخر مع بخار الحليب
لكن المجاملة من كنزي.. كان لها وقع مختلف تماماً
أغلقت باب الحمام وجلست على الأرض للحظة، أتنفسُ بصعوبة، كان تأثيراً غريباً، جعلني أرغب في إرسال المزيد من الصور، وفي الوقت ذاته، جعلني أخاف من هذا التعلق الذي بدأ يتجاوز حدود النقاشات الفكرية والهموم المشتركة
لقد لمست كنزي وتراً لم يجرؤ أحد قبلاً على الاقتراب منه، وبكلمةٍ واحدة، جعلتني أشعر أنني ولأول مرة.. لا أريد الاختباء خلف الكمامة أمامها هي بالذات
-كنزي-
نشأتُ في شوارع القاهرة وفي بيتي الذي يضج بالرجال على فكرةٍ واحدة
"السعوديون يكرهون المصريين ويستحقرونهم"
منذ طفولتي وأنا أسمع أننا بالنسبة لهم مجرد عمالة رخيصة، وهم بالنسبة لنا مجرد آبار نفط، اغنياء بلا عقل، وقسوة وتشدد ديني يفتقر للمشاعر
وعندما نضجتُ وتعلمتُ، أدركتُ أن هذا مجرد تعميم خاطئ وظالم، لكنني رغم ذلك، ظللتُ محبوسة في تلك المنطقة البعيدة عنهم
صادقتُ اناساً من جنسيات مختلفة، لبنانيين، سوريين، عراقيين، مغاربة.. لكنني لم أقترب يوماً من السعودية
ربما لأنني فتاة فيسبوك، والسعوديون يفضلون تويتر وسناب، ولا يطيقون زحمة الفيسبوك ويعتبرونه تطبيق للعجائز
حتى ظهرت مشاعل
لأول مرة في حياتي، أجد سعودية على فيسبوك، والمفاجأة لم تكن في وجودها، بل في كونها شخصاً ممتعاً في النقاش بشكل مذهل
عقلها حاضر، ومنطقها في الحوارات الفلسفية يزن بلداً بأكملها، والمضحك حقاً، أنها ليست مجرد امرأة ذكية، بل إن ظروفها الحياتية نسخة كربونية من حياتي أنا
كانت هذه هي المرة الأولى التي أحادث فيها سعودية فقيرة، أول مرة أدرك فيها أن هناك وجعاً هناك يشبه وجعنا تماماً، وأن الفقر ليس له جنسية
كنتُ أظن أن الفقر ماركة مسجلة باسمنا نحن المصريون، لكن مشاعل أرتني أن هناك سعوديين يُطحنون في العمل من أجل لقمة العيش، ويُحرمون من التعليم بسبب المصاريف، ويعيشون في سجون عائلية خانقة مثلنا تماماً
كسرت مشاعل في عيني صورة السعودي المرفه التي تربيتُ عليها، وجدتُ أمامي فتاة تكافح من أجل أختها، وتحارب لتثبت وجودها، وجدتُ إنسانة حالتها المادية قريبة مني لدرجة مخيفة، وهذا تحديداً ما جعلنا نقترب من بعضنا بهذه السرعة، الفقر هو الذي وحد لغتنا قبل الإلحاد، وقبل أي فكرة أخرى
لكن الشيئ الذي كان يشترك معها هي وبقية السعوديات هو تخفيها خلف الصور من بنترست
نتحدث منذ أشهر ولا أعلم كيف تبدو بينما ارسل لها صوري بإستمرار
قلقت أن أكون سطحية إن طلبت منها صورة لذا قلتها بنبرة مازحة وهي استجابت لي وارسلت صورة
لم يكن وجهها مجرد ملامح جميلة، كان وجهاً يصرخ بالعناد
عيناها.. يالها من عينين! كان فيهما سكون صحراء الرياض التي لم أزرها أبداً لكني رأيت صوراً لها، وعمقُ شجن لا ينتهي، وكأنهما بئر مليء بالأسرار التي لا تُقال
قصة شعرها رغم تشابهها قليلاً مع قصة شعري لكنها كانت مختلفة تماماً عليها، كانت تُبرز عظام وجهها المنحوتة كأنها تمثال لامرأةٍ من زمن آخر، امرأة قوية لم تكسرها قسوة الأيام
كان جمالها مربكاً، ليس من النوع الذي تراه في المجلات، بل من النوع الذي تراه في الشارع وتظل تفكر فيه لأيام
جمال حاد، صريح، فيه من الخشونة ما يكفي ليحميها، ومن الرقة ما يكفي ليجعل قلبي يدق، بشرتها السمراء الصافية كانت تنطق بالعزة، وكأن كل ذرة تراب في بلادها طبعت قبلة على جبينها
لو أخبرني أحد قبل أشهر فقط أنني سأشعر برغبة عارمة في زيارة السعودية، لكنتُ سخرتُ منه، بالنسبة لي، كانت تلك البلاد مجرد كتلة من السياسات التي أمقتها، ومن القوانين التي تخنق النساء، ومن التشدد الذي أراه عدوي الأول
كانت في مخيلتي بلاداً رمادية لا حياة فيها، مجرد صحراء شاسعة يسكنها الترفُ الزائف والقسوة
لكن مشاعل.. مشاعل فعلت بكلماتها ما لم تفعله كل كتب الجغرافيا والتسويقات السياحية
حين تتحدث مشاعل عن الرياض لا أسمع صوت النقود ولا أرى الأبراج والرفاهية، بل أسمع صوت خطواتها المنهكة على الأسفلت
حكت لي عن مشاويرها الطويلة التي تقطعها سيراً على الأقدام لأن أوبر يلتهم نصف يوميتها، وعن شمس الظهيرة التي تحرق كتفيها وهي عائدة من المقهى لتوفر ثمن ألوان شقيقتها ديما حكت لي عن زحمة الشوارع التي بدأت تظهر مؤخراً، وعن أزقة الديرة التي تشبه في أصالتها ووجعها حواري مصر التي لم تزرها منذ موت والدتها
بدأتُ أتخيل نفسي هناك، ليس كزائرة، بل كرفيقة رصيف لمشاعل، أريد أن أشاركها تلك المسافات، أن نمشي معاً حتى تتورم أقدامنا ونحن نسبُ العالم والفقر والسياسة، ثم نجلس على أي حافة طريق لنقتسم شطيرةً باردة وسيجارةً مهربة.
.
.
.
3. علم لا يُباع في سوق الخردة
-كنزي-
"أكتر جملة بتخليني عايزة اجيب اللي في بطني هي الدين كرم المرأة.. بجد؟ ده كدب ومحاولة تجميل رخيصة مش أكتر، الدين ظلم المرأة في كل حالاتها، بداية من وصفها بإنها ناقصة عقل ودين لحد ما خلى شهادتها نص شهادة الراجل
والضحك كله في الميراث، تاخد النص ويقولك عشان الراجل هو اللي بيصرف عليها.. على أساس إنها جاموسة محتاجة حد يعلفها ومش قادرة تصرف على نفسها؟
الشيوخ بيتلاعبوا بالنصوص على مزاجهم، وقت ما يحبوا يقولك عادي الست تجهز البيت مع الراجل وتساعد في المصاريف عشان الدنيا صعبة، لكن لو طالبت بالمساواة في الميراث يصرخوا في وشك أحا.. عايزين تغيروا في الشرع؟
إحنا عايشين على نصوص وقصص من آلاف السنين، وكل الحجة إن الناس دي كانت مسلمة واستحالة تكدب.. حاجة في قمة الضحك والهبل والله
واللي يفرسك بقى هو التناقض اللي بيقطر سم.. يقولك الاسلام كرم المرأة ولست ملكة وجوهرة مكنونة ولازم تتغطى عشان الفتنة، وفي نفس الوقت تلاقي التراث مليان كلام عن ملكات اليمين والجواري اللي كان بيتم تداولهم في الأسواق بصدور عريانة عادي جداً! فين الحشمة والجوهرة هنا؟ ولا هي الجوهرة بتبقى جوهرة بس لو كانت مسلمة؟
والضحك الأكبر في موضوع القوامة.. الراجل ليه حق الطاعة، وليه حق الهجر في المضاجع وكمان الضرب لو خاف من نشوزها! يعني لو الست عبرت عن رأيها أو رفضت حاجة تبقى ناشز وتستاهل التأديب، لكن لو هو خان أو ظلم أو أهمل، تلاقي الشيوخ يقولولها اصبري واحتسبي وليكي الجنة.. جنة إيه اللي تخليني أعيش مكسورة الجناح مع واحد معاه مفاتيح سجني؟
حتى في الآخرة مريحوناش.. الراجل ليه الحور العين وما لذ وطاب، والست آخرها تقعد تتفرج عليه وهو بيتمتع، وخلاص ومش هتغير عشان الرب هينزع منها الغيرة لأنهم في جنة بقى وكده
يعني حتى في الجنة هتمسحوا هويتي ومشاعر بشريتي عشان خاطر مزاج سعادة الباشا؟ طب أنا هعوز ادخل الجنة ليه بقى اما كل اللي فيها لرضا أحلام الرجالة الجنسية؟"
أكره هذا الدين..أكره هذه البلد
أكره أن لاشقائي سلطة علي لمجرد أنني امرأة
خلعتُ حجابي ليداعب الهواء شعري
شعرتُ فجأة ببرودةٍ لذيذة تلمس عنقي، وبوزنٍ ثقيل ينزاحُ عن كاهلي، أشعرُ بالحياة عندما أخلعه، أحس بجزيئات الهواء وهي تتغلغل بين خصلاتي وكأنها تعيد لي صلة مقطوعة مع جسدي
أتمنى لو أمكنني خلعه بشكل دائم وليس خلسةً فقط
أمسكتُ هاتفي، وصورتُ خصلات شعري وهي تتطاير بحرية خلف وجهي، وأرسلتها لمشاعل مع رسالةٍ قصيرة
"الحرية حلوة"
ضغطت على زر تسجيل الرسالة الصوتية
"بتمنى حاجات كتير أوي يا مشاعل، وكلها ممنوعة، نفسي اقلع حجابي للأبد، نفسي أكمل تعليمي وألاقي وظيفة أحسن، تخرجني من ذل السؤال وتحكماتهم، ونفسي.. بتمنى بجد إن يكون ليا أوضة لوحدي. أوضة بمفتاحها، ومساحة محدش يقتحمها عليا، أكون فيها أنا من غير ما أحتاج أستخبى في أماكن بعيدة عشان شوية هوا يلمسوا شعري"
وصلني رد مشاعل
"طالعة تهبلين، وربي إنك جميلة ومشعة زي الشمس، ليتني جنبك بس عشان أشوف هالنور"
ابتسمتُ بخجل، وضعتُ هاتفي في جيبي وبدأت ادور في الشارع ذهاباً وإياباً بتوتر ينهشُ أطرافي، كلمات مشاعل بأنني مشعة كالشمس، جعلت قلبي يرتجف، لكن واقعي كان أبعد ما يكون عن الإشعاع
تذكرت فجأةً حقيقتي المرة، فأنا أحتاج لوظيفة أخرى، وبأسرع وقت، راتب المكتبة الهزيل لا يكاد يغطي الأساسيات، بل إنه يعجزُ حتى عن منحي أبسط حقوقي كأنثى
شعرت بغصةٍ وأنا أفكر في سعر الفوط الصحية الباهظ التي كانت دوماً حلماً بعيد المنال، لأجد نفسي مضطرةً للعودة لعصور بائدة، أستخدمُ قطع أقمشةٍ قديمة وأغسلها في الخفاء، وأنا أشعر بالخزي والمهانة في كل مرة أضطر فيها لفعل ذلك
كيف أكون شمساً وأنا لا أملك ثمن أبسط ضروريات جسدي؟
توقفت عن السير، وعقلي يطحنُ الأفكار
"أشتغل إيه؟"
يجب أن يكون عملاً لا يتعارض مع ساعات المكتبة، والأهم.. ألا يثير شكوك عائلتي المتشددة التي تحسب علي أنفاسي وتمنعُ تأخري خارج البيت ولو لدقيقة
بدأتُ أستعرض الخيارات
"ممكن شغل هاند ميد؟ بس محتاج خامات وفلوس وأنا معييش مليم.. طيب شغل أونلاين؟ بس النت عندنا زي الزفت وموبايلى بيعلق"
كانت الحيرة تقتلني، أريد مخرجاً يمنحني كفايتي، يمنحني القدرة على شراء تلك الأشياء البسيطة دون أن أضطر للاختباء في الحمام لغسل القماش، ويجعلني أخطو خطوةً واحدة نحو حلم الغرفة المستقلة
نظرت إلى لافتات المحلات، وتذكرتُ الخزانة القابعة في ركن الصالة، أتمنى لو كان بإمكاني بيع تلك الشهادات والجوائز المتكدسة التي حصدتها طوال سنوات دراستي
لو أن هناك سوقاً يشتري التفوق، لكنت بعتُ مجهود سهر الليالي، وصحتي، وتلك الأوراق الملونة مقابل أي مبلغ يساعدني للعيش
لقد كانت سنوات تفوقي بلا قيمة، مجرد استنزاف لعقلي في نظام لا يعترف بي
ما نفعني ذلك التفوق؟ لقد انتهى بي المطاف حبيسة الثانوية العامة، وهي شهادة لا قيمة لها في سوق العمل دون تلك الشهادة الجامعية التي لن استطيع الحصول عليها أبداً ما دمت في وظيفتي الحالية
أحتاج لوظيفة أخرى تسدد لوازم حياتي، واحتاج الادخار منها لأدخل الجامعة، فلن اصل للمستقبل الذي اسعى إليه بدونها
أريد أن أكون أقوى
أفضل
أريد أن أكون جديرة بمشاعل، جديرة بتلك الثقة التي منحتني إياها وبصورة الشمس التي رأتني فيها
-مشاعل-
عدت للمنزل فجراً، كنت في حالة تُشبه الغيبوبة، نصف نائمة من فرط التعب في ورديتي المسائية، بمجرد أن سحبت جسدي المنهك ودخلت الغرفة، وجدت ديما مستيقظة، كانت كتلة من الحماس والنشاط لا تناسب هذا الوقت المتأخر أبداً
سألتها بصوت مبحوح وأنا بالكاد أفتح عيناي
"ديما؟ ليش صاحية للحين؟"
ردت وهي تقص الأوراق بتركيز
"أجهز هدية، بكره عيد ميلاد جود"
رميت جسدي فوق السرير دون أن أخلع حذائي حتى، حاولت استجداء النوم بينما كانت هي مستمرةً في الثرثرة، تريني الهدية التي تصنعها من الورق الملون وتضعها أمام وجهي
كنت أهز رأسي بالإيجاب وعيناي مغمضتان تماماً، أسمع صوت طقطقة المقص وصوتها البعيد، حتى غططت في نومٍ عميق لم يدم سوى ساعتين، استيقظتُ بعدها على صوت المنبه اللعين، حان وقت مدرسة ديما
قمت كالمخبولة، غسلت وجهي بالماء البارد لأطرد الضباب عن عقلي، وبدأتُ أسرح شعر ديما، كانت تتحدث كعادتها دون توقف، وأنا مشتتة، أهز رأسي بآلية، حتى اخترق طبلة أذني رقم جعل قلبي يقفز
"عشرين ألف ريال"
توقفت يدي عن التمشيط، وقلت بذهول
"وشو؟ وش قلتي؟"
استغربت ديما من ردة فعلي وكررت
"المسابقة الثقافية حقت المتفوقين بالمدرسة، المركز الأول بيكسب عشرين ألف ريال"
فجأة طار النوم تماماً، صرخت بذهول
"عشرين ألف!"
في تلك اللحظة، اقتحم هتان الغرفة وهو يفرك عينيه "سمعت عشرين ألف؟ مين معاه عشرين ألف؟"
شرحت له الأمر بسرعة والشرر يتطاير من عيني، فقفز هو الآخر بجانبنا وهو يقول
"والله؟! هذي تجيب لنا الموتر اللي نحلم فيه وزيادة، ديما، أنا بذاكر لك بنفسي، والله لأخليكِ تآكلين الكتب أكل"
رددت وراءه بعزم
"وأنا بعد.. بذاكر لك ليل نهار"
لكننا، وفي زحمة هذا الحماس المجنون، نسينا حقيقةً مُرة اصطدمت بوجوهنا حين فتحت أول صفحة، وقفنا ثلاثتنا ننظر إلى الكتب المتراكمة أمام ديما بصمت مريب
تلاشى الحماس وحل محله عجز يثير الضحك والبكاء معاً، هتان، الذي كان يهدد بمذاكرة الدروس، نسي أنه لم يُكمل حتى المرحلة الابتدائية، لا يعرف من القراءة والكتابة إلا ما يساعده ليقرأ ويكتب في عمله
أما أنا؟ فقد كنتُ فاشلةً في الدراسة تماماً، قضيت سنوات مدرستي أهرب من الحصص وأرسم على الطاولات، لا أعرف عن هذا المنهج شيئاً، ولا أفهم منه كلمةً واحدة
وقفت عاجزةً أمام الكتب، أتأمل تلك الرموز والمعلومات التي تبدو لي كطلاسم من كوكب آخر، ونظرت لهتان الذي كان يحك رأسه بضياع، عشرون ألفاً تفصلنا عنها كتب لا نملك العقل لفك شفراتها
قلتُ لهتان بصوت منخفض
"أقول.. أنت الحين تعرف وش مكتوب هنا؟"
التفت إلي هتان، رد علي بنبرة ساخرة وهو يغلق الكتاب بعنف
"أقول كلي زق.. ابتدائية ما كملت أنا! تبيني أشرح ذي الرموز اللي كأنها طلاسم؟"
سكتنا نحن الاثنين، تلاشت صورة العشرين ألف وصورة السيارة التي كانت ستحملنا بعيداً عن أرصفة الرياض القاسية
هتان لا يعرف كيف يقرأ عناوين الفصول حتى، وأنا الفاشلة التي كانت تقضي حصصها في عالم آخر، وقفتُ أمام كتب أختي وكأنني أجنبية لا أفهم لغة هذا البلد
قلت له بمرارة وأنا انظر لديما
"والله ضاع الموتر يا هتان.. الحين ديما وش تسوي؟ حنا الاثنين أجهل من بعض"
كان الحلم يتبخر أمام عيني كأنه قطرة ماء سقطت فوق أسفلت الرياض الملتهب
نظرت إلى ديما، ثم إلى الكتب، وشعرت بغصة خانقة، لأن السيارة كانت تعني لنا الحياة
لو كانت لدينا تلك السيارة، لفتحت لنا أبواباً أُوصدت في وجوهنا طويلاً، كانت ستنهي ذل المشي لساعات حتى تتقرح أقدامنا، كانت ستحميني من عناء الوصول للمقهى وأنا منهكة قبل أن أبدأ ورديتي، وستحمي ديما من سموم الشمس وغبار الشوارع
السيارة في عائلتنا ليست رفاهية، هي الأرجل التي حُرمنا منها، هي الأمان الذي سيجعل حياتنا أفضل، وأقل قسوة
أطبقتُ جفني بقوة، وتخيلتُ نفسي خلف المقود، أرسم خريطة لمدينة لا تكسرني شوارعها، لكن الحقيقة كانت أنني فاشلة، وهتان أميّ، وديما وحدها لا تملك القوة لخوض هذه الحرب الثقافية دون مساعدة
ذهبتُ للعمل وجسدي هناك، لكن عقلي ظل عالقاً فوق كتب ديما، كنتُ أحضر القهوة بآلية، يداي تتحركان بمهارة اكتسبتها من التكرار، بينما قلبي يرتجف من العجز
وفي تلك اللحظة، وأنا أقدم الفنجان لأحد الزبائن، اهتز هاتفي في جيبي، كانت كنزي
فجأة، لمعت في ذهني صورة تلك الشهادات والجوائز التي صورتها لي كنزي من قبل، تذكرت نبرة صوتها وهي تتحدث عن تفوقها الذي تراه بلا قيمة، في تلك اللحظة، لم أرى أوراقاً بلا قيمة كما وصفتها بل رأيتُ طوق نجاة ممدوداً لي عبر الحدود
أمسكتُ هاتفي بسرعة، وكتبتُ لها وأنا أتوارى خلف الماكينة
"كنزي.. تكفين، تقدرين تذاكرين لطالبة أول متوسط؟"
وصلني ردها سريعاً يملؤه الاستغراب
"أول متوسط؟ ليه يا مشاعل؟ إنتي ناوية ترجعي تدرسي ولا إيه؟"
ضحكتُ بمرارة وكتبتُ لها أشرحُ الوضع، حكيت لها عن مسابقة ديما، عن العشرين ألف ريال، عن السيارة التي ستنقذنا من أرصفة الرياض، وعن عجزي أنا وهتان أمام طلاسم المنهج، كتبتُ لها أن تفوقها الذي كانت تود بيعه في سوق الخردة، هو الآن أغلى ما قد أملك
جاءني ردها الذي جعلني أتنفسُ الصعداء لأول مرة منذ الفجر
"ماشي يا مشاعل، هحاول معاها طبعاً، بس أنا معرفش منهجكم في السعودية عامل إزاي.. أول ما تروحي صوريلي الكتب خليني أشوفها وأعرف إحنا داخلين على إيه"
ابتسمتُ بصدق وأنا أضع الهاتف في جيبي
لأول مرة، لم يعد الطريق الطويل الذي سأقطعه مشياً عند العودة يبدو كئيباً، سأركض هذه المرة لأصور لها الكتب
الشمس التي تسكن في القاهرة، وافقت أن تشرق فوق كتب أختي الصغيرة في الرياض
جلست بجانب ديما، أراقب وجهها الذي كان قبل أيام يفيض إحباطاً، وهو الآن يتفتح كزهرة سقاها المطر، عبر شاشة الحاسوب، كان صوت كنزي ينساب هادئاً، واثقاً، ومفعماً بالحيوية، بدأت كنزي تدرس ديما عبر تطبيق زوم مستغلة نت المكتبة الذي جعل صورتها تبدو نقية، وكأنها تجلسُ معنا في غرفتنا الضيقة
ذهلتُ وأنا أراقبها، اتضح أن كنزي ليست فقط متفوقة في دراستها بل كانت تملك مفتاحاً سحرياً لعقل ديما الصغير، كانت ذكية جداً مع الأطفال، تعرف متى تمزح لكسر الملل، ومتى تشد انتباهها بذكاء، والأغرب من ذلك، هو قدرتها الفائقة على التأقلم مع منهجنا الدراسي، كانت تقرأ الدرس مرة واحدة وتفككُ طلاسمه وكأنها هي من كتبته
رأيت ديما وهي تضحكُ وتناقش كنزي بحماس، وتصاحبتا لدرجة أن ديما صارت تنتظر موعد درس كنزي أكثر من انتظارها لكرتونها المفضل، في تلك اللحظة، نمت صورة كنزي عندي أكثر، رأيتُ كائناً عبقرياً ليس فقط في النقاشات والأفكار بل في التعامل مع مختلف الأجيال
لم أتمالك نفسي، اقتربتُ من الميكروفون وقلتُ لها بإعجابٍ حقيقي
"كنزي.. وربي إنك مو طبيعية! ليش ما فكرتي تكونين معلمة؟ والله إنك أشطر من كل اللي مروا علي، عندك أسلوب يخلي الصخر يفهم"
ساد الصمتُ للحظة، ورأيتُ دهشة حقيقية ترتسمُ على وجه كنزي خلف الشاشة، قلتُ لها وأنا أبتسم بصدق
"يا بنت.. إنتي مدرسة بالفطرة، شوفي كيف ديما صارت تفهم الأشياء اللي عجزنا عنها أنا وهتان، لو تفتحين لك دروس خصوصية، والله إن الكل يركض وراكِ ركض"
"مشاعل.. مش عارفة أقولك إيه، بس بجد شكراً، أنا عمري ما فكرت إن تعليمي له فايدة أصلاً، طول عمري شايفاه مجرد حبر على ورق، ركن مركون في الدرج ملوش أي لازمة غير إنه يفكرني باللي خسرته، عمر ما خطر في بالي إني ممكن أدي دروس للأطفال، أو إن حد ممكن يستفيد مني ومن اللي ذاكرته"
شعرت برغبة عارمة في عبورِ هذه الشاشة لأحتضنها، كيف لهذه الشمس أن تعتقد أنَّ ضوءها بلا نفع؟ كيف غابت عنها حقيقة أن ذكاءها من أثمن ما تملك، وأنه ليس بحاجة لشهادة معلقة على جدار مائل ليكون حقيقياً؟
رددت عليها بثقة
"والله يا كنزي إنك ظالمة نفسك كثير، الموهبة هذي اللي أشوفها فيكِ الحين، وطريقتك مع ديما، تسوى ألف شهادة جامعية، شوفي البنت كيف صارت تستوعب، وكيف صار عندها ثقة بنفسها بس عشانك جالسة معها، إنتي جالسة تصنعين معجزة في غرفتنا هذي يا كنزي"
.
.
.
4. وجوه خلف الأقنعة
-كنزي-
بدأت في إعطاء الدروس للأطفال في بيوتهم، صرت أتنقل من شقة إلى أخرى، أحمل كتبي وأدواتي وأدخل بيوت الغرباء كمعلمة يعتد برأيها، ومع كل طفل كنت أنجح في فك عقدة دراسية له، كان اسمي يتردد أكثر بين الأمهات، تحسنت حالتي المادية جدا، وذاع صيتي لدرجة أن المواعيد بدأت تضيق بي
في لحظة بدأت أفكر في ترك العمل في المكتبة، فراتبي من التدريس صار يفوق راتبها الهزيل بمراحل، لكنني تراجعت، وجدت أن المزيد من المال لا يضر، فالحلم الذي احلم به يحتاج لأساس متين، وأنا أريد تأمين كل خطوة قادمة
لأول مرة منذ سنوات، لم أعد أختلق الأعذار لأتجنب الصيدليات والمحلات، اشتريت لنفسي ملابس جديدة، تلمست قماشها وأنا أشعر أنني ولدت من جديد، والأهم، والذي كان يمثل لي قمة الاستقلال والكرامة، أنني اشتريت فوط صحية أخيراً، ألقيت بقطع الأقمشة اللعينة في القمامة، وشعرت أنني استعدت كرامتي الأنثوية التي أهدرها الفقر لسنوات
رغبت في مكافأة نفسي، وقفت أمام رفوف مساحيق التجميل، شعرت بالارتباك والجهل، فأنا جاهلة تماما بطريقة استخدامها، ولا أعرف سر تلك العلب والفرش الكثيرة، لذا، اكتفيت بالبساطة التي أعرفها، واشتريت أحمر شفاه واحدا فقط
وقفتُ أمام المرآة، وضعتُ أحمر الشفاه الذي اشتريتهُ بحذر، والتقطتُ صورةً أرسلتها لمشاعل. كنتُ أشعر بنوعٍ من الانتصارِ الصغير، وكأن هذا اللون هو أول اعتراف مني بأنني لم أعد تلك الفتاة المنكسرة التي تخجل من أنوثتها
أمسكت هاتفي وأنا أتأمل صورتي التي أرسلتها لمشاعل، كان أحمر الشفاه يلمع على شفتي كأنه إعلان تمرد على سنوات الشحوب
لم تكد تمر دقائق حتى اهتز الجهاز بصورة من مشاعل جعلتني أبتسم من الفرح، كانت تجلس خلف مقود سيارتها بعد أن استلمتها أخيراً، والراحة تبدو على وجهها الذي لم يعد يرهقه غبار الطرقات، كتبت لي أنها توقفت عن المشي أخيراً، وأن سيارة أحلامها صارت معها
تأملت الصورة طويلاً وأنا أشعر براحة وفرح عارم، كنت سعيدة جداً أن الدنيا بدأت تضحك لنا نحن الاثنين في وقت واحد، شعرت أن الغيم الذي ظلل حياتنا بدأ ينقشع، وأن حياتنا تحسنت فعلاً وبشكل ملموس
لم نعد نتبادل رسائل البؤس والشكوى من مواجع الطريق، بل صرنا نتبادل صور واقع جديد صنعناه بأيدينا
مشاعل لم تعد تخشى شمس الرياض التي تحرق كتفيها، وأنا لم أعد أحمل هم الضروريات التي كان الفقر يحرمني منه
خرجت أسير في شوارع وسط البلد، القاهرة بدت لي مختلفة اليوم، كأن جدرانها تتنفس معي، دخلت متجراً للتذكارات، وبمجرد أن وقعت عيني على التحف الصغيرة، فورا فكرت في مشاعل
لم أتردد لحظة، بدأت أختار قطعا بعناية وكأنني أجمع أجزاء من روحي لأرسلها إليها
عندما سألت عن مصاريف الشحن الدولي، صدمت بالرقم، كان المبلغ باهظاً جداً ويفوق توقعاتي، لكنني لم أتراجع كما كنت أفعل دائماً حين تواجهني عثرة مادية، وقلت لنفسي بإصرار إنني سأدخر من مالي، سأقتطع من أجر كل درس أعطيه للأطفال حتى أجمع كلفة الشحن
مشاعل التي كانت نافذتي الوحيدة للتنفس، تستحق أن تصلها قطعة من القاهرة، وتستحق أن تعرف أنني لم أعد تلك الفتاة العاجزة
سأعمل أكثر، وسأدخر، ولن يهدأ لي بال حتى يصبح هذا الطرد بين يديها في الرياض، مهما كلفني الأمر من جهد ووقت
كانت دعوة صديقتي سلوى لحفل الحنة فرصة لأخرج من روتين العمل قليلاً، وقفت أمام المرآة، وأمسكت أحمر الشفاه الوحيد الذي أملكه لم أكتفي بوضعه على شفتي هذه المرة، بل وضعت منه لمسات خفيفة على خدودي أيضا لأمنح وجهي ذلك التورد الطبيعي الذي طالما تمنيته، نظرت لنفسي وشعرت برضا غريب، كأنني أستعيد أنوثتي التي دفنتها لسنوات تحت ركام الكتب والهموم
ذهبت إلى الحفل، ووسط الزغاريد والأغاني الشعبية التي تملأ المكان، اقتربت لأبارك للعروسة، ثم بدلنا ملابسنا لفساتين رقص كانت سلوى سبق وجهزتها لنا، الموسيقى كان لها مفعول السحر في قلبي، فلم أتمالك نفسي واندمجت وسط دائرة الصديقات وبدأت أرقص بمرح مع البنات، شعرت بخفة غريبة، كأنني أرقص لأطرد كل الأيام الثقيلة التي مرت بي، وأحتفل بكنزي الجديدة التي بدأت تملك ثمن ملابسها وزينتها
التفتت إلي البنات بذهول وإعجاب، وبدأن يثنين علي وهن يصفقن بحماس
"إنتي شاطرة أوي في الرقص، لو فكرتي تعملي شيفت كارير كلميني"
هكذا قالت احدى صديقات سلوى، امرأة لا أعرفها
سأعتبرها مجاملة لأنني لا أعتبر وظيفة الراقصة وصمة أو إهانة
التقطتُ صوراً متنوعة وأرسلتها لمشاعل، التي ابدت اعجابها بفستان الرقص فبدأت أفكر بأن أشتري لها واحداً
سألتني إن كنت أجيد الرقص حقا، وشعرت برغبة مفاجئة في أن أريها جانبا لا تعرفه عني
انتهزت فرصة خلو المطبخ من الجميع بعد أن أخرجوا الطعام للمدعوين، وتسللت للداخل، وضعت هاتفي على الطاولة بوضعية ثابتة وشغلت الكاميرا، بينما كانت الأغاني في الخارج لا تزال تصدح بقوة ولم يغلقوها حتى في وقت الطعام
بدأت أرقص بتلقائية وحرية، وكأنني أحتفل بكل خطوة نجاح خطوناها معا
لم أتردد طويلا، ضغطت على زر الإرسال وبعثت بالمقطع لمشاعل، كنت أريدها أن تشاركني هذه اللحظة، أن ترى كنزي وهي تتخلى عن رصانتها وكتبها لترقص بمرح، كأننا أخيرا بدأنا ننتزع حقنا في الفرح من بين أنياب الأيام الصعبة
وصلني رد مشاعل وأنا لا أزال ألتقط أنفاسي من أثر الرقص، ضحكتُ بصوت مسموع وأنا أقرأ كلماتها التي كتبت فيها
"تدرين يا كنزي؟ كنت دايم ألاحظ إن النسويات المصريات خصوصاً شاطرين في الرقص، وأنتي الحين أثبتي لي هالشيء وبجدارة!"
"الرقص عندنا يا مشاعل هو الطريقة اللي بنقول فيها للدنيا إننا لسه عايشين، وإن مفيش حزن ولا فقر هيقدر يطفينا، والنسوية الحقيقية هي إننا نملك أجسادنا ونفرح بيها زي ما إحنا عايزين"
في تلك اللحظة، زاد إصراري على شراء فستان الرقص لها، كنت أريد لمشاعل أن تختبر هذا الشعور، أن ترتدي ذلك الثوب وتتمايل أمام مرآتها في الرياض، لتدرك أننا نملك حق التصرف بأجسادنا كيفما نشاء
بعد انتهاء الحفل بدلت ملابسي وعدت للمنزل، اجلس في غرفة الجلوس وأحلم بالوقت الذي سأحصل فيه على غرفة مستقلة
ما الذي أشعر به تجاه مشاعل حقا؟ هل هو مجرد تفاهم فكري، أو لأنني أحب النقاش معها فقط؟
لكن الحقيقة كانت تصفعني كلما حاولت الهرب، فأنا أتناقش مع ناس كثيرين جدا، وأنشر صوري الشخصية بشكل دائم للجميع، ومع ذلك لم يستطع أحد منهم أن يجعلني أتحدث معه ليل نهار مثل مشاعل
لم يحدث أن ارتبكت حين قرأت مجاملة من أي شخص، مهما كانت طريقته في المجاملة إلا هي، هي الوحيدة التي جعلتني أكتشف جوانب جديدة عن نفسي لم أكن أعرفها، بداية من رغبتي في التزين وصولاً إلى رقصي بالأخص من اجلها
هذا الشعور بدأ يتجاوز حدود الصداقة المعتادة، لكن الخوف كان ينهشني، لو كان هذا الشيء أكبر من مجرد صداقة، فهل يمكن أن يتطور ونحن بهذا البعد عن بعضنا؟ كيف لقلبي أن يبني وطنا في مدينة لم يزرها، ومع إنسانة لا يراها إلا عبر شاشة هاتف؟
أصبحت فكرة المسافة بين القاهرة والرياض ليست مجرد كيلومترات، بل عائقاً حقيقياً يجعلني أتساءل بمرارة، هل نحن بصدد بناء حلم جميل، أم أننا نغرق في تعلق لن نجد له نهاية ملموسة؟
بدأت أعد طعام الغداء، تحركت في المطبخ بآلية اعتادت عليها يداي لسنوات. بعد أن انتهيت، بدأت أقدم لكل واحد من أفراد المنزل طبقه، فنحن لا نأكل على المائدة معا أبدا، بل يأكل كل واحد منا بمفرده، في ركنه الخاص ومع صمته الذي يختاره
لم أشعر يوما بالدفء العائلي، لكني تمنيته في سري دائماً، تمنيت لو كنا مثل باقي العائلات، يجلسون حول مائدة واحدة، يتشاجرون ويضحكون ويساندون بعضهم البعض، وتملأ أصواتهم المكان
كنت أراقب البيوت الأخرى وأشعر بغصة، لكن كل هذه الرغبات كانت تظل مجرد أحلام بعيدة، لأن عائلتي هنا لا يلقون السلام على بعضهم حتى، وكأننا غرباء جمعنا سقف واحد بمحض الصدفة أو القدر السيئ
أخذت طبقي وجلست وحيدة، وفي تلك اللحظة لم أجد مهرباً من التفكير، هل هذا البرد الذي أعيشه هو ما جعلني أتعلق بمشاعل إلى هذا الحد؟ هل هي المدفأة التي أحاول الاحتماء بها من صقيع هذا البيت؟
هل أنا فقط أسد ثغرات الحرمان العاطفي في هذا البيت البارد بأي صوت يأتي من وراء الشاشة؟
لكنني سرعان ما طردت هذه الفكرة؛ فأنا ناضجة كفاية لدرجة تمنعني من التعلق بأي عابر يمنحني القليل من الاهتمام
لو كان الأمر مجرد هروب من الوحدة، لكنت تعلقت بنصف الرجالِ والنساء الذين يملأون صندوق رسائلي على الإنترنت، فهناك الكثير منهم يتوسلون إلي فقط لأمنحهم فرصة لتكوين علاقة، أو لنتحدث بضع دقائق
لكن الحقيقة أنني لا أشعر تجاه كل هؤلاء إلا بالسطحية والتقزز
لا أحد منهم يملك تلك القدرة على اختراقي كما تفعل مشاعل
معهم، أشعر أن الكلام عبء، وأنَّ الصور التي أنشرها هي مجرد استعراض لامرأة لا يعرفونها حقاً
أما مع مشاعل، فالأمر مختلف تماماً، معها لم أعد أحتاج للاختباء، ومعها فقط لم يعد بؤسي هو المحرك، بل ذلك التآلف الغريب الذي جعلني أكتشف أنني لا أهتم بكل هذا العالم، بقدر ما أهتم برسالة واحدة تصلني من الرياض
-مشاعل-
رأيتُ ثمار دروس كنزي تنضجُ أمام عيني في ديما، فوزها في المسابقة لم يكن مجرد نجاح مدرسي، بل كان طوق النجاةِ الذي انتشلنا من القاع، فازت ديما في المسابقة واشترينا السيارة التي كنا نحلم بها، نعم هي سيارة مستعملة، لكنها في بلد مثل السعودية وبالأخص الرياض ليست رفاهية، بل هي ضرورة للحياة وستر من شقاء الطرقات
شعرت أن الدنيا بدأت تضحك لي أخيراً، فغبار التعب الذي كان يغطي روحي انزاح، ولم أعد مرهقة كالسابق، فرغم أنني ما زلت أعمل في وظيفتين، إلا أن الأمل الذي تسلل لحياتي بعث في نشاطاً لم أعهده، وكأن جبل الهموم صار خفيفاً فوق كتفي
وخلف كل هذا التحول، كان وجود كنزي معي يجعلني أكثر سعادة وقوة، صوتها ورسائلها كانت الوقود الذي يحركني، لكن في لحظات السكون، يهاجمني سؤال موجع، أحياناً أفكر بأنه مع مستوايا الحالي يستحيل أن أرى كنزي كما أتمنى، فأشعر بالإحباط ينهش قلبي
الفجوة بين الواقع وبين حلم لقائنا تبدو شاسعة كالمسافات التي تفصل الرياض عن القاهرة
لكنني سرعان ما أحاول التخفيف عن نفسي، أتمسك بخيوط المعجزات الصغيرة، وأقول لعله يحدث شيء غير متوقع كتلك المسابقة وأربح نقوداً أسافر فيها لمصر وأرى كنزي، صرت أؤمن بأن الأبواب المغلقة قد تفتح فجأة، وأن الحياة التي اعطتنا السيارة، قد تعطينا يوماً تذكرة طيران، لأقابل من علمتني كيف أقف على قدمي من جديد
عدت من عملي المسائي فجراً، وكان مزاجي جيداً، لذا تسللتُ بهدوء وأخرجتُ علبة سجائري من الخزانة، ثم خرجت من الغرفة لأدخن بعيداً عن أعين ديما النائمة. وقفت قرب النافذة أراقب سكون الشوارع وأطرد الدخان للخارج، وعندها مر علي هتان. لم يعلق بشيء، فكما قلت سابقاً هو لا يعارض تدخيني ولا يتدخل في شؤوني. كان يبدو متعباً هو الآخر، وكأن هموم العالم كلها فوق رأسه
نظر إلي وقال بهدوء
"مشاعل.. عطيني واحدة بالله"
ناولته سيجارتي التي كنت أدخنها ليحتفظ بها مؤقتاً، وتسللتُ للغرفة مرة أخرى لأحضر سيجارة جديدة من العلبة، ثم عدت وأعطيته إياها
شكرني بابتسامة باهتة، فناولته الولاعة ليشعلها، وبدأنا نتبادل الدخان والصمت أمام النافذة، فجأة، بدأ يتحدث بنبرة لم أعتدها منه؛ قال إنه سعيد جداً بتحسن حالتنا المادية مؤخراً، وأنه يشعر بالندم لأنه استخف بالتعليم في الماضي
قال وعيناه تراقب الأفق
"خلاص يا مشاعل.. أنا من اليوم بساعدك في مصروفات تعليم ديما.. ما يصير تشيلين الهم لحالك"
أجبته بعزة نفس
"لا يا هتان، أنا أقدر أتكفل بكل شيء، خلك بفلوسك أنت"
لكنه أصر وقال بحزم
"لا والله، إلا بساعدك.. أنتي تستحقين يكون عندك مبلغ تصرفينه على نفسك، بدل ما تصرفين كل اللي وراك ودونك على تعليم ديما.. كافي اللي سويتيه"
لم أتخيل أبداً أن هتان، الذي طالما كره التعليم واعتبره مضيعة للوقت، قد يبادر يوماً لمساعدتي في مصروفات ديما، شعرت بجدار من الجليد يذوب بيننا، فابتسمت بعمق وعانقته بقوة
بعد أن افترقنا عن العناق، نظر إلي هتان وقال
"خالتك كلمتني.. تبغانا نفطر معاها أول يوم رمضان"
ضحكتُ وقلت له
"هي هذي طلعتنا الوحيدة؟ بس يالله، على الأقل ديما بتنبسط بهالطلعة نروح عشانها"
ابتسم هتان وقال وهو يغمز لي
"بس جهزي نفسك.. أكيد جايبين لك عريس"
رددت عليه بضحكة مماثلة
"أجل حتى أنت جهز نفسك.. أكيد جايبين لك عروس"
ساد الصمت بيننا للحظات وأنا أتأمل وجهه المتعب، ثم غلبني الفضول فسألته
"هتان.. أنت ليه ما تزوجت لهالحين؟"
كنت أسأل وأنا أعرف أعذاري جيداً، فأنا دائماً أتحجج بمصاريف ديما وارتباطي القوي بمستقبلها، لكن هتان ليس وراءه مسؤوليات تمنعه، نظر إلي هتان وكأن سؤالي أثار دهشته، ورد علي بسخرية مريرة
"تستهبلين؟ أتزوج إيش وأنا شغلي يالله يأكلني!"
نفث دخان سيجارته بعيداً وتابع وكأنه يشرح لي البديهيات
"يا بنت الحلال أنا يادوب الراتب يمشيني ويأكلني، العرس يبي له ميزانية، مو بواحد مثلي يركض ورى لقمته"
أجل، كيف نسيت هذا؟
عمل هتان بسيط وراتبه ضئيل، هذا منطقي
أطفأتُ السيجارة وذهبتُ مسرعة لألحق بضع ساعات من النوم قبل موعد مدرسة ديما، في اليوم التالي، مارستُ روتيني المعتاد كآلة لا تتوقف؛ أوصلتُ ديما، ثم توجهتُ لعملي الأول في المقهى، ومنه مباشرة إلى عملي المسائي في المتجر
وبينما كنتُ أقف خلف الآلة أصفي حسابات المشروبات والطلبات، قفزت إلى ذهني فكرة غريبة، فكرة عن تلك العوالم التي لم أختبرها قط، أخرجتُ هاتفي وأرسلتُ لكنزي بفضول
"هو صحيح عندكم خمور تنباع بمصر؟"
لم يتأخر رد كنزي، الذي جاء ليؤكد ظنوني
"أيوة، عندنا محلات كمان بتبيعها"
شعرتُ بحماسٍ مفاجئ، شيء يشبه الرغبة في اكتشاف المجهول، فلطالما كنت فضولية تجاه الكحول والمخدرات، فسألتها على الفور
"كيف طعمها؟"
جاءني ردها الذي جعلني أبتسم
"ما جربتش قبل كده، بس في مخططي أجرب"
بينما كنت اتصفح فيسبوك ظهر أمامي منشور يتحدث عن الأقراط المتنوعة، كانوا بتناقشون لما يعد الناس هذه الأقراط فساداً اخلاقياً وأنها لا تصلح لمظهرك في العمل وبدأت اتذكر أنني لطالما رغبت في ثقب قرط في حاجبي لكني خفت أن يتم طردي من عملي لذا تراجعت
هذا ظالم حقاً لما يتعامل الناس مع الأقراط بهذه الطريقة؟، أنها مجرد أقراط سخيفة
عدتُ من العمل في المقهى مبكراً ذلك اليوم بسبب تجهيزات رمضان، كنتُ أشعر بسعادة غامرة فبدأتُ أعد الطعام بمزاج جيد، إلى أن سمعتُ صوت الباب. دخل هتان ومعه ديما التي كانت تتحدث كثيراً كعادتها وهي في قمة حماسها، رحبتُ بهما بسعادة، لكني لاحظتُ أن هتان يغطي وجهه بالشماغ بشكل مريب، فسألته بإستغراب
"علامك مغطي وجهك كذا؟"
رد علي بارتباك وهو يهرب نحو غرفته
"تراب.. تراب.. الجو كله غبار"
واختفى بسرعة
جهزتُ الأكل ووضعته على المائدة، ثم ذهبتُ وطرقتُ باب غرفته لأخبره أن يأتي ليأكل، لكنه رفض، استغربتُ أكثر وبدأ القلق يتسرب لقلبي، فكرتُ في أنه ربما تعرض للضرب أو دخل في مشاجرة، لم أتمالك نفسي، دخلت الغرفة فجأة وانطلقت نحو سريره، شددت الغطاء عن وجهه بقوة، لتلجم الصدمة لساني
لم يكن مضروباً، بل كان هناك قرط يزين حاجبه! تنهدتُ براحة عميقة، فعلى الأقل لم يُصب بأذى
صرخ في وجهي
"وش تسوين؟ أنتي انجنيتي؟!"
رددتُ عليه وأنا أحاول التقاط أنفاسي
"أحسب أحد طقك.. خفت عليك والله"
كان يبدو في غاية الإحراج، حاول تشتيت الموضوع وهو يقول
"خلاص ما فيه شيء، اطلعي"
قلتُ له بهدوء قبل أن أخرج
"الغدا في المطبخ"
اغلقتُ الباب خلفي ومشيتُ نحو المطبخ ببطء، وعقلي لا يزال عالقاً في مشهد ذلك القرط الصغير على حاجب هتان. شعرتُ بذهولٍ لم أستطع تفسيره؛ فأنا لم أتخيل يوماً أن أخي قد يجرؤ على فعل شيء كهذا، أو أن يفكر في وضع قرط أصلاً
هتان لطالما كان هادئاً، أو هكذا بدا لي، شخصاً يحاول الاندماج مع المجتمع وتجنب لفت الأنظار قدر الإمكان ليعيش بسلام، بدأتُ أعيد شريط حياتنا في رأسي وأتساءل، هل من الممكن أنني لا أعرف أخي جيداً حتى الآن؟ هل هذا الهدوء الذي يظهره هو مجرد قناع يخفي تحته رغباتٍ في التمرد تشبه رغباتي؟
كنتُ أظن أنني الوحيدة التي تخبئ أحلاماً مجنونة خلف ستار المسؤولية والعمل، لكن قرط هتان أخبرني أن كل واحد منا يسكنه شخص آخر غريب، شخصٌ يخاف من حكم الناس لكنه يتوق ولو لمرة واحدة أن يفعل ما يحب
شعرتُ بنوع من الألفة الغامرة تجاهه، كأن ذلك القرط صار سراً مشتركاً بيننا، يربطنا أكثر من مجرد الدم، يربطنا في خانة المتمردين الصامتين الذين يحاولون التنفس في مجتمع لا يرحم
.
.
.
5. أربعون ألفاً للحرية
-مشاعل-
استيقظتُ في يوم إجازتي على مهل، كانت الشمس قد توسطت كبد السماء، والبيت يغلفه هدوءٌ باذخ لم أعتد عليه. قمتُ من فراشي وأنا أشعر بخفةٍ في روحي، فالجمعة هو الموعد المقدس الذي يخرج فيه هتان مع ديما بعد صلاة الظهر، ليصطحبها للعب في الحديقة ويمنحني بضع ساعات من السلام
جهزتُ لنفسي إفطاراً بسيطاً وكوباً من العصير البارد؛ فأنا لم أكن يوماً من محبي القهوة، وبالأخص في يوم إجازتي. كنتُ أعتبر القهوة عدوتي اللدود التي أتعامل معها بالإجبار في أيام العمل الطويلة، لذا كان العصير هو رفيقي في لحظات الصفاء هذه.
بعد مدة، انكسر صمت البيت بدخول ديما وحدها، فقفزتُ من مكاني وسألتها باندفاع وسألتها
"رجعتي وحدك؟"
ردت ديما بهدوء وهي تخلع حذاءها
"لا، رجعت مع هتان،هو تركني عند الباب وراح الجم"
تسمرتُ في مكاني للحظة، "الجم"؟ استغربتُ جداً، لأنني لم أسمع أخي يتحدث عن رغبته في ممارسة الرياضة، أو حتى يذكر النادي الرياضي في حديثه فأمواله التي يجنيها من عمله قليلة وبالكاد تكفيه
بدأتُ أفكر من جديد أنني فعلاً لا أعرف الكثير عن هتان، وكأننا نعيش في جزرٍ منعزلة تحت سقف واحد، لكنني حاولتُ طرد الأفكار وقررتُ أن الأمر عادي، ربما بدأ يهتم بصحته أخيراً
نظرتُ لديما وسألتها
"أسوي لك فطور؟"
فردت وهي تتجه لغرفتها
"لا، فطرت مع هتان"
شعرتُ بخصلات شعري تدغدغ مؤخرة رأسي، وهو شعور يزعجني ولا أطيقه؛ لذا دخلتُ الحمام فوراً، أمسكتُ المقص بجرأة وقصصتُ الأطراف. لطالما أحببتُ أن يكون شعري قصيراً جداً، يشبه قصات الرجال، لا أحتمل وجوده طويلاً ولو قليلاً
بعد أن انتهيت، التقطتُ صورة لنفسي في المرآة وأرسلتها لكنزي مع نص مقتضب
"قصيت شعري"
ردت علي على الفور وكأنها كانت تنتظرني
"دي أكتر قصة شكلها حلو عليكي.. أينعم ماشفتكيش بغيرها بس ما افتكرش في أحلى من كدة"
جعلتني كلماتها أبتسم وأضحك رغماً عني، فإطراؤها له وقع مختلف دائماً
ثم فاجأتني بإرسال صورة لنفسها، كانت أطراف شعرها هي الأخرى قد طالت وبدأت تلامس مؤخرة عنقها، وكتبت
"أنا كمان عايزة أقص شعري"
تأملتُ صورتها طويلاً، تبدو كنزي جميلة في أي مظهر، سواء بالشعر القصير أو الطويل. تتساءلون لماذا أذكر الشعر الطويل؟ لأنها ذهبت قبلاً لإحدى صديقاتها واستخدمت شعرها المستعار الطويل، وكان يناسبها بشكل مذهل
لكن علي أن أعترف، الشعر القصير يعطيها شخصية أخرى تماماً، شخصية حادة وواضحة، لكنها في النهاية جميلة بكل أحوالها، وبكل التناقضات التي تسكن ملامحها
شاركتني كنزي استعدادها لرمضان، ورغم كونها تكرهه فهي تحب الزينة، لذا اشترت زينة متنوعة وأضواءً لامعة، وكانت تبدو رائعة في الصور التي أرسلتها لي، لدرجة أنها جعلتني أشعر بكآبة منزلي وبروده الذي لا يطاق
فجأة، وبدون تفكير، شعرت برغبة عارمة بشراء زينة أنا أيضاً، وكأنني أحاول استعارة القليل من وهج عالمها لأضيء به عتمتي، لذا خرجتُ مسرعة أبحث في المحلات القريبة لكني لم أجد إلا فروعاً منيرة بسيطة، فاكتفيت بها واشتريتها في النهاية وعدت للمنزل وبدأت أعلقها بحماس
وبينما كنت أحاول ضبط الأسلاك لتغطي مساحة أكبر من الجدار، رآني هتان، فوقف يراقبني بصمت لثوانٍ قبل أن يسأل ببلاهة
"وش تسوين؟"
رددتُ عليه بابتسامة واسعة
"زينة.. زينة رمضان!"
نظر إلي باستغراب شديد، وكأنني جننتُ فجأة أو صرت شخصاً غريباً لا يعرفه، ثم هز رأسه بقلة حيلة ودخل غرفته دون أن ينبس بكلمة أخرى، تاركاً إياي وحدي مع أضوائي الصغيرة التي بدأت تمنح الصالة روحاً جديدة لم يعتدها هذا البيت من قبل
بعد ما انتهيت من تعليق تلك الفروع المنيرة، التقطتُ لها صورة سريعة وأرسلتها لكنزي؛ ردت عليّ وهي في قمة حماستها قائلة
"ماتشي ماتشي!"
فضحكتُ
في اليوم التالي، ذهبتُ لعملي وأنا أتبادل الرسائل معها كالعادة، كانت البنات في المقهى يرمين علي كلمات الغزل المعتادة عن جمالي وطلتي، لكنني كعادتي لم أكن أهتز أو أهتم بمجاملاتهن، فهذا الكلام العابر لا يلمسني، حتى جاءت تلك اللحظة بعد أن أنهيتُ حساب إحدى الزبونات، فوضعت ورقة صغيرة على الطاولة وهربت مسرعة قبل أن أنطق بكلمة
فتحتُ الورقة ببرود، فوجدتها رسالة حب صريحة معها رقم هاتف، شعرتُ حينها بمدى سطحية هذه الفتاة، فكيف تجرؤ على كتابة كلمة حب لإنسانة لا تعرف عنها شيئاً سوى ملامح وجهها؟ هل صار الحب رخيصاً وسهلاً لهذه الدرجة؟ كومتُ الورقة بيدي وألقيتها في سلة المهملات بازدراء، ثم أمسكتُ هاتفي لأحكي لكنزي ما حدث
قلتُ لها بضيق إنني أكره هؤلاء الناس السطحيين الذين يلقون بكلمات الحب يميناً ويساراً وهم يجهلون حقيقة الشخص الذي أمامهم، جائني رد كنزي ليؤكد أنها تفهمني تماماً، بل وتلمس عمق ما أشعر به
"أنا فاهماكي كويس، لأن ناس زينا مخبيين عن الناس أسرار كتير، فا مستحيل يقبلوا اعتراف حب من حد لأنه ببساطة ما يعرفش حقيقتهم.. ودا في الآخر مجرد إعجاب سطحي بالصورة اللي بره بس"
رغم أنني ألقيتُ بتلك الورقة في القمامة دون أدنى تفكير، إلا أن ضجيجاً خفياً ظل يتردد في أعماقي، كنتُ أسرد لكنزي تفاصيل الموقف وأعبر عن مقتي لتلك السطحية، وفي طيات صدري كانت تقبع أمنية صغيرة ومجنونة، تمنيت لو شعرتُ بأن كنزي تغار علي
كنت أقرأ ردودها، أبحث عن أي نبرة حدة، أو تساؤل قلق، أو حتى صمت يشي بأن فكرة اقتراب امرأة أخرى مني قد أثارت غيرتها
كنتُ أنتظر أي إشارة، مجرد تلميح بسيط يكسر حاجز الرزانة الذي يغلف علاقتنا، إشارة تمنحني الشجاعة لأبادر تجاهها، فأنا، رغم قوتي الظاهرة، أقف مرتجفة أمام احتمال صدها، وأخشى أن يكون كل ما يربطنا هو مجرد تآلف فكري لا يرى في قلبي أكثر من صديقة عابرة للحدود
أنهيت عملي الأول وتوجهتُ مباشرة إلى المتجر، كان تفكيري كله منحصراً في كيفية تنظيم أيامي القادمة مع اقتراب شهر رمضان، دخلتُ على مديري واتفقتُ معه على تبديل وقت عملي، طلبتُ أن أعمل في النوبة الصباحية بدلاً من المسائية، لأن طبيعة العمل في المقهى ستنقلب تماماً لتصبح مسائية فقط خلال الشهر الكريم، ولا خيار أمامي سوى الاستمرار فيه لتغطية التزاماتي
وافق المدير في النهاية بعد محاولات إقناع، ونسقتُ أموري مع إحدى العاملات في النوبة الصباحية لنتبادل الأدوار، شعرتُ بحمل ينزاح عن كتفي، فرغم أن الجدول الجديد سيكون مرهقاً في رمضان، إلا أن تأمين استمرار الوظيفتين كان هو الأهم بالنسبة لي
عدتُ للمنزل وجسدي يئن من فرط الإرهاق، لكنني لم أستسلم للنوم فوراً، بدأتُ بإعداد الأطعمة وتجهيزها وتخزينها في الثلاجة، كنتُ أحاول جاهدة أن أسهّل على نفسي تحضير وجبات الإفطار في الأيام القادمة، وفي النهاية، نال مني التعب مبلغه، فتسللتُ إلى غرفتي وسقطتُ في نومٍ عميق
في صباح اليوم التالي، كنتُ أشعر بالإعياء الشديد، لدرجة أن النهوض من الفراش كان يبدو كمعركة خاسرة، سحبتُ جسدي المثقل وتوجهتُ لغرفة هتان، طلبتُ منه بصوتٍ واهن أن يتولى إيصال ديما للمدرسة بدلاً مني. وبمجرد أن نهض من مكانه، افترشتُ سريره الدافئ وارتميتُ عليه، وغبتُ عن الوعي من فرط التعب والوهن
استيقظتُ لاحقاً على صوت رنين هاتفي، كان مديري في العمل، أخبرته بصوت متعب أنني مريضة ولن أستطيع القدوم، ولحسن حظي كان رجلاً متفهماً وقبل عذري، بقيتُ متمددة حتى الظهر، ثم قررتُ أخيراً النهوض لأعد لنفسي مشروباً دافئاً يخفف من حدة مرضي. وبينما كنتُ أحاول النهوض، اصطدم جسدي المترنح بمكتبة هتان، فسقط منها شيء ما على الأرض
انحنيتُ بتثاقل لألتقطه وأعيده لمكانه، ففوجئتُ به، لقد كان فانوساً صغيراً، تسمرتُ في مكاني وأنا أتأمله بذهول.. من أين أتى هتان بفانوس؟ هل يعقل أن يكون لديه صديق مصري في العمل قد أهداه إياه؟ أم أن عدوى الزينة قد انتقلت إليه هو الآخر؟
وضعتُ الفانوس على المكتبة بعناية، ثم توجهت للمطبخ واعددت كوباً من النعناع الساخن، وابتلعت حبتين من مسكن باندول في محاولة يائسة مني لإنقاذ ما تبقى من اليوم، فلا يمكنني تحت أي ظرف أن أغيب عن عمل المتجر أيضاً، فرصيدي من الأعذار والمال لا يحتمل المزيد من الغياب
تفقدت هاتفي ووجدت رسائل من كنزي، كانت رسائل عن مواضيع مختلفة ثم آخر رسالة تسأل إن كنت بخير لأنني لم أرد عليها حتى الآن فرددت عليها بكلمة واحدة
"مريضة"
بعد ثواني ردت علي
"سلامتك، اخدتي إجازة طيب؟"
تنهدتُ وأنا أقاوم الصداع الذي يفتك برأسي، وكتبتُ لها
"إيه، بس ما أعتقد بقدر آخذ إجازة من دوامي الثاني.. ضروري أتعافى، ما فيه وقت"
ردت عليّ كنزي بلهجتها المصرية العفوية والحادة في آن واحد "بتهزري؟ يعني إيه ماينفعش! أنتي مش تعبانة؟ قوليله عيانة واللي عندك اعمله!"
ضحكتُ رغماً عن ألمي من أسلوبها المتمرد الذي لا يعترف بقيود العمل أو الخوف الدائم من فقدان مصدر الرزق، وأرسلتُ لها "تبيني أنفصل شكلك"
أوضحتُ لكنزي أن الغياب عن عمل المتجر بالذات خط أحمر لا يمكنني تجاوزه؛ فالمدير هناك رجل حاد الطباع، لا يعترف بالأعذار ولا يعتد بالظروف الصحية مهما كانت قاسية، شعرتُ بضيقها عبر الكلمات، كانت غاضبة لأجلي لكنها لم تكن تملك حيلة لتغير هذا الواقع المرير الذي يطوقني
عادت ديما من مدرستها، فتحاملتُ على جسدي المنهك وأعددتُ الغداء، جلستُ أتناول القليل منه معها قبل أن يحين موعد عملي المسائي، خرجتُ إلى المتجر وكل خطوة كانت تبدو وكأني أحمل جبل على كتفاي، عملت لساعات رغم التعب الذي ينهش عظامي، فالعمل يتطلب الوقوف الدائم، حين حان وقت الاستراحة، جررتُ قدمي جرّاً نحو منطقة الراحة وارتميتُ على الكرسي، كانت الدقائق تمر كالثواني، وحين انتهت الاستراحة، حاولتُ النهوض لاستئناف العمل
وفجأة، شعرتُ بالأرض تميد بي، فقدتُ توازني تماماً، وأظلمت الدنيا في عيني لأسقط على الأرض، لم أستيقظ إلا وأنا في المستشفى، يحيط بي بياض الجدران ورائحة المعقمات الواخزة، شعرتُ بشيء بارد يسري في عروقي، كانت إبرة المغذي متصلة بشرياني في معصمي، التفت بوهن لأجد زميلتي في العمل تقف بجانبي، تنهدت براحة حقيقية حين رأتني أفتح عيني، وقالت بصوت خفيض
"الحمد لله إنك بخير"
أخبرتني زميلتي بنبرة مطمئنة أن المدير حين رأى سقوطي المفاجئ ونقلي للمستشفى تفهم أخيراً مدى تعبي، بل وأنه منحني غداً إجازة أيضاً كي أستعيد قوتي. شعرتُ براحة عميقة تسري في جسدي المنهك؛ أخيراً سأحظى بنومٍ طويل وهادئ غداً في المساء دون أن يطاردني شبح المنبه
وضعتُ خطتي في رأسي وأنا أراقب قطرات المغذي وهي تسقط ببطء، غداً سأكتفي بالعمل صباحاً في المقهى فقط، فدوامه أخف وطبيعة الحركة فيه تختلف، ومع ذلك عاهدتُ نفسي، إن شعرتُ بذرة تعب إضافية فلن أخاطر بصحتي مرة أخرى، لن أسمح لنفسي بالسقوط كالجثة في المقهى، ليس خوفاً على جسدي فحسب، بل لأنني إن فقدت وعيي هناك سيكون هذا دعاية سيئة جداً للمكان
-كنزي-
كنت أجلس وسط خيوط الزينة المتشابكة، أحاول فك عقدها بينما أفكاري تتعقد أكثر تجاه هذا الشهر، أنا أكره رمضان، أكره تلك الحالة الزائفة من التقوى التي تنقلب فجأة إلى عدوانية مفرطة، الرجال في الشوارع يتشاجرون على أتفه الأسباب، وكأن الصيام رخصة لقلة الأدب، يتحججون بالجوع والعطش ليفرغوا غضبهم في وجوه المارة، حتى التحرش، تزداد سعارا في نهار الصوم، وكأن الحرمان من الطعام يوقظ فيهم أقبح ما لديهم
لكنني، وبرغم كل هذا المقت، لا أستطيع مقاومة الزينة، أنا أحب أي مظهر من مظاهر الفرحة، أحب تلك الأضواء التي تكسر رتابة الأيام الكئيبة. وبما أنني في هذا البيت، وفي هذا المجتمع، لست مخولة بالاحتفال بالكريسماس ولا أستطيع تعليق أجراسه ونجومه، فقد قررت أن أستغل رمضان كحجة وحيدة مشروعة لأملأ الركن الذي أنام فيه بالنور
علقت الفروع الملونة حول الأريكة التي هي سريري، ونظرت إليها بانتصار صغير، هذه الأضواء ليست للشهر، بل هي لي أنا، هي محاولتي الشخصية لخلق بهجة لا يعكرها صياح الرجال في الخارج
صورت الزينة وأرسلتها لمشاعل، ثم بدأت أفكر في ارسال زينة إليها أيضاً فحسب معلوماتي الزينة في مصر مختلفة عن السعودية..أجل ..سأشتري لها البعض بلا شك
بقي أسبوع واحد ويبدأ رمضان، علي الآن تنسيق مواعيد عملي ودروسي الخصوصية لتتناسب مع إعدادي للطعام، فأنا المسؤولة الأولى والأخيرة عن الطهي والتنظيف في هذا البيت، فقط لأنني المرأة
أكره هذا الدور المفروض علي كأنه قدر محتوم، لكنني لا أملك ترف التذمر، إن كنت ستجعلني أنظف وأطهو وأقضي يومي في المطبخ، فعلى الأقل عليكم إنفاق بعض المال علي بدلاً من جعلي أعمل ليل نهار خارج البيت ثم أعود لأعمل خادمة في المنزل
لكن في هذا البيت، وفي هذا المجتمع، لا أحد يهتم بصحة النساء ولا بآدميتهن، نحن مجرد آلات للعمل والخدمة، ومطلوب منا أن نبتسم في النهاية
ذهبت للعمل في المكتبة بشكل روتيني، كنت أتحرك بين الرفوف بآلية حتى اهتز هاتفي برسالة من مشاعل. فتحتها لأجد صورة فروع أضواء منيرة معلقة في صالتها بالرياض. ابتسمت بتلقائية وأنا أكتب لها
"ماتشي ماتشي"
بلا شك فكرة زينة رمضان كهدية هي فكرة رائعة، سأشتريها في طريق عودتي للمنزل
أنهيت عملي ومررت على المركز التجاري، اشتريت كل أنواع الزينة والأضواء المتوفرة أمامي، ملأت الأكياس بالبهجة التي كنت أنوي تقاسمها معها. سرت للمنزل وأنا أبتسم بسعادة، أغزل في خيالي خطة لإرسال كل هذه الهدايا لمشاعل
لكن سعادتي تبخرت عند عتبة البيت، وجدت رجلاً غريباً ينتظرني، وبنبرة خالية من الود قال لي
"لو ما جبتيش مبلغ خمسين ألف جنية في خلال أسبوع، تنسي أخوكي وائل خالص"
تجمدت الدماء في عروقي، دخلت البيت وأنا أرتجف وحكيت لإخوتي ما حدث، بدلاً من القلق، بدأ التوتر ينقلب لمشاجرة صاخبة، وفي النهاية نفضوا أيديهم قائلين
"مشكلته هو يحلها بقى"
رغم أن عائلتي اتخذت الأنانية شعاراً ثابتاً، إلا أنني كنت العكس تماماً، كنت قلقة على وائل حد الموت، هرعت لغرفة الجلوس وفتحت صندوق مدخراتي المخبأ في الخزانة، ذاك الصندوق الذي كنت أجمع فيه كل قرش لأجل مستقبلي وحريتي، لكن الصدمة كانت بانتظاري، المبلغ الذي وجدته كان قليلاً جداً ولا يكاد يذكر أمام هذا التهديد المرعب
معي عشرة آلاف فقط وهو يريد خمسين ألفا، من أين أحضر الباقي؟
انهارت قواي تماما وبدأت أبكي بحرقة وأنا أفكر في مخرج، وكان من المستحيل أن أطلب المساعدة من أحد؛ فأقاربي لا يطيقوننا وأصدقائي قليلوا الحيلة ومثقلون بظروفهم. وبينما كنت أغرق في تفكيري، قفزت إلى ذهني تلك المرأة التي عرضت علي العمل كراقصة في حفل حنة سلوى
لم أتردد، هاتفت سلوى فورا وسألتها عن تلك المرأة، فأوصلتني بها، حادثتها وسألتها بلا مقدمات
"شغل الرقاصة دا يجيب أربعين ألف في أسبوع؟"
جاءني ردها واثقاُ
"أربعين ألف بس؟ دا يجيب أكتر بكتير، كنت متأكدة إن ست شاطرة زيك هتكلمني تاني، أصل حرام يكون عندك الموهبة دي وتضيعيها، تحبي نبدأ إمتى؟"
أجبتها فوراً فأنا لا امتلك وقتاً للتفكير
"النهاردة لو ممكن"
ضحكت المرأة وقالت
"أيوه بقى، أحبك تدخلي حامية كدة"
ثم أعطتني عنوانا وموعدا علي الذهاب إليه فوراً
أغلقت الهاتف، وضعت الزينة والأضواء جانبا، تلك التي كنت سأرسلها لمشاعل، لم أكن أمانع العمل كراقصة، ولا أراه عيباً أو نقصاً، فجسدي ملكي وحركاتي هي لغتي التي أعبر بها عن نفسي، لكن الخوف كان ينهش قلبي من زاوية أخرى. كنت أرتجف من فكرة أن يلمحني أحد من أقاربي أو يعرفوا بأمر احترافي لهذا المجال؛ فهم لا يتفاهمون في أمور كهذه، والقتل عندهم أسهل من تقبل فكرة أن تتمايل ابنتهم أمام الغرباء
قبل خروجي، أخبرت إخوتي أنني سأبيت عند خالتي؛ ولأننا عائلة متفككة ينهشها الإهمال، كنت متأكدة أن أحداً لن يكلف نفسه عناء الاتصال بها للسؤال عني، خرجت متجهة للمكان، وهناك استقبلتني تلك المرأة بحفاوة بالغة، وظلت تكرر على مسامعي أنني اتخذت القرار الصحيح، وأنه من الظلم أن يضيع جمال كهذا هباءً
سألتها بنبرة يملؤها القلق
"ينفع أرقص بالبرقع؟ خايفة حد من عيلتي يشوفني"
ردت علي بطمأنينة
"براحتك، كدة كدة محدش هنا هيعرفك، بس اللي يريحك إحنا يهمنا راحتك، أول ليلة دي مهمة جداً عشان تثبتي نفسك، وعلى أساسها هتشرطي وتتشرطي في الفلوس اللي هتاخديها، فاصحي كدة ووريهم قدراتك"
حاولت ابتلاع توتري بابتسامة متكلفة، دخلت الغرفة وبدأت أبدل ملابسي ببدلة رقص براقة، ثم وضعت برقع الجنيهات فوق وجهي، كان قلبي ينبض بعنف يكاد يمزق صدري، فأنا أكره نظرات الرجال، والآن صار مطلوباً مني أن أتمايل أمامهم
بينما كنت واقفة في صراعي الداخلي، شعرت بيد تربت على كتفي؛ كانت راقصة أخرى تمد لي كأساً قالت أنه فودكا ثم قالت "تشربي؟"
بلا تفكير، خطفت الكأس وجرعته دفعة واحدة، شعرت برأسي يصبح أخف، وبطاقة غريبة تسري في جسدي، وكأن مخاوفي تبخرت مع أول رشفة، انطلقت فوراً نحو المسرح، وخرجت للجمهور أرقص بمرح، لم أعد ألاحظ وجود الرجال أو نظراتهم، كنت أرقص لنفسي فقط، وكأنني وحدي في غرفتي، أتمايل مع الموسيقى لأنسى كل شيء
بعد أن انتهيت من الرقص كنت أضحك من خفة رأسي، أسندتني الراقصات وباركن لي بمودة، ثم بدأن يناولنني المياه والقهوة لأستعيد توازني، وبمجرد أن بدأت استعيد توازني سلمتني المرأة عشرين ألف جنيهاً دفعة واحدة، وقالت لي وعيناها تلمعان
أن لمبلغ سيزيد لأن الجمهور أعجبه عرضك جداً، وسيأتي عدد أكبر في المرة القادمة
عظيم! إن رقصت ليلة أخرى سأجمع المبلغ المطلوب وأُنقذ وائل غمرتني فرحة هستيرية، عانقت المرأة بحرارة ثم سألتها عن اسمها، فأجابت بدلال أن أناديها سوسو، قبلت خدها وأخبرتها بصدق
"شكراً سوسو"
بدلت ملابسي وأنا أشعر بنشوة غريبة، لكن حين خرجت من باب المكان واستوعبت الوقت، تجمدت في مكاني، الساعة الآن الثالثة فجراً، أين أذهب في هذا الوقت المتأخر؟ فكرت قليلاً ثم اتصلت بصديقتي رؤى
جاء صوتها فزعاً وهي تسألني عما حدث، شعرت بأن هناك مصيبة قد وقعت، فأخبرتها بهدوء أنني فقط أريد النوم عندها الليلة، وافقت فوراً دون تردد
اخترت رؤى لأنني أعرفها جيداً، هي الشخص الوحيد الذي لن يحكم علي أبداً مهما فعلت، ولن تسألني من أين أتيت بهذه الأموال أو لماذا عدت في هذا الوقت، عندها فقط، سأتمكن من إغماض عيني والراحة قبل مواجهة ليلة أخرى
دخلت منزل رؤى وارتميت على السرير بجسد متهالك، وغرقت في نوم عميق فوراً؛ فقد كانت أحداث اليوم أثقل من أن يتحملها عقلي
في صباح اليوم التالي، أيقظتني رؤى بلمسات حنونة وأعدت لي الإفطار. جلست أحكي لها عما حدث لوائل وعن قراري بالعمل كراقصة، لم تلمني، بل قالت إنني تصرفت بشجاعة وأنه لا توجد وسيلة أخرى سريعة لكسب هذا المبلغ الضخم إلا بهذا الطريق، لكنها شددت علي بضرورة الحذر
عدت لمنزلي واستجمعت شتات نفسي، بدأت أجهز أدواتي للتنقل بين البيوت لأمارس عملي كمعلمة للأجيال، مفارقة مضحكة أنني قضيت ليلتي أرقص وسأقضي نهاري أشرح الدروس، لأكون صريحة معكم، لطالما تمنيت أن أكون راقصة، لكن ما كان يمنعني دائماً هو كرهي الشديد للرجال، لا أريد أن يكون جمهوري منهم، بل لا أريد حتى لمح رجل واحد في مكاني الخاص، فهم يقززونني بكل بساطة، وهذا ما جعلني أتراجع سابقاً وأظن أن هذا العمل لا يناسبني
أمسكت هاتفي ووجدت رسائل قلقة من مشاعل، حكيت لها باختصار أن الكثير قد حدث وأخبرتها بشأن عملي الجديد كراقصة، جاء ردها محملاً بالخوف وهي توصيني بالحذر من الرجال ومن غدرهم
الليلة، سألتقط صورة لنفسي وأنا أرتدي بدلة الرقص لأري مشاعل كيف أبدو فهي تحب رؤيتي بملابس الرقص
جلست استرجع أحداث ليلة أمس، وفجأة استوعبت أنني شربت الكحول لأول مرة، فكرت في كل الكلام الذي سمعته طوال حياتي عن "الخمور" وكيف يصورونها ككابوس أو مذهب للعقل بشكل بشع، واكتشفت أن كل ذلك محض كذب ومبالغات
لقد استمتعت بتلك التجربة حقاً، الفودكا لم تجعل رأسي ثقيلاً كما يشاع، بل على العكس، جعلته خفيفاً ومنتشياً، وكأنني أحلق فوق كل همومي، ضحكت بخفة وأنا أتذكر كيف تبخر توتري مع أول رشفة
أمسكت هاتفي وأرسلت لمشاعل أشرح لها بالتفصيل تجربتي مع الفودكا، وصفت لها طعمها اللاذع الذي يتبعه شعور دافئ يسري في الجسد، وكيف كان شعور الانتشاء ممتعاً ومختلفاً عن أي شيء جربته من قبل، قلت لها أنني شعرت وكأنني ملكة المكان، لا أرى الوجوه المقززة من حولي، بل أشعر فقط إيقاع الموسيقى الذي يتمايل معي
ضحكتُ حين قرأتُ رد مشاعل، كانت تقول لي إنها تمنت لو كانت معي لتشاركني ذاك الكأس وتلك الخفة، كتبتُ لها والابتسامة لا تفارق وجهي
"وعد.. أول ما تنزلي مصر هنشرب مع بعض، وهخليكي تنسي الدنيا وما فيها"
كانت الفكرة بحد ذاتها تمنحني شعوراً بالدفء، أن أجلس معها بعيداً عن شاشات الهاتف، في ركن هادئ نتقاسم فيه أسرارنا وضحكاتنا تحت تأثير ذاك المشروب الذي جعل العالم يبدو أقل قسوة
.
6. خرائط من نور ونار
-كنزي-
"فكرة إن الأمومة رسالة مقدسة دي أكبر اشتغالة اتعملت في التاريخ عشان يضمنوا إن الستات يفضلوا في الساقية لحد ما تموت
المجتمع والمنظومة اللي إحنا فيها محتاجين 'عمال' جدد، محتاجين جثث تملأ المصانع والمكاتب والجيوش، وعشان يضمنوا إن المكنة ماتوقفش، كان لازم يقنعوا الست إن قيمتها الوحيدة في الحياة هي إنها تكون مفرخة
ليه دايماً بيصدروا لنا صورة الأم اللي بتضحي وبتاكل بقايا الأكل وبتنسى نفسها؟ عشان لو فكرت في نفسها ثانية واحدة، المنظومة كلها هتهد! هما مش عايزينك 'أم'، هما عايزينك 'ماكينة إنتاج' بتطلع لهم أفراد يستهلكوا وينتجوا ويخدموا في النظام، وانتي في المقابل بتاخدي شوية كلام معسول عن 'الجنة تحت أقدام الأمهات'.. طب والجنة اللي على الأرض؟ راحت فين؟
الأمومة في الحقيقة هي وظيفة دوام كامل من غير مرتب، من غير تأمينات، ومن غير حق في الاستقالة
ده فخ رأسمالي بامتياز، متغلف بشوية عواطف ودين عشان الست ماتحسش إنها بيتم استغلالها
الست اللي بترفض تخلف هي الست الوحيدة اللي قدرت تكسر السلسلة، اللي قررت إن جسمها مش ملك للدولة ولا للدين ولا لـ سوق العمل المستقبلي أنا بكتب الكلام ده وأنا شايفة وائل أخويا، وشايفة نفسي.. إحنا نتاج 'أمومة' كانت عبارة عن تعب وشقا وفي الآخر المجتمع رمى الأم وخد الولاد يطحنهم.
لو عايزة تخلفي، خلفي عشان أنتي 'عايزة' مش عشان 'لازم'.. وما تسمحيش لحد يقنعك إن دي وظيفتك الوحيدة في الكون، لأنك إنسانة قبل ما تكوني وعاء لإنتاج عبيد جدد للنظام"
"كوكي…يلا"
كانت زيزي تناديني
كوكي هو اسمي كراقصة، وهو اسم ظريف
تركت الهاتف ثم عدلت البرقع وخرجت للمسرح لابدأ الرقص
انتهيت من رقصة الليلة وأنا ألهث، ارتميت على الكرسي في الكواليس وناولوني زجاجة ماء باردة بللت عروقي الجافة، كنت غارقة في التفكير، هل أجعل هذه الليلة هي الأخيرة؟ فقد جمعت الآن ما يكفي لسداد دين وائل وإنقاذ رأسه، لكن بريق المال في يدي جعل شياطيني تستيقظ، فكرت.. ماذا لو أكملت لعدة أيام أخرى؟ سأجمع مبلغاً يساعدني في حياتي، وربما، ربما أجمع ما يكفي لتذكرة سفر إلى السعودية لأرى مشاعل
أخذت رزمة الأموال من سوسو التي ودعتني بابتسامة طامعة في عودتي، ثم توجهت لبيت رؤى والأسئلة لا تتوقف في رأسي، أخرجت هاتفي وأرسلت لمشاعل صورتي ببدلة الرقص التي التقطتها قبل قليل، جاء ردها سريعاً ومحملاً بالإعجاب، واخبرتني انها تتمنى لو تراني في الحقيقية وتلمسني
ابتسمت من قلبي، وفي تلك اللحظة تذكرت الهدايا والزينة التي اشتريتها لها ولم تصلها بعد، سألتها فجأة عن عنوانها في الرياض وأخبرتها أنني جهزت لها هدية وأريد إرسالها، تفاجأت مشاعل وبدأت ترفض بخجل، لكنني أصررت بعناد حتى رضخت في النهاية وأعطتني تفاصيل عنوانها
في صباح اليوم التالي، عدت لبيتي بخطوات واثقة، جهزت الزينة والأضواء، التذكارات وفستان الرقص وكل ما اشتريته لها بعناية، ثم انطلقت إلى مكتب البريد، وقفت هناك أغلف الطرد وكأنني أغلف قطعة من روحي، دفعت مصاريف الشحن الدولي دون أن أهتم بالمبلغ، وخرجت من المكتب وأنا أشعر بخفة غير عادية، أمشي في الشارع وكأنني أطير، سعيدة لأنني أخيراً سأرسل لمشاعل شيئاً ملموساً يربط عالمي بعالمها
قضيت نهار اليوم بأكمله في صراع مع أفكاري، كنت أسأل نفسي هل أتوقف الآن؟ فالدين سُدد والكابوس انتهى، لكنني وجدت نفسي في المساء، وبشكل تلقائي تماماً، أرتدي ملابسي وأتجه إلى مكان الرقص. استقبلتني الراقصات هناك بحفاوة وكأنني أصبحت واحدة من أهل المكان، وكالعادة، كان أول ما فعلته هو طلب كأس الفودكا لأستعيد تلك الخفة التي تجعلني أتحمل وجودي هنا
رقصت تلك الليلة بجنون أكبر، وحين انتهيت وذهبت لبيت رؤى، كان عقلي يطبخ خططاً للمستقبل، شعرت أنني جائعة لشيء أكبر من مجرد إنقاذ وائل
"أنا محتاجة فلوس أكتر.. عايزة أشوف مشاعل.. عايزة بيت خاص بيا أكون فيه الملكة ومحدش يتحكم فيا"
فجأة، بدت أحلامي التي كانت مستحيلة بالأمس قريبة جداً من أطراف أصابعي
فتحت حقيبتي وبدأت في تقسيم الأموال بتركيز شديد، وضعت قسماً لأدفع به قسط شقتي في إسكان الشباب، فالحصول على جدران تخصني وحدي هو أول خطوة للحرية، وقسماً آخر بدأت أجمعه تحت مسمى السفر للسعودية، قررت في تلك اللحظة الاستمرار في العمل كراقصة، ليس من أجل أخي هذه المرة، بل من أجل نفسي ومن أجل كل تلك الأحلام التي سأحققها بخلخالي وعرقي
بدأت جذور شعري السوداء تظهر بوضوح، لذا قمت بصبغه بالأحمر، لم أقصه كالعادة، ولأول مرة لم أنزعج من طوله، سأقصه لاحقاً ولكن ليس الآن، فهو لم يصل لكتفي بعد، وربما أحتاج لهذا الشعر وهو يتمايل معي في ليالي الرقص القادمة
بعد يومين، مر الرجل الذي سبق وهددني، لم أنتظر أن يفتح فمه، أخبرته فوراً أن النقود موجودة وطلبت منه أن يعيد أخي، قدمت له المال، فما كان منه إلا أن ألقى بوائل من سيارة سوداء وانطلق مغادراً كأن شيئاً لم يكن
ركضت فوراً نحو وائل، كان وجهه مليئ بالكدمات، سحبته لداخل المنزل وأنا أسأله إن كان بخير، ناولته كأساً من الماء وبدأت بقطعة قماش مبللة أنظف وجهه من الدماء والتراب، سألني بنبرة مكسورة
"جبتي الفلوس دي منين؟"
أجبته بهدوء مصطنع
"بشتغل أكتر من شغلانة، وكنت بحوش فلوس"
نظر للأرض بعينين يملؤهما الخجل والعار، وشكرني بصوت خافت، ربت على كتفه وأخبرته أننا إخوة ومن الطبيعي أن أساعده في محنته
نظرت إليه وإلى جدران هذا البيت وفكرت، في أن هذه العائلة تفتقر لبديهيات العلاقات الأسرية، لا أحد يساند أحداً إلا بالصدفة أو بمقابل، لكنني قررت أن أكون الاستثناء
بعد هذا اليوم بدأ وائل يساعدني في أعمال المنزل، كان يشاركني في الطهي والتنظيف بلا تذمر، كنت أعود من عملي أحياناً في قمة تعبي وأغط في نوم عميق، وعندما أستيقظ أجده قد غسل الأطباق بدلاً عني، شعرت بالسعادة وبأنني أخيراً لدي علاقة أسرية طبيعية، فبعد سنوات طويلة من التجاهل والتهميش، أصبح لدي شقيق يهتم لأمري ويقدر ما أفعله
هذا بالنسبة لي إنجاز كبير!
توقفت عن عملي كراقصة في رمضان، ليس لأنني أؤمن بروحانياته أو كل هذا الهراء الذي يروجه الناس، بل لأسباب عملية بحتة، لقد خصصت المساء بالكامل لعملي كمعلمة، فمواعيد الدروس الخصوصية في هذا الشهر تزدحم ليلاً، ولم يعد لدي وقت أو جهد للذهاب للرقص
أردت أن أستغل هذا الهدوء المؤقت لأستعيد توازني، وأستمتع بوجود وائل بجانبي في المطبخ، وبمشاهدة تلك الزينة التي علقتها لنفسي ولأجل مشاعل، كان هذا هو رمضان الأول الذي لا أشعر فيه أنني مجرد آلة تعمل في صمت، بل إنسانة لها كيان، ولها أخ يسندها أخيراً
كنت متحمسة جدا لليوم الذي ستستلم فيه مشاعل الطرد الذي أرسلته، لدرجة أنني كنت أعد الساعات والدقائق، وعندما أتى اليوم الموعود، اتصلت بها مكالمة فيديو لأحضر ردة فعلها وأشاركها اللحظة، كانت مسرورة كطفلة صغيرة، وعيناها تلمعان ببريق لم أره من قبل، بدأت تعلق الزينة بحماس في أرجاء غرفتها، وعانقت التذكارات بسعادة غامرة
فجأة، نهضت بسرعة وارتدت بدلة الرقص التي كانت ضمن الهدايا، تفاجأت تماماً، فانحناءات جسدها التي تخفيها دائماً خلف ملابسها الفضفاضة والرجالية كانت تظهر الآن بوضوح، كانت تبدو مثالية لدرجة سحرتني، لم أتمالك نفسي فقلت لها بجرأة
"انتي حلوة أوي يا مشاعل.. بجد كان نفسي أكون معاكي دلوقتي عشان أبوسك"
ضحكت بتوتر واضح، وشعرت أنا بقلبي يدق بعنف، هل تجاوزت حدودي؟ لا أعلم، ولا أعلم لما حتى الآن لم نصرح بنوع علاقتنا أبداً، ربما لأننا في بلاد مختلفة ولا نعلم إن كنا سنلتقي يوماً أم لا، لكنني قررت أن أكسر هذا الصمت
"مشاعل، عايزة أتكلم معاكي في حاجة"
بدأت حديثي ثم تابعت بصراحة بلا مقدمات
"أنا بحبك فعلاً.. وناوية آجي السعودية عشان أقابلك، علاقتنا مش هتفضل مجرد شاشة وبس"
كان التوتر واضحاً عليها، صمتت لثوانٍ بدت كأعوام، ثم ردت بنبرتها الدافئة التي تذيب قلبي
"أنا بعد أحبك، أفكر فيك ليل نهار، وأبي أكون وياك في مكان واحد"
بدأت أفكر في المستقبل بجدية أكبر، واستوعبت أن السفر والاستقرار يتطلبان سلاحاً في يدي، شهادة جامعية تفتح لي الأبواب المغلقة، لذا، قررت التقديم في التعليم المفتوح بكلية التجارة، فهي كلية سهلة ولا تحتاج للحضور المستمر، مما سيتيح لي العمل وجني المال أثناء الدراسة
شردت لثوان وشعرت بسعادة غامرة تسري في أوصالي، لقد أصبحت أرسم مستقبلاً مشرقاً لنفسي بدلاً من الغرق في تفاصيل حياتي البائسة السابقة، وضعت الخطة أمام عيني كخريطة طريق واضحة
سأشتري شقتي المستقلة أولاً، ثم سأحصل على شهادتي الجامعية، وبعدها سأسافر إلى السعودية لأعمل هناك وأكون بجانب مشاعل
هذا شيء لم أكن لأحلم به حتى في أكثر خيالاتي جموحاً، لكنني الآن أخطط له بكل سهولة وأراه يتحقق أمامي خطوة بخطوة، لم يعد الأمر مجرد سراب، بل أصبح واقعاً أصنعه
-مشاعل-
لقد فعلتها كنزي.. حققت تلك المعادلة الصعبة للنسويات الثوريات وأصبحت راقصة، لا أعلم ما هي الحرية في قاموس الآخرين، لكنني أؤمن تماماً أن الرقص هو أحد أسمى تجلياتها
حين قصت لي عن تجربتها مع الفودكا وكيف منحتها شعوراً بالخفة، شعرت بغيرة تنهش قلبي، تمنيت لو كنا معاً في تلك اللحظة، أردت أن نكتشف ذلك العالم المجهول سوياً، لكنها سبقتني بجرأتها المعهودة
ورغم ذلك، لا تزال الوعود قائمة بأن نشرب معاً يوماً ما.. ولكن كيف سيحدث ذلك وأنا عالقة هنا في الرياض، مقيدة براتبي الهزيل الذي لا يكاد يسمن ولا يغني من جوع؟
وصل الطرد الذي ارسلته كنزي أخيراً، شعرت بيدي ترتجفان وأنا أحمله إلى غرفتي وأغلق الباب خلفي، بدأت أتفقده بلهفة لا توصف، أمزق الغلاف وكأنني أفتح صندوقاً من الكنوز الضائعة، حين ظهرت الزينة والأضواء، شعرت برغبة في البكاء والضحك معاً؛ قمت بتعليقها في أرجاء الغرفة بسعادة طفلة لم تذق طعم العيد منذ سنوات. كانت الغرفة تتوهج بروح مصر التي بعثتها لي كنزي في صندوق صغير
انبهرت بالتذكارات، أمسكت بالأوراق والرسائل المكتوبة بخط يدها، أغمضت عيني وأخذت أشمها بعمق، كنت أستنشق رائحة الورق وكأنني أستشعر عبرها هواء القاهرة.. ورائحة كنزي
ثم تفاجأت بوجود فستان الرقص، أخرجته، كنت أنظر إليه بتشكك، وأنا أقول في نفسي أنه لن يناسبني
لكنني حين ارتديته، تسمرت مكاني أمام المرآة، انصدمت من مظهري، الفستان كان مناسباً لي تماماً، وكأنه نُحت على جسدي نحتاً، لأول مرة أرى انحناءاتي بهذا الوضوح، لأول مرة أشعر أن أنوثتي التي كنت أدفنها تحت الملابس الواسعة والرجالية بدأت تتنفس
وضعت كل الهدايا في ركن خاص أسميته "ركن مصر"، وصرت كلما شعرت بالضيق أو التعب من ضغط العمل في المقهى، أذهب إلى ذلك الركن، ألمس التذكارات، أشم الأوراق، وأستعيد قوتي من جديد. لقد أرسلت لي كنزي وطناً صغيراً في كرتونة، وطناً يخصنا نحن الاثنين فقط.
حتى أتى ذاك اليوم
كنت أتأمل وجهها عبر الشاشة، وكأنني أحاول حفظ كل تفصيلة صغيرة في ملامحها قبل أن ينتهي الاتصال. كانت كنزي تتحدث بنبرة مختلفة هذه المرة، نبرة تخلت فيها عن سطر الفكاهة المعتاد، وسكنت في عينيها جدية جعلت قلبي يقفز من مكانه قبل أن تنطق بحرف واحد
"مشاعل.. عايزة أتكلم معاكي في حاجة"
قالتها، فصمت الكون حولي. شعرتُ بجفاف في حلقي، وانتظرتُ الكلمات وهي تخرج من شفتيها بكل ثقة ومباشرة، تماماً كطريقتها في الرقص، وكطريقتها في مواجهة الحياة
"أنا بحبك فعلاً.. وناوية آجي السعودية عشان أقابلك، علاقتنا مش هتفضل مجرد شاشة وبس"
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الأرض تحت مقعدي قد اهتزت، لم تكن مجرد كلمة "أحبك" عابرة، بل كانت وعداً بالوصول، واقتحاماً لكل المسافات التي تفصل الرياض عن القاهرة. تجمدتُ مكاني لثوانٍ، أحاول استيعاب أن هذه الإنسانة القوية، الثائرة، التي قلبت حياتها رأساً على عقب، قد اختارتني أنا لتكون وجهتها القادمة
تملكني توتر لذيذ، ورعشة في أطراف أصابعي لم أستطع إخفاءها، لم أكن بحاجة للتفكير، فالإجابة كانت تصرخ في صدري منذ شهور، كانت تكتمل مع كل رسالة وكل أغنية نتقاسمها نظرتُ إلى عينيها مباشرة، وقلتُ بصوتٍ يرتجف لأنني لا استوعب ما يحدث، خائفة من أن يكون حلماً
"أنا بعد أحبك، أفكر فيك ليل نهار، وأبي أكون وياك في مكان واحد"
كان هذا الاعتراف هو الميلاد الحقيقي لنا، لم نعد مجرد فتاتين تتبادلان الأحاديث لقتل الوقت، بل أصبحنا خطة، وحلماً، ومستقبلاً يُبنى بالصبر والانتظار. شعرتُ حينها أن كل التعب في المقهى، وكل ضيق الراتب والوحدة، قد تلاشى أمام يقين واحد
أن كنزي قادمة، وأنني سأفعل المستحيل لأكون جاهزة لاستقبالها
لقد بدأت كنزي في إعادة صياغة قدرها وتغيير مستقبلها، ولم يعد أمامي خيار سوى أن أحذو حذوها، علي أن أجد وظيفة أفضل، مخرجاً من هذا الركود، لكنني حين أتأمل الأمر بصدق، أجد أن كنزي تمتلك ترسانة من المواهب والقوة، بينما أشعر أنا بضآلة إمكاناتي
هي تبادر، تقتنص الفرص، وتخلق من العدم مخرجاً، أما أنا فيصعب علي مجرد التفكير في وظيفة جديدة براتب جيد، وكأنني سجينة خلف جدران مهاراتي البسيطة
نظرت إلى الزينة التي أرسلتها، وتلك الهدايا التي جعلت غرفتي تنبض بالحياة لأول مرة، ثم لمست قماش بدلة الرقص التي جعلتني أرى نفسي بعينيها هي، فاتنة ومثالية تلك الكلمات كانت بمثابة صفعة أيقظتني
إذا كانت كنزي تحارب في جبهتين، بين التدريس والرقص، لتمهد طريقاً إليّ، فليس من الحق أن أبقى أنا مكتوفة الأيدي، لا بد أن أبحث عن مخرج، عن وظيفة تليق بهذا الحب الذي ولد خلف الشاشات، لكي لا يظل مجرد حلم معلق في فضاء الإنترنت
وفي أحدى الأيام كنت أجلس شاردة خلف طاولة الحسابات، أراقب الزبائن وهم يطيلون النظر إليّ، وأبتسم بسخرية مريرة في داخلي، كنت أعلم يقيناً أن السبب الوحيد لتوظيفي في هذا المقهى، ومن بعده في المتجر، هو مظهري وقدرتي على جذب الزبائن ليس إلا، فأنا لا أملك مهارات تقنية، ولا لغات، ولا حتى حرفة، وجهي كان هو مؤهلي الوحيد
قفزت الفكرة إلى ذهني كشرارة مجنونة
لماذا لا أكون عارضة أزياء؟ في البداية ضحكت من نفسي، وبدت لي الفكرة غارقة في الخيال، لكن بالنظر إلى واقعي، كان هذا هو الحل الوحيد المتاح أمامي، فليس لدي أي مميزات أخرى أبيعها لسوق العمل. بدأت أسأل زميلاتي بحذر عن متطلبات العمل كعارضة، وبدأت ألتقط لنفسي صوراً بزوايا مختلفة، وأرسلها إلى الحسابات التي تطلب عارضات، على أمل أن يلتفت إليّ أحد
في ليلة غلب عليها اليأس، كنت أجلس وحيدة أدخن سيجارتي وأراقب الدخان يتلاشى في الهواء، حتى اهتز هاتفي برسالة من صفحة لبيع العباءات، كانوا يسألون عن تفاصيل مقاساتي وطولي نبض قلبي بعنف وأنا أرد عليهم، ثم جاء السؤال الأصعب
"كم الراتب اللي تبينه؟"
تملكني التوتر، وشعرت بضغط شديد؛ كيف أسعر نفسي وأنا لا أملك خبرة؟ قررت أن أكون صادقة تماماً، فكتبت
"بصراحة أنا موديل جديدة، ادفعوا اللي تقدرون عليه"
ردت صاحبة الصفحة بلطف
"شوفي، حنا صفحة صغيرة وميزانيتنا حالياً ألف ريال، اعتبريها بداية، وإذا انشهرتي اطلبي أكثر طبعاً"
وافقتُ فوراً، وبدأت أقفز بحماس لا يوصف؛ أخيراً، هناك من طلبني! أخيراً بدأت أخطو خطوة حقيقية خارج جدران المقهى الكئيبة
في اليوم الموعود، ذهبت إلى مكان التصوير وأنا أشعر أنني في حلم، استقبلتني خبيرة التجميل وبدأت بوضع لمساتها على وجهي، ثم سلموني العباءة وقاموا بتنسيقها بدقة، بدأت المصورة والمساعدون يوجهونني نحو وضعيات التصوير، يعلمونني كيف أُبرز جمال وجهي وتفاصيل جسدي والعباءة، استمتعت بكل لحظة، خاصة وأنهم كانوا يعاملونني برقي، ويقدمون لي الطعام والمشروبات بعناية
شعرتُ لأول مرة أنني لست مجرد بائعة خلف طاولة، بل نجمة بدأت لتوها في الصعود
في طريقي للعودة، مررت بمتجر صغير للأدوات المنزلية، ولم تقع عيناي إلا على "حصالة" معدنية بسيطة، مزينة بنقوش تقليدية، اشتريتها فوراً، بمجرد وصولي للبيت، وضعتها في مركزي المفضل، ركن مصر بجانب هدايا كنزي، وأمسكت بأول مبلغ حصلت عليه من جلسة التصوير
أدخلت الأوراق النقدية في فتحة الحصالة الضيقة، وكنت أستمع لصوت استقرارها في القاع بانتشاء غريب
"هذي مو بس فلوس.. هذي المسافة اللي بيني وبينك يا كنزي، وقاعدة تقصر"
كانت نيتي واضحة وصريحة؛ هذا المال ليس للإيجار، ولا للملابس، ولا لتفاهات يومية، بل هو صندوق النجاة الذي سيوصلني إلى مطار القاهرة لرؤية كنزي، شعرت بمسؤولية جديدة تجاه كل قرش أكسبه، فكلما زاد وزن الحصالة، زاد يقيني بأن اللقاء اقترب
لم أعد أرى نفسي تلك الفتاة العالقة في دوامة الراتب الهزيل، بل امرأة تدخر ثمن حريتها وحبها، وتعد الأيام لليوم الذي سأكسر فيه هذه الحصالة لأشتري بها واقعاً جديداً يجمعني بكنزي بعيداً عن شاشات الهاتف
كان الحماس يتملأني لدرجة أنني لم أستطع الانتظار. أرسلت بعض الصور من جلسة التصوير لكنزي؛ كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها نفسي بمساحيق تجميل وُضعت باحترافية شديدة، جعلتني أرى جمالاً في وجهي لم أعهده من قبل، وكأنني اكتشفت نسخة جديدة مني أكثر إشراقاً.
لم تمر ثوانٍ حتى وصلني ردها، وبسرعة بديهتها المعهودة سألتني
"بقيتي موديل؟"
ضحكتُ من قلبي على دقتها وقلت لها بنبرة فخور
"إيه صرت موديل.. ايش رأيك؟"
جاء ردها دافئاً ومشجعاً كالعادة
"دي أكتر شغلانة مناسبة ليكي يا مشاعل بجد، مبروك يا حبيبتي"
كلمة حبيبتي منها، مع مباركتها لخطوتي الجديدة، جعلتني أشعر أن العالم بدأ يبتسم لي أخيراً، لم يعد الأمر مجرد وظيفة لزيادة الدخل، بل أصبح اعترافاً بكياني وبأنني أمتلك أخيراً شيئاً خاصاً بي، شيئاً لا يعتمد على وقوفي خلف طاولة الحسابات بانتظار انتهاء الدوام
شعرتُ حينها أن المسافة بين الرياض والقاهرة بدأت تتقلص، فبينما كانت كنزي تبني مستقبلها بذكائها وعملها الجاد كنتُ أنا أصعد سلمي الخاص، ولم يعد لقاؤنا مجرد حلم رومانسي، بل مشروعاً حقيقياً تُرسم ملامحه بالعمل والمال والطموح
نظرتُ إلى صوري مجدداً، لم أكن أرى مجرد عارضة أزياء، بل كنت أرى امرأة بدأت تتحرر من خجلها القديم. كنتُ أتخيل ردة فعلها حين تراني وجهاً لوجه بهذه المساحيق وهذا الثبات، وتساءلتُ بابتسامة: هل ستظل هي من تبادر بالكلمات الجريئة، أم أن "مشاعل الجديدة" ستفاجئها بجرأة لم تتوقعها؟
أغلقتُ هاتفي وضممته إلى صدري، واليقين يملأني بأن هذه الألفي ريال ليست إلا البداية. سأدخر كل قرش، سأبحث عن عروض أكبر، سأجعل من وجهي هذا جسراً يوصلني إليها. لم يعد الراتب الهزيل يكسر ظهري، لأنني اليوم، ولأول مرة، أدركتُ أنني أملك مفتاحاً حقيقياً للتغيير، وأن الحب الذي بدأ بكلمات خلف الشاشة، أصبح الآن يمتلك خطة، وصوتاً، ومستقبلاً يعدنا بالكثير.
.
7. ترميم الأرواح المكسورة
-كنزي-
"بيقولولنا دايماً 'ادعوني أستجب لكم'، وإن فيه رب سامع دبة النملة وشايف كل وجع بنخبيه، طيب، ممكن حد يفسر لي الصمت المريب ده؟
ليه دايماً الاستجابة بتظهر في الحاجات التافهة اللي ممكن تحصل بمحض الصدفة؟ يعني لو لقيتي ركنة لعربيتك تقولي استجابة، ولو نجحت في مادة كنت مذاكرها تقولي معجزة.. لكن فين الرد لما طفل بيموت من الجوع وهو بيعيط؟ فين الرد لما شعوب كاملة بتتباد والناس بتصرخ للسما ومحدش بيغيثهم؟
ليه السماء دايماً صامتة قدام صرخات المظلومين، بينما القوي والمجرم بيعيشوا حياتهم بالطول والعرض كأنهم واخدين تصريح إلهي بالفساد؟
لو هو كاتب كل حاجة من قبل ما نتولد، وكل وجع بنمر بيه هو ابتلاء، يبقى إيه لازمة الدعاء غير إنه مخدر؟ إحنا بنخترع ردود وهمية في خيالنا عشان مانتجننش من فكرة إننا لوحدنا تماماً في الكون ده
الحقيقة اللي بنهرب منها هي إن السما مابتسمعش، لأنها ببساطة.. فاضية، إحنا اللي بنملأها بأمانينا ودموعنا عشان نصبر على واقع مرير المفروض نغيره بإيدينا مش ب يا رب
صمت الإله مش اختبار لصبرك، صمت الإله هو الإشارة الوحيدة الصادقة اللي بتقولك قوم اتحرك، مفيش حد هيقوم بالنيابة عنك، ومفيش معجزات هتنزل من فوق تنقذك"
كنت أجلس مسترخية، أضع قدماً فوق الأخرى وأنا أمسك بكيس مقرمشات اشتريته في طريقي، قرمشة المسليات كانت الصوت الوحيد الذي يقطع سكون الغرفة بينما كانت أصابعي تتحرك بخفة على لوحة مفاتيح الهاتف، بالنسبة لي، هذه التناقضات هي جوهر حياتي، آكل، وأرقص، وأفكر في عمق الوجود، وأحب
بعد أن ضغطت على زر النشر، تخلصت من كيس المقرمشات
انتهى رمضان، ذلك الشهر الذي كان بمثابة هدنة إجبارية لجسدي، وعُدتُ من جديد إلى أضواء المسرح وصخب الموسيقى، كل ليلة كانت أموالي تزيد أكثر فأكثر؛ أرقص فيتبع ذلك انهمار الأموال التي لم أعد أراها مجرد أوراق نقدية، بل كنت أراها اسمنت في جدران شقتي الجديدة، وساعات أقرب في طريق السفر
كنتُ أدفع أقساط الشقة بانتظام، بينما كان الصندوق الخشبي الذي خصصته لرحلة الرياض قد شارف على الامتلاء، حين كنت أهز الصندوق وأسمع ثقل الأوراق بالداخل، كان قلبي يرقص قبل جسدي؛ هذا الثقل يعني أن اللقاء بات وشيكاً، وأنني سأعبر تلك الحدود قريباً لأراها وجهاً لوجه
لن أذهب إليها خالية اليدين، لا يمكن أن أكتفي بالهدايا التقليدية هذه المرة. بدأتُ بالفعل في جمع قائمة خاصة؛ سأشتري لها مجموعة من "الكتب الممنوعة" لديهم، تلك الكتب التي تتحدث عن الحرية، والفلسفة، والوجود، والتمرد النسوي.. أريد أن أحمل لها عقولاً بين دفتي كتاب، أريد أن نفتح تلك الصفحات معاً ونحن نحتسي كأساً من الخطر واللذة
أشعر بحماس لا يسعه صدري، فكرة أنني سأخرج من هذه الحانة، لأستقل طائرة، وأهبط في أرضها ومعي تلك الممنوعات الثمينة، تجعلني أشعر وكأنني أقوم بمهمة ثورية سرية، مشاعل ليست مجرد حبيبة خلف الشاشة، هي الآن هدفي، ووطني البديل، والسبب الوحيد الذي يجعلني أتحمل كل هذا العناء كل ليلة
فتحت محادثة مشاعل، بدأت أتصفح صورها في جلسة التصوير الجديدة بتمعن، كنت أمرر أصابعي على الشاشة وأنا أتأمل ملامحها التي برزت بوضوح خلف تلك المساحيق الاحترافية، بدت مذهلة، فاتنة، وشيئاً ما في داخلي كان يرقص فخراً بها
لم أكتفي بالتأمل، بل كتبت لها بحماس
"مشاعل، الصور تجنن بجد، بصي، لازم تعملي حساب انستجرام وتنزلي عليه الصور.. دي أحسن طريقة عشان تبقي موديل رسمي والبراندات والصفحات الكبيرة تشوفك وتطلبك أكتر"
طلبت مشاعل عنواني بالتفصيل، وأخبرتني أنها تنوي إرسال هدية لي. شعرت بذبذبات حماس تسري في جسدي، بدأت ألح عليها في السؤال
"هتبعتي إيه؟ قوليلي حاجة واحدة بس طيب!"
لكنها كانت حازمة في رفضها، وضحكت وهي تقول بنبرة فيها تحدي
"أنتي ما وريتيني شي قبل ترسلين، فمالك حق تتذمرين الحين!"
سكتُّ وأنا أبتسم، فعلاً.. هي ترد لي الصاع صاعين، لكن عقلي لم يتوقف عن العمل؛ يا ترى ما الذي تخبئه لي مشاعل في ذلك الطرد؟ لقد أرسلتُ لها أشياءً تفوح برائحة مصر الشعبية، تذكارات من النحاس والبخور والفوانيس.. فماذا سترسل هي من قلب السعودية؟
بدأتُ أتخيل، ما نوع التذكارات التي يمتلكونها بعيداً عن الصور النمطية؟ بالتأكيد لن ترسل لي سبحة أو سجاد صلاة، فنحن أبعد ما يكون عن ذلك، هل سترسل لي زجاجة عطر بتركيبة خاصة؟ أم بشت نسائي؟ ربما قطعاً من التراث البدوي القديم، خلخالاً من الفضة؟
تخيلتُ نفسي وأنا أفتح الطرد، أبحث فيه عن شيء يمثلها هي، عن رائحة الرياض التي تسكن ثيابها، عن شيء يكسر برودة المسافات، مهما كان ما سترسله، فأنا أعلم أنه سيكون مغلفاً بنفس القدر من الحب والترقب الذي شعرتُ به وأنا أعد لها طردها
امسكتُ بجواز السفر بين يدي، وكان ملمس غلافه الأملس يمنحني شعوراً بالقدرة لم أختبره من قبل؛ لم يكن مجرد وثيقة، بل كان مفتاحاً لزنزانتي الكبيرة، قمتُ فوراً باستخراج فيزا بنكية وأودعتُ فيها جزءاً من مدخراتي التي جمعتها ليلة بعد ليلة من تعب جسدي ورقصي، وشعرتُ بانتصار خفي وأنا أرى الأرقام تتحول من مجرد نقدية في صندوق حديدي إلى رصيد بنكي يؤمن لي التحرك في بلاد غريبة
وفي غمرة هذا الحماس، وصل طرد مشاعل
سحبتُ الكرتونة إلى ركني الصغير في الصالة حيث أنام، وحاولتُ فتحها بهدوء، بمجرد أن انفرج الغطاء، انبعثت رائحة الرياض؛ مزيج من البخور الثقيل وعبق المخمرية الفواحة الذي لم أعرف ماهيته في البداية، لكنه ملأ أرجاء الصالة في لحظات، مما جعلني أرتبك خشية أن يسألني أحد عن مصدر هذه الرائحة الغريبة
بدأتُ أستكشف الأغراض بذهول ودهشة، أخرجتُ قماشاً أسود منساباً كالحرير، لمستُ تطريزه بأصابعي لأكتشف أنه بشت نسائي فاخر، ومعه قطعة غامضة صغيرة، قلبتها بين يديّ حتى أدركتُ أنها برقع، وضعته على وجهي لثوانٍ وأنا أتأمل انعكاسي في مرآة الصالة المكسورة، وشعرتُ بكهرباء تسري في جسدي
ثم غصتُ بيدي أعمق، لأجد زجاجة عطر، والكثير من إكسسوارات الشعر المرصعة التي تلمع كخصلات النور؛ فقد كنت لم اقص شعري حتى الآن، لأني أحب كيف تتمايل معي بجنون فوق المسرح
لكن ما أوقف أنفاسي حقاً، كان ذلك الوشاح الشماغ النسائي الناعم، المصنوع من خيوط ناعمة باللونين الأحمر والأبيض، التقطتُ الرسالة المرفقة بلهفة، وحين قرأتُ كلمات مشاعل
"صنعت هذا الشماغ بيدي بكل حب"
ضممته إلى صدري بقوة
لمستُ غرز الخيوط التي حاكتها يد مشاعل، وغرقتُ في رائحة المخمرية، وشعرتُ في تلك اللحظة وأنا أجلس في وسط صالة بيتنا المزدحمة، أنني أمتلك أخيراً سراً جميلاً يخصني وحدي، وطناً صغيراً أرسلته لي في كرتونة
كانت الصالة غارقة في سكونها بعد أن خبأت صندوق الهدايا قبل أن يقطعه صوت باب الشقة الذي فُتح بعنف. دخل خالد في وقت مبكر على غير عادته، وبمجرد أن وقع نظري عليه، شعرتُ بانقباض في صدري. لم يكن خالد الذي أعرفه؛ كانت ملابسه مغطاة بالتراب، ووجهه يحمل علامات انكسار لم أرها من قبل
اقتربتُ منه بحذر، والدهشة تعقد لساني
"خالد! إيه اللي حصل؟ ليه شكلك عامل كدة؟"
انفجر في وجهي بصرخة يملأها القهر والغل، وكأنني كنتُ الشماعة الوحيدة المتاحة ليفرغ فيها وجعه
"المكنة اتسرقت! خلاص.. كل حاجة راحت!"
كانت تلك الدراجة النارية ليست مجرد وسيلة تنقل، بل كانت قدميه التي يسعى بهما، ومصدر رزقه الوحيد كموصل طلبات؛ كانت الأمل الذي يسند ظهره في هذه الدنيا الصعبة، تركني ودخل ليرتمي في زاويته، تاركاً خلفه غيمة من اليأس تملأ المكان
لم أتردد لثانية واحدة، في صباح اليوم التالي، كنتُ أتحدث مع وائل، سألته بوضوح عن أفضل أنواع الدراجات النارية وأسعارها، لأنني -بطبيعة الحال- لا أفقه عن هذه الحديدة شيئاً
سألني وائل ساخراً
"هتغيري كاريرك ولا إيه؟"
"اخلص"
رددت عليه ليقهقه
بمجرد أن حصلتُ على المعلومات، ذهبتُ وسحبتُ من مالي الذي جمعته بجهدي، واشتريتُ دراجة نارية جديدة تماماً، أردتها أن تكون أقوى وأمتن من التي فُقدت
حين وقفتُ تحت البيت وناديتُ عليه، نزل خالد وعلى وجهه تساؤلات الدنيا، وحين رأى الدراجة النارية الجديدة، تسمر مكانه جحظت عيناه وظل ينظر إليّ وإلى الدراجة بذهول، وكأنه يشاهد معجزة لا يصدقها عقله
"دي ليك يا خالد.. عشان ترجع شغلك وتنسى اللي حصل"
اخبرته بابتسامة
بدأ خالد يبكي بصمت، كانت دموع رجل شعر فجأة بأن هناك من يسنده، بدأ يمسح دموعه بخشونة بظاهر يده، محاولاً استعادة كبريائه المهدور، لكنه لم يستطع المقاومة أكثر، اقترب مني وعانقني بقوة؛ كان عناقاً طويلاً، شعرتُ فيه بضربات قلبه المتسارعة وبثقل رأسه على كتفي
في تلك اللحظة، شعرتُ أن الجدران العازلة بيني وبين إخوتي بدأت تتصدع، ورغم أن هذا المال كان من ميزانية سفري، إلا أن رؤية خالد وهو يستعيد روحه كانت تساوي عندي الكثير، لقد بدأتُ أبني جسوراً من اللحم والدم، جسوراً قد تكون أقوى من كل الخلافات التي كانت تفرقنا
-مشاعل-
الآن، وبعد أن بدأتُ خطواتي الأولى كعارضة أزياء، لم يعد المال مجرد أرقام أرقبها في حسابي البنكي لتأمين مستقبلنا؛ لقد صار له طعمٌ آخر، طعم القدرة على العطاء، في هذه المرة، قررتُ ألا تذهب كل هللة إلى حصالة اللقاء، بل سأقتطع جزءاً منها لأرد لكنزي شيئاً من فيض كرمها وجمال هداياها التي أرسلتها من قلب مصر
نزلتُ إلى أسواق الرياض القديمة، كنتُ أتمشى بين الروائح والألوان بذهنٍ متقد؛ أبحث عن كل ما يمثل أرضي، عن كل ما يختصر رائحة "نجد" ويضعه في صندوق، اشتريتُ العطور الفاخرة، والمخمرية التي تعبق بالأنوثة، والبرقع الذي سيخفي خلفه ملامح كنزي الفاتنة حين ترتديه
لكن الهدية الحقيقية كانت فكرة ولدت من عمق حبي لها، اشتريتُ قطعة من القماش الناعم الصافي، وجلستُ في ركني الهادئ، أمسك بالإبرة والخيط وأنا أعتزم صنع شماغ نسائي بيدي لم يكن مجرد تطريز، كنتُ أستمتع بكل غرزة أضعها، وكأنني أغزل أشواقي في ثنايا القماش. كنتُ أتخيل وجه كنزي وهي تلمس الحرير، وتتشمم رائحة يدي العالقة في الخيوط
كنتُ أبتسم وحدي وأنا أعمل، أردد في سري
"هذا لحبيبتي، هذا لزينتها"
شعرتُ بلذة غريبة وأنا أصنع هدية خارج النص، شماغاً يجمع بين هويتي وبين تمردنا نحن الاثنتين، كنتُ أعلم أن كنزي ستدرك فور أن تلمسه، أنه لم يخرج من مصنع، بل خرج من أصابع امرأة تحبها حتى النخاع، وتعد الأيام لترى هذا الشماغ يطوق عنقها في أول لقاء يجمعنا
أرسلتُ الطرد وأنا في حالة من الترقب التي لا تهدأ، كنتُ أعد الأيام والساعات، وأتخيل المسافة التي يقطعها الصندوق فوق السحاب ليصل إليها، وحين أخبرتني بوصوله، صورت لي مقطعاً وهي تفتح الهدايا، كنتُ أشاهد الفيديو وعيناي تلمعان، وشعرت بسعادة غامرة وأنا أرى تعبيرات وجهها السعيدة وهي تتفقد الأغراض واحدة تلو الأخرى.. حبيبتي هي أجمل امرأة على وجه الأرض، ورؤية الفرحة في عينيها كانت هي المكافأة الحقيقية لكل غرزة خيط وضعتها في ذلك الشماغ
فجأة، وسط هذه اللحظة الحالمة، سمعتُ صوت طرقٍ قوي على الباب. نهضتُ باستغراب شديد، فنحن لا يأتينا ضيوف أبداً، وحياتنا هنا مغلقة وهادئة، فتحتُ الباب ببطء، ورأيتُ رجلاً طويلاً يشيح بوجهه بعيداً عني التزاماً بالتقاليد، وسألني بصوتٍ رخيم
"هتان موجود؟"
تسمرتُ في مكاني لثوانٍ، اللهجة مصرية واضحة، يبدو أن هتان لديه صديق مصري حقاً كما كنت اعتقد، رددتُ بوجيز العبارة
"دقيقة.. بصحيه"
تركتُ الباب ودخلتُ غرفة هتان، بدأتُ أهزه ليخرج من نومه العميق
"اصحى.. صاحبك المصري يسأل عنك"
استيقظ هتان وكأن صاعقة ضربته، نظر إليّ بتفاجؤ مريب وقال
"وشو؟"
تعجبتُ من ردة فعله، ما باله يرتجف هكذا؟ كأنني أخبرته بمصيبة! ككرتُ عليه ببرود
"أقول لك صاحبك المصري يسأل عنك"
نهض بسرعة البرق، لم يوجه لي كلمة أخرى، بل خرج من الغرفة ودخل الحمام فوراً، وقفتُ في مكاني أتساءل، ما الذي يربط هتان بهذا الرجل؟ ولماذا يبدو مرتبكاً إلى هذا الحد؟
التلصص ليس من عاداتي، لذا قررت الانسحاب، وعدتُ إلى غرفتي لأكمل مراسلة كنزي. كنتُ أكتب لها والابتسامة لا تفارق ثغري، وكأن حديثي معها يغسل عني ريبة هذا الموقف الغريب
بعد دقائق، شعرتُ بالعطش فذهبتُ للمطبخ، ووجدتُ هتان هناك يجلسُ بمفرده، وكان الارتباك يكسو ملامحه بشكلٍ لا يمكن تخطئته، فسألتُه بعفوية
"وش عندك؟"
رد باقتضاب وهو يشيح بنظره بعيداً
"ما فيه شي"
رفعتُ كتفاي بلامبالاة وقلتُ في سري
"على راحتك"
لن أجبره على الحديث، سيتحدث وقتما يشاء، لكنني لاحظتُ مؤخراً أنه توقف تماماً عن الذهاب للنادي الرياضي، فأردتُ تغيير الموضوع وكسر هذا التوتر الثقيل فسألته
"كنسلت الجيم خلاص؟"
جاء رده غريباً وصادماً في آنٍ واحد
"إيه.. ماهو مكاني"
تعجبتُ من رده الذي يحمل نبرة انكسار أو ربما شعوراً بالنبذ، فقلتُ له مستغربة
"مو لذي الدرجة.. الجيم للكل عادي!"
بقي صامتاً، وكأن خلف تلك الكلمات البسيطة قصة طويلة يرفض البوح بها، أو ربما حادثة وقعت في ذلك المكان جعلته يشعر فجأة بأنه غريب في مكان كان يرتاده يومياً
حين لاحظتُ ذلك الهدوء الغريب واكتئاب أخي الذي بات ينهشه بوضوح، قررتُ أن أضع حداً لصمتي. قلتُ في نفسي وأنا أراقب شروده
"أنا مو متطفلة، بس مو لدرجة أشوف أخوي بهالحال وأعديها!"
الشعور بالمسؤولية تجاهه غلبني، لذا قررتُ أن أعرف ما الذي يطفئ نوره بهذا الشكل
في اليوم التالي، تنكرتُ بحذر، غطيتُ وجهي بكمامة، ووضعتُ نظارات شمسية عريضة تخفي عيني، وخرجتُ أتتبعه من بعيد دون أن يشعر بوجودي، استمرت مراقبتي له حتى رأيته يقف في زاوية هادئة، وهناك ظهر ذلك الرجل المصري مجدداً، كان يحاول الحديث معه بإلحاح، بينما هتان يشيح بوجهه ويرفض الاستماع إليه بحدة
اقتربتُ منهما ببطء، متظاهرة بالانشغال بهاتفي، حتى أصبحتُ على مسافة تسمح لي بالتقاط كلماتهم، ومن سياق المحادثة المشتعلة والعتاب المرير، فهمتُ كل شيء؛ لقد كانا على علاقة، ويبدو أنهما الآن في خضم خلاف كبير
لم أشعر بصدمة كبرى، في داخلي كنتُ أتوقع شيئاً كهذا، فمن خبرتي أعرف أن الكثير من الرجال يخوضون علاقات مع رجال آخرين، لكنها مجرد علاقات عابرة وتسلية، وليست حباً حقيقياً وعميقاً كالذي يجمعني بكنزي
هززتُ رأسي بأسى، وتركتُ أخي في صراعه وذهبتُ مسرعة إلى عملي
دخلتُ الاستوديو واعتذرتُ للمصور عن تأخري، وبينما كنتُ انظر لانعكاسي في المرآة بينما تضع لي الفنانة المساحيق قلتُ لنفسي بسخرية
"ما توقعت أخوي بهالسن ولسه يتسلى بالعلاقات العابرة.. يا ليته ينضج بس"
بينما كنتُ أتحدث مع كنزي، أخبرتُها بما رأيتُه وبما استنتجتُه عن هتان، لكنها باغتتني بسؤالٍ جعلني أتوقف عن الكتابة لثوانٍ
"وإنتي ليه حكمتي إنه بيتسلى؟"
كان سؤالها غريباً بالنسبة إليّ، فحسب معرفتي وما أسمعه دوماً، كنتُ أظن أن علاقات الرجال في هذا السياق لا تخرج عن كونها نزوات عابرة، أخبرتُها أن هذا الأمر منتشر لدينا، لكن كنزي لم تقتنع بكلامي، وردت بنبرة فيها عتاب صريح
"ماتبقيش جادجمنتل وتحكمي على أخوكي كده، ما يمكن مش عايز يحكيلك عشان هتحسبيها علاقة عابرة، يمكن سبب إن علاقتهم بتمر بمصاعب إنهم خايفين تكون عابرة زي الكل.. حاولي تطمني أخوكي، حاولي تلمحيله بتقبلك للعلاقات"
شعرتُ حينها بغصة، وكأن كلمات كنزي كانت مرآة كشفت لي قبح حكمي السريع، ربما ظلمتُ أخي وحكمتُ عليه بطريقة قاسية دون أن أمنحه فرصة أو أفهم عمق ما يمر به، أدركتُ فجأة كم هو مهين أن تصف مشاعر شخص آخر بأنها "عابرة" لمجرد أنها لا تشبه قالبك
فكرتُ في نفسي؛ لو أن أحداً وصف علاقتي بكنزي بأنها مجرد "تسلية" أو "علاقة عابرة"، سأغضب بشدة، سأجن، بل ربما سأفقد ثقتي في كل شيء! فكيف سمحتُ لنفسي أن أفعل ذلك بهتان؟ ليس عليّ الحكم على الآخرين، خاصة من يشاركونني نفس العزلة ونفس الخوف
قررتُ في داخلي أن أغير أسلوبي معه؛ لن أكون القاضي، بل سأحاول أن أكون الأمان الذي يفتقده، تماماً كما اقترحت كنزي
أعددتُ كوبين من القهوة وجلستُ بجانبه في الصالة. كان الصمت ثقيلاً، وهتان يبدو وكأنه يحمل جبالاً فوق أكتافه، بدأتُ أتحدث بصوتٍ هادئ، وكأنني أفتح قلبي لنفسي أولاً
"تدري يا هتان.. صرت أفكر كثير بالناس اللي حوالينا، وكيف إننا دايم نحكم عليهم من الظاهر. المجتمع يحب يحطنا في قوالب، واللي يطلع عنها نعتبره غريب أو غلط"
نظر إليّ بطرف عينه دون أن يعلق، فتابعتُ وكأنني أسترسل في فكرة عابرة
"حتى في الحب.. الناس تظن إن له شكل واحد بس، وأي شي ثاني يسمونه 'نزوة' أو 'تسلية'. بس أنا صرت أشوف إن الصدق هو المعيار الوحيد. لو الإنسان لقى راحته مع شخص، وش جاب الناس بالنص؟ ليش نتدخل في قلوبهم؟ أنا عن نفسي، صرت أؤمن إن كل شخص له الحق يحب اللي يبي، وبالطريقة اللي تريحه، ومستعدة أوقف بوجه الكل عشان أحمي حق أي أحد قريب مني في إنه يعيش مشاعره بصدق.. بدون خوف من أحكامي أنا على الأقل"
ساد صمت طويل، لكنه لم يكن صمتاً متوتراً هذه المرة، شعرتُ بهتان يخرج زفيراً طويلاً، وكأنه كان يحبس أنفاسه لسنوات. لم ينظر إليّ، ولم يسألني لماذا أقول هذا الكلام الآن، لكن يده التي كانت تعبث بطرف ثوبه هدأت تماماً
لقد رميتُ له طوق نجاة دون أن أخبره أنني رأيته يغرق، تركتُ له الخيار أن يظل صامتاً، لكنه الآن يعرف يقيناً أن خلف هذا الباب أخت لن تخذله إذا ما قرر يوماً أن يفتح قلبه
ساد صمت ثقيل لثوانٍ، شعرتُ فيها أن هتان يزن كلماتي بدقة، وكأنه يفتش خلفها عن دليل إدانة أو طوق نجاة. فجأة، التفت إليّ بنظرة مباشرة كسرت كل حواجز الحذر، وقال بصوتٍ خفيض
"تعرفين.. صح؟"
ارتبكتُ قليلاً، وحاولتُ التمسك بآخر خيوط التظاهر، فرددت
"أعرف إيش؟"
زفر هتان بضيق وكأنه تعب من الكذب ثم قال بوضوح وصراحة لم أتوقعها
"المصري.. مهو بصاحبي حالياً، هو الإكس"
تسمرتُ مكاني، ورغم أنني كنتُ أعرف، إلا أن سماع الحقيقة من لسانه كان له وقع مختلف، سألتُه بهدوء
"ليش؟"
أطرق هتان برأسه ونظر إلى الكوب بين يديه، وقال بنبرة يملأها الانكسار
"أحس إنها علاقة مالها مستقبل.. مدري، ضعت وخفت، وقررت إنهيها"
شعرتُ بقلب كنزي ينبض في صدري وأنا أرد عليه بنفس منطقها
"وليش مالها مستقبل؟ فيكم تظلون سوا المدة اللي تبونها"
نظر إليّ بذهول، وكأنني أتحدث بلغة لا يفهمها، ورد بسخرية مرة
"تستهبلين؟ تدرين إن ما ينفع!"
هنا، وجدتُ نفسي أدافع عن مفهوم الحب الذي أعيشه، قلتُ له بيقين
"المشاعر ماهي مرهونة بعقد زواج أو معرفة الكل.. مو ضروري تكون علاقة رسمية عشان تكون علاقة"
سكت هتان، بدا وكأن كلامي يفتح له مغارة مغلقة في عقله، ظل يفكّر لثوانٍ قبل أن يطرح سؤاله الأكثر خوفاً
"وإذا فجأة هو أدرك إن مالها مستقبل؟"
ابتسمتُ له محاولةً بث الطمأنينة في روحه، وقلتُ له وأنا أتذكر إلحاح الرجل المصري عند الباب وحزنه
"ما أحسه بيسوي كذا.. شكله يحبك مرة"
في تلك اللحظة، شعرتُ أن الجدار العظيم الذي كان يفصلني عن أخي قد انهار تماماً، لم نعد مجرد شخصين يعيشان تحت سقف واحد بصمت، بل أصبحنا شريكين في سرٍ واحد، وفي أملٍ يبحث عن ضوء في زحام هذا العالم
.
8. أخيراً.. لم نعد أطيافاً
-كنزي-
كنتُ أجلس على الأريكة في الصالة، وحولي أوراق النقد مبعثرة، بدأتُ أعدها بتركيزشديد، والنبض في صدري يتسارع مع كل ورقة أضيفها إلى الكومة
حين انتهيت، أغمضتُ عيني لثوانٍ واستنشقتُ الهواء بعمق؛ لقد فعلتها، المبلغ الآن كافٍ تماماً لتذكرة الطيران، ولتأمين إقامتي هناك، ولشراء تلك الكتب التي وعدتُ بها مشاعل، اعدت النقود للصندوق ثم ذهبت للبنك ووضعتهم في حسابي، عدت للمنزل وانا ادندن بسعادة وكنتُ على وشك الإمساك بهاتفي لأزف إليها الخبر اليقين، لكن صوت عبد الله وهو يدخل البيت ويطلب اجتماعنا جميعاً جعلني أتوقف
جمعنا عبد الله حوله، وكان يبدو عليه التوتر والقلق، بدأ يتحدث بصوتٍ خفيض
"أنا عايز أخطب.. والمفروض لما أروح أتقدم آخد العيلة معايا، وأنتم عارفين إن بابا مش بيرضى يخرج ولا بيتحرك من مكانه.. أعمل إيه عشان أحسسهم إني شاري البنت وإني مش مقطوع من شجرة؟"
ساد الصمت لثوانٍ، فاقترحتُ عليه بهدوء
"ممكن نكلم خالنا يجي معانا كولي أمر ويسندك قدامهم"
لكن عبد الله انتفض برفضٍ قاطع، وكبرياؤه يسبق حاجته
"لا طبعاً.. أنا مش عايز مساعدة من غريب، ولا عايز أحس إني مديون لحد"
هنا، أدركتُ أن الحل يجب أن ينبع من داخلنا نحن الأربعة، فقلتُ له بيقين
"خلاص.. هنروح كلنا، إحنا عيلتك، ولما يسألوا عن بابا، هنقول إنه تعبان ومش بيقدر يتحرك، مفيش حل تاني غير كدة"
فكر عبد الله قليلاً، ثم بدأت ملامحه تسترخي ووافق برأسه. انفجر وائل وخالد بالضحك وهما يربتان على كتفه
"مبروك يا عريس.. أخيراً هنفرح بحد في البيت دا!"
في اليوم الموعود، استيقظتُ قبل الجميع، كنتُ أعلم أن إخوتي، رغم رجولتهم الظاهرة، يفتقرون للخبرة في هذه التفاصيل التي تصنع الفارق أمام الغرباء، خرجتُ في الصباح الباكر، اشتريتُ باقة ورد ضخمة ومنسقة بعناية، وعلبة شوكولاتة من أغلى الأنواع؛ أردتُ أن تذهب عائلتنا مرفوعين الرأس، ونحن نظهر أفضل ما لدينا
حين عدتُ، كانت دهشة إخوتي لا توصف، نظروا إلى الورد والشوكولاتة بذهول، لكن المفاجأة الكبرى كانت حين أخرجتُ طقم ملابس جديداً تماماً كنتُ قد اشتريته لعبد الله، وخمنتُ مقاسه فجاء مناسباً له تماماً لحسن حظي، نظر إليّ عبد الله بعينين تلمعان بالامتنان وقال بصوتٍ مخنوق
"شكراً يا كنزي.. بجد شكراً"
ذهبنا إلى بيت العروس، وهي عائلة بسيطة مثلنا تماماً، تركتُ إخوتي الثلاثة يجلسون مع والد العروس، يتحدثون كرجاٍل نضجوا فجأة تحت ضغط الموقف، رأيتُ كيف كان والدها ينظر إلى باقة الورد وعلبة الشوكولاتة بتقديرٍ واضح، وكيف رسمت ملابس عبد الله الجديدة صورة لشاب مقتدر ومسؤول، مما جعلهم يوافقون ويباركون الارتباط دون تردد
في طريق العودة، لم أشأ أن تنتهي هذه اللحظة عند باب البيت، سحبتهم جميعاً إلى مطعمٍ أنيق، ودعوتهم لتناول الطعام على حسابي، جلسنا نأكل ونضحك، ونتبادل الحكايات الساخرة، لأول مرة منذ زمن طويل جداً، لم نكن مجرد إخوة تفرقهم المشاكل وتجمعهم الصالة الضيقة، كنا عائلة حقيقية، ننسى للحظات قسوة العالم الخارجي، ونستمتع بدفء القرب الذي رممته أيامي الصعبة
بعد عودتنا من بيت العروس، كانت الفرحة لا تزال ترفرف في أرجاء الصالة، فدخلتُ غرفة والدي أحمل طبقاً من الطعام، أردتُ أن يشاركنا هذه اللحظة النادرة من الألفة، لكن الطبق ارتطم بالأرض وتدحرجت كسراته في كل مكان بمجرد أن وقع نظري عليه. كان والدي ملقى على الأرض بجانب سريره، جسده ساكن تماماً ووجهه يحمل شحوب الموت، ونفسه يخرج بصعوبة مروعة
"خالد وائل! إلحقوني"
هزت صرختي أركان البيت، وفي ثوانٍ كان إخوتي جميعاً فوق رأسه، يحملونه بذعرٍ لم أشهده في عيونهم قط، وانطلقنا به إلى المستشفى
كانت الممرات باردة ورائحة المطهرات تخنق أنفاسي المضطربة. خرج الطبيب بوجهٍ جامد، وقال بلهجة قاطعة لا تحتمل التأجيل
"والدكم عنده انسداد ومحتاج عملية حالاً.. اتفضلوا على الحسابات ادفعوا تكلفتها عشان نبدأ فوراً، مفيش وقت نضيعه"
في تلك اللحظة، رأيتُ انكسار إخوتي بوضوح؛ تبادلوا نظرات العجز المريرة، فأيديهم خالية من مبلغ ضخم كهذا في ساعة متأخرة، لم أنطق بكلمة، بل ركضتُ نحو نافذة التحصيل وأخرجتُ فيزتي البنكية، تذكرتي الوحيدة نحو مشاعل ونحو حريتي، مررتُ البطاقة في الجهاز وأنا أشعر بغصة تذبح حنجرتي، ليس حزناً على المال، بل على المسافة التي تمددت فجأة بيني وبين حلمي
عدتُ إليهم بعد دفع المبلغ بالكامل، فكانوا يقفون في ذهول وإحراج، لم يجرؤ أحد منهم على سؤالي: "من أين لكِ هذا؟"، وكأن صمتهم كان اعترافاً بفضل أخجل كبرياءهم، جلسنا على مقاعد الانتظار لساعات طوال، نرقب عقارب الساعة وهي تنهش أعصابنا، حتى خرج الطبيب ليبشرنا بنجاح العملية، وطلب منا العودة للمنزل والقدوم في الصباح
عدتُ إلى البيت وجسدي يرتجف من الإرهاق والضغط النفسي، ألقيتُ بنفسي على الأريكة وغرقتُ في نومٍ عميق كأنه غيبوبة، في اليوم التالي، استيقظتُ على حركة هادئة في المطبخ وريحة خبز طازج؛ كان وائل وخالد قد أعدّا الإفطار بأنفسهما، وايقظاني برقةٍ غير معهودة
"صباح الخير يا كنزي.. قومي افطري"
كنا نأكل في صمتٍ ثقيل، حتى قطعه عبد الله وهو ينظر إليّ بتساؤل مكتوم
"يا كنزي.. إحنا عارفين إنك بتشتغلي، بس المبلغ ده كبير أوي.. جبتيه منين؟"
رسمتُ الهدوء على ملامحي، وبلعتُ ريقي وأنا ألقي بكذبتي التي أعددتها بإتقان
"أنا بقالي سنة بدخل في جمعيات وبقبضها في الآخر، وكنت بشتغل في التدريس لطلاب كتير أوي وجمعت قرشين.. كنت ناوية أطلع بيهم عُمرة، بس خلاص.. العمرة تتأجل، المهم بابا يقوم بالسلامة"
قلتُ عُمرة لأنني أعلم أن هذا السبب الوحيد الذي سيجعلهم يحترمون تضحيتي ولا يشكون في أهدافي، فالعُمرة مبرر مقدس لا يجرؤ أحد على الاعتراض عليه، رأيت في عيونهم لمعة تأثر، وقرروا ألا يفتحوا هذا الموضوع مرة أخرى احتراماً لي
انصرف عبد الله ووائل لأعمالهما، بينما أصر خالد على مرافقتي للمستشفى، اطمأننا على والدي، وأخبرنا الدكتور أنه سيعود للبيت غداً، ومنحنا قائمة طويلة بالأدوية
اختطف خالد الورقة من يدي بحزم
"والله ما أنتي دافعة مليم تاني، الأدوية دي عليا أنا.. كفاية اللي أنتي دفعتيه في العملية، روحي أنتي شوفي شغلك"
عدتُ إلى المنزل، لملمتُ كتبي وأدواتي، وبدأتُ أتصل بأمهات الطلاب أعتذر عن التأجيل وأرتب مواعيدي من جديد
بعد أن انتهيت من جولة الدروس المنهكة، عدت إلى المنزل وقلبي يسبق قدمي؛ لم يكن أمامي وقت للراحة، بدأتُ أجهز نفسي لعملي الآخر، ذلك العالم الصاخب، قررتُ أن أعمل ساعة إضافية الليلة، فكل دقيقة فوق المسرح تعني جنيهاً جديداً يقربني من تذكرة الطيران التي ضاعت في حسابات المستشفى
حين وصلت إلى الحانة، وأخبرت الفتيات بما حدث في منزلي، وجدتهن يلتففن حولي بقلوب مفتوحة، وافقن جميعاً على عملي للساعة الإضافية دون تردد، بل غمرنني بكلمات دعم صادقة،الراقصات اللاتي عرفتهن كن من أشجع وألطف وأفضل النساء اللاتي عرفتهن قط؛ خلف تلك الأضواء والمساحيق، كانت هناك نفوس طحنتها الحياة لكنها لم تفقد قدرتها على العطاء والوقوف بجانب النساء الأخريات
بعد أن انتهيت من عملي في تلك الليلة الطويلة، لم تقوى قدماي على حملي إلى منزلي؛ كنت أحتاج لمكان لا يذكرني بالمسؤوليات أو بمرض والدي، ذهبتُ مع سوسكا، إحدى الراقصات، إلى منزلها، نمتُ هناك نوماً ثقيلاً كأنني أهرب من العالم، واستيقظتُ ظهراً على رائحة القهوة وصوتها اللطيف وهي تقدم لي الطعام، كانت سوسكا، رغم كل ما يقال عن عالمنا، تحمل قلباً أبيض كالثلج، لطيفة وبسيطة في دعمها
فجأة، انتفضتُ من مكاني حين تذكرتُ مواعيد دروسي؛ تركتُها على عجلة وعدتُ للمنزل لأجهز نفسي وانطلق لمنازل الطلاب، وفي الطريق، بينما كنتُ أقطع الشوارع المزدحمة، بدأتُ أسأل نفسي بمرارة
"إلى متى سأظل أكافح في الوظائف ليل نهار؟ متى سأتنفس؟"
كان إخوتي قد أعادوا والدي للمنزل بالفعل، وحين علم أنني من دفعت ثمن العملية، نظر إليّ وشكرني بصوت واهن وعيناه مسمرتان في الأرض؛ لم أهتم كثيراً بشكره، فنحن عائلة في النهاية، وما فعلتُه كان واجباً إنسانياً، لكن هذا لن يلغي أبداً حقيقة أنه كان يوماً ما أحد أسباب معاناتي الكبرى
في غمرة هذا التعب، انفتح باب التقديم للجامعات، قدمتُ أوراقي في كلية التجارة، وحين جاءني خبر قبولي، رقصتُ بسعادةٍ غامرة في تلك الليلة، لم يكن رقصاً من أجل المال، بل رقصاً من أجل "كنزي" التي بدأت تخطو نحو مستقبل أفضل
شعرتُ حينها أن كل ما حدث، من مرض والدي وضياع أموال السفر، لم يكن إلا شيئاً واجباً ليمنحني الوقت لأحصل على شهادتي الجامعية بدلاً من السفر والالتهاء بحبي الأعمى، فربما لو كنتُ رأيتُ مشاعل أولاً، كنتُ سأتجاهل الجامعة وأراها بلا فائدة، وأكمل دورتي في السعي والعمل ليل نهار حتى الموت
أما الآن، فقد أصبحتُ طالبة جامعية، وسأصبح خريجة قريباً.. حسناً، ليس قريباً حقاً، بل بعد بضع سنوات، ولكن السنوات تمر بسرعة.. أليس كذلك؟
حينما أبلغتُ مشاعل عبر الهاتف أنني قدمتُ أوراقي للجامعة وأنني قُبلتُ رسمياً، لم تأتِ ردة فعلها هادئة أبداً؛ بل صرخت بحماسٍ بالغٍ اخترق أذني، وظلت تبارك لي بكلماتٍ دافئة يملؤها الفخر، وكأنها هي من نالت القبول لا أنا
في تلك اللحظة، شعرتُ برغبةٍ عارمة في أن نشترك في هذا الإنجاز معاً، فسألتها بتردد ممزوج بالأمل إن كانت ترغب في إكمال تعليمها هي الأخرى، فربما تفتح لها الجامعة آفاقاً لم تتخيلها
لكن ردها جاء حاسماً وسريعاً، تغللفه صراحة مشاعل المعهودة
"لا يا كنزي.. أنا أكره التعليم والدراسة، واكتفيت بشهادة الإعدادية"
تابعت حديثها وهي تؤكد لي أنها راضية تماماً عن وضعها الحالي، وأن وظيفتها كعارضة أزياء تمنحها الشغف الذي تحتاجه ولا ترى نفسها بين الكتب والمحاضرات، شعرتُ حينها بتباين طريقنا؛ أنا التي أرى في الشهادة الجامعية درعاً يحميني من غدر الأيام وسلاحاً أواجه به العالم، وهي التي ترى في جمالها وعملها حريتها الكافية
لم أحزن لردها، بل احترمتُ صراحتها؛ فمشاعل يناسبها أن تكون أيقونةً تحت الأضواء، وأنا يناسبني المحاربة في كل الجبهات، حتى جبهة العلم
اجتمعنا في الصالة، تلك المساحة التي شهدت كل صراعاتنا وانكساراتنا، لكنني هذه المرة وقفتُ بينهم برأسٍ مرفوع لأعلن الخبر الذي لم يتوقعه أحد
"أنا اتقبلت في الجامعة.. كلية تجارة، وهكمل تعليمي"
ساد الصمت لثوانٍ، رأيتُ علامات المفاجأة ترتسم على وجوههم؛ فهم لم يكملوا تعليمهم، وفي قرارة أنفسهم لا يؤمنون كثيراً بأهمية الورقة التي تسمى "شهادة" في عالمٍ لا يعترف إلا بقوة الذراع والمال، لكن، وبشكلٍ لم أعهده، بادروني بالمباركة، شعرتُ بنبرة فخرٍ خفية في أصواتهم، وكأنني بفعلتي هذه أحققُ حُلماً عجزوا هم عن لمسه
في اليوم التالي، حدث ما جعل قلبي يرقصُ امتناناً، لم يمر الخبر مرور الكرام، بل جاء كل واحد منهم يحمل لي هدية، وائل أحضر لي مجموعة من الأقلام والدفاتر، أما خالد، فقد فاجأني بحقيبة متينة وأنيقة، بينما جاء عبد الله بأدوات المحاسبة المعقدة؛ الآلة الحاسبة والمساطر الخاصة
شكرتُهم بسعادةٍ غامرة، والدموع تكاد تفر من عيني؛ فهذه الهدايا البسيطة كانت تعني لي اعترافهم بي وبطريقي، أخذتُ كل تلك الأغراض، وضعتها بعناية في الحقيبة الجديدة، ثم أخرجتُ هاتفي والتقطتُ لها صورة
أرسلتُ الصورة فوراً لمشاعل، وما هي إلا دقائق حتى وصلني ردها الذي يفيض بالبهجة والزغاريد الإلكترونية، تبارك لي من قلبها، في تلك اللحظة، شعرتُ أن حقيبة الجامعة لا تحمل الدفاتر فحسب، بل تحمل صلحاً مع عائلتي، ووعداً لمشاعل بأنني سأكون الشخص الذي تفتخر به دائماً
-مشاعل-
حدث الكثير في حياة كنزي مؤخراً، ورغم أننا لا نتوقف عن الحديث أبداً، فصوتها ورسائلها هما الأوكسجين الذي أتنفسه كل يوم، إلا أنني شعرتُ بمدى النضج الذي وصلت إليه
أنا سعيدة جداً لأن علاقتها بعائلتها تحسنت؛ فقد كانت دوماً تشعر بالبؤس والحزن لأنها تعيش وسط عائلة متفككة، إخوة لا يحملون تجاه بعضهم سوى الجفاء
لكن الآن، رؤيتها وهي تتحدث بفخر عن دعمهم لدراستها جعلت قلبي يرقص فرحاً من أجلها، فكنزي تستحق أن تُحاط بالحب من كل جانب، وأنا أولهم
وهناك سر كبير أخفيه عنها، سر ينمو في صدري ويجعلني أبتسم دون سبب كلما نظرتُ إلى تذكرتي المحفوظة على هاتفي.. لقد اكتمل مبلغ سفري إلى مصر، كل تعبي في جلسات التصوير، كل ساعات الوقوف أمام الكاميرا، وكل "هللة" ادخرتها بحرص، قد آتت ثمارها أخيرا
لم أخبرها، ولن أفعل؛ أريد أن يكون اللقاء صاعقةً من الفرح تقلب كيانها وتنسيها كل تعب الأيام الماضية، كل ما علي فعله الآن هو ترتيب أوراقي الأخيرة، أخذ إجازة من العمل، وإبلاغ شقيقاي بأنني سأسافر لمدة أسبوعين، سأقول لهما إنني أحتاج لراحة بعيداً عن ضغط العمل والرياض، وربما تكون رحلة استجمام قصيرة أستعيد فيها نفسي
أشعر بحماسةٍ تزلزل أركاني، وأنا أتخيل وجهها المندهش وهي تفتح باب شقتها في القاهرة لتجدني واقفةً أمامها بكامل شوقي الذي لا يوصف، أنا أمتلك العنوان، وأمتلك الشجاعة التي استمددتُها من حبها العظيم.. سأذهب إليها فوراً، وسأكون أنا المفاجأة التي لم تتوقعها وسط انشغالها بكتبها وجامعتها الجديدة
بدأتُ بتجهيز الحقيبة وكأنني أجهزُ متاعاً لرحلة نحو الجنة، لم تكن مجرد ملابس وأغراض، بل كانت قطعاً من روحي أحزمها بعناية لترافقني إلى القاهرة
كنتُ أضعُ القميص ثم أخرجه لأعيد طيه مرة أخرى بابتسامة لا تغادر وجهي، أتخيل ملمس يدي كنزي وهي تساعدني في تفريغ هذه الحقيبة
وقبل أن أغلقها، قررتُ أن أنزل إلى السوق مرة أخيرة، لم يكن من اللائق أن أدخل بيت كنزي وأنا أعرفُ الآن أن لها إخوة وقفوا معها في محنتها، وبدأت جدران بيتهم المتصدعة تلتئم. أردتُ أن أحمل لهم ما يليق بكرمهم مع حبيبتي
اشتريتُ ثلاثة زجاجات من أفخر أنواع دهن العود المعتق، وضعتها في علبٍ قطيفة تليقُ بمقام الهدايا؛ واحدة لعبد الله العريس الذي يستعد لحياة جديدة، وواحدة لوائل، والأخيرة لخالد الذي ساند كنزي في المستشفى. لم أنسَ والدهم أيضاً، اشتريتُ له بشتاً صوفياً فاخراً، فربما يدفئه في شتاء القاهرة
أما كنزي.. فكان لها نصيب الأسد بالطبع، اشتريتُ لها فستاناً حريرياً بلون الزمرد، كنتُ أتخيلُ كيف سيبرزُ لون بشرتها وتفاصيل جسدها وهي ترقص لي وحدي في غرفتها
وضعتُ الأغراض في الحقيبة وأنا أشعر بفخرٍ غريب، أردتُ أن أكون "بيضاء الوجه" أمام عائلتها، وأن يدركوا أن أختهم ليست وحيدة، بل خلفها امرأة تحبها وتُقدر كل من يمد لها يد العون
أغلقتُ سحاب الحقيبة بقوة، وجلستُ فوقها أتنفس الصعداء، بقي يومان فقط.. يومان ويهبط قلبي في مطار القاهرة، ويتحول الخيال الذي عشته لشهور خلف شاشة الهاتف إلى حقيقة ألمسها وأشم عطرها
جاءت لحظة الوداع، وكان هتان هو من أصر على إيصالي للمطار، طوال الطريق كان الصمت هو سيد الموقف، لكنه لم يكن صمتاً ثقيلاً كما في السابق، بل كان صمتاً مشحوناً بالتفاهم الذي وُلد بيننا مؤخراً
كنتُ أنظر من نافذة السيارة إلى شوارع الرياض التي بدأت تبتعد، وأشعر براحة لأنني لم أضطر للكذب هذه المرة؛ أخبرتُه بوضوح أنني ذاهبة إلى مصر لمدة أسبوعين للاستجمام، فمصر قريبة، رخيصة، ووجهة معتادة لا تستدعي الكثير من الأسئلة أو القلق
حين وصلنا أمام بوابة المغادرة، أوقف السيارة والتفت إليّ، مد يده إلى جيبه وأخرج مغلفاً صغيراً وضعه في يدي وقال بنبرة هادئة
"هذي خليها معك.. للظروف، مصر بلد زحمة ويبي لها حرص"
نظرتُ إلى المغلف ثم إليه، شعرتُ برغبة في البكاء، هتان اليوم يحاول أن يكون "ظهري" بطريقته الخاصة، قبلتُ رأسه وقلتُ له بامتنان
"ما تقصر يا هتان.. انتبه لنفسك، وانتبه للبيت بغيابي"
هز رأسه ببطء، وقبل أن أنزل، استوقفني بكلمة واحدة جعلت قلبي يرتجف
"مشاعل.. روحي وانبسطي، وأهم شي تكونين سعيدة ومرتاحة، فاهمة علي؟"
أومأتُ له بابتسامة صادقة ونزلتُ أحمل حقيبتي المثقلة بالهدايا والشوق. أما ديما، فقد كانت قد ودعتني في البيت بعناق طويل وبكاء كعادتها، وهي توصيني
"مشاعل، تكفين انتبهي لنفسك في القاهر، ولا تمشين في شوارع ما تعرفينها، وطمنيني عليك أول ما توصلين"
كنتُ أضحك وأنا أهدئ من روعها، وأنا أقول في سري
"يا ديما، أنا ذاهبة لأكثر مكان أشعر فيه بالأمان"
تركتُ خلفي الرياض، واتجهتُ نحو صالة المغادرة وأنا أشعر أن كل خطوة تخطوها قدماي على أرض المطار، هي خطوة تقربني من أنفاس كنزي التي انتظرتُها طويلاً
استقريتُ في مقعدي داخل الطائرة، وربطتُ حزام الأمان وأنا أشعر بقلبي يرتجف مع صوت المحركات، نظرتُ من النافذة للغيوم، وتخيلتُ كنزي الآن؛ هل هي في الجامعة؟ أم تعطي درساً لأحد الطلاب؟ هل تشعر بقلبي الذي يقترب منها بسرعة البرق؟
ساعتان ونصف فقط.. وسأكون في نفس الهواء الذي تستنشقه، سأكون في مصر التي لطالما حدثتني عنها، وسأرى بعيني تلك الشوارع التي ركضت فيها كنزي وحاربت فيها، أغمضتُ عيني واستسلمتُ لحلم اليقظة، بانتظار تلك اللحظة التي سأدق فيها بابها، وأقول لها دون كلمات
"لقد جئتُ أخيراً"
أخيراً، لامست عجلات الطائرة أرض المدرج، ومع ذلك الارتطام الخفيف، شعرت بقلبي يقفز من مكانه وكأنه يريد أن يسبق الطائرة إلى الخارج
"نورتوا مصر يا فندم، حمد الله على السلامة"
قالها المضيف بابتسامة دافئة وهو يودعنا عند باب الطائرة، شعرتُ وكأنها دعوة رسمية لدخول حياة جديدة كنتُ أنتظرها لشهور
اتجهتُ بخطواتٍ مرتبكة نحو صالة الجوازات، كان قلبي يقرع طبوله داخل صدري، وقفتُ في الطابور وأنا أعبث بجواز سفري، حتى جاء دوري. أخذ موظف الجوازات الجواز، نظر إلى صورتي ثم إليّ بملامح هادئة، وختم الورقة بضربة واحدة كانت بالنسبة لي إعلان انتصار، ثم أعاده إليّ قائلاً بلهجة مصرية محببة
"نورتي بلدك التاني يا آنسة.. إقامة سعيدة في مصر"
ابتسمتُ له بامتنانٍ لا يوصف، وانطلقتُ نحو سير الحقائب، وقفتُ أراقب الحقائب وهي تمر واحدة تلو الأخرى بتوتر، أدعو الله ألا تتأخر حقيبتي التي تحمل هدايا إخوتها وفستان كنزي الزمردي؛ فهي ليست مجرد حقيبة، بل هي "عربون المحبة" الذي سأقدمه لعائلتها، وحين ظهرت، خطفتها بلهفة وكأنني أمسك بجزء من حلمي، وسحبتها متجهةً نحو بوابة الخروج
بمجرد خروجي، استقبلني ضجيج المطار والناس، وأصوات سائقي سيارات الأجرة التي تتعالى في كل مكان، اخترتُ طلب سيارة من تطبيق اوبر، وقلت للسائق بلهجة حاولت أن تكون هادئة رغم اضطرابي وانا اريه العنوان الذي سبق وكتبته بالتفصيل
"لو سمحت، عايزة أروح العنوان ده"
وضع الحقيبة في السيارة، وركبتُ في المقعد الخلفي وأنا أنظر من النافذة بذهول، شوارع القاهرة واسعة، صاخبة، ومليئة بالحياة، الكباري، لافتات الإعلانات، والزحام الذي لا ينتهي.. كل شيء كان له طعم مختلف لأنني أعلم أن كنزي في مكانٍ ما تحت هذه السماء، تتنفس هذا الهواء ذاته
"نورتي مصر يا ست البنات، أول مرة تزورينا؟"
سألني السائق وهو ينظر إليّ عبر المرآة
"منورة بأهلها.. ايه، أول مرة"
أجبت بابتسامة خجولة، وأنا أضغط على حقيبة يدي التي تحتوي على هاتفي؛ رفيقي الوحيد في ليالي الشوق الطويلة
كان الطريق طويلاً بسبب الزحام، وكنت أختلس النظر إلى الساعة كل دقيقة.. أشعر بأننا اقتربنا من حي كنزي، بدأت الشوارع تضيق شيئاً فشيئاً، وبدأت ملامح "مصر الحقيقية" تظهر؛ المحلات الصغيرة، الناس الذين يمشون في الشوارع، ورائحة الحياة التي تفوح من كل زقاق
"وصلنا يا هانم، ده العنوان اللي حضرتك طلبتيه"
توقف التاكسي أمام عمارة قديمة، لكنها في عيني كانت أجمل من كل قصور العالم
نزلتُ وأنا أشعر بركبتي ترتجفان، دفعتُ للسائق حسابه وحملتُ حقيبتي الكبيرة، ووقفتُ أمام مدخل المنزل أتأمل الممرالذي سارت عليه كنزي آلاف المرات، أخذتُ نفساً عميقاً، وبدأتُ أسير ومع كل خطوة كان قلبي يزداد نبضاً، حتى وصلتُ إلى الباب المطلوب.. وقفتُ أمام الباب الخشبي، ومددتُ يدي المرتجفة نحو الجرس
وقفتُ أمام الباب الخشبي العتيق، أشعر أن نبضات قلبي قد تجاوزت حدود صدري لتصل إلى أطراف أصابعي التي امتدت نحو الجرس وضغطته برفقٍ مرتعش. ساد صمت قصير بدا لي كأنه دهر، حتى سُمعت خطوات من الداخل.. خطواتٌ ثقيلة، ليست خطواتها الرقيقة التي طالما تخيلتها
انفتح الباب ببطء، ليطلَّ منه شابٌ أسمر الملامح، بدا لي مألوفاً جداً.. إنه خالد، عرفتُه فوراً من تلك الصور التي كانت كنزي ترسلها لي بعناية، كأنني كنتُ أحفظ ملامح عائلتها في ذاكرتي تحسباً لهذه اللحظة. تجمّد خالد في مكانه، جحظت عيناه وهو يتأمل شكلي، وعباءتي، ونبرة وجهي الغريبة عن هذا الحي، وبدا وكأنه يشاهد كائناً من عالمٍ آخر
قلتُ بصوتٍ خافت، يرتجفُ من فرط الترقب
"كنزي موجودة؟"
ارتبك خالد تماماً، تلعثم وهو يشيح بنظره بعيداً التزاماً بحيائه المفاجئ، وقال بتوتر
"أيوة.. ثانية واحدة"
ترك الباب موارباً ودخل مسرعاً، كنتُ أقف في الممر الضيق، أتنفس رائحة البيت، برائحة الطعام والدفء، مرت ثوانٍ معدودة قبل أن تظهر هي.. كنزي
جاءت بخطواتٍ مستغربة، تضع طرحة خفيفة فوق رأسها بإهمال، وعلى وجهها تساؤل عما يريده هذا الضيف الغريب في هذا الوقت، وبمجرد أن وقعت عيناها عليّ، تسمرت مكانها
سقطت يدها التي كانت تمسك طرف الطرحة، وشحب وجهها للحظة قبل أن يكسوه ذهول كلي
تجمدت كنزي كتمثالٍ من الرخام، ظلت تحدق في بعينين واسعتين، وكأن عقلها يرفض تصديق أنني لستُ طيفاً في مخيلتها أو صورة على شاشة هاتفها
لم أستطع الانتظار أكثر، رميتُ بكل حذري وحقيبتي جانباً، وخطوتُ نحوها لأطوقها بعناقٍ كسر كل سنوات الصمت والمسافات، ارتميتُ في حضنها بقوة، أدفنُ وجهي في عنقها وأستنشقُ رائحتها الحقيقية لأول مرة؛ رائحة عطر حلوة الممزوجة بتعب القاهرة
ظلت كنزي لثوانٍ في حالة من الصدمة، جسدها متصلب بين يدي، حتى شعرتُ برعشةٍ تسري في أوصالها.. شهقة مكتومة خرجت من صدرها، وكأن روحها قد عادت إليها لتوها
وفي تلك اللحظة، استوعبت أن هذا ليس حلماً، فرفعت يديها وطوقتني بقوةٍ مذهلة، وكأنها تريد أن تغرسني في ضلعها، تبادلنا العناق بصمتٍ صاخب، لم تكن هناك كلمات تكفي لوصف ما نشعر به؛ كان عناقاً يختصر آلاف الرسائل، وساعات البكاء، وتعب العمل، ومرارة الانتظار، في تلك الزاوية من ممر الشقة الضيق، توقف الزمن تماماً.. ولم نعد نرى أحداً سوى بعضنا البعض
.
9. بعينيّ مشاعل
-مشاعل-
ما زلنا واقفين في ذلك الممر الضيق، وأنا متمسكة بها وكأنني أخشى أن تتلاشى إذا ما أرخيتُ قبضتي، كانت كنزي لا تزال تحت تأثير الصدمة، عيناها تلمعان ببريق لم أره عبر الكاميرا قط همست لي بصوتٍ مرتعش
"مشاعل.. إحنا لازم نمشي من هنا، يلا نروح أي مكان تاني، أي كافيه.. المكان هنا مش مناسب"
ابتسمتُ لها وقلتُ لها بهدوء
"نمشي وين؟ أنا توّي واصلة، وبعدين تراي مسوية حسابي وجايبة هدايا لإخوانك ولأبوك.. ما ينفع أمشي قبل ما أسلم عليهم"
اتسعت عيناها بذهول، وبدا وكأنها لم تتوقع أنني فكرتُ في عائلتها وسط كل هذا الجنون، أدخلتني البيت بخطواتٍ مترددة، وما إن استقررتُ في الصالة حتى فتحتُ حقيبتي الكبيرة، بدأتُ أخرج الهدايا المغلفة بعناية؛ نادت كنزي إخوتها، فخرجوا واحداً تلو الآخر، ملامحهم مزيج من الدهشة والخجل
سلمتُهم هداياهم، كانوا يشكرونني بكلماتٍ مقتضبة، وعيونهم في الأرض، يغالبون إحراجهم من وجود هذه الضيفة الغريبة التي أغرقتهم بكرمها فجأة. وبعد دقائق من المجاملات السريعة، انسحبوا واحداً تلو الآخر متعللين بأشغالهم، وكأنهم أدركوا بحسّهم الفطري أننا نحتاج لهذه المساحة وحدنا، فتركونا وسكينة البيت لنا
جلستُ على الأريكة، تلك الأريكة القديمة التي طالما رأيتُها خلفها في مكالمات الفيديو الطويلة، بدأتُ أتحسس قماشها بيدي، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي؛ هنا كانت تنام، هنا كانت تبكي، وهنا كانت تضحك لي. نظرت إليّ كنزي بخجلٍ شديد، وقالت وهي تفرك يديها بتوتر
"مشاعل.. بيتنا صغير أوي، ومفهوش أي خصوصية، أنا بجد محرجة منك.. تعالي ننزل نقعد في أي مكان أحسن"
نهضتُ واقتربتُ منها، طوقتُ خصرها بيدي وسحبتها نحو صدري مرة أخرى، قلتُ لها وعيناي تغوص في عينيها
"ما أبي كافيهات ولا أماكن غريبة يا كنزي.. أنا ميتة من الفرحة إني هنا، في المكان اللي كبرتي واتربيتي فيه. هذا المكان اللي صنع منك الإنسانة اللي حبيتها.. ريحتك في كل زاوية، وهذا عندي أجمل مكان بالعالم"
احمر وجهها خجلاً، وأطرقت برأسها، فرفعتُ وجهها بيدي لتتلاقى نظراتنا في صمتٍ صاخب. اقتربتُ منها ببطء، أنفاسي لفحت وجهها، وكنتُ على وشك تقبيلها حين همست بوجل
"مشاعل.. بابا هنا.. بابا في الأوضة"
ابتسمتُ بمكر خفيف وأنا أتذكر كلماتها التي حفظتُها عن ظهر قلب، رددتُ عليها هامسة
"أبوك دايماً بغرفته ما يطلع منها.. مو أنتي اللي قلتي لي إنه ما راح يطلع حتى لو احترق البيت؟"
لم تجد رداً، تلاشت كلماتها أمام إصراري، في تلك اللحظة، لم يعد للمكان ولا للزمان ولا للغرف المجاورة أي وجود. بادرتُ وقبلتُها، كانت قبلةً تحملُ طعم الانتظار الطويل، ومرارة المسافات التي قُطعت، وحلاوة اليقين بأننا أخيراً.. في غمرةٍ واحدة، تحت سقفٍ واحد، ولا شيء يفصل بيننا سوى نبضات قلوبنا المتسارعة
بعد تلك القبلة التي خطفت أنفاسنا، ابتعدتُ عنها قليلاً وأنا لا أزالُ أحيطُ وجهها بيدي، كانت كنزي تتلفتُ حولي بحرجٍ بائن
أمسكتُ يدها وضغطتُ عليها برفق وقلتُ لها
"كنزي.. حبيبتي اسمعيني، أنا أدري إنك تبين تاخذين راحتك معي وأنا بعد، وعشان كذا تراي حجزت في فندق قريب من هنا.. أبينا نكون براحتنا، نسولف ونضحك ونعيش هالأسبوعين بدون ما نشيل هم أحد"
نظرت إليّ بذهول، وكأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن كتفيها، لكنها قالت بتردد
"فندق يا مشاعل؟ بس إخواتي.. هيقولوا إيه؟ وأنا هسيب البيت إزاي؟"
ابتسمتُ لها وأنا أحاول إقناعها
"قولي لهم إنك بتجلسين معي عشان تهتمين فيني بما إني غريبة وما أعرف البلد، وإخوانك ما شاء الله عليهم واضح إنهم يقدرونك وواثقين فيكِ.. أنا أبيكِ معي يا كنزي، أبي ننام ونصحى وحنا مع بعض، تكفين لا ترديني"
أخذت كنزي نفساً عميقاً، وبدأت ملامحها تلين، ثم قالت بابتسامة بدأت تتسع على وجهها
"خلاص.. هقولهم إني هبات معاكي عشان آخد بالي منك، وهما أكيد مش هيعترضوا خصوصاً بعد اللي عملتيه النهاردة"
لم نضيع الكثير من الوقت؛ ساعدتني في إغلاق حقيبتي مرة أخرى، خرجنا من البيت، وكان قلبي يرقص من الفرح لأننا أخيراً سنمتلك مساحتنا الخاصة
ركبنا سيارة اجرة واتجهنا نحو الفندق، وبمجرد أن دخلنا الغرفة وأغلقنا الباب خلفنا، شعرتُ وكأن العالم كله قد توقف بالخارج. كانت الغرفة واسعة، هادئة، وتطل على شوارع القاهرة الصاخبة التي بدأت أضواؤها تتلألأ
بمجرد أن دخلنا غرفتنا في الفندق وأغلقنا الباب خلفنا، شعرتُ بكنزي وكأنها تُلقي بجبلٍ من الهموم عن كاهلها. ارتمت على السرير وأغمضت عينيها وهي تتنفس بعمق، وكأنها أول مرة تستنشقُ فيها هواءً نقياً منذ سنين. اقتربتُ منها، نزعتُ حجابها وجلستُ بجانبها، ثم قلتُ بنبرةٍ حانية
"كنزي.. حبيبتي، تراي ما أبيكِ تشغلين نفسك بأي شي، لا دروس ولا جامعة ولا هم.. أنا جيت عشان ننبسط وبس"
فتحت عينيها ونظرت إليّ بامتنانٍ فاضت به ملامحها، وقالت بصوتٍ استعاد حيويته
"أنا أصلاً خلاص قررت.. أنا هاخد إجازة من كل حاجة؛ من الرقص والدروس، والجامعة كدة كدة مبروحش عشان الشغل فمش هتفرق.. الأسبوعين دول بتوعك أنتي وبس، هلففك مصر حتة حتة، وهوريكي القاهرة اللي بجد، مش اللي بتشوفيها في التلفزيون"
ضحكتُ من قلبي وقلتُ لها
"يا زينك ويا زين قراراتك! أجل خلاص.. من بكرة بنبدأ رحلتنا، أبي أشوف كل مكان حكيتي لي عنه وأنا بالرياض.. أبي أمشي معك في الشوارع اللي كنتِ تمشينها وأنتي تفكرين فيني"
في تلك الليلة، غاب الحديث عن الفقر، وعن تعب العمل، وعن مسؤولية الإخوة، كان كل همنا هو التخطيط للغد؛ ماذا سنرتدي؟ وأين سنذهب؟ وأي مطعم سنكتشفه أولاً؟ كانت كنزي تضحك من أعماق قلبها، وأنا أتأمل ضحكتها وأقول في سري
"كويس أنني جيت.. كويس أن الحلم صار حقيقة"
نمنا ونحن نتشبث بأيدي بعضنا البعض، وكأننا نخشى أننا لو أفلتنا أيدينا، سنصحى لنجد المسافات قد عادت لتفصل بيننا من جديد لكن هذه المرة، كانت رائحتها تؤكد لي أن شمس الغد ستشرق علينا ونحن في حضنٍ واحد.. في قلب القاهرة
استيقظتُ قبلها، كانت شمس القاهرة تتسلل من بين ستائر الفندق لتلقي بظلالها الذهبية على وجه كنزي الغارق في نومٍ عميق وهادئ، كأنها لم تذق طعم الراحة منذ دهور. ظللتُ أتأملها لثوانٍ، غير مصدقة أنني لا أنظر إلى شاشة باردة بل إلى ملامح حقيقية أستطيع لمسها. بدأتُ أوزع قبلاتٍ رقيقة وخفيفة على وجهها؛ على جبهتها، ووجنتيها، وطرف أنفها، حتى بدأت خيوط النوم تنحلّ عنها
فتحت عينيها وهي تضحك بخجل، وحاولت جاهدة أن تخبئ وجهها في حضني هرباً من شقاوة قبلاتي. أخذتُ أمسح على شعرها بلطف، مستمتعةً بنعومته التي طالما تخيلتها، ثم قبلتُ رأسها وهمستُ لها
"صباح الخير يا أجمل صدفة.. يلا قومي، نبي نلحق على فطور الفندق قبل ما يخلص"
قامت كنزي بنشاط، لكنها سرعان ما تجمدت وهي تنظر لحقيبتها الصغيرة التي أحضرتها على عجل، وقالت بضحكة مرتبكة
"مشاعل.. أنا من الصدمة والسرعة نسيت أجيب هدوم أغير فيها! هعمل إيه دلوقتي؟"
ضحكتُ من قلبي وسحبتُها نحو حقيبتي الكبيرة
"ولا تشيلين هم، خزنتي هي خزنتك"
أعرتُها بلوزة قطنية وبنطالاً من ملابسي، وبطبيعة الحال كان البنطال أطول منها بكثير، فبدأت تثني أطرافه بضحكات متتالية نزلت معي إلى قاعة الطعام، ولأول مرة رأيتها بشعرها في مكان عام؛ كانت تمشي بحرية وانطلاق، وأنا أراقب خصلاتها وهي تتطاير مع كل خطوة، كنتُ أعلم كم تعشق هذه الحرية وكم تحرمها منها ظروفها هناك، لذا كنتُ أشعر بسعادة غامرة لأنني استطعت أن أوفر لها هذا "الحلم الجميل" ولو لأسبوعين
تناولنا الإفطار وسط نظراتنا المتبادلة التي كانت تقول أكثر من الكلام، ثم انطلقنا نحو وسط البلد أخذتني كنزي من يدي وكأنها تملك مفاتيح المدينة؛ أدخلتني محلات تذكارية عتيقة، ومعارض فنية مخبأة في ممرات قديمة، ومقاهي تفوح منها رائحة التاريخ، كنتُ مبهورة بكل شيء، ألتقط الصور لكل زاوية، ولكل لافتة، ولكل ابتسامة تمر بنا
انتقلنا بعدها إلى الزمالك، هناك، وقفت كنزي فجأة عند بائع زهور، واشترت لي باقة زهور زاهية الألوان؛ فوجئتُ بحركتها وضحكتُ بخجل وأنا أضم الزهور إلى صدري. وفي طريقنا، توقفت عند متجرٍ للخمور واشترت زجاجتي فودكا، دخلنا مقهىً صغيراً هادئاً، وبدأنا نشرب معاً ببطء، نضحكُ بملء قلوبنا، ونتحدث عن كل شيء ولا شيء، حتى بدأ الانتشاء يتسلل إلى عقولنا ويزيد من جرأة مشاعرنا
خرجنا نتمشى في شوارع الزمالك الهادئة، والضحكات لا تفارقنا، كنا نشعر بخفة غريبة وكأن الأرض لا تسعنا من الفرح، فجأة، توقفتُ وسحبتُ كنزي نحو صدري بقوة، ولم أتردد لثانية واحدة في أن أقبلها قبلةً طويلة وعميقة في وسط الشارع، ولأن مظهري يميل للرجولة بملابسي وشعري، لم يلتفت إلينا المارة باستهجانٍ غريب؛ بل ربما اعتقدوا أننا مجرد شاب وفتاة غير محترمين يعيشان لحظة طيش في شارع جانبي، لم يهمني رأي العالم، كنتُ فقط أستشعرُ وجودها، وحرارة أنفاسها، وحقيقة أنني أخيراً أقبلها في قلب القاهرة
عدنا إلى الفندق ونحن في حالة من الانتشاء اللذيذ، كانت خطواتنا تترنح قليلاً وضحكاتنا المكتومة تملأ ردهة الفندق الهادئة. بمجرد أن أُغلق باب الغرفة علينا، ارتمينا على السرير بملابسنا، نضحك بلا سبب سوى أننا معاً. أثر "الفودكا" جعل جدران الحذر التي بنيناها لشهور تنهار تماماً، فبدأت الكلمات تخرج منا بصدقٍ عارٍ لم نعهده عبر الهاتف
نظرت إليّ كنزي وعيناها تلمعان ببريقٍ مختلط بالخمر والدموع، وقالت بنبرةٍ متهدجة
"مشاعل.. أنتي حقيقية؟ بجد أنتي هنا؟ أنا كل شوية بخاف أغمض عيني وأفتحها ألاقي نفسي لسه في الصالة، وبابا في الأوضة التانية، والسرير ده مجرد حلم"
سحبتُها إلى حضني، ودفنتُ وجهي في شعرها الذي تفوح منه رائحة القاهرة وشوارعها، وقلتُ لها بلهجتي السعودية التي زادها السكر عذوبة
"أنا هنا يا روح مشاعل..هنا، وشوفي، هذي يدي متمسكة فيكِ وما راح تفكك أبداً، هالأسبوعين بنعوض فيهم كل لحظة حزن عشتيها لحالك"
بقينا هكذا لوقتٍ طويل، نتبادل الاعترافات الصغيرة والقبلات التي كانت تبدأ بضحك وتنتهي بصمتٍ طويل وعميق. استسلمنا لقيلولة قصيرة استعدنا فيها توازننا، وحين استيقظنا كانت الشمس قد غربت، والقاهرة بدأت ترتدي ثوبها الليلي المرصع بالأضواء
"يلا يا مشاعل.. النيل مستنينا"
قالتها كنزي وهي تقفز من السرير بحماس
خرجنا من الفندق واتجهنا نحو ضفاف النيل، كان الهواء هناك أكثر برودة، ورائحة النهر كانت تزكم الأنوف بعبقٍ تاريخي خاص. استأجرت لنا كنزي "فلوكة" صغيرة، وبمجرد أن دفعها المراكبي عن الشاطئ، بدأنا ننساب فوق صفحة الماء السوداء التي تعكس أضواء الفنادق والكباري كأنها سبائك ذهبية ذائبة
جلستُ بجانبها في مؤخرة المركب، والريح تداعب وجوهنا، كانت كنزي تنظر إلى أضواء "ماسبيرو" وكوبري قصر النيل، وقالت وهي تشير بيدها
"شوفي يا مشاعل.. دي القاهرة اللي كنت بحكيلك عنها"
تأملتُ وجهها في ضوء القمر الخافت، كانت تبدو كأميرة إغريقية خرجت من أساطير النهر، وضعتُ رأسي على كتفها، واستسلمتُ لصوت ارتطام الماء بجسد المركب الخشبي، وشعرتُ لأول مرة في حياتي بمعنى كلمة "الوطن".. فالوطن لم يعد الرياض، ولا حتى القاهرة، الوطن كان هنا، في هذه الفلوكة الصغيرة، طالما أن كنزي هي من تمسك بزمام الدفة
-كنزي-
كنت في زاويتي المعتادة أحاول التركيز في كتابٍ جامعي، فذهني لم يكن معي بل كان هناك، في الرياض، يطوف حول وجه مشاعل. فجأة، سمعت صوت خالد يناديني بنبرة غريبة، نبرة فيها مزيج من الاستغراب والارتباك
"كنزي.. تعالي، في واحدة بتسأل عنك بره"
قطبتُ حاجبي بتعجب
"واحدة؟ ومن تسأل عني أنا؟"
رميتُ الكتاب ونهضت، عدلتُ طرحتي بإهمال وظننتُها جارةً أو ربما إحدى زميلاتي، خرجتُ إلى الممر الضيق بخطواتٍ ثقيلة، لكن ما إن وقع نظري على الواقفة عند الباب حتى شعرتُ أن الأرض قد مالت بي
تجمدتُ حرفياً، شعرتُ أن أطرافي قد تحولت إلى حجر، كانت هناك، بعباءتها السوداء التي تشبه سواد ليل القاهرة، وبملامحها التي حفظتُ تضاريسها عبر الشاشة، وبنظرتها التي لا تُخطئها روحي.. مشاعل
لم يكن عقلي قادراً على معالجة المشهد؛ هل أنا في غيبوبة؟ هل أصابني الجنون من كثرة الشوق؟ نظرتُ إلى خالد الذي كان يراقب الموقف بصمتٍ مذهول، ثم عدتُ إليها. لم أستطع النطق بحرف، خذلني صوتي وخذلتني لغتي، حتى جاء صوتها السعودي العذب، الحقيقي جداً، وهي تسأل عني
حين سحبتني مشاعل نحوها، سقطت كل حصوني. لم تكن مجرد خطوة، بل كانت اقتلاعاً لكل المسافات التي ذبحتنا لشهور. شعرتُ بيدها القوية، الدافئة، تلتفُّ حول خصري وتجذبني إليها بعنفٍ محبب، وكأنها تخبرني أنها لن تسمح لذرة هواء واحدة أن تفصل بيننا بعد الآن
ارتميتُ في حضنها، ودفنتُ وجهي في صدرها وأنا أشهقُ برائحة عطرها التي كانت تصلني عبر الشاشة ناقصة، والآن أستنشقها ملء رئتيّ. كان عناقاً طويلاً، عميقاً، فيه مرارة الانتظار وحلاوة الوصول. شعرتُ بقلبها يقرع ضد صدري كطبلٍ حربي، وبجسدها يرتجف تماماً كجسدي، لم أكن أضم امرأة فحسب، كنتُ أضم خلاصي، كنتُ أضم الحلم الذي لم أصدق يوماً أنه سيمتلك لحماً ودماً ويقف في صالتي المتواضعة
كنت أريد الهرب معها لكنها أخبرتني أنها احضرت هدايا لأسرتي، حبيبتي الرقيقة
حين دخلت وأخرجت تلك الهدايا، كنتُ أشعر بالخزي والفخر في آنٍ واحد. خزيٌ من ضيق حالنا، وفخرٌ بأن هذه العظيمة قد قطعت كل هذه المسافات من أجلي أنا، وحين انصرف إخوتي وبقينا وحدنا في الصالة، شعرتُ بالهواء يضيق من حولي. كنتُ محرجة من "كنبتي" المهترئة، من بيتي الصغير الذي لا يليق بمقامها، لكنها كانت تنظر لكل هذا القبح وكأنه جنة
رفعتْ وجهي بيديها، وتاهت نظراتنا في صمتٍ لم يقطعه سوى أنفاسنا المتسارعة، وحين اقتربتْ، شعرتُ بالزمن يتوقف تماماً. لم أعد أسمع ضجيج شارع "المنيرة" بالأسفل، ولا حشرجة أنفاس والدي خلف الباب، ولا صوت التلفزيون البعيد.. لم يعد في الكون إلا وجه مشاعل الذي يقترب
وحين لامست شفتاها شفتي، شعرتُ وكأن برقاً قد ضرب جسدي. لم تكن قبلة عابرة، بل كانت قبلة "استرداد" قبلتني بعمقٍ جعلني أشعر بطعم كل رسالة كتبناها، وطعم كل دمعة ذرفتها وأنا وحيدة على هذه الأريكة
كانت شفتاها تحملان دفء شمس الرياض وقوة إرادتها، بينما كانت شفتاي ترتجفان بضعف الصبر الطويل
غرقنا في تلك القبلة حتى فقدتُ إحساسي بالأرض تحت قدمي؛ سكنت يدي في شعرها القصير، وأغمضتُ عينيّ بقوة وكأنني أريد أن أحبس هذه اللحظة داخل جفوني للأبد
ابتعدتْ قليلاً لتلتقط أنفاسها، وظلت جبهتها مستندة إلى جبهتي، وعيناها مغمضتان، في تلك اللحظة، لم أكن كنزي الراقصة المتعبة، ولا الطالبة المطحونة.. كنتُ فقط إنسانة تُحَبُّ بهذا الجنون، وكنتُ مستعدة لأن أحترق في تلك النيران للأبد
في الصباح، وحين استيقظنا، كنتُ أشعر أنني في حلمٍ لا أود الاستيقاظ منه، حين اكتشفتُ أنني لم أحضر ملابسي، ضحكت مشاعل وأخرجت لي من حقيبتها بلوزة قطنية وبنطالاً من ملابسها. كان البنطال طويلاً جداً عليّ، فبدأتُ أثني أطرافه بضحكاتٍ متتالية وأنا أنظر لنفسي في المرآة؛ كنتُ أبدو غارقة في ثيابها، لكنني كنتُ أشعر بدفئها يحيط بي
خرجنا إلى شوارع "وسط البلد"، وكنتُ أمشي بجانبها وأنا أشعر بحريةٍ لا توصف؛ شعري يتطاير فوق ملابسها الواسعة، وأنا أراقب انبهارها بكل ركنٍ ومقهى قديم. كانت مشاعل تلتقط الصور لكل شيء، وكأنها تريد توثيق كل ثانية تجمعنا
انتقلنا إلى "الزمالك"، وهناك اشتريتُ لها باقة زهورٍ زاهية؛ أردتُ أن أرى تلك الابتسامة الخجولة على وجهها، وقد كان. ثم مررنا بمتجر للخمور واشتريت زجاجة فودكا، ودخلنا مقهى هادئاً لنحتسيها معاً، ومع كل رشفة، كان الخوف يتلاشى والجرأة تزداد، حتى بدأنا نضحك بملء قلوبنا دون اكتراثٍ لأحد
خرجنا نتمشى في شوارع الزمالك الهادئة ونحن في حالة من الانتشاء الجميل، والضحكات تخرج منا بعفوية. وفجأة، توقفت مشاعل وسحبتني نحوها بقوة، لتطبق شفتيها على شفتي في قبلةٍ جامحة وسط الشارع
لم يلتفت المارة إلينا بغرابة؛ فبمظهر مشاعل الرجولي وشعرها القصير، وملابسي التي استعرتها منها، اعتقد الجميع أننا مجرد شاب وفتاة مراهقين يتبادلان القبلات في لحظة طيش. لم أهتم لما يظنونه، كنتُ فقط أذوب في تلك القبلة التي حملت طعم الفودكا والحرية، وشعرتُ لأول مرة أن شوارع القاهرة التي خنقتني لسنوات، تمنحني الآن أجمل لحظات حياتي
عدنا إلى غرفتنا في الفندق ونحن نجرُّ أذيال الانتشاء، كانت خطواتنا تتراقص بغير هدى، وضحكاتنا المكتومة تنفجرُ عند كل زاوية في الممر الهادئ. ما إن أُغلق الباب علينا، حتى سقطت كل الأقنعة. ارتمينا على السرير الواسع بملابسنا، وكنتُ لا أزالُ أشعرُ بدوارٍ لذيذ يجعلُ العالم يدورُ من حولي، لكن وجه مشاعل كان هو النقطة الوحيدة الثابتة والواضحة
أثر الفودكا لم يذهب بعقولنا تماماً، بل ذهب بأسوار الحذر التي بنيناها لشهور خلف شاشات الهاتف. نظرتُ إليها، كانت عيناها تلمعان ببريقٍ عجيب، وشعرها القصير مبعثراً بفوضويةٍ فاتنة أمسكتُ يدها وضغطتُ عليها بقوة، وقلتُ بصوتٍ يرتجفُ بصدق
"مشاعل.. أنتي بجد هنا؟ أنتي مش متخيلة أنا كنت بموت في اليوم ميت مرة وأنا بتخيل اللحظة دي. كنت بخاف أموت قبل ما أشوفك، قبل ما ألمس إيدك بجد بعيد عن الكاميرا دي"
اعتدلت مشاعل في جلستها، وسحبتني لتضع رأسي على صدرها، وبدأت تمسح على شعري بتلك اللمسة التي طالما تمنيتها
"والله يا كنزي إني كنت أعد الأيام والساعات.. حتى الدقائق كنت أحسبها"
غرقنا في اعترافاتٍ طويلة، اعترافاتٍ لم نكن نجرؤ على قولها ونحن بكامل وعينا؛ حكينا عن الخوف من الفقد، عن الغيرة القاتلة التي كانت تأكلنا والمسافات تفصلنا، وعن ذلك "اليقين" الذي كان يخبرنا أننا سنلتقي يوماً ما
استسلمنا لقيلولةٍ قصيرة استعدنا فيها توازننا، وحين استيقظنا كانت الشمس قد توارت، وبدأت أضواء القاهرة تتلألأ فوق جسد الليل، غسلنا وجوهنا، ونزلنا بروحٍ جديدة نحو الكورنيش
"يلا يا مشاعل.. النيل مستنينا"
قلتُها لها وأنا أمسك يدها بقوة
استأجرنا "فلوكة" صغيرة، وبمجرد أن دفعها المراكبي بعيداً عن الشاطئ، بدأنا ننسابُ فوق صفحة الماء السوداء، كان الهواء بارداً، ورائحة النهر تملأ المكان. جلستُ بجانب مشاعل في مؤخرة المركب، والريح تداعب خصلات شعرنا، وضعتُ رأسي على كتفها، بينما كانت هي تنظر بدهشة لأضواء الفنادق الكبرى المنعكسة على الماء
"شوفي يا مشاعل.. ده النيل اللي حكيتلك عنه"
لفّت مشاعل ذراعها حولي، وقبلت رأسي بعمق، وشعرتُ حينها أن النيل، والقاهرة، والعالم كله، قد انكمشوا ليصبحوا فقط.. نحن الاثنين، في هذا المركب الخشبي الصغير
بعد أن غادرنا ضفاف النيل، عدنا إلى الفندق ونحن نحمل معنا "وجبة خفيفة" من المشويات، رغم أن الرائحة التي كانت تنبعث من الكيس الورقي كانت كفيلة بإيقاظ شهيتنا من جديد. تناولنا عشاءنا في هدوءٍ دافئ داخل غرفتنا، بعيداً عن صخب الشوارع، وكأننا نسرق هذه اللحظات من الزمن
ما إن انتهينا، حتى شعرتُ بثقلٍ لذيذ يسري في جسدي؛ كان تعب الأيام الطويلة، وسهر الليالي، وحمل الهموم، قد بدأ يظهر فجأة الآن بعد أن شعرتُ بالأمان. ارتميتُ على السرير بتعبٍ صريح، وظللتُ أراقب مشاعل وهي تتحرك بنعومة في الغرفة، كانت نظراتها تحاصرني، نظراتٌ مليئة بشوقٍ لم يرتوي بعد رغم وجودنا معاً
اقتربت مني ببطء، وجلست على حافة السرير وهي لا تزال تتأملني بتلك الابتسامة التي تذيب قلبي. انحنت فوقي وبدأت تقبلني بنعومة، قبلاتٍ صغيرة وهادئة في البداية، ثم راحت توزعها على كامل وجهي؛ على جبيني، ووجنتيّ، وطرف عيني، كانت شقاوة قبلاتها تجعلني أضحك رغماً عني، أحاول الهروب برأسي وهي تلاحقني بضحكتها العذبة، وكأننا طفلتان وجدتا أخيراً مخبأهما السري
لكن اللعب سرعان ما تحول إلى شيءٍ أعمق، انزاحت ضحكاتي تدريجياً حين بدأت مشاعل تطبع قبلاتها على رقبتي. كانت أنفاسها الدافئة تلامس جلدي قبل شفاهها، ومع كل قبلة كانت تغرسها هناك، كنتُ أشعر بكهرباءٍ تسري في أوصالي، لتتحول ضحكاتي المجلجلة إلى همهماتٍ خافتة ومكتومة
أغمضتُ عينيّ واستسلمتُ تماماً لمسها، شعرتُ بيديها تلامسان شعري المبعثر على الوسادة، وبصوتها الهامس بكلماتٍ سعودية رقيقة لم أفهم كل معناها لكنني استشعرتُ حرارتها في قلبي، في تلك اللحظة، وسط هدوء الغرفة وإضاءتها الخافتة، شعرتُ أن كل تعبي قد ذاب وتبخر أمام رقة مشاعل.. كنتُ أخيراً في المكان الذي أنتمي إليه، بين يديها
لم يبقى في الغرفة سوى صوت أنفاسنا المتلاحقة وصمت الانتظار الذي دام لشهور خلف الشاشات. كانت قبلاتها على رقبتي تزداد عمقاً وإصراراً، وكأنها تريد أن تطبع ملكيتها على كل إنش من جلدي. استسلم جسدي تماماً، وشعرت بيديها تتسللان لتمسكا بيديّ، وتشبك أصابعها بأصابعي فوق الوسادة، مثبتةً إياي في عالمها الخاص
انتقلت قبلاتها لتعود إلى شفتي، لكنها لم تكن كقبلة الشارع الخاطفة؛ كانت قبلة استكشافية، طويلة، وبطيئة، تحمل طعم الشوق الذي نضج على نار هادئة، كنت أرتجف بين يديها، ليس من البرد، بل من حرارة المشاعر التي تفجرت فجأة، شعرتُ بمشاعل تهمس بين القبلة والأخرى بكلماتٍ مخنوقة
"أحبك يا كنزي..أحبك"
لم أستطع الرد بالكلمات، فكان ردي هو الغرق أكثر في حضنها، وشدّ قبضة يدي على يدها، بدأت يدا مشاعل تتحركان بحرية أكبر، تمسحان على كتفيّ ببطء، وتزيحان خصلات شعري المتمردة عن وجهي، كانت لمساتها مزيجاً غريباً من القوة والرقة، تماماً كشخصيتها التي جذبتني منذ البداية
في تلك اللحظات، شعرت أنني أتعرف عليها من جديد، ليس عبر الصوت والصورة، بل عبر الملمس والرائحة ونبض القلب الذي كان يضرب في صدري كأنه يريد الخروج ليسكن صدرها، كل قبلة كانت تزيح طبقة من التعب عن روحي، وكل لمسة كانت تضمد جرحاً قديماً
استيقظتُ كما في الليلة السابقة، على ملمس شفاه مشاعل وهي تتجول بنعومة على وجهي، كانت تبدأ من جبيني، ثم تنزلق إلى وجنتيّ، وتعود لتطبع قبلة رقيقة على طرف أنفي، فتحتُ عيني ببطء لأجد وجهها قريباً جداً مني، وعيناها تلمعان بتلك النظرة التي تجعلني أشعر بأنني أثمن ما تملك في هذا العالم
لم أستطع منع نفسي من الضحك؛ ضحكة خفيفة صافية نابعة من قلبٍ لم يعد يحمل هماً، تلويتُ قليلاً تحت ملمس قبلاتها المشاكسة، وقلت بصوتٍ لا يزال يحمل بحة النوم اللذيذة
"صباح الخير يا مشاعل"
سحبتني من يدي لأعتدل في جلستي، وكنتُ لا أزال أشعر بالكسل يغلف أطرافي، لكن وجودها بجانبي كان يمدني بطاقةٍ غريبة نظرتُ إلى الغرفة، ثم نظرتُ إليها، واستوعبتُ أن هذا هو اليوم الثاني لنا معاً، وأن الحلم ما زال مستمراً ولم يتلاشى مع ضوء الصباح
توجهتُ نحو الحمام لأغسل وجهي وأنا أحاول استيعاب كم السعادة الذي يغمرني، لكن صوت سحاب حقيبتها وهو يُفتح جعلني أتوقف والتفتُّ إليها. كانت مشاعل تجلس على طرف السرير، وبين يديها شيءٌ يلمع، شيء لم تره عيناي من قبل إلا في واجهات المحلات الفاخرة التي كنتُ أمر من أمامها سريعةً وأنا مطأطأة الرأس
"كنزي.. تعالي"
قالتها بنبرةٍ تحملُ الكثير من الحماس المكتوم
اقتربتُ منها بخطواتٍ حذرة، وحين بسطت القماش أمامها، شعرتُ وكأن الغرفة قد أُضيئت فجأة، كان فستاناً بلون الزمرد الأخضر، بقماشٍ حريري ينسابُ بين أصابعها، وتفاصيل دقيقة تنمُّ عن ذوق رفيعٍ وغالي
تسمرتُ في مكاني، واتسعت عيناي بذهولٍ حقيقي. لم أستطع حتى مدّ يدي للمسه، وكأنني أخشى أن تُفسد أصابعي المطحونة من تعب الكدح هذا الجمال. همستُ بصوتٍ مخنوق
"إيه ده يا مشاعل؟"
ابتسمتْ هي، وقامت من مكانها لتضع الفستان على جسدي وهي تنظر في المرآة، وقالت بلهجتها الدافئة
" عشانك، ومن أول ما شفته بالرياض ما تخيلته إلا عليكِ.. تخيلت كيف راح ينطق بلون بشرتك، وكيف راح يخليكِ أميرة مثل ما أشوفك دايم"
كانت الصدمة تجعل الكلمات تتلعثم في فمي. نظرتُ إلى لونه الزمردي الذي كان يعكسُ بصيصاً من الضوء على وجهي الشاحب، وشعرتُ برغبةٍ في البكاء، تحسستُ القماش بأطراف أصابعي المرتجفة، وقلتُ لها وعيناي تلمعان
"ده غالي أوي يا مشاعل.. أنا عمري ما لبست حاجة بالجمال ده، خايفة ألبسه وأبوظه"
ضحكت مشاعل وضمتني إليها وهي لا تزال تمسك بالفستان
"ما فيه شي يغلى عليكِ يا روح مشاعل.. يلا، ابيكِ تلبسينه الحين، نبي نطلع "
دخلت الحمام وأغلقتُ الباب خلفي بقلب يخفقُ بشدة، وكأنني أهربُ بهذا الكنز الأخضر لأتأكد من حقيقته وحدي، خلعتُ ملابسي الواسعة، وبدأتُ أرتدي ذلك السحر الزمردي، كان ملمسه على جلدي بارداً ومنعشاً، وكأنه يغسل عن جسدي تعب السنين، حين استقرَّ الفستان عليّ، شعرتُ بتحولٍ غريب؛ وكأن القماش لم يستر جسدي فحسب، بل رمم روحي
خرجتُ إليها بخطواتٍ متعثرة من فرط الخجل والارتباك. ما إن رأتني مشاعل حتى ساد الصمت لثوانٍ، ثوانٍ خلتُ فيها أنني أبدو مضحكة أو أن الفستان أكبر من عالمي، لكن نظراتها كانت تقول العكس تماماً، كانت عيناها تتسعان بذهولٍ عاشق، وابتسامتها بدأت ترتسمُ ببطءٍ وفخر لا يوصف
لم تنتظر حتى أنطق بحرف، بل اقتربت مني بسرعة، وأمسكت يدي وراحت تلفُّ بي في وسط الغرفة بمرحٍ طفولي، كنتُ أدور معها والفستان يتطايرُ حولي كأنه موجة خضراء تحتضنني، وضحكاتنا تملأ المكان وتختلطُ بصوت أنفاسنا المتلاحقة
توقفت عن الدوران فجأة، لكنها لم تتركني؛ سحبتني نحو صدرها في عناقٍ قوي ومحكم، ودفنت وجهها في عنقي وهي تتنفسُ رائحتى بعمق، ثم همست بصوتٍ رخيمٍ ممتلئ باليقين
"والله يا كنزي.. ما كأنه فستان، كأنه قطعة منك، هذا الفستان أكيد مصنوع خصيصاً لكِ أنتِ وبس، ما فيه أحد في الدنيا يقدر يحليه مثلك"
لم تكتفي مشاعل بكلمات الغزل، بل أخرجت هاتفها وعيناها تلمعان بشغف المصور الذي وجد أخيراً ملهمته. تراجعت للخلف قليلاً، ثم بدأت تلتقط لي الصور من زوايا مختلفة، وهي توجهني بنبرة مليئة بالحماس
"تكفين يا كنزي.. لفي شوي، خلي الضوء يجي على وجهك.. الله! تجننين، والله العظيم قمر!"
كنتُ أشعر بالخجل والارتباك في البداية، فما اعتادت كاميرا هاتفي إلا على صورٍ باهتة تحت إضاءة غرفتي الكئيبة، لكن أمام عدستها، كنتُ أشعر أنني امرأة أخرى
سحبتني من يدي، وخرجنا من الغرفة. وفي كل خطوة كنا نمشيها في ممر الفندق، كنتُ أشعر برأس مشاعل يرتفع فخراً، وبقلبي يخفقُ بشدة، مستعداً لمواجهة العالم كله طالما أنها بجانبي
.
10. صبر ودموع
-كنزي-
مرت عدة أيام، كانت هي الأجمل والأكثر سريالية في حياتي القاهرة التي كنتُ أراها رمادية وباهتة، صارت في عيني بفضل مشاعل مدينة من قصص الأساطير، كنا نجلس في تلك الليلة على شرفة غرفتنا، الصمت يلف المكان إلا من أصوات السيارات البعيدة ونسمات هواء الليل التي تداعب ستائر الغرفة
كنتُ أسند رأسي إلى كتفها، وأصابعنا متشابكة بإحكام، وكأننا نرفض أن نمنح الفراغ فرصة للتسلل بيننا، شعرتُ أن هذا هو الوقت المناسب لأخرج ما كان يختمر في عقلي طوال تلك الليالي، فاعتدلتُ في جلستي ونظرتُ في عينيها اللتين تعكسان أضواء النهر
"مشاعل.. أنا فكرت كتير في اللي جاي، ومش هينفع نفضل كدة، بين شاشة ومسافات بتقتلنا"
صمتت هي بانتظار ما سأقول، فأكملتُ بحماسٍ هادئ
"أنا خلاص قررت.. بمجرد ما أخلص دراستي وأستلم شهادتي، هقلب الدنيا عشان أجي الرياض، مش هدور على زيارة، أنا هدور على شغل واستقرار.. هكون قريبة منك، في نفس المدينة، ونفس المكان هعوض كل ثانية ضاعت مننا وأنا ورا الموبايل بكلمك"
رأيتُ بريقاً في عينيها لم يكن من أضواء المدينة، بل كان دمعاً فرحاً استطاعت كبته بصعوبة، سحبتني إليها بقوة ودفنت وجهها في عنقي، وهمست بصوتٍ مخنوق بالحب
"تسوينها يا كنزي؟ والله لو جيتي الرياض لتصير الدنيا غير.. لتصير الرياض جنة بعيوني، أنا بانتظارك، وبسوي المستحيل عشان أسهل لك كل شي"
كنا نجلس في هدوء الغرفة الذي لا يقطعه سوى أنفاسنا، ونظرتُ إلى مشاعل بنظرة لم تكن تشبه أي نظرة سبقتها؛ كانت نظرة "قرار"، نظرة شخص وجد وطنه بعد طول تغرب، أمسكتُ يديها بقوة، وكأنني أريد أن أغرس نبضي في كفيها، وقلتُ بصوتٍ خرج من أعماق روحي، ثابتاً لا يهتز
"مشاعل.. أنا عمري في حياتي ما كنت متأكدة من حاجة زي ما أنا متأكدة من علاقتي بيكي"
بلعتُ ريقي وأنا أضغط على أصابعها وأكملت بنبرة فيها من التحدي ما يكفي لمواجهة العالم كله
"أنا عايزة أفضل معاكي طول العمر.. مش أسبوعين، ولا شهر، ولا مكالمات فيديو بتخلص، أنا هعمل أي حاجة في الدنيا عشان نحقق ده، لو كان التمن هو تعب سنين في المذاكرة، أو الغربة عن أهلي، أو حتى إني أواجه أي حد يقف في طريقنا.. أنا مستعدة، المهم في الآخر إني أصحى كل يوم اشوفك قدامي، مش ورا شاشة"
بكل خفة وقوة، لفت مشاعل ذراعيها حولي وحملتني بين يديها، وكأنني لا أزن شيئاً، شهقتُ من المفاجأة وأنا أتمسك برقبتها، بينما كانت هي تدور بي وهي توزع قبلاتها على وجهي بجنونٍ وسعادة غامرة. كانت تضحك وتقول بلهجتها التي صارت موسيقى قلبي
"والله يا كنزي إنك أسعدتيني سعادة ما توصف.. يا روح مشاعل أنتي!"
وفجأة، وبمرحٍ لم أشهده منها من قبل، رمتني بلطف فوق السرير الواسع، اندفعت من حنجرتي قهقهة مجلجلة وصافية، ضحكة لم أخرجها منذ سنوات، ضحكة نسيتُ بها كل هموم وقسوة الأيام، كنتُ أحاول التقاط أنفاسي وأنا أرى مشاعل تضحك معي وهي تنظر إليّ بعينين تلمعان بالنصر والحب
لم تتركني أستريح طويلاً؛ مالت فوقي وهي لا تزال تبتسم، وسرعان ما تلاشت الضحكات لتتحول إلى أنفاسٍ قريبة ودافئة اقتربت شفاهنا في قبلةٍ طويلة، عميقة، ومختلفة عن كل ما سبق؛ كانت قبلةً تحمل طعم الوعد الذي قطعناه منذ قليل
تبادلنا القبلات بشغفٍ متجدد، وكأن كل واحدة منا تحاول أن تشكر الأخرى على وجودها، في تلك اللحظة، وسط فوضى الضحك والحرير وأنفاسنا المتداخلة، شعرتُ أن السرير لم يعد مجرد قطعة أثاث في فندق، بل أصبح مملكتنا الصغيرة التي لا يجرؤ العالم على اقتحامها، استسلمتُ تماماً لمساتها، وأنا أعلم في أعماقي أنني سأفعل المستحيل لأبقى في هذا الحضن للأبد
بعد تلك العاصفة من الضحك والقبلات، ساد الغرفة هدوءٌ حميم، هدوءٌ يشبه استكانة البحر بعد الموج. تمددنا بجانب بعضنا البعض، وأنفاسنا بدأت تهدأ تدريجياً لتندمج في إيقاع واحد، سحبتني مشاعل إليها أكثر، لتستقر رأسي فوق صدرها، وأنا أشعر بنبضات قلبها التي بدأت تنتظم تحت أذني، وكأنها تخبرني بقصص لم يقلها لسانها بعد
بدأت يدها تتحرك بنعومة فائقة، تمسح على ذراعي تارة، وتتغلغل في خصلات شعري تارة أخرى، بلمساتٍ استكشافية وكأنها تريد أن تحفظ تضاريس جسدي، كنتُ أغمض عيني، أستشعرُ حرارة جسدها وهي تلتصق بجسدي، وشعرتُ برغبة في أن يذوب جلدي في جلدها حتى نصبح كياناً واحداً لا تفرقه مطارات ولا جوازات سفر
اقتربت مشاعل أكثر، ودفنت وجهها في شعري، وهمست بصوتٍ خفيض يقطرُ حناناً
"تدرين يا كنزي؟ الحين بس أحس إني أتنفس صح. طول عمري أحس بشيء ناقصني، لين جيت ولقيتك.. إنتي مو بس حبيبتي، إنتي القطعة اللي كملت روحي"
رفعتُ رأسي قليلاً، فالتقت نظراتنا في تلك المسافة الضئيلة التي لم تعد تتسعُ لذرة هواء. كانت عيناها قريبتين جداً، غارقتين في السواد واللمعان، فمددتُ يدي وأزحتُ خصلةً صغيرة عن جبينها وقلتُ بهمسٍ موازي لهمسها
"وأنا كمان يا مشاعل.. أنا كنت عايشة تأدية واجب، لولا وجودك كان زماني لسه تايهة وخايفة من بكرة، قربك ده هو اللي مخليني قادرة أتخيل إن فيه مستقبل، وإن فيه حياة تانية مستنيانا"
عدنا للتقارب أكثر، حتى تلامست جباهنا، وظللنا هكذا لدقائق، نتبادلُ أنفاسنا في صمتٍ بليغ، لم نكن بحاجة لمزيدٍ من الكلام؛ فحرارة أجسادنا المتلاصقة، وتشابك أقدامنا تحت الأغطية، والقبلات الصغيرة الخاطفة التي كانت تطبعها على جبيني وعيني بين الحين والآخر، كانت تقول كل شيء
استيقظتُ قبلها، وهو أمرٌ نادر الحدوث. كان ضوء الشمس يتسلل من بين شقوق الستائر، باهتًا وحزينًا وكأنه يشاركني ثقل هذا الصباح. نظرتُ إلى مشاعل وهي غارقة في نومها العميق، ملامحها هادئة تمامًا، ويدها لا تزال متمسكة بطرف ملابسي حتى وهي نائمة، شعرتُ بغصة في حلقي؛ هذا الوجه الذي حفظتُ تفاصيله في أسبوعين أكثر مما حفظتُ ملامح مدينتي، سأعود لأراه عبر شاشة باردة بعد ساعات
حين فتحت عينيها، لم تبتسم فورًا كعادتها. نظرت إليّ لثوانٍ بصمت، وكأنها هي الأخرى تحاول استيعاب أن هذا هو اليوم الأخير سحبتني إليها دون كلام، وضمتني بقوةٍ آلمت أضلعي، وكأنها تحاول دمج جسدي بجسدها لتأخذني معها في حقيبتها
"ما أبي أروح يا كنزي.. والله ما أبي"
همست بصوتٍ مخنوق، وهي تدفن وجهها في عنقي
لم أستطع الرد، فدموعي التي حبستها طوال الليل خانتني الآن وسالت بصمت على كتفها، كان هذا الصباح مختلفاً، لم يكن فيه مزاح ولا ضحك، بل كان مشحوناً برائحة الوداع التي تشبه رائحة المطر قبل سقوطه، قمنا لنجمع أغراضها، وكانت كل قطعة ملابس نضعها في الحقيبة تبدو لي وكأنها جزء من روحي يُنتزع ويُغلق عليه بالقفل
حين وصلنا إلى بهو الفندق كانت حقائبها تقف هناك كعدوٍ ينتظر تفريقنا، نظرتُ إليها، كانت ترتدي ملابس السفر، وتبدو قوية كما عرفتها، لكن عينيها كانتا تفضحان انكسارًا لا يرممه إلا اللقاء أمسكت يدي أمام الجميع، ولم تهتم بنظرات الموظفين أو المارة، وقبلت باطن كفي قبلةً طويلة وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتاً
"تذكري وش اتفقنا عليه.. هذي مو النهاية، هذي مجرد استراحة محارب، شدي حيلك في دراستك، وأنا بستناكِ هناك، الرياض مو بعيدة يا كنزي، الرياض هي الخطوة الجاية"
أومأتُ برأسي وأنا أمسح دموعي بكُم قميصي، وحاولتُ أن أبتسم لأطمئنها
"هستناكي تكلميني أول ما توصلي.. ومش هبطل مذاكرة ولا شغل لحد ما أجيلك، أنا دلوقتي عندي هدف، وأنتي الهدف ده"
جاءت السيارة التي ستنقلها للمطار، وفي تلك اللحظة، شعرتُ أن الأرض تسحب من تحت قدمي، عانقتها للمرة الأخيرة، عناقاً طويلاً سلبنا فيه أنفاس بعضنا البعض، وكأننا نختزن هواءً يكفينا لشهور القادمة، ركبت السيارة، وظللتُ واقفة على الرصيف، أراقب السيارة وهي تبتعد وتختفي في زحام القاهرة، ومعها اختفى النور الذي أضاء حياتي لأسبوعين
كانت الصالة تبدو شاسعة وموحشة، وصمتها يطبق على صدري بعد أن كانت تضج بضحكاتنا، لم أحتمل الجلوس بعيداً، فانتقلتُ بكتبي إلى الأريكة، ذات المكان الذي شهد أنفاسنا المتقاربة ووعودنا المكتومة، تكومتُ في ركني المعتاد، وفتحتُ كتاب لادرس، لم أكن يوماً أكره الدراسة، بل كنتُ أجد فيها دائماً مهرباً، لكنني اليوم كنتُ أذاكر بقلبٍ مثقلٍ بحزنٍ لم أختبره من قبل، حزن سببه ذلك المقعد الفارغ بجانبي الذي غادرته مشاعل
فجأة، اهتز هاتفي بجانبي على وسادة الأريكة، لم تكن مجرد رنة، بل كانت نبضاً أعاد الروح لجسدي المنهك، التقطتُ الهاتف بلهفة، وضغطتُ على زر الإجابة قبل أن تكتمل الرنة الثانية، ظهر وجهها.. كانت في غرفتها بالرياض، تبدو ملامحها مجهدة من عناء السفر، لكن عينيها كانتا تشعان بذات الدفء الذي استقر في قلبي
"وصلتي يا حبيبتي؟ طمنيني عليكي"
قلتُها بصوتٍ مرتعش وأنا أقرب الهاتف من وجهي، وكأنني أحاول استعادة عطرها من خلال الشاشة، والدموع تلمع في عيني رغم محاولتي للتماسك
ابتسمت مشاعل، تلك الابتسامة التي تذيب كل وحشة المسافات، وقالت بصوتها الرخيم الدافئ
"وصلت يا روح مشاعل، وصلت وجسدي هنا لكن قلبي لساته عندك في القاهرة.. وش هالزين؟ أشوفك قاعدة على الأريكة وتذاكرين؟"
مسحتُ طرف عيني بطرف كمي وحاولتُ الابتسام لكي لا أقلقها، رغم الغصة التي في حلقي
"بدأت أهو.. مش عايزة أضيع ولا ثانية، بس النهاردة الكتاب تقيل في إيدي عشان وحشتيني.. مش قادرة أصدق إنك مش جنبي دلوقتي"
ظلت مشاعل تتأملني بصمتٍ بليغ، ورأيتُ نظراتها تتفحص تفاصيل الأريكة من خلفي، وكأنها هي الأخرى تتحسس مكاني، ثم قالت بنبرة مليئة بالفخر والحب
"والله يا كنزي، شوفتك كذا تسوى الدنيا وما فيها. ذاكري يا قلبي، وأنا بكون معك كل ليلة.. بفتح الكاميرا كذا وأنا أخلص شغلي وأنتي تذاكرين، نصير كأننا جالسين على نفس الأريكة، لا يضيق صدرك"
شعرتُ بقوةٍ خفية تسري في أوصالي، سندت الهاتف على مسند الأريكة بزاوية تجعلها تراني بوضوح، وبدأتُ أخطّ بالقلم تحت الكلمات الهامة، كان صوت أنفاسها المنبعث من السماعة كافياً ليشعرني أنها لا تزال متكئة بجانبي، تبارك طموحي وتمسح حزني بوجودها الرقمي
-مشاعل-
وطأت قدماي أرض الرياض، واستقبلني هواؤها الجاف الذي ألفته طوال عمري، لكنه هذه المرة بدا لي غريباً، وكأن جسدي اعتاد رطوبة النيل وزحام القاهرة الصاخب، في المطار، وجدتهما بانتظاري؛ أخي وأختي، بابتساماتهما المعهودة ولهفتهما لسماع تفاصيل رحلتي
عانقتهما طويلاً، وبادلتهما كلمات الشوق، لكن في أعماقي كان هناك شعور غريب لا يفارقني.. كنت أشعر ببرد قارس ينخر في عظامي، رغم حرارة الجو التي لا تطاق، كان برداً من نوعٍ آخر، برد المسافة التي اتسعت فجأة، وبرد الفراغ الذي تركه غياب يد كنزي عن يدي
بمجرد أن دخلتُ من باب بيتي، ألقيت بحقائبي جانباً وتوجهتُ إلى غرفتي، لم أكن أريد سوى سماع صوتها، اتصلت بها فوراً، وحين ظهر وجهها الجميل على الشاشة وهي جالسة على تلك الأريكة، شعرتُ بغصةٍ في قلبي، كانت تحاول الابتسام، وتحاول أن تريني كتبها ومذاكرتها، لكنني كنتُ أرى الحزن في عينيها، وهو ذات الحزن الذي يكويني هنا
"وصلت يا روح مشاعل، وصلت وجسدي هنا لكن قلبي لساته عندك في القاهرة.. وش هالزين؟ أشوفك قاعدة على الأريكة وتذاكرين؟"
قلتها بلساني، لكن عقلي كان يصرخ بأن هذا ليس كافياً
الشاشة باردة، والصوتُ مهما كان واضحاً لا ينقل دفء الأنفاس شعرت بعجزٍ لم أعهده، كيف لهذه المسافات أن تكون بكل هذه القسوة؟ كيف لي أن أكتفي ببكسلات ملونة على شاشة هاتف بينما أريد أن أكون بجانبها، أزيح عنها تعب الدراسة وأقبل جبهتها؟
أنهيتُ المكالمة وأنا أنظر إلى سقف غرفتي، والبرد لا يزال يلفني وجدتُني أتمنى، ولأول مرة في حياتي، أن تمضي الأيام والشهور والسنين بسرعة جنونية.. أردت للزمن أن يطوي نفسه طياً، لكي تنتهي تلك الكلية، ولكي تغلق كنزي كتبها للأبد وتستبدلها بجواز سفر يحملها إلي
بتُ أحسب الساعات، ليس بمواقيت الرياض، بل بمواعيد امتحاناتها وخطوات نجاحها، الرياض بدت لي الليلة مدينةً تنتظر أميرتها، وأنا.. أنا سأظل أنتظر عند باب المطار، أتخيل تلك اللحظة التي لن تكون فيها شاشة بيننا، ولن يكون فيها وداع بعدها أبداً
لم أحتمل فكرة أن تذاكر كنزي وهي تشعر بهذا الحزن؛ أردتُ أن أبعث لها بشيءٍ ملموس، شيءٍ يتجاوز حدود الشاشات والذبذبات الصوتية. ذهبتُ إلى السوق في الرياض بقلبٍ يبحثُ عن كل ما قد يرسمُ ابتسامةً على وجهها، وبدأتُ أجهز لها صندوق الوعود كما أسميته في عقلي
انتقيتُ لها عطوراً من أرقى الأنواع، عطوراً برائحة العود الممزوج بالورد، تماماً كما كانت رائحتي التي تعلقت بها في أيامنا القليلة. أردتُ عندما تضع منها وهي تذاكر، أن تغمض عينيها وتشعر وكأنني أجلسُ خلفها مباشرةً، أحوطها بذراعي وأهمسُ في أذنها بكلمات التشجيع، لم أكتفي بذلك، بل اشتريتُ لها مجموعةً فاخرة من أدوات الدراسة؛ أقلاماً ينسابُ حبرها ودفاتر ذات غلافٍ مخملي، وحقيبةً جلدية صغيرة، لكي تشعر وهي في جامعتها بأنها ملكة تستحقُ الأفضل
وضعتُ الصندوق أمام سحاب الشحن الدولي، وأنا أشعر برغبةٍ عارمة في أن أقفز داخله لأصل إليها مع الطرود
حين اتصلتُ بها وتابعتُ عبر شاشة الهاتف لحظة فتحها للصندوق، شعرتُ بنبضات قلبي تسبقُ كلماتنا، رأيتها تشهقُ بعفوية وهي تستنشق الرائحة، رأيتُ بريق الدموع في عينيها وهي تتحسس الدفاتر والأقلام، وحين قالت لي بنبرتها المصرية الدافئة: "أنتي عملتي كل ده إزاي؟"
غصصتُ بريقي ولم أستطع منع ابتسامتي التي خالطها وجعُ الحنين
قلتُ لها وأنا أراقبها من خلف الشاشة، وعيني لا تفارق ملامحها
"هذي أشياء بسيطة يا روح مشاعل.. أبيكِ كل ما تمسكين قلم، تتذكرين إنه جسر بيوصلك لي، وكل ما تشمين العطر، تدرين إن مشاعل بانتظارك وما راح تتركك أبد"
ضحكت هي، وتلك الضحكة كانت كفيلة بأن تضيء غرفتي المظلمة في الرياض، لكني، بمجرد أن انتهت المكالمة، عدتُ للاصطدام بالواقع. نظرتُ إلى جدران غرفتي، إلى أخي وأختي اللذين يملآن البيت بصوتهما، ومع ذلك كنتُ أشعر أنني وحيدة.. وحيدة جداً
أصبحتُ أكرهُ الساعات التي لا تمر، وأمقتُ المسافة التي تجبرني على الاكتفاء برؤيتها عبر زجاج الشاشة، صرتُ أستيقظ وأنا أحسبُ كم يوماً تبقى على اختباراتها، وكم شهراً يفصلنا عن ذلك اليوم الذي ستغلق فيه حقائبها وتطيرُ إليّ
في غضون أشهر قليلة، انقلبت حياتي المهنية رأساً على عقب؛ الرياض التي عدتُ إليها بقلبٍ مثقل بالغياب، استقبلتني كوجه جديد يبحث عنه الجميع، بدأتُ أتطور في عملي كعارضة أزياء بخطواتٍ واسعة، ولم تعد جلسات التصوير مقتصرة على علامات تجارية محلية، بل أصبحت المجلات الكبرى تطلبني بالاسم لتصدر أغلفتها
أصبحتُ "مشاعل" التي يتحدث عنها الجميع في أوساط الموضة، وجهي يملأ اللوحات الإعلانية، واسمي يتردد في كواليس عروض الأزياء الكبرى. لكن، خلف كل هذه الأضواء وصيحات الإعجاب وعدسات المصورين التي تلاحقني، كانت هناك "مشاعل" أخرى.. مشاعل التي تسرق الدقائق بين كل لقطة وأخرى لتمسك بهاتفها وتتأكد من أن كنزي بخير
كنتُ أقف أمام الكاميرات بكامل أناقتي وثباتي، أرتدي أفخر الأثواب وأضع أثقل المجوهرات، لكنني في داخلي كنتُ لا أزال أشعر ببرد القاهرة الذي لم يغادرني، كنتُ أنظر لنفسي في صور المجلات اللامعة وأقول في سري
"كل هذا النجاح، وكل هذا الصيت، لا يساوي لحظة واحدة وأنا أشوف نظرة الفخر في عينيكِ يا كنزي"
في كل مرة كنتُ أتصدر فيها غلافاً جديداً، كنتُ أرسل لها النسخة الأولى قبل أن تنزل الأسواق. كنتُ أريدها أن تعرف أن شهرتي لم تزدني إلا تمسكاً بها، وأن الأضواء التي تسلطت عليّ لم تجعلني أنسى تلك "الصالة" المتواضعة في القاهرة
أصبح نجاحي وتطوري في العمل محركاً قوياً لهدفي الأكبر؛ فمع كل عقد جديد أوقعه، كانت تزيد قدرتي على تسهيل طريقها إليّ لم أكن أعمل لأجل الشهرة، بل كنتُ أعمل لأبني الأساس المتين الذي سأستقبلها عليه، صرتُ أقول للمصورين ومنسقي الملابس بلهجتي الواثقة
"هذا النجاح بداية بس.. الجاي أكبر وأجمل"
وكنتُ أعني ب"الجاي" ذلك اليوم الذي ستكون فيه كنزي بجانبي، تشاركني هذه الأضواء، وتكون هي الملهمة الحقيقية خلف كل نجاح حققته أو سأحققه، كنتُ أنتظر تخرجها بفارغ الصبر، وأعد الأيام لكي أستغل نفوذي الجديد في عالم الأعمال لأجد لها المكان الذي يليق بطموحها في قلب الرياض
مر عامان.. عامان من عدِّ الأيام، ومراقبة عقارب الساعة التي كانت تسير ببطءٍ قاتل، في الرياض، كانت شهرتي تزداد، وصوري تملأ المجلات، لكن قلبي كان هناك، معلقاً في صالة القاهرة
كنتُ أتابع تطور كنزي بفخر لا يوصف؛ لقد أصبحت محاسبةً تمتلك من الخبرة والذكاء ما يفوق سنواتها القليلة، ورأيتُ كيف استعادت ثقتها بنفسها وبأهلها، وكيف تحولت تلك العلاقة المشوهة مع عائلتها إلى علاقة مبنية على الاحترام والقوة، خاصةً وهي الآن الابنة التي يعتمدون عليها
لم أعد أحتمل أكثر، كان اليأس قد بدأ ينهش صبري، استغللتُ كل علاقاتي ونفوذي في السوق حتى استطعتُ توفير وظيفةٍ مرموقة لها في الرياض، وظيفة تليق بذكائها، ودبّرتُ كل شيء لتكمل دراستها وتأخذ إجازاتٍ في أيام الاختبارات ثم تعود إليّ، كنتُ مستعدةً لفعل أي شيء، حتى أنني عرضتُ عليها أن أحادث عائلتها بنفسي لأقنعهم، فما عاد البعدُ خياراً مطروحاً في قاموسي
لكنها، بقوتها الجديدة، نجحت في إقناعهم وحدها، وكأنها كانت تخبر العالم أن زمن الشتات قد انتهى
واليوم.. أنا هنا، في مطار الملك خالد، أقفُ وسط الزحام، أرتدي نظارتي السوداء لأخفي توتري وربما لأتخفى من بعض المعجبين، لكن عيني كانت كالصقر تبحث عن وجهٍ واحدٍ فقط وفجأة، رأيتها.. كانت تدفع حقائبها وتقتربُ من بوابة الخروج، لم تتغير ملامحها، بل ازدادت نضجاً وهيبة، وكأن تعب السنين قد صُقل ليصبح جمالاً من نوع خاص
اتسعت ابتسامتي بغير تصديق، شعرتُ وكأن الهواء عاد لرئتي دفعةً واحدة، لم أتمالك نفسي، ركضتُ نحوها متجاهلةً كل شيء حولنا، والتقفتها بذراعيّ واعتصرتها بقوةٍ كادت تكسر أضلعها، شممتُ رائحتها، تلك الرائحة التي حاولت العطور أن تحاكيها وفشلت
ها هي..
بين يديّ، حقيقةً لا خيالاً
ها أنا أجتمع بها مرةً أخرى، ليس عبر شاشةٍ باردة، بل بدمٍ ونبضٍ وعناق
همستُ في أذنها وسط ضجيج المطار، ودموع الفرح تغلبني
"وصلتي يا روح مشاعل.. نورتي الرياض ونورتي دنيتي"
شددتُ من قبضتي عليها، وفي قلبي عهدٌ أبدي
هذه المرة، لن أتركها أبداً.. المسافاتُ ماتت اليوم، ولن نسمح لها بالعودة للحياة مجدداً
خرجنا من المطار واليد في اليد، وكأننا نُثبت للعالم أننا لم نعد جسدين تفصلهما قارات، قدتُ سيارتي الفارهة في شوارع الرياض التي بدت لي الليلة وكأنها تتزينُ بالأنوار احتفالاً بوصول كنزي، كنتُ أختلسُ النظر إليها بجانبي؛ كانت تتأملُ الأبراج العالية والشوارع الواسعة بذهولٍ طفولي، تماماً كما تأملتُ أنا النيل أول مرة
وصلنا إلى منزلي الجديد في أحد أرقى أحياء الرياض، منزل اشتريته وصممته بكل تفاصيله وأنا أتخيلُ هذه اللحظة، توقفتُ أمام الباب الكبير، والتفتُّ إليها وقلتُ بنبرةٍ يملأها الفخر والحب
"نورتي دارك يا كنزي.. هذي مو بس بيتي، هذي بيتنا إحنا الاثنين"
فتحتُ الباب، وما إن خطت قدماها الداخل حتى شهقت بعفوية، لم أرد أن يكون البيت غريباً عليها، لذا جعلتُ في وسط صالتي الفسيحة ركناً صغيراً يطابق تماماً "صالتها" في منزلها نفس لون الأريكة، وحتى "طبلية" صغيرة وضعتُ فوقها الصندوق الذي أرسلته لها قديماً
"مشاعل.. أنتي عملتي كل ده؟"
قالتها وهي تتجولُ بين الأركان والدموع تلمع في عينيها
سحبتها من يدها نحو غرفتها الخاصة، وحين فتحتُ الباب، كان الفستان الزمردي معلقاً في واجهة الغرفة داخل إطار زجاجي فخم كأنه قطعة فنية أثرية. عانقتها من الخلف ودفنت وجهي في عنقها، وهمست بلهجتي التي تعشقها
"قلت لك يومها إن هالفستان انخلق لك.. والحين هو شاهد على إننا حققنا المستحيل، الليلة يا كنزي، القاهرة والرياض صاروا قلب واحد، وما فيه قوة في الدنيا بتبعدك عني مرة ثانية"
استدرتْ إليّ ووضعت يديها على وجهي، وبدأنا فصلاً جديداً، ليس فيه شاشات ولا مطارات، بل فيه أمان البيت الذي بنيناه بالحب والصبر والدموع
تركتُها ترتاح قليلاً من عناء السفر، ثم بدأتُ في تجهيز عشنا الأول. لم أرد أن يكون عشاءً عادياً؛ طلبتُ "مفطح" سعودي أصيل، بكل كرمه وتفاصيله، وفرشتُ السفرة في الركن الذي صممته ليُشبه صالتها القديمة، لكن بلمسة الرياض الفخمة. أردتُ أن أغمرها بكل ما هو سعودي، أن تشعر بأنها انتمت لهذه الأرض كما انتميتُ أنا لقلبها
جلستُ على الأرض بوضعيتي المريحة، وأشرتُ لها لتجلس بجانبي. نظرت كنزي إلى الصحن الضخم واللحم المزين بالزعفران والبيض المسلوق بدهشة، وسألتني بضحكة خجلة وهي تبحث بعينيها عن الملاعق
"مشاعل.. هو إحنا هناكل كل ده لوحدنا؟ وبعدين فين المعالق يا بنتي؟"
ضحكتُ من قلبي، وقربتُ يدي من الصحن وبدأتُ بتقطيع قطعة لحم طرية ببراعة، ثم نظرتُ إليها بتحدي ممزوج بحنان
"يا روح مشاعل، الليلة الأكل 'سعودي' قلباً وقالباً. الملاعق هذي للضيوف، بس أنا وأنتي أهل.. والأكل باليد في هالأكلة له طعم ثاني، يخلي البركة تنزل في اللقمة وفينا"
رأيتها تتردد، تنظر ليدي ثم ليديها الرقيقتين، فتابعتُ وأنا أشجعها
"تعالي، لا تخافين.. شوفي كيف أسوي 'الخمس' تلمين الرز كذا بيدك، وتسوين كورة صغيرة مع قطعة اللحم.. إيوه، كذا بالضبط"
بدأتُ أعلمها كيف تمسك اللقمة بأصابعها، وكيف تضغط عليها برفق لتصبح متماسكة، كانت تحاول بجهد، والرز يتناثر من بين أصابعها وهي تضحك بإحباط جميل، وتقول بلهجتها المصرية التي تذيب قلبي
"يا مشاعل الموضوع صعب أوي! الرز بيهرب مني"
اقتربتُ منها أكثر، وأخذتُ لقمةً صنعتها بيدي وقربتها من فمها
"طيب، هذي اللقمة مني.. ذوقي بركة الرياض من يد مشاعل"
فتحت فمها بابتسامةٍ غارقة في الحب، وأكلت اللقمة وهي تغمض عينيها بتلذذ، وحين بدأت هي تحاول مرة أخرى ونجحت أخيراً في صنع لقمة متماسكة ووضعها في فمها بنجاح، صرختُ بفخر وكأنها حققت إنجازاً عالمياً
"كفو! والله وصرتي سعودية يا كنزي.. شفتي كيف طعمه أحلى؟"
قضينا الوقت بين الضحك على محاولاتها، وبين أحاديثنا التي لا تنتهي. كان مشهداً بسيطاً، لكنه بالنسبة لي كان يعني الكثير؛ أن نأكل من صحن واحد، بأيدينا، في بيتنا.. كان هذا هو العشاء الذي حلمتُ به وأنا أتجرع مرارة الوحدة في الرياض
انتهينا من العشاء، لكنني لم أشبع من النظر إليها. سحبتها نحو الأريكة الواسعة، وأرغمتها على الاستلقاء في حضني، وكأنني أحاول استرداد عامين من الحرمان في ليلة واحدة، كانت الغرفة هادئة، لا يقطع صمتها إلا صوت أنفاسنا المتداخلة، وإضاءة خافتة تعكس بريق عينيها التي لم تفارق عيني
كنتُ في حالة من عدم التصديق؛ هل هذا جسدها حقاً؟ هل هذا ملمس جلدها الذي حلمتُ به خلف زجاج الشاشات البارد؟ بدأتُ أقبلها بلهفةٍ لا تهدأ، قبلتُ جبينها الطاهر، ثم انتقلتُ لصدغيها، وعينيها التي كانت تغمضهما باستسلامٍ وحب. كنتُ أوزع قبلاتي على وجنتيها، وأنفها، وحافة أذنها، وفي كل مرة كنتُ أهمس بكلمة واحدة مخنوقة
"ما هو حلم.. صح؟ قولي لي إنك صدق هنا يا كنزي"
كانت تضحك بخفة، تلك الضحكة التي كانت تداوي جروحي عبر الهاتف، والآن تداويها وهي تتردد في صدري، رفعت يدها لتتحسس وجهي، وقالت بصوتها الدافئ
"أنا هنا يا مشاعل.. والله العظيم هنا، ومش هروح في حتة تانية خلاص"
لم أكتفي؛ فعدتُ لأقبل كفيها، أصبعاً أصبعاً، وكأنني أشكر كل قلم أمسكته لتذاكر، وكل ساعة سهرتها لتصل إليّ، كنتُ أضمها بقوة، أدفن وجهي في عنقها وأستنشق رائحتها التي هي مزيج من العطر الذي أرسلته لها وبين رائحة "كنزي" الخاصة التي لا يشبهها شيء
طوال الليل، لم تبتعد شفتاي عن وجهها، كنتُ أقبلها وأنا أغمض عينيّ، أحاول أن أحفر ملمسها في ذاكرتي الحسية لكي لا يمحوه أي فزع من كابوس قد يصور لي أنها رحلت، كل قبلة كانت صك ملكية جديد، وكل لمسة كانت تمحو أثراً من آثار البرد والوحدة التي عشتها في غيابها
استندت برأسها على صدري، وظللتُ أمسح على شعرها وأقبل قمة رأسها باستمرار، وكأنني طفل وجد لعبته الضائعة بعد دهر، لم أكن أريد للنوم أن يسرقني منها، أردتُ أن أبقى مستيقظة، أقبلها وأراقبها وهي تتنفس في حضني، لأتأكد مع كل شهيق وزفير أن المسافة قد ماتت، وأن الرياض الليلة لم تعد موحشة، لأن نبض كنزي صار هو نبض بيتي.. ونبض حياتي
الصباح الباكر، استيقظتُ قبل الجميع، ولم تكن الشمس هي التي أضاءت غرفتي، بل كان وجه كنزي المسترخي في حضني، انتظرتُ حتى فتحت عينيها بكسل، وقبلتُ جبهتها قبل أن أخبرها أن هتان وديما بانتظارنا في الصالة لتناول الإفطار معاً
خرجنا سوياً، وكانت رائحة القهوة السعودية والبخور تملأ أرجاء البيت. كان هتان يجلس مع ديما الصغيرة، وبمجرد أن رآنا، نهض بابتسامته الواثقة والودودة. أمسكتُ يد كنزي التي كانت تشد عليها قليلاً من التوتر، وقلتُ لهما
"صباح الخير.. هتان، ديما، هذي كنزي"
رأيتُ كنزي تبتسم بخجل لكنها سرعان ما تذكرت المفاجأة التي كانت تخبئها، انحنت بجسدها الرقيق لمستوى الصغيرة ديما، وأخرجت من خلف ظهرها عروسة لعبة جميلة جداً، كانت قد اشترتها بعناية من القاهرة. مدت يدها بالعروسة وقالت بصوتها الرقيق
"دي عروسة صغيرة زيك يا ديما.. يا رب تعجبك"
اتسعت عينا ديما بلمعة فرح طفولية، وخطفت العروسة وهي تقفز بحماس
"شكراً كنزي! مرة تجنن.. شوفي فستانها كيف يلمع!"
حينها تقدم أخي هتان، وبشهامته المعهودة، هو ينظر إليها بتقدير واحترام، قال بصوتٍ جهوري ودافئ
"أهلاً فيكِ يا كنزي.. نورتي الرياض، ونورتي دارك وبين أهلك، مشاعل ما كانت تسولف عن أحد غيرك، واليوم إحنا فعلاً سعيدين إنك صرتي بينا"
نظرتُ إلى كنزي، ورأيتُ في عينيها شعوراً بالأمان بدأ يترسخ مع كل كلمة ترحيب، لم يكن مجرد إفطار عادي، بل كان إعلاناً رسمياً بأنها لم تعد غريبة في هذه الأرض. جلستْ ديما بجانبها ترِيها تفاصيل العروسة، بينما بدأ هتان يسألها عن رحلتها بأسلوبٍ جعلها تشعر بالراحة فوراً
شعرتُ بغصة فرح في حلقي وأنا أراهما يتقبلانها بهذا الحب منذ اللحظات الأولى في الصباح
وقفتُ في شرفة منزلي، أراقبُ أضواء الرياض وهي تتلألأ تحت سماءٍ صافية، لكنني لم أكن أنظر للأضواء هذه المرة، بل كنتُ أنظرُ للانعكاس الجميل الذي يملأُ زجاج النافذة.. كانت كنزي تجلسُ خلفي في ركنها الخاص، غارقةً بين أوراقها وحساباتها، تارةً تعقد حاجبيها بتركيز، وتارةً تبتسمُ حين تلمحني أراقبها
في تلك اللحظة، أدركتُ أن الرواية لم تنتهي بوصولها للمطار، بل بدأت الآن، لقد طوينا صفحة "المسافات" للأبد، وأحرقنا كل الخرائط التي كانت تباعد بيننا، ولم يتبقَّ لنا سوى هذا الواقع الذي بنيناه بالصبر، والدموع، والإيمان بأن الحبَّ الحقيقي يمتلكُ أجنحةً تعبر الحدود والبحار
التفتُّ إليها، فرفعت رأسها وبادلتني نظرةً اختصرت كل ما مررنا به؛ من شقاء القاهرة إلى أضواء الرياض، ومن برد الفراق إلى دفيءِ اللقاء، اقتربت منها، وأمسكت يدها التي لم تعد تفارق يدي، وقلت في سري ما لم أعد بحاجةٍ لقوله جهراً
"لقد وصلنا يا كنزي.. لم تعد الرياض بعيدة، ولم تعد القاهرةُ وحيدة، لقد صار العالم كله يختصر في هذه الغرفة، وفي هذا النبض الذي يجمعنا"
أغمضت عيني وأنا أستنشق عطرها الذي ملأ الدار، وعرفتُ يقيناً أن أجمل فصول حياتنا لم تُكتب بعد، وأننا من الآن وصاعداً، لن نكتب عن "الانتظار" مجدداً، بل سنكتب عن "الاستقرار"، وعن وطنٍ لا يحتاجُ لجواز سفر.. وطنٍ اسمهُ أنتِ.
تمت
18.2.2026
.
.
هبدأ اهو اتمنى تكون النهايه سعيدة لأني مش حمل هم😭
ردحذفالرواية عظمهههه😘
ردحذف