بين الباء والياء


1. كارثة
"بهية عماد الدين محمود ويثرب عبدالرحمن عزازيل"
كنت أحملق في الرسالة التي وصلت لي على بريدي الالكتروني الخاص بالجامعة، خلعت نظارتي ونظفتها مراراً، أغلقت بريدي وفتحته عدة مرات على أمل أن يكون هاتفي تعرض للإختراق وهذه الرسالة مزحة ثم أغلقت هاتفي وفتحته ثلاث مرات ولكنها لم تختفي

يثرب عبدالرحمن عزازيل هي شريكتي في مشروع التخرج!

ربما هناك خطأ
بل بالتأكيد هناك خطأ
سأذهب للجامعة غداً وأتحدث مع الأستاذ وبالتأكيد سيخبرني بأنه أخطأ ويقهقه بصخب بينما يهتز كرشه 

خلعت نظاراتي ودفنت نفسي في الأغطية لأنام وأنا متيقنة تماماً أن كل شيئ على ما يرام وأن هذه غلطة ثقيلة الظل

في اليوم التالي لم أنتظر وقت محاضرة الأستاذ بل ذهبت لأزوره في مخباءة، غرفة شؤون الطلبة فهو يحب تناول الإفطار معهم

"صباح الخير!"
طرقت الباب المفتوح باسمة بينما ادخل

"بهية!، تعالي وتناولي الإفطار معنا لقد أعدت فاتن بطاطس مهروسة شهية لا تقاوم عليكِ تجربتها"
قال بحماسه المعتاد عند الحديث عن الطعام

تنحنحت 
"شكراً لكني مستعجلة وأتيت لسؤالك عن شيئ سريع"

"ما هو؟"
سأل ولم يبعد عينيه عن الطعام مستمراً بالأكل

"لقد ارسلت لي على بريدي الالكتروني رسالة خاطئة"
تحدثت بثقة وهو نظر إلي بينما يمضغ بحاجبين متقوسين
"خاطئة!"

"أجل، إنها عن مشروع التخرج تقول أن شريكتي هي يثرب عبدالرحمن عزازيل وهذا غير ممكن بالتأكيد"
أجبت بنبرة ساخرة فهذه نكتة بينما هو بدأ يسعل ثم ملأ كوب ماء وشربه ونظر لفاتن
"الطعام حار جداً في المرة القادمة ضعي كمية أقل من الفلفل الحار"

"أستاذ"
ناديته لأنني أردت منه أن يعطيني اسم شريكتي في المشروع لأنصرف بسلام

"ولما تعتقدين أنها رسالة خاطئة؟"
بدأ يعدل من نظاراته وكأنه يطرح سؤالاً بريئاً

ضيقت عيناي بتعجب
"لما ستقوم بوضعي مع شخص كيثرب؟، هذا غير معقول"

"في الواقع الرسالة ليست خاطئة لقد إخترت يثرب شريكة لكِ"
قال بهدوء وشعرت بأن الدم قد إرتفع إلى رأسي من شدة المفاجأة ولم أتمالك نفسي وصرخت
"ماذا!"
فزع الجميع في الغرفة فهم معتادون أنني فتاة هادئة

عدل الأستاذ عطية من نظارته بإرتباك واضح
"أريد منك أن تختلطي بيثرب لتتعلم منكِ أن الحياة أكبر من شاشة هاتفها والإعجابات التي تتلقاها"

تتعلم مني؟
يثرب تتعلم مني أنا؟

أجبته بتملل
"لو أردت أن أكون معلمة كنت لأدخل كلية التربية، أنا لا أهتم بتعليم أحد"

وبالأخص يثرب

"لن أغير شريكتك فأنا أرى أن هذا إختبار لكِ أيضاً"

ماذا يقصد بإختبار لكِ؟
هذا عقاب

لما يفعل الأستاذ عطية بي شيئ كهذا؟، هل هذا جزائي على كوني الطالبة الوحيدة التي تدون محاضراته وتساعده في ابحاثه؟

لينسى أمر أبحاثه وتحضيري لمحاضراته، لن أفعل هذا مرة أخرى، ليجهزها بنفسه

كيف يمكنني إستيعاب شيئ كالعمل مع يثرب عزازيل؟، كيف أعمل مع كتلة العجرفة تلك؟

بينما أسير شاردة فجأة شعرت بثقل، أحدهم قفز معانقاً ظهري
"شمس!"
أبعدتها عني، هذه صديقتي الوحيدة شمس، فتاة سمراء بشعر مجعد تقوم بتضفيره دائماً، تضع نظارات مثلي، وملابسها يضغى عليها اللون البُني لأنه لونها المفضل

"كيف الحال؟"
سألت بمرح فهذا ما تجيد فعله، توزيع الإبتسامات

"كارثي"
رددت عليها بإقتضاب وهي قهقهت بخفة معتقدة أنني أمزح
"ما المشكلة؟، هل طلب منكِ الأستاذ كتابة الإختبار؟"

"اسوأ"

مالت برأسها والفضول يقفز من عينيها
"ما الأسوأ؟"

"جعل يثرب عزازيل شريكتي في مشروع التخرج"
رددت بصوت منخفض وكأنه عار (وهو كذلك بالمناسبة)

فتحت فمها بصدمة
"يثرب عزازيل!"
قالت بصوت مرتفع جعل الجميع في الممر يلتفتون إلينا وعندها سحبتها من معصمها لنهرب للمصعد القريب

لمعلوماتكم فقط ممنوع على الطلاب إستخدام المصعد لكني مستثناة لأنني أساعد الأساتذة في تجهيز المحاضرات

"أخفضي صوتك"
نبهتها وهي أشارت معتذرة
"لقد تفاجأت فقط"

"صدقيني حتى أنا"
رددت بنبرة ساخرة

"كيف ستقابلينها وهي محاطة بكومة من المعجبين دوماً؟"

اقابلها؟
انتم تحلمون
لن أذهب لتلك الفتاة المزعجة وكأنني احدى معجبيها

"لن أقابلها، سأراسلها لتقابلني هي"
لدي رقمها فأنا مُنشئة مجموعة الكلية، لدي أرقام الجميع

أنا ويثرب لم نختلط أبداً، لم نتحدث قط، حتى أننا لم تتقابل عينانا ولا حتى بالصدفة أبداً، بكمية مساحيق التجميل التي تضعها تجعلني أشعر بالغثيان عندما المحها لذا لا أطيق النظر لوجهها

ثم إنني أصل أولاً، أجلس في المقعد الأول، أما هي فتصل في نهاية المحاضرة هذا إن تكرمت وحضرتها، تجلس في المقاعد الأخيرة بين معجبينها

خرجنا من المصعد في الطابق الثالث نظرت شمس في ساعة هاتفها ثم ركضت لأنها كانت قد نسيت أن لديها محاضرة، إقتربتُ من السور لأنظر لحديقة الجامعة، يمكنني رؤية التجمع الذي يتبع يثرب دائماً

أخرجت هاتفي ثم ضغطت على رقمها على وتساب 
"أهلاً، أنا بهية عماد الدين شريكتك في مشروع مادة التنوع البيولوجي يجب أن نتقابل لنحدد موضوعاً للمشروع"
أرسلت لها الرسالة ثم سرت لقاعة المحاضرات، أريد الدراسة لبعض الوقت لأريح أعصابي

مر اليوم الدراسي بروتينية، عدت للمنزل وإستقبلتني والدتي وقدمت لي وجبة الغداء، وبينما أتناول السبانخ التي أحبها بالمناسبة تفقدت رسائل وتساب ولم أجد رداً من يثرب، بل هي لم تفتح الرسالة حتى

هل تجاهلتني للتو؟

أتمنى أن ترد قبل الغد لأنني لا أريد الذهاب للحديث معها وجهاً لوجه

دخلت غرفتي لأستلقي على السرير، جدران غرفتي باللون الأخضر الملكي، الستائر باللون التركواز الغامق، كذلك خزانة الملابس، أغطية السرير والملاءة باللون البيج الفاتح، وهناك مكتبة صغيرة أعلى سريري باللون الذهبي كذلك الطاولة التي أدرس عليها والكرسي ومصباحي الليالي 

هل تستطيعون تخمين ما لوني المفضل؟
أجل أنه الأخضر

لدي دمية على شكل ضفدع على سريري، أنا لا أحب الدمى لكني أحب هذه الدمية لأنها هدية من والدي

إطار نظارتي باللون الأخضر أيضاً، دائرية الشكل وسميكة لأن نظري مثير للشفقة، أنا عمياء بدون نظارتي، تقول والدتي أن هذا بسبب الدراسة لوقت متأخر حتى عند إنقطاع التيار الكهربائي

ولكن كان يجب علي الدراسة فأنا لن أحصل على المركز الأول دائماً بسهولة، أنا أحب الدراسة، أحب أن أكون الأولى، وأحب دخول المكتبات وقراءة الكتب في مختلف المجالات لأنني أحب توسيع ادراكي ومعلوماتي

شعري بُني مجعد طويل، أجمعه دائماً بشكل دائري وأربطه لأن الشعر غير المربوط مزعج، في الحركة، الدراسة، وكل شيئ، هو جيد للتباهي في الصور فقط، وأنا لا اتباهي ولا التقط الصور لذا لا يهمني هذا

بشرتي قمحاوية ولدي بعض النمش على أنفي وخداي، اما عيناي فهُما باللون البُني الفاتح، أنا فتاة نحيلة، من المفترض أن تخمنوا هذا لأنني أستثمر كل وقتي في الدراسة، أتناول الطعام لأبقى حية فقط

تفقدت هاتفي مرة أخرى، مازالت يثرب لم ترى رسالتي، أتمنى أن ترد حتى لو كانت سترد في وقت متأخر من الليل هذا أفضل من أن أذهب للحديث معها في الجامعة

يمكنني فعلها

يمكنني فعلها

هيا يا بهية يمكنك فعلها

ماذا أفعل؟
أقوم بتشجيع نفسي لأذهب للحديث مع يثرب متعجرفة عزازيل، بين كل هذا الزحام حولها علي الدخول، وكأنني في حفلة موسيقية أو لقاء صحفي

وأنا أكره الإثنين ولا أحضر مثل هذه التفاهات 

لقد إنتظرت ساعة كاملة ولم يقل عدد الجمهور حولها، علي محادثتها الآن فليس لدي المزيد من الوقت لإضاعته

سِرت إليها بخطوات ثابته وبدأت أنقر أكتاف الطلاب حولها ليفسحوا لي، كانوا يتذمرون بأنهم وصلوا قبلي، أنا لا أهتم بنجمتكم السخيفة، سأخبرها بأمر وأنصرف

وصلت إليها ووجدتها تمسك هاتفها كعادتها ونظرت لي بوجهها المملوؤ بالمساحيق 
"لقد تعبت من التقاط الصورة مع الناس، عودي بعد الساعة الثالثة"
قالت بغرور وحركت يدها قاصدة أن أنصرف بينما تعود للنظر لشاشة هاتفها

أتعتقد أنني أتيت لألتقاط صورة معها؟
ولا حتى في أحلامك يا يثرب 

تمالكت أعصابي وأخذت نفساً عميقاً
"لم آتي لألتقط صورة معك"

نظرت لي مرة أخرى بإستغراب
"إذاً ماذا تريدين؟"

"أنا بهية، شريكتك في مشروع التخرج لمادة التنوع البيولوجي، وعلينا أن نبدأ إختيار موضوع له، لقد راسلتك على وتساب لكنك لم تردي لذا أتيت لأخبرك"

كانت تنظر لي بنظرات متعالية
"عندما أجد وقتاً يناسبي سأخبرك"

هل تعتقد أنني أطلب منها القيام بمقابلة معي؟، ما كل هذه العجرفة؟

"لا يمكن لمشروع التخرج أن يكون حسب مزاجك، سأراكِ في المكتبة بعد نهاية محاضرات اليوم"
أخبرتها وسرتُ مبتعدة وأنا أسمع احاديث الطلاب

"ما بال تلك الفتاة لما هي بكل هذه الجدية؟، أنه مجرد مشروع"

"اليست تلك بهية عماد الدين دودة الكتب التي تكتب المحاضرات للأساتذة؟"

"فقط دعيها تقوم بالمشروع عوضاً عنكِ وستحصلين على أعلى درجة"

ولا حتى في أحلامكم
لن أدع يثرب تريح مؤخرتها بينما أعمل أنا لتحسين درجاتها 

يتحدث الطلاب بكل وقاحة عني لأنهم يعلمون بأنهم لا يحتاجون لمنافقتي لأرسل لهم الملخصات والأسئلة فأنا أقوم هذا بشكل روتيني بدون إنتظار مقابل

أنا أبذل جهدي وأرسل إليهم المحاضرات، الأسئلة والملخصات، وهم يتهامسون عني بأنني دودة كتب سخيفة ومملة 

لا يهم، فأنا لا أهتم برأيهم بي، فعلى عكس يثرب المتعجرفة التي تعبد وسائل التواصل الإجتماعي والتعليقات وتريد أن يحبها الجميع فأنا لست كذلك 

بعد إنتهاء المحاضرات ذهبت للمكتبة، اراهن أنها ستتأخر لذا سأجهز قائمة بالأفكار لنختار منها للمشروع

إنتظرتها ساعة كاملة ولم تأتي
هي لن تجرؤ على عدم المجيئ اليس كذلك؟

إنتظرت ثلاثون دقيقة أخرى ولم تأتي، جمعت أغراضي وغادرت المكتبة، لقد غادرت الجامعة بلا شك لأن الجو هادئ
كيف تجرؤ؟

راسلت الأستاذ لأخبره بأمر تجاهلها لي فقال بأن علي التصرف وأنه يعتمد علي لتعليمها بعض المسؤولية

وما شأني أنا؟
ولما يهتم الأستاذ بتعليم فتاة متعجرفة كيثرب شيئاً؟
أمثالها لا يتغيرون بل يضيعون الوقت فقط

أخبرني الأستاذ بأن أتصرف، لا يهم كيف ولكن يجب أن أجبر يثرب على العمل معي

بما أنها تجاهلتني وإختارت الحرب فلم تترك لي خيار آخر

"سيد تيسيير"
تحدثت باسمة مع عامل الأمن في الجامعة وهو رد علي بإبتسامة واسعة
"صباح الخير أستاذة بهية، كيف الحال؟"

"اريد أنا أطلب منك خدمة"

أجل أنا لست محبوبة من الطلاب لكن الأساتذة والعمال يحبونني وسيفعلون أي شيئ أطلبه، لذا طلبت من حارس الأمن أن يوقف يثرب عند قدومها للجامعة ويأخذها لمكتب الأمن حيث سأقابلها

"ماذا يحدث؟"
سمعت صوت يثرب تتذمر بينما تقترب من مكتب الأمن ثم عندما دخلت ورأتني لم تكن قد فهمت الوضع بعد
"ماذا قالت عني؟، أنا لم أفعل شيئاً"
تذمرت وأشرت لها
"اجلسي"

نظرت لتيسيير الذي إنصرف وأغلق الباب وعندها فهمت الوضع
"كيف تجرؤين على إحضاري بهذه الطريقة؟"

"أنتي من بدأتي"
رددت عليها ببساطة ثم أكملت بلا مبالاة
"هيا لنختر موضوعاً للمشروع، لن نستمر بهذا اليوم بطوله"

جلست على المقعد بغضب ومددت لها الورقة التي دونت بها الأفكار

"رعاية الحيوانات المهددة بالإنقراض"
قالت وأراهن أنها اختارتها فقط لأنه أول خيار وهي أكسل من أن تقرأ الباقي بعقلها عديم القيمة الذي لا يفكر إلا في الأزياء والصور 

"جيد، لنتقابل في المكتبة بعد المحاضرات، في تمام الساعة الثامنة"
إستقمت واقفة

"لست متفرغة"

من تظن نفسها؟

همهمت متحدثة وأنا أرفع حاجباي
"من يدري، قد يمنعك الأمن من الخروج من الجامعة"
قد أفعلها، وبدون ذرة ندم

"هل تهددينني؟"
رفعت صوتها

"أخفضي صوتك يا دمية الأنستجرام، سأنتظرك في المكتبة"
أخذت كتبي وإنصرفت تاركة اياها تكاد تعض الطاولة من الغيظ
عمل جيد يا بهية 

أخذتُ نفساً طويلاً وإبتسمت بإنتصار، أشعر بالرضا والراحة، لن أسمح لتلك الفتاة أن تقوم بإستغلالي، ستعمل رغماً عن أنفها

"بهية!"
ناداني الأستاذ عطية الذي كان يلتقط أنفاسه والعرق يغطي جبينه وكرشه يعلو ويهبط مع أنفاسه السريعة

"ماذا؟"

"الن تساعديني في بحثي؟"

كان هذا قبل أن تضعني أنا ويثرب في نفس الفريق لمشروع التخرج
أما الآن لقد جعلتني أرغب بالإنتقام منك بأسوأ طريقة ممكنه

"كلا"

"لماذا؟"
سأل بتفاجوء

"إعتبره إختبار لك لتتعلم البحث وحدك، تحتاجه كحاجتي لتعليم يثرب العمل"
أخبرته ثم سرت للمصعد
"حظاً موفقاً يا أستاذ"

"بهية، بهية لا تفعلي هذا بي لقد إقترب موعد تسليم البحث"
كان يتوسل وتجاهلته وشغلت المصعد 

بعد إنتهاء المحاضرات ذهبت للمكتبة، جلست وأخرجت شطيرة منزلية الصنع لأتناولها فلا يتاح لي الوقت لآكل بين المحاضرات وأشعر بالدوار مع نهاية اليوم

مرت نصف ساعة
هل ستجرؤ على تجاهلي مرة أخرى؟

يثرب عزازيل
كرهي لكِ يزداد مع كل ثانية اراكِ وأتعامل معكِ بها

سمعت صوتاً ورأيتها تقف عند باب المكتبة
ماذا تنتظر؟ سجادة حمراء؟

"أجل هذه هي المكتبة، أم أنكِ تلتقطين صور لي بعيناك؟"
حادثتها بضجر فقد أضاعت وقتاً كثيراً بالفعل

دخلت وإقتربت من الطاولة بثبات ثم جلست بغضب محدثة صوتاً عالياً

كيف تبدو يثرب؟

فتاة ذات بشرة قمحاوية ادكن من درجة بشرتي، تضع الكثير من المساحيق لدرجة أنكَ لا تعرف ما لون بشرتها حقاً، شعرها أسود ناعم أو هي تقوم بفرده دائماً، ترتدي ملابس حفلات وليس ملابس جامعة، رائحة عطرها قوية لدرجة تصيبني بالغثيان

"ماذا الآن؟"
سألتني بضجر ووضعت أمامها مجموعة الكتب التي سبق وجمعتها، تفاجأت وكانت تتفحصها بإستغراب

"علينا إختيار حيوان مهدد بالإنقراض، هذه كتب بها معلومات عن الحيوانات المهددة بالإنقراض واماكنها وكيفية العناية بها"

"ولما لا تقومين بعمل قائمة نختار منها كقائمة الأبحاث؟"

"لأنني لا أعمل لديك، عليكِ تحريك يديك والعمل أيضاً"

"يمكننا إختصار الوقت والبحث على الإنترنت"
أخرجت هاتفها

"لا يمكنك فعلينا إختيار واحد من هذه الكتب فقط لذا بكل الأحوال عليكِ قرائتها"

فتحت واحد من الكتب بعشوائية
"لنختر هذا"
أعلم أنها إختارته فقط لأنها لا تريد القراءة وهي حتى لا تعلم ماذا قد إختارت

.

2. إعتذار
الوشق المصري
هذا هو الحيوان الذي إختارته دمية الأنستجرام يثرب عزازيل

إختارته ثم فرت هاربة قائلة أن هذا يكفي لليوم، تركتها فقط لأنني أجهز للآتي 

جهزت الكتب للبحث وسِرت في حديقة الجامعة أفكر في ترتيب جدول اليوم بسلام

"أنتي"
توقفت عن السير ووجدت مجموعة طلاب ذكور واناث، لم يكونوا يبدون سعداء

أنا شبح في الجامعة لا أحد ينظر لي في العادة، لما ينظرون لي الآن؟، وكل هذا العدد

إقتربت فتاة بمساحيق كثيرة وهي تشير بإصبعها مهددة
"توقفي عن إزعاج يثرب"

"ماذا!"
رفعت حاجباي بإستغراب

هل يتم تهديدي الآن؟

"توقفي عن إزعاج يثرب بمشروع التخرج السخيف لما لا تقومين به فقط؟، اولستِ دودة الكتب التي تحب أكل الكتب؟، إذاً كُليها وحدك ودعيها وشأنها"
هددني فتى آخر ولا أفهم كيف أتت بهم الجرأة لتهديدي بهذه الطريقة

خطف مني كتبي، حاولت البقاء ممسكة بها لكنه سحبها بقوة حتى كدت اسقط على الأرض وسقطت بعض كتبي على الأرض كما نظارتي
"هل تفهمين أم أكتب على كتبك لتستطيعي فهمي؟"
كان يهددني

فجأة سحب أحد الكتب من يديه ثم لكمه بقوة، أرى رؤية مشوشة، نزلت على ركبتاي لالتقط نظارتي ورأيت الوضع

أعرفكم بزميلي في المكتبة
هشام عسل
طالب في كلية الهندسة لاحظنا أن كلينا نتردد على المكتبة، ويسمح لنا الأساتذة بدخول المكتبة الخاصة التي لا يسمحون بدخول الطلاب بها، بدأنا نتبادل بعض التحايا البسيطة أو أكواب القهوة والوجبات الخفيفة

عندما نرى بعضنا خارج المكتبة نتظاهر بأننا لا نعرف بعضنا، علاقتنا الوحيدة هي زمالتنا في المكتبة

هذه أول مرة يحدث تصادم بيننا، وهو الأن يقوم بلكم الطالب الذي أخذ كتبي، سرعان ما فر بقية الطلاب هاربين

هشام عسل طالب مجتهد لكنه ليس مثلي 
لقد سبق وسمعت عنه شائعات أنه تسبب بفصل بل وسجن الطلاب الذين يزعجونه

"تفضلي"
مد لي كتبي بعد أن جمعها من على الأرض

"شكراً"
إبتسمت له بإمتنان وهو غادر في صمت

لا أصدق أن معجبي يثرب المجانين حاولوا ضربي، هذا جنوني، أعني أعلم بأنهم مجانين ولكن هذا يفوق الحد

لاحقاً استدعانا المدير وكان يسأل بإستغراب عن كيف تورط إثنان من أفضل طلاب الجامعة في شجار كهذا

ولأننا من أفضل الطلاب فلم نتلقى أي عقاب بالطبع، خرجنا من المكتب والطلاب ينظرون لنا بحقد، تبادلت النظرات مع هشام ثم إبتسمنا ضاحكين

إشتريت له بسكويت شاتوه المفضل لديه وكوب قهوة، هذه طريقة شكري على ما فعله، قدمتها إليه عندما تقابلنا في المكتبة، وهذا كل شيئ

لا أعتقد بأننا سنتحدث مرة أخرى
في الواقع أتمنى أن لا نضطر لهذا لأن هذا يعني أن هناك مصيبة قد حدثت

شممت رائحة عطر قوية، اكاد أختنق، وكما هو متوقع رأيت يثرب تدخل المكتبة وتتوقف عند الطاولة التي أجلس عندها

لست مستعدة لشجار آخر اليوم
"أنا آسفة"
سمعتها وشعرت بأنني سمعت شيئ خاطئاً

"ماذا!"

"بشأن الطلاب الذين هاجموك"
حتى في إعتذارها تبدو متعالية، تنظر بعيداً بوجه عابس

يثرب عزازيل تعتذر؟
أعني بالطبع يجب عليها الإعتذار عما حدث فقد كانوا ليضربوني لولا تدخل هشام
ولكنها يثرب المتعجرفة لذا إعتذارها شيئ غريب

"اجلسي لنكمل عملنا على المشروع"
أخبرتها بهدوء فأنا أريد إنهاء المشروع بأقرب وقت لتغرب عن وجهي

"يمكننا الذهاب لمحمية طبيعية والتحدث معهم عن مشروعنا"
أخبرتها وكان يبدو أن الأمر لم يعجبها

"كيف نهتم بحيوان تحت عيون محمية؟، لن يسمحوا لنا بهذا، علينا الذهاب للبحث عن واحد"

البحث عن ماذا؟
هل جُنت؟

"تريدين منا الذهاب للبحث عن الوشق المصري؟"

"أجل، ويمكننا توثيق رحلتنا كجزء من المشروع"

هي تريد محتوى لحسابها على الانستجرام فقط

"أنا أرفض، من الغباء الذهاب للمجهول والبحث عن حيوان نادر، لا أعتقد بأننا سنجده بالأساس"

"لنذهب مرة وإن لم نجده لننفذ فكرتك"

حسناً هذا عادل بالنسبة لي
"موافقة"

"جيد، سأرتب الأمر"
إستقامت واقفة ممسكة بهاتفها

"تعلمي الرد على رسائل الهاتف"
نبهتها لأنه من المزعج أنني على البحث عنها في كل مرة أحتاج محادثتها 

"اتلقى الكثير منها، لا يمكنني الرد"

فهمنا أنكِ مشهورة، أنا لا أهتم
"وكيف اتواصل معكِ إذاً؟"

"راسليني على سناب"

"ما هو هذا؟"
ما هو السناب؟، هل فاتني شيئ ما؟

مدت هاتفها ورأت ايقونة تطبيق مربع اصفر في منتصفه شبح
"هذا سناب"

"الا يستخدم في التصوير؟"

لقد سبق ورأيته من قبل، يلتقطون صور حمقاء به، يضعون على رؤوسهم زهوراً واُذني وأنف كلب، ما اللطيف في أن تجعل نفسك كلباً؟

"به رسائل أيضاً، قومي بتحميله، وهذا اسم حسابي"
فتحت حسابها وأخرجت هاتفي ثم التقطت صورة للاسم

من الأفضل لها أن ترد علي بعد تحميل هذا التطبيق السخيف 

بعد عودتي للمنزل قمت بإنشاء حساب به ثم ارسلت إليها طلب إضافة، بعد مدة وافقت

"متى سنذهب للبحث عن الوشق؟"
ارسلت إليها

علينا إنهاء هذا الهراء بسرعة لأننا في النهاية سنذهب للمحمية وسنحتاج وقتاً لتقديم طلب للقيام ببحثنا

"لما أنتِ مستعجلة؟، أقوم بالتجهيز للأمر"
قرأت ردها ولا أعلم هل تجاهلها مزعج أكثر أم ردودها؟

لديكِ أسبوع واحد فقط، لن نتأخر أكثر من هذا"
أرسلت إليها ثم تركت هاتفي لأقوم بمراجعة المحاضرات التي جهزتها ثم بعدها ارسلتها لمحادثة الدفعة بشكل روتيني

أجل هم حقراء لكن لا يهم فأنا لا أقوم بهذا لأتلقى مقابلاً منهم، وأعلم منذ البداية أنهم يكرهونني

أحياناًً أحب الجلوس في حديقة الجامعة، فقط عندما يكون الطلاب غير موجودين في الأرجاء، أجلس في ركن بعيد

قد لا ابدو كذلك لكن أحياناً أحب قراءة الروايات، عندما يكون مزاجي جيداً فقط، واليوم إنتهيت من جميع مهامي باكراً لذا قررت إستثمار بعض الوقت في قراءة رواية

"ايتها المجنونة توقفي عن التحرك"
سمعت صوت صراخ افزعني، تلاه صوت سقوط قوي 

ما هذا؟، ايفترض بي تفقد الوضع؟

تحركت تجاه الصوت بحذر ووجدت فتاة بشعر مموج بُني مائل للحمرة، صاحبة بشرة قمحاوية وعيون بُنية داكنة، مظهرها عشوائي جداً، بالأخص مع ملابسها التي تتكون من هودي أحمر وبنطال رياضي باللون الأخضر وتمسك في يديها هرة صغيرة، أوراق الأشجار والتراب على ملابسها، من الواضح أنها سقطت بينما تتسلق شجرة لتحضر الهرة

"هل أنتِ بخير؟"
سألتها بهدوء ممزوج بتردد، أحب بنطالها لأنه باللون الأخضر

"امسكي هذه الهرة للحظة"
قالت ومدت لي الهرة سريعاً وشعرت بالإرتباك لأنها قالت هذا فجأة، فتحت سحاب معطفي ووضعت يداي في الجيب ثم أخذتها بحذر لأمسكها به، من الأفضل أن لا تخدشني تلك الهرة

قامت تلك الفتاة وبدأت تنفض التراب والأوراق عن ملابسها ثم تحركت والتقطت حقيبتها التي لاحظتها للتو، حقيبة ظهر برتقالية

مدت يدها الي وأعدت لها الهرة
"شكراً"
قالت باسمة

تبدو فتاة لطيفة
غريبة ولكن لطيفة

"ما اسمك؟"
إستغربت سؤالها، لم يسبق أن سألني أحد عن اسمي في هذه الجامعة من قبل (أو حتى خارجها) أنا مجرد شبح
"بهية"

مدت يدها التي كانت متسخة بالتراب طالبةً المصافحة، ثم عندما لاحظت اسرعت ومسحتها في بنطالها ومدتها مرة أخرى
"وأنا آش"

"لقد جهزت كل شيئ لرحلة البحث عن الوشق المصري"
قرأت رسالة يثرب بعد أن غسلت أسناني

جيد، لننهي هذا بسرعة لنذهب للمحمية
"متى سنذهب؟"

"نهاية الأسبوع"

بقي يومان، ليس سيئاً، يمكنني الإنتظار، بما أن كل شيئ عاد كما كان، فلم يقم أحد بمحاولة ضربي، أسير كشبح كما اعتدت إن أفعل

"هل سمعتي الشائعة؟"
سألتني شمس ونقرت بإصبعها الكتاب الذي اقرأه لأنتبه إليها

كنت أجلس معها في قاعة فارغة في آخر طابق في مبنى الكلية، عندما تكون جميع الطوابق مزدحمة أجلس هناك مع شمس

مهلاً ماذا قالت؟
هل قالت شائعة؟، ولما قد أهتم بشيئ كهذا؟
أم أنها شائعة عني؟

"شائعة؟"
إستفسرت منها وأنا أتمنى أن لا يكون اسمي في هذه الشائعة

"يقولون أن يثرب عزازيل تقوم برشوة الأساتذة لتنجح في الإختبارات"

رشوة!
أعني من الواضح أن تلك الفتاة لا تقوم بالدراسة فهي بالكاد تحضر المحاضرات لتقوم بالتقاط الصور فقط، لذا أرجح أن هذه الشائعة صحيحة

"يقولون أيضاً أن الأستاذ الذي يرفض الرشوة تقوم بأغواءه"
أضافت شمس وهذا كان مفاجئاً بشكل ما

أعني، يثرب هي فتاة مزعجة، وقحة، مغرورة، ولكن هل تفعل شيئاً كهذا؟، إغواء الأساتذة!

أنا أتعامل مع جميع الأساتذة، أجهز لهم محاضراتهم وأساعدهم في دراساتهم وابحاثهم واعداد الإختبارات، ولكن إن سألتموني عن ثقتي في أخلاقهم فإن الإجابة هي لا أعلم ففي النهاية الرجال هم رجال

فيما عدا أن هناك أستاذتان تقومان بتدريسنا فإن الباقي رجال، وبذكر الأستاذتان فأنا متأكدة من أخلاقهن نوعاً ما، بالأخص الأستاذة حليمة، لا تطيق يثرب لذا لا أعتقد أنها ستقبل رشوة منها

في ماذا أفكر؟
منذ متى أهتم بالشائعات؟
لتقم برشوتهم أو حتى لتنم معهم، ما دخلي أنا؟

"أتعتقدين بأن هذه الشائعات حقيقية؟"
سألتني شمس والفضول يقفز من عينيها

"أنا لا أهتم فهذا لا يخصني"
رددت عليها وعدت لقراءة كتابي الذي أحمله

آخر ما يهمني هو الشائعات، فما بالك إن كانت عن يثرب

"كيف يجري مشروع تخرجك؟"
سألتني والدتي ونحن نجلس حول مائدة الطعام

والدتي إمرأة عاملة، تدير مؤسسة خيرية، هي من علمتني العطاء بلا مقابل، أتمنى أن أصبح مثلها في المستقبل

همهمت كرد، أعلم أنها قلقة لأنني لم أحادثها عن المشروع، ففي العادة أروي لها عن ابرز أحداث يومي لكن مؤخراً لم أخبرها بأي شيئ عن مشروع التخرج

"لا أقصد الضغط عليكِ، أنا فقط قلقة"

أمي إمرأة متفهمة ولطيفة وأطلب رأيها أحياناً إن صادفني موقف معقد، ولكن أشعر ببعض الحرج من محادثتها عن يثرب لأنني أشعر بأنه أمر طفولي

"شريكتي في المشروع فتاة مهملة ومزعجة، أحاول التأقلم مع الأمر"

في الواقع أنا أخبرها لتقوم بتهدأتي فهي جيدة في الحفاظ على ثباتها الإنفعالي، كما أنها في العادة تلفت نظري لأشياء جديدة

همهمت والدتي ثم سألت
"لما تقولين هذا عنها؟"

"لأنها كذلك، لا تهتم إلا بملابسها والتقاط الصور وتريدني أن أقوم بالمشروع نيابة عنها"

"يمكنك جعلها تعمل معك بمعاملتها بطريقة حسنة، ستجبرينها على إحترامك أيضاً، لكن لا تصفي أحد بصفات سيئة وتتوقعي منه التصرف بعكسها، حتى اللطف له طريقة حازمة، يمكنك أن تكوني حازمة ولطيفة في نفس الوقت"

هذا صحيح، هذا أسلوب والدتي وأنا لست بارعة مثلها، أمي إمرأة عطوف جداً وتساعد الجميع لكنها أيضاً حازمة، أما أنا فأنا لا أحب التعامل مع الناس لذا أتجنبهم

كنت أخفض رأسي وأوجهه للأرض وهي وضعت يدها على ذقني لترفعه
"ارفعي همتك، لديكِ مشروع تخرج وفتاة جميلة للتعامل معها"
كانت تتحدث باسمة محاولةً التخفيف عني

"فتاة جميلة؟"
إستنكرت وصفها ليثرب

"ما دامت تحب التقاط الصور والأزياء بالتأكيد هي جميلة وأنيقة"
ردت والدتي بتلقائية ورفعت حاجباي ببلاهة فأنا لا أعترف بجمال يثرب، لا أعرف كيف يبدو وجهها الحقيقي فهي تختبأ خلف مساحيق ثقيلة دائماً
"ربما"

بعد الحديث مع والدتي تجدد رصيد صبري، وقررت مسامحة الأستاذ عطية وسلمته أوراق بحثه وأخذ يشكرني على أنني لم أتخلى عنه

كان هناك وقت بين المحاضرات لذا ذهبت لمنطقة الطعام وإشتريت كوب قهوة وكرواسون وبينما أسير لأخرج سمعت صوتاً عالياً 
"بهية"

كانت يثرب تافهة عزازيل، نادتني بصوت مرتفع جاعلةً الجميع ينظرون إلي، أنا أكره أن أكون محط الأنظار

أريد أن تنشق الأرض وتبتلعني لأختفي عن الأنظار 

هرولت إلي ثم توقفت أمامي، ما كل هذه الحماسة؟
"سنتحرك غداً عند السادسة صباحاً، لنتقابل عند موقف الحافلات، ستجدين السيارة التي ستوصلنا للمكان هناك"

"عفواً، إلى أين سنذهب؟"
حتى الآن لم اسألها عن المكان الذي سنبحث به

"الصحراء"
ردت ببساطة

رائع
لن أعلق، سنذهب ولن نجد شيئاً وسنعود في النهاية وعندها سأخبرها أنه لا يحق لها أن تقرر أي شيئ في المشروع

أريد الإبتعاد عن عيون الطلاب 
"حسناً"
رددت وسرتُ مبتعدة وخرجت من منطقة الطعام، أشعر بالمرارة في حلقي وأكاد أستفرغ من التوتر والضغط

دخلت المصعد وقبل أن ينغلق سمعت صوت خطوات، هناك من يركض، رأيت الفتاة التي سبق ورأيتها مع الهرة الصغيرة

آش

قفزت داخل المصعد وحذرها العامل بحدة
"أنتي!، غير مسموح للطلاب بإستخدام المصعد"

أشرت له
"هي معي"
لا أعلم حتى لما فعلت هذا

أنغلق باب المصعد وكانت تلتقط أنفاسها، ترتدي نفس الهودي الأحمر والسروال الأخضر والحقيبة البرتقالية، لكن ملابسها أقل اتساخ من المرة السابقة وشعرها أقل فوضوية

"شكراً"
قالت وهي تلتقط أنفاسها

"أي طابق تقصدين؟"
سألتها وضغطت على زر الطابق الثالث
"لدي محاضرة مهمة، أخشى أن يطردني الأستاذ لقد هددني بأنه سيجعلني أرسب إن لم آتي في الموعد"
كانت تبدو قلقة

لا أعلم لما أشعر بأن هذه الفتاة لطيفة رغم أنني لم أرها سوى مرة واحدة وفي يدها هرة صغيرة
وللعلم أنا لا أحب القطط

"ما تخصصك؟"
سألتها، أعلم بأن الطابق الثالث لكلية الهندسة، ولكن به عدة أقسام أيضاً

"الهندسة الميكانيكية"
ردت ثم إنفتح المصعد وخرجت راكضة

هل أتركها تذهب؟، لقد تأخرت وأعرف أن الأساتذة حازمين فأنا أعرفهم جميعاً

وما دخلي أنا؟

انغلق باب المصعد وصعدت للطابق الخامس لكن بالي ظل مشغولاً

قد أندم على هذا

أو قد لا أفعل

تتحدث والدتي دائماً عن العطاء بلا مقابل، العطاء لمجرد العطاء، أعتقد أنني أريد هذا الآن

نزلت للطابق الثالث وسرت لقاعة محاضرات قسم الهندسة الميكانيكية ووجدت آش تقف في الخارج خائبة الآمال وغاضبة

"تعالي معي"
تفاجأت عند رؤيتي وقالت بإحباط
"لقد رفض دخولي، سأرسب على الأرجح"

سحبتها من يدها وفتحت الباب، كان الأستاذ رمزي عابساً لكنه إبتسم فور رؤيتي
"بهية!"

"كيف الحال يا أستاذ رمزي؟"

"سعيد برؤيتك، هل تلك الفتاة معك؟"
سأل ونظر لآش

"أجل، أيمكنني أن أستسمحك وتتركها تحضر معك اليوم؟، هي لم تتأخر عمداً وترغب في الحضور"

أكره الطلاب الذين يدخلون قاعة المحاضرة للثرثرة أو التقاط الصور، ولكني احترم أي طالب يرغب حقاً في الحضور والإستماع للشرح حتى ولو كان متأخراً، المهم أنه يريد أن يتعلم 

"يسرني فعل أي شيئ من أجلك لكن تلك الفتاة تقديراتها منخفضة أيضاً، لا أمل يرجى منها"
قال وكانت آش ستتحدث، أشعر بغضبها فسبقتها 
"آش، أذهبي للجلوس سأتحدث مع الأستاذ وحدنا"

"ما دامت تريد الحضور فلديها نية للإلتزام، ولا يحق لنا احباط من لديهم القابلية ليكونوا طلاباً مجتهدين فبدلاً من طردهم وجعلهم يرسبون يمكننا إحتوائهم وسيصبحون ناجحين مع الوقت، فمن يستيقظ ويخرج من منزله ويدخل الجامعة باذلاً كل هذا الجهد لديه القابلية للتغيير"
أخبرت الأستاذ

"أستاذ"
كان هشام عسل، نسيت أنه في نفس التخصص، إقترب ليشاركنا الحديث
"سأقوم بتدريسها بنفسي وأعدك أنها ستحصل على درجات عالية"

يبدو أنني لست الوحيدة التي أشعر بالاُلفة تجاه تلك الفتاة

إستسلم الأستاذ رمزي في النهاية
"حسناً، لكما ما تريدان"

رغم أن جميع الطلاب في قاعة المحاضرات كانوا ينظرون إلي ويتهامسون لكني لم أكن مهتمة، فأنا أساعد، وهذه المرة على الأقل من أساعده لا يلقبني بدودة الكتب

.

3. الخطة باء
مشكلتي لا تكمن في الإستيقاظ مبكراً، أو حتى الذهاب لرحلة برية للمجهول في الصحراء، مشكلتي الوحيدة هي يثرب عزازيل

جهزت حقيبة بأغراض لازمة
مناديل جافة ومناديل مبللة، جل التعقيم لليد، واقي الشمس، مياة، أدويتي، فوطة صحية، بنطال إضافي، معطف، علبة الإسعافات الأولية، ربطة للشعر، ولاعة، علبة ادوات خياطة، كمامة، بخاخ طارد للحشرات، شاحن متنقل، علبة غداء تحوي شطائر جهزتها لي والدتي، قبعة، هاتف لاسلكي، وكوبي حافظ الحرارة الذي يحوي قهوتي

أعلم بأننا قد لا نحتاج كل هذا لكن الإحتياط واجب، واُفضل أن أحضر أشياء لا أستخدمها على أن تحدث مصيبة أحتاج فيها شيئ ولا أجده

ودعتني والدتي بقُبلة على جبيني وأخبرتني أن أبقى على إتصال معها لتطمئن، ذهبت لمكان الإلتقاء ووجدت السيارة، عندما فتحت الباب وجدت يثرب تجلس ممسكة هاتفها

بصراحة توقعت أن تتأخر، لكنها تجلس مرتدية ملابس مبالغ بها كعادتها، وتضع مساحيقها الثقيلة، والأسوأ هو عطرها الذي يكاد يخنقني

أنا أعاني من حساسية الصدر لا يمكنني إحتمال الروائح، الدخان، وحتى الأتربة، صعدت وفتحت نافذة السيارة 

"الجو بارد لما تفتحينها؟"
إعترضت يثرب

"لأن عطرك يصيبني بالغثيان"
أجبتها

لحسن حظي لم ترد وظلت صامتة طيلة الطريق، وبعد رحلتنا الطويلة وصلنا لوجهتنا، وضعت واقي الشمس قبل أن أنزل تلاها قبعتي لأحتمي من الشمس ثم نزلت

كانت يثرب تقوم بإلتقاط الصور وطلبت من السائق أيضاً أن يلتقط لها الصور، هذه الرحلة بأكملها هي مجرد جلسة تصوير لها

حاولت محادثة والدتي لكن لم يكن هناك إشارة لشبكة الهاتف، ليتني حادثتها في طريقي

لا بأس، فنحن لن نبقى هنا طويلاً بأي حال
إقتربت من يثرب بثبات، كانت تتفقد هاتفها لتقيم الصور التي التقطها السائق على الأرجح

كانت ملابسها لا تناسب هدفها من الرحلة، ترتدي بنطال جينز أزرق ضيق وهودي باللون السكري قصير يظهر معدتها، وشعرها منسدل على ظهرها

"الن نبدأ بالمهمة التي أتينا للقيام بها؟"
سألتها بضجر وأبعدت نظرها عن الهاتف لتنظر إلي
"بالتأكيد، أين نبحث؟"

هل تمزح معي؟

"أنتِ من أحضرتينا إلى هنا، لذا يفترض أن لديكِ خطة"

تعبيرات وجهها ليست مطمئنة، لم يكن علي الإعتماد عليها، فحتى لو أردتها أن تتحمل المسؤولية كان علي تجهيز خطة إضافية

"لنبحث هناك"
أشارت بيدها وأنا متأكدة أنها لا تعرف شيئاً لكنها تعاندني لأنها لا تريد الإعتراف أنها أتت لإلتقاط الصور فقط

قررت مجارتها، أخذت حقيبة ظهري معي ثم تبعتها وبدأنا نسير في المجهول

"نحن نبتعد، لنعد"
أخبرتها وهي أصرت
"كلا، لنتابع، سنجد شيئاً"

كانت تقوم بالتصوير بهاتفها، متأكدة أنها لا تريد العودة لأنها تقوم بتصوير مغامرتها الشيقة لمتابعينها الأغبياء

"لن نصل لشيئ لنعد"
رفعت صوتي

"لنصل لتلك الصخرة ثم لنعد"
أسرعت في خطواتها وعندها قررت البقاء مكاني، لتذهب هي، أخرجت زجاجة الماء لأشرب، وإنتظرت حتى عادت أدراجها

بدأنا نسير عائدين لمكان السيارة
هناك شيئ غريب
أنا متأكدة أن السيارة كانت هناك، حتى أنني رأيت آثار إطاراتها

أين السيارة؟

"لقد تعبت، هل إقتربنا؟"
تذمرت يثرب وحقاً لا ينقصني في موقف كهذا إلا سماع تذمراتها

"كانت السيارة هنا"
أخبرتها وهي نظرت لي بإستهجان
"حقاً!، وأين هي؟، هل ذهب وتركنا مثلاً؟"

تمالكت أعصابي لأن هذا ليس أفضل وقت للشجار وأشرت لآثار الإطارات على الرمل التي بدأ الهواء يمحيها
"أنظري، هذه آثار الأطارات"

"ربما مررنا من هنا فقط"
لا أعلم لما هي مُصرة على أن تظل فتاة غبية، أم أنها تعتقد أن إنكار كوننا تائهتين سيدلنا لطريقنا

"لنسر لهناك، سنجد السيارة بالتأكيد"
لا أعلم من أين أتت بتلك الثقة لكننا تهنا وإنتهى الأمر لذا لا بأس بالسير معها لأجد ذريعة للصراخ في وجهها لاحقاً، وقد أشدها من شعرها أيضاً

وبعد ربع ساعة من السير أخبرتها أن علينا التوقف وهي ظلت تردد بأن علينا السير للبحث عن السيارة، طفح كيلي وصرخت بها
"توقفي، نحن تائهتان"

بدأ يظهر عليها علامات الفزع، رائع هذا ما كان ينقصني، جلست على صخرة، كانت ساخنة للغاية لكن لا يهم، أخرجت صندوق الطعام لأنني لا أفكر بمعدة خاوية، كانت تراقبني كالجرو لذا مددت لها شطيرة في النهاية

أخذتها بتردد ثم بدأت تلتهمها، تبدو فتاة طبيعية لأول مرة في حياتها، لا تتصنع في هذه اللحظات فهي تأكل بشكل طبيعي

"هل لديكِ خطة؟"
سألتني بتردد واضح

"أجل"
إستخدمت المعقم ليداي بعد أن أنهيت الشطيرة ثم شربت رشفات من قهوتي وإستقمت واقفة، أخرجت الهاتف اللاسلكي وحاولت البحث عن أي ترددات

لا فائدة من الفزع، علي التصرف بحكمة، فحتى لو لم أجد ترددات الآن سأجد لاحقاً بالتأكيد

"ماذا تفعلين؟"
سألت يثرب بفضول

"لا إشارات، علينا التحرك للبحث"
بدأت أسير وتبعتني، كانت مهذبة وهادئة

بدأت الشمس تغرب وسمعنا صوت محرك سيارة، ركضنا ناحيتها لكنها لم نجد سوى الأتربة التي خلفتها خلفها

وشيئ آخر إضافي
جثة
جثة لحيوان الوشق

لا أصدق بأنني أرى الوشق أمامي حقاً، لكنه ميت، لقد دهسته السيارة، نزلت على ركبتاي لتفحصه، إنها أنثى، ويبدو أنها وضعت مولودها حديثاً

بدأت أبحث بعيناي حولي، لا يفترض أن يكون اولادها بعيداً عنها

"ماذا تفعلين؟"
سألت يثرب بإستغراب بينما أقوم بالبحث في المكان، تجاهلتها وأكملت بحثي حتى وجدت صغير الوشق، وهو حقاً صغير كقطة، كان خائفاً وعضني وخدش يدي لكني أمسكت به بأي حال
"وجدت صغير الوشق"

كانت تنظر إليه بدهشة
"اتلك والدته؟"
إستوعبت الوضع أخيراً

مررت يدي عليه برفق ليطمئن لي، هو حقاً كالقطط، أخرجت من حقيبتي شطيرة وأطعمته منها

"ماذا عن اللاسلكي؟"
سألت يثرب وأخرجت اللاسلكي لأجربه مرة أخرى

"هل يسمعني أحد؟"
بدأت أردد حتى وصلني رد
"من يتحدث؟"

صرخت يثرب وقفزت بحماس، كانت تقوم بالتصوير بإستمرار رغم المصيبة التي وقعنا بها، وصفت المكان وأخبرني أنهم سيرسلون فرق رجال شرطة للبحث عنا وأن لا نقلق لكن علينا أن نتحلى بالصبر

لا أمانع الصبر فأنا متأكدة أننا سنكون بخير، المنطق يقول بأننا لن نموت إلا إن علقنا هنا لأيام، وهذا لن يحدث لأنني واثقة من أن هناك حمقى كيثرب يأتون إلى هنا وسيجدوننا في النهاية

غربت الشمس وإستخدمت المصباح اليدوي الذي أحضرته معي، لا يمكننا إشعال النار لأنه لا يوجد حطب حولنا 

جلسنا على الرمال التي هدأت حرارتها مع غروب الشمس وأرحت ظهري على صخرة، تأملت السماء وأنا أفكر في أن اليوم ليس سيئاً بالكامل بينما أداعب صغير الوشق الجالس على فخذاي والذي كان يلعب بالخيط المتدلي من الهودي الذي ارتديه

إبتلعت حبة من حبوبي لأن حساسيتي كانت في اسوأ حالاتها بسبب التراب، كنت منهمكة في الأحداث ونسيت وضع الكمامة، والآن أدفع الثمن

بينما كنت أعاني لأتنفس سمعت يثرب تسأل بهدوء
"لما تكرهينني؟"

نظرت إليها ووجدت تعبيرات وجهها جدية، كانت تتسائل حقاً
"أعلم ما تقولونه عني بأنني دودة كتب وعلي العمل وحدي على المشروع"
أجبتها ببساطة رغم غضبي من فكرة السؤال ذاتها لأنها تتظاهر بالبراءة

"أنا لا أقول عنكِ شيئاً، وكنت فقط أريد التريث بشأن المشروع ولا أراه يستحق كل هذا الجهد، لم أقصد التهرب"

كان شعرها يتطاير مع الهواء على وجهها وتمد يديها محاولةً ابعاده، أخرجت لها ربطة شعر وشكرتني بهدوء

لا أعلم لما قررت تصديقها
ربما لأن والدتي علمتني أن لا احكم على الناس بسطحية
وأن علي أن أمنح الناس فرصة ثانية دائماً

أخرجت يثرب من جيبها علبة سجائر وولاعة ثم أشعلتها، كنت أشعر أنني أتخيل الأمر حتى خنقني الدخان وبدأت أسعل

"ماذا تفعلين؟"
صرخت بها وإبتعدت عنها بسرعة كي أبتعد عن سحابة الدخان

"ادخن!"
ردت ببلاهة، يالها من معلومة رائعة!

أعلم أنني أضع نظارات ولكن هذا لا يعني أنني عمياء
"اطفئيها"
أخبرتها مستجمعة ما تبقى بي من صبر

"لما؟"
لا أرى تعبيرات وجهها بسبب الظلام ولكن النبرة كافية لإستفزازي

"أنا مصابة بحساسية الصدر، لا أحتمل الأتربة والأدخنة"
لا أصدق أن علي التبرير لسبب كرهي للتدخين

لا يوجد أغبى من المدخنين، تخيل أن تقوم بشيئ يسبب لك أمراض متنوعة، ما الممتع في أستنشاق الدخان إلا إن كان لك ميول إنتحارية 

"سأدخن بعيداً"
قالت يثرب بملل، وأشعلت مصباح هاتفها الذي كانت قد شحنته بشاحني المتنقل. تحركت مبتعدة، لكن بعد لحظات سمعتها تصرخ

هرعت نحوها، محركة مصباحي لأرى ما حدث، كانت واقعة على الأرض، سروالها الضيق تمزق بسبب السقطة، وهناك خدوش ظاهرة على ساقيها

ساعدتها على الاعتدال في جلستها وقلت بدون تفكير "اخلعي بنطالك"

نظرت إلي بصدمة وصرخت
"ماذا!"

تنهدت، متحملة دهشتها غير الضرورية، وقلت
"لدي سروال إضافي" 

فتحت حقيبتي، وأخرجت سروالاً رياضياً وعلبة الإسعافات الأولية، وسألتها
"هل تفضلين تعقيم الخدوش بنفسك أم أفعلها أنا؟"
لم أرد أن تتهمني بالتحرش

نظرت إلي بعناد وأخذت علبة الإسعافات، قائلة
"يمكنني فعلها"

أدرت ظهري لها، مستغلة الوقت لتفقد اللاسلكي والتأكد من أن الشرطة لم ينسونا. سمعت منهم عبر الجهاز أنهم يقتربون وأنهم يدورون في المنطقة بحثاً عنا

بعد لحظات، قالت يثرب بنبرة أكثر هدوءاً
"شكراً"

استدرت لأجدها ترتدي سروالي الرياضي وتعيد لي علبة الإسعافات
السروال كان يبدو مختلفاً عليها بسبب أفخاذها الممتلئة ومؤخرتها البارزة، ولحسن الحظ أنني كنت قد أحضرت سروالاً واسعاً يناسبها، وإلا لما مر على فخذيها

وضعت علبة الإسعافات في حقيبتي، ثم رششت يدي ببخاخ البعوض، ووضعت الوشق الصغير داخل الهودي قرب صدري لحمايته من البرد

"كيف تحملين كل هذا في حقيبتك؟"
سألتني يثرب بفضول

أجبتها بلا مبالاة
"هذه ضروريات أحب حملها دائماً"

هذا شيئ لن تفهمه فتاة تحمل فقط أدوات التجميل وهاتفها

وفجأة، سمعت صوت سيارة قادمة، فركضت يثرب بسرعة نحوها، تصرخ وتقفز
"هنا!"

لقد وجدونا أخيراً

صعدنا إلى سيارة الشرطة، وبدأوا يسألوننا عن سبب وجودنا في الصحراء. تجنبت ذكر حادثة الوشق، كنت أعلم أنهم لن يهتموا به كما يجب، وربما لن يعيدوه إلى المحمية، لذا قررت أن أتحمل مسؤولية أخذه للمحمية بنفسي

لحسن الحظ، كان الوشق الصغير نائماً بهدوء قرب صدري، دون أن يصدر أي صوت طوال الطريق، وما إن وصلنا إلى منطقة تعمل فيها شبكة الهواتف حتى انهالت علينا الاتصالات

اتصلت بوالدتي، التي كانت قلقة للغاية، طمأنتها قائلة
"أنا في طريقي للمنزل، سأروي لكِ ما حدث عند وصولي"

لم يوصلونا حتى منازلنا بالطبع فهذه ليست سيارة أجرة، لذا نزلنا عند قسم الشرطة وبعد الإستجواب مرة أخرى أوقف سيارة أجرة وغادرت بدون النظر خلفي

لا طاقة لي للمزيد من الأحاديث مع يثرب عزازيل

حين وصلت المنزل، كانت والدتي بإنتظاري، هادئة كعادتها، تتمتع بقدرة عجيبة على التعامل مع أي ظرف مهما كان مفاجئاً، طلبت مني أن أستحم وأبدل ثيابي، وأخبرتني أنها ستجهز لي الطعام

دخلت الحمام منهكة وبينما أنزع ثيابي تذكرت الوشق الصغير الذي ينام في حمالة صدري، لقد نسيت وجوده تماماً، وضعته على سريري برفق ثم عدت للحمام

بينما أستحم كنت أفكر في حديث والدتي عن يثرب ثم حديث يثرب نفسها عن أنها لم يسبق أن تحدثت عني بالسوء وبدأت مشاعر الذنب تتسلل إلى قلبي لأن ظنوني كانت سيئة، لقد علمتني والدتي أن أحسن الظن بالناس دائماً لكن أجد صعوبة في هذا بالأخص مع شخص كيثرب

قررت أن أفتح صفحة جديدة معها، وأن أغسل أحكامي السابقة عنها كما غسلت الأتربة عن جسدي، بعد إرتداء ملابس نظيفة جلست حول المائدة مع والدتي وبدأت أروي لها ما حدث، وقالت بأنني أحسنت عملاً، وتصرفت بشكل جيد

حادثتها بصراحة عن شعوري ناحية يثرب وأنني أشعر بالذنب لحكمي عليها، وأخبرتني أنه لا بأس بإرتكاب الأخطاء لأننا نتعلم منها، أعلم هذا، لكنني إحتجت لسماع هذا الكلام

دخلت غرفتي واستلقيت على السرير لأنام، لقد كان يوماً مليئاً بالأحداث وأشعر بالألم في مفاصلي، أحتاج نوماً عميقاً

في صباح اليوم التالي، استيقظت على صوت الحركة في الغرفة، وعندما فتحت عيناي، رأيت صغير الوشق وهو يلعب بقلمي على الأرض

كان يتصرف بحيوية كأنما هو هر صغير، يركض هنا وهناك ويحاول الإمساك بالقلم بين مخالبه الصغيرة
على الرغم من كونه ينتمي لفصيلة مفترسة فقد كان يذكرني بالقطة الضالة التي لم تكتشف عالمها بعد

تسللت للمطبخ وأحضرت له قطعة دجاج، بعد أن أطعمته تفقدت رسائل هاتفي، كان هناك رسائل من يثرب
"أشكرك على مساعدتي"
ثم تلتها رسالة أخرى
"كيف حال الوشق الصغير؟"

إبتسمت وأنا أنظر إليه بينما يأكل بنهم، كان يواجه صعوبة في المضغ لأن أسنانه لم تنمو بالكامل التقط صورة له وأرسلتها إليها

رأيت أيقونة الكتابة، هي مستيقظة الآن؟
"يبدو كقطة"
"أرى أن نجعل موضوع مشروعنا هو الإهتمام بصغير الوشق المصري"

"لا مشكلة، سنستطيع التفاوض مع المحمية عندما نأخذه إليهم ولا أعتقد أنهم سيمانعون لأننا من أحضرناه"

"لا أقصد هذا"
"أقصد أن نقوم نحن فقط برعايته"
تفاجأت من ردها، ليس كثيراً ففي النهاية هذه يثرب عزازيل

نحن فقط؟
وما نوع الخبرة التي نمتلكها لنهتم بحيوان مهدد بالإنقراض؟
أنا لا أحب التهور الغير ضروري

"كلا، من الأفضل له أن يكون محاطاً بالخبراء وليس بطالبتين في سنة التخرج"
رددت عليها

"شهر واحد فقط"

هل تعتقد أنني هكذا سأقتنع؟
حتى لو أسبوع واحد فأنا لا أوافق

"شهر واحد هو مدة كبيرة للقطط"

"ما رأيك أن تسألي الأستاذ عن رأيه؟"

من أين تأتي بهذه الثقة؟
الأساتذة لا يطيقونها

"لا أحتاج سؤاله، سيجيبني بأن أختار ما أريد، وأنا أرفض"

"لقد تراهنا على أننا سنجد الوشق وقد وجدناه بالفعل كما أخبرتك، وبما أنني ربحت الرهان فأنا أختار أن نحتفظ به لشهر"

لقد نسيت هذا الرهان السخيف

"حسناً لكنه لن يبقى في منزلي"

"لا مشكلة، سآخذه أنا"

أشعر بأن هناك مصيبة ستحدث، ولكن ما دام سيظل معها فهي ليست مشكلتي

.



4. الحب وحده هو الذي يطهر قلوبنا
فصيلة القطط حيوانات مزعجة
لم أنم جيداً بسبب إزعاجها، ثم خبأته في ملابسي لأذهب به للجامعه لأسلمه ليثرب وعندها قفزت وفرت هاربة، وها أنا أركض خلفها

بينما أفعل فجأة أمسك شخص بها، كان هشام
"هل هذا الوشق؟"
سأل وهو يحملها من مؤخرة عنقها ويتفحصها

"شكراً"
شكرته ومددت يدي إليه ليعطيني الوشق

"لما لم تحضري صندوقاً للقطط؟"
سأل وكان محقاً بنسبة ما فمن الغباء حمل قطة بهذه الطريقة فما بالك بالوشق، ولكني أتيت لتسليمه ليثرب فقط ولن أشتري صندوقاً بالأخص لشيئ كهذا

"قصة طويلة"

"بهية!"
كان صوت يثرب العالي، متى ستتعلم أن تتحدث بصوت منخفض؟، لا أحب أن أكون محط الأنظار

لم التفت إليها وإنتظرت حتى إقتربت هي ووقفت أمامي ثم مددت لها الوشق
"تفضلي"

أخذته مني وسألتها عندما وجدتها تمسكه بيديها فقط
"أين الصندوق؟"

"أي صندوق؟"
ردت ببلاهة

"الذي ستضعين فيه الوشق"

"ايفترض أن أحضر صندوقاً؟"
لما هي بكل هذا الغباء؟

"سآخذه للمنزل الآن، لن يحدث شيئ"
قالت وبينما تبتعد أشار هشام عليها لالتفت ووجدت أن الوشق قد هرب منها وهي تركض خلفه

رائع!

"أحضري صندوقاً من المخزن، سأمسك به"
قال هشام وأومأت له ثم ذهبت للمخزن وأحضرت صندوقاً كرتونياً، صنعت به ثقوباً وأخذت معي شريط لاصق 

بينما أخرج من المخزن إصطدمت بآش
"أعتذر"
قالت بسرعة وأخذت الصندوق مني
"ما هذا؟"

"لدي مشكلة صغيرة"

"يمكنني المساعدة"

أعتقد أن الفتاة السريعة ستكون مفيدة حقاً لذا قبلت عرضها، التقيت بهشام الذي كان يحمل الوشق من مؤخرة عنقه ثم وضعه في الصندوق وأغلقته بالشريط اللاصق لأضمن أن لا يهرب

"هل ستستطيعين أخذه لمنزلك بدون الوقوع بمصيبة؟"
سألت يثرب البلهاء التي ردت
"لا أعلم، هل تساعدونني؟"

هشام لم يكن معجباً كبيراً بيثرب لكنه مد يده بضيق وأخذ الصندوق
"أين منزلك؟"

"سآتي معكم"
قالت آش، لا أعلم ما الممتع بأخذ حيوان منقرض لمنزل الفتاة المشهورة لكن آش دائماً متحمسة

آش كانت تثرثر بإستمرار طيلة الطريق، وكان هشام يرد عليها ببضعة كلمات، هو أفضل مني في هذه الظروف

بعد وصولنا للمنزل أصرت يثرب أن ندخل، وأصررنا على المغادرة حتى تدخلت والدتها وأصرت أن ندخل جميعاً، لذا كان علينا الدخول

منزل نجمة الجامعة كان تماماً مثلها، رائحته كالحلوى، أثاثه بألوان هادئة ولكن هناك قطع زينة مميزة بألوان صاخبة وأشكال غريبة، قدمت لنا والدتها العصير وقطعة كعك وعلى عكس الأمهات التي تصرخ عندما يحضر أحد أبنائها حيواناً معهم فقد كانت مسرورة وتلعب مع الوشق وكأنه هرة

هل هي حقاً والدتها؟
لا عجب بأنها فتاة مدللة

"أشكركم على مساعدة يثرب، هي فتاة خرقاء أحياناً"

"أمي!"
تذمرت يثرب

حتى أنا أعترض على وصفها، فهي فتاة خرقاء دائماً

"لا حاجة للشكر، اسمحي لي على العودة للمنزل"
إستقام هشام واقفاً وتبعته أنا وآش

"لما؟، عليكم تناول الغداء معنا"

"ربما مرة أخرى، سررنا بمقابلتك"
كان هشام صاحب البق لسان فينا لذا تركناه يتحدث

"ياللهول منزلها رائع، أريد زيارتها مرة أخرى، لقد رأيت جهاز العاب فيديو، أريد تجربته"
كانت آش تتحدث بحماس 

أنا لست من محبي العاب الفيديو
ولست من محبي يثرب لذا لا أهتم 

"ما رأيك؟"
سألتني آش

"لا أعتقد بأنني سأزورها مرة أخرى"
رددت بصراحة

"لما؟، اليست شريكتك في مشروع التخرج؟"

"أجل، لكن ليس علي زيارتها في منزلها لأتمم المشروع"
غيرت الموضوع
"ما الأخبار مع الدراسة؟، هل تدرسين مع هشام؟"

"لم نتفق على مكان بعد"
ردت آش

أشرت على مقهى سلينترو
"هذا مكان رائع للدراسة، وقهوتهم جيدة"

أعتذر لكني لا أحتمل الحديث عن يثرب، لذا أشغلتهما بموضوع آخر وغادرت بهدوء

عدت للمنزل وجهزت ملخصات كالعادة ثم ارسلتها لمجموعة الطلاب وعندها تلقيت رسالة من يثرب
"لما ارسلتي الملخصات؟"

ما بال هذه المختلة؟
تجاهلت رسالتها وبدأت أقوم بمراجعة اسئلة أستاذ نائل، فأنا من أقوم بكتابة الإختبار

بعد مدة سمعت طرقاً على باب غرفتي، كانت والدتي
"لديكِ ضيف"

ضيف؟، لم يسبق أن زارني أحد من قبل
"من؟"

"اسمها يثرب"

رائع!، وكأنني ينقصني رؤيتها مرة أخرى هذا اليوم، خرجت من غرفتي لأقابلها في غرفة الجلوس، كانت ترتدي معطفها فوق بيجامتها، وهذه أول مرة ارى وجهها خالي من المساحيق ما الذي يحدث؟

"ماذا!"
سألتها بلا مقدمات فأنا أريدها أن تنصرف بسرعة
ولدي سؤال مهم، كيف علمت بمكان منزلي؟

"لما ارسلتي الملخصات؟"

"لأن هذا ما أقوم به دائماً"

"بعد ما فعلوه؟"

"ماذا!"

"لقد حاولوا ضربك"

اوه!
نسيت هذا

"أعلم بأنهم لا يحبونني لكن هذا لا يعني أن لا أرسل الملخصات فأنا لا أفعل هذا لأنال حبهم"

"إذاً لماذا ترسلينها؟"

"يجب علي مساعدة الآخرين"

"لما؟، لما عليكِ مساعدة أشخاص لا يحترمونك حتى؟"

"لأنني لست طفلة"

"أنتي لستِ طفلة بل مغفلة، لما تدعين الآخرين يعاملونك بكل هذه الفظاظة؟"

"المعذرة؟، حتى أنتي كنتِ تتجاهلينني وتعاملينني كالقمامة حتى أجبرتك على الحديث معي"

هل ستمثل دور الملاك الآن؟

"وأنا آسفة على هذا"

"لا أفهم ما الذي تريدينه الآن؟"
سألت بضجر

"أريد هاتفك للحظة"
مدت يدها

"عفواً!"

"لحظة واحدة، الأمر ضروري"
قالت بجدية لذا ناولتها الهاتف

بعد أقل من دقيقة أعادته لي، غادرت بعدها بصمت، بدأت أتفقد الهاتف وبعد فتح الوتساب وجدت أنها قامت بحذف الملخصات التي أرسلتها كما أنها عينت نفسها كمشرف للمجموعة وقامت بحذفي

ما بال تلك المجنونة؟

"من كانت تلك؟"
سألت والدتي

"زميلتي في مشروع التخرج"

"هي حقاً فتاة جميلة، ويبدو أنها تهتم لأمرك"

"ماذا!"

"لا أعلم سبب قدومها لكنها أتت ببيجامتها، يبدو أنه أمر مهم، وأنها تهتم لأمرك"

"لا أعلم، لقد حذفتني من مجموعة الملخصات"

إستسلمت في النهاية وقررت إخبار والدتي بالأمر، ربما لديها نصيحة ما

"لماذا؟"

"تقول أنني لا يجب أن أرسل للطلاب شيئاً لأنهم حاولوا ضربي"

"مهلاً متى حدث هذا؟"

"عندما بدأت أطلب منها المشاركة في المشروع معجبوها قاموا بتصرفات طفولية"

"يبدو أنها حقاً تهتم لأمرك"

كنت أعتقد أنها ستعترض وتتحدث عن العطاء لكنها لم تفعل، هذا مفاجئ

"ماذا عن العطاء بلا مقابل؟"

"العطاء غير المشروط مهم، ولكن هذا لا يعني أن تصرف صديقتك سيئ فهي تهتم لأمرك لذا لا تقبل أن يزعجك أحد، أخبرتك أنها بالتأكيد ستكون شخصاً جيداً إن عاملتيها بطريقة جيدة" 

يثرب!، شخص جيد!
مستحيل

"لا أعلم، لا أشعر بأنها حقاً تهتم لأمري"

ربتت على كتفي
"أعطيها فرصة، تبدو فتاة جيدة"

"حسناً"
أحب الموافقة على قرارات والدتي لأنها تتحدى حدود قدراتي وتجعلني أرى الأمور بشكل مختلف، وكما سبق وقلت أنا أطمح أن أكون شخصاً أفضل، أريد أن أكون عظيمة كوالدتي

إستيقظت متعبة لأن عقلي إستمر في العمل طيلة الليل، وضعت نظاراتي ثم غسلت وجهي وأسناني، جهزت حقيبتي وخرجت

تفقدت هاتفي ووجدت الكثير من الرسائل على وتساب، لم يصل لي هذا الكم في نفس الوقت من قبل، حتى أيام الإختبارات أرسل كل شيئ على المجموعة لذا لا يراسلني إلا بضعة حمقى يريدون أن أخبرهم بأسئلة الإختبار

تفقدت الرسائل من الخارج بدون فتحها، كانت جميعها تحوي إعتذاراً، هل أصيب الجميع بالجنون؟

"بهية"
كانت شمس عانقتني كالعادة ثم سألتني
"سمعت أنكِ توقفتي عن إرسال الملخصات للطلاب، هل هذا صحيح؟"

هل يعتذرون لهذا السبب؟

"يثرب هي من قامت بحذفهم وحذفتني من المجموعة"
أجبتها بإقتضاب وسألت بإندفاع
"كيف حدث هذا؟، ما آخر الأخبار مع يثرب؟"

القيت التحية على تيسيير موظف الأمن ثم دخلت الجامعة وعندها سمعت صوت يثرب
"بهية"

الا يمكنها خفض صوتها قليلاً؟

"مرحباً!"
رددت بفتور

مدت الهاتف لتريني صورة الوشق
"لقد إشتريت له سريراً، اليس لطيفاً؟"

"تعلمين أننا سنسلمه للمحمية بعد شهر اليس كذلك؟"

لما تتعامل معه وكأنه هرة منزلية؟

"وما المشكلة؟، الا يستحق منزلاً لطيفاً؟"

"لا تخبريني أنكِ شاركتي هذه الصور على انستجرام"

"ما المشكلة؟"

تثبت كل يوم أنها غبية أكثر من سابقه
يا إلهي الهمني الصبر

"يمكن لأي أحد إبلاغ المحميات وسيأخذونه منك"

"حقاً!"

"هذا الحيوان مهدد بالإنقراض، ماذا تتوقعين؟"

تلك الفتاة تجعلني أشعر بالسوء بسبب غبائها، يفترض أنني فتاة مهذبة ولطيفة ولا أحكم على الناس ولكن تصرفاتها الغبية غير معقولة

"سأحذفهم حالاً"

"مرحباً!"
القت شمس التحية على يثرب
حتى لو كانت يثرب مغرورة ومزعجة فإن شمس كانت فضولية تجاهها 

"مرحباً!"
ردت يثرب وتفحصتها بعينيها
"أنتي صديقتها؟"

"أجل، اسمي شمس"
تجاهلت يثرب شمس ووجهت حديثها إلي
"إذاً ستعودين معي للمنزل اليوم؟"

"لما؟"

"لأن الوشق مشروعنا معاً"

"اوليس الإعتناء به فكرتك؟"

"لكننا مازلنا شركاء في المشروع، عليكِ المشاركة في رعايته"

كنت أعلم بأنها لن تتركني بسلام، كيف نتشارك في رعاية قط بأي حال؟، هل أقدم له بعض الطعام؟

"بهية"
وجدت طالبة تحمحم 

رائع!، وكأنه ينقصني المزيد من الإزعاج
"أجل!"

"كنت أتسائل، هل يمكنكِ إرسال الملخصات إلي؟"
سألت بإستحياء، تبدو فتاة مسكينة

"ما.."
قبل أن أسألها قاطعتني يثرب
"كلا، لن ترسل شيئاً بعد اليوم"

إنصرفت الفتاة في النهاية
"لما فعلتي هذا؟"
أنا لا أتعامل بهذه الطريقة مع الطلاب، وهذه الفتاة تبدو مسكينة، لما ردت بدلاً عني؟

"لا ترسلي الملخصات لأي أحد منهم، وإلا حطمت لكِ هاتفك"

كيف تهددني بكل هذه السهولة؟

"هل أنتي مجنونة؟"

"أجل، ودعيني أحذرك مرة أخرى، اياكي أن ترسلي الملخصات إليهم"

غادرت وتركتني وعندها سألت شمس
"ماذا يحدث؟"

"مختلة"
أجبت بإقتضاب 

ذهبت لقاعة المحاضرات بروتينية، ومع نهايتها إقترب بعض الطلاب مني وبدأوا يعتذرون، أشعر بالغرابة فأنا لا أحب هذه المواقف 

"بهية"
نادت يثرب وإبتعدوا جميعاً عندها، فهي نجمة الجامعة، سحبتني من بينهم
"إنتهت المحاضرات، ستأتين لمنزلي"

"ما مشكلتك مع الطلاب؟"

"مشكلتي ليست مع الطلاب بل معكِ أنتِ"

"حقاً!"

"كيف تقبلين معاملة كتلك؟"

"هل أذكرك كيف كنتِ تعاملينني؟"

"أنا لم أستخدم ملخصاتكِ يوماً، مجموعتك في الإرشيف"

"ماذا يعني هذا؟"

"أنني ليست مثلهم، هم يستفيدون منكِ ويعاملونك بحقارة في نفس الوقت، بينما أنا لا أفعل"

"أنتي لا تختلفين عنهم كثيراً لذا لا تدعي اللطف"
لقد أرادت مني أن أقوم بالمشروع كاملاً في البداية، هل تعتقد أنني بلهاء كي لا اللاحظ الأمر؟

"اتعلمين أمراً، أنتِ مزعجة جداً، لا أريد رؤيتك اليوم، تعالي غداً لمنزلي"
قالت ثم إنصرفت

لا تريدين رؤيتي اليوم؟
أنا لا أريد رؤيتك أبداً

عدت لمنزلي وأخذت حبوب الصداع لأنني لم أنم جيداً والحديث مع يثرب جعلني في مزاج سيئ، لذا قررت أخذ غفوة قصيرة

إستيقظت ووجدت صينية طعام على طاولتي، تفعل والدتي هذا عندما ينهكني التعب وأنام بدون تناول الطعام

وضعت نظارتي وشغلت الضوء في الغرفة ثم تناولت الطعام، الجو هادئ وعقلي فارغ، أريد ارسال الملخصات للطلاب، لا أحب فكرة الإنتقام

تقول والدتي دائماً ما فائدة حب من يعاملونك بلطف؟، هذا بديهي، العطاء الحقيقي هو أن تعاملي الجميع بلطف حتى السيئين معك

عند مكتبي بين الملاحظات الدراسية التي أكتبها وأتخلص منها عندما تنتهي حاجتي إليها هناك ورقة لا أنزعها من مكانها أبداً

انجيل لُوقَا 6:‏32-‏35 ت ع م
[32] «إنْ أحبَبْتُمْ مَنْ يُحِبُّونَكُمْ فَقَطْ، فَأيَّ مَدِيحٍ تَسْتَحِقُّونَ؟ فَحَتَّى الخُطَاةُ يُحِبُّونَ مَنْ يُحِبُّونَهُمْ. [33] وَإنْ صَنَعتُمْ خَيْرًا لِمَنْ يَصْنَعُونَ الخَيْرَ لَكُمْ، فَأيَّ مَدِيحٍ تَسْتَحِقُّونَ؟ فَحَتَّى الخُطَاةُ يَفْعَلُونَ هَذَا. [34] وَإنْ أقرَضْتُمُ الَّذِينَ تَأْمَلُونَ أنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ مَالَكُمْ، فَأيَّ مَدِيحٍ تَسْتَحِقُّونَ؟ فَحَتَّى الخُطَاةُ يُقرِضُونَ الخُطَاةَ، لِيَسْتَرِدُّوا مَالَهُمْ كَامِلًا. [35] «لَكِنْ أحِبُّوا أعْدَاءَكُمْ، وَاصنَعُوا الخَيْرَ لَهُمْ. أقرِضُوا وَلَا تَنْتَظِرُوا أنْ تَسْتَرِدُّوا شَيْئًا، فَتَكُونَ مُكَافَأتُكُمْ عَظِيمَةً، وَتَكُونُونَ أبْنَاءَ اللهِ العَلِيِّ. فَهوَ كَرِيمٌ حَتَّى نَحْوَ النَّاكِرِينَ لِلجَمِيلِ وَلِلأشرَارِ. 

لسنا العائلة الأكثر التزاماً لكننا الأكثر حباً وسلاماً
أو هكذا أعتقد

كان والدي مسلماً صوفياً، أما والدتي فهي مسيحية ارثوذكسية، كنت اسمع والدتي تردد أنجيل لوقا حتى دونت هذه الكلمات، تماماً كما كنت أسمع والدي يردد حديثاً لشمس الدين التبزيري

إن القذارة الحقيقة تقبع في الداخل، أما القذارة الأخرى فهي تزول بغسلها، ويوجد نوع واحد من القذارة لا يمكن تطهيرها بالماء النقي، وهي لوثة الكراهية والتعصب التي تلوث الروح، نستطيع أن نطهر أجسامنا بالزهد والصيام، لكن الحب وحده هو الذي يطهر قلوبنا

أتمنى أن أصبح يوماً كوالداي، أتمنى أن أستطيع محو الكراهية من داخلي

صباح اليوم التالي جهزت نفسي وذهبت لمنزل يثرب، رحبت والدتها بي بحرارة، وخمنوا من وجدت هناك؟

آش

كانت تلعب بألعاب الفيديو وكأنه منزلها
تلك الفتاة لا تفشل في ادهاشي دوماً 

"بهية!، كيف الحال؟"
قالت باسمة ثم أشارت لي لأقترب وعانقتني
"اكاد اربح هذه اللعبة"

"كيف اتيتي إلى هنا؟"

"حفظت مكان المنزل من المرة السابقة لذا أتيت"
كانت تتحدث ببساطة

يبدو أنها أتت بدون موعد وإعتبرته منزلها حقاً

"أمي سأخرج"
كانت فتاة مراهقة بملابس سوداء ومساحيق ثقيلة داكنة، نظرت لي بتفحص ثم خرجت

"تلك مكة، أختي الصغرى"
كانت يثرب تتحدث وهي تقترب مني بينما تحمل الوشق

مكة ويثرب!
ما مشكلة هذه العائلة مع الاسماء؟

"هل اسميتي الوشق المدينة المنورة؟"

قهقهت
"مزحة جيدة، أرادت والدتي تسميته القصيم، لكني إعترضت، فأنا أرى أن تبوك اسم أفضل"

"ما مشكلتكم مع الاسماء؟، هل لكِ جذور سعودية؟"

"كلا، لكنني ولدتُ هناك، كذلك أختي، كانت أفضل أوقاتنا في السعودية، لذا تختار والدتي اسمائاً لتذكرها بها"

"يمكنها التذكر بدون جعل اسمائكم كالخريطة"

لم أقتنع بحجتها، لو فعل كل المصريون المغتربين هذا فسوف تصبح جميع اسماء المصريين على اسماء مدن أجنبية

"أتعتقدين أن ذوقي في الاسماء سيئ؟"

يبدو أن والدتها قد سمعتني، ربما كان تعليقي غير ضروري

"أعتذر، لم أقصد"
إعتذرت بسرعة وهي قهقهت
"لا بأس، لستِ الأولى، أنا لا أجبر بناتي على الإحتفاظ بالاسم فلديهن حرية تغييره"

"أنا أيضاً قضيت بضعة سنوات في السعودية"
اردت التخفيف من حرج الموقف لذا رويت شيئ لم أخبر به أحداً

"حقاً!، أين؟"
سألت والدتها بحماس

"جدة"

"نحن أيضاً كنا نسكن في جدة، أين كنتي تسكنين بالضبط؟"

رائع لقد فتحت نقاشاً شخصياً عن ذكرى كنت أهرب منها، أنا لا أكره ذكرياتي في السعودية لكنها مرتبطة معي بمرض والدي لذا أتجنبها بإستمرار

.


5. ابطالنا من النساء
أبي
كان والدي رجلاً لطيفاً ومحباً
وكأي طفلة فقد كان مصدر الأمان بالنسبة إلي 

حتى بدأت صحته تتدهور، لم تدم معاناته طويلاً لأنه توفي متأثراً بمرضه السرش

تمنيت لو قضيت معه وقتاً أطول، وبدأت أتسائل لما أخذ الله مني والدي؟، لقد كان رجلاً مسالماً ولطيفاً لم يؤذي أحداً أبداً، وشعرت بالظلم والحزن

ولأصارحكم مازلت أشعر هكذا، مهما حاولت أن أقنع نفسي بأن الله يعرف مصلحتى أكثر مني وأن والدي الآن بحال أفضل، وأن موته كان ضرورياً لأصبح أنساناً أفضل، لم أنجح أبداً بالأقتناع بهذا، لذا أحاول أن لا أفكر في هذا الإمر

"تفضلي"
كانت والدة يثرب، قدمت لي كوب قهوة، شكرتها وأخذته منها

"يبدو أنكِ لا تحبين التقاط الصور كيثرب"
علقت والدتها

"احياناً تكون الصور جيدة للذكرى، ولكن ليس دائماً"

صور يثرب عبارة عن إستعراض، أنظروا لي أنا فتاة جميلة بحياة مثالية ولامعة، أنا نجمة، تعيش فقط لتثبت للناس أنها أفضل منهم

أشعر بالسوء تجاة نفسي عندما اتحدث عنها بالسوء لأنني يفترض أن أتعلم أن أكون شخصاً صالحاً لا يحكم على الناس

"أشعر أن هشام معجب بك"
كانت يثرب تتحدث مع آش بينما تلعبان العاب الفيديو

"هشام عسل!، الطالب المتفوق؟، أشك في هذا، هو فقط رجل مهذب ولطيف"
إستنكرت آش، كانت منشغلة باللعب

وبالتأكيد هي عمياء، فحتى أنا يمكنني ملاحظة أن هشام منجذب إليها، لكن يبدو أنها ليست سيئة في الدراسة فقط

"ما رأيك بأن ادعوه لحفلتي القادمة؟"

"وما فائدة هذا؟"

"سيعرض عليكِ أن تذهبا معاً، أنا متأكدة من هذا"

قدمت والدة يثرب طبق حلوى الجيلي لآش التي أخذته بسعادة وبدأت تأكل
"افعلي ما تريدين"

السكر يناسبها، الجنون يعني السكر، هي فتاة لطيفة بغض النظر عن جنونها

حملت الوشق ووضعته على قدماي ثم بدأت أفحصه لأقوم بتدوين ملاحظات عن نموه

جلست والدة يثرب بجواري على الأريكة
"سمعت أنكِ أكثر الطلاب إجتهاداً وتساعدين الطلاب بالملخصات دائماً"

"أحاول تقديم المساعدة"
رددت بإقتضاب

والدة يثرب تبدو تماماً مثلها، إمرأة شابة وترتدي ملابس كملابس إبنتها، اتسائل إن كانت هي الأخرى مشهورة على مواقع التواصل

أتسائل أيضاً كيف يبدو والدها؟، هي لم تتحدث قط عنه، هل مات؟، هل يبدو مثلها هو الآخر؟، هذه العائلة غريبة

بالأخص أن والدة يثرب عرضت على آش أن تتحدث مع والدتها وتخبرها أنها تدرس مع إبنتها وأن لا تقلق لتلعب كما تشاء، وبالفعل تحدثت معها، هذه أول مرة أرى والدة تكذب

"اتعتقدين أنني أم سيئة أم مثيرة للإعجاب؟"
سألتني 

"ايفترض بي أن أعتقد شيئ عنك؟"

حتى لو إعتقدت في أفكاري فمن العار البوح بها، علي أن أحافظ على أخلاقي

"يعتقد البعض أنني أم سيئة لأنني لست كباقي الأمهات، ولأنني أكذب، ولكن الا تستحق تلك المسكينة بعض الوقت لتلعب؟، هي طالبة جامعية ومايزال والديها يتحكمان بها، ثم سيطلبون منها الإعتماد على نفسها بعد التخرج ويغضبون إن فشلت في ايجاد وظيفة بسبب خوفها من التجارب التي منعوها منها، لا أحب الأهالي المتسلطين"

إستطردت
"ويعتقد الصغار أنني أم مثيرة للإعجاب، ويطلبون مساعدتي للكذب على والديهم، وما داموا لا يتعاطون المخدرات فإن الأمر لا يستحق المنع، عليهم تجربة كل شيئ ليتخذوا قراراتهم بإقتناع"

"لا أحب الكذب، لا أراه ضرورياً بأي حال من الأحوال"
أجبتها بصراحة

"أحياناً تحتاجين الكذب"

"لا أعتقد أنني أحتاجه"

"حسناً، ستعلمك التجارب"

أخشى دوماً من التباهي بشيئ أقوم به فقد يوقعني الله في مشكلة اُجبر بها على القيام بما أحتقره، كان والدي يقول دائماً أن لا نحتقر العصاه لأننا قد نقع في خطيئتهم يوماً، فنحن لسنا مميزين عنهم في شيئ إلا أن الله لم يضعنا في نفس تجاربهم وقد نكون أسوأ منهم إن مررنا بها

"ستحضرين الحفلة اليس كذلك؟"
سألت يثرب ورددت بسرعة
"كلا"

"لماذا!"
كانت تبدو متفاجئة، لما؟، ليس وكأننا صديقتين

"لا أحب الحفلات"

"حفلاتي مختلفة، ستعجبك"

قد أذهب لحفلة في ملهى ليلي ولكن لن أذهب لحفلة ليثرب عزازيل

"شكراً، لا أحبها"

"عليكِ أن تجربي لمرة"

"لا أريد"

أصرارها مزعج، لما تريد توريطي بحفلة سخيفة؟، أنا لا أحب الحفلات

"إذاً اتأخذين تبوك لمنزلك لأنني أخشى أنه سيخاف من الصوت العالي"

"تمزحين!، لا يمكنني بالطبع"

لن أكذب على والدتي، هي أرادته لتهتم به

"يمكنني طلب مساعدة هشام"
تدخلت آش ثم أضافت
"كان يبدو جيداً مع الحيوانات"

"فكرة جيدة، أطلبي منه الإهتمام به ليوم"
كانت يثرب مرحبةً بالفكرة 

يال هشام المسكين سيوافق فقط من أجل آش، اوليس الحب شيئاً مضحكاً؟

"الن يمانع والديك؟"
سألتُ هشام عندما سألته آش الإعتناء بالوشق ليوم

أخذ الصندوق من آش
"كل شيئ سيكون بخير، أنه يوم واحد"

"شكراً"
شكرته آش ثم غادرت مع يثرب

"دعك منهما، هل سيكون كل شيئ على ما يرام؟"
لسبب ما لا أشعر بأن عائلة هشام عائلة ودودة، إغفر لي يا الله ظنوني 

"تقريباً"
رد بفتور

"يمكنني المجيئ والتحدث معهم لأخبرهم أنه حيواني وأنني أطلب منك رعايته ليوم وإن رفضوا سأحاول إنقاذ الوضع"
إقترحت عليه

عملياً ما أقوله ليس كذباً فهذا الحيوان هو مشروع تخرجي

وافق هشام في النهاية، يبدو أن ظنوني عن عائلته صحيحة

ذهبت معه لمنزله، منزل كبير
"هشام هل عدت؟"
كان رجلاً يبدو أكبر منا، إستغرب عند رؤيتي

"هذه بهية، زميلتي"
عرف هشام بي

"أعتذر على التطفل"
أشعر بالحرج فلم يسبق أن ذهبت لمنزل رجل من قبل

"وما هذا؟"
أشار على الصندق

فتحه هشام
"هذا وشق مصري"

"تمزح!"
كان يبدو مندهشاً وأمسك الوشق من مؤخرة عنقه ليتفحصه، هذه ليست ردة الفعل التي توقعتها

"هذا مروان شقيقي الأكبر"
عرف هشام بالرجل

"ماذا تفعلان بحيوان مهدد بالإنقراض؟"
سأل مروان وهو يعيد الوشق للصندوق

"مشروع التخرج"
برر هشام

"أستاذ مروان إن كان الإحتفاظ به سيشكل مشكلة أخبرني وسأعيده معي، لكن كنت أحتاج أن يحتفظ به ليوم واحد فقط لأنني لست متفرغة"
كنت أتحدث بتهذيب وتحفظ قدر الإمكان، الحديث بهذه الطريقة يجبر الناس على محاولة أن لا يخيبوا ظنك قدر الإمكان فحتى لو رفضوا طلبك سيحاولون تعويضك

"لا بأس بيوم واحد، وليس عليكِ مناداتي بالأستاذ، أنا لست كبيراً لهذه الدرجة"

جيد، لقد سار الأمر أفضل مما توقعت
"شكراً جزيلاً لك"

"لقد سمعت عنكِ من أساتذة الجامعة، اولستِ بهية من كلية العلوم؟"
كان يتحدث بود

يبدو أنه يعرفني حقاً!

"أجل"

مد يده وصافحني بحرارة 
"أحب الطلاب الذين يأخذون دراستهم بمحمل الجد، أتوقع لكِ مستقبلاً باهراً"

رجل لطيف

وصلت لمنزل يثرب لأبلغها بأن مهمة ايصال الوشق لهشام مرت بسلام ولكن تفاجأت برؤية سيارة شرطة عند المنزل، ماذا يحدث؟

"ما الأمر؟"
سألت بينما أدخل ووجدت بهية تتحدث مع الشرطي

"اوليس هذا الوشق المصري؟"
كان الشرطي يريها صورة لها مع الوشق يفترض أنها قامت بحذفها لكن يبدو أن هناك من سبقها وقام بحفظها

"هذه صورة بالذكاء الإصطناعي"
ردت بهية ببساطة

"حقاً!"
قال الشرطي بشك 

"أنا مشهورة على الانستجرام، كل صوري معدلة وبعضها بالذكاء الإصطناعي"
كانت تشرح بثقة وبدأت تريه صوراً
"أنظر، هذه معدلة، وهذه أيضاً، وهذه الصورة في غرفتي وليس في الساحل، أنا فتاة، أحب المرح وتعديل الصور"

إقتنع الشرطي في النهاية وغادر، يثرب كاذبة بارعة
"كيف جرى الأمر مع هشام؟"
سألت عندما لاحظت وجودي

"جيد، ما الذي حدث للتو؟"

"لا شيئ، لقد تخلصت من الشرطة، كل شيئ على ما يرام"
كانت تتحدث ببساطة، يبدو أنها معتادة على المصائب

حسناً لقد ابلغتها وإنتهت مهمتي، هممت بالإنصراف وعندها قالت
"الن تحضري الحفلة حقاً؟"

"كلا، لا أحب الحفلات"

عدت لمنزلي وبدأت أحاول تصفية عقلي، يجب علي أن أتعلم العطاء غير المشروط بشكل أفضل، يجب علي التفكير بشكل سيئ في يثرب عزازيل فهي تجعلني أشعر بالسوء تجاه نفسي، لم يحمل قلبي هذه الكراهية من قبل، علي تنظيفه

ربما علي الذهاب لحضرة صوفية، أتمنى أن يكون هناك واحدة غداً، تفقدت جدولهم ولحسن حظي وجدت واحدة

في اليوم التالي ارتديت تنورة باللون البُني وبلوزة خضراء بأكمام طويلة، نظفت نظارتي ثم خرجت

لَبَّيكَ لَبَيكَ يا سِرّي وَنَجوائي
لَبَّيكَ لَبَّيك يا قَصدي وَمَعنائي
أَدعوكَ بَل أَنتَ تَدعوني إِلَيكَ
فَهَل نادَيتُ إِيّاكَ أَم نادَيتَ إِيّائي
يا عَينَ عَينِ وَجودي يا مدى هِمَمي
يا مَنطِقي وَعَبارَتي وَإيمائي
يا كُلَّ كُلّي وَيا سَمعي وَيا بَصَري
يا جُملَتي وَتَباعيضي وَأَجزائي

أشتاق إلى والدي، أحياناً أتخيله بين الصوفيين، يقوم بطقوس الحضرات، وأرى نفسي الصغيرة حوله، من الظلم أنه ليس موجوداً الآن

أتمنى أن أصبح مثله، أتمنى أن أطهر قلبي، لكني مجرد إنسانة عادية، في قلبي حقد وكره، أخجل منه

بعد إنتهاء الحضرة غسلت وجهي من الدموع، أشعر بأنني بحال أفضل بعد البكاء

تفقدت هاتفي ووجدت أن يثرب قد اتصلت بي عدة مرات، ترى ما نوع المصيبة التي وقعت بها؟

اتصلت بها وفور ردها سألتني
"أين أنتِ؟"

"عائدة لمنزلي"

الا يفترض أن لديها حفلة اليوم؟، هل تعتقد أنني سأحضرها؟

"أنا في مشكلة ولا أعلم كيف أتصرف"
إنتبهت للتو للخوف في صوتها

"ماذا حدث؟"

"فقدت والدتي وعيها، هي مريضة سكر، أعتقد أنها غيبوبة سكر، ولا أعرف كيف اتصرف"

"أنا قادمة"

تبدو يثرب للناس فتاة شجاعة تحب المغامرات
لكن كل هذا كذب
كان يمكنني ملاحظة هذا بسهولة
شخصيتها زائفة، تفعل هذا فقط لجذب الإنتباه

اتصلت بالإسعاف ووصلنا للمنزل في نفس الوقت، قاموا باللازم واستعادت وعيها في النهاية

"ماذا حدث؟"
كانت آش التي وصلت للتو

"لا تقلقي، كل شيئ على ما يرام"
اجبتها وأنا أخرج من الغرفة ثم أغلقت الباب

مظهر آش جاذب للأنظار دوماً بالنسبة إلي، رغم أنه بسيط جداً، لكنه ينجح دائماً في جذبي، رفعت شعرها وربطته، كانت ترتدي كنزة زرقاء ومعطفاً أحمر وبنطال قطني ملون بدرجات اللون الأخضر، لا تضع أي مساحيق، لكنها دائماً مبهرة

كانت تبدو مترددة، هناك شيئ تريد قوله
"هل أنتِ بخير؟"

"أفكر في الذهاب لهشام"
ردت بإندفاع وكأنها تدفع الكلمات قبل أن تتراجع عنها

الذهاب لمنزل رجل ليست أفضل فكرة في هذا المجتمع
لكنه ليس أي رجل، أنه هشام عسل، رجل أثق به بحياتي 

"اذهبي"
رددت ببساطة

"أتعتقدين هذا؟"

"أجل، اذهبي إليه، لكن احذري فقد يخجل من شقيقه لذا عليكِ سؤاله أولاً، هل لديك رقمه؟"

"أجل"

"اتصلي به، حظاً موفقاً"

إنصرفت آش وهذا دوري للمغادرة، ولكن قبل أن أفعل نادتني يثرب
"شكراً"

"العفو"

حتى لو لم تقصد شكري فأنا لم أفعل هذا لتلقي الشكر، أنا اتعلم العطاء الغير مشروط، أحاول بكل جهدي

على ذكر العطاء الغير مشروط، أحتاج الحديث مع تلك الفتاة التي طلبت الملخصات لأرسلها إليها، أنا لست طفلة لأخاف من تهديد دمية الأنستجرام

راجعت رسائل وتساب وبدأت أرسل الملخصات لكل من طلبوها مني، حتى سمعت طرقاً على باب غرفتي ثم دخلت والدتي بصينية عليها قهوة وبسكويت

"شكراً"
أخبرتها بإمتنان وعندها مالت علي وقبلت رأسي

أشتاق إلى والدي، أتمنى لو أستطيع النوم في حضنه

في اليوم التالي جلست في ركن بعيد في حديقة الجامعة أقرأ رواية حتى وجدتني آش التي كانت بصحبة يثرب

"أخبرتك أنني أعلم أين هي"
قالت آش محادثةً يثرب

"شكراً"
شكرتها يثرب بتهذيب ثم أقتربت مني وعندها تنهدت بضيق وأغلقت الرواية

"ماذا!"

"اتحبين الروايات؟"
سألت بتردد

"أجل"

"اتعودين للمنزل معي؟"

ما المناسبة؟
لقد وعدت نفسي أن أكون الطف لذا وافقت

كانت هادئة حتى وصلنا لمتجر كتب ودخلت معها، مدت لي رواية الشحاذ لنجيب محفوظ

إختيار سيئ

"تحبينه اليس كذلك؟"
سألت بحماس

"كلا، أنا لا أحبه"

أنا لا أحب نجيب محفوظ
لا أحب طريقته في الكتابة عن النساء، طريقته سطحية للغاية، يمكنه أن يجعل المرأة بطلة لكتابه حتى وسيفشل في الكتابة عنها

كانت متفاجئة
"لا تحبينه؟"

"أجل، هو سيئ في كتابة الشخصيات النسائية لذا لا يروق لي"

جميع الكتاب القدماء سيئين في كتابة الشخصيات النسائية، صحوة الأدب النسوي هي من أنقذتنا من هذا الهراء السطحي

هذا لا يعني بأن جميع الكتاب الآن يجيدون الكتابة عن النساء، ولكن مقارنة بالماضي فهنالك من يستطيعون الكتابة بشكل جيد الآن

"لا أعلم، لم أقرأ له من قبل، ظننت الجميع يحبونه"
قالت ببلاهة وأعادت الكتاب لمكانه

تحركت بين الرفوف حتى وجدت رواية الباب المفتوح للطيفة الزيات، رواية بسيطة ومن مفضلاتي

مددتها لدمية الأنستجرام
"عليكِ قرآتها"

أخذتها بتردد
"سأجرب"
ثم إستطردت
"إختاري رواية وسأشتريها لكِ، لقد أتيت هنا من أجلك"
أشارت لقسم اللغة الإنجليزية 
"هناك روايات انجليزية هناك، ربما ستحبينها"

"أنا لا أحب الروايات الإنجليزية"
كانت تُصدم من كل شيئ أقوله

أنا أحب اللغة العربية وأرى أنه لا يوجد لغة أخرى يمكنها جعلي أفهم الأبطال أو أشعر بهم، أحب الروايات التي تروي عن أشخاص يشبهوننا، وليس رجل أبيض يتناول البيض واللحم المقدد صباحاً

بدأ هاتفي بالرنين، كانت آش
"أحتاج المساعدة"
قالت فور ردي عليها

"ما الأمر؟"
صوتها مقلق

"لنتقابل عند فرع حلواني العبد في شارع وسط البلد"
كان آخر ما قالته قبل أن تنهي المكالمة

.
6. دمية مثالية
وجدت آش تدور في دوائر أمام الحلواني
"آش!"
لوحت لها لتنتبه إلي بينما أقترب وكانت يثرب خلفي

"ما الأمر؟"
سألتها وهي ردت
"أريد مساعدتك"

"ماذا!"

بسببي وقع هشام في مشكلة، وشقيقه يكرهني، أريدك أن تشغليه"
كانت تتحدث بإندفاع وبسرعة

"لا أفهم شيئاً، ماذا حدث؟"

"لقد أضعت مصروفات الجامعة، وعندما علم هشام بالأمر دفعها عوضاً عني، لقد تصرفت وأخذت قرضاً وأريد إعادة الأموال إليه لكن شقيقه يحبسه"

شقيقه يحبسه؟، هل هو طفل في الروضة ليحبسه؟، الرجال غريبون

مهلاً هل قالت أنها أخذت قرضاً؟

"ماذا تقصدين بأنكِ قد أخذتي قرضاً؟"

"من البنك"

تنهدت بثقل، لا أصدق ما أسمعه

"أعيدي هذه النقود للبنك سأعطيكي النقود اللازمة"

"لكنها كثيرة"
أجل، نحن في جامعة خاصة، لكني ادخر أموالي فأنا لا أنفق الكثير بأي حال

"أخبرتك بأن لدي المال، أعيدي هذا للبنك ثم تعالي وسنذهب لمنزل هشام"

الذهاب وحدها للبنك ليست فكرة جيدة
"سآتي معك، لنذهب"

سيحاولون خداعها وأخذ فوائد للقرض، وهذا ما حدث بالفعل، لذا قمت بتهديدهم بأنهم لا يمكنهم إقراض طالبة ليس لديها دخل ثابت وأن هذا مخالف للقوانين وأضافت يثرب بأنها مشهورة وستقوم بفضحهم، لذا في النهاية قبلوا المال

توقفت عند آلة سحب نقود ووضعت بطاقتي البنكية ثم سحبت المبلغ المطلوب، خمسة وثلاثون الفاً

نزعت آش ربطة شعرها وربطت بها النقود، الآن دوري للذهاب وإشغال شقيق هشام، لا أعلم حتى كيف ستتصرف آش لكني أثق بها

أخذت كتاباً لنجيب محفوظ من المكتبة ثم ذهبت لمنزل هشام وطرقت الباب، إبتسم شقيقه فور رؤيتي
"هل أتيتي لرؤية هشام؟"

"ليس حقاً، أنا مستعجلة، فقط أعطه هذا الكتاب"
ناولته له وهو قال
"لما لا تدخلين لشرب الشاي؟"

"لدي الكثير لأقوم به، قد أفعل هذا لاحقاً"

"أعلم، أنتِ من تكتبين الإختبارات حسبما سمعت!"

"هذا صحيح"
من الجيد أن أجعل الحوار أطول قدر المستطاع فأنا لا أعلم ما تفعله آش

"هل تجعلينها صعبة؟"
كان يبتسم ضاحكاً وتصنعت الإبتسام
"كلا، أنا عادلة"

"فرصة سعيدة، أتمنى رؤيتك مرة أخرى قريباً"

"أنا أيضاً"
إنصرفت ووجدت آش تلتقط أنفاسها بجوار يثرب

"هل كل شيئ على ما يرام؟"

"أفضل مما يرام"
هتفت آش

"ماذا حدث؟"

"تلك المجنونة تسلقت حتى نافذة غرفته"
قالت يثرب 

"ماذا!"
هذا خطر، لو كنت أعرف هذا ما كنت لأوافق
"آش لا تقومي بشيئ كهذا مرة أخرى، هذا خطر"

"لا يهم، لقد سلمته المال وإنتهى الأمر"
كانت سعيدة

"ما رأيكن بشرب القهوة في ستاربكس؟"
إقترحت يثرب

"قهوتهم كالقمامة، اشربيها وحدك"
رددت عليها بصراحة، ستاربكس مكان مشبع بالطبقية والرأسمالية، مكان للحمقى الذين يريدون إثبات أنهم من طبقة معين لأن اسمهم مكتوب على كوب

"إذاً أين تريدين الذهاب؟"

"أي مقهى مجهول الاسم سيكون أفضل من ستاربكس"

"لنذهب للعبد، أحب الكروسون الذي يصنعونه"
إقترحت آش

لذا ذهبنا لمخبز العبد، أخذت آش تخبرني أنها ستجد وظيفة وتعيد لي المال في أقرب فرصة، أعلم جيداً بأنه يستحيل أن تجد وظيفة توفر لها أكثر من الفي جنية في الشهر، وأنها يستحيل أن تجمع المبلغ ولو بعد عام

لكني لا أهتم
أنا لم أقرضها حقاً
أنا أعطيتها المال كهبة ولا أنتظر أن ترده

كان يوماً جيداً لأن العطاء يعطيني شعوراً جيداً، عدت للمنزل مسرورة، غداً إجازة رسمية لذا يمكنني السهر لبعض الوقت

فتحت تطبيق الكتاب المقدس على هاتفي، وفتحت قسم المحفوظات

رُومَا 15:‏5-‏7 ت ع م
[5] وَلْيُسَاعِدْكُمُ اللهُ، مَصْدَرُ كُلِّ صَبْرٍ وَتَشْجِيعٍ، عَلَى أنْ تَعِيشُوا فِي انسِجَامٍ أحَدُكُمْ مَعَ الآخَرِ، مُتَّبِعِينَ مِثَالَ المَسِيحِ يَسُوعَ. [6] فَتَتَّحِدَ أصوَاتُكُمْ وَقُلُوبُكُمْ فِي تَمْجِيدِ إلَهِ رَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ وَأبِيهِ. [7] لِهَذَا فَليَقْبَلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَمَا قَبِلَكُمُ المَسِيحُ. افْعَلُوا هَذَا لِمَجْدِ اللهِ. 

إبتسمت وأنا أتنهد براحة، أشعر بأنني أصبح أفضل في الحب الغير مشروط، أصبح شيئاً فشيئاً أقرب ليسوع

أم أنني مغرورة فقط؟
يجب أن لا أشعر بأنني أفضل من غيري، التواضع صفة مهمة أيضاً

وصلتني رسالة على هاتفي، كانت من يثرب تدعوني لحفلة، لن أذهب بالطبع، أحياناً أندهش من إصرارها الغريب، اتعتقد أنها ستغير رأيي؟

"لا أحب الحفلات"
رددت عليها وعندها ردت بأن الموجودين سيكونون آش وهشام فقط، وأنها حفلة عيد ميلادها 

في النهاية وافقت وخرجت لمتجر هدايا، فلا يمكنني الذهاب بيد فارغة، ماذا أحضر لها؟

أنا سيئة في إختيار الهدايا، أخذت علبة مملوؤة بربطات ملونة للشعر، وبضعة عبوات لطلاء الأظافر، أنا حقاً سيئة في شراء الهدايا

أخبرت العاملة أن تضعهم في علبة هدايا وبينما أسير عائدة للمنزل لمحت فستاناً وردياً، منفوش يصل للركبة، أكمامه شفافة هذا ذوق دمية الأنستجرام بلا شك

هذه ستكون هدية أفضل من الذهاب بربطات شعر وطلاء أظافر فقط، لذا اشتريته أيضاً

عدت للمنزل لارتب مظهري، ارتديت فستان باللون الأخضر الداكن، رفعت شعري كالعادة ووضعت دبوس شعر على شكل ضفدع وآخر على شكل شريطة

خافي العيوب لأخفي هالات عيناي، ثم أحمر شفاة وخدود ثم ارتديت معطفي ونظفت نظارتي وأخذت حقيبة الهدايا وذهبت للمقهى الذي تقيم فيه الحفلة

كان مبهرجاً جداً، وكان العمال يلتقطون الصور لها
"بهيه!"
هتفت وهي تبتسم بإتساع عند رؤيتي

ما كل هذه السعادة؟، لقد عرفتها منذ أقل من اسبوعين
عانقتني بحرارة ومددت لها الحقيبة
"كل عام وأنتِ بخير"

كانت تضع مساحيق مبهرجة كعادتها، وترتدي فستان أحمر قصير بلا أكمام يغطي فخذيها فقط، وقد صبغت شعرها باللون الأشقر وقصت غرة، وتضع شريطة حمراء كبيرة على شعرها، الآن حرفياً هي دمية

"لنلتقط صورة معاً"
سحبتني لمكان البالونات وأشارت للعامل ليلتقط الصورة 

لا أحب الصور
لكنه عيد ميلادها

كانت آش ترتدي فستاناً أحمر اللون يصل للركبة، بأكمام طويلة وجوارب سوداء طويلة تغطي ساقيها، كانت تأكل من الكعكة بسعادة بينما تتحدث

علمت أن هشام أخذ سيارة شقيقه لكي يوصلنا بعد الحفلة لأنه يعلم أنه من غير الآمن أن تخرج إمرأة بفستان وحدها

كانت كعكة عيد ميلادها بيضاء ومكتوب عليها بالإنجليزية(الاولاد يريدون الحب فقط لو كان عذاباً) 
انها كعكة تايلور سويفت السخيفة، طعنتها بالسكين لتظهر الحشوة الحمراء، لا أحب هذا النوع من الكعك ولا أحب تايلور سويفت

"شكراً لأنكِ حضرتي"
قالت يثرب وهي تعبث بقطعة الكعك بشوكتها

"لما لم تقومي بحفلة كبيرة كعادتك؟"
سألتها لأنني كنت مستغربة، هي تحب أن تكون النجمة وأن يحيطها المعجبون، ماذا حدث اليوم؟

"شعرت بأنها زائفة، ادعوا الكثيرين ليلتقطوا صوراً مع يثرب عزازيل نجمة الأنستجرام فقط"

ماذا كانت تتوقع؟

"ظننتك تحبين الشهرة"

"أجل، ولكن ليس دائماً"
إستطردت بعدها محاولةً تغيير الجو
"ما رأيك في الكعكة؟"

"الفراولة ليست سيئة"
اجبتها

"الا تعرفين كعكة أغنية تايلور سويفت؟"
سألت بدهشة

"أعرفها، ولا أحبها"

"الكعكة أم تايلور؟"

"كليهما سخيفتين"

شهقت بصدمة، لما هذه الدراما؟
"لماذا؟"

"فكرة طعن الكعكة فكرة غبية، بالتأكيد ستأتي من إمرأة بيضاء، فهُم يحبون العنف، اما عن تايلور فهي إمرأة سخيفة ومثال حي على النسوية البيضاء"

"ما معنى النسوية البيضاء؟"
سألت ببلاهة

"هن النساء البيض اللاتي لا يهتممن بأي شيئ سوى النساء البيض أشباههن"

"لكن تايلور قامت بعمل أغنية نسوية"

"نسوية بيضاء، تلك الدمية البيضاء لا تهتم سوى بنفسها، تتحدث عندما يخص الأمر البيض فقط، اما في أي حدث آخر يقولون أنها إمرأة بسيطة لا تتحدث في هذه الأمور، يتعاملون معها وكأنها طفلة في الروضة، لا يوجد أغبى من جمهورها من غير البيض الذين يدافعون بها"

"هي لا تتحدث في السياسة"
كانت تحاول التبرير بكل غباء وسذاجة

"ومنشوراتها عن الإنتخابات؟، هل هي عن إنتخابات ملك الطبخ؟، يا فتاة هي لا تهتم لحياتك بالأساس، لو خيروها أن تنشر عن حق المرأة البيضاء في عدم إزالة شعر ابطها أو عن إبادة جماعية فسوف تختار شعر الأبط"

كانت دمية الأنستجرام لا تستوعب ما أقوله، يبدو أنه كان من الأفضل أن ابقى صامته

"أعتذر لو أفسدت عليكِ حبكِ لتلك الحمقاء لكني لا أجيد المجاملة"

"كلا، أنتِ محقة، لكني كنت أعتبرها مغنية أحب الإستماع إليها"

"أنتي فقط تنجرين وراء صيحات الموضة والأشياء المنتشرة، تحبين تايلور لأن الجميع يحبها ولأنها دمية بيضاء تمثل النسوية، هذا ما يحبه معظم الناس"

ظلت يثرب شاردة لما يقارب الدقيقة
"أنتِ محقه، ربما لا أحب تايلور سويفت حقاً"

"يا فتاة لتحبيها، وما شأني أنا؟، لديكِ كامل الحرية لتختاري ما تريدين، كنت اتحدث عن رأيي أنا فقط، لا أجبرك على أن تكوني مثلي، هذا ما يسمى بالجدال حيث نتبادل الآراء"

"من مغنيكِ المفضل؟"

هل تسأل لتسخر منه كما علقت على تايلور؟، لا يهم

"ليس لدي مغني مفضل"

"مستحيل!، إلى ماذا تستمعين؟"

"الحضرات الصوفية والترانيم"

"ما هي الحضرات والترانيم؟"

"لنقل بأنها صلوات لله"

"واو!، لم أعتقد أنكِ من هذا النوع"

ماذا تقصد بأنني لست من هذا النوع؟، أعلم بأنني ينقصني الكثير لأصبح شخصاً صالحاً، لكن هذه جملة قاسية

تنهدت بثقل
"أحاول"

"لدي مشكلة في المنزل علي العودة، لن اترككم هنا"
كان هشام الذي إستقام واقفاً

كانت يثرب خائبة لأنها تريد قضاء وقت أطول لكن هشام رفض الذهاب بدوننا، هشام رجل جيد

"هشام ايمكنك التوقف للحظة، احتاج شراء شيئ من الصيدلية"
قالت يثرب وعرض عليها هشام أن يشتري هو لكنها رفضت ونزلت

هذه التصرفات الحرجة تعني بأنها تريد شراط فوط صحية، وبصراحة أنا مستغربة أن هناك نساء مازلن يخجلن من شراء الفوط الصحية في هذا العصر

رأيت رجلاً يدخل الصيدلية وعندها خرج هشام من السيارة، وخرجت يثرب من الصيدلية وهي تسير بخطوات سريعة للسيارة بينما يتبعها الرجل، حتى دخلت السيارة وعندها قام هشام بلكم الرجل

خرجت يثرب من السيارة وبدأت أفكر في مستوى ذكائها
"هشام يكفي، لنذهب فقط"

وبالطبع خروجها جذب رجالاً أكثر، نحن في مصيبة

فتحت آش باب السيارة وسحبت يثرب لتدخل وخرجت هي وأغلقت الباب، ثم مدت يدها من النافذة لتضغط على زر إغلاق الأبواب، كانت تحمل في يدها مطفأة حريق

بدأت ترش عليهم ثم ضربت رأس أحد الرجال بها وكان هشام هو الآخر يضربهم بينما يثرب تصرخ وتخبرهم أن يدخلوا، أغلقت زجاج النافذة لأن تصرفاتها الغبية لا تنقصنا

"أنتي لا تساعدين، ابقي صامتة"
أخبرتها

"لكن، لكن قد يصيبهما أذى"
كانت تبدو على وشك البكاء

"فقط كوني ممتنة لما يقدمه الآخرون من أجلك"

ضغطت زر فتح الأبواب وصعدت آش وهشام ثم بدأ القيادة وهو يلتقط أنفاسه، أسمع الكثير عن هشام، ورأيت منه القليل، لكن ما قام به الليلة كان جنونياً، كذلك آش، ولكن نوعاً ما من السهل تخيل آش تقوم بهذا، بينما هشام الطالب الهادئ، كلا بالتأكيد

"أعتذر على الفوضى التي سببتها"
قالت يثرب بصوت منخفض 

"لذا أخبرتكن أنني يجب أن أقوم بإيصالكن، فلا يمكن الثقة في هؤلاء الناس"
رد هشام

"عليكِ شكرهما وليس الإعتذار"
صححت لها

"شكراً، لكن ارجو أن لا تعرضا نفسيكما للخطر من أجلي مرة أخرى"

لم يكونا يعيران حديثها إهتماماً حتى صرخت آش بهشام
"رأسك!"

"ماذا!"
رد ببلاهة وشغلت آش ضوء السيارة وعندها علمت ما تقصده

رأس هشام تنزف

.

7. حفلة مبيت
ذهبنا لمنزل يثرب لأن والدتها جيدة في حفظ الأسرار، وكان هشام ليقع في مشكلة لو عاد للمنزل برأس ينزف

اتصلت والدة يثرب بشقيق هشام من هاتفه وأخبرته بأن الطرق مغلقة للإصلاحات وأنها والدة صديقه وسيبيت عندهم، ولأنه من الصعب تصديق أن هناك أم قد تكذب، فقد صدقها

لحسن الحظ لم تكن اصابته قوية، كانت تحتاج التعقيم وضمادة فقط

"غداً ستكون بحال أفضل، يمكنك النوم في غرفة مكة"
قالت والدة يثرب

"لا بأس، يمكنني النوم على الأريكة"

"بالطبع كلا، أنت ضيفنا، لا تقلق، مكة معتادة على النوم في غرفتي في حالة كان لدينا ضيوف"

"حسناً، سأذهب أنا الآن"
قلت وتبعتني آش
"لقد تأخرت أنا أيضاً"

إعترضت والدة يثرب
"بالطبع كلا، كيف تخرج فتاتين مثلكما في مثل هذا الوقت؟، عليكما قضاء الليلة هنا"

"لا تقلقي، الرجال يخافون مني، لكن علي العودة قبل أن يُجن والدي"
قالت آش وهممت بالذهاب معها وعندها أوقفتني والدة يثرب
"ماذا عنكِ؟، لما لا تبقين؟"

"علي العودة للمنزل، ستقلق والدتي"

أنا لن أقضي ليلتي في منزل يثرب عزازيل، أنا حتى لم أفعل هذا عند شمس صديقتي العزيزة، لذا بالطبع لن أفعل هذا هنا

"سأحادثها"
كانت مُصرة

غادرت آش بينما والدة يثرب تكرر بأن علي البقاء، وما جعل موقفها قوياً كان أن آش ذهبت والآن لم يبقى أحد أعود معه 

في النهاية اضررت للبقاء، حادثت والدتي ورويت لها بكل شفافية عما حدث، وأخبرتني بأن بقائي في منزل يثرب قرار حكيم لضمان سلامتي

بعد دقائق عادت آش وكانت مرتبكة، قالت بأنها لم تجد أي سيارة تقلها للمنزل، كانت مذعورة من والديها، وأخذت والدة يثرب هاتفها وحادثتهم والفت كذبة جديدة محكمة تماماً لتضمن أن عائلة آش لن توبخها وستتركها تقضي ليلتها بسلام 

كان هشام لطيفاً كعادته وساعدها لتهدأ لأنها كانت تعاني من نوبة فزع، اعدت لنا والدة يثرب مشروبات ساخنة واقترحت أن نشاهد فيلماً أو أن نلعب لعبة وأن نستمتع بالليلة 

أخرجت يثرب لعبة بطاقات بها اسئلة وتحديات، لا أحب هذه اللعبة، لا أحب الألعاب بشكل عام، لكني لم أرد أن أكون مفسدة للمتعة لذا وافقت على اللعب معهم

واقترحت يثرب أن نلعب اللعبة بطريقة مختلفة، وهي أن نختار بطاقة أسئلة ونجيب جميعاً عنها وليس شخص واحداً فقط

"هل إخترت تخصصك؟، ولماذا؟"
كان هذا أول سؤال

"إخترته لأن والداي كانا يريانني فاشلة، لذا كان علي إختيار تخصص يريانه للمتفوقين"
ردت آش بشفافية وهي تأكل من طبق المارشميلو، لم تبدو مساءة أو حزينة، يبدو أنها معتادة على معاملة والديها

تحليلي لشخصية آش هو أنها كانت طفلة مشاغبة، لذا كان والديها يعنفانها كثيراً، ومن حديث الأستاذ عن تقديراتها يبدو أنها تعاني في الدراسة، تبدو كشخص يعاني من فرط الحركة وتشتت الإنتباه

ماذا أفعل؟، أغفر لي يا الله حكمي على الآخرين

"اخترته لأنني أطمح لأصبح أستاذاً في الجامعة، لقد بذل والدي جهده في تربيتي ولم يحرمني من شيئ لذا يجب أن ارد الجميل وأن أصبح ناجحاً"
رد هشام، وهو رد توقعته، فبالتأكيد طالب مثله سيرغب بأن يصبح أستاذاً جامعياً، ومن اللطيف تقديره لوالديه

"اخترته لأن الناس كانوا يرددون أنني جميلة فقط ولن أنجح في الكليات ذات التقديرات العالية، لذا اردت أن أثبت العكس"
ردت يثرب، رد متوقع لشخص محور حياته هو آراء الناس

"اخترته لأنني أحبه"
رددت بإقضاب، كنت الوحيدة التي ردت رداً بسيطاً

"ايمكنني أن اسألكِ شيئاً؟"
سألت يثرب

وكأنني إن رفضت لن تسأل!
"ماذا؟"

"هل تحبين حقاً مساعدة الناس حتى لو كانوا يعاملونك بطريقة فظة؟"

"أجل، لا يفترض أن أعامل الناس بطريقة جيدة لأنهم يعاملونني بطريقة جيدة فقط، ثم أنني ارسل إليهم ملخصات وليس أسئلة الإختبار لذا النجاح يعتمد على مجهودهم في النهاية لا أقوم بالكثير"

"هل أنتِ مقتنعة بهذا أم تحاولين إثبات شيئ لنفسك؟"
كانت والدة يثرب التي تدخلت في حديثنا

"عفواً!"

"هل أنتِ مقتنعة تماماً بأن عليكِ مساعدة الناس الذين يتصرفون بفظاظة معك أم تحاولين إثبات شيئ لنفسك؟"

أحاول إثبات شيئ لنفسي؟
أجل أحاول إثبات شيئ لنفسي، وهو أنني إنسانة صالحة، وأنني أستحق أن أكون إبنة لشخصان محبان كوالداي

هذا شيئ أخجل من نفسي بسببه، يفترض أن أكون أفضل، حتى في أفكاري، لكني أحاول

"أحاول أن أكون شخصاً أفضل"
رددت عليها لأنني لم أكن لأكذب

"لا يجب عليكِ أن تقبلي بمعاملة سيئة لتكوني شخصاً جيداً"

"أن يظهر الناس وجههم الحقيقي لي أفضل من أن ينافقوني ليأخذوا ما يريدون مني، والعطاء يعلم الناس أن يكونوا أشخاصاً جيدين"

"هذا ليس ضرورياً، العطاء مع السيئين يمكن أن يساعدهم ليكونوا أسوأ، فما داموا مايزالون يتم معاملتهم بطريقة جيدة لن يجبرهم شيئ على التغير"
كان هشام الذي تدخل في حديثنا ثم أضاف
"يحتاج الأشخاص السيئين لينالوا بعض العواقب ليشعروا بنتيجة أفعالهم، فأغلبهم لديهم نرجسية عالية ويعتقدون أن الجميع يجب أن يخدمهم، حتى الأشخاص الذين يعاملونهم بفظاظة يعتبرون بأن لديهم كل الحق في معاملتهم هكذا ليشعروا بالرضا عن أنفسهم"

"الأشخاص السيئين يجب أن يتم لكمهم، هل تعتقدين أننا كان يجب أن نعامل الذين حاولوا الإعتداء على يثرب بطريقة جيدة؟، هناك سجن لسبب ما"
أضافت آش

أنا لست مقتنعة بحديثهم بالكامل
لكني أيضاً لست مقتنعة بأن كل شيئ يحدث هو لمصلحتنا

أنا تائهة
أتمنى أن أصبح كوالداي لكن هل أمتلك رضاهما وشجاعتهما؟
لا أعتقد

لكني أحاول
أقسم أنني أحاول

"بهية، لا يجب عليكِ الرد علينا إن شعرتي بالضغط، نحن فقط نشاركك رأينا"
كان هشام

"ايمكنكم تخمين الجامعة التي تخرجت منها؟"
غيرت والدة يثرب الموضوع

"العلوم أو الطب"
أجابت آش

"ما رأيك؟"
وجهت سؤالها إلي

"العلوم!"
ربما هذا سبب دخول يثرب للكلية

"الفنون الجميلة، تحديداً الفن التشكيلي"
رد هشام بهدوء كعادته ورفعت والدة يثرب حاجبيها
"تبدو واثقاً!، كيف وصلت لهذا الإستنتاج؟"

"الوان المنزل، اللوحات التي من الواضح أنها مرسومة يدوياً والغرفة التي بدلت فيها ملابسي كانت تحوي تمثالاً يدوياً، أظافرك قصيرة وهذا يعني بنسبة كبيرة أنكِ من قمتي بنحته، فإبنتيكٍ لا يشاركانك نفس الهوايات، كما أن صورك مع يثرب اركِ تضعين المساحيق بإحترافية، وبنسبة كبيرة طلاب الفنون بارعين بإستخدام المساحيق لأنهم يعتبرون وجههم لوحة من لوحاتهم"

أعلم أن هشام ذكي
لكن هذا تخطى كل شيئ

صفقت والدة يثرب وهي تقهقه
"أنت بارع"

"هل أنت متأكد أنك مهندس وليس محقق؟"
سألت آش بدهشة وعيناها تلمعان وهي تميل على هشام

"أنه مجرد تخمين حالفني الحظ به"
رد هشام بتواضع

"اليس من الممل أن تصبح أستاذاً جامعياً؟"
سألت آش

"بعد أن أكبر سأحب الإستقرار، ووقتي في الدراسات العليا سيكون كافياً لجعلي أفقد كل طاقتي"

"أنت تخيفني، لا أريد التخرج فأنا خائفة مما ينتظرني بعده، فأنا لا أطمح للعمل ولا أحبه"
قالت وإستلقت على الوسادة على الأرض

أقسم بأن هشام يخطط في عقله لحفل زفافهما بعد التخرج مباشرةً 

هي لا تريد العمل، وهو يريد الإستقرار
زوجان مثاليان

" وأنتِ ماذا ستفعلين بعد التخرج؟"
سألتني يثرب

"سأبحث عن وظيفة بعيدة عن القاهرة"

"لما؟"

"لأنها مزعجة ومليئة بالضوضاء"

القاهرة تسبب لي التوتر، كل شيئ سريع، مليئ بالضوضاء، إزدحام، تدافع، أريد مكان هادئ وبطيئ

"أنتِ وهشام مملان"
علقت

أفضل من أن نكون أخرقين

"ماذا عنكِ ماذا ستفعلين بعد التخرج؟"
سألت آش يثرب

"سأكون متفرغة لأصبح مؤثرة بشكل كامل، وسأقوم بإنشاء قناة على يتيوب"

رد متوقع، لكني أشك أنها ستستطيع الإلتزام بقناة اليتيوب لأنها ليست منصة سهلة كانستجرام أو تيكتوك، فهي تحتاج العمل بشكل جاد وتحرير المقاطع وتعديلها

"بهية"
يبدو أنني غفوت بدون إدراك مني واستفقت على صوت يثرب

"يمكنك النوم ما دمتي ناعسة"
سحبتني لأستقيم واقفة 

غرفة يثرب تشبهها، غرفة وردية، بها الكثير من لوحات المشاهير، والديكورات

"تفضلي"
مدت لي بيجامة

"لا حاجة، سأنام هكذا"
لا أشعر بالراحة لفكرة إرتداء ملابس يثرب عزازيل

"لا تكوني ساذجة، لا يمكنك النوم بهذه الملابس، هيا ارتدي البيجامة"
أمسكت يدي وجعلتني آخذها

سأرتديها لتدعني أنام بسلام فقط
خرجت وتركتني لأبدل ملابسي، كانت البيجامة وردية، من الفرو الدافئ، ليست سيئة

نمت بعمق ثم إستيقظت باكراً كعادتي، قبل أن أفتح عيناي شممت رائحة عطر خفيفة، كانت رائحة يثرب، من الجيد أنها لم تضع من العطر الثقيل، كنت لأتعرض للإغتيال في منامي

نهضت ووجدت آش تنام على الأرض، من الجيد أنني تفقدت الأرض قبل أن ادعسها، خرجت من الغرفة وكان المنزل برمته هادئاً، يبدو أنه لا أحد يستيقظ باكراً هنا

جلست على المقعد وبدأت أتفقد رسائل وتساب وارد عليها

"لما أنتِ مستيقظة الآن؟"
كان صوت يثرب الذي فاجأني وكاد يسبب لي سكتة قلبية

جلست في المقعد المقابل لي، لا ترتدي بيجامة بل ترتدي فستاناً مكشوفاً باللون الأبيض، مزين بالدانتيل، الا تشعر بالبرد؟، ولا أعلم هل هذا بسبب الإضاءة السيئة أم أنها تضع مساحيقاً!

"هل تضعين مساحيقاً؟"
سألتها ووجدتها قد إرتبكت
"القليل فقط، هذا وجهي الطبيعي"

لقد تخطى هذا هوس الشهرة، تضع المساحيق طيلة الوقت، هي مجنونة، ولكن لا شأن لي

"ماذا تفعلين؟"
سألت بفضول

"أجيب على أسئلة الطلاب"
ليس وكأنني سأخاف منها

"أنتِ تمزحين!"

"كلا"

خطفت الهاتف من يدي، تلك الفتاة قد جنت حقاً، ركضت ودخلت الحمام وأغلقت الباب عندما حاولت أخذ الهاتف منها، هذا تصرف طفولي للغاية

ماذا يمكنها أن تفعل؟، لا شيئ، سأنتظرها فقط لأنني لست مختلة مثلها

خرجت من الحمام بعد مدة ثم وضعت هاتفي على الطاولة أمامي بهدوء وجلست

"أحذرك من أن تكرري تصرفات المراهقين تلك مرة أخرى"
نبهتها

"لما استيقظتي باكراً؟"
سألت ببساطة وكأنها لم تخطف مني هاتفي منذ لحظات فقط

"استيقظ باكراً دائماً، ماذا عنكِ؟ لما استيقظتي الآن؟"
لإزعاجي ربما

"أحياناً أستيقظ باكراً"
أشك في ردها لكني لا أهتم

استقامت واقفة
"ما رأيك أن أعد لكِ الإفطار؟"

"كلا، لننتظر الباقين"
يثرب تعد طعاماً؟، لما تتصرف بغرابة

"إذاً سأعد لكِ شيئ لتشربيه، هل تفضلين القهوة أم الشاي؟"
كانت تتحدث بدلال ومالت علي، هذا غريب حقاً

"قهوة"
رددت لتبتعد عني فقط

"تعالي معي للمطبخ"
سحبتني من يدي 

"هل تقفين بجوار الموقد بملابس كتلك دوماً؟، يسهل أن تحرقها النيران"
تبدو بلهاء لذا سألتها 

"لا تقلقي، أنا معتادة"
ردت بثقة باسمة ووجدتها تحاول اشعال الموقد بالإشعال الذاتي ولكنها لا تستطيع

"هناك ولاعة هناك"
أشرت لها على مكان الولاعة، حتى أنا التي أدخل المطبخ لأول مرة لاحظتها وهي لم تلاحظها

أمسكت بها وقبل أن تضغط عليها حذرتها
"انتظري لا تشعليها"
لكن يديها كانت أسرع وضغطت على زر الإشعال وعندها اشتعل طرف فستانها بسبب إنتشار الغاز في المطبخ 

وقفت بسرعة وأخذت زجاجة مياة وأطفأت فستانها بينما هي كانت تلتقط أنفاسها بذعر لحسن الحظ أنها لم تصرخ 

ساعدتها لتجلس
"هل أنتِ بخير؟، هل تشعرين بالألم؟"

أومأت بالإيجاب
"أين تضعون مرهم الحروق؟"
سألتها وأشارت للثلاجة

أحضرته ثم سألتها 
"أين تشعرين بالألم؟"

بدأت تشير على فخذيها وبدأت أقوم بدهنه
"الا تفكرين قبل أن تتصرفي؟"
أنا لا أفهم كيف تصرفت بكل هذه الحماقة

ظلت صامتة وعندما إنتهيتُ من دهن المرهم أعدته للثلاجة
"ارتدي شيئاً آخر، الا تشعرين بالبرد؟"

بدأت تذرف الدموع
رائع!

"لنذهب للمشفى إن كان الألم قوياً"
لا أرى بأن الحرق قوي ولكن هذا لا يعني بأنه ليس كذلك

حاولت سحبها لتقف لكنها رفضت وبدأت تمسح دموعها
"بما تشعرين؟"

تلك الفتاة تقلقني

"الا ترينني جميلة؟"
هل سمعت بشكل خاطئ؟، ما هذا السؤال العبثي في هذا الوقت الغريب؟

"ماذا!"
لابد أنني سمعت بشكل خاطئ

"هل ترينني جميلة؟"
يبدو أنني لم أسمع بشكل خاطئ

"لما تسألين؟"

إستقامت واقفة ثم هربت للحمام، ظلت مختبئة حتى غادرنا، لا أعلم حتى ماذا حدث لتتصرف بهذه الطريقة

أشك في صحتها العقلية

تفقدت هاتفي ووجدت أن جميع ملفات الملخصات قد حُذفت
يثرب عزازيل!، الا يمكنك أن تدعي يوماً يمر بسلام؟

.

8. الراعي والذئب
لحسن الحظ أقوم بكتابة الملخصات على حاسوبي ثم أنسخها لهاتفي، لذا مازال لدي الملخصات على حاسوبي

لا أفهم لما فعلت يثرب هذا، هي فتاة مزعجة وغريبة
ومنذ هذا الحادث لم تعد تراسلني، ولم تعد تتحدث معي في الجامعة

بصراحة هذا مريح فأنا لم أكن أحب أن أكون مثيرة للإنتباه، فعندما تكون معي يراقبنا الجميع

"هل حدث شيئ بينك وبين يثرب؟"
سألتني شمس

كنت أتناول شطيرة في مكاني الهادئ في حديقة الجامعة وهي تجلس بجواري
"ماذا سيحدث بيني وبينها؟، هي فقط شريكتي في مشروع التخرج لا غير"

تنهدت شمس بخيبة أمل
"كنت أعتقد أننا سنصبح من نخبة مجتمع الجامعة"

شمس تحب فكرة الشهرة، كأغلب الطلاب، يسعون لأن يصبحوا نجوم الجامعة، وكأنهم في مسابقة وليس في مكان للدراسة

"أستمري في الحلم"

"هل رأيتي يثرب في مهرجان الدراما؟"

"كلا، أنا لا أتابع هذه الأخبار التافهة"
إستقمت واقفة
"سأذهب للمكتبة"

ضجرت من سماع الناس يتحدثون عن يثرب، ليس لدي وقت فراغ لهذا الهراء

اشتريت كوب قهوة وذهبت للمكتبة، القراءة تهدئ أعصابي، بعد العودة للمنزل الصقت ورقة ملاحظات جديدة، بها سؤال عميق لا أعلم إجابته بعد
(ماذا بعد التخرج؟)

أنا أرغب بمغادرة القاهرة للعمل في مكان هادئ لأجمع المال اللازم للدراسات العليا، ولكن ماذا بعد الدراسات العليا؟، هل سأصبح أستاذة جامعية كهشام؟

كلا
أنا لا أطيق الطلاب
ومتأكدة أنه حتى بعد أن اُنهي جمع الأموال والدراسات العليا والدكتوراه سأظل كما أنا

عندما كنت صغيرة كان حلمي أن أشتري منزلاً في دهب وأن أبقى هناك، مكان هادئ ومسالم

ربما عيبه الوحيد هو السياح
لكني كنت أخطط للسكن في مكان فارغ تماماً بعيداً عنهم

بدأت الإختبارات وفي هذه الأيام لا أنام، يقوم الطلاب بالتذمر بعد الإختبار حتى لو كنت ارسلت لهم الملخصات التي تحوي معظم الأسئلة، لا يريدون بذل أي مجهود

"بهية محمود!"
نادتني طالبة وهي تبتسم، هذا غريب، لا أحد يبتسم في وجهي

"أجل!"

"أريد سؤالك عن أمر ضروري"
مدت كتاباً وسألت سؤالاً سبق وأرسلته ولكن لم أكن لأحرج شخصاً يطلب المساعدة

"أريد شكرك، سأشتري لكِ ما تريدين"
سحبتني من يدي

"شكراً، لا أريد"
هذه الفتاة غريبة، إستمرت في سحبي
"أخبرتك أنني لا أريد"
كررت

"لا يمكنك الرفض، هذا يعني أنكِ ما تزالين مساءة"
قالت بنبرة خائبة وسحبتني بقوة

أريد التخلص منها لذا وافقت
"حسناً"

رافقتها لخارج المكتبة وعندها سمعت صوت يثرب
"اتركيها"

كانت يثرب تبدو مستاءة
"يثرب!"
قالت الفتاة بقلق

"الم تسمعي ما قلته؟"
كررت يثرب وعندها أفلتتني الفتاة

ماذا يحدث؟، ربما علي الإنسحاب وتركهما 
"أتعلمين لما تسحبك بعيداً عن حاسوبك؟"
سألت يثرب وعندها تذكرت أنني تركت حاسوبي في المكتبة، لقد نسيت

"لما؟"

"تريد سرقة أسئلة الإختبار"
قالت وعندها ردت الفتاة بسرعة
"كلا بالطبع، لم أفعل شيئاً"

سحبتني يثرب لداخل المكتبة ووجدت طالبان عند حاسوبي وأحدهما يقوم بإستخدامه
"بئساً"
تمتم عند رؤيتي

"هل أنتم حمقى؟، المكتبة مزودة بكاميرات مراقبة"
قلت وعندها ردت يثرب
"معطلة تحتاج الصيانة منذ أسبوعان"

هرب الطالبان، هذا عبثي جداً، لم يكونوا ليصلوا إلى أسئلة الإختبار لأنهم حمقى بأية حال

تفقدت حاسوبي ثم أغلقته
"شكراً"
شكرت يثرب في النهاية

غادرت يثرب بصمت، هذا مريح ولكن غريب، لم أبلغ أي أحد بأمر محاولة سرقة الأسئلة، فبأي حال هي محاولة فاشلة، لكن هناك من أبلغ إدارة الجامعة، وتم حرمان الطلاب من دخول الإختبار

لم يستحقوا عقاباً كهذا، أعنى حتى لو مروا بالإختبار كانوا ليرسبوا، لا يحتاجون للحرمان

بعد العودة لمنزلي وجدت رسائل من آش، كانت صور ليثرب على السجادة الحمراء، مرتدية الفستان الذي أهديته اياها في عيد ميلادها، الآن هي حرفياً دمية باربي

شعر أشقر، جسد ممشوق، خصر نحيل وفستان وردي، دمية مثالية

"الا تبدو رائعة في الفستان؟"
كانت رسالة آش مع الصور

"أجل، كدمية باربي"
رددت عليها

بالمناسبة
أنا أكره باربي
تلك الدمية التافهة التي تجعل للنساء شكلاً محدداً بعيد عن الواقع ووظيفة واحدة، ثم قاموا بعمل نماذج مختلفة منها ليبيعوا للأجيال الجديدة لأنهم لم يكونوا ليقتنعوا بهراء الدمية البلاستيكية التي تأتي بمساحيق كاملة، صدر كبير وخصر وساقين نحيلتين، وبالطبع شعر أشقر

يثرب عزازيل هي نموذج واقعي لباربي لذا تغضبني، فتاة متفاخرة، تدع آراء الناس تتحكم بها

بدأت أحزم أمتعتي بعد إنتهاء الإختبارات، لم يتبقى إلا مناقشة مشروع التخرج ثم سأنتقل إلى دهب، لقد قررت، وقد وجدت وظيفة هناك بالفعل

وبينما أفعل وجدت ربطة شعر ملونة، كنت قد نسيت أمرها تماماً، تلك الربطة مصنوعة يدوياً، يقومون بعمل ضفيرة للشعر بها، تجعل الضفيرة ملونة بمظهر صيفي لطيف

أتذكر جيداً من قام بعمل ضفيرة لي بها، بعد أن توفي والدي كنت مكتئبة جداً لذا قررت والدتي أن نترك المنزل لبعض الوقت وذهبنا لدهب، كانت فارغة وهادئة

وفي أحد الأيام بينما أبكي قرب البحر إقتربت مني فتاة وسألتني إن كنت بخير، كانت صاحبة شعر أسود مموج طويل، بشرة داكنة وعينان ذهبيتان، ولتقوم بالتخفيف عني صنعت لي ضفيرة بشريطة تحملها وأخبرتني بأنها صنعتها بنفسها، كانت فتاة لطيفة جداً

ترى هل سأجدها عند ذهابي هذه المرة أيضاً؟
وهل ستتذكرني؟

جهزت العرض التقديمي لمشروع التخرج وطلبت صوراً للوشق من يثرب، ارسلتها بدون أي رسائل جانبية، كم هذا مريح

يوم المناقشة ارتديت بذلة باللون الأخضر الفاتح، رفعت شعري كالعادة ووضعت أحمر الخدود وبعض الكحل وأحمر شفاة، كانت يثرب ترتدي بذلة وردية، بمعطف به احجار لامعة وسروال قصير وشعرها مرفوع صانعةً تصفيفة الأناناسة، كان مجعداً وليس مستقيماً كما إعتادت تصفيفه

تفاجأ الأستاذ من فكرة إبقاء الوشق في المنزل وأخبرته يثرب أنها أعادته للمحمية فور إنتهاء المشروع وأن لا يقلق، لا أعلم هل تقول الحقيقة أم لا، لكنها ليست مشكلتي

"التقط لنا صورة"
أخبرت العامل وناولته الهاتف ثم إقتربت مني
من الجيد أنه آخر يوم للمشروع

أغلقت الحاسوب ووضعته في حقيبتي
"أخيراً"
تمتمت بينما أغلق السحاب

"ماذا ستفعلين الآن؟"
سألت يثرب

"سأنتقل إلى دهب"

"حقاً!"
سألت بتفاجوء، ما بالها؟

"أجل"
حملت حقيبتي ثم لوحت لها
"وداعاً"

عدت لمنزلي ثم جهزت نفسي للذهاب لمنزل جدتي، مع نهاية كل إختبارات نذهب لقضاء الوقت هناك مع خالاتي وأولادهم، أشعر بدفئ العائلة وقتها

"بهية!"
هتف بيشوي عند رؤيتي، هو إبن خالتي ميرفت وخريج كلية التربية الرياضية، يكره الدراسة لذا إختار هذا التخصص

ربما الوحيدين الذين لا أستاء عندما ينادون باسمي هم عائلتي

"بوبو حضرت أخيراً!"
كان ماتيو إبن خالتي ليزا، وهو طبيب جراح

بعد تناول الغداء بدأوا يسألونني عن خططى لما بعد التخرج وأخبرتهم أنها لم تتغير، سأنتقل لدهب

"لدي أصدقاء هناك، سيجدون لكِ منزلاً بسعر جيد"
كان لويس شقيق بيشوي

"جيد، اسألهم الآن لأنني سأسافر في خلال الأسبوع القادم"
رددت عليه

جميع أولاد خالاتي رجال، أنا الفتاة الوحيدة في العائلة، ورؤية الأمور من وجهة نظر الرجال أحياناً مضحكة وأحياناً تسبب لكَ صدمة تحتاج بعدها لعلاج مكثف

"لقد رأيت مشهورة جامعتك في مهرجان الدراما"
قال روماني، وهو مصور

"هل تراني أهتم بهذه الأخبار؟"

"لقد كانت تعرفني"
أضاف

"حقاً!"

"أجل، كان الأمر غريباً، نادتني باسمي"

يثرب دائماً غريبة، وتزداد غرابة يوماً بعد يوم

بعد أن نام كبار العائلة إقترح بيشوي أن نخرج ونقود الدراجات كما كنا نفعل في طفولتنا، ورغم أنني رفضت فقد أخذوني رغماً عني

أنا حتى لا أحب قيادة الدراجات لذا جلست خلف بيشوي فقط ولم أقد واحدة، حتى أنهم اصطحبوني حافية القدمين، هذا يزيد قلقي

توقفوا عند حديقة اعتدنا اللعب بها وارتموا على الأرض ليرتاحوا بينما جلست أنا على المقعد، الحديقة مظلمة والوقت متأخر لكنني بصحبة مجموعة من الرجال، لذا كل شيئ سيكون على ما يرام

سقطت ربطة شعري ولم أستطع ايجادها بسبب الظلام، شعري المتطاير مزعج، بالأخص أن الجو أصبح دافئاً الآن 

بدأ روماني تصوير بث مباشر وحذرته من الإقتراب مني، أخذوا يلعبون بجنون، هكذا هم الرجال، لكن رؤيتهم لا تزعجني كما يزعجني الباقون، عائلتي لها جزء مميز في قلبي 

ربما تتسائلون هل تأثرت علاقة والدتي بعائلتها عند زواجها بمسلم أو العكس؟، الإجابة هي كلا، كِلتا العائلتين يؤمنان بالحب، فكيف بمن يؤمن بالحب أن يمنع محبان عن البقاء معاً؟

ووالدي ليس أول من تزوج شخصاً من دين مختلف، فقد سبقته عمته وتزوجت رجلاً مسيحياً، لا أحد هنا يتحدث عن الأديان، علاقتك بالله هو شيئ يخصك أنت فقط

سمعنا صوت صراخ فتاة، واسرعوا لتفقد الوضع، كنت آخر من يصل، كانت يثرب عزازيل على الأرض تمسك بركبتها، ماذا تفعل هنا؟، هذه الحديقة بعيدة تماماً عن منزلها

"ماذا تفعلين هنا؟"
سألتها

"كنت أقوم بتصوير مقطع لانستجرام"

ياله من سبب رائع للخروج بعد منتصف الليل، فحصها ماتيو وأخذت تتذمر بأنها تتألم، بعد الفحص إقترب مني وقال بأنها بخير تماماً، تلك الدمية الباحثة عن الإهتمام!

حملها بيشوي ووضعها على مقعد الحديقة ثم اقترحوا طلب سيارة لايصالها لمنزلها لكنها أخذت تبكي وتقول أنها لا تستطيع التحرك

"هل منزلك قريب؟"
سألت ببراءة

"منزل جدتي، وكما ترين جميع اولاد خالتي رجال، لا يمكنك قضاء الليلة هناك"

"لا بأس نساء العائلة موجودين، يمكنها المبيت"
قال روماني واتسائل لما يتحدث؟، عليه الصمت

في النهاية لم نمتلك حلاً إلا أخذها للمنزل، دهنت لها مرهم الكدمات وأكاد أقسم أن ركبتها سليمة تماماً وهي تمثل فقط

"كيف جرى مقطعك؟"
سألتها وهي ردت
"جيد، لولا أنني سقطت سقطة مؤلمة"

على من تكذبين؟، من الواضح أنكِ بخير تماماً، أتسائل لما تكذب كالأطفال؟

اعد لويس عصيراً طازجاً وقدمه ثم عاد لغرفته، ستفوتني فقرة الحديث عن آخر أخبار العائلة بسببها

"شعرك يبدو رائعاً"
بعد جملتها إنتبهت أنني نسيت رفع شعري، رفعته وربطته
"شكراً، لا أحبه هكذا"

"لما؟"

"لأنه مزعج"

"ما رأيك بمظهري؟"
كانت ترتدي بنطال جينز أزرق وقميص وردي، تضع المساحيق كالعادة

"ماذا يفترض أن أقول؟"
اسأل بجدية فأنا لا أفهم سؤالها

"ما الفتاة التي تثير انتباهك؟"
ياله من سؤال غريب ومريب

"عفواً!"

بدأت تقترب مني وتميل علي
"ما الفتاة التي تنظرين إليها وترينها جميلة؟"

"هل أنتِ بخير؟"
سألتها بإستغراب لأنها تتصرف بغرابة

هل لديكِ بيجامة مناسبة لي؟"
سألت وعندها استقمت واقفة بسرعة لأبتعد عنها

فتحت الخزانة ووجدت احدى بيجاماتي القديمة، ناولتها اياها ثم خرجت من الغرفة ودخلت بعد أن بدلت ملابسها، كانت قد تركت أزرار البيجامة مفتوحة كاشفة عن جزء من صدرها

الا يمكنها التوقف عن الإستعراض؟
هل يخيل لي أم أن المساحيق في وجهها زادت؟

فتحت النافذة لأن الغرفة إمتلأت برائحة عطرها وأكاد أختنق
"لا ترشي من عطرك مرة أخرى"

"هل هو بكل هذا السوء؟"
سألت متذمرة

"أنا أعاني من حساسية، أي رائحة قوية تزعجني، تجعلني أختنق"

"أعتذر"
قالت ببراءة

أخذت وسادة ورميتها على الأرض ثم جلست
"ماذا تفعلين؟"
سألتني

"سأنام على الأرض"

"لما؟"

"لأنكٍ تضعين عطراً سيقتلني أثناء نومي"

"لما تكرهينني؟"
سألتني بشكل مباشر وبتذمر طفولي

"أنتِ فقط مزعجة"

"لما؟"

"تقومين بأي شيئ للفت الإهتمام، لا أحب هذا النوع من الأشخاص"

"وما هو نوع الفتاة التي تروق لك؟"
لا أفهم حتى ما هذه الجملة

"عفواً!"

نزلت لتجلس بجواري على الأرض ثم أسندت يديها على الأرض لتميل علي
"هل هناك فتاة تنظرين إليها وتهمسين بأنها جميلة؟"

"كلا"
عدت للخلف لأبتعد عنها لأن عطرها يكاد يخنقني وعندها تعثرت وسقطت على ظهري وسقطت هي فوقي
رائع!

أستندت جسدها بذراعيها ونظرت لوجهي نظرات لا أفهمها، ما بال تلك الفتاة؟

مالت علي أكثر وعندها صفعتها
"ياللهول!"
صرخت عندما إستوعب فعلتي، كيف قمت بشيئ عدواني كهذا؟

"أنا آسفة، هل أنتي بخير؟"
سألتها بقلق حقيقي وهي تتحسس خدها تكاد تبكي 

عادت للنظر لي ثم إقتربت بشكل سريع وقبلت شفتاي، وعندها صفعتها مرة أخرى

ياللهول هل إعتدت العنف الآن؟

أخذت التقط أنفاسي وإبتعدت عنها بسرعة
لقد صفعتها مرتين!

مهلاً!
هناك مشكلة أخرى

هل يثرب عزازيل قامت بتقبيلي؟

يثرب عزازيل قامت بتقبيلي!

يا إلهي!

يثرب عزازيل قامت بتقبيلي 

ياللهول!

.

9. خارج السيطرة
تسأل عليا ليه؟ هو إحنا لسه إحنا
مستني مني إيه؟ ملامحنا مش ملامحنا
دلوقتي بينا إيه غير ذكرى بتجرَّحنا
ما هي دنيا بتفرّحنا لحظة والباقي بتدبحنا

"بهية عماد الدين محمود ويثرب عبدالرحمن عزازيل"
قرأت رسالة البريد بينما كنت استلقي على معدتي على سريري استمع لأغنية اليسا

بهية عماد الدين محمود

تلك الفتاة صاحبة النظارات ذات الإطار الأخضر

إذا كان هناك طالب واحد يلفت إنتباهي في الجامعة فهي بهية عماد الدين، ليس لأنها عبقرية وتقوم بكتابة ابحاث الأساتذة والإختبارات فقط، بل لأنها تساعد الجميع حتى وهم يتحدثون عنها بطريقة سيئة

ما الكلمة التي تصفها؟
بلهاء

تقلبت في سريري لاستلقي على ظهري لأنظر للسقف
لا تروق لي تلك الفتاة لأنني لا أحب الحمقى

أنا يثرب عبدالرحمن عزازيل
نجمة الجامعة، الجميع يحبني ويطمحون بأن يصبحوا مثلي، لقد ولدتُ لأكون محبوبة

فتاة جميلة ولطيفة
لستُ لطيفة حقاً لكن الجميلات يسمح لهن بفعل أي شيئ وسيظل الناس يصفونهم باللطف

بهية عماد الدين ليست فتاة سهلة 
بالأخص بعد أن جعلت الحارس يوقفني فقط لأقابلها

حسناً لنبدأ المشروع السخيف

أتسائل لأي درجة يصل رضاها عن نفسها، لم ارها يوماً تضع مساحيقاً ملفتة، غالباً تضع احمر الشفاة والخدود فقط، وتبدو رائعة رغم مظهر شعرها الفوضوي الذي لا تغيره أبداً

بهية عماد الدين فتاة لطيفة بحق
اعارتني بنطالها عندما تمزق بنطالي

ولكن أيضاً هي مختلة لأنها ماتزال تساعد الطلاب حتى بعد أن تعرضوا لها وكانوا سيضربونها
هي بالتأكيد مختلة لتساعدهم بعد هذا الحادث

وفي النهاية هي تكرهني أنا وليس هم!
هي مجنونة!

بهية عماد الدين فتاة جميلة وملفتة
أصبحت عيناي تبحث عنها في كل مرة أذهب فيها للجامعة

"تلك الفتاة تعجبك"
قالت والدتي بعد أن رأت بهية لدقائق قليلة في المنزل

"نوعاً ما"
رددت عليها

"عليكِ التحرك إذاً"
هذا ما أخبرتني به ثم تركتني وحدي

والدتي لديها قصة حزينة نوعاً ما
في فترة من حياتنا كنا نعيش في السعودية
والدي كان يخون والدتي ويقول دوماً أنه منشغل بعمله ولم نكن نراه أبداً، لم يكن يعود للمنزل

في تلك الفترة تقربت جارتنا من والدتي، كان اسمها نورة، كانت لطيفة للغاية وتقضي وقتاً طويلاً معنا، ثم نشأت علاقة بينها وبين والدتي

كانت أفضل أيامنا عندما كان لدينا والدتين، كان المنزل دافئاً ومريحاً، ورؤية والدتي سعيدة كان أفضل جزء

وللأسف الشديد إكتشف والدي الأمر وعندها جُن، لأنه وكما يعلم الجميع يسمح للرجل بالخيانة لكن لا يسمح للمرأة، وقرر والدي ممارسة هوايته المفضلة، إفساد أي شيئ جيد في حياتنا

هدد نورة بأنه سيقوم بفضحها وجعلها تغادر وتقطع أي صلة بينها وبين والدتي، ثم اعادنا لمصر وقام بتطليق والدتي

في حياتي والدي كان الشخص الذي يفسد أي شيئ جيد، الرجل الذي لا يهتم إلا لنفسه

حاولت والدتي تعويضنا عن غياب الأب لكن هذا كان بلا فائدة، فبأي حال أنا أرى الأب شخصاً بلا فائدة، لذا أكتفي بوالدتي

"عليكِ التحرك"
هذا ما قالته أمي

ماذا أفعل؟، تلك الفتاة تكرهني، ولا أعلم هل تعجبني لأنها تتجاهلني فقط أم أنها تعجبني حقاً، الأمر محير

بهية ليست أول فتاة تلفت إنتباهي، قبلها كان هناك فتاة قابلتها في الزمالك بالصدفة، لفتت إنتباهي ثم تقربنا

دخلنا علاقة إستمرت لأسبوعين فقط
لما؟
لأنها كانت تعتبرني لعبتها الجنسية
كما أنها وصفت علاقتنا بالمقصات

أنا لستُ مقصاً سخيفاً
أنا يثرب عزازيل
ادخل علاقة حب وليس علاقة مقصات

لكن بهية مختلفة، فتاة مثلها لا أعتقد حتى أنها تقوم بالإستنماء
لا أعتقد أنها تقوم بشيئ غير حشر وجهها في الكتب

"هل ترينني جميلة؟"
عندما سألتها كانت مستغربة

يبدو أنها لا تراني جميلة

حاولت إغوائها بلا فائدة، لأول مرة أقف أمام المرآة أنظر لجسدي وأفكر ماذا ينقصني لتنظر لي؟

لا أريد أن ينتهي بي المطاف نادمة كوالدتي
فهي تشعر بالندم أنها لم تتصرف بشجاعة عندما هددها والدي وفصلها عن حبيبتها

يوم مشروع التخرج قالت أنها ستنتقل لدهب
لن ادعها تختفي بسهولة هكذا
لن أعيش قصة بنهاية كنهاية والدتي

تابعت إبن خالتها ووجدته يقوم ببث مباشر ورأيت بهية به، جهزت نفسي بسرعة وذهبت للمكان فأنا أعرفه، ثم تظاهرت بالسقوط

هذه فرصتي، علي النجاح في إغوائها هذه المرة، تركت أزرار البيجامة مفتوحة ورششت من عطري، عدلت مساحيقي وكنت اتوقع النجاح

لكنها إنزعجت من رائحة العطر
لقد نسيت أمر حساسيتها
كم أنا بلهاء

أريد تقبيلها
أريد تقبيلها بشدة

توقعت الكثير من ردات الفعل
والصفعة كانت واحدة منها
لكني لم اتلقى واحدة فقط
بل صفعتين

"هل أنتِ بخير؟"
سألت بقلق

تلك الفتاة مختلة بلا شك
صفعتني مرتين وتشعر بالأسف تجاهي

لا يهم
على الأقل قمت بتقبيلها

"رأسي يؤلمني"
أنا جيدة في التمثيل

أحضرت لي قربة بارة وشكرتها
"هل ستنتقلين لدهب حقاً؟"
سألتها

"أجل"

"لما؟"

"لأنها هادئة"

علي أن أحاول
"ما رأيك أن تؤجلي الأمر؟"

"لما؟"

"قد ترغبين بشريكة سكن"

"كلا"
ردت بلا تردد
هي بارعة في رفض أي شيئ يخصني

"كيف ترينني؟"

"عفواً!"

"من هي يثرب عزازيل في نظرك؟"

صمتت لثواني 
"فتاة متباهية، دمية تتبع آراء الناس بها"

هذا كان قاسياً!

"هل تكرهينني؟"

"لا أكره أحداً"

ما هذا الرد؟
"إذاً تكرهينني!"

"لقد أخبرتك، لا أكره أحداً"

"أنا لا أهتم بالباقين، أسألك عني فقط"
ارتفعت نبرة صوتي لأنها تتهرب من سؤالي، وأنا أكره هذه الطريقة

"أنتي مزعجة، تجعلينني أشعر بالسوء"

"لما؟"

"لا أحب أن أتحدث عن شخص بطريقة سيئة، لكن تصرفاتك تجعلني أفكر بشكل سيئ"

تلك المثالية الزائفة السخيفة
"بالطبع يمكنك التحدث عن أي أحد بشكل سيئ"

"أنا لست هكذا، أنا أحب الجميع"

"هذا هراء، لا يمكنك أن تكوني هكذا"

"وما شأنك أنتِ؟"

هي حقاً تكرهني
أريدها أن تظهر وجهها الحقيقي
وليس التظاهر بالمثالية واللطف

"أخبريني بصراحة عن رأيك فيّ"

"سبق وأخبرتك"

"أنتٍ لستِ صريحة، أخبريني الحقيقة لن أحكم عليكِ"

"أنا لست مثلك، لدي أخلاق ومبادئ"

"ليس بالضرورة أن تعني الأخلاق البلاهة"
تحدثت بدون تفكير

"ماذا قلتي؟"
قوست حاجبيها بإستياء، جيد، أريد إظهار هذا الجزء منها

"قلت أنكِ بلهاء"

"أنتِ آخر من يحق له الحديث عن البلاهة يا دمية الانستجرام"

"على الأقل لا أدع الطلاب يستغلونني"

"العطاء الغير مشروط شيئ لن يفهمه شخص مثلك"

"من الجيد أنني لا أفهمه، كنت لأصبح بلهاء"

"ما الذي تريدينه؟، لما تلاحقينني؟"
رفعت صوتها، يبدو أن رصيد صبرها قد نفذ

وهذا بالضبط ما كنت أنتظره

"أريد التقرب منكِ"

"عفواً!"

"أريد أن نصبح أقرب"

"لذا تعاملينني كالقمامة؟"

"أنتِ صاحبة عقدة المثالية وليس أنا"

"وما دخلكِ أنتِ بعقدة المثالية لدي؟"
أخذت تلتقط أنفاسها، لقد خرجت عن السيطرة

"أنتِ تضغطين على نفسكِ كثيراً، عليكِ أن تكوني أكثر لطف مع نفسك وليس مع الناس"
رددت عليها بهدوء

"لا شأن لكِ، لا تتدخلي فيما لا يخصك"

تبدو مثيرة وهي غاضبة
أريد تقبيلها مرة أخرى

سحبتها وكوبت وجهها بحركة سريعة ثم قبلتها بقوة هذه المرة

وأجل تلقيت صفعة ثالثة
لكن الأمر كان يستحق
لست نادمة على أي شيئ

.


10. لعبة الصراحة
آخر شيئ كنت أتوقعه هو تلقي قبلة من دمية الانستجرام يثرب عزازيل
هذا شيئ لم اتوقعه حتى

"أنا لست دميتك لذا ابقي بعيدة"
حذرتها بعد أن غسلت أسناني

"لكني لا أعتبرك لعبة"
لديها من الوقاحة ما يكفيها للتحدث معي بعد ما حدث

"إذاً لماذا تلاحقينني؟"

"أنتِ تعجبينني"

"لابد أنكِ مختلة، أنتِ حتى لا تعرفينني"

وكأنه كان ينقصني أن تلتصق بي دمية الأنستجرام تلك، لدي الكثير لأفكر به ولا ينقصني مصيبة أخرى

أحاول أن أصبح انساناً أفضل
وهي لا تساعد

"أنتِ بهية عماد الدين، أكثر الطلاب تفوقاً في كلية العلوم، تكتبين الملخصات وابحاث الأساتذة والإختبارات"

"الجميع يعرف هذا"
يالها من معلومات رائعة تثبت أنها بلهاء

"وتريدين أن تصلي للمثالية في العطاء الغير مشروط لكنكِ لا تستطيعين، لأن هذا هراء"

"متوقع لفتاة مثلك لا تهتم إلا بنفسها أن تعتقد هذا"

"قولي ما تريدين لكني متأكدة أنكِ داخلياً تعلمين بأن العطاء الغير مشروط والرضا نسبي، وليس شيئاً ضرورياً لنصبح أشخاصاً جيدين، فلما هناك عواقب إن كان السيئين سيتم معاملتهم بطريقة جيدة؟"

"لأن الجميع يستحقون فرصة ليصبحوا أشخاصاً جيدين"

"إذاً لما لا تعطيني فرصة سخيفة كما تمنحين الجميع إن كنتِ حقاً مقتنعة بما تقولين؟"
كانت تصرخ بي

وللأسف فقد اجادت الحديث هذه المرة
والآن أنا مضطرة لأمنحها فرصة

أخذت نفساً عميقاً
"حسناً، سأمنحك فرصة"

"حقاً!"
كانت تبدو متفاجئة، يبدو أنها كانت تراهن على رفضي

"أجل، أنا أؤمن بالفرص الثانية"
رددت بهدوء

أمسكت بيداي
"لن تندمي على هذا"
كانت تبدو متحمسة، ابعدت يداي عنها، عفواً لقد قبلتني مرتين منذ لحظات!، لا أثق بها

"وليس من المسموح لكِ تقبيلي"
أضفت

"حسناً، الآن ايمكننا لعب لعبة؟"
سألت وهي تخرج هاتفها

"لا"
لا أحتاج للتفكير حتى، أنا لا أريد لعب لعبة سخيفة

تابعت يثرب وكأنها لم تسمع شيئاً
"لعبة بسيطة، مجموعة اسئلة عشوائية، سأبدأ أنا، السؤال الأول، ما أكثر ذكرى سعيدة تتذكرينها في طفولتك؟"

لن أجيب، لا يفترض أن تعرف عني أشياء خاصة، ولكنها أكملت حديثها
"لدي فكرة، سنطرح السؤال ونجيب كلينا، سأبدأ أنا، ذكراي المفضلة هي عندما كانت أمي وحبيبتها يوقظننا يوم الجمعة باكراً ثم نعد الإفطار جميعاً"

هل قالت أمي وحبيبتها؟، لأنني لم أسمع شيئاً بعدها
"ماذا قلتي؟"
سألتها، أعلم أنه سؤال وقح ولكني لا أستوعب أن نجمة الانستجرام تتحدث عن امتلاك والدتها لحبيبة بكل هذه الاريحية

"أمي وحبيبتها، لكن للأسف افترقتا"
ردت بأكثر نبرة طبيعية

لا تفهموني بشكل خاطئ
أنا لست كارهة للمثلية
ولا حتى والداي
لكني لم أتوقع أن فتاة كيثرب لها والدة مثلية

"ماذا عنكِ؟، ما ذكراكِ السعيدة؟"
سألتني لأتذكر أنني لم أجب على السؤال

"حضور الحضرات الصوفية مع والدي"
أجبت بإقتضاب وأتمنى أن لا تسأل عن تفاصيل فأنا حساسة عندما يتعلق الأمر عن والدي

"ما الشيئ الذي يعتقده الناس عنكِ لكنه غير حقيقي؟"
جيد، سألت السؤال التالي بدون السؤال عن تفاصيل لاجابتي، ثم تابعت لتجيب
"يعتقد الناس أن لدي الكثير من الأصدقاء لكن في الحقيقة ليس لدي صديقة واحدة"
كانت تتحدث بأكثر نبرة طبيعية

هل أشعر بالأسى على دمية الأنستجرام؟
ربما

"ماذا عنكِ؟"
سألتني لأتذكر أنني لم أجب

"لا أعلم فأنا لا أستمع لما يقوله الآخرون عني"
أعلم بأنهم يكرهونني لذا لا أتعب نفسي بالإستماع إليهم

"ما هي أكبر مخاوفكِ"
قرأت السؤال ثم أجابت
"أخاف أن أصبح حزينة وبائسة كوالدتي"

يالها من جملة قاسية

"أخاف أن أفشل في أن أصبح كوالداي"
بما أنها أجابت بصراحة فقد كان علي الإجابة بصراحة

"ما الذي يجعلكِ تثقين في الأشخاص؟"
قرأت السؤال ثم أجابت
"أن يكونوا صادقين"

"أنا أيضاً، أن يكونوا صادقين"

"إن كان بإمكانك عيش حياة شخص آخر لمدة يوم فمن ستختارين؟"
همهمت ثم أجابت
"أنا سأختار هنا الزاهد"

"لما؟"
لا أعلم حتى لما سألت

"لأنها جميلة ومحبوبة"

"أنتِ نسخة منها"
هل لديها مشكلة في مرآة منزلها؟، هي تشبه هنا الزاهد بشكل كبير، بالأخص بعد أن صبغت شعرها بالأشقر

"أترين هذا؟"
سألت بفضول وأشعر ببعض الندم لجملتي

"أجل"

"ماذا عن اجابتك؟"

"لا أعلم، لا أريد أن أعيش حياة شخص آخر، تعجبني حياتي"
لا أحب فكرة تغيير أي شيئ في حياتي

إلا لو كان منع موت والدي

"ما أغنيتك المفضلة؟، أنا أحب أغاني تيلور سويفت، ربما أغنيتي المفضلة لها هي بلانك سبيس"

ذوق سيئ، متوقع من دمية الانستجرام

بعيداً عن الحضرات الصوفية والترانيم فأنا أحب فيروز، فقد غنت ترانيماً أيضاً
"فيروز، نحنا والقمر جيران"

"ما أكثر شيئ يسعدك؟، أنا أحب التسوق"

"الحضرات الصوفية، التسبيحات في الكنيسة"
أحب الروحانيات، تجعلني أشعر بالراحة

"ما الذي تريدين تحقيقه لتشعري بالرضا عن نفسك؟، بالنسبة لي أريد أن أصبح مشهورة جداً ومحبوبة"

سؤال صعب
كيف ردت عليه بهذه السهولة؟
أنا لا أعلم متى سأشعر بالرضا عن نفسي

"ماذا عنكِ؟"
سألتني عندما طال صمتي ورددت
"لا أعلم"

"عليكِ العمل على أن تكوني أكثر لطفاً مع نفسك، على هذا المنوال لن تشعري بالرضا أبداً"

هل حقاً دمية الأنستجرام تقدم لي نصيحة؟
هل لتلك الدرجة أنا مثيرة للشفقة؟

"اتعلمين، كنت دائماً أتسائل كيف شعور شخص لا يهتم بآراء الآخرين مثلك، ولكني لم أرد أبداً أن أكون مكانكِ لأنني لا أحب فكرة اللطف مع الطلاب الذين يتحدثون عني بالسوء، فأنا اراه بلاهة"

"وأنا أيضاً أتسائل كيف هو شعور فتاة كل حياتها مبنية على التفاخر وآراء الناس"
هي من بدأت

كنت أعتقد أنها ستجن وتستاء لكن وجدتها تبتسم بإستمتاع، هي مسرورة أنني رددت عليها بوقاحة؟
يالها من مختلة

"ما أكثر شيئ تخشين منه في العلاقات؟، أخشى أن أكون جبانة وينتهي بي الأمر كوالدتي"

"هل من الطبيعي أن تتحدثي عن والدتك بهذه الطريقة؟"
هي حتى ليست والدتي ولكني أشعر بالإستياء من سماعها تتحدث عنها هكذا

"أجل، لأنها كانت جبانة، وهي من أخبرتنا أن نتحدث بهذه الطريقة كي لا تكرر خطأها مرة أخرى، لذا لا تقلقي عليها واجيبي على السؤال"

ما الذي أخشى منه في العلاقات؟
أخشى أن أكون حبيبة سيئة فأنا ينقصني الكثير لأكون شخصاً جيداً
كما أنني أخشى الموت، أخشى أن يأخذ الموت الشخص الذي أحبه، قد أصاب بالجنون، يكفيني فقدان والدي

"هل ستجيبين؟"
سألتني وعندها تنهدت بعمق
"أخشى أن يصاب من أحبه بمكروه"

الفكرة مخيفة رغم أنني لم أقع بالحب بعد
التفكير في والدي يؤلم قلبي

"يكفي، أريد النوم"
لقد إكتفيت من الأسئلة، أحتاج بعض الراحة

.

11. تعهد
"لا تنتقلي لدهب"
قالت يثرب بعد أن خرجت من باب منزلي

"لا تسير الأمور بهذا الشكل"
أنا لن الغي خططي من أجل شيئ لا أفهمه حتى

"إذاً ماذا عن تأجيل الإنتقال؟"
تسأل كطفل مزعج
"امنحيني بعض الوقت"

"سأفكر في الأمر"
رددت عليها لاسكتها وتفاجأت بها تعانقني بقوة، هذه الفتاة مجنونة

قبلت خدي بقوة
"لن تندمي على هذا"

أنا أندم الآن

أغلقت الباب ووجدت بيشوي خلفي ينظر لي نظرات تعني أن لديه ما يقوله
"ماذا!"

"نجمة الأنستجرام تلك تريدك"

"يالها من معلومة!"
رددت بضجر ثم جلست على الأريكة وجلس بجواري
"لن تستطيعي التخلص منها بسهولة"

"أعلم"
لهذا السبب أحاول مسايستها

"تلك الفتاة مسكينة جداً"
كان روماني الذي تدخل في حديثنا

رفعت حاجباي مستنكرة
"حقاً!"
أنا المسكينة وليس هي

"تتعرض للهجوم في أغلب الأوقات التي تخرج فيها وحدها، الرجال مجانين"
أضاف روماني

"ماذا قلت؟"
هل تلك المرة يوم عيد ميلادها لم تكن الأخيرة؟

كنساء أعلم أننا نمر بهذا بين الحين والآخر، ولكن ماذا يقصد بأغلب؟

"لقد انتشر مقطع لها وهي تهرب من رجل منذ أيام قليلة"

"ماذا!"

مد لي روماني الهاتف وفتح المقطع
"يقولون أنه كان سائق سيارة اوبر التي طلبتها"

كيف ينشر الناس هذا بلا خجل؟، كيف يشاهدون فتاة مذعورة تهرب ويقومون بالتصوير ونشره بكل مرح بل ويكتبون عليه عبارات مازحة

أكره الرجال

استقمت واقفة وخرجت بدون حتى انتعال حذائي
"بهية، إلى أين؟"
سألني بيشوي لكني لم أجب خرجت التفت حولي باحثة عنها

أعلم بأنه بعد هذا الحادث لن تطلب سيارة أجرة، على الأقل لفترة، أعتقد أنها ستسير من هذا الاتجاة

بدأت أركض والتفت حولي باحثة عنها حتى وجدتها، تسير وهي تضع سماعات الاُذن وعينيها على الأرض

"يثرب"
ناديتها وأمسكت بيدها وعندها التفتت بسرعة مذعورة ثم إبتسمت عند رؤيتي 

"مرحباً!"
نزعت سماعاتها
"هل اشتقتي إلي؟"

هي لا تتغير
"سيقوم روماني بايصالك للمنزل"

"هل خرجتي حافية؟"
رائع، لاحظت قدماي

"أجل"
رددت بلا مبالاة وسحبتها لنعود للمنزل

توقفت عن السير فجأة ثم خلعت حذائها
"انتعليه"

"كلا، أنا بخير"
لا ينقصني شفقة منها

"لن أتحرك من هنا إلا لو انتعلتيه"
قالت بعناد لأتنهد بقلة حيلة

تلك الفتاة مزعجة 
انتعلت الحذاء في النهاية

"يبدو أنكِ كنتي قلقة علي"
كانت تسأل بحماس طفولي

"هذا عادي، أنا إمرأة مثلك، نتشارك المخاوف"
سأفعل هذا مع أي إمرأة كانت

"لقد خرجتي حافية، بالتأكيد تهتمين لأمري"

لحسن الحظ وصلنا للمنزل حيث كان بيشوي وروماني ينتظراني، خلعت الحذاء وقلت
"ليوصلها أحدكما"

غسلت قدامي وأنا أفكر في المرة التي مررت بها بنفس الأمر
كنت قد خرجت لشراء غرض من البقالة، وفي طريقي طاردني رجل، ركضت كما لم أركض من قبل في حياتي

لا أحد يهتم

الناس تحب مشاهدة النساء تعاني، لو كانت إمرأة تعانق حبيبها أو تقبله كانوا ليقتلوها، ولكن ما دام متحرشاً فلا يهم، هذا ما تستحقه النساء

لا أريد التفكير ملياً في الأمر لأنه مرهق
ولا شيئ يتغير بأية حال

دهب مريحة لأنها هادئة و فارغة 
ولكنها مخيفة لأنها هادئة وفارغة

يمكن لرجل قتلك هناك ولن يكتشف أحد جثتك إلا بعد مدة 
ولكن ليس وكأن القاهرة آمنة، فإن اراد رجل قتلك في منتصف طريق مزدحم سيفعل
في كل الأحوال كإمرأة لا يمكنك الشعور بالأمان

وبعد موت والدي تضاعف شعوري بالخوف
لا أعلم ما أريد
لكني أريد أن أصبح أفضل
ما هو الأفضل؟

لما مات والدي؟
هذا ظالم جداً

"ماذا تفعلون عندما تفتقدون شخصاً ميتاً؟"
سألت اولاد خالتي 

"اتذكر ذكرياتنا معاً"

"ازور قبره"

"أشاهد صوره"

"اتحدث عنه"

"ماذا تفعلين؟"
سألني لويس

"لا أعلم، أنا أشعر بالظلم، أشعر بأن والدي لم يستحق الموت، وهذا يشعرني بالذنب لأنني لا يفترض بي التفكير هكذا"

ربما يمكنهم المساعدة وجعلي أتوقف عن التفكير هكذا

"أنا أيضاً أرى أنه كان يستحق حياة طويلة وأردته أن يبقى معنا فترة أطول"
قال بيشوي

"حتى أنا تمنيت لو بقي لفترة أطول فقد كان رجلاً لطيفاً جداً"
قال لويس

"جميعنا نفتقده"

"ولكن الا يفترض بنا الرضا بقدر الله؟"
سألته لأن هذا السؤال يؤرقني دوماً

"نحن بشر، ونتصرف كبشر، بالطبع من المستحيل أن نكون مثالين في كل شيئ"

"بهية أنتي لستِ المسيح"

"كوني حرة في أفكارك ومشاعرك"

"لكني أريد أن أصبح كوالداي"

"أعتقد أنكِ تحتاجين للحديث مع والدتك بصراحة عن مشاعرك"

أخبر والدتي أنني غير راضية؟
هذا عار كبير
لقد بذلت كل جهدها في تربيتي وهكذا ارد لها الجميل؟

"كلا"

"بهية، أرجوكِ تحدثي مع والدتك"
كرر لويس

"من العار أن أخبرها بهذا بعد كل مجهودها هي ووالدي"

"لا يعمل عطاء الوالدين هكذا، عليكِ الحديث معها لتفهمي منها"

أشعر بالعار والخجل، لا يمكنني مواجهة نفسي فما بالكم بمواجهة والدتي؟

لويس وماتيو دفعاني لوالدتي التي كانت مستغربة
"ماذا تفعلان؟، هل تتنمران على إبنتي؟"

"تريد التحدث معك"
قال لويس ثم هرب هو وماتيو

راقبتني والدتي بعينان قلقتان
"ما الأمر؟"

أشارت لي لأجلس بجوارها على الأريكة، كنت أحاول ترتيب الكلمات في عقلي، لكني لم أستطع، ولساني لا يتحرك، أنا خائفة، لا أريد لوالدتي أن تشعر بالسوء وأنها فشلت في تربيتي

استفقت من موجة قلقي وأنا أشعر بيدي والدتي تحتضن يدي
"اهدائي"
عانقتني بعدها

أمي رائعة
أنا لا أستحقها
تستحق إبنة أفضل مني

"ما الذي يجعلك قلقة؟"
سألتني وهي تمسح على شعري برفق

"أنا لستُ إبنة جيدة"
هذه هي الجملة المناسبة

"ولما تقولين هذا؟"
سألتني بهدوء

"لأنني لا يمكنني الوصول للعطاء غير المشروط، والرضا عن الأقدار، لقد ربيتني بطريقة جيدة جداً لكني خيبت آمالك"
بدأت أذرف الدموع أثناء حديثي

أشعر بالخزي الشديد
لا أصدق أنني أخبرت والدتي بحقيقتي التي أخجل منها دوماً

"لما تعتقدين هذا؟"

"لأنني مستاءة لموت والدي، كما أنني أفكر في بعض الأشخاص بطريقة سيئة"

"عزيزتي نحن بشر، بالطبع موت والدك سيحزنك وسيشعرك بالظلم، وبالطبع هناك أشخاص سيغضبونك، هذا لا يعني أنكِ شخص سيئ"
كانت تتحدث بحنان، أنا لا أستحقها

"لكني أردت أن أكون شخصاً جيداً مثلك ومثل أبي"

"لكل شخص منا طريقته، وهذا لا يعني أن والدك كان هادئاً ولطيفاً طيلة حياته، الا تتذكرين أن والدك ضرب الفتى الذي ضربك؟"

ماذا!، ما هذا؟
لا أتذكر شيئ كهذا

"ماذا!"
رفعت رأسي عن حضنها لأنظر لوجهها

في المدرسة الإبتدائية هناك فتى أكبر منكِ بعامين ضربك، ذهب والدك لتقديم شكوى لكن لم يحدث شيئ، وعندها ضرب الفتى وجعلوه يوقع على ورقة عدم تعرض وأخبرهم بأنه لا يهتم ولو إقترب منك مرة أخرى سيضربه بطريقة أعنف"

"لما لا أتذكر هذا؟"

"كنتي في الصف الأول الإبتدائي"
أضافت بعدها
"أتذكرين اليوم الذي عدتي فيه من البقالة راكضة لأن هناك رجل كان يطاردك؟"

ذاك اليوم المشؤوم
أومأت بالإيجاب

"لقد راجعت كاميرات المراقبة وعرفت هويته وذهبت لمكان عمله مع خالاتك وازواجهم الذين حطموا له متجره"

"تمزحين!"
هذا شيئ لم أكن لأتوقعه أبداً

"أنا ووالدك لن نتساهل أبداً مع أي أحد يحاول مسك بسوء"
قالت وهي تبتسم بدفئ ثم عانقتني
"أنتِ إبنتنا ونحن فخوران دوماً بك وربيناكِ بطريقة جيدة"

مازلت أتمنى لو ظل والدي حياً
وأتمنى لو أتذكر ما حدث في المدرسة الإبتدائية

ربما لستُ بكل هذا السوء الذي أعتقده؟


.

12. ابحث معنا
يثرب عزازيل
إمرأة مزعجة 
تعشق الشهرة ولفت إنتباه الناس

لكنها مثيرة للشفقة لنفس السبب
تخيل أن يكون محور حياتك هو آراء الناس؟

يثرب عزازيل إمرأة جميلة
لن أنكر هذا
لكن هذا مظهرها فقط، أنا لا أعرفها بشكل كافي

"ما رأيك بأن تتناولي الغداء معي؟"
كانت رسالة منها

يثرب عزازيل تجعلني في حيرة من أمري
لا أستطيع تحديد مشاعري تجاهها
هل هي الشفقة أم الإستياء أم اللا مبالاة؟

"حسناً"
رددت عليها لأنني أعلم أنني لو رفضت لن تتركني وشأني

المفاجأة كانت عندما ذهبت لمنزلها ورحبت بي باسمة ببيجامتها ذات السروال القصير ولم أجد أحداً في غرفة الجلوس

"والدتك في العمل؟"
سألتها بينما أجلس وهي ردت
"والدتي لديها عمل حتى الفجر، وشقيقتي ستبيت عند صديقتها"

إذاً المنزل فارغ
لما هذا يشعرني بالقلق؟
ليس وكأن إمرأة بلهاء كيثرب يمكنها ايذائي

وضعت الطعام على الطاولة، من الواضح أنه من مطعم، ففي النهاية يثرب لا تجيد الطهي

"اتعلمين بأنني حصلت على دور صغير في مسلسل"
قالت كاسرة الصمت

"حقاً!، مبارك"
لست مهتمة حقاً ولم أكلف نفسي عناء تصنع السعادة

"الا تحبين كوني مشهورة؟"

"أنتي دمية تطيع أوامر الناس، فما بالك عندما تزداد شهرتك؟، لستِ مستعدة لشيئ كهذا، سيدمرونك"
إمرأة مثلها إن أصبحت ممثلة مشهورة لن تستطيع التعامل مع تعليقات الكارهين أبداً

"أحاول أن أصبح أفضل وأن أتبع ما أريده أنا وليس ما يريدونه"

جملة عقلانية جداً
لكن هل تستطيع بالفعل تنفيذها؟

"حظاً موفقاً"

"صحيح أنه دور بسيط لكني أشعر بالسعادة لأن المسلسل ذو قصة عائلية لطيفة، لذا أشعر بأنه سينجح"
كانت تتحدث بإبتسامة مترددة، تنتظر أن اسعد من أجلها

"جيد"
رددت عليها بفتور

"إن دعوتك لحضور العرض الخاص معي هل ستحضرين؟"
كانت عيناها تلمعان وكأنها تترجاني، أكره مثل هذه الأحداث لكن يثرب مجرد ممثلة صغيرة وهذا أول دور لها بالتأكيد لن يهتم أحد لها

"حسناً"
رددت وعندها صرخت بحماس
"أؤكد لكِ أنه سيعجبك، قصته رائعة"

بمناسبة عملها كممثلة
أشعر بالضياع بعد أن اجلت سفري لدهب 
علي البحث عن وظيفة مؤقتة حتى موعد سفري كي اشغل يومي

"ما الذي يعجبك بي؟"
لست مقتنعة بعد أن دمية الانستجرام واقعة في غرامي

"أنتِ ذكية، لطيفة نوعاً ما، لدرجة مزعجة، تساعدين الجميع حتى السيئين منهم، تبدين جميلة بدون أي مجهود يذكر"

هذه أول مرة يصفني أحد بالجميلة، بإستثناء الأشخاص في محيطي فلم يقم أحد بالإطراء على مظهري من قبل، ولا تفهموني بشكل خاطئ فأنا لا أهتم بهذه الأشياء وإلا لكنت توقفت عن الدراسة وانشغلت بالمساحيق الأزياء

"الا يوجد شيئ بي يعجبك؟"
سألتني ونظراتها تحاول استعطافي، تريدني أن اجيب بأي شيئ إلا بالرفض

هل يوجد شيئ يعجبني في يثرب عزازيل؟
دعوني أفكر
أعتقد أنها تقدر أصدقائها بشكل جيد، فقد ارتدت الفستان الذي اهديته لها في مهرجان الدراما
وعندما غضبت من أجلي، صحيح أنه أمر لا يخصها لكنها كانت مستاءة من أجلى أنا

يثرب عزازيل ليست بكل هذا السوء الذي تبدو عليه

"صديقة جيدة نوعاً ما"
اختصرت كل شيئ في جملة واحدة

"لكني لا أريد أن أكون صديقتك"

تلك المرأة ليست سهلة

"أعلم"

تحب التشديد على كوننا لسنا صديقتين
هل تراها تتذكر والدتها مرة أخرى؟

"الم تفكري يوماً بمحاولة البحث عن حبيبة والدتك؟"

"كيف؟"
سألت ببلاهة

"الا تعرفون اسمها؟"

"هذا كل ما نعرفه عنها"

"وأنتي إمرأة مشهورة، وستصبحين ممثلة، بالتأكيد يمكنك ايجادها من خلال اسمها فقط، ويمكنك القول أنها صديقة والدتك العزيزة"

كيف لم يخطر في بالها شيئ كهذا؟
ربما بسبب رهبة الموقف وقتها فقد قالت أن والدها هددها، لقد ظلوا داخل الصدمة حتى الآن!

"أنتي محقة!"
هتفت ثم أخرجت هاتفها
"ماذا اكتب؟"

"اكتبي انك تبحثين عن صديقة والدتك، اسمها والمكان الذي كنتم تسكنون به، أثق بأن متابعينك فضوليين وسوف يجدونها"

مدت لي الهاتف لتريني ما كتبته وبدأت اعدله لأجعله اقصر وأكثر مباشرةً ثم نشرته

"اتعتقدين اننا سنجدها؟"

"مع الإنترنت، اثق بأننا سنجدها قبل نهاية اليوم"

مسألة وقت وسينشرون قصتها في جميع وسائل التواصل، وسيجدونها في النهاية

"هل نلعب لعبة؟"
سألت وهي تضع الهاتف جانباً

"كلا، لا أحب الألعاب"

"وكيف ستعرفينني أكثر لتغيري وجهة نظرك عني؟"
تذمرت

"سأعرفك أكثر في المواقف الحقيقية"

"لما ترفعين شعرك دوماً؟"

"لأنه يريحني هكذا"

"هل ستستاء والدتك إن ارتبطنا؟"

"كلا، الحب في العائلة هو حرية كاملة، بغض النظر عن الدين، العرق، والجنس"

اشعر أنه من الخطأ الحديث عن عائلتي معها، وكأنني اتباهى بهم أمامها

"هل مات والدك؟"
غيرت الموضوع

"ليته يموت"

"الم يختفي من حياتكم؟"

"ظهر عندما أصبحت مشهورة وبدأ ينشئ حسابات يسبني فيها ويقول أنني إبنة فاسدة"

تصرفات البشر تدهشني دوماً
كيف لرجل أن يتصرف بهذه الطريقة مع إبنته؟
من أين يأتون بهذه القسوة؟

"لقد ضجر في النهاية وتوقف عن إزعاجي، لكن قد يعود إن أصبحت ممثلة، فقد علمت من إبنة عمتي أنه بلا عمل الآن ويطلب المال من الجميع"
نظرت لي وسألتني
"اتعتقدين أن علي إنفاق أموالي عليه فهو والدي في النهاية؟"

"هو يحصد ما زرعه فقط، والتصرف معه هو قرار يعود إليك"
لن أحكم عليها، كان يخون والدتها ويتجاهلهم ويتركهم وحدهم، فرق بينها وبين المرأة الوحيدة التي هونت عليها حياتها في الغربة، ثم عاد ليطلب المال

"أكره كل تلك القصص السخيفة عن الوالد القاسي الذي كان يضرب إبنته، يطردها من المنزل، يحرمها من التعليم ثم عندما يصبح على فراش الموت تسامحه وترعاه، لما يفترض بالمرأة أن ترعى الرجل وتسامحه لمجرد أنه على فراش الموت؟، ليمت"
كانت تتحدث بإنفعال، تكاد تبكي

"المسامحة من عدمها هي قرارك، هناك من يجدونها الخلاص لأفكارهم، وهناك من يجدون بأنها تجعل كل المعاناة التي مروا بها بلا أي قيمة، وفي النهاية هذا قرارك"

تفاجأت بها تقترب مني ثم تعانقني دافنةً وجهها في صدري، كانت تبكي لذا لم ابعدها

بعد مدة ابتعدت وبدأت تمسح دموعها
"أعتذر، أبدو بلهاء"

"كلا، لكِ كل الحق في التعبير عما تشعرين به، هذا ليس شيئاً تافهاً، عليكِ تفريغ مشاعرك كي تشعري بتحسن حتى ولو كان بسيطاً"

أمسكت بيداي لتشابكها بيدها
"أنتِ جيدة في كل شيئ، هذا يجعلني مثيرة للشفقة"

"أنا سيئة في الكثير من الأشياء"
أنا لست جيدة في كل شيئ بالطبع

"أنتِ الأفضل في عيناي"
جملتها جعلتني أشعر بمرارة في حلقي

لأنني لا أشعر بالرضا عن نفسي لذا المدح يوترني
كيف لجملة بسيطة كتلك أن تجعلني ارتجف من التوتر؟

منذ متى ودمية الأنستجرام بكل هذا اللطف؟، منذ متى تبتسم بهذه الطريقة الدافئة والصادقة؟




.

13. جارة القمر
عدت للمنزل متعبة من عملي الجديد، أعمل في متجر للزهور، العمل هناك مريح للأعصاب لذا إخترته
لكن الطريق لهناك طويل لذا أعود منهكة

بدلت ملابسي ثم سمعت صوت طرق قوي على الباب، طرق متتالي لا يتوقف

ما المصيبة القادمة الآن؟

فتحت الباب ووجدت أمامي المصيبة
يثرب عزازيل 

تلتقط أنفاسها وهي تبتسم ضاحكة
"لقد وجدناها!"
هتفت ثم عانقتني بقوة، فقدت توازني وكدت أسقط على الأرض لولا إمساكي بالباب

ابتعدت عني وسألتها ببلاهة
"ماذا!"
عفواً أنا لا أفهم شيئاً

"عشيقة والدتي، لقد وجدناها"
كانت تصرخ بحماس، أتمنى أن لا يسمعها أحد المجانين

اوه!
لقد نسيت هذا الأمر

"عظيم"
أفسحت لها لتدخل ثم أغلقت الباب كي لا يسمع الجيران المزيد من الأشياء التي لا تخصهم

"بهية"
كانت تتحدث بتردد، هناك مصيبة أخرى قادمة

"أجل!"

"نورة ستأتي نهاية هذا الأسبوع، وأريدكِ أن تكوني موجودة معنا"

"نورة!"
من نورة؟ ولما يفترض أن أكون موجودة؟

"عشيقة والدتي"

لقد نسيت اسمها تماماً
حسناً مازل هناك سؤال آخر
لما؟

"لما يفترض بي القدوم؟"

"أريدكِ أن تعرفي عائلتي بشكل أفضل"
كانت متوترة ثم أمسكت يداي ونظرت لعيناي وهي تضيف
"أريد أن نكون أقرب"

أنا مشوشة تجاة يثرب
لكني أشعر بأن مشاعرها صادقة تماماً

"حسناً"
أجبت كي لا تبدأ سلسلة التوسلات وعندها قفزت بحماسها المعتاد
"سأعد الطعام بنفسي"

"لا حاجة لهذا، نريد الحفاظ على المنزل سليماً"
بهذا الحماس ستتسبب بحريق

"أنا أحاول"
كانت تبدو خائبة، وحزينة، هل أثرت مزحتي عليها لتلك الدرجة؟

"أنا فقط أمزح"
وضحت لها وهي غادرت بصمت

أحياناً تتصرف بغرابة

كانت هادئة ولم تراسنلي بعدها، ولم أكن أعتقد أنني سأشتاق لرسائلها السخيفة العشوائية التي تتحدث بها عن يومها وكل تفصيلة صغيرة به

بعد ثلاثة أيام راسلتني لتدعوني للغداء في منزلها، لابد أن حبيبة والدتها قد وصلت

رتبت مظهري، ارتديت بنطال جينز وبلوزة بنية اهدتها لي شمس، وبينما أرتب شعري لأرفعه ككل مرة شعرت بأنه لا بأس بتركه هذه المرة على سبيل التغيير

أخذت معي زجاجتي عصير ثم خرجت، كنت أشعر بالتوتر، ليس وكأنها أول مرة أرى محبان أمامي لكن يجب أن أعترف أنها المرة الأولى التي أرى فيها إمرأتين

فتحت لي يثرب الباب، كانت ترتدي فستاناً، مساحيقها ليست ثقيلة كالعادة، سحبتني للداخل
"هذه بهية"

عرفت بي ورأيت إمرأة ذات بشرة خمرية، شعر أسود كثيف قصير لا يصل حتى لكتفيها، وعيون سوداء تلمعان كالغزلان

"مرحباً بهية!، لقد تحدثت يثرب عنكِ كثيراً"
كانت بشوشة وتتحدث بينما تمد يدها لمصافحتي

صافحتها بتحفظ
"شكراً"
لا أعلم حتى ما الرد المناسب لهذا، هذا الجو موتر

"لما أحضرتي العصير؟، أنتِ لستِ ضيفة"
عاتبتني والدة يثرب ثم عانقتني بحميمية

"شكراً، أنتِ السبب في ايجادي لحب حياتي مرة أخرى"
كانت تعانقني بقوة

لدي سؤال لكن لن أجروء على سؤاله
كيف تتأكدان أن حبهما مازال موجوداً بعد كل تلك السنوات؟
ربما تبخر بسبب بعدهما، وتغيرت شخصيتهما، كيف يندمجان مرة أخرى؟

بعد أن فصلت عناقها مالت على نورة وقبلتها بشغف، أبعدت عيناي بسرعة، ليس وكأني أرى الحب خطيئة ولكن أراه يستحق الخصوصية

"لنضع نحن الطعام على الطاولة"
عرضت يثرب ووافقتها للهرب من المشاعر المشتتة

بعد وضع الطعام بدأت المرأتان تتبادلان الأحاديث، وعيناي تقفز من الفضول للسؤال عن نفس السؤال الذي مازال يقفز في رأسي بإستمرار 

"قولي ما في جعبتك"
قالت والدة يثرب

أشعر بالحرج هل نظراتي واضحة لتلك الدرجة؟، حمحمت ثم سألتها
"لكن لا تفهميه بشكل خاطئ"

"أؤكد لكِ أنني لن أفهمه بشكل خاطئ"

"كيف تتأكدان أن شخصيتكما وحبكما لم يتغير بمرور السنوات؟، فبالتأكيد أنتما الآن لستما كما كنتما في الماضي"

"عندما تقابلين الشخص الذي تحبين ولو بعد مئة عام تنجذبان لبعضكما وكأنها المرة الأولى، مهما مرت السنوات أو تغير تفكيركما فإن الحب يظل حباً، ما دام حباً ناضجاً ناتجاً من تفكير ناضج وليس نزوات طفولية المؤقتة فهو سيدوم"
كانت تتحدث بهدوء وهي تنظر لوجه نورة

أريد ما لديهما
أريد حباً كهذا
لكني لا أمتلك الشجاعة

"أريد أن اريك شيئاً"
قالت يثرب بحرج ثم سحبتني من يدي

أخذتني لغرفتها ثم مدت طبقاً من البسكويت المغطى بكريمة السكر الخضراء
"لقد حاولت"

أخذت واحدة وتذوقتها، ليست سيئة، في الواقع انها جيدة، ففي النهاية صنع البسكويت ليس صعباً، لكن لفتاة بلهاء كيثرب أعلم أنه كان صعباً

"ما رأيك؟"
سألت بترقب

"جيدة"
رددت ثم لاحظت للتو الحروق على أصابعها
"ما هذا؟"

أخفت يديها خلف ظهرها
"لقد حاولت كثيراً لأخرج بهذه النتيجة، لذا أتمنى أنها أعجبتك حقاً"

يثرب عزازيل
كم أنتِ بلهاء بالكامل
لما تتكبدين كل هذا العناء؟

"ليس عليكِ المحاولة بكل هذه الشدة، ستؤذين نفسك"
نبهتها

"لكني لا أريد أن أكون عديمة القيمة، وهذا صعب في ظل اجادتك للكثير من الأشياء"

"لا تقاس أهمية الإنسان بما يقدمه، هذه نظرية رأسمالية، يكفي أن تقدمي المساعدة"
ربت على رأسها، أشعر بالسوء تجاهها

ولكن هل هذا الشعور هو السوء فقط؟

ابتعدت عني وشغلت حاسوبها، لم أفهم ما تقوم به حتى سمعت أغنية فيروز نحنا والقمر جيران

نحنا والقمر جيران بيته خلف تلالنا
بيطلع من قبالنا يسمع الألحان

إقتربت مني وقالت بعيون متوسلة تكاد تبكي
"لا تنتقلي لدهب"

أنا بالفعل محتارة، وشعرت بالراحة في متجر الزهور، ولكن هل هذا يعني الغاء فكرة دهب؟

"يمكنني تعلم الكثير من الأشياء، لن أكون عديمة القيمة"
توسلت بصوت مرتجف متوسلة وكأنها مسألة حياة أو موت لتجعلني أتنهد بقلة حيلة

"يثرب، قيمتنا لا تقاس بهذه الطريقة"
حاولت الحديث معها لكن كان يبدو أنها لا تسمعني

"فقط أعطيني فرصة سأثبت لكِ أنني جيدة"
إنحنت لتنزل على ركبتيها وهذا فاجئني، سحبتها بسرعة لتعود للوقوف
"حسناً، حسناً، لا تفعلي هذا"

عانقتني بقوة وهذه المرة كنت أشعر بلمساتها بشكل مختلف، جسدها كان حاراً لأنها كانت متوترة توشك على البكاء، رفعت يداي بحذر وبادلتها العناق، عانقتها وكأنها خزف أخشى أن تنكسر فتلك المرأة تربكني هي وتوسلاتها وتجعلني أشعر بأنني مذنبة، أخشى أن تبكي في أي لحظة

غناني وذِكر، حب وسهر

.

.

14. عيون بهية 
ما آخر الأخبار؟

دور يثرب الصغير في المسلسل لاقى إعجاباً جماهيرياً واسعاً وأصبحت نجمة في ليلة وضحاها، من الجيد أن ردة فعل الناس كانت بعد العرض الخاص لذا لم تحدث أي مشكلة مع الصحفيين فقد كانوا يركزون مع نجوم العمل فقط

أصبحت أرتاح أكثر مع لمسات يثرب، نتشابك الأيادي، نتبادل العناق، وأحياناً القبلات

"عرفيني لعائلتك"
قالت وهي تتبعني في متجر التسوق كالجرو بينما أدفع عربة التسوق

"لكنهم يعرفونك بالفعل"
رددت عليها 

"كلا، عرفيني كحبيبتك"

أعلم ما تقصده، ولكني أتظاهر بالبلاهة، فأنا أشعر بأنني أحتاج المزيد من الوقت، فأنا لا أحب القيام بشيئ بدون تخطيط مسبق

"الا تحبينني؟"
سألت بخيبة

"يثرب عليكِ أن تهدائي قليلاً"
التفت إليها 
"أنا أخطط، وسأجهز ليوم وأخبرك عندها"

"حسناً سأنتظر بصبر"
هي تكذب، فهي دائماً مستعجلة

وهذا ما يجعلني قلقة، ماذا لو كانت علاقتها معي مجرد قرار متهور ستتراجع عنه لاحقاً؟

"يثرب"
خرجت مني اشبه بالهمس لكنها سمعتني بوضوح
"أجل!"

"أنتي نجمة مشهورة الآن، الن يفتح هذا لكِ أفاق جديدة؟"

"وما المشكلة؟"
سألت ببلاهتها المعتادة

"اليس من المضجر أن تكون حبيبتك مجرد إمرأة تحب العلوم وتعمل في متجر زهور؟"

"كلا"
لم تأخذ وقتاً للرد ثم أمسكت يديونظرت بشكل مباشر لعيناي
"لم أكن متأكدة من شيئ في حياتي بقدر تأكدي من كوني أريد البقاء معكِ"

تبدو صادقة، يتلاشى قلقي عندما أسمع حديثها، لكنه يعود عندما لا تكون معي

عدت للمنزل وقررت أن أخبر والدتي بالأمر، بدلت ملابسي ثم خرجت لغرفة الجلوس حيث كانت والدتي تشاهد التلفاز
"أمي، أريد أن أعرفك بيثرب"

"ولكني أعرفها بالفعل"

"كلا، الآن هي حبيبتي"
قلت وعندها ازاحت عينيها عن التلفاز ونظرت إلي ثم إبتسمت
"عظيم، أخيراً وجدتي الحب؟"

"لا أعلم، أنا قلقة جداً"
تحدثت بتوتر واضح وهي إقتربت مني وعانقتني بحنان ثم قبلت جبيني
"عزيزتي، عليكِ خوض التجربة، لا تدعي القلق يوقف لكِ حياتك، وأنا أرى بأن يثرب ليست فتاة سيئة، يبدو أنها تهتم لأمرك"

"أتمنى لو كنت شجاعة مثلك"
قالت وعندها فصلت العناق ونظرت لعيناي
"أنتِ عطوفة جداً، والشجاعة تأخذ وقتاً، أتعتقدين أنني ولدتُ شجاعة؟، فقط خذي قراراتك ولا تنظري خلفك، لا يوجد ندم أسوأ من عدم خوض التجربة"

قد تعتقدون أن حديثها مكرر جداً، لكن سماعه بصوت والدتي وهي تنظر لعيناي يعطي نتيجة فعلية، وتأثيراً أفضل

رتبت موعداً وعرضت خالتي أن ندعوا يثرب لمنزل جدتي قد يتعرفوا عليها جميعاً، لا يمكنني رفض فضول العائلة فربما يأتون لمنزل والدتي إن رفضت

كانت خالاتي وابنائهم متحمسين جداً، وقال بيشوي بأنه شعر بأن هناك شيئ بيننا، بالطبع هو يهذي فلم يكن هناك شيئ بيننا وقتها

أصرت خالتي على أن أرتدي فستاناً أبيضاً، كان الأمر أشبه بحفل خطبة، لكن لم أمتلك حق الرفض، كان فستان ستان أبيض بلا أكمام يصل للركبة، وشعري منسدل على كتفاي

فتحت الباب ووجدت يثرب تحمل طبق حلويات، كانت هي الأخرى ترتدي فستاناً، كان وردياً منفوش قليلاً
"تبدين رائعة"
علقت باسمة فور رؤيتي

لا ادري لما شعرت بالخجل، أخذت منها الطبق
"شكراً"

بدأ أفراد عائلتي يصافحونها ويعرفون بأنفسهم ويلتقطون الصور والمقاطع ومارست خالتي ليزا هوايتها المفضلة، إخراج البوم الصور القديمة وروي قصص كل صورة

كان الجو دافئاً رغم توتري، شعرت بالراحة لرؤية يثرب تندمج مع عائلتي بسلاسة، القلق هو شيئ سخيف يمنعنا من ممارسة حياتنا 

"بهية"
ناداني ماتيو وسحبني لأقف، لقد شغل أغنية أعرفها، كانوا يغنوها لها منذ أن كنت طفلة لأن بها اسمي

"الا تعرفين الأغنية؟"
إستنكر روماني بإستغراب محادثاً يثرب التي اومأت بالسلب، سحبها لتقف ثم دفعها ناحيتي

وكما كانوا يفعلون في طفولتي، بدأوا يغنون

سُكي البيبان يا بهية لو جم يخطبوكي
وداري العيون يا صبيه ما تداري يحسدوكي
بهية وعيون بهية كل الحكايه عيون بهية

كانت يثرب متفاجئة لأن الأغنية على اسمي
"هذه أول مرة أسمعها"

لقد سماني والدي بهية لأنه كان يسمعها يوم والدتي، وكان إختياراً جيداً فأنا أفخر باسمي

"بهية"
كنت أعمل بهدوء في متجر الزهور حتى سمعت صوت يثرب وكدت أبصق قلبي لأنه كان عالياً

التفت ووجدتها
"يثرب!"

إقتربت مني بثبات ثم شابكت يديها معي
"لقد حصلت على دور في فيلم مهم"
كانت تتحدث بحماس

"عظيم"
شهرتها تقلقني لكن المهم أنها سعيدة

افلتت يداي وكوبت وجهي ثم قبلت شفتاي، ابعدتها بسرعة
"هذا مكان عملي"

"أعتذر، سأنتظرك حتى ينتهي وقت عملك إذاً"
قالت ببساطة ثم سحبت مقعداً وجلست

تنفست الصعداء محاولةً تخفيف توتري، تلك الفتاة تصيبني بالجنون دوماً

"بهية، هناك طلب باقة زهور.."
توقف ايهاب عن الحديث عند رؤية يثرب، كان زميلي في العمل 

"أنتِ يثرب عزازيل؟"
سأل بدهشة

"أجل"
أجابت باسمة

"ايمكنني التقاط صورة معك؟"
سأل وأخرج هاتفه بسرعة، قهقهت يثرب 
"بالتأكيد"

التقط معها صورة ثم قالت بدلال
"أيمكنني أن أطلب طلباً؟"

"لو أردتي عيناي سأنتزعهما واهديهما لكِ"
قال وقهقهت بخفة
"كلا، أريد بهية، أيمكنك تغطية مكانها لبقية اليوم؟"

"بالتأكيد، أي شيئ تريدينه"

لقد باعني بسهولة، ولكن هذا متوقع منه

خلعت مئزر العمل ثم غادرت معها، يثرب تضيف لمسة من الإثارة لحياتي، ولم أعتد الأمر بعد لكن الأمر لم يعد مخيفاً كما كان ففي النهاية لو لم أخض هذه التجارب في العشرينات فمتى سأتعلم؟

مازلت في بداية حياتي ويمكنني التجربة أكثر من مرة

.

ـتمتـ
6.3.2025

.










تعليقات