رواية أنا يُوسف كاملة

مدخل 
في الساعات الأولى من الصباح كانت رائحة منظفات الأرضيات الرخيصة تتبع يوسف وصديقه عادل وهما يخرجان من الباب الزجاجي لمركز التسوق الذي يعملان به
عادل، زميله المحاسب ذو الكرش البارز والثرثرة التي لا تتوقف، كان يلهث وهو يتحدث عن خططه للسهرة

"لازم تتعلم تخرج وتشوف حياتك، مش معقول كل يوم من الشغل للبيت، يا أخي، الدنيا حلوة وفيها حاجات كتير غير الشغل"
أضاف بمرح وهو يتبع بعينيه امرأة تسير
"زي الستات مثلاً"

أومأ يوسف برأسه دون اهتمام، يراقب الشارع الشبه فارغ بسبب أن الوقت مبكر، وعلى وجهه تعبيرات "الرجل الهادئ المُتعب" الذي أصبح جزءاً من زيه الرسمي

وفي اللحظة التي فكر فيها أنه نجا من المزيد من نصائح عادل الغبية، اخترق صوت حاد ومبهج ضوضاء الشارع
"يوسف!"

وقبل أن يتمكن من الرد، أو حتى التفكير، شعر بذراعين نحيلتين تلتفان حول خصره بقوة، كانت "نور" فتاة بشعر قصير مصبوغ بلون أحمر، احتضنته بشدة كأنها لم تره منذ عقد، ثم طبعت قبلة سريعة على خده

كان الحضن مفاجئاً لكنه آمن، هذا النوع من الاحتضان لا يصدر إلا من شخص يعرفه تماماً

ابتعدت نور بضحكة عالية ولوحت بيدها ثم بدأت تتحدث مع يوسف وتسأل عن حاله وهو يرد بإقتضاب بينما عادل لا يصدق ما يراه، ودعته بقبلة على خده ثم اختفت في الزحام بنفس السرعة التي ظهرت بها

نظر عادل إلى المشهد في صمت لدقيقة كاملة، ثم انفجر بذهول ربت على كتف يوسف بقوة، وعيناه تلمعان بإعجاب
"يا برنس! يا جامد! إزاي عملتها دي حضنتك وبتبوسك قدام الناس كده دا إنت لعيب يا يوسف، أنا لازم أتعلم منك، عملتها إزاي؟"

ابتسم يوسف ابتسامة باهتة ولم يرد والآخر ظل يترجاه أن يخبره بالسر 

ولكن كيف يمكنه اخباره بأنه مثلي وإن تلك الفتاة أيضاً مثلية؟، كيف يخبره بشيئ كهذا؟

ودع صديقه عندما وصل لمحطة قطار الأنفاق، دخله وابتاع تذكرة ثم وقف ينتظره وهو يضع سماعات اُذنه ثم شغل أغنية من البوم الإخفاء

مكسور يا إيقاع أربع ترباع، بتدق الوهم على الأسماع

"يوسف!"
خفض صوت الأغنية وبدأ يبحث عن مصدر الصوت ويتأكد إن كان قد سمعه أو يتوهم حتى رأى فتاة بملابس مبهرجة عندما تلاقت أعينهما هتفت بصوت أعلى بعد أن تأكدت أنه هو
"يوسف!"

اقتربت منه بحماس وعانقته بقوة بين الزحام بلا خجل أو خوف

يوسف.... أنا يوسف

.

ايقاع مكسور



.

1. إزاي تخلق نفسك

استيقظ بشكل روتيني بسبب ساعته البيولوجية التي تنبهه بموعد عمله، حدق في السقف لما يقارب الدقيقة يحاول استيعاب من يكون وأين هو ثم نهض بتثاقل ليغتسل

بينما يغسل وجهه سمع صوت طرق حاد على الباب تبعه صراخ طفولي، تنهد بتعب لأنه يعلم جيداً ما ينتظره، جفف وجهه بالمنشفة وفتح الباب ووجد ابن اخته الصغير يصرخ ثم يختبأ خلفه من شقيقه الذي يشاطره الطول

كان يستخدمه كدرع بشري، يراوغ شقيقه وهو يقف خلف يوسف حتى فر أخيراً وتركاه وشأنه، كانت هذه المطاردة روتين يكرره في كل مرة يستيقظ بها، وأحياناً يستيقظ على صفعاتهما، دخل غرفته ليمشط شعره ثم وضع هاتفه ومحفظته في جيبه بينما ينظر للساعة

كان يكره عمله، يكره الاستيقاظ ليلاً والنوم نهاراً، يكره سماع الزبائن يتذمرون، يكره اوامر المدير التي لا تنتهي، لكنه لا يمتلك خيارات أخرى فليس لديه وظيفة أخرى

خرج من المنزل وأخرج هاتفه من جيبه ليتفقد مجموعة أصدقائه التي كان يتغير اسمها مع كل نقاش يخوضونه، كان روتينه أثناء طريقه للعمل، تفقد مجموعة أصدقاءه ليسلوه أثناء الطريق

كان اسم المجموعة الحالي
"إزاي هتخلق نفسك؟"
كان سؤال اليوم 

الجميع كان يجيب باريحية كيف سيعدل مظهره، حياته، وكيف سيصلح كل مشاكله وهناك من تحدثوا عن اعادة خلق العالم
كان جميع أصدقاء يوسف غير مؤمنين بالأديان أو الإله 
على عكسه

لا يصف نفسه بالمؤمن أو الكافر
هو في منتصف الأشياء
يؤمن بوجود إله لكن لا يوافق على جميع قوانينه 
لطالما كان يوسف شغوفاً بالقراءة والبحث عن الأديان، ولكنه أيضاً لم يكن يوافق على كل قوانينها فقد كان يعارض ما لا يراه منطقياً فيها 

كان دائماً يسأل نفسه لما يخلق الإله شخصاً يحب شخصاً من نفس جنسه ثم يأمره بأن لا يحبه؟
ما الهدف من هذا؟
ما المؤذي في حب رجل بالغ لرجل آخر بالغ مثله؟
ما الضرر من علاقة شخصين عاقلين بالغين؟
ما الضرر من الحب؟

هو لم يفهم أبداً 

وصل لمكان عمله، استخدم جهاز البصمة ثم بدأ يعمل والسؤال يطوف في عقله
(إزاي هتخلق نفسك؟)

"يوسف..مستر رامز عايزك"
استفاق من شروده على صوت عادل وهو يشير لناحية مكتب المدير وعندها تنهد بتعب 

في كل مرة يستدعيه فيها المدير يبدأ بالقاء خطبة عن أخلاق المهنة، أو يعطيه قائمة عن نصائح حياتيه عديمة النفع

يحب ذاك الرجل التبجح والتصرف وكأنه رجل حكيم رغم أن فارق السن بينهما ليس كبيراً

سار ببطئ للمكتب ثم تنحنح وطرق الباب
"اتفضل"
اتاه صوت رامز وعندها فتح الباب بخفة، ورسم ابتسامة باهتة ومُتكلّفة على وجهه
"مساء الخير!"

"مساء النور يا يوسف يا ابني، تعالى اقعد"
اشار له ليجلس في المقعد المقابل لمكتبه 

كان رامز رجلاً في بداية الاربعينات، قصير القامة، بعيون حادة كالصقر
"يوسف هو إيه اهم قاعدة عندنا؟"

اراد يوسف التأفأف وقلب عينيه لكنه ظل جامداً كي لا يستغل رامز الأمر لإطالة الخطبة، رد مغلوباً على أمره
"العميل دايماً صح"

"يبقى ليه اتخانقت مع الزبونة امبارح؟"

(عشان كانت شرموطة)
هكذا رد في عقله ولكنه لم يجرؤ على التحدث هكذا، اجاب بتحفظ وعينيه على الأرض
"بعتذر، انفعلت شوية، كنت تعبان"

تشاجر يوسف مع السيدة لأنها رمت المشتريات أمامه ثم تحدثت معه بوقاحة وقالت بأنه لا يجيد عمله وأنه يفترض به أن يخدمها بشكل جيد، دفعت سلال التسوق لتسقط على الأرض ثم طالبت بفصله من عمله أيضاً

تنهد رامز ثم رد بحزم
"مش مبرر، كلنا تعبانين، كله إلا الزبون، لازم دايماً تتكلم معاهم بإحترام، دول راس مالنا، كل زبون مهم"

"بعتذر جداً، مكنش قصدي"
كان مغلوباً على أمره ويريد اسكاته في أقرب فرصه

"أنا عارف إن مكنش قصدك، وحل الموضوع بسيط، هتعتذر للأستاذة وخلاص"
قال وعندها، لم يستطع يوسف تمالك نفسه، رفع عينيه ونظر إلى رامز بتفاجؤ وغضب لم يستطع إخفاءه
"نعم!"

كرر رامز بهدوء وثقة، وهو يعلم تماماً وقع كلماته
"هتعتذر للأستاذة، دي اشتكتك للإدارة، لو ما اعتذرتش هتسوأ سمعة الشركة وممكن يفصلوك"

كان يهدده بكل بساطة، أغلق يوسف قبضته بغضب مكتوم ثم رد
"حاضر"

ربت رامز على كتفه
"هو دا عشمي فيك، يلا ارجع لشغلك"

خرج يوسف من المكتب ودمه يغلي من الغضب، دخل دورة المياة وغسل وجهه عل المياة تهدئ من نار غضبه، كيف يهدده بكل هذه السهولة؟

مشكلة يوسف الكبرى كانت تكمن في أنه لا يمتلك بديلاً لهذه الوظيفة، لو تم فصله، سيصبح عاطلاً، لا يمكنه أن يصبح عاطلاً، لن يحتمل المكوث في المنزل، ولن يحتمل أيضاً حديث والده الذي لا ينقطع عن كونه "رجلاً بلا فائدة"

هو يحتاج هذه الوظيفة، لا يمكنه تركها
رامز يضغط على نقطة ضعفه ويستغلها اسوأ استغلال

شعر يوسف بالضعف والغضب في آن واحد، تلاهما شعور بالعجز والشفقة، لما هو في قاع المجتمع؟

لو مُنح يوسف فرصة خلق نفسه، لسوف يخلق نفسه غنياً، رجلاً لا يحتاج للتوسل من أجل وظيفة بائسة وحيدة لا يستطيع تغييرها أو تركها، سيخلق لنفسه كرامة وكبرياء لا يستطيع أي أحد المساس بها، سيكون قوياً، وفخوراً، وحراً

"أنا بعتذر جداً لحضرتك"
كان يطأطأ رأسه أمام السيدة، يعتذر ويترجاها أن تسامحه كما طلب منه مديره

عاد لعمله بشكل طبيعي، حتى قبيل الفجر، لم يكن هناك زبائن لذا أشتري كيس قهوة صغير، افرغه في كوب ثم سكب فوقه الماء المغلي وبدأ يشربه

رغم أن يوسف ليس مؤمناً بالكامل فهو لم يجرب شرب الكحول من قبل عكس اصدقاءه، كما أنه ليس من هواة التدخين فهو يعاني من حساسية الجيوب الأنفية، لذا كان يفرغ غضبه في شرب اكواب القهوة

كان أحياناً يحسد أصدقائه
يحسد أنهم لديهم موقف محدد ينحازون له
هم غير مؤمنين، يعلمون هذا جيداً ويدافعون عن قناعاتهم ويتحدثون بفخر وثقة
أما هو فليس لديه قناعة يتبناها
ليس بمؤمن ليدافع عن الدين وليس بكافر لينكره ويهاجمه

"يوسف ما جاوبش ليه؟، خايف ربه يتقمص؟"
كان صديقه رامي يسخر من عدم ارساله لأي رسائل حتى الآن

"بعد اللي عمله فيه دا هيبقى له عين يتقمص منه؟"
كانت صديقته سلمى

قهقه يوسف ثم بدأ يكتب 
"لو خلقت نفسي هخلقني في حالة مادية أحسن..هخلي عيلتي تحبني أكتر..."

ارسل ثم حدق في الفراغ لثواني ثم كتب
"وهخلقني بتفكير متوازن أكتر من دا"

"اوعدك اما ابقى إله هخلقك على سنجة عشرة"
ارسلت سهى وابتسم يوسف ضاحكاً ثم تنهد واعاد هاتفه لجيبه عندما لمح شخصاً يقترب من المتجر

دخل رجل المتجر ثم فتح الثلاجة، أخرج علبة مشروب طاقة، وضعها على طاولة المحاسبة ثم سأل
"في اي دي؟"

رمش يوسف عدة مرات بتعجب بالأخص بسبب هيئة الرجل، كان ملثماً، يرتدي معطفاً، قبعة، وكمامة جميعها باللون الأسود ثم رد
"لا"
اشار لعلبة المشروب
"حضرتك هتاخدها؟"

"أيوة..أيوة"
رد ومرر يوسف العلبة على ماسح الاكواد ثم أخبره بسعرها، دفع الرجل ببطاقته الائتمانية ثم غادر

تنهد يوسف براحة فقد كان قلقاً من أن يكون لصاً وأن يخرج سلاحاً من جيبه فهو لم يكن مستعداً لشيئ كهذا

فجأة عاد الرجل وازداد قلق يوسف لكنه ابتسم بتكلف وحاول أن يبدو طبيعياً
"أيوة حضرتك!"

أخذ الرجل مصاصة من على الطاولة ثم مدها ليوسف، كان تصرفاً غريباً لكنه مررها على ماسح الاكواد ثم أخذ بطاقته ليسحب سعرها ثم ناوله المصاصة
"نورتنا يا فندم"

لاحظ تحديق الرجل في وجهه وعندها توتر
"في حاجة حضرتك؟"

ابعد الرجل كمامته عن وجهه ليظهر وجهه بشكل واضح، كان هناك جرح سكين على خده، تعرف يوسف عليه فوراً، وشعر وكأن الدم تجمد في عروقه من الذعر، سأل الرجل بحيرة وعينيه تمسحان وجه يوسف
"هو احنا اتقابلنا قبل كده؟"

رد يوسف بسرعة
"لا"

قوس حاجبيه
"فعلاً!، حاسك مألوف!"

"معرفش حضرتك خالص، بس بيتقالي كتير إن شكلي مألوف"
كان يبتسم بتكلف ويحاول السيطرة على ارتعاش شفتيه بينما تكاد أطرافه ترتعش من التوتر

"سوري..فكرتك حد أعرفه"
رفع الكمامة ثم غادر بهدوء وعندها بدأ يوسف يلتقط أنفاسه براحة، استند على الطاولة وساقيه ترتعشان من فرط قلقه ثم بدأ يهمس وهو يلهث
"أحا...أحا"

دخل صديقه عادل بعد أن كان قد خرج للتدخين وعندها تحرك يوسف لمكان الإستراحة، جلس على المقعد ليريح قدميه المتعبتين، امسك هاتفه ثم بدأ يكتب
"لو خلقت نفسي هخلق جسمي سليم، مش هسيب كل دا يحصلي تاني"

..
2. السعادة مؤقتة

استيقظ بسبب صفعة قوية، لكنه لم يفزع أو يستغرب، لأن الاستيقاظ على صفعة ابن اخته كان شيئاً روتيناً بين الوقت والآخر

اعتدل جالساً وعندها قهقه الطفل بصخب ثم ركض لخارج الغرفة، حك يوسف مؤخرة عنقه ببلاهة ثم تفقد الوقت، كانت مازالت الثالثة عصراً، وهذا يمنحه بعض الوقت للجلوس مع عائلته قبل العمل

نهض بتثاقل ثم خرج وعندها قابلته شقيقته بابتسامة، كانت تحمل طفلة رضيعة
"صحي النوم"

ابتسم عند رؤيتها
"صباح الخير"

لمح الطفل الذي صفعه يركض وشقيقه يركض خلفه وعندها التقطه وحمله 
"اعمل فيك إيه؟"

حاول الطفل عضه لكن يوسف ابعده بسرعة ثم بدأ بدغدغته ودخل الطفل في نوبة ضحك، وفي النهاية رماه على الاريكة

كان يحب الأطفال بالأخص أولاد شقيقاته رغم أنهم أشقياء ويحبون صفعه، لكن هذا لم يقلل حبه واعتزازه بهم 

من الطبيعي للطفل أن يكون شقياً فهو طفل
ومازال في بداية رحلته ليكتشف العالم

لم يكن يوسف طفلاً بريئاً أو مطيعاً، كان شقياً وفضولياً، ورافقه هذا حتى بعد الكبر، مازال فضولياً وقليل الصبر، حيناً يكون أكسل من أن يتجادل معك وحيناً آخر يمكنه اسكاتك بكلمة واحدة

مال على الطفلة التي تحملها شقيقته وطبع قبلة على جبينها ثم قرص خدها بخفة 

"كويس انك صحيت كنت لسه هحط الغدا"
قالت والدته واومأ لها ثم رد ضاحكاً
"مازن قلبه عليا صحاني عشان آكل"

حضروا المائدة ثم وضعوا الأطباق وجلسوا ليتناولوا الطعام وعندها سأل الأب
"إيه أخبار الشغل؟"

كانت قد مرت مدة منذ آخر مرة تحدثا فيها معاً لأنه يعود للمنزل للنوم فقط ثم يستيقظ لموعد عمله بدون أن يحتك بأي فرد من أفراد العائلة

"الحمدلله"
رد بتحفظ وترقب والده منتظراً سماع ما يريد قوله، فهذه مجرد بداية حديث وبالتأكيد هناك بقية

"تعرف تاخد التلات الجاي إجازة؟"
سأله وعندها توقف يوسف عن الأكل
"ليه؟"

"عمك جاي من البلد ومحتاج حد يروح معاه مشوار"

فكر يوسف لثواني، هو لا يحب أن يرفض طلباً لوالده لأنه بعدها سيخبره بأن عليه الخروج والاحتكاك بالناس بدلاً من التكوم في غرفته والذهاب لعمله فقط، لطالما وبخه والده بسبب انطوائيته، لم يكن يوسف أنطوائياً حقاً، كان فقط لا يحب الأشخاص حوله، يكون أجتماعياً مع الأشخاص الذين يروقون له فقط

"عنيا"
رد في النهاية وابتسم بتكلف لوالده

بعد تناول الطعام بدأ يلعب مع أولاد شقيقته حتى موعد عمله، خرج من المنزل وعلى شفتيه ابتسامة هذه المرة

وضع سماعات الاُذن وشغل أغنية لفرقة اقصى الوسط

لو تهت، لاقيني
ولو خفت، طمنيني
ولو سكت، كلميني
ولو بعدت، قربيلي

  فتح مجموعة أصدقائه، كان اسمها طويلاً
(ليه الانسان بيسعى للسعادة وبعدين اما بيوصلها بيزهق؟"

وكعادة يوسف بدأ عمله وهو يفكر في سؤال المجموعة، فقد كان يحب قراءة ردودهم قبل كتابة رده

"يوسف"
هتف صديقه وهو يقترب منه بينما تعلو شفتيه ابتسامة وعندها استشعر يوسف مصيبه

"خير!"

"الدنيا هادية ومفيش زباين كتير في الوقت دا، ممكن اروح مشوار ساعتين كده وارجعلك تاني؟"

فكر يوسف لثواني ثم رد
"لو اتأخرت عن ساعتين هبلغ الادارة"
كان تهديداً غير حقيقي فلم يكن ليشي بصديقه لكنه كان مضطراً لقول هذا كي لا يتأخر صديقه

"مش هتأخر"
هتف ثم خرج مسرعاً

فتح محادثة أصدقائه ثم رد على السؤال
"عشان الإنسان دا متخلف ما بيحبش الروتين وبشوفه ممل، عن نفسي اما بصدق اللاقي روتين مريح"

"لقيت السعادة قبل كده؟"
سأل صديقه أيهم

"السعادة نسبية، بتروح وتيجي، عادي"

دخل رجل ملثم وعندها اعاد يوسف الهاتف لجيبه ليركز معه، حتى اشترى أغراضاً وغادر

"هي الناس مالها قلبت باتمان كده ليه؟"
علق ساخراً لأنه أصبح يرى ملثمين بكثرة

أخرج هاتفه ووجد أصدقائه يتفقون للخروج معاً
"حددوا اليوم وأنا دايس"
أرسل لهم

"والمرة دي تشرب"
ارسلت سلمى

"يا ستي هو بالعافية؟، مش عايز"

"أيوة بالعافية"

"جماعة نتقابل في وسط البلد"
ارسل رامي

"في معرض شغال الأيام دي هفرجكم على لوح حلوة"
ارسلت سلمى

"عارفه، بروحه"
أرسل أيهم

"في لوحة هناك شبه يوسف"
ارسلت سلمى

"مين الرسام؟"
سأل أيهم

"بنوتة عسولة اسمها روميساء، اسمها بضان بس شكلها شاذ فشخ"

"معلش بقى محدش بيختار اسمه"
ارسل يوسف

"أنا صورت اللوحة بس مش هوريهالكم هستنى نروح ونشوفها سوا"

ابتسم يوسف
"اوكاي"

"هاي يوسف!"
لمح الرسالة من الاشعارات على تطبيق تلجرام من حساب باسم أديب، حدق به لثواني ثم حذف الاشعار
"غور يا ابن ال..."
تمتم وهو يقوم بحذف الاشعار

"مساء الخير!"
كان نفس الرجل ذو الكمامة الذي سبق وقابله من قبل، صاحب الندبة، لكن هذه المرة لم يتوتر يوسف عند رؤيته كالمرة السابقة، فقد روى ما حدث لسلمى وبعد أن رواه رأى الموضوع من منظور آخر وشعر بأنه بسيط ولا يستحق كل هذا القلق

"مساء النور"
رد بإبتسامة متكلفة

أخذ سلة وعاد وهي ممتلئة بمكونات المعكرونة بالمأكولات البحرية، أخذ يوسف بطاقته البنكية منه ليضعها على جهاز السحب ثم اعادها إليه وهو يقول بإبتسامة
"بالهنا والشفا، نورتنا"

نظر الرجل للدبوس الذي يحمل اسم يوسف بينما يأخذ منه البطاقة
"الله يهنيك يا يوسف"

استغرب يوسف لكنه واصل الإبتسام بتكلف حتى غادر الرجل وعندها تمتم بضجر
"نفس السماجة، هو إنت ما بتكبرش خالص؟"

عاد عادل بعد انتهاء الساعتين وعندها خرج يوسف واشترى قهوة ووقف يحتسيها وهو يتأمل السماء ويراسل أصدقائه ويضحك 

كان يوسف يعترف أن حياته كانت مملة جداً قبل التعرف لأصدقائه، فقد كان يقضي الليالي وحيداً يبحث عن مواضيع يفكر بها أو يراقب حسابات ونقاشات لأشخاص عشوائيين، الآن لديه أصدقاء يتناقش معهم
ومواضيعهم دائماً مثيرة

لم يكن ليوسف صديق مسلم واحد، إلا عادل صديقه في العمل، فعندما تكون جزء من مجتمع المثليين يصبح من الصعب ايجاد مثلي مؤمن لا يشعرك بالذنب تجاه كونك مثلياً، من الصعب ايجاد مسلم مثلي يتقبل نفسه حتى

لذا كانت الخيارات المتاحة ليوسف قليلة، وقد فضل مصادقة الملحدين على مصادقة المسلمين الذين لا يتقبلون كونهم مثليين ويحاولون جرك للتوبة بدلاً من تقبل نفسك 

القى الكوب الفارغ في القمامة ثم عاد للمتجر
"بتكلم المزة ولا إيه؟"
غمز عادل بمرح

"اقولك بكلم مين وما تزعلش؟"
رد وعندها قال عادل بسرعة بقلق
"بهزر ياعم ما تقفش كده"

أحياناً يكون يوسف قليل الصبر ويخاف منه زملاءه في العمل، بالأخص بعد اجباره على القيام بشيئ، كما سبق وتم اجباره على الإعتذار لتلك السيدة الوقحة

بعد دقائق دخل الرجل ذو الكمامة للمرة الثانية وهذه المرة كان يحمل كيساً، استعد يوسف معتقداً أنه يود ارجاع بعض المشتريات، نظر الرجل إلى عينيه بشكل مباشر وابتسم يوسف بتكلف
"حابب ترجع..."

قبل أن يكمل حديثه وجده يضع الكيس على طاولة الحساب ثم يقول
"علشانك"

استغرب يوسف ونظر للكيس ووجده يحوي علبة طعام فقال بسرعة
"شكراً بس.."

غادر الرجل بلا قول أي كلمة مما زاد استغراب يوسف، كان جائعاً بالفعل ورائحة المعكرونة بدأت تتسلل لأنفه، فتح العلبة، كانت معكرونة بالمأكولات البحرية

"صاحبك؟"
سأل عادل وتجاهله يوسف وبدأ يأكل

انبهر بطعم المعكرونة، ذاك الرجل يجيد الطهي، أو اياً يكن من حضر هذه الوجبة فهو بارع

في لحظة تأثر بالطعام بدأ يوسف يفكر في فتح صفحة جديدة مع الرجل ونسيان كل ما حدث سابقاً بينهما

بعد أن انتهى من الأكل أمسك هاتفه وارسل لمجموعة أصدقائه
"السعادة هي أكل حلو بعد يوم متعب"

.

لاقيني


.

3. ميت ذا شلة

كانت تشابك يدها معه وتسحبه في المعرض حتى توقفت عند لوحة وقالت باسمة
"هي دي"

تأمل يوسف اللوحة التي كانت لشاب بشعر مجعد قصير، عينان بنيتان وخدين ممتلئين، كان شارد الذهن، يتأمل الفراغ، وكان بالفعل يشبه يوسف

أخرجت سلمى هاتفها والتقطت صورة ليوسف مع اللوحة 
"شبهك أوي"
كانت فتاة ذات شعر بني مقصوص قصة البيكسي، ترتدي بنطال جينز أزرق ومعطف أبيض عليه تطريز فراولة 

رد وكأنه يفكر
"يعني...معاكي حق"

"شبهه فعلاً"
علق أيهم، كان ذو شعر طويل يربطه ربطة ذيل الحصان، ويرتدي هودي رمادي وبنطال جينز أزرق

"شباب ممكن نروح ناكل عشان بطني هتشخرلكم؟"
كانت مريم، تحب ارتداء اللون الأسود، وتحب وضع المساحيق السوداء

كانوا مجموعة ذوي شخصيات متنوعة، فمثلاً سهى كانت طبيبة نفسية ولكنها أيضاً مدمنة، تنصح المرضى بنصائح هي غير مقتنعة بها لكن عملهم يحتم عليها فعل هذا

ورغم دراستها للطب النفسي فقد كانت تصفه بالهراء ولم تكن مقتنعة به، فكل بلد وكل شخص يصنف التصرف الذي لا يعجبه أنه مرض، كانت تجد الأمر سخيفاً

اما رامي فهو يعمل وظيفة روتينية في خدمة العملاء، تلك الوظيفة علمته الصبر، لكنه يشعر دوماً بالضياع وبأنه لن يجد نفسه ما دام يعمل هذه الوظيفة التي يكرهها

لكن في النهاية ليس لديه خيارات كثيرة فهو لا يمتلك أي خبرة في سوق العمل، فلم يخبره أحد أن عليه أن يعمل في فترة الدراسة ليكتسب خبرة، اعتقد أن عليه التركيز في دراسته فقط، والآن معه شهادة تخرج بتقدير إمتياز لا يوجد أي فائدة منها

أيهم يعمل في الهندسة، في شركة مرموقة يقوم بإنشاء التصميمات وتجديد المباني القديمة

أيهم مدمن كحول وتم تشخيصه بالإكتئاب الحاد لكنه أنكر ورفض تصديق الأمر، لذا يستمر في التهرب من الواقع بشرب الكحول 

تعمل سلمى في تنسيق الديكور، وعملت مع العديد من المخرجين لتنسيق مشاهد في عدة أعمال تلفزيونية

رغم هذا فهي لم تحب العمل معهم أبداً فهي قليلة الصبر والمخرجين كانوا يتبجحون ويتصرفون بغرور معها 

أما مريم فهي لا تعمل، عائلتها غنية وتتكفل بها وتقول أنها لن تتعب نفسها بدخول سوق عبيد الرأسمالية فهي تحب المال الذي يأتي بطريقة سهلة تماماً كما تحب الأقراط، لديها قرط في حاجبها وقرط آخر أسفل شفتها السفلية، بالإضافة لأقراط حلمة الثدي

ورغم غنى عائلة مريم فقد كان لديها هواية سرية لم تبح بها لأي أحد إلا لأصدقائها المقربين، وهي هواية سرقة الرجال العجائز الذين يحاولون التقرب منها

رغم أنها لم تكن تحتاج المال في شيئ فقد كانت تجد المتعة في سرقتهم

كان لكل واحد منهم قصته مع الالحاد
فمثلاً سهى كانت تكره القيود الكثيرة وانحياز الدين للرجال 

أما رامي فقد كان في البداية كأي رجل لا يعرف عن الدين إلا القليل، لذا بدأ يبحث عن اجابات لأسئلته وانتهى به الأمر كارهاً للدين

عائلة أيهم كانوا يقدسون الواجبات الدينية ولكن أيهم لم يقتنع بها أبداً منذ طفولته
أما سلمى فقد تربت في منزل لأسرة متشددة وعلموها الدين بالإجبار 

وتقول سلمى دائماً أنها شاكرة لهم لأنه لولاهم ما كانت لتعرف الدين حق المعرفة وتكرهه من صميم قلبها

مريم من عائلة منفتحة وكل فرد منهم لديه مذهب وأحياناً دين مختلف عن الآخر، تنقلت بين الأديان والمذاهب معهم ثم في النهاية اختارت الالحاد لأنها لم تقتنع بأي مذهب أو دين

علاقة يوسف بالدين كانت مختلفة

أو علاقته بالأديان بشكل عام

كان مبهوراً وفضولياً تجاه الأديان منذ طفولته، يقرأ الكثير ويطلب العلم من الجميع، وكانت تجربته مع رجال الدين الطف من تجربة جميع أصدقائه

لم يكن الدين يؤثر سلباً في حياة يوسف (ليس بدرجة كبيرة على الأقل) لذا لم يصل به الأمر لدرجة أن يكرهه من قبل، كان للدين تأثير ناعم ولطيف على حياته 

كان يرى فيه السلام والراحة، والملجأ الآمن من المخاوف
لذا حتى الآن لا يمكنه وصف نفسه بالكافر، لأنه مازال يرتاح لفكرة أن يكون مؤمناً، رغم اعتراضه على الكثير من الأشياء في الدين فمازالت تريحه وتطمئنة فكرة اعتناقه له

دخلوا مطعم صيني ثم بدأوا يطلبون الطعام بينما تقوم سلمى بوظيفتها في هذه المجموعة، وهي التحدث لجعل الجو حيوياً، كانت هي من تكسر الصمت دوماً عندما يصمت الجميع

يشعر يوسف بالدفء عندما يكون مع أصدقائه، فبرغم اختلافهم في مواضيع كثيرة فقد كان من الممتع سماع حديثهم المتنوع والضحك معهم

بعدها مروا على متجر الكحول وبدأوا يشربون أثناء سيرهم في الشوارع الفارغة، ثم دخلوا في نوبة ضحك واحداً تلو الآخر، كانت سلمى وسهى تترحان اسندهما يوسف 

بدأت سلمى تغني

يا ملتقى الصحبة يا لالالى
يا وردة فى الصحبة يا لالالى

"يوسف صوته حلو...يوسف غني"
قالت سلمى وهو رد
"لا"

"إنت حر هغني أنا وصوتي وحش"
حذرته سلمى ورد يوسف ببلاهة
"واو عقاب صعب بجد"

بدأت سلمى تغني وشاركتها سهى ثم تبعهما أيهم فقد كانوا يحبون الأغنية
يا منورين فى القعدة تملي يا صحبجية
اية يا لالالى
عايزين شوية، اية يا لالالى
حاجة م اللي هي، اية يا لالالى
حبة اهات على عين على ليل

بدأت مريم ترقص بمرح بينما يصفقون وشاركتها سلمى وعندها ضحك يوسف وهو يراقبهم ثم شاركهم الغناء

الحلو قال جايلى و لا جاشى
الحلو قال جايلى و لا جاشى
بقيت اكلم روحى وانا ماشى
بقيت اكلم روحى وانا ماشى

ودع يوسف أصدقائه وذهب لعمله، ثم دخل لمديره ليطلب منه إجازة يوم الثلاثاء كي يتفرغ لمساعدة عمه كما طلب منه والده

وافق المدير وخرج يوسف من مكتبه ليسير لطاولة الحساب وعندها رأى الرجل ذو الكمامة يقف قرب الرفوف فألقى عليه التحية
"مساء الخير!"

التفت الرجل
"مساء النور"

"شكراً على المكرونة، كانت حلوة أوي، إنت اللي عملتها؟"

ابتسم الرجل بخجل وظهر هذا على عينيه
"أيوة"

"تسلم ايدك"

"الله يسلمك"
حدق في عيون يوسف الذي سأله بإستغراب
"في حاجة؟"

"حاسك مألوف"
قال وتنهد يوسف بقلة حيلة بسبب تكراره لتلك الجملة
"الكل بيقولي كده"

"عندك أخت؟"
سأل وعم الصمت لثواني، كان يوسف يزن كلماته في عقله ثم رد في النهاية
"عندي تلاتة، بتدور على عروسة ولا إيه؟"

ضحك الرجل بتوتر
"لا، سوري هو سؤال غريب بس تقريباً أختك كانت معايا في المدرسة"

"بجد!"
رفع حاجبيه بتعجب

"هي جملة غريبة عارف، بس تقريباً عشان كده حاسك مألوف"

"هي جملة غريبة فعلاً، بس ولا يهمك"

"يوسف"
ناداه عادل 

"سوري لازم أشتغل"
قال ثم تحرك لطاولة الحساب وبدأ يعمل

بدأ يشعر ببعض الندم أنه تحدث مع الرجل، لقد حاول أن يكون لطيفاً معه وينسى ما سبق وحدث بينهما في الماضي ولكنه وجد نفسه منزعجاً من حديثه فهو لا يحب الفضوليين الذين يسألونه الكثير من الأسئلة

قبيل الفجر كان المكان هادئاً كالعادة، أخرج هاتفه ووجد اسم المجموعة
(مصافحة المرأة حرام بس اغتصاب السبايا حلال)

كانت من الأشياء التي يستنكرها يوسف في الدين لذا لم يكن ليعترض على نقاشهم

لما مصافحة المرأة حرام لكن السبايا والرق ليسوا كذلك؟، لم يتم تحريم العبودية بل انهتها المنظمات، بحث كثيراً عن أي شيخ يعطيه تبريراً يقنعه لكن كانوا يجيبون بأجوبة غير مقنعة

(غير المسلمين يستحقون لأنهم لا يؤمنون بالله)
(هذا عقاب الله لهم لأنهم ليسوا مسلمين)
(نحن مسلمون كرمنا الله عن الكافرين)

لم يقتنع أبداً بأي رد، لم يقتنع أن هناك إنسان أهم من إنسان آخر لمجرد أنه نطق جملة تعلن ايمانه بإله معين 

"بتلعب كورة؟"
سأل ذو الكمامة وهو يضع مشترياته على الطاولة

رد يوسف بإبتسامة متكلفة
"لا"

"يا خسارة"

(هو إيه اللي يا خسارة إنت تعرفني منين يا معرص؟)
هكذا رد في عقله لكن في الحقيقة لم ينطق بحرف واستمر بالإبتسام بصمت حتى غادر الآخر

عاد يوسف لمنزله متعباً، دخل غرفته فوراً وارتمى على السرير وما إن غط في النوم سمع صوت صراخ والدته وعندها نهض فزعاً وخرج من الغرفة

.

يا صحبجيه




.

4. جلسات الثلثاء
"يارا"
نادتها والدتها لتهرول اليها
"أيوة!"

ناولتها شقيقتها الرضيعة، رغم أن يارا نفسها كانت صغيرة لا يتجاوز عمرها الثانية عشر
"خلي بالك من أختك بعدين تسخني الأكل لابوكي"

بدأت الطفلة تبكي وبدأت يارا تربت عليها وتهزها برفق لتسكتها، بعد مدة نامت أخيراً، وضعتها في السرير

دخلت بعدها للمطبخ لتقوم بتسخين الطعام، كان روتيناً قد اعتادت عليه، كانت تهتم بالمنزل وكأنها سيدة كبيرة، قدمت الطعام لوالدها لوالدها وبعدها تحركت للمكتبة القديمة في منزلها وأخذت كتاباً منها ثم جلست على الأرض بجوار المكتبة تقرأ الكتاب بتركيز

كانت القراءة ملجأها وتسليتها، كانت تعشق القراءة لدرجة أنها كانت تقرأ الكتب القديمة التي كان والدها نفسه أكسل من أن يقرأها

استيقظ يوسف وهو يسمع صوت ضوضاء خارج غرفته، حدق في السقف لدقائق ثم نهض وخرج من الغرفة وعندها وجد والده يتحدث مع عمه

"يوسف!"
قال عمه وابتسم يوسف بتكلف ثم اقترب وصافحه
"ازيك يا عمي، الطريق كان عامل إيه؟"

"زي الزفت، زحمة ودوشة، كل دول ناس خارجين الصبح بدري كده؟، اومال لو كنت اتأخرت شوية"
كان عمه دائم التذمر في كل مرة يأتي فيها للقاهرة

كان مغرماً بهدوء القرية وتعداد سكانها المحدود، وهوائها النظيف، ويكره القاهرة بضوضائها وازدحامها وهوائها المحمل بالاتربة والدخان وعوادم السيارات

"معلش يا عمي مشوار وترجع تاني للبلد"
قال يوسف ورد عمه
"يلا ننزل بقى عشان نلحق اليوم من أوله"

"عنيا، هغسل وشي بس"
قال ثم دخل الحمام 

كان يعلم ما ينتظره، الخروج مع عمه يعني أسئلة كثيرة فضولية ومستفزة، فقد كان يجد متعة في سؤال الآخرين عن حياتهم الخاصة

"حلو بقى الشغل؟"
سأل ورد يوسف بإقتضاب
"الحمدلله، اهو شغل"

"يعني لو جبت ابني تشغله معاك؟"

نظر إليه يوسف ثم رد
"عمي أنا كاشير مش اتش آر"

"يعني ما ينفعش تتوسطله؟"

كان يمكنه أن يطلب من مديره بالفعل لكنه لم يكن يريد هذا، فالأسوأ من عمه هو إبنه الأعوج المزعج، يقابله في الأعياد والمناسبات فقط وفي هذه الأوقات يرغب في قتله ودفن جثته في صحراء لا يصل إليها أحد، فكيف بجعله يعمل معه ليراه يومياً؟

"لا ما ينفعش"
رد يوسف

"هو عموماً السنة الجاية هيجي مصر عشان الكلية"
كان يتحدث بفخر

"فعلاً!"
لم يكن مهتماً لكنه كان يجاريه في حديثه

"أيوة طبعاً لازم يتعلم في مصر، دا إنت اتعلمت فيها، هو ما يتعلمش ليه؟"
كانت إهانة صريحة قرر يوسف أن لا يجعلها تمر بسهولة
"أنا جيت هنا بدراستي يا عمي، مكنتش بضيع وقتي في الغيطان بجري ورا البهايم"

"قصدك إيه؟"
سأل ورد يوسف ببساطة
"قصدي إن ابنك ما يفرقش حاجة عن البهيمة ولو جبته يتعلم في مصر هيكون في جامعة خاصة عشان تقبل حد بقدراته"

عند تلك النقطة قرر العم تغيير الموضوع
"مش بيت عمك صلاح اتسرق؟"

"فعلاً!"
جاراه يوسف واستمر في سماع ثرثرته طيلة اليوم حتى عادا للمنزل

كان يشعر بصداع شديد، وكأن هناك مئات المطارق تضرب رأسه، فتح مجموعة أصدقائه وتفقد اسمها
(حي على الجهاد)

"أنا مصدع..هعيط بجد"
ارسل اليهم

"اهو دا أحسن وقت تجرب فيه فودكا تروق دماغك"
ارسلت سلمى

"خرجت مع عمك؟"
ارسل أيهم

"أيوة وأكل دماغ أمي بجد، يخربيت الصداع وزحمة القاهرة"

"على الأقل ابنه مكانش معاه"
أرسلت مريم

"مهو دا اللي ناقص"

"على الأقل واخد إجازة، روح ناملك شوية"
ارسلت سلمى

وصل ليوسف اشعار من تلجرام، كان أديب مرة أخرى
"يوسف هو إنت بتتجاهلني؟"

حذف الاشعار ثم وضع هاتفه جانباً ووضع الوسادة على وجهه ليحاول اسكات الم رأسه والنوم

ايقظته ساعته البيولوجية مسائاً في موعد عمله، تأفأف ثم أمسك هاتفه، بدأ يقرأ نقاش أصدقائه على مسألة الجهاد وتناقض المسلمين

يرغبون بقتل الملحدين والمثليين ولكنهم لا يجرؤون على الجهاد في فلسطين ويقولون بأن بلادهم غير جاهزة للحرب ويتحدثون بكل عقلانية ويخبرونك بأنه منطقياً سوف نخسر إن دخلنا هذه المنطقة

ماذا عن ايمانكم بربكم؟، ماذا عن رسولكم الذي خاض حروباً رغم قلة عدد الجنود؟، ماذا عن ايمانكم الأعمى بربكم؟، لما فجأة تحول الجهاد لشيئ يجب وزنه بالمنطق؟

لما لا تؤمنون بالآية التي تقول (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) لما فجأة اصبحتم تفضلون المنطق عن الدين؟

ولما عندما يخص الأمر قتل الملحد والمثلي لا تواجهون أي مشكلة في قتلهم؟، فجأة يتبخر المنطق، لا يهم هل هم أشخاص جيدون أم لا، يجب قتلهم

اولا يجعل هذا الدين لعبة (سلايم) تشكلونها حسب رغبتكم؟

اوليست الأديان لعبة سلايم يختار كل شخص تشكيلها حسبما يريد؟، فهناك من يختار جعل الدين ناعماً ومسالماً ويخبرك بكل حب بأنه دين رحيم وأن الفتوحات الإسلامية تمت بكل حب، يقوم بتزيين أي شيئ عدواني في الدين وأحياناً ينكر وجوده
وهناك من يختار التوسط واخبارك بحقيقة الفتوحات ولكنه يخبرك بأن نشر الإسلام واجب وأن الإيمان أمر بسيط (أسلم تسلم) آمن بالإسلام ولن نؤذيك، ويتحدث بكل فخر عن انجازات الجيوش الإسلامية ويقنعك بأن العبودية كانت شيئ جائز ومنتشر لذا لا بأس بأن تنتشر بين المسلمين أيضاً

العبودية الغير مسموحة هي عبودية المسلمين فقط، أما غير المسلمين فيمكنك قتل رجالهم واستعباد اولادهم، وشراء نسائهم لتغتصبهن

هم يستحقون هذا، كان يمكنهم دخول الإسلام والعيش بسلام لكنهم رفضوا، كيف يرفضون ديناً رحيماً كهذا؟ 

فجأة انفتح باب غرفته ودخل والده
"صحيت!"

استغرب ثم رد
"أيوة..في حاجة؟"

"هو المفروض آخد معاد قبل ما اتكلم معاك؟"
سأل والده مستنكراً ورد يوسف بسرعة
"مش قصدي خالص"

"طب قوم اتوضى ننزل نصلي سوا"
قال ثم خرج من الغرفة وعندها تنهد يوسف

يعاتبه والده دوماً بسبب أن علاقتهما ليست قوية، ويخبره بأنه كان يتمنى لو كان أبنه صديقاً وعوناً له وليس مجرد رجل يعتكف في غرفته يخرج منها للعمل فقط

بعد الصلاة عادا للمنزل ولم يجرؤ يوسف على العودة لغرفته خوفاً أن يوبخه والده، ظل الصمت سيد الموقف وهما يشاهدان مسرحية قديمة حتى كسره والده
"ابن عمك البغل هيجي يتعلم هنا"

"أيوة...عرفت"

"عمك ناصر دا لو فلوسه حرام مش هيصرفها بالشكل دا، الله يرحم أيام زمان كان الفاشل في التعليم بننزله يتعلم صنعة مش بندفعله فلوس زيادة عشان يروح يكمل تخلف في الجامعة"
كان يتحدث بإنزعاج فهو لم يكن يطيق ابن شقيقه ويراه فاشلاً لا يصلح حتى للعمل في الحقول أو رعاية الماشية

رغم أن يوسف ووالده يختلفان كثيراً فقد كان والده يعتز به، فقد كان يوسف طالباً متفوقاً وذكياً واستحق كل قرش دفعه والده في تعليمه، كان يفخر به دوماً حتى لو اختلفا في الآراء

كان والده يرغب به أن يكون أقرب إليه لأنه إبنه الأكبر ومصدر فخره حتى لو اختلفا، لكن في المقابل كان يوسف يشعر بالقلق ولا يستطيع الإنفتاح لوالده بسبب جروح الماضي وبسبب قلقه لأنه يخفي الكثير عن أسرته

اصدر هاتفه نغمة الإشعارات، أخرجه من جيبه ووجدها رسالة أخرى من أديب
"يوسف لو سمحت رد عليا"

"بتكلم مين كده؟"
سأل والده وحذف يوسف الاشعار بسرعة ورد كاذباً
"محدش، دي اتصالات بعتالي عرض"

"هات موبايلك كده"
مد والده يده إليه وعندها شعر يوسف بالدم يجف في عروقه

"إيه؟"
فكر بأنه يمكنه التملص من طلب والده

"هات موبايلك"
كرر والده وهو يحرك يده بمعنى أن يطيعه بسرعة

.

5. شيفت مسائي
حاول يوسف الحفاظ على هدوئه وهو يناول الهاتف لوالده الذي أخذه ثم وضعه على الطاولة وقال
"اما تكون قاعد مع والدك ما تمسكش موبايلات"

ارتخت عضلات يوسف المشدودة وعادت الدماء للتدفق بشكل طبيعي، وبدأ ينظم أنفاسه بعد أن كاد يصاب بنوبة قلبية

لدى يوسف ذكريات سيئة مع طلب والده لهاتفه فقد كان سابقاً يفتشه بإستمرار، ويعاقبه عندما يجد شيئ لا يعجبه به، وذات مرة اكتشف أمر مثليته، وجد محادثات له مع رجال آخرين، لكن ما انقذه هو أنه كان يتعالج نفسياً في هذه الفترة لذا خمن والده أن هذا جزء من المرض ولم يعاقبه بل كان ينصحه بأن يتابع مع الطبيب أكثر وأنه مستعد للدفع للمزيد من الجلسات ليصبح بحال أفضل

ولأول مرة شعر يوسف بالإمتنان لطبيبه النفسي الذي كان يكرهه ويراه عديم الفائدة

حمحم يوسف ثم قال محاولاً تشتيت انتباه والده عن الهاتف
"تفتكر عمي صلاح هو كمان هيبعت إبنه يتعلم هنا؟"

"ومالو، مش فاهم اتجننوا كده امته، من امته بنعلم عيال مش نافعة في التعليم أصلاً؟، مش كان زمانهم متعلمين صنعة تفيدهم بدل الهبل دا؟، دا إنت نجحت في تعليمك وبالعافية لقيت شغل، اومال الخولات دول هيعملوا إيه؟"

"لاحظ إن كلامك جارح طيب!"
علق يوسف ضاحكاً

"مش قصدي، على الأقل بتشتغل، اهو دي تصرفات رجالة، مش تقعد في البيت زي الحريم مستني المصروف"

كانت هذه واحدة من مشكلات يوسف مع والده، عليه مواصلة العمل حتى لو لم يكن مرتاحاً في الوظيفة لأنه لو حاول تركها سيصفه والده بأنه بلا فائدة كالنساء

"بتقعد مع اخوك؟"
سأل ورد يوسف
"مش بلحق"

"شوف أخوك عشان أنا مش فاضيله، واهو إنت اقربله، عشان والله لو سمعت عنه مشكلة تانية هرنه علقة"
كان يتحدث بغضب مكتوم

"أهدى بس..حصل إيه؟"
حاول يوسف تهدأته

"قفشت البيه هربان من المدرسة وبيتسرمح"

"فعلاً!"
كان يوسف يعرف جيداً ما يفعله شقيقه لكن كان عليه التظاهر بأنه لا يعرف كي لا يوبخه والده مادام يعرف ولا يقوم بأي رد فعل تجاهه

"لا وكمان كان خارج مع بنت وقريب من مكان شغلي البجح"
أخرج من جيبه هاتفاً
"أنا اخدت منه الموبايل وعايزك تتكلم معاه برضه"

"كويس، يعني ما ضربتهوش؟"
سأل ورد والده بنبرة ساخرة
"دا من إيه دا؟، ليه ما أضربهوش؟، إنت رئيس لجنة حقوق الطفل؟، طبعاً موته ضرب"

تنهد يوسف بقلة حيلة ولكنه توقع الأمر فوالده عصبي ودائماً يتعامل بقبضته بالأخص إن اخطأ أحد أولاده
"طب أنا كده هتكلم أقوله إيه اما إنت ضربته وسحبت الموبايل؟"

"قوله يلم الدور عشان ما اعملهوش عاهة مستديمة"
هدد وحاول يوسف تهدأته
"ليه كده؟، اهدى بس، هو أكيد اتعلم من غلطته"

"هو الجاموسة دا بيتعلم؟، دا جيل عرص، أنا ما شفتش بجاحة زي بجاحة الجيل دا"

"حاضر هكلمه"
رد في النهاية ليريحه

طرق يوسف باب غرفة شقيقه ثم فتحها وعندها فجأة صفعه طبق زجاجي على وجهه، تحطم وجرح وجهه، تفاجأ شقيقه وهو يرى وجهه ملطخ بالدماء

"مكانش قصدي"
برر بخوف وقلق ثم اقترب بسرعة ليتفحص يوسف الذي فور رؤيته للدماء تلطخ يديه فقد وعيه

استيقظ لاحقاً ولمس وجهه فوجده ملفوفاً بالشاش، اعتدل جالساً ووجد نفسه في غرفته وعلى الطاولة هاتفه، امسك به ثم راسل أصدقائه
"اخويا علم على وشي تقريباً.."

فتح محادثته مع مديره وأخبره بأنه لن يستطيع الذهاب للعمل غداً ولكن المدير اعترض وأخبره أنه قد استهلك يوم اجازته بالفعل وإن لم يحضر سيتم فصله

"وبعدين في كسم البضان دا، يعني اللاقيها من العاهة اللي اخويا سببهالي ولا من مديري العرص اللي مش راضي يديني اجازة وبيهددني يفصلني، طب كسمك على كسم الشغل"
ارسل مقطعاً صوتاً لمجموعة أصدقائه وهو يستشيط غضباً

"أنا هخلص الموضوع دا"
ردت سلمى وشعر يوسف بالقلق لأن سلمى تقوم بالكثير من المصائب 

"سلمى لا"
"سلمى"
"سلمى ما تعمليش حاجة"
"جماعة حد يشوف سلمى"

"هشوفها"
رد أيهم

نهض يوسف وخرج من الغرفة ليقابل والديه
"اقعد ارتاح"
قالت والدته بسرعة ثم اسندته

"يا أمي وشي اللي متشلفط مش رجلي"
علق وعندها قال والده
"شفت!، قولتلك الواد دا مش متربي"

"اوعى تكون ضربته تاني"
قال يوسف ورد والده بغضب
"طبعاً موته ضرب، دا كان هيموتك!"

"دا طبق عادي يعني، ممكن يشوهني آه بس مش هيقتلني يعني"

"اهو المياعة بتاعتك دي مع أخوك هي اللي مخيباه ومخلياه خول"
صرخ والده به

"في إيه يا بابا إنت هتمسك فيا؟"

"لولا وشك كنت مسكتك ضربتك إنت كمان بكلامك المستفز دا"

"صلي على النبي مش كده الواد قلبه على أخوه الصغير برضه ولو أنه عيل ما اترباش"
حاولت والدته تهدأة الجو

لم يكن يوسف يرى جرح وجهه بالشيئ الكبير، بل شجار والده معه مخيف أكثر منه، وكان قلقاً على شقيقه الذي يكره تهوره وتصرفاته الغبية لكنه أيضاً كان يراه مجرد مراهق لم يبلغ السابعة عشر بعد، لا يعرف عن الحياة شيئاً ومازال يتعلم

على الناحية الأخرى ارتدت سلمى ملابسها ولفت حجابها على نصف شعرها ثم خرجت من المنزل واستقلت الحافلة حتى مكان عمل يوسف

"هاي!"
القت التحية ثم حادثت المحاسبة التي تعرفها لأن يوسف سبق وروى عنها بأنها تستفزه 
"ناديلي مديرك يا شاطرة"

لم تكن المحاسبة لترد على زبونة لأن العميل دائماً على حق، لذا بقيت صامتة وذهبت لمكتب رامز واستدعته

"خير يا أستاذة حد ضايقك؟"
سأل وهو يبتسم بتكلف

"أيوة، إنت"
ردت وتفاجأ
"إيه؟"

"يوسف قريبي مش عايز تديله إجازة ليه؟، دا وشه اتشلفط، عايزه يجي بالشاش ولا إيه؟"

"مش القصد بس هو استهلك يوم إجازته خلاص والادارة منبهة على الغياب واحنا أصلاً عندنا عجز في العمال"

همهمت سلمى
"يبقى آخد أنا مكانه"

تفاجأ رامز
"لا طبعاً يا أستاذة"

"يعني بروح أمك عايز إيه دلوقتي؟، لا عايز تديله إجازة ولا عايزني آخد مكانه اخليه ينقسم ميتوزي ويجي عشان يشتغل لعيون دين أمك؟"
سألت بغضب جعل أطراف رامز ترتعش من الخوف من نبرتها وتعبيراتها

"مش قصدي يا أستاذة بس أكيد حضرتك مش هتعرفي تشتغلي على السيستم"

"لا ما تخافش يا حبيبي هعرف اشتغلت كاشير قبل كده عادي، عندك مانع تاني بقى؟"

"لا، خالص"
رد في النهاية بسبب خوفه منها

كان رامز متفاجئاً فقد كان يعتبر يوسف وقحاً أحياناً، لكن بالمقارنة بسلمى فهو ملاك لطيف

أخرجت سلمى هاتفها والتقطت صورة لنفسها
"ساي هاي للكاشير سلمى"

بدأت تقوم بعملها وكانت سريعة، وبينما تعمل دخل رجل عجوز تعرفت عليه لأن يوسف سبق وروى عنه، رجل مزعج يدخل ويحدث المشاكل ثم يتشاجر مع يوسف ويخرج

نظر اليها وتفاجأ عند رؤيتها فقد كان يتوقع رؤية يوسف، تبدلت تعبيراته للإبتسام ثم بدأ يجمع مشترياته ووضعها على الطاولة

"كويس انكم مشيتوا الكاشير التاني، كان قليل الذوق جداً، إنتي شكلك محترمة كده"
كان يحاول جر حديث معها

"ميتين سبعة وستين يا اونكل"
أخبرته بالحساب متجاهلة حديثه

"اونكل إيه بقى ما تزعلنيش منك"
قال مازحاً وعندها ابتسمت سلمى فإتسعت ابتسامة الرجل، مالت سلمى ناحيته وتحمس الرجل ومال عليها وعندها همست
"ميتين سبعة وستين يا راجل يا شايب يا بضان يا ابن الاحابى، وكلمة كمان وهقطعلك بتاعك"

ابتعدت عنه وهي تبتسم نفس الإبتسامة بينما هو مصدوم مما سمعه، فلم يسبق له أن سمع فتاة تقوم بالسب، ولم يسبق أن سبه أحد من قبل لأنه رجل عجوز والجميع يحترم العجائز مهما كانوا وقحين

ناولها النقود بيد مرتعشة ثم أخذ الكيس وغادر فوراً
"نورتنا يا فندم"
لوحت له ثم قهقهت بإستمتاع

مع اقتراب وقت الفجر لم يكن هناك زبائن لذا شغلت سلمى أغنية متحف فنون الغش وارسلتها لمجموعة أصدقائها ليشاركوها

متحف فنون الغش
الدنيا حبة ديكور
وعيش هايش وهش
وصدق تايه في زور
إبرة في كومة قش
والناس خبايا ومرايا

كان اسم المجموعة
(كسم الرأسمالية)

"تعرفوا الشغلانة مش بضان زي ما تخيلت، اينعم بتقابل زباين بضان بس ممكن تشتمهم وبيفضلوا مخضوضين إن بنت شتمتهم وبيمشوا من سكات، ذاتس سو فاني"
ارسلت للمجموعة

"مش اتفقنا ما تشتميش؟"
أرسل أيهم

"يا عم اتنيل، إنت اتفقت مع نفسك"
ردت عليه

"سلمى ارجوكي أنا معنديش بديل لو اتطردت هتشرد، ارجوكي ما تعمليش حاجة تفصلني"
ترجاها يوسف

"بس يا خول إنت، العرص رامز دا ولا يقدر يعمل حاجة، دنا انيكه"
ردت

"سلمى"
ناداها عادل ونظرت إليه منتظرة أن يتحدث

"في الوقت دا كنت بخرج ساعتين، كان اتفاق بيني وبين يوسف"
قال وعندها ردت سلمى
"سو!، ام نات يوسف"

انزعج عادل أنها رفضت وهي أضافت وهي تبتسم بإستفزاز
"لو سمعتك بتبرطم هكسرلك سنانك"

.


متحف فنون الغش



.

6.قهوة باردة
كان الألم أشد من أي شيء يمكن أن تتخيله يارا، لم يكن مجرد وخز أو جرح، كان حريقاً يلتهم أعماقها، يمزق جسدها وروحها
في تلك اللحظة، تحول جسدها، الذي كان مصدر براءة وحياة، إلى ساحة معركة دامية

تلك الغرفة، المليئة برائحة اليود والترقب الخافت، لم تعد مكاناً آمناً
تحول البيت، الذي كان يُفترض أن يكون قوقعتها الدافئة، إلى فخ مُحكم لم تستطع يارا أن تتذكر تفاصيل الوجوه، فقد اختلطت في ذاكرتها بظلال متحركة، لكنها تذكرت بوضوح البرودة المعدنية التي لامست جلدها

لم يكن مجرد ألم، بل زلزال خارق اجتاح كيانها الصغير صرخة وحيدة، مكتومة ومذعورة، خرجت منها قبل أن تنقطع
بعدها، حل الصمت، صمت أثقل من الصراخ نفسه

كان الألم الجسدي حقيقة قاسية حريق مستمر تحت الجلد، ينبض مع كل قطرة دم، شعرت وكأن جزءاً حيوياً منها قد اقتُلع بعنف غاشم، تاركاً فراغاً بارداً لا يمكن أن يمتلئ
أصبحت حركتها محكومة بخوفها من تجدد اللسعة

كانت تستلقي على فراشها، تنظر إلى السقف بجمود، ودموعها جفت من فرط الحرقان، لم تعد تستطيع لمس نفسها، فقد أصبح جسدها جسداً مُغتالاً، لا تعرفه ولا يطمئنها

شعرت أنها لم تفقد جزءاً من جسدها فحسب، بل فقدت السيطرة على مصيرها، وفقدت الإيمان بأنها ملك نفسها أصبحت مُنتَهكة، مُجردة
كان الخجل يتسلل إليها، يخبرُها بأنها أصبحت مختلفة، مُعيبة بطريقة ما، رغم أنها لم ترتكب أي خطأ

"اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ..."
استيقظ يوسف وهو يسمع صوت المذياع، ظل يحدق في السقف لثواني ثم أمسك هاتفه ووجد اسم مجموعة أصدقائه
(يعنح)

"هو إيه دا؟"
ارسل بدون أن يقرأ الرسائل السابقة لأنها كانت كثيرة

"هو إيه اللي إيه دا؟"
رد رامي

"اسم الجروب؟"

"بنألف قرآن مش بيقولك فليأتوا بمثله؟"
رد أيهم

"طب والنبي يعنح معناها إيه؟"

"ملهلش معنى، زي كهيص"
قرأ رد مريم وعندها اختنق وبدأ يسعل

"أحا دنا هتفشح في جهنم بسببكم"
تمتم وهو يسعل

بدأ يتفقد الإشعارات ووجد رسالة جديدة من أديب وعندها فتح تلجرام وقام بكتم إشعارات محادثته
"غور يلا يا معرص"
تمتم وهو يغلق تلجرام

خرج من غرفته، كان موعد صلاة لذا لم يكن والده في المنزل، وكانت والدته منشغلة بالطهي، تسلل لغرفة شقيقه فقد كان قلقاً ويريد الإطمئنان عليه بعد أن تعرض للضرب مرتين، فهو يعلم كم أن والده عنيف، طرق الباب وفتحه ووجده نائماً

"يعني أنا قلقان وإنت نايم زي الجاموسة!"
تمتم يوسف ثم خرج وأغلق الباب 

"الف سلامة عليك يا حبيبي"
كانت شقيقته زهراء، عانقته وربتت على كتفه ثم قالت
"هغيرلك الشاش"

كانت زهراء خريجة معهد التمريض، ورغم أن زوجها منعها من العمل بعد الزواج فقد استفادت من تعليمها في مساعدة اقاربها ومعارفها

"ما تقلقش خالص هتخف وتبقى زي الفل، الجروح بسيطة بس مشكلتها انها كتير"
قالت في محاولة لطمأنته رغم أنه بالأساس لم يكن قلقاً بأمر جروحه بل كان قلقاً على عمله الذي لا يمتلك بديلاً له

"سرحان في إيه؟"
سألته شقيقته بعد أن انتهت من لف وجهه بالشاش

"مفيش...بفكر عبدالله هيعقل امته"
رد بأسهل رد 

"دماغه فيها صرمة..ربنا يهديه"
ردت وهي تغلق حقيبة الاسعافات ثم قبلت خده 
"الف سلامة عليك يا حبيبي"

عاد لغرفته ثم امسك هاتفه وعندها نادته شقيقته
"يوسف...حد عايزك"

رفع رأسه ببطء، متفاجئاً، استغرب، هو لا يأتيه أحد، ولم يسمح لأحد بالمجيء منذ سنوات كان منزله بالنسبة له منطقة محرمة مخصصة له ولشقيقاته فقط

نهض على مضض وسار نحو الباب.
عندما فتحه، تجمد في مكانه للحظة قصيرة وجده واقفاً أمامه، بثقة مزعجة
أديب.

شعر بانقباض في صدره، كأن كل الأصوات من حوله خمدت دفعة واحدة
مد يده ودفعه للخارج بسرعة، ثم أغلق الباب خلفه وهمس بعصبية مكبوتة
"بتعمل إيه هنا؟، عايز إيه؟"

"مش بترد عليا ليه؟"

تنهد يوسف بضيق
"واما تيجي كده هرد عليك؟، إنت مش بتحس؟"

أديب اقترب منه خطوة، ابتسامته ازدادت ثقة
"هو إنت ليه مكبر الموضوع كده ومش عايز تديني فرصة؟"

يوسف نظر لوجهه بغضب، شعر بوجهه يسخن، الغضب والارتباك اختلطا في صوته
"وإنت ليه مش متقبل الرفض؟، أنا مش عايزك، اغنيهالك؟"

"مش معقول تبوظ سنين قضيناها سوا عشان لحظة!"

"مش عشان لحظة، دي تراكمات، وعمرك ما هتفهم لإنك مش شايفني أصلاً، مش شايف غير نفسك"

وبينما كان الهواء يتثقل بالصمت المشحون، اخترقه صوت غريب
"مساء الخير!"
استدار الاثنان في الوقت ذاته، كان الرجل الغامض ذو الكمامة 

شعر يوسف بأنه يحلم، بل أنه في كابوس، رجلان أمام منزله في نفس الوقت!

اقترب يوسف من الرجل ذو الكمامة
"إنت عرفت بيتي منين؟"

أجابه الرجل بنبرة هادئة تماماً
"سألت مديرك"

(اما إنت راجل عرص صحيح)
شتمه في أفكاره ثم ابتسم بتكلف

مد الرجل يده فجأة، لمس خد يوسف بخفة
كانت حركة بطيئة، شبه متعمدة، كأنها اختبار
أصابعه مرت على الشاش الملفوف على خده، وما إن لامسها حتى انكمش وجه يوسف من الألم وأغمض عينيه لا إرادياً

"الف سلامة"
ابعد يده ثم مده له كيساً

"إيه دا؟"
سأل يوسف ببلاهة

لم يجب فوراً
ظل يحدق في عيني يوسف، نظرة طويلة غريبة، فيها شيء بين الشفقة والفضول، كأن وجه يوسف كتاب مفتوح يقرأه على مهل

"عملتلك أكل"
رد بهدوء ثم نظر لأديب نظرة فاحصة تحمل في طياتها الكثير من الاحكام والظنون

"بالهنا والشفا"
تابع ثم ربت على كتف يوسف وغادر بهدوء كما اتى

التفت يوسف لأديب ثم قال بغضب مكتوم
"امشي من هنا حالاً"

"دا حبيبك الجديد؟"
سأل أديب ورد يوسف
"كلمة كمان وهديك بالشنطة دي على دماغك، غور من هنا"

غادر أديب وهو يشتغل من الغضب، دخل يوسف المنزل وأقتربت زهراء بفضول لتسأله
"إيه دا؟"

"مندوب..كان جايبلي أكل"

"وإنت بتطلب أكل ليه؟، قصرنا في إيه؟"
سألت زهراء مستنكرة

"دا هدية"
برر وعندها غمزت زهراء وهي تبتسم بمرح متعقدة أن يوسف مرتبط بفتاة تحضر له الطعام
"هدية آه!، ماشي يا عم"

دخل غرفته ثم فتح العلب، كانت حساء مأكولات بحرية واسباجيتي مع جميع أنواع الصوصات، وكان طعم كل شيئ جيداً وكأنه تم طلبه من مطعم

هذا الرجل جيد في الطهي بطريقة مستفزة، ولكن هل سينسى كل ما حدث بينهما من قبل من أجل وجبة طعام بحري؟

ولما يلتصق به بهذه الطريقة ويصر على التواجد في حياته؟، ماذا لو اكتشف حقيقته؟، ماذا لو علم بشأن كذبه؟

لما حتى الآن لم يعرف بنفسه؟، لقد اتى حتى منزله لكنه لم يخبره باسمه، هل يشك بأنه يعرفه؟

هل سيحاول طعنه في وجهه؟

الطعام الذي اعده له ذكره ببداية علاقته مع أديب

أسند يوسف رأسه إلى الحائط، أغمض عينيه محاولاً إيقاف الضوضاء في رأسه، لكن الصور بدأت تتدفق رغماً عنه
ذاكرته لم تنتظر إذنه

رأى المطبخ الصغير الذي كانا يتشاركانه في الأيام القديمة، الأطباق المتسخة المتراكمة، رائحة الزيت، ضوء المصباح الأصفر المائل للدفء

كانا يطبخان معاً دائماً، ليس لأن أحدهما يجيد الطهي، بل لأن وجود الآخر يجعل حتى أبسط المهام محتملة
كانت لحظات خفيفة لا تشبه حياته الآن، فيها ضحك صادق بلا سبب، وحركة أكتاف تتلامس عرضاً ثم تُسحب بخجل
ضحكات قصيرة تتناثر في المكان، تختفي سريعاً وتترك أثرها على الجدران كظل ضوء قديم

ثم تلاشت صورة المطبخ لتحل محلها الشارع الطويل الموازي للنيل
ليل خفيف النسيم، الأضواء تنعكس على الماء المتحرك ببطء

خطواتهما المتزامنة فوق الرصيف، يد داخل جيبيهم واليد الأخرى يتشابكانها، والبرد يلسع أنفاسهما
يتذكر كيف كان كل شيء وقتها بسيطاً، بلا تعريفات أو أسئلة أو حدود

توالت المشاهد كأنها شريط قديم مهترئ
ضحكة خافتة، فنجان قهوة نصف ممتلئ، لمسة عابرة على الكتف، رسالة قصيرة منتصف الليل، وارتباك متبادل في النظر
ثم التغير البطيء، الفجوة التي بدأت تكبر بصمت، حتى تحولت كل تلك الطمأنينة إلى عبء

فتح يوسف عينيه ببطء، شعر بمرارة في فمه
كأن الذكريات فقدت لونها، لم تعد دافئة ولا مؤلمة، فقط باهتة
بلا طعم، مثل قهوة تُركت تبرد فوق المكتب لساعات

شم الياسمين
و دوق الدبس بطحينة
و تذكر، تذكر، تذكر تذكرني
يا اخي أوعى تنساني

.

شم الياسمين



.

7.مقص بشري
"زواج النبي محمد من السيدة عائشة كان بأمر إلهي لحكمة عظيمة، حيث رأى النبي في المنام أن الملك يأتيه بعائشة وهي في قطعة من حرير، وعلم أن لهذا الزواج شأناً عظيماً في نشر الدين"

"أيوة يعني استغلها عشان ينشر الدين"
قالت سلمى مقاطعةً الداعية التي كانت تتحدث

حمحمت المرأة ثم قالت بإبتسامة مصطنعة
"حبيبتي دا أمر إلهي"

"أمر إلهي مستغل"
ردت بلا مبالاة

رفعت حاجبيها بدهشة غير مستوعبة لما سمعته كذلك بقية النساء الموجودات في حلقة الذكر، كررت مرة أخرى وكأنها تحاول اعادتها لرشدها
"دا أمر من رب العالمين"
تابعت قبل أن تقاطعها سلمى مرة أخرى
" تم العقد في مكة قبل الهجرة، ودخل بها النبي في المدينة بعد الهجرة وهي في التاسعة من عمرها، نشأت السيدة عائشة رضي الله عنها في بيت أبي بكر الصديق على الطهر والإيمان، وأصبحت زوجة للنبي وأماً للمؤمنين ووريثة لعلم النبوة، على الرغم من صغر سنها"

"تشجيع على اغتصاب الأطفال كمان!"
قالت سلمى وتنهدت المرأة بضيق
"كان الزواج في السن دا عادي وقتها"

"دا نفس كلام الفلاحين في الصعيد إن زواج القاصرات عادي، هل دا معناه أنه عادي؟، وليه بقية زوجاته مكانوش اطفال عشان يكمل الحضانة؟"
كان حديث سلمى يجعل النساء تتفاجأ من جرأتها في الحديث عن الدين بكل وقاحة، بعضهن يستغفرن والبعض مندهش من جرأتها والبعض الآخر بدأ يفكر حقاً في حديثها

"ما يصحش تتكلمي كده عن رسول الله"
قالت المرأة وردت سلمى بلا مبالاة
"هو مش قال أنه بشر زينا وبيغلط؟، مش من حقنا نعلق على غلطاته؟"

أجل..سبق وقال محمد بأنه يخطئ وأنه ينسى كباقي البشر

"زواج القاصرات عشان يستغلها دا زي كإن راجل يروح يتجوز بنت ملك عندها تسع سنين عشان يحسن علاقات بين البلدين، أو عشان يكسب لقب من ورا جوازته"

"احنا ساكتينلك من الصبح، إنتي ايه شيطانة؟"
صرخت بها إحدى الجالسات

"هو دا ردك يا مؤمنة؟، بدل ما تردي عليا بالعقل؟"

"أوامر ربنا مفيهاش نقاش"
قالت بحزم

قهقهت سلمى لدرجة اغاظت مجموعة النساء
"امشي من هنا، دا مش مجلس ملحدين وكفرة"
صرخت بها وعندها قالت سلمى وهي تستقيم واقفة
"اوكاي، الظاهر المجلس دا ممنوع تشغيل المخ فيه"

استفاقت سلمى من شرودها عندما وضع أحد الزبائن سلة على طاولة الحساب، بدأت تمرر المنتجات بسرعة ومهارة 

"لو سمحتي"
بينما تقوم باعطاء الباقي للزبون نادتها امرأة ترتدي غطاء الوجة

"أيوة!"
ابتسمت بتكلف وهي تنظر اليها

اشارت إلى شعرها ثم قالت وهي تبتسم ابتسامة سمجة
"شعرك باين"

ابتسمت سلمى نفس ابتسامتها وهي ترد
"آه...منا عارفة"

تفاجأت المرأة وارتبكت
"بس دا حرام!"

"أنا عارفة برضه"
استطردت بعدها بنفس الابتسامة السمجة المستفزة
"حضرتك هتحاسبي على الحاجة ولا جاية تحاسبيني بس؟"

انصرفت المرأة مستاءة وتجاهلتها سلمى لتولي اهتمامها للزبون التالي

كانت سلمى تغطي نصف شعرها بالحجاب لأن عائلتها مهووسة به حتى لو كان يغطي نصف شعرها فقط، عندما تخرج بعيداً عن منزلها تخلعه، وتحسباً لرؤية أي فرد من عائلتها بالصدفة في المتجر قررت أن لا تخلعه

قبيل الفجر لم يكن هناك زبائن لذا أخرجت هاتفها لتتفقد المجموعة ثم ارسلت
"تفتكروا ممكن آدم وابليس يتكتبلهم قصة انيميز تو لافرز؟"

"ومالو"
رد أيهم

"آدم بضان أوي"
اعترضت مريم

"اللي غريب بجد هو الإله اللي طرد أبليس عشان غلطة واحدة، ما كان يغفرله وخلاص مش هو غفور رحيم اشمعنى ابليس وقفله على الواحدة؟"
ارسل رامي

"فعلاً تصعيد غير مبرر"
وافقته سهى

"الإله بيحب البشر أكتر من الملايكة والشياطين، خلقهم عشان يتسلى بيهم ويتفرج عليهم بيعانوا"
ارسلت مريم

"ودا حب دا؟"
استنكر رامي

"الإله محتاج يشوف ثيربثت بأمانة"

"الشغل عامل إيه يا سوسو؟"
كان يوسف

"فاين، إنت عامل إيه؟"

"غالباً هنزل بكرة، خلاص بقيت أحسن"

"ياه!، مش هشوف الناس المتخلفة دي تاني"

"حصل حاجة؟"
سأل يوسف

"كل يوم حد يجي ينصحني بحاجة، معرفش فاكرينه سوبر ماركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا إيه"

"غريبة"
ارسل يوسف

"ولا غريبة ولا حاجة..عشان أنا ست بس"
قرأ يوسف ردها ثم سمع صوت طرق على الباب

"ادخل"
قال وعندها دخلت شقيقته نسمة

"عامل إيه دلوقتي"
اقتربت وبدأت تتفحص وجهه

كانت نسمة أصغر فتاة في العائلة، وكانت أكثر واحدة لديها أفكار وقناعات مختلفة عن باقي شقيقاتها، تزوجت من رجل منفتح واصبحت تسكن بعيداً عن عائلتها، بعيدة لدرجة أنها تزورهم مرة كل بضعة أشهر فقط 

ولكن عندما علمت بإصابة يوسف فقد جاءت فوراً لتطمئن عليه فهو شقيقها الكبير المفضل 

يقول يوسف دائماً أن نسمة أكثر شقيقة تشبهه، بل أحياناً تغلبه بجرأتها، لقد ولدت بعد أن تعلم والدها السيطرة على غضبه (قليلاً) لذا لم تتلقى نفس العنف الذي تلقاه يوسف وشقيقاته لكنها لم تكن تخاف التعنيف بل كانت تفعل ما تريد بدون خوف من العواقب
كانوا يعتقدون أنها أصغر فرد في العائلة حتى جاء عبدالله عن طريق الخطأ، غالباً تحمل الأمهات في الطفل الأخير بطريقة غير مقصودة 

"كويس، حتى هنزل الشغل بكرة"
رد يوسف باسماً

"كلمت عبدالله؟"

"مش عارف اكلمه، بيعمل نفسه ميت كل ما اجي اكلمه"

"سيبهولي"
قالت ثم خرجت من الغرفة 

ارتمى يوسف على السرير وحدق في السقف ثم اندفعت الذكرى كصفعة

كان يوسف محاصراً خلف مبنى الأنشطة، في زاوية موحشة لا تصلها عيون المدرسين، كان يرتجف، ليس من الخوف فحسب، بل من العجز المطلق

أمامه، كان يقف فتى ذو نظرة لا تعرف الرحمة، يضحك بوقاحة، بينما أحاطت به زمرته، أربعة فتيان يقفون كالحراس، مهمتهم الوحيدة هي سد كل طرق الهروب
بدأت الإهانة أولاً، كلمات تطعن في هشاشته الجسدية ثم بدأ الضرب

لم يكن ضرباً عشوائياً، بل كان منظماً ومؤلماً، صفعة قوية على الوجه، تتبعها ركلة في الساق، لم يكن يوسف قادراً على الرد، لأنه لو رفع يده، لكانت الردة جماعية ومُدمرة، كان يعلم أنه بمفرده، وهم قطيع

سقط يوسف أرضاً، لم يبكي، بل شعر بشيء داخله يتمزق، يتصلب، يتحول إلى كراهية باردة، حاول أن يتلوى ويدافع عن نفسه، لكن الأيدي كانت أكثر، والأقدام أقوى

كان شعور العجز يغمره، ذلك الشعور السام بأن
"جسدي ليس لي، وقوتي لا تكفي للدفاع عن ذاتي"

 كان يتلقى الضربات ويشعر بطعم التراب مختلطاً بالدم الخفيف في فمه 
انتهى الضرب عندما شعر الفتى بالملل، تركوه مكوماً على الأرض، نهض يوسف ببطء، نفض الغبار عن ملابسه الممزقة، لكنه لم يستطع نفض شعور الذل الذي التصق بروحه

فيما كان يوسف يبتعد متعثراً، سمع الصوت الفظ ينادي على قائد المجموعة للاحتفال بالنصر
"شريف"

تقلب يوسف على السرير لتتدفق ذكرى أخرى إلى رأسه

الممر كان فارغاً والهواء ثقيلاً خطواته تتهادى خلف يوسف الذي يركض هارباً
كان يؤدي لغرفة الأساتذة، والباب نصف مفتوح كدعوة للخلاص

اندفع يوسف نحو الداخل، أغلق الباب بهدوء وخفق قلبه كدقات مطرقة داخل صدره
على الطاولة المعدنية كان هناك دفاتر، اوراق اختبار، أطباق، ومقص رفيع يخص استاذة الانشطة على الأرجح

امتدت يده إليه بلا تفكير، قبضت الأصابع على المقبض البارد 
فُتح الباب بعنف، ودخل شريف، كانت عيناه تلمعان بالانتصار، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة
"فاكر إنك هتستخبى مني يا..." 
لم يكمل شريف جملته

قبل أن يُدرك شريف ما يحدث، وقبل أن تتاح له الفرصة لمد يده نحو يوسف، اندفع يوسف خطوة للأمام، لم يكن هناك تفكير، فقط غضب أعمى ممزوج بالخوف المفرط والرغبة في إنهاء هذا الإذلال، رفع يده التي تحمل المقص

اخترقت إحدى شفرتي المقص خد شريف، صرخة مدوية ملأت الغرفة، صرخة ألم مفاجئ، لم يكن يوسف يتوقعها، سقط شريف على ركبتيه، يضع يده على خده المطعون، بينما الدماء تتدفق بين أصابعه، كانت عيناه تحملان صدمة لم يسبق ليوسف أن رآها فيهما

تجمد يوسف في مكانه، المقص ما زال في يده، الدم على المقص، وعلى الأرض، وعلى وجه شريف، لم يكن يشعر بالانتصار، بل بشعور مروع من الفراغ، فعلها، دافع عن نفسه، لكن بأي ثمن؟


.

8. صدمات الطفولة
كانت يارا جالسة على الكرسي البارد خارج غرفة الفحص، تتدلى ساقاها النحيفتان في الهواء
كانت تبلغ من العمر اثني عشر عاماً، تستغرب كل هذه الفحوصات والأسئلة، كانت تتمنى لو تستطيع العودة للمنزل بدلاً من الجلوس في هذا الممر الذي تفوح منه رائحة المطهر والقلق

في الداخل، كان صوت الطبيب مكتوماً، لكنه كان حاداً ومفاجئاً. ثم صمت مخيف، تبعه صوت شهقة عميقة من أمها

استندت يارا بأذنها إلى الباب الخشبي السميك، الصوت أصبح أكثر وضوحاً
 "الحالة مش نادرة يا مدام، جسدياً هي لا تنتمي لأي من الجنسين بشكل كامل، الفحوصات الجينية والهرمونية أظهرت بوضوح أن الطابع الذكري هو الغالب في التكوين الأساسي، بنتكم في الحقيقة هي ولد"

تبع ذلك ضجيج غاضب من والدها، صوت كرسي يُدفع بعنف، وكلمات غضب غير مفهومة. ثم صوت الطبيب الذي أصبح أكثر عملية وهدوءاً
 "الوضع طبياً يسمح بالتدخل، نقدر نعمل عمليات تصحيح جراحية وهرمونية، القرار ليكم أنتم نقدر نكملها كبنت، أو نبدأ رحلة تصحيحها لولد، أنتم عايزينها إيه؟ بنت ولا ولد؟"

فُتح الباب فجأة، خرجت أمها، بوجه شاحب وعيون حمراء، تحمل نظرة ضائعة لم تفهمها يارا، وضعت الأم يدها الباردة والمُرتعشة على كتف يارا، ثم انحنت قليلاً لتنظر في عينيها مباشرة
كانت تتردد، وكأن الكلمات تكافح للخروج من حلقها
سألت الأم، بصوت بالكاد مسموع
"يا... يارا، إنتي عايزة تبقي بنت ولا ولد؟"

"نورت"
كان شريف يتحدث باسماً عند رؤية يوسف يقف على طاولة الحساب

استفاق يوسف من شروده وابتسم بتكلف
"شكراً"

"تعرف عيد ميلادي كمان يومين"

(وأنا مال أمي؟)
هكذا رد في عقله لكن في الحقيقة رد وهو يبتسم بتكلف
"كل سنة وإنت طيب"

"لو عزمتك هتيجي؟"

"عندي شغل زي منتا شايف"

"هعمل الحفلة الصبح"

"بس أنا معرفش حد من اصحابك"

"مش هعزمهم، أصلاً كلهم من برا القاهرة ومحدش هيتعب نفسه ويجي عشان ساعتين عيد ميلاد"

شعر يوسف بأن شريف يحاول استعطافه، وكان هذا حقيقياً، هو يضغط عليه ليوافق

"ماشي، هاجي"

تحمس شريف ثم قال
"معاك قلم؟"

فتح يوسف الدرج وأخرج قلماً، أخذه شريف ثم أمسك يد يوسف وكتب على كفه عنوانه
"دا العنوان، يوم الاربع الساعة تلاتة، هستناك"
كان يتحدث وهو ينظر لعينيه ويبتسم ابتسامة صافية صادقة

غادر بينما يوسف كان مازال مستغرباً، وظل طيلة اليومان يفكر في أن شريف دعاه لينتقم منه، ارتدى ملابس مرتبة ورش من عطره واشترى زجاجة عطر من المتجر الذي يعمل به ليهديها لشريف كهدية

طرق باب المنزل وكان يتخيل شريف يطعنه بدلاً من تقطيع الكعكة، حتى فتح شريف وكان يرتدي كنزة بيضاء وسروال رمادي، كانت أول مرة يراه بملابس عادية غير الملابس السوداء التي تخفي مظهره والكمامة التي تخفي وجهه، كانت ندبته واضحة هذه المرة
"اتفضل"

دخل يوسف بحذر وبدأ يمسح المنزل بعينيه باحثاً عن اداة يمكن أن يستخدمها شريف لقتله

كان المنزل هادئاً ومرتباً
"اتفضل اقعد"
اشار له شريف ليجلس على الأريكة ثم جلس بجواره
"مبسوط إنك جيت"

مد يده ليلمس بكفه وجهه باحثاً عن آثار الجروح
"كويس ما سابتش علامات"

كان المنزل مترفاً يدل على أن شريف في الطبقة الفوق المتوسطة، وبدأ يوسف يفكر لما لم يقم شريف ببإخفاء ندبته بجلسات الليزر بدلاً من وضع الكمامات

أخرج شريف الكعكة وأحضر السكين وعندها بدأت نبضات قلب يوسف تتسارع بقلق

"هتغنيلي؟"
سأل شريف ليستفيق يوسف من شروده ثم يبتلع ريقه بحذر
"سنة حلوة يا جميل...سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا شريف سنة حلوة يا جميل"

ضحك شريف ثم بدأ تقطيع الكعكة ومد طبقاً ليوسف ثم ناوله شوكة

"بتحب صباح فخري؟"
سأل وهو يخرج هاتفه من جيبه

"أيوة"
رد يوسف رغم استغرابه للسؤال

شغل شريف أغنية ثم ترك الهاتف على الطاولة

أه يا حلو يا مسليني
يللي بنار الهجر كاويني
إملا المدام يا جميل واسقيني
من كثر شوقي عليك ما بنام

شعر يوسف بالأمان والسلام عند سماع الأغنية ثم قال
"يا روقانك"

ضحك شريف
"بحاول..اوقات كتير بكون قلقان لدرجة إني مش بعرف حتى أتنفس"

استغرب يوسف أن شريف يتحدث معه بهذه الاريحية، لكنه قرر مجاراته
"ليه كده؟"

"عارف أما تكون عملت حاجات كتير غلط لدرجة إنك مش بتعرف تنام من شعورك بالذنب؟"
نظر ليوسف الذي رد ببلاهة 
"لا"

ضحك شريف
"المهم إني عملت حاجات كتير غلط وأنا صغير، والندم مش هينفعني"

"ممكن اسأل سؤال حشري؟"
سأل يوسف ورد شريف
"شور"

"ليه ما بتعملش ليزر وتشيل اللي على خدك دا؟"

"عشان اللي على خدي دا بيحسسني بذنب أقل، اني في مرة جرالي اللي استاهله، لو شيلتها هحس بذنب أكبر"

استغرب يوسف فهو لم يتخيل أن شريف المتنمر الذي كان يستمتع بضربه ووصفه ب (لا محصل ولد ولا محصل بنت)
قد يصدر منه تصرف كهذا، ولكنه أيضاً لم يكن يراه تصرفاً صحيحاً بل وجده مختلاً أنه يحتاج لرؤية ندبة كتلك كي يخفف شعوره بالذنب

"ممكن تتعظ من غير ما يتعلم على وشك عادي"
رد ببساطة

"أنا حاسس أحسن كده"
حل الصمت لثواني ثم غلب يوسف الفضول
"ممكن اسأل سؤال تاني؟"

"اتفضل"

"احنا ما نعرفش بعض كويس، وبصراحة مش فاهم عازمني ليه؟"

"ممكن يكون دا أناني شوية بس الانجزايتي بتبقى أقل أما بشوفك"
قالها وهو ينظر لعينيه بشكل مباشر اربك الآخر

من كان يتخيل أن شريف سيخبره بشيئ كهذا بعد هذه السنوات وهو ينظر إليه كالغريق الذي يتعلق بقشة؟

"معندكش اصحاب من القاهرة خالص؟"
استطرد يوسف مغيراً للموضوع

همهم شريف
"عندي، بس مش مقربين لدرجة أعزمهم على بيتي"

استغرب يوسف، كيف يقول شريف هذا وهو قد دعا رجل عشوائي يعرفه من متجر لمنزله؟

"وأنا مقرب للدرجة؟"
قال بتعجب

"أنا حاسك كده"
رد شريف ثم استقام واقفاً
"اعملك شاي"

"لا، ممكن قهوة على الريحة"

"عنيا"
قال ثم دخل المطبخ تاركاً يوسف يفكر في تصرفات شريف الغريبة

لطالما كان شريف طالباً غريباً، ففي البداية كان مجرد طالب بسيط، ولكن فجأة عندما أصبح يوسف يتلقى الثناء من الأساتذة وأصبح تلميذهم المفضل ظهر شريف أمامه ليصرخ به ويضربه ويخبره أن يصمت وأن لا يجيب على أسئلة الأساتذة

ورأى يوسف هذا شيئاً سخيفاً وغبياً لذا لم يطعه، وبعدها زاد تنمر شريف لأنه شعر بأن يوسف يستخف به، حتى إنتهى به الأمر بطعن خده

هرب يوسف من المدرسة واصبح منذ ذاك اليوم يتظاهر بالذهاب للمدرسة لكنه كان في الحقيقة يتسكع في الشارع، يجلس في مقهى بسيط ويدرس به ولم يشك والديه أبداً لأنه كان يحصل على أعلى الدرجات في الاختبارات، ولحسن حظه تم نقله لمدرسة أخرى في القاهرة وهرب من شريف ومجموعته ومن محافظته بأكملها

.

يا حلو


.


9. شيد قصورك

يا اللي نويت الهجر يا اللي نويت الهجر
خلي معك رأس مال قلبي
الليل عقبه فجر مهما ظلامه طال
يا جارحة بالغدر يا مقطعة أوصال قلبي

تقلب يوسف أثناء نومه وعندها كاد يسقط من فوق الأريكة لولا أن ذراعان قويتان امسكتاه

فتح عينيه بفزع ووجده شريف، استغرب وظل هادئاً لا يستوعب ما يحدث، يحدق في عينيه، اعاده شريف للأريكة ثم قال 
"كمل نوم"

اعتدل يوسف جالساً بسرعة وهو يفكر كيف غفى في منزل شخص غريب؟
كيف غفى في منزل شريف عبدالقدوس؟

"أنا لازم أمشي"
استقام واقفاً بسرعة وعندها اختل توازنه وسقط في حضن شريف الذي اسنده
"بالراحة، اهدى"

ابتعد يوسف عنه بسرعة
"آسف"

وضع شريف يده على فمه
"اهدى..ما حصلش حاجة لكل دا"

تبادلا النظرات لثواني ثم ابعد شريف يده عن فم يوسف الذي تنهد
"لازم امشي عشان الشغل"
قال في النهاية

"اوصلك؟"
سأل ويوسف يتحرك للباب لينتعل حذاءه
"لا، شكراً"

انتعل حذاءه على عجلة من أمره ثم خرج بسرعة وهو يلتقط أنفاسه
كيف غمض له جفن في منزل شريف؟

أخرج هاتفه ليتفقد الوقت ووجد أنه مازال الوقت باكراً للذهاب للعمل، قرر التسكع وارسل في المجموعة
"مين فاضي؟، أنا زهقان"

"تعالى بيتي"
كانت مريم 

لطالما رغب يوسف في زيارة منزل مريم مما سمعه منها، كيف يكون شعور التواجد في أسرة منفتحة، كل فرد فيها له دين ومذهب مختلف

عائلة لا تجبرك على أي واجبات دينية أو دنيوية، أنت حر، افعل ما تريد وسنحبك في كل الأحوال

"لوكيشن"
ارسل إليها وعندها ارسلت له الموقع

ارسلت مريم صور لها في منزلها من قبل لكن رؤيته على الواقع مختلفة، منزل فخم كبير وبوابة حديدة كبيرة

خلف البوابة تمتد حديقة فسيحة، تنمو فيها الأشجار بترتيب دقيق، تتوسطها نافورة رخامية على وقع نسيم المساء، تتوزع حولها مقاعد حجرية وأصص ضخمة من الورد الجوري والياسمين، فيختلط عبير الزهور برائحة الأرض المبللة

المدخل الرئيسي عريض، درج رخامي رمادي يقود إلى بوابة مزدوجة من الخشب الداكن، محفور عليها نقوش يدوية دقيقة، عند فتحها، يدخل الزائر إلى ردهة عالية السقف تتدلى من وسطها ثريا كريستالية ضخمة تملأ المكان ببريق دافئ

الأرضية من رخام لامع بلون عاجي تتخلله خطوط رمادية ناعمة، والجدران مزينة بإطارات ذهبية تضم لوحات فنية وقطعاً زخرفية مختارة بعناية، في الجهة اليمنى صالون واسع بأثاث كلاسيكي فخم؛ أرائك مخملية بلون خمري، وستائر ثقيلة، ومدفأة حجرية فوقها مرآة كبيرة بإطار مزخرف

أما الجهة اليسرى فتقود إلى غرفة معيشة أكثر حميمية، حيث الألوان أهدأ، والإضاءة ناعمة، وأرفف الكتب تمتد على جدار كامل، يتخللها رائحة القهوة والمعطرات

ومن النوافذ الواسعة يمكن رؤية الحديقة الخلفية، حيث مسبح مستطيل تحيط به أضواء صغيرة تتلألأ ليلاً، وتنعكس على المياه كخيوط من الزجاج

ادخله الخدم للمنزل وبينما يمسحه بعيون مندهشة سمع مريم تهتف
"يوسف!"

اقتربت منه بحماس ثم عانقته بقوة، حتى في المنزل كانت ترتدي ملابس سوداء، امسكت بيده
"تعالى أعرفك على العيلة"

سارت به عبر الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية
كانت الأضواء الصغيرة المعلقة بين الأشجار تنثر وهجاً ذهبياً على العشب، والنسيم يحمل رائحة الياسمين ممزوجة بدفء المساء

حين تجاوزا صف الأشجار القصيرة، بدا المشهد أمامهما مفعمًا بالحياة والسكينة في آنٍ واحد، العائلة مجتمعة على مقاعد مريحة موزعة، المقاعد من الخوص المفروش بالوسائد القطنية، يتناثر بينها ضوء المصابيح الأرضية الخافت، بينما تمتد على الطاولة الجانبية أكواب الشاي والقهوة وكؤوس الكحول وبعض أطباق الفاكهة

التفتت الأنظار إليهما، وتعلقت النظرات بالوافد الجديد قبل أن تنفرج الوجوه بابتسامات ود وترحيب
نهض الأب أولاً، رجل وقور يحمل ملامح الطيبة الممزوجة بالحزم، مدّ يده إليه قائلاً بصوت رزين
"أهلاً وسهلاً، نورتنا يا ابني"

ثم تبعته الأم بابتسامة حنونة
"أهلاً يا يوسف يا حبيبي"

بينما بادله الإخوة والأقارب التحية بمرح ودفء عفوي، كأنهم يعرفونه منذ زمن
بين الموجودين كان هناك رجل ملفت بالنسبة ليوسف، كان لكل فرد في العائلة مظهره المميز، وكانوا عائلة جميلة المظهر والشكل

لكن ذاك الرجل لفت انتباه يوسف بالأخص مع اقراط اُذنه، شعره المائل للأشقر مقصوص قصة الذئب، وعيناه عسليتان، بشرته بيضاء بياض شاحب ويضع نظارات طبية

جلس إلى جوار مريم على أحد المقاعد الوثيرة، وشعر بانغماسٍ غريب في أجواء الألفة تلك، ضحكات متقطعة، صوت فناجين تصطدم برقة، وأحاديث تتقاطع في سلاسة مريحة

كانت العائلة غارقة في حديث عميق ومنفتح، لا يخلو من الحيوية، تتنقل فيه الموضوعات بسلاسة بين الدين والسياسة والفن، وكأنهم اعتادوا منذ زمن أن يجعلوا النقاش غذاءهم اليومي
كان الأب يتكلم بهدوء متزن، صوته يحمل ثقة، بينما الأم تصغي إليه بابتسامة خفيفة، تتابع مداخلاته وتكملها أحياناً برأي عملي أو لمسة واقعية، أما الإخوة فكان كل منهم يملك وجهة نظر مختلفة، بعضهم يميل إلى التحليل، وآخرون إلى العاطفة، فيتشابك الحوار دون أن يتحول إلى جدال

ما شد انتباه يوسف هو روح الاحترام والفضول التي تجمعهم، لم يكن هناك صوت مرتفع، ولا رغبة في الانتصار، بل فضول ناضج لفهم ما وراء الفكرة، كانت كلماتهم عن الدين تتسم بالعمق، يتحدثون عن الإيمان كأسلوب للحياة وأحياناً كقيد، وعن السياسة بوصفها مسؤولية واحياناً صراعاً، وعن الفن باعتباره وجهاً من وجوه الحرية والهوية واحياناً سلاحاً سياسياً

راقب يوسف ملامحهم المتحمسة، الأيدي التي تتحرك بتلقائية أثناء الكلام، البريق في العيون حين تتوهج فكرة جديدة، والضحكات الخفيفة التي تقطع الجد بين الحين والآخر لتمنح الجلسة توازنها

"تحب تشرب إيه؟"
سأل ابن عم مريم الوسيم، ذو الأقراط، كان اسمه نادر وكان اسماً على مسمى، وارتبك يوسف
"شكراً"

"الفودكا دي طعمها زي عصير التفاح، جربها"
سكبت له مريم كأساً

"ما اقدرش ورايا شغل"
رفض كعادته

"ربعاية وتفوق، ما تقلقش مش هتسكر زي المسلسلات"
حاولت مريم اقناعه

"خلاص يا مريم ما تجبريهوش"
قال شقيقها

"هو فاكر أنه هيسكر ويتجنن زي الأفلام خلي بالك خالي ومراته وابن عمي شاربين وقاعدين اهو بيتكلموا معانا، السكر مش زي ما إنت متخيل"

تدخل ذو الاقراط ليطمئنه
"اخرك هتحس إن راسك خفيفة بس ما تقلقش"

تردد يوسف للحظة ثم أخذ الكأس منها وارتشف منه، كان طعم الفودكا كعصير التفاح حقاً، شرب الكأس ببطئ وتابع الاستماع لنقاشاتهم حتى شعر بأن رأسه خفيف قليلاً، كان شعوراً جيداً، بدأ يقهقه بسعادة وعندها صمتوا جميعاً وانتبهوا إليه ثم بدأوا يقهقهون معه

استقام واقفاً وهو يترنح ثم بدأ يغني وعندها امسكت الخالة بصينية وبدأت تضربها بأصابعها مصدرةٍ صوت موسيقي

شيد قصورك عالمزارع، من كدنا وعمل إدينا
والخمارات جنب المصانع، والسجن مطرح الجنينه

كان صوت يوسف موسيقياً لذا كانوا يصفقون مع اللحن بحماس، ثم بدأوا يغنون معه فعائلة كعائلة مريم كان لهم جذور ثورية، واكمالاً للمثالية كانت اصواتهم جيدة

شعر يوسف بالحرية ممزوجة بالحب العائلي لأول مرة منذ زمن طويل، فجأة تذكر عمله فأخرج هاتفه من جيبه وتفقد الوقت

"الشغل!، اتأخرت!"
قال ثم ودع العائلة على عجلة من أمره
"اشوفكم تاني"

خرج ورغم تأخره فلم يركض، ليس لأن تأثير الكحول لم يزل بالكامل بل لأنه لا يرى في تأخره أي عيب فلطالما تأخر موظفون آخرون لذا الأمر ليس مهماً

وصل للمركز التجاري ثم استخدم جهاز البصمة وبدأ يعمل وكان سعيداً وهو يتذكر وقته مع عائلة مريم

اصدر هاتفه نغمة استلام الرسائل، كانت مريم

"نادر عايز رقمك"
"عادي؟"

ابتسم يوسف بخجل كان سعيداً أنه لفت انتباه الرجل وسيم المظهر والفكر فقد كان يحب سماعه وهو يتحدث عن أفكاره، وتأمله أيضاً 
"أكيد"

فتح فيسبوك وبينما يتصفح وجد أن صفحته المفضلة عادت للنشاط
(بنموت في مصر)
كانت صفحة يرسل فيها الناس مشاكلهم، قصصهم، واحزانهم ويقوم المشرفين بنشرها 

لا تعتمد الصفحة ديناً أو جنساً معيناً، هي للجميع، يمنع نصح الناس بالاديان، ويمنع تكذيبهم، ويمنع التحدث بسوء عن النساء، كما يمنع التحدث عن المثلية وكأنها مرض، كانت صفحة منفتحة ومريحة ليوسف يحب قراءة قصص الناس والتعليقات داعمة ومريحة

خرج واشترى كوب قهوة ليشربها وهو يدندن بسعادة
الهوى سلطان الهوى سلطان
يا عاشقين الهوى سلطان

.

قلبي


شيد قصورك


الهوى سلطان



.
10. استراحة ووجبة خفيفة
"ابنكم ولد، مهما حاولتوا تتعاملوا معاه كبنت، جسمه بيقول غير كده، الأحسن نبدأ في عمليات التصحيح في أقرب وقت"
كان الطبيب يتحدث بعد سلسلة من الفحوصات والتحاليل الطويلة

عم الصمت المكان
الأب شبك أصابعه، ثم رفع رأسه ببطء وتابع الطبيب محاولاً التخفيف من حدة الجو
"احمدوا ربنا إنه هيبقى ولد مش بنت، البنت أصعب، وأسوء كمان"

"خلاص مافيش يارا...يوسف حلو ولا إيه رأيكم؟"
قال باسماً وتبادل الوالدان النظرات ثم قالت الأم
"يوسف حلو"

ابتسم الطبيب ثم وضع يده على كتف والد يوسف
"كويس، تابع معانا يا ابو يوسف ومش عايزك تقلق خالص الموضوع هيخلص وابنك هيبقى زي الفل"

استيقظ يوسف ثم امسك هاتفه ليتفقد محادثته مع نادر، لقد نام وهو يتحدث معه

مر أسبوع منذ أن بدأ يتحدث مع نادر بشكل يومي، يتحدثان عن مواضيع مختلفة، سياسة، فنون، رياضة، كان يجد متعة في محادثته

رغم أنه يتحدث مع أصدقائه في نفس هذه المواضيع فإن نادر كان شيئاً مختلفاً

قبيل الفجر بدأ يوسف يتذمر من هدوء المتجر كالعادة وعندها أرسل نادر
"بتشتغل فين؟، اجي اسليك"

"بتهزر!، طبعاً لا"

"قول بس، أنا قاعد زهقان"

فكر يوسف لثواني ثم ارسل الموقع لنادر، سمع بعدها صوت الباب ووجده شريف

"مساء الخير!"
القى التحية باسماً لأنه كان يتحدث مع نادر، ابتسم شريف بدوره
"مساء النور"

مد شريف كيساً بلاستيكياً يحوي علبة طعام
"عملتلك ماشروم سوب"

"بتهزر!"
قال بتفاجوء 

كان شريف يحضر له طعاماً بين الوقت والآخر وكان هذا يوتره بالأخص بعد أن نام على اريكته عن طريق الخطأ 

"مفيش زباين خالص، مش بتزهق؟"
قال وعينيه تدور في المكان

"عادي...متعود، واهو عادل بيسليني"
قال ولم يكن عادل يقف في مكانه فأضاف يوسف
"هو بيشرب سجارة دلوقتي، هيخلص ويدخل"

"مش بتخاف اما بتقف لوحدك؟"

"بتعمل بحث عشان تسرق المحل ولا إيه؟"
سأل يوسف ساخراً

"مش قصدي، بس الفكرة حاجة تزهق، أنا ما اقدرش أفضل في مكاني كل الوقت دا"

"بتشتغل إيه؟"

"جرافيك ديزاينر"

"حلو دا"

"عارف الشغلانة ولا بتجود؟"
سأل وعندها ضحك يوسف
"عارفها طبعاً، فلوسها حلوة"

"طب ما تتعلمها"
اقترح ورد يوسف بسرعة

"معنديش لابتوب، ولا بفهم في الفوتوشوب"

"سهل تتعلم فوتوشوب"

"كداب أوي"

"أي حاجة بتبقى صعبة في الأول عادي، مش معناه أنه مستحيل"
كان شريف يبدو مستمتعاً بالحديث مع يوسف ويوسف للحظة نسي أنه يتحدث مع الرجل الذي كان يتنمر عليه من قبل

دخل زبون وبدأ يوسف يعمل ثم بعد مغادرته تابع شريف الحديث معه، نبه يوسف أن يشرب الحساء قبل أن يبرد وعندها فتح يوسف العلبة وبدأ يشرب الحساء بالمعلقة

طعم المشروم الطازج خليط من المشروم الرطب والدخان الخفيف يتسلل على اللسان أولاً، ثم يظهر أثر الكريمة الثقيلة التي تهدئ الحواف، بعدها لمحة صغيرة من جوزة الطيب والفلفل الأسود تترك دفئها في الحلق كهمسة خفية

كان يشعر أن هذا الحساء ليس مجرد طعام، بل تذكير بنكهة الطمأنينة
زبدة، مشروم بري مقطع شرائح رفيعة، بصل مكرمل حتى الذوبان، ثوم مهروس، كريمة طبخ، مرق خضار، رشة دقيق لتكثيف القوام، وقطرات من عصير الليمون في النهاية لتنعش المذاق

"إنت شاطر أوي في الطبخ"
قال وعندها ابتسم شريف ضاحكاً
"شكراً"

"بتكلم بجد"
قال ثم أضاف
"مافكرتش تعمل فيديوز لوصفاتك على النت؟"

"فكرت، بس ما بحبش أظهر بوشي"

"ممكن تلبس ماسك أو تجيب ايدك بس من غير وشك، مش ضروري تصور وشك"
اقترح عليه يوسف

"هفكر"
رد شريف

"مساء الخير"
كان نادر يدخل المتجر، نظر مباشرةً ليوسف وتجاهل تماماً وجود شريف

ابتسم يوسف واشرق وجهه بسعادة 
"مساء النور"

"مساء النور"
رد شريف هو الآخر ليثبت وجوده

"صاحبك؟"
سأل نادر وهو يمسح شريف بعينيه

"أيوة"
رد شريف بدلاً من يوسف

"اهلاً"
مد يده لشريف الذي صافحه، تبادلا النظرات لثواني ثم رفع نادر الكيس الورقي الذي يحمله
"جبتلك حاجة تتسلى بيها"

استغرب يوسف ثم أخذ الكيس منه، أخرج العلبة الموجودة به ووجدها علبة سلطة غنية بمكونات كثيرة، سبق وقال يوسف أنه يريد تجربتها
"شكراً"

مد نادر يده ومسح على شعر يوسف بلطف
"بالهنا"

"طيب...هشوفك بعدين"
قال شريف ثم لوح ليوسف وغادر

وقف لثواني أمام المتجر ينظر ليوسف وهو يتحدث مع نادر وابتسامته تنير وجهه ثم غادر ليكمل طريقه لمنزله

"دوق كده"
قرب الشوكة لفم نادر الذي فتح فمه وتذوق السلطة
"بحبها"

"حلوة فعلاً"
قال ثم سأله نادر
"مين ابو ماسك دا؟، حسبته حرامي"

"حرام عليك"
رد يوسف وضحك نادر
"هو اللي مظهره غريب"

"هو بس مش بيحب يبين وشه"

"عليه تار ولا إيه؟"

"حاجة زي كده"
رد ثم قرب الشوكة من فم نادر

كان يأكل مرة ثم يُطعم نادر مرة، بدأ نادر يمسح المتجر بعينيه
"فكرت تعمل شيفت كارير؟"

"ياريت، بس مش عارف، فا لازق في الشغلانة دي عشان معرفش غيرها"
كان يتحدث وهو يخلط مكونات السلطة قبل أن يأكل منها

"ممكن أعمل فيك معروف وادخلك انترن في شركة تبعي"

نظر يوسف إليه بدهشة
"عندك شركة؟"

"تبع العيلة، عندنا شركة آه"

"بحب الوسايط، موافق"
قال بصراحة وضحك نادر 
"ماشي..هوصي عليك هبعتلك اللوكيشن وتساب، الانترفيو هيكون قعدة تعارف بس، كده كده في الانترن هتتعلم كل حاجة"

"تمام"

"مش عايز تعرف هتشتغل إيه؟"

"أي حاجة ارحم من الشغلانة النجسة دي"
رد وعندها قهقه نادر
"اوكاي، فهمتك"

ربت على رأسه
"عملت إيه بقى النهاردة؟"

مد يوسف يده ليلمس أطراف شعر نادر
"دا بجد ولا صبغة؟"

ضحك نادر
"بجد، اصل جدتي تركية، شكلي مش مصري صح؟"

"مش قصدي"
ابعد يده عن شعره

"لا، عادي، عارف إن شكلي غريب شوية، شبه الوايتس، لدرجة إنك ممكن تشم مني ريحة الإحتلال"

ضحك يوسف على وصفه
"بصراحة آه، شكلك وايت أوي"

"دا وحش؟"

"مش عارف... الفايبز بتاعتك مريحة دا كفاية"
قال وهو ينظر لعيني نادر الذي ابتسم
"دا المهم"

"تعالى نرخم على مريم ونبعتلها صورتنا"
قال يوسف ثم أخرج هاتفه وعندها قال نادر
"لا، بلاش"

استغرب يوسف لكنه قرر أن يحترم قراره، غادر نادر بعد الفجر وفي تمام التاسعة صباحاً بينما يعود يوسف لمنزله توقف عند متجر حيوانات اليفة وراقب السلاحف الصغيرة تسبح في الماء

كان يجد الكلاب والقطط والطيور تحتاج الكثير من الاهتمام لذا لم يفكر أبداً في تربيتهم، لكن السلاحف تبدو هادئة ولطيفة

لقد حصل على مكافئة بسبب عمله لساعات اضافية، لو وجد سعر السلحفاة مناسباً سيشتريها

دخل المتجر وسأل على سعر السلحفاة ووجده مناسباً، اشترى واحدة واشترى لها حوضاً بلاستيكياً وطعاماً، كان طعامها رخيصاً أيضاً، شعر بأن هذا هو حيوانه المنشود حقاً

عاد به للمنزل ولسوء حظه قابل والده الذي سأل بإستغراب وهو ينظر للحوض
"إيه دا؟"

"سلحفة"
رد ببلاهة

"إنت شايفني أعمى؟، دي بتاعت حد ولا إيه اللي جابها هنا؟"

"جبتها تسليني"

"تسليك!، إيه العبط دا؟"

"حيوان صغير مش بيعمل دوشة وقاعد في الحوض مش بيتحرك"
دافع يوسف عن سلحفاته

"ربنا يتممك بعقلك"
قال والده ثم تركه

دخل يوسف غرفته ووضع الحوض على الطاولة ثم وضع بعض الطعام للسلحفاة وبدأ يحادثتها بصوت خافت
"ولا يهمك، هو دايماً كده، مش قصده حاجة"

أمسك هاتفه ليلتقط صورة للسلحفاة ثم ارسلها لمجموعة أصدقائه، كان للسلحفاة اُذنان باللون الأحمر وكأنها خدان متوردين، كانت تبدو لطيفة 

"عسولة أوي يا يوسف اسمها إيه؟"
ارسلت سهى

"مش عارف، ما سمتهاش"

"سميها خسة"
ارسل أيهم

"خسة!، حلو خسة"
رد يوسف باسماً

.

11. تعلم الطيران
(ذكر-17 سنة)
(زهقت من ابويا العرص اللي بيضربني وبيضرب أمي على حاجات تافهة مبيصرفش علينا قرش ولسه جايب لنفسه تليفون بعشرين الف، بيدفع كل فلوسه على المخدرات بعدين يقول معيش فلوس اجيب اكل، وكمان أنا في سنة بنت شرموطة زي تالتة ثانوي
ابويا كان بيضربني وانا طفل لسه برضع وهو اللي قالي،
ابويا بيكرهني وانا بكرهه، عامل توكيل لاهله ولاد الشرموطة بكل حاجة عشان مورثش حاجة،
انا نفسي ابعد نفسي ابعد والله، انا بموت كل ثانية بسبب معاملته ليا، انا مش عارف اعمل ايه
ادعولي حالي يتحسن وابويا يموت هو واهله الظلمة اللي بيكرهوني وولا عمرهم سألوا عليا ولا عمري شفتهم غير مرتين)

ضغط على زر الإعجاب على المنشور في صفحة
(بنموت في مصر) 
كان يحب متابعتها رغم أن اغلب القصص مأساوية لكنه كان يحب مجتمعهم، طريقة حديثهم وتعاونهم 

دخل شريف المتجر واشترى علبة قهوة ثم سأل يوسف
"جربت تلعب كورة قبل كده؟"

"يعني بطبيعة الحال آه"
رد بتلقائية 

"طب ما تيجي نلعب؟"

"ما بحبهاش"

"طب جربت الكورة الطايرة؟"

"لا، معلوماتي عنها هي انمي هايكيو"
رد ضاحكاً

"طب حلو دا، يبقى تجرب"

"طبعاً لا"
اعترض يوسف

"الساعة خمسة المغرب، في النادي، هستناك لو ما جتش هاجي أخدك"
قال شريف ثم أخذ قهوته وغادر

استغرب اصرار شريف على أن يلعب معه الكرة الطائرة، واصل عمله ثم عاد لمنزله ليرتاح ويغط في النوم

كانت مشاعر يوسف تجاه نادر هي اعجاب واضح وصريح، أما نادر فقد كانت مشاعره غامضه، ولم يجروء يوسف على سؤاله لأنه خشي أن يختفي نادر من حياته بعدها

رغم أنه يكره أن يمنحه أحد مشاعر مختلطة فقد كان سعيداً بوجود نادر في حياته

استيقظ عصراً ليتناول الغداء مع عائلته ويقضي بعض الوقت مع شقيقه بعد أن نبهه والده بأن يتحدث معه عن أنه قد كبر وعليه أن يعمل ويكسب قوت يومه بنفسه

"هشتغل فين يعني؟"
اعترض عبدالله

"هجيبلك شغل في السوبر ماركت"
كان يوسف سيبدأ تدريبه في العمل في شركة عائلة نادر خلال يومين فقط

"بس أنا مش عايز اشتغل كاشير زيك"

"شكراً يا محترم"
أضاف بعدها
"إنت تطول أصلاً؟، دنا هتحايل عليهم وهيضطروا يوظفوك عشان هسيبهم"

"شغلانة مملة"

"بس بتجيب فلوس، وقريبة من البيت، أي شغلانة تاخد منها فلوس تشتغلها وإنت حاطط صرمة في بؤك"
نبهه وتأفأف عبدالله
"يوه"

"بلاش تصرفات العيال دي، إنت كبير، لو ما اشتغلتش ابوك مستحلفلك، اهو تخرج تشم هوا وتخف عن ابوك شوية ويشوفك راجل كده"

"طيب...طيب"
رد لأنه اراد اسكاته

عانقه يوسف
"شاطر يا حبيبي شاطر"

تفقد الوقت ثم خرج وذهب للنادي ووجد شريف هناك بملابسه الرياضية، سروال قصير أزرق ضيق يصل لفوق الركبة، وكنزة بيضاء 

التفت شريف بينما يمسح بعينيه الملعب لمح يوسف وعندها اشرق وجهه باسماً
"يوسف!"

لن يكذب يوسف ويقول أنه لم يلاحظ أن شريف يحاول مغازلته والتقرب منه، ولكن السبب مجهول ولا يفهمه، لما يحاول المتنمر التقرب منه؟، هل بسبب الشعور بالذنب؟

اقترب يوسف منه
"هاي!"

أمسك شريف يده
"كويس إنك جيت، جبتلك لبس"

سحبه من يده لغرفة التبديل ثم ناوله حقيبته الرياضية التي تحوي ملابساً

ارتدى الملابس الرياضية ثم أخذه شريف لقسم الأحذية ليختار واحداً على مقاسه، بعدها سحبه للملعب الرياضي، لم يكن يوسف متحمساً فهو كسول بطبعه، فحتى رياضة المشي لا يحب ممارستها فما بالكم برياضة كالكرة الطائرة؟

"اللعبة دي بحبها أكتر حتى من الكورة، هعلمك إزاي تلعبها" 
كان شريف متحمساً

وقف شريف وقد لف كميه لأعلى، ووجهه يلمع بالعرق البارد والحماس
قال وهو يلتقط الكرة بمهارة ويدق بها على الأرض
"بص يا يوسف، الموضوع مش إنك تضرب الكورة وخلاص...لازم تفهم إنت هتضربها عشان تروح فين"

نظر يوسف إليه متردداً، عاقداً ذراعيه، ملامحه متوجسة كعادته أمام أي شيء جديد
"اعملها إزاي دي؟"

ضحك شريف ضحكته العالية 
"بص"
رمى الكرة لأعلى، قفز برشاقة وضربها براحته في منتصفها تمامًا، فارتفعت بخفة وسقطت في المكان الذي أراده بالضبط
ثم أشار له
"جرب كده، خليك خفيف، ما تخافش منها"

أخذ يوسف نفساً عميقاً، رفع يديه كما رآه يفعل، لكن الكرة ارتدت على وجهه فوراً
انفجر شريف ضاحكاً وهو يقترب منه

رمقه يوسف بنظرة محرجة، ثم ابتسم بخجل وقال
"طب ما توريني تاني، يمكن المرة الجاية تضربني أخف"

أمسك شريف بمعصميه برفق، ورفع ذراعيه في الوضع الصحيح
"بُص، خلي إيدك كده، ضُم صوابعك، وماتسيبش المسافة دي، لما الكورة تيجي، اضربها بزاوية، مش جامد وخلاص"

كان يقف خلفه، صوته قريب من أذنه، ونفسه حار من التعب
ثم قذف الكرة مرة أخرى، وفي هذه المرة لمسها يوسف كما قال له، فارتفعت بخفة
ضحك شريف وهو يصفق
"برافو يا يوسف"

تسارعت أنفاس يوسف، ليس من اللعب، بل من ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إلى صدره، شيء بين الفخر والارتباك، وبين الخوف والاطمئنان
نظر إلى الكرة وهي ترتفع في الهواء، وفكر للحظة أن الأمر لم يكن عن الرياضة أصلاً، بل عن أن يتعلم كيف يثق بيديه... وبمن يقف وراءه
اشتدت حرارة الجو، الكرة كانت تتنقل بين أيديهما بخفة كأنها كائن حي يتعلم الرقص بينهما
شريف يرميها بخفة، ويوسف يمد ذراعيه لصدّها، أحيانًا ينجح وأحيانًا تصدمه في الكتف أو تنزلق من بين أصابعه، لكن كل مرة كان يضحك، ضحكة قصيرة فيها مزيج من الخجل والانتصار

كان العرق يلمع على جبينهما، والهواء يمتلئ برائحة التراب الساخن
بدأ يوسف يتنفس بسرعة، ويديه تتحركان بتلقائية، لم يعد يفكر قبل أن يصد أو يقفز
كان شريف يصرخ مشجعاً، كل مرة يقفز فيها وهو يريه كيف يحرك جسده
"ركز في الركبتين، سيب رجلك تغرس في الأرض، وبعدين سيب جسمك يطير كده، آه، بالظبط!"

كررها يوسف كما علمه، قفزة صغيرة أولًا، ثم ثانية أعلى قليلًا، حتى وجد نفسه يطير في لحظة حقيقية، جسده خفيف وذراعيه تندفعان نحو السماء، ثم تصطدم قبضته بالكرة بصوت صاخب ممتع

صفر شريف وصفق بحماس
"يا ابن اللعيبة!"

هبط يوسف وهو يضحك، يلهث من التعب، شعره ملتصق بجبينه ووجهه محمر، لكنه لم يتذكر آخر مرة شعر فيها بهذه الخفة
قال وهو يبتسم بصوتٍ متقطع من اللهاث
"دا اللي كنت بتتكلم عنه؟"

صفق شريف بحماس
"شاطر يا يوسف"

كان يوسف يلتقط أنفاسه وهو يشعر بسعادة حقيقية، لم يكن يتخيل أن شخصاً كسولاً مثله قد يستمتع بلعبة كالكرة الطائرة

انتهى من اللعب وبدل ملابسه ثم وجد هاتفه يرن، كان نادر
"الو!"

"ما بتردش ليه؟، قلقتني"
قال نادر فور اجابة يوسف للمكالمة

"كنت بلعب كورة مع واحد صاحبي"
كان وصف شريف بأنه صديق يعطيه شعوراً غريباً 
"في حاجة؟"

"كنت بتطمن عادي"

ابتسم يوسف لفكرة أن نادر كان قلقاً عليه
"أنا كويس"

انهى المكالمة ثم نظر في الوقت
"هروح بقى الشغل"
قال وعندها اوقفه شريف
"استنى...هوصلك"

لم يعد وجود شريف يقلقه كما كان من قبل، لكنه مازال مستغرباً من فكرة قربه منه رغم ماضيهما الغريب

.

12. اكاذيبك البيضاء
(اُنثى- واحد وعشرون عاماً)
(أنا بكره الدين، بقعد كل يوم العن فيه، بكره إن اهلي بيجبروني على الواجبات الدينية، بكره الحجاب الف مرة، وكسمه مليون مرة، وبكره إن مفيش مهرب من الدين إلا لو هاجرنا برا، ودا هيكون هروب أكيد لإن اهلي مش هيسيبوني أسافر لوحدي، أنا بكره أي حد مش مجبر على الواجبات الدينية وبيجي يتناك علينا ويقول الدين جميل، الدين لطيف، الدين رحيم، كسمك، اعمل زي ما دينك ما بيقول في كل اوامره مش تبقى لابس شورت فوق الركبة واللي بشعرها ولابسه كروب توب وتقولك الدين جميل، وهو الدين فيه انك تبقي بشعرك وانك تبين ركبك يا كسمك؟، أنا بكره الدين وبكره المدافعين عنه الف مرة)

كان يحدق في المنشور وهو يفكر هل يرسل مشكلته للصفحة أم لا؟

رغم أن ارسال المشاكل يكون سرياً لكنه كان مازال قلقاً، ماذا لو لم ينشروا مشكلته؟، فهُم لا ينشرون كل القصص بل يختارون منها، وإن لم يختاروه سيشعر بعدها بأنه لا يستحق أي اهتمام

كان قد بدأ التدرب في الشركة كما وعده نادر، وكان يتعلم بشكل جيد، يمر عليه نادر يومياً ويتبادلان الأحاديث في الإستراحة

"أنا في شغلي الجديد"
ارسل صورة لمجموعة أصدقائه

"ثانية واحدة هي دي شركة اتش سي؟"
ارسلت مريم

"أيوة"

"كنت تقولي كنت كلمت قرايبي يوظفوك على طول"

"منا متدرب دلوقتي، نادر اتوسطلي"

"نادر!"
ارسلت مريم ورد يوسف
"أيوة، لطيف نادر"

"عمل إيه تاني؟"

"عادي، احنا اصحاب"

"طب خلي بالك عشان نادر زيي"

استغرب يوسف فلم يفهم مقصدها
"يعني إيه؟"

"يعني نادر مش بيستقر مع حد، بيحب يتكلم مع الناس كلهم وخلاص، بس مش بيدخل في علاقات، لو حسسك إنك مميز ما تصدقهوش"

هل لهذا السبب كان نادر يرفض أن يتحدث يوسف مع مريم عنه؟، هل كان يعلم بأنه لو فعل فسوف تخبره بالحقيقة؟

هل نادر يستمتع بجعله يعتقد أنه شخص مميز؟

لما يشعر بكل هذه الخيبة؟، فقد كان يعلم بأنه لا تجمعه علاقة حقيقية بنادر، ولكن سماع هذا من شخص آخر مؤلم

لم يكن غبياً، كان يشعر أن نادر شخص متلاعب، يعرف كيف يقول الكلمة التي يحتاجها من أمامه، يعرف كيف يجعل الناس يشعرون بأنهم "الوحيدون" بينما هو يفتح الأبواب ذاتها لغيرهم
لكن المعرفة شيء والإدراك شيء آخر تماماً

تسائل في داخله بمرارة
هل كان نادر يعلم أنه سيتعلق به؟
هل كان يقصد أن يطعمه كلمات الأمان فقط ليشاهد كيف سينكسر بعدها؟

لم تكن الخيانة الفعلية هي ما أوجعه، بل الإدراك بأن كل تلك اللحظات التي ظنها "حقيقية" كانت مجرد أداء مسرحي
نادر لم يكن يحبه، كان فقط يستمتع بقدرته على جعله يظن أنه محبوب

كان يتنفس بصعوبة
شعر بمرارةٍ في حلقه، كأن شيئاً ثقيلاً يخنقه ويمنعه من الكلام

"يوسف"
سمع صوت نادر وعندها تجاهله ثم خرج فوراً من الشركة وعاد لمنزله، تجاهل رنين الهاتف وجلس قرب سلحفاته (خسة) يراقبها بصمت، وكأنه يروي لها بعينيه ما حدث، يروي لها بأنه محطم تماماً

ارتمى على السرير ثم أمسك هاتفه وقرأ رسائل نادر من الاشعارات بدون فتحها
"يوسف إنت كويس؟"
"ليه مشيت؟"
"ليه مش بترد عليا؟"
"لو سمحت كلمني أنا قلقان عليك"

لما يشعر بكل هذه الخيبة؟، هل لأنه اعتقد لبعض الوقت أنه يمكنه دخول علاقة أخرى غير التي انتهت بسبب الكذب؟

منذ أن انتهت علاقته بأديب فقد كان يطارده شبح الندم، بسبب حديث أديب الدائم عن أنه ظلمه كان يوسف في أعماقه يشعر بأنه ظلم أديب حقاً وأنه لن يجد رجلاً آخر يقبل به

لقد كان أديب قريباً منه لدرجة أنه عرفه بوالديه كصديق مقرب، وعندما انفصل عنه أخبرهما بأنه انتقل لمحافظة أخرى

كان من الصعب تجاوز أديب لأنه كان يتسلل لجميع الأماكن التي يتواجد بها يوسف، فقد حرص أن يعرف جميع من يعرفهم، ولكن مجموعة أصدقائه المقربون رفضوا مصادقته

ووصفت سلمى الأمر حرفياً ب(المنيكة الفارغة) فقد كانت ترى أنه من السخيف أن يصادقوا شخصاً لأنه حبيب صديقهم، وقالت بأنها صديقة يوسف فقط ولن تصادق غيره، ووافقها البقية لأنهم يخافون معارضتها

فتح محادثة أصدقائه خائباً فوجدهم يتحدثون عن عرض سوف يقدمه أيهم في مسرح قصر الثقافة، كان عرض لرقص ثقافي

"دا امته دا؟"
أرسل يوسف 

"كمان أسبوع"
رد أيهم

"واد يا يوسف ما تروح معاه تفرفش، الرقص التراثي دا تحفة"
ارسلت سلمى

"لا، خليهولك، مافييش حيل"
رد عليها

"منا فعلاً هروح فاكرني هقعد؟، يمكن واحدة تتشنكل ولا يجرالها حاجة وياخدوني مكانها"
قرأ ردها وعندها ضحك بصخب
"يخرب بيتك"

"نفسي ابقى رقاصة مشهورة، لولا الدنيا حطتني في عيلة غلط بس"
تذمرت

فكر يوسف لبعض الوقت ثم قرر الذهاب معهم لتغيير مزاجه
"ماشي، هاجي يوم أشوف إيه الدنيا"

"ياس!"

"نشوفك بكره الضهر في قصر الثقافة"

قرر يوسف ترك عمله مع نادر والعودة للعمل محاسباً لأنه لم يعد يطيق فكرة وجوده معه في مكان واحد مع نادر، وهو يعلم أنهم في المركز التجاري سيرحبون بعودته فهو من اكفأ الموظفين وهم يكرهون الموظفين الجدد

"أنا مش هكمل شغل في الشركة"
ارسل لنادر بلا مقدمات وتجاهل رسائلة القديمة

"ليه؟"
"حد ضايقك؟"
"مين ضايقك قولي"
"ليه كده"

اتصل به عدة مرات حتى قرر يوسف الرد ليواجهه وينهي الأمر
"الو!"

"ممكن تقولي حصل إيه عشان تمشي؟، ما كان كله تمام"
كان محتاراً فلم يسبق أن فعل شخص معه شيئ كهذا، تجاهله والهرب منه

رتب يوسف كلماته ثم باح بها
"نادر أنا مش حابب الميكس فيلينجز اللي بتديهالي، انك بتلعب بيا زي اللعبة، أنا مش لعبة عشان تشدني وقت ما تحب وتبعدني وقت ما تحب"

"بس أنا ماعملتش كده"

"أنا مش عبيط وواخد بالي إنت بتعمل إيه، إنت بتحب تتلاعب بكل الناس"

حل الصمت لثواني ثم سأل نادر بضيق
"إنت كلمت مريم صح؟"

"ودا هيفرق في إيه؟، فاكرني أعمى؟"

"يوسف أنا مش بتلاعب بيك"

"يعني بتحبني؟"

"مش كده برضه..أنا.."
قاطعه بحزم
"اما تحدد ابقى كلمني، أو ما تكلمنيش أنا خلاص اتقفلت منك"

انهى المكالمة ثم تنهد تنهيدة طويلة، لن ينكر بأن وجود نادر في حياته الأيام الفائتة كان يجعلها أفضل، لكنه لن يلعب لعبة التخمين تلك مرة أخرى

أقترب من حوض السلحفاة ليراقبها ثم سألها هامساً
"خسة هو إنتي كويسة ولا عايزة صاحب؟"
كان يشعر بالقلق لأن السلحفاة هادئة وبالكاد تتحرك وبدأ يفكر بشراء صديق لها ليسليها

"هجيبلك صاحب يلعب معاكي"
قال في النهاية ثم ابتعد عن الحوض وفتح فيسبوك ووجد صفحة (بنموت في مصر) قد نشرت رابط نشر القصص، حدق به لدقائق ثم قرر في النهاية أن لا يرسل، خوفه من الرفض كان أقوى من جرأته

.

13. اقرألي الكف
(ذكرـ ستة وثلاثون عاماً)
(ممكن محدش يشتم؟، أنا نوعاً ما مشهور عني اني بلاي بوي، مؤخراً جذبني راجل معين، قربت منه عشان أختبر احاسيسي، مش حاجة مهمة يعني مجرد كلام مش أكتر، بس هو عرف إني بلاي بوي وقرر يبعد عني، ودلوقتي محتار اكلمه أقوله اني معجب بيه مع العلم أنا مش متأكد هل أنا فعلاً معجب بيه ولا لا بس لازم أقول دا لو مش عايز أخسره في حياتي ولا اسيبه يمشي والتعلق دا أكيد مؤقت؟، أنا بجد محتار)

تجاوز يوسف المنشور بعد قراءة كلمة (بلاي بوي) لم يكن مهتماً بقصص المتلاعبين، بالأخص بعد ما حدث معه مع نادر

تفقد الوقت ثم خرج ليذهب لقصر الثقافة، دخله وبحث عن قاعة المسرح حتى وجدها، دخلها واصدرت الارضية الخشبية صوت صرير وهو يخطو فوقها

كانت رائحة المسرح خشب رطب، ممزوجة بأوراق واقمشة جديدة، وعلى المسرح مجموعة شباب يقومون بالتدريب، كان أيهم وسلمى من بينهم 

تحت الشباك ولمحتك يا جدع 
بعدها وياك ما تقولي يا جدع

كانوا يرقصون بحيوية جعلت يوسف يبتسم بتلقائية، اقترب ثم جلس في مقعد من المقاعد الأولى ليراقبهم وهم يرقصون 

لمحته سلمى فغمزت له أثناء رقصها، كانت ترتدي فستان رقص بأكمام تصل للكوع، مفتوح من الجانبين من تحت الركبة، وحزام بحلقات معدنية تتحرك مع رقصها

اقتربت من طرف المسرح ثم القت بجسدها، أسرع يوسف واستقام واقفاً ثم قفز والتقطها بيدين مرتعشتين بسبب قلقه بينما سلمى كانت تقهقه بمرح
"كنت متأكدة انك هتلقطني"

"يا شيخة دا يلعن.."
كان غاضباً أنها تضحك ببساطة وهو كان فزعاً من أن يصيبها مكروه

اعتدلت واقفة وعادت للرقص وهي تغني مع الأغنية
خدك تفاح ، دوقني يا جدع 
رمشك دباح، حوش عني يا جدع

صعدت للمسرح لتعود للرقص معهم، بعد انتهاء التدريبات قضى بعض الوقت معهم يتحدثون ويضحكون ثم روى لهما عن نادر

"إنت غلطان، كنت من الأول تقول لمريم"
عاتبته سلمى

"معاها حق، احنا مش بنخبي حاجة على بعض كان لازم تعرف مريم كان زمانها قالتلك من الأول"
وافقها أيهم

"يلا ادينا بنتعلم"
رد بقلة بخيبة ممزوجة بسخرية

"هو عجبك بجد؟"
سألت سلمى

فكر يوسف لثواني ثم رد
"مش عارف، بس كان بيحسسني بالراحة والأمان، كنت حاسه جرين فلاج، حد مريح جداً عايز افضل قريب منه"
أكمل بنبرة ساخرة
"بس طلع بيعمل دا مع كل الناس"

ربت أيهم على ظهره
"معلش...تعيش وتاخد غيرها، لو عايزنا نتلم عليه ونضربه هنعملها"

"لا طبعاً، إيه الجنان دا؟"
رد بسرعة ثم حذرهما لأنه يعرف بجنونهما
"سلمى، أيهم، مالكمش دعوة بيه خالص، بلاش جنان"

"طيب، طيب، ما تعيطش بس"
قالت سلمى بنبرة ساخرة

افترق عنهما ثم مر على المتجر ودخل للمدير وأخبره برغبته بالعودة وارتاح المدير لأنه كان يجد شقيقه عبدالله فاشلاً في هذه الوظيفة

"تقدر تبدأ من بكرة"
قال المدير فوراً 

خرج يوسف من المتجر بخطوات متعجلة، كان عقله غارقًا في أفكاره، اصطدم بالرجل الواقف عند الباب
لكن قبل أن يفقد توازنه، امتدت يد قوية أمسكت بذراعه في اللحظة المناسبة

رفع رأسه سريعاً ليرى من أنقذه من السقوط، وفور أن التقت عيناه بعينيه، اتسعت نظراته بدهشة خفيفة

"يوسف!"
قالها الرجل بابتسامة واسعة، فيها صدق ودفء

"شريف!، إزيك؟"
رد يوسف بنفس الاندهاش، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة مشوبة بالارتباك

كانت تلك لحظة بسيطة، لكنها حركت شيئًا داخله، شيء يشبه الارتياح، كأن وجود شريف أمامه يوازن فوضى يومه

تأمل شريف ملامحه للحظة، ثم قال مباشرة
"ممكن رقمك؟"

تجمد يوسف لثانية، وكأن السؤال لم يمر على عقله ليستوعبه بعد
ثم رد بخفة وهو يمد يده
"أكيد"

ناول شريف هاتفه، أصابعهما تلامست للحظة، تماس بسيط لكنه أحدث دوياً داخله

كتب يوسف رقمه، بينما كان يشعر بعيني شريف تتابعان حركته في صمت دافئ

قال شريف وهو يأخذ الهاتف منه
"أنا عرفت إنك سبت الشغل... بقالي كتير مش بشوفك"
كان في صوته شيء من العتاب الخفيف، ممزوجاً بارتياح اللقاء غير المتوقع

ابتسم يوسف وهو يحاول تخفيف ثقل اللحظة
"معلش بقى، اديني راجع"
ضحك وهو يقولها، لكنها كانت ضحكة متوترة

قال شريف بتفاجوء واضح في نبرته
"بجد!"
ثم وضع هاتفه في جيبه، ولم يبعد نظره عن يوسف

"أيوة، تجربة الشغل الجديد ما كانتش مناسبة ليا"
قالها يوسف، يمرر يده في شعره بعفوية، بينما يحاول أن يبدو طبيعياً رغم ذلك الشعور الغريب بالدفء الذي بدأ يتسرب إليه

اقترب شريف قليلاً، وقال بهدوء
"لو حابب تتعلم شغلانة تانية قولي"

ضحك يوسف من فكرة أن الجميع يريدون سحبه لوظائف أخرى
"لا، هو حلو أوي الشغلانة دي، أنا شكلي ما انفعش في غيرها أصلاً"

كان يوسف يخشى التغيير ويحب الروتين، وتجربته مع نادر اكدت له أنه يجب عليه التمسك بروتينه أكثر 

"تيجي اعزمك على حاجة تشربها؟"
سأل وفكر يوسف لثواني، كان بحاجة للجلوس مع شخص غير أصدقائه ربما يجعله هذا يرى الأمر بنظرة مختلفة، ربما ينجح الحديث العابر في تهدئة ضجيجه الداخلي
"ومالو"

جلسا في مقهى صغير على ناصية الشارع، رائحة القهوة الممزوجة بدخان الشيشة تملأ المكان
طلب شريف كوب قهوة، بينما اكتفى يوسف بكوب شاي
كانت حركة الناس حولهما سريعة كعادة القاهرة، الجميع يركض، يلهث

قبل أن يأتي للقاهرة قال له والده (القاهرة قاهرة) لم يفهم إلا بعد مرور الوقت بها، رغم أنها بدايته الجديدة لكونه يوسف فقط، بعد أن رمى ماضي يارا خلفه لكن القاهرة باردة، ولا ترحم، إن تأخرت خطوة واحدة سيدهسك شخص مستعجل، فالقاهرة لا تنتظر أحداً

قرر أن يروي لشريف بطريقة رمزية ليطلب رأيه عل افكاره تهدأ
"لو بنت ادتك شعور إنك مميز في حياتها وبعدين طلعت بتكدب وبتعامل الكل بنفس الطريقة دي هتعمل إيه؟"

"ولا حاجة، يمكن هي سويت تولكر وأنا ما اخدتش بالي، مهو أنا مش هتحكم فيها تكلم مين وما تكلمش مين ومافيش علاقة حقيقية بتجمعنا لسه"
رد شريف، كانت إجابته بسيطة، لكن فيها واقعية موجعة

جلس يوسف صامتاً، يحدق في فنجان الشاي الذي يتصاعد منه البخار 
همس أخيراً
"معاك حق"

ابتسم شريف، ثم صدم كتفه بكتف يوسف بخفةٍ وهو يقول ممازحاً
"ايه يا عم مكتئب كده عشان بنت؟"

"لا، دا سؤال عادي"
برر يوسف

"تعرف اني بعرف اقرأ الكف"
قال شريف

رفع يوسف حاجبيه باستغراب
"إيه الهري ده؟"

ضحك شريف ومد يده نحوه قائلًا
"يلا يا عم، مد إيدك كده، خلينا نجرب"

تنهد يوسف بملل مستسلم، ثم مد يده، كفه مفتوح على الطاولة
أمسك شريف يده برفق، أصابعه دافئة على جلده البارد، تأمل الخطوط المتشابكة كأنه يقرأ سطور مكتوبة 

أصابع شريف تحركت ببطء فوق خطوط كف يوسف، لمسة خفيفة لكنها عميقة، كأنها تكتب فوق جلده شيئاً غير مرئي

قال بصوتٍ هادئ كأنه يفكر بصوت عالي
"سكتك طويلة"

ابتسم يوسف ابتسامة متعبة، ورفع حاجبيه قائلاً بسخرية
"تمام، هطلب أوبر بقى"

ضحك شريف ضحكة من النوع الذي يملأ الجو بالمرح
أما يوسف، فجلس ينظر إليه للحظة أطول مما ينبغي 

ضحك شريف وهو يسحب يده ببطء، ثم قال
"لسه في أسرار في الخط ده... بس مش هقولك دلوقتي"

بعد لحظات من الضحك القصير، ساد بينهما صمت غريب
الصوت الوحيد كان ارتطام الملعقة بجدار الفنجان، وضوء المقهى الأصفر الذي انعكس على ملامح يوسف المتوترة

شريف كان ما زال ينظر إليه، نظرة لا تحمل شيئاً محدداً، لكنها كانت أثقل من الكلام
أما يوسف، فكان يحاول أن يبدو طبيعياً، يضع الملعقة، يرفع كوبه ليرتشف منه، ينظر في أي اتجاه آخر، لكن عينيه كانتا تعودان نحوه كل بضع ثوان، رغماً عنه

"إيه؟ بتفكر في إيه؟"
قالها شريف وهو يميل للأمام، صوته منخفض لكن فيه مسحة من فضول حقيقي

يوسف تلعثم، لم يجد إجابة جاهزة
"مش عارف"

ابتسم شريف ابتسامة دافئة
"ماتحاولش تفكر كتير يا يوسف، التفكير الزيادة دا أكتر حاجة بتتعب الواحد"

كان كلامه بسيطاً، لكن طريقته في نطقه جعلت يوسف يشعر كأن شريف يرى ما بداخله، كأنه لاحظ اضطرابه، ورأى كيف تتشابك مشاعره بين الغضب والارتباك والارتياح الغامض

تجمد يوسف لثوان، ينظر إلى حركة أصابع شريف وهو يحرك ابهامه على فوهة الفنجان، تلك الحركة البسيطة كانت كأنها تسحب انتباهه بالكامل
شعر بخفقان غير مبرر في صدره، شيء بين القلق والدفء، بين خوف من التورط وارتياح غريب لوجود شريف أمامه

حين وقف شريف ليدفع الحساب، لمح يوسف يده مرة أخرى اليد نفسها اللي لمست كفه قبل دقائق وتسللت إلى ذهنه تلك اللمسة مجدداً، كأنها بقيت على جلده، تذكره بأنه لم يعد يعرف تماماً ما يشعر به، أو إلى أين يمكن أن يأخذه هذا الشعور المفاجئ غير المفهوم

.

تحت الشباك


.

14.العشق زين

(ذكر - تسعة عشر عاماً)
(اخويا في تانية ابتدائي وابويا الجحش بيضربه بالحزام وبيزعقله على المذاكرة، هو شاطر وذكي ومحترم بس ابويا كالعادة زي ما عمل معايا عايز يوصل لاقصى درجة من الكمال.. بيسأله اسئلة اكبر من سنه ويقعد يضربه عليها...صوت الزعيق وصوت العياط عامل زي سن السكينة في دماغي
نفسي احوش عنه واقول ان ده غلط وان الضرب مش صح ولكن جبروت الراجل مانعنا من الكلام
الصغير بيتضرب والكبير بيتضرب وتحت مسمى ان انا عايزكوا أحسن ناس في الدنيا، ضيعت نفسي ومبقاش عندي صحاب وبوظت صحتى وفقدت حياتي ولسه بيتقالى خايفين عليك وعايزينك احسن حد في الدنيا واخويا الصغير في السكة بيحصله زي ما حصلي ومش قادر اساعده وده هيجنني!)

كان يوسف يقرأ المنشور وهو في طريق عودته لمنزله، بينما يستمع للشيخ إمام من خلال سماعات الاُذن

والعشق زين
العشق زين بس الهموم سباقة
والشوف حديد
والشوف حديد بس الغيوم خناقة

سار يوسف إلى بيته بخطوات بطيئة، عقله ما زال غارقاً في تفاصيل اللقاء مع شريف، نبرة صوته، طريقته في النظر، تلك اللمسة العابرة التي لم تغادر جلده بعد
لكن ما إن اقترب من باب منزله، حتى تجمد مكانه

هناك، على الرصيف المقابل، كان نادر واقفاً
بسروال داكن، جاكيت مفتوح، ونظرة لا تخطئها عين، نظرة من عتاب، وكأنه يعرف أنه غير مرحب به، لكنه مصر أن يدخل المساحة المحرمة عليه

زفر يوسف بضيق، ومرر يده على وجهه بتأفف
"عايز إيه تاني يا نادر؟" 
قالها بنبرة مُرهقة، فيها خليط من غضب مكبوت وتعب

لم يرد نادر. اكتفى بخطوة إلى الأمام
تلاها خطوة أخرى
حتى صار قريباً جداً، أقرب مما ينبغي

حاول يوسف الابتعاد لكن نادر لم يتوقف، رفع ذراعيه فجأة واحتضنه

تجمد يوسف تماماً
جسده تصلب، كأن أحدهم صب عليه ماءً مثلجاً
رائحة عطر نادر القديمة تسللت لأنفه، تلك التي كان يعرفها جيداً التي كانت تلتصق بملابسه سابقاً

همس نادر في أذنه، بصوت مبحوح يشبه الاعتراف
"وحشتني، يا يوسف"

كانت الكلمة بسيطة لكنها سقطت عليه كدلو ماء بارد
شعر يوسف بالاختناق، بشيء يضغط على صدره، ليس حنياً، بل وجعاً يشبه الذكريات التي لا يريدها أن تعود
أمسك بكتفي نادر ودفعه بقوة إلى الخلف

"إبعد عني"
قالها بصوت منخفض لكنه حاد، عيناه تلمعان بإنذار واضح

وقف نادر أمامه بثبات غريب، رغم نبرة يوسف المتوترة.
الشارع كان شبه فارغ، ضوء عمود الإنارة يتسلل بينهم، يفضح كل ارتجافة وكل نظرة

سأل يوسف وهو يشيح بنظره عنه
"حددت موقفك من علاقتنا؟"
كأن السؤال خرج من حلقه بعد عراك طويل مع نفسه، بعد ليالٍ من التفكير والخذلان والحنين المكسور

ابتسم نادر بخفة، تلك الابتسامة التي لطالما استخدمها كدرع ضد كل المواجهات
"آه"
تقدم خطوة، صوته هادئ لكنه مملوء بالثقة
"أنا عايز أفضل معاك، يا يوسف"

نظر إليه يوسف، شعر للحظة أن الأرض تهتز تحته، بين رغبته القديمة في سماع هذه الجملة، وبين وعيه الجديد بأنه لم يعد يصدقها
زفر ببطء وقال بصوت متردد، فيه وجع أكثر من أي غضب
"وأنا ما بقتش عارف أنا عايزك ولا لأ"

سكت نادر للحظة، ثم ابتسم ثانية، ابتسامة فيها رجاء ودهاء في آن واحد
"مش مهم تعرف دلوقتي"
اقترب أكثر حتى كاد صوته يلامس أنفاس يوسف
"نشوف سوا... يمكن تعرف وأنا معاك"

ظل يوسف يحدق فيه، لا يتحرك
كل شيء فيه متناقض
قلبه ينبض أسرع، وعقله يصرخ بأن يبتعد
رائحة نادر، قربه، صوته الذي يعرف كيف يلين في الوقت المناسب، كل شيء فيه كان مألوفاً ومربكاً في الوقت نفسه

تراجع يوسف خطوة، كأنه يهرب من الجاذبية التي لا يراها أحد سواه
قال بصوت خافت
"المشكلة إنك سويت تولكر، أنا معرفش إنت بتتكلم بجد ولا لأ"

"أنا سويت تولكر بس مش كداب، أنا في البداية كنت متردد وما كذبتش عليك، بس دلوقتي أنا متأكد من اني عايزك"

"وأنا مش متأكد"

"نتأكد سوا"
كان نادر مُصراً على جعل يوسف يوافق على علاقتهما 

"هفكر"
رد في النهاية

مد نادر يده ليمسح على شعر يوسف
"أشوفك بعدين يا يوسف"

بعد المواجهة مع نادر، دخل يوسف البيت بخطوات ثقيلة، وكأنه يجر خلفه بقايا الحوار الذي لم يرد أن يحدث أصلاً

لم يبدل ملابسه، فقط أغلق الباب خلفه بهدوء، واستند للحظة إلى الحائط محاولًا استعادة أنفاسه

كان قلبه يخفق بسرعة غريبة، ليس خوفاً، بل ارتباكاً من كل ما عاد يطفو في رأسه من صور وذكريات، لقد عرف نادر لمدة قصيرة لكنه ترك داخله أثراً لا يزول

توجه إلى غرفته بخطوات بطيئة، دخلها ثم اغلق الباب بحرص
نظر إلى الحوض البلاستيكي الصغير في ركن الغرفة، حيث تتحرك سلحفاته في الماء ببطء هادئ كأنها تعيش خارج الزمن

جلس أمامها، فتح كيس الطعام الصغيرة، وأسقط حبيبات متفرقة في الماء

بدأت السلحفاة تسبح نحوه، تلتقط طعامها في صمت تام، والماء يتحرك بخفة حولها
ظل يراقبها، مشدوهاً، كأنه يحاول أن يجد في حركتها إجابة لأسئلته

كان الصمت كثيفاً، لكن في رأسه، كان الضجيج على العكس تماماً كلمات نادر، لمسته، صوته وهو يقول "وحشتني"
النظرة التي تجعله ضعيفاً

شعر بوجع غامض في صدره، وجع يشبه الحنين لكنه ليس حنيناً خالصاً أقرب للغضب المختلط بالشك

مد يده ولمس سطح الحوض بأطراف أصابعه، شعر ببرودة الماء تلتصق بجلده

شغل تطبيق أغاني يتيوب على هاتفه وضغط على تشغيل قائمة أغاني صنعها التطبيق اعتماداً على ذوقه، بدأت أغنية لأمير عيد

في وسط زحمة وناس كثير
وطريق أنا ماشي فيه عكس السير
في وسط الطموح والأمل والتمني
فاضل لي خطوة توصلني
في وسط حاجات ومكيفات
بحاول أنسى كل اللي فات
في وسط صدري ضلعي مكسور
ومن خلاله قلبي شاف نور

مال برأسه للخلف وأسند ظهره إلى الكرسي، غارقاً في الصمت ذاته الذي كان يهرب منه دائماً، حتى شعر أن الغرفة بأكملها تحولت إلى مرآة لداخله ساكنة من الخارج، هائجة من الداخل

أنا كنت فاكر إني طاير
وأتاريني علي وشي بقع
أنا كنت فاكر إني هوصل
لكني بهرب من الوجع

أصدر هاتفه نغمة إستلام الرسائل، تفقده ووجدها رسالة من رقم غير مسجل
"أنا شريف"

كانت أول مرة يخبره شريف باسمه، هل شريف متأكد أنه نفسه يوسف الذي كان يتنمر عليه ولذا لم يعرف بنفسه ولم يسأله عندما ناداه باسمه قبل أن يعرف بنفسه؟

لقد ناداه عدة مرات باسمه بدون أن يعرف شريف بنفسه 
هل شريف غبي لدرجة أنه لم يلاحظ الأمر واعتقد أنه سبق وعرف بنفسه؟، أم أنه متأكد بأنه يعرفه؟

"اهلاً"
رد عليه ثم أغمض عينيه وبعد ثواني سمع صوت نغمة الرسائل مرة أخرى

.

وهبت عمري للأمل



طاير


.

15. يومين وليلة
(اُنثى- ثلاثة وعشرون عاماً)
(عارف أما تبقى أمنيتك إن مامتك تنام عشان تقدر تاكل من غير احكام؟، أنا عندي اضطراب أكل بسبب أمي، أمي اللي اما بتضايق مني بتحرمني من الأكل، ولو اتصرفت وجبت أكل من برا بتسم بدني بالكلام لحد ما استفرغ اللي اكلته، وبشوفها بتضحك ومستمتعة وهي بتشوفني بعاني وبتعب، هو طبيعي إن الأم تشتكي من إن بنتها بتاكل؟، أنا والله ما باكل كتير ووزني طبيعي مش تخينة مثلاً، ومش فاهمة ليه بتعاملني كده، تعبت والله تعبت، تعبت، امتى هتبطل تسم بدني؟، امته هاكل وأنا متطمنة من غير خوف؟)

كان يوسف منهمكاً في هاتفه يتصفح فيسبوك خلف طاولة الحساب، بينما ضوء المصابيح البيضاء ينعكس على زجاج الواجهة فيرسم ظلالاً هادئة على وجهه المتعب

كان السكون يخيم على المتجر في تلك الساعة المتأخرة من الليل، لا يُسمع سوى صوت الأجهزة الإلكترونية وصفير الباب عند دخول أحد الزبائن

حين سمع صوت خطوات رفع يوسف رأسه ليرى شريف يدخل، كان يرتدي معطفاً شتوياً أنيقاً، تفوح منه رائحة عطر دافئة تشبه خليطاً من المسك والخشب، تنساب في الهواء بخفة تسرق الانتباه، بدا وجهه مشرقاً على الرغم من برودة الليل، وكأن دفئه الداخلي يصر على أن يعلن حضوره

اقترب شريف مبتسماً وقال بصوت هادئ فيه شيء من السعادة الحقيقية
"نورت المكان يا يوسف"

ضحك يوسف بخجل 
"دا نورك"

استند شريف إلى طرف طاولة المحاسبة، يراقب يوسف بثقة مريحة وكأنه معتاد على الدخول المفاجئ دون حاجة إلى استئذان
"ما تيجي تلعب كورة تاني"

ابتسم يوسف بخفة وأجابه
"كفاية مرة، أنا مش شاطر في الرياضة اصلاً"

ضحك شريف ضحكته المميزة، تلك التي تشبه موجة قصيرة من دفء لا يمكن تجاهله، ثم مال للأمام حتى اقترب أكثر، وسكنت نبرته بين المزاح والجد
"عادي يا يوسف... محدش اتولد بيعرف، كلنا بنتعلم"

لم يعرف يوسف كيف يرد، شعر بتلك الطريقة المربكة التي يملكها شريف في جعل الرفض صعباً، كأن كلماته تدخل بسلاسة من بين دفاعاته القديمة
كان جزء منه يريد أن يختلق عذراً أي عذر؟، لكنه لم يجد شيئاً في رأسه

قال شريف استعداداً للانصراف
"خلاص، هستناك بكرة... نفس المعاد، نفس المكان"

تجمد يوسف لثوان يراقبه يبتعد، شعر وكأنه حُبس في وعد لم ينطقه بلسانه لكنه وافق عليه بجسده وصمته

حين خرج شريف، ظل العطر الذي تركه في الهواء يتسلل لأنف يوسف ببطء، وكأنه يذكره أن لا جدوى من الهرب هذه المرة
أدرك وهو يعود للحسابات أن شريف واحد من هؤلاء الأشخاص الذين لا يمكن تجاهلهم، مهما حاول

قلت نام وقوم وتنساها أو عد عيوبها تكرهها
بس حتى العيوب بتحليها، حتى العيوب بتحليها
يومين وليلة، يومين وليلة
يومين وليلة، يومين وليلة

كان يستمع للأغنية التي ارسلها إليه شريف بينما يسير في طريق العودة للمنزل ثم توقف عند متجر الحيوانات الأليفة، هو يريد شراء صديق لخسة، دخل واشترى سلحفاة أخرى أخذها لمنزله ووضعها في الحوض الصغير مع خسة

"جبتلك صاحب"
قال بسعادة، كانت سلحفاة أكبر بقليل من حجم خسة، واذنيها باللون البرتقالي وليس الأحمر

التقط صورة لها ثم ارسلها للمجموعة
"اسميها إيه؟"

"كرفس"
"عشان يبقى عندك خس وكرفس"
رد ايهم وضحك يوسف
"ماشي"

شغل يوسف تطبيق موسيقى يتيوب، بدأت أغنية في يوم وليلة لوردة، ضحك يوسف ثم بدأ يغني معها

في يوم وليلة، يوم وليلة
خدنا حلاوة الحب كله في يوم وليلة
أنا وحبيبي، أنا وحبيبي
دوبنا عمر الحب كله في يوم وليلة
في يوم وليلة، ليلة، ليلة

دخل شقيقه الغرفة
"ممكن خمسين جنية عشان خارج؟"

نظر إليه يوسف بشك ولكنه كان بمزاج جيد لذا ناوله النقود بصمت، قبلَ عبدالله خده ثم غادر سعيداً

أغلق الأغنية ثم نام واستيقظ بسبب رنين هاتفه، كان شريف
"الو!"
رد بنبرة ناعسة وعينيه مغلقه

"إيه يا يويو، صحصح كده وتعالى عشان نلعب"
كان شريف يتحدث بمرح

"حاضر، هغسل وشي واجيلك"
رد ثم تثائب ورد شريف بلطف
"على مهلك"

انهى المكالمة ثم نهض واغتسل ثم ارتدى كنزة ثقيلة، رش من عطره ثم أخذ هاتفه ومفاتيح المنزل وخرج 

حين وصل إلى النادي، لمح شريف من بعيد، يقف وسط الملعب كعادته، يلوّح له بيديه بحماس طفولي صادق
"هنا!" 
صرخ بابتسامة عريضة

ناوله حقيبته الرياضية ليبدل ملابسه، خرج شريف وهو يشعر بالبرد لأن الملابس الرياضية خفيفة 

بدأ يوسف تمارين الاحماء على مضض، يتحرك كما لو كان جسده يرفض الفكرة من أصلها، رفع ذراعيه إلى الأعلى بتثاقل، شعر بشدّ في عضلات كتفيه منذ اللحظة الأولى، فزفر بضيق واستكمل الحركة رغم اعتراض جسده

أدار رقبته ببطء، فسمع طقطقة خفيفة في عظامه، ثم بدأ في لفّ ذراعيه على شكل دوائر واسعة، الهواء البارد يصطدم بجلده فيزيد من إحساسه بالصلابة والضيق

حين انتقل إلى تمرين الانحناء للأمام، حاول لمس أطراف قدميه، لكن ظهره رفض الانصياع، فظل عالقاً في منتصف الطريق، أنفاسه تتقطع، وحرارة جسده ترتفع تدريجياً رغم برودة الجو
العرق بدأ يتكون عند مؤخرة عنقه، خيط رفيع من السائل الدافئ يزحف أسفل التيشيرت الرياضي

حاول القفز في مكانه، لكن خطواته كانت غير متناسقة
ركبته تؤلمه، أنفاسه سريعة، والبرد يختلط بحرارة جسده في خليط مزعج يجعله يشعر بأنه تعب قبل أن تبدأ اللعبة أصلاً

وحين انتهى أخيراً، انحنى لثوان يسند يديه على ركبتيه، يتنفس بعمق، جسده مثقل بالتعب، ويداه وساقيه ترتجفان بخفة من مجهود لم يعتده منذ زمن

بدأ التدريب مع شريف بعد أن طلب من اصدقائه افراغ الملعب والذهاب لملعب آخر كي لا يتوتر يوسف، بدأت الكُرة الطائرة تدور بينهما بخفة في الهواء ثم تسقط بقوة على راحة يوسف الذي لم يكن قد اعتاد بعد على سرعتها. ارتدّت الكرة من كفّه واصطدمت بالأرض فارتفع صداها في أرجاء الملعب الخالي

انحنى يلتقطها، ثم أعاد المحاولة، عيناه تتابعان حركة الكرة بعناية، وذراعاه تتحركان بتردد محسوب في كل مرة يصدها كان جسده يهتز قليلاً من أثر الضربة، لكن حركته صارت أنعم مع الوقت، أكثر انسجاماً

كان شريف يقف على الجهة المقابلة، يتحرك بخفة وخبرة، يقفز في الهواء ليرد الكرة بحركة رشيقة، صوت ارتطام قدميه بالأرض كان حاداً ممزوجاً بأنفاسه المتقطعة

مع كل تمريرة، كان يوسف يتحسن قليلًا. تعلم أن يثب بقدمه اليسرى قبل القفز، وأن يضم كفيه جيداً لتصد الضربات، وأن يرفع ذراعيه في الوقت المناسب
العرق بدأ يبلل أطراف شعره، ووجهه احمر من المجهود

قفز ليلتقط الكرة، شعر بعضلات فخذيه تشد بقوة، ثم هبط وهو يلهث، لكنه كان مبتسماً لأنه نجح في صدها

حين توقفا لالتقاط أنفاسهما، التقط شريف زجاجة الماء من جانبه وناوله إياها
أخذها يوسف بامتنان وشرب بسرعة، جرعات طويلة متلاحقة، حتى رفع شريف يده محذراً بإيماءة خفيفة
أخبره أن يهدأ، أن يشرب على مهل لأن كثرة الماء ستثقل حركته

شرب يوسف جرعة صغيرة أخرى كما أشار، ثم مسح فمه بذراعه، وعاد ينظر إلى الكرة
كان الهواء من حولهما مشبعاً برائحة الغبار والعرق، وصوت أنفاسهما هو الإيقاع الوحيد في السكون الرمادي

تبادلا الكرة من جديد، قفز، صد، سقوط، التقاط، ضحكة خافتة، ثم جولة أخرى، حتى صارت حركتهما تشبه حواراً صامتاً بلغة الجسد فقط، كل تمريرة فيها قدر من الثقة، وكل قفزة تشي بعلاقة تتكون دون اتفاق

بعد أن انتهيا من اللعب، جلس يوسف على حافة الملعب يلهث، أنفاسه متلاحقة وصدره يعلو ويهبط بإيقاع سريع، ويداه ترتجفان بخفة من الإجهاد، رفع رأسه ببطء، ينظر إلى شريف الذي ما زال واقفاً، يربت بقدمه على الأرض لتخفيف الشد في ساقيه

اقترب شريف منه بخطوات ثابتة، ثم صفق مرتين بصوت عال، والابتسامة تملأ وجهه
لم يتحدث فوراً، فقط نظر إليه بنظرة فخر صافية
قال أخيراً بصوت واثق متحمس، يحمل دفئاً 
"إنت شاطر وبتتعلم بسرعة...تحفة بجد"

ابتسم يوسف بخجل ومد شريف يده له ليعاونه على النهوض، فتردد يوسف لحظة، كانت نظراته عالقة في أصابعه المفتوحة، كأن القرار بين أن يلمسها أو لا يحمل تبعات أكبر من مجرد قيام
لكنه في النهاية مد يده، وأمسك بها

كانت راحة يد شريف دافئة على نحو غريب، دفء لا علاقة له بدرجة الجو، بل بشيء ينبض في بشرته بثقة مطمئنة
شعر يوسف بأن الحرارة تسري في ذراعه كتيار كهربائي صغير، يوقظه من الإرهاق الذي كان يغمر عضلاته
نهض بخفة، أكثر مما توقع من جسده المنهك، كأن تلك اللمسة نقلت إليه شحنة من الطاقة، أو كأن جسده قرر ألا يحرج نفسه أمام عيني شريف اللامعتين

بينما أفلت يده أخيراً، بقي الأثر عالقاً في جلده، كأن كف شريف ترك توقيعه عليه 
أخذ يوسف نفساً عميقاً، أحس أن قلبه أسرع قليلاً من المفترض
ليس بسبب الجهد، بل بسبب تلك اللمحة العابرة من التقارب التي لم يتوقعها، والتي لم يعرف هل أرادها أم كان يهرب منها طوال الوقت

اخذ حماماً سريعاً في حمام النادي ثم ارتدى ملابسه وخرج، عندما لاحظ شريف شعره المبلل أخرج منشفته وبدأ يجففه بحرص بينما يتأمله يوسف وهو يركز على شعره، كان شعوراً جديداً تماماً، شريف يجعله يشعر بأشياء جديدة لا يستطيع حتى اعطائها مسميات مناسبة 

افترقا بعدها واتجه يوسف للمتجر ليبدأ عمله، شغل يتيوب ميوزك ليكمل أغنية وردة ويغني معها بسعادة يجهل سببها
أو بالأحرى يحاول إنكار سببها

آه لما صحيت على حبك وشفت الدنيا من عندك
أنا لما صحيت على حبك وشفت الدنيا من عندك
أتمنى لو كل العشاق بيحبوا زي أنا ما بحبك

.

يومين وليلة



في يوم وليلة



.

16. ياريت ابقى حبيبك

(ذكر- أربعة وثلاثون عاماً)
(أبويا قتل أمي..
مش عارف ابدأ منين ولا أقول إيه بس دا اللي حصل، الراجل اللي المفروض يحمينا، اللي المفروض يكون أماننا، هو سبب دمار حياتنا، طول عمري شايفه بيتعامل معانا بقسوة، شتيمة، ضرب، إهانة، كأننا مش بشر
عمري ما سمعت منه كلمة حلوة، ولا مرة حسيت إن عندي أب، كان بيتعصب على أتفه حاجة، عمره ما كلمني إلا عشان يشتمني ويضربني، وفي مرة اتعصب قام قاتل أمي وكمان لبسها قضية زنا عشان يطلع منها من غير عواقب، زي أي راجل عرص بيقتل مراته ويلبسها أي تهمه والقاضي يقول دا راجل أوي ويطلعه منها، عارف يعني إيه تشوف اللي دمر حياتك بيخرج منها نضيف من غير عواقب؟
عارف يعني إيه الناس تصدق كلامه عن امك اللي راحت ضحية قدام عينيك؟، أنا بكره مصر، كسم القضاء على كسم الشرف، على كسم أبويا العرص، اما يطلع من السجن هقتل كسمه)

كانت المنشورات التي تتحدث عن الآباء تجعل يوسف في حالة حيرة دائمة، كان يرى أن يحدد شخص أنه يحب أو يكره والديه هو ميزة كبيرة فهو لا يمكنه تمييز هل يحب والديه أم يكرههما

والده لطيف أحياناً
لكن هل نسي أيام طفولته التي كان يضربه فيها بكل قسوة لاتفه الأسباب؟، هل نسي أن والده في البداية لم يكن متقبلاً لفكرة أن ابنته الكبيرة أصبحت صبياً وأنهم الآن مضطرين لمغادرة المحافظة بأكملها لأنه لا يمكنه التأقلم في هذه البيئة 

احياناً يكون والده قاسياً ولا يقبل سماع الناس تتنفس حتى، واحياناً يرغب بأن يتحدث الناس معه، يقبل النقاش وحتى أنه قد يفاجئك بآراءه المقاربة لرأيك

مشاعره تجاه والده مشوهة، لا يمكنه أن يقول أنه يحبه، ولكن أيضاً لا يمكنه الجزم بأنه يكرهه، هو فقط يتعايش معه

لا يمكنه تحديد هل هو مؤمن أم لا
ولا يمكنه تحديد حبه أو كرهه لوالده
كل شيئ في حياته رمادي
أحياناً يريحه الأمر وأحياناً يربكه

الم تكن حياته لتكون أسهل لو حدد موقفه؟

قطع أفكاره صوت نغمة الرسائل على وتساب، كان يستلقي على سريره بعد أن استيقظ قبل موعد عمله بمدة، امسك هاتفه وتفقد الرسالة، كانت من نادر

"عامل إيه؟"

"كويس"
رد وبدأ يفكر في مشاعره المشوهة تجاه نادر نفسه

في البداية كان معجباً لكن عندما عرف حقيقته بدأ يشعر بأن كل ما يفعله كذب، فحتى لو أقسم أنه لا يكذب فهو لا يستطيع تصديقه بعد الآن

ولكن في نفس الوقت يشعر بأنه يظلم نادر وأن حكمه قاسي، لذا لم يرفضه بشكل قاطع 

نهض يوسف تاركاً هاتفه خلفه على الطاولة، شعر بحاجة إلى أن يبعد تفكيره قليلاً عن كل ما يدور في رأسه

في صالة المنزل حيث تجلس أسرته، الضوضاء المعتادة تملأ المكان، ضحكات الأطفال، صوت التلفاز المرتفع، وصوت الملاعق وهي تحتك بالأطباق القادمة من المطبخ

اقترب من أولاد شقيقاته الذين كانوا منشغلين بلعبة بالكرة الصغيرة، فانضم إليهم دون تخطيط، بدأ يلاعبهم ويضحك معهم بينما يحاولون الهروب منه

كان يحاول أن ينسى نفسه وسط ضحكاتهم، كأن ضوضاءهم الصغيرة تمحو من رأسه كل الأسئلة التي لم يجد لها إجابة

بعد فترة، شعر بالتعب وجلس على الأرض بينما أحد الصغار تسلق كتفيه ضاحكاً، ابتسم يوسف رغم الإرهاق، ثم سمع صوت أمه تناديهم لتناول الغداء

نهض ببطء، غسل يديه، وجلس معهم إلى المائدة، كان الغداء مليئاً بالدفء العائلي الذي افتقده في الأيام الماضية لأنه كان يأكل وحده

تناول طعامه وهو يستمع بتركيز لأحاديثهم العابرة عن المدرسة والأسعار والطعام

وحين انتهوا، شكر أمه على الطعام، ثم نهض متثاقلاً، ارتدى سترته، أخذ مفاتيحه، ونظر نظرة سريعة إلى هاتفه الذي ما زال مكانه، ثم أخذه ووضعه في جيبه

اشترى كوب قهوة من المقهى الصغير المقابل للمتجر، البخار المتصاعد من الكوب كان يدفئ أصابعه الباردة بينما يتصاعد منه عبق البن المحمّص الذي يوقظ حواسه ببطء. احتسى رشفة سريعة وهو يعبر الشارع

دخل المتجر دافعاً الباب الزجاجي برفق، اصدر الباب صوت صرير معلناً بداية يوم جديد، ألقى التحية على زميله الذي كان يستعد للمغادرة، ثم اتجه نحو طاولة الحساب، ثم وضع كوب القهوة إلى جانبه

دخل شريف المتجر في تلك الساعة الهادئة من الفجر، والبرد ما زال عالقاً في الهواء، كان يرتدي معطفاً داكناً تفوح منه رائحة عطر دافئة، تميزها أنف يوسف حتى قبل أن يراه

رفع يوسف رأسه عن هاتفه، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني شريف، شعر بانقباض صغير في صدره، خليط من المفاجأة والراحة. تلك الراحة التي لا تأتي من شخص قريب فقط، بل من وجه مألوف بشكل غامض انفرجت شفتاه عن ابتسامة هادئة لم يُخطط لها، فقط خرجت كما يخرج النفس في البرد
"نورتنا يا فندم"

أما شريف، فابتسم بدوره ابتسامة قصيرة، لكنها واثقة، فيها شيء من السرور الصريح بلقائه، راقب تفاصيل وجه يوسف للحظات
"دا نورك"

كانت الكلمات عادية، لكنها خرجت منهما محملة بما لا يُقال بخيوط خفيفة من الفضول، وبشيء يشبه التوق الذي لم يجد اسماً بعد اقترب أكثر، بخطوات بطيئة، ثم أسند يديه على طاولة الحساب ومال قليلاً للأمام، لتفصلهما مسافة قصيرة تشحن الهواء بما لا يُقال
"بتخلص شغل امتى؟"

"تمانية الصبح المفروض"

أومأ شريف برأسه وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة بالضبط، ثم قال ببساطة 
"ما تيجي اعزمك على الفطار"

استغرب يوسف وقوس حاجبيه بتعجب
"إيه المميز في الفطار عشان تعزمني عليه؟"

ابتسم شريف، والزاوية الصغيرة من فمه ارتفعت بثقة
"هتعرف اما تيجي"

"كمان!، إنت اللي هتعمله؟"
سأل بفضول ممزوج بإبتسامة

"طبعاً، أنا مش بطلب أكل أبداً، كلها كام ساعة وتبقى تمانية الصبح، هستناك"
خرج بدون أن ينتظر رده، كعادته يأخذ قرارت يوسف عوضاً عنه

بقيت جملته الأخيرة عالقة في ذهن يوسف وهو يراقبه يغادر، لم يكن يعرف إن كانت الدعوة مجرد مجاملة، أم بداية شيء لا يريد أن يسميه بعد، لكنه شعر بوضوح أن شريف لا يلقي كلماته عبثاً، وأنه، بطريقة ما، بدأ يدخل حياته كما يدخل المتجر
بثقة، ودون أن يطرق الباب

انتهى وقت عمله في الثامنة صباحاً، لكن الموظفة التي كان يفترض بها استلام مكانه تأخرت كعادتها، كانت الدقيقة تمر عليه كأنها ساعة، ومع كل زبون جديد كان يزداد ضيقه وعندما أشارت الساعة إلى التاسعة وصلت أخيراً، خرج من خلف طاولة الحساب وهو يتمتم بمسبات، تعكس تعب السهر

دفع باب المتجر بكتفه وخرج إلى الشارع، والهواء البارد صفعه، رفع يده ليعدل ياقة سترته، وما إن رفع عينيه حتى تجمد للحظة، كان شريف يقف أمامه، متكئاً على عمود الإنارة، يضم يديه إلى صدره من البرد، ويبتسم له بتلك الطريقة التي لا تعرف التكلف

تسلل صوته المألوف مع ضجيج الصباح الخافت
"اتأخرت"

لم يرد يوسف في البداية، فقط نظر نحوه وهو يحاول فهم ما يفعله هنا، لكن شيئاً في المشهد كان يُذيب غضبه تدريجياً، الهواء الصباحي، ضوء الشمس الخفيف، وأغنية قديمة لفريد الأطرش تأتي من متجر القهوة القريب 

يا حبيبي يا ريت ابقى حبيبك
واكون من بختك ونصيبك
دا انا مهما بتقسى برضه راضي بك
وتسبني الروح قبل ما اسيبك

ولوهلة، شعر يوسف أن كل التعب الذي حمله طوال الليل بدأ يتبدد

.

قلبي ومفتاحه





.

17. تسكر

(ذكر- ثلاثة وعشرون عاماً)
(ممكن سؤالي يبان عبيط بس أنا بفكر فيه طول الوقت، أنا تعبان أوي بس بفكر هل دا يستاهل إني أروح لدكتور نفسي؟، يعني...اهلي عاديين، قريب من ربنا، درست كويس واتخرجت، باكل وبشرب، وعندي اصحاب، بشتغل شغلانة كويسة، حياتي مافيهاش حاجة تستدعي اني أكون تعبان نفسياً، بس برضه مش حاسس إني كويس، مش عارف دا دلع ولا إيه بس بجد متضايق من نفسي، ومتضايق إني متضايق من نفسي...أنا تعبت يا ادمن..أنا معرفش أنا مالي)

الغرفة كانت مشحونة، صوت التلفاز الخافت في الخلفية لم يكن سوى ستار على توتر أكبر، مريم وقفت قبالة نادر، وجهها جامد، عيونها فيها مزيج من الحزم والخوف، نبرة صوتها حادة ومقطعة، كل كلمة فيها تزن أكثر من وزنها الطبيعي
"نادر، ابعد عن يوسف"

رد نادر بلا مبالاة، كمن يختبر مدى جدية التحذير
"ليه؟"

ارتفع صدر مريم، ورفعت صوتها بإنفعال واضح
"نادر أنا عارفاك، إنت فضولي بس وإنت ما تنفعش مع يوسف، أنا عارفاه أكتر منك"

نادر حرك كتفيه وعلى شفتيه عبوس ساخر
"إنتي تعرفيني كواحد قريبك بس، وتعرفيه كصاحبك بس مش كناس مستقلة، متعرفيش علاقتنا ممكن تمشي إزاي"

تنهدت مريم بعمق، فيها ضيق واضح لا يخفى، وصوتها انخفض لكنه صار أكثر جدية يحمل تحذيراً
"ماشي... أنا لا أعرفك ولا أعرفه، بس سلمى بقى لو مسكتك هتموتك"

ارتفع حاجبا نادر باستغراب
"سلمى!"

كأن ذكر اسمها فتح باباً مظلماً، اقتربت مريم خطوة، وتابعت بنبرة تحذيرية
"سلمى دي الإله الأكبر، محدش بيعمل حاجة إلا لما يرجعلها، قفشت واحد من الشلة مع الاكس بتاعه كسرت كرسي فوق راسه، معندكش فكرة ممكن تعمل فيك إنت إيه"

مريم رفعت يدها وحركتها كأنها تغلق على شيء غير مرئي، نظراتها التحذيرية لم تفارق وجهها
"اقسملك يا نادر...لو دا حصل أنا مش هبقى جنبك، محدش بيعرف يقف قصاد سلمى"

كانت شمس الصباح تتسلل بخجل من نافذة المطبخ، تلون البخار الصاعد من المقلاة بوهج ذهبيّ خفيف. وقف شريف أمام الموقد مرتدياً قميصاً رمادياً بأكمام مطوية حتى المرفقين، يتحرك بثقة وهدوء، كأن الطهي بالنسبة له طقس يومي لا يُخطئه، صوته المنخفض وهو يهمهم بلحن أغنية أم كلثوم التي يشغلها، اختلط مع طقطقة الزيت، فيما كانت رائحة الفول والبيض المقلي تملأ المكان فاتحةٍ للشهية

وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي
ما عرفش إزاي حبيتك
ما عرفش إزاي يا حياتي
من همسة حب لقيتني بحب
لقيتني بحب وأدوب في الحب
وأدوب في الحب وصبح وليل، وليل على بابه

جلس يوسف إلى الطاولة، يراقب المشهد كما لو أنه يشاهد مشهداً من حياة أخرى. لم يتخيل شريف يوماً في هذا الدور، بهذه العفوية البسيطة، ويده تقلب أقراص الطعمية بمهارة في نفس الوقت الذي يحضر فيه تتبيلة الفول

شفت كثير، كثير وقليل عاشقين
اللي بيشكي حاله لحاله
واللي بيبكي على مواله
أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين

تحدث يوسف مبتسماً
"واضح إنك شيف محترف، اتعلمت الحركات دي فين؟"

ضحك شريف بخفة وهو يطفئ النار
"ولا شيف ولا حاجة، كنت في الجامعة في القاهرة لوحدي، وكنت ما بعرفش أعمل كباية شاي حتى، الغربة بقى علمتني أطبخ، أغسل، أعيش من غير ما أستنى حد يعملي حاجة"

تأمله يوسف بصمت، شعر بإعجاب غريب، ليس بالطعام وحده، بل بالقدرة على التكيف، على النجاة من الوحدة
كانت حركات شريف عملية، لكنها دافئة، فيها شيء من الأمان الهادئ، ذلك النوع الذي يوقظ الجوع في النفس قبل المعدة

جلسا متقابلين على الطاولة الصغيرة، تتوسطها أطباق الفول والجبن والبيض والطعمية الساخنة، والبخار يتصاعد منها بخفة كأنه يُعلن بداية نهارٍ دافئ رغم برودة الجو

أمسك يوسف برغيف خبز وبدأ يأكل، وحين تذوق اللقمة الأولى، اتسعت عيناه بدهشة حقيقية

"ده طعمه تحفة بجد، أنا ما دوقتش حاجة زيه قبل كده"
قالها بصدق واضح، وصوته يحمل نغمة إعجاب طفولية جعلت شريف يبتسم بخجل، يشيح بنظره للحظة قبل أن يرد
"مبسوط إنك حبيت الأكل"

رفع يوسف رأسه ينظر إليه مبتسمتً
"ده لازم تفتح مطعم، هتقعد الشبراوي في البيت"

ضحك شريف، ثم قال وهو يملأ كوب الشاي
"لو حبيت ممكن أعملك زيه كل يوم"

ضحك يوسف بإرتباك
"مش للدرجة"

أكملا تناول الطعام وهما يستمعان لأم كلثوم

ياما الحب نده على قلبي ما ردش قلبي جواب
ياما الشوق حاول يحايلني واقول له روح يا عذاب
ياما عيون شاغلوني لكن ولا شغلوني
إلا عُيونك إنت دول بس اللي خدوني، خدوني
وبحُبك أمروني
أمروني أحب لقيتني بحب
لقيتني بحب وأدوب في الحب
وأدوب في الحب وصبح وليل، وليل على بابه

في يوم العرض كان المسرح الصغير يضج بأصوات الجمهور، الإضاءة الخافتة تعكس لمعة العرق والفخر على وجه سلمى
كانت المفاجأة أن تؤدي العرض بنفسها بعد أن اعتذرت الفتاة الأساسية بسبب ظرف طارئ

دخلت سلمى بثقة، فستانها الأحمر يتحرك مع الموسيقى، كذلك حزام خصرها ذو الحلقات، وحركاتها الراقصة السلسة مع أيهم وبقية الفرقة كانت تدهش الجمهور
في الخلف، كان الأصدقاء مصطفين، يصفقون ويهتفون باسمها، بينما يوسف جلس في الصف الثالث، يراقب بصمتٍ وانبهار صادق يصفق بدوره وتعلو شفتيه ابتسامة فخر لأن سلمى تنجح دائماً في الحصول على ما تريد

حين انتهى العرض غمزت للجمهور وعندها صرخوا بحماس، وعم التصفيق الحار القاعة مع التصفير
ابتسمت سلمى بفخر وهي تنحني، وأيهم إلى جوارها يمسك يدها بفخر

لكن عيني يوسف سرعان ما التقطتا ملامحاً مألوفة وسط الزحام، لم يخطئ في التعرف عليها
نادر، واقف عند الباب، يصفق ببطء وهو يحدق فيه بنظرة غامضة

تجمد يوسف في مكانه، عقله يضج بأسئلة لا وقت لها
اقترب نادر بخطوات هادئة، واثقة
وقف أمام يوسف وقال بصوت خافت 
"إزيك؟"

قبل أن يرد يوسف، كانت سلمى قد اقتربت، ما زال فستانها يلمع تحت الضوء، وعطرها الخفيف يمتزج برائحة المسرح الدافئة بعد أن بدأ المسرح يفرغ من الجمهور
نظرت بين الاثنين وسألت بحدة خفيفة
"فيه إيه؟ مين دا؟"

التفت نادر نحوها، نبرة صوته تغيرت للفضول
"وإنتي مين؟"

عقدت سلمى ذراعيها أمام صدرها، وقفت بثبات فيه كبرياء 
"أنا سلمى"

في تلك اللحظة شعر نادر بشيء لم يفهمه
الاسم وحده ارتج في ذهنه، كأنه تعرض للطعن بتذكير مباشر من تحذير مريم
"سلمى دي الإله الأكبر..." 
الجملة عادت تتردد داخله بوضوح غريب

ورغم الهيبة التي تسربت في صدره، لم يستطع أن يتجاهل ما أمامه امرأة جميلة، هادئة الملامح، فستانها ينسدل على كتفيها بخفة، وصوتها متزن كأنها تعرف أنها لا تحتاج لرفع نبرتها لتُرهب أحداً

ظل نادر صامتاً للحظة، ينظر إليها بنظرة تجمع بين الحذر والانبهار
أما يوسف، فكان يقف بينهما كمن علق وسط معركة

اشارت مريم لأيهم محركة يدها قرب رأسها وكأنها تقطعه وعندها فهم أيهم وحمحم
"سلمى يلا نروح نشرب حاجة حلوة"

حاول سحبها لكنها دفعته ثم سألت نادر
"إنت مين؟"

نظر لمريم التي أشارت له بأن يصمت تماماً وكررت حركة قطع الرأس

"دا..دا صاحبي جاي يدعمني"
تدخل أيهم متحدثاً بتلعثم

سحبت سلمى يوسف من جوار نادر، ورغم أنها كانت تشعر أنهم يكذبون فقد قررت أن تدع الحدث يمر بدون أن تقوم بجريمة
"يلا تمشي"

خرجت المجموعة تلك الليلة إلى مكان صاخب، أحد تلك الأماكن التي تمتزج فيها الأضواء الملونة بالموسيقى العالية ورائحة الدخان المختلطة بالعطور الثقيلة والكحول

كان الجو مفعماً بالحركة، ضحكات تتعالى من الزوايا، موسيقى تنبض بإيقاع متسارع، وأضواء تتبدل ألوانها على الوجوه

جلسوا حول طاولة منخفضة تحيط بها مقاعد وثيرة، وعلى سطحها تراصت كؤوس مختلفة الأشكال تلمع مع الأضواء المتراقصة، لم تمر دقائق حتى طلبوا مشروباتهم، وتبدل الجو شيئاً فشيئاً من الثرثرة إلى الضحك بصخب بلا سبب

في المرات السابقة، كان يوسف يكتفي بالمراقبة، يضحك أحياناً بسبب ضحكهم المفرط، يشارك بالحديث، لكنه لا يمد يده إلى الكأس، غير أن تلك الليلة كانت مختلفة

منذ تجربته السابقة في منزل مريم، حين تذوق الكحول للمرة الأولى على استحياء، أدرك أن الصورة التي رسمها في ذهنه عنه كانت أكثر قسوة مما هو عليه في الواقع، لم يكن الشراب قد أفسده أو بدل شيئاً من وعيه، بل فقط خفف صلابته القديمة وأطلق في داخله إحساساً بالتحرر

مد يده هذه المرة دون تردد، رفع الكأس ونظر إلى السائل المتلألئ فيه قبل أن يجرب أول رشفة، كان الطعم حاداً في البداية، ثم انساب بحرارة بطيئة تركت أثرها في صدره
شعر وكأنه ينفصل قليلاً عن عبء التفكير الدائم، وكأن صوت الموسيقى أصبح أقرب، والوجوه من حوله تتراقص

مع الوقت، بدأ يشاركهم الرقص والضحك، يتحرك بخفة لم يعرفها في نفسه من قبل، يتجاوب مع الإيقاع بارتباك في البداية ثم بحريةٍ متزايدة

كانت ملامحه بين لحظة وأخرى تنعكس تحت الضوء المتغير، مرة يبتسم بصدق، ومرة يشيح بوجهه كأنه يحاول استيعاب تلك الحالة الجديدة التي لم يختبرها من قبل حالة انفتاح لا تخلو من الدهشة

كان المكان يغلي بالحياة، والأحاديث تتشابك مع الموسيقى، فيما بدا يوسف كمن يخطو أول خطوة خارج حدود رسمها لنفسه طويلاً
وللمرة الأولى، لم يشعر بالذنب أو التردد...فقط بالخفة والحرية

تسلّل الإحساس بالاختناق إليه تدريجيًا، كأنه غبار ثقيل يتجمع في صدره
بين ضجيج الموسيقى والأنوار المتراقصة والوجوه التي تدور من حوله بلا توقف، شعر يوسف أن المكان يضيق أن الهواء لم يعد كافياً، وأن هناك مرارة في حلقه، شعر بأنه على وشك الإستفراغ

ترك الكأس على الطاولة ونهض مترنحاً، لا يسمع سوى نبضه المتسارع وضجيج داخلي يعلو على كل الأصوات

شق طريقه بين الأجساد المتحركة بخطوات غير متزنة، حتى خرج إلى الهواء الطلق قرب النيل
هناك، كان الليل أكثر سكوناً، والماء يلمع تحت ضوء المدينة كمرآة ضخمة ترتجف في الظلام

وقف على الرصيف الحجري، يضع يده على سوره المعدني البارد يتأكد من توازنه، بينما الهواء البارد يلفح وجهه وجسده الساخن بحرارة الشراب
شعر بأن كل شيء في داخله يتقلب، رأسه مثقل، صدره متسع على نحو غريب، والأفكار تتشابك بلا ترتيب
كان مزيجاً من الحرية والضياع، كأنه تحرر لتوه من شيء يقيده، ثم أدرك أنه لا يعرف إلى أين يمضي بعد الآن

أخرج يوسف هاتفه بصعوبة، أضاءت الشاشة فظهر الوقت واضحاً أمام عينيه المرهقتين
الساعة تجاوزت موعد عمله، والواقع عاد يقتحم وعيه دفعة واحدة. تنهد، أغلق الهاتف، وحاول أن يجمع شتات نفسه

تقدم بخطوات غير ثابتة نحو الشارع العام، أوقف سيارة بصوت مبحوح، ثم ركبها متكئاً إلى النافذة، يتابع الأضواء التي تمر خارج الزجاج كخيوط متشابكة من الضوء والليل

حين توقفت السيارة، دفع الأجرة ونزل ببطء
كانت قدماه تتثاقلان، وعيناه تبحثان عن توازن مفقود، يسير مترنحاً يحاول أن يبدو طبيعياً، لكن كل حركة منه كانت تفضح اضطرابه

الهواء البارد ما زال يصفع وجهه، والدوار يلتف حول رأسه كدوامة من الدفء والضباب

وفجأة، أمسكته يد قوية من ذراعه، شدته قبل أن يسقط، ثم أحاطت خصره بثبات حازم
رفع رأسه بتثاقل، يبحث عن ملامح هذا الغريب، لكن ما إن التقت عيناه بتلك العينين حتى انفجرت داخله دفقة من دفء وارتباك غريب
رائحة العطر مألوفة، والحضور نفسه كان كافياً ليوقظ شيئاً بين ضلوعه

اتسعت ابتسامته، ناعمة ومجنونة في آن، وهتف بصوت يقطر مرحاً طفولياً
"شريف!"

تجمد شريف في مكانه لحظة، لم يصدق المشهد أمامه تأمل ملامحه الزائغة، شعره المبعثر، وعينيه اللتين فقدتا بريقهما الطبيعي، بينما رائحة الكحول الثقيلة تُعلن الحقيقة قبل أي كلام
قال بنبرة جمعت التعجب بالقلق
"إنت...سكران؟"

.

سيرة الحب



.
18. قابلني والاشواق في عينيه

توقف شريف في مكانه كما لو أن الزمن جمد فجأة المشهد أمامه بدا غريباً لدرجة أربكته، يوسف، الذي اعتاد رؤيته مرتباً، حاضر الذهن، واقف الآن بعينين نصف مغلقتين وابتسامة لا يعرف هل هي ودودة أم تائهة

شعره منكوش كأنه خاض معركة مع الريح، وصوته حين ناداه خرج مبحوحاً ومتقطعاً، بينما رائحة الكحول تفوح منه 

رمشه شريف ببطء، ثم رفع حاجبيه بدهشة مشوبة بالقلق وسأله بصوت خافت 
"يوسف...هو إنت سكران؟"

لم يكن ينتظر إجابة، كان يرى العيون تخونه قبل اللسان، نصف ابتسامة مائلة، نظرة زائغة، ومحاولة فاشلة للوقوف باستقامة

لم يرد يوسف، فقط ابتسم كأن السؤال لا يخصه، وترك رأسه يستند إلى كتف شريف بثقة غير واعية
زفر شريف بخفة وهو يمسكه من كتفيه، وقاده برفق نحو سيارة قهوة على ناصية الشارع، جعله يجلس على الكرسي البلاستيكي المائل قليلاً، وأشار للعامل قائلاً
"قهوة سادة... مغلية"

جلس أمامه يراقبه بصمت، بينما يوسف يعبث بكوب فارغ وهو يهمس كلمات غير مفهومة حتى جهز كوبه

رفع يوسف الكوب بين يديه المرتجفتين، ارتشف رشفة سريعة قبل أن يدرك سخونتها، فعض على شفتيه متألماً وافلت الكوب بسبب اللسعة

في لحظة خاطفة، مد شريف يده ليمسكه، إلا أنه فشل وانسكبت القهوة على يده، ارتجف جسده قليلاً من حرارة السائل، وظهر احمرار خفيف على جلده

شهق يوسف واندفع نحوه فوراً، ملامحه امتلأت بالذعر والندم، مد يده يمسك يد شريف بحذر كأنه يخشى أن يؤلمه أكثر
"أنا آسف، بجد آسف، ماكنتش قاصد والله"

كان يتفحص الحرق بعينين قلقتين، يمرر أنامله برفق حول الموضع المحمر، كأن اللمس وحده يمكن أن يطفئ الألم
ابتسم شريف رغم الوخز الذي شعر به، وقال بهدوء مطمئن
"ولا يهمك، محصلش حاجة يا يوسف... بسيطة"

ارتبك يوسف بشدة، كأن القهوة لم تُحرق يد شريف فقط، بل أصابته هو، ظل محدقاً في بقعة الاحمرار التي بدأت تنتشر على كف شريف، ووجهه يفقد لونه شيئاً فشيئًاً كان صوته يرتجف وهو يتمتم باعتذار متكرر
"أنا آسف، بجد آسف، ماكنتش قاصد"

تلعثم وهو يحاول لمس يد شريف، أصابعه ترتعش، شعر بوخزة حادة في صدره، تلك التي تسبق البكاء، لكنه قاومها بجهد واضح، أطرق رأسه حتى لا يراه شريف وهو يرمش سريعاً ليمنع دموعه من الظهور

أما شريف، فلاحظ تلك الرعشة في صوته ونظراته المضطربة، فمد يده بهدوء وربت على كتفه مطمئناً
"ولا يهمك، بسيطة"

سحب يده برفق من بين أصابعه، نادى للرجل وطلب كوب قهوة آخر، وحين وضع أمامه هذه المرة انتظر قليلاً، حركه بملعقة معدنية، ثم نفخ فوق سطحه قبل أن يمده إلى يوسف بابتسامة جانبية
"اتفضل، اتأكدت إنها مش هتلسعك المرة دي"

تردد يوسف لحظة، ثم تناول الكوب بخجل، يهرب بنظره عن وجه شريف، بينما الأخير يكتفي بالصمت، وعيناه تراقبان ذلك التوتر الدافئ الذي ينساب بينهما دون حاجة إلى كلمة واحدة

كان شريف يراقبه طوال الوقت، تلك الملامح المبعثرة، الرجفة الخفيفة في يده، والارتباك الطفولي في نظرته وفي داخله خليط من الغضب والشفقة والقلق
لكنه رغم كل شيء، لم يستطع إلا أن يبقى ليقدم الدعم بصمت

بعد دقائق من الهدوء، كان يوسف قد بدأ يستعيد توازنه تدريجياً، دفء القهوة تسلل إلى جسده فأعاد اتزان رأسه، بينما بقي شريف جالساً أمامه، صامتاً، ملامحه ثابتة، لم يوجه إليه سؤالاً واحداً، لم يلمح حتى، فقط ترك الصمت سيد للموقف فهو لم يرد احراجه وسؤاله عن شيئ لا يخصه

ففي النهاية الشرب قرار شخصي ولا يمكنه معاتبته عليه، هو رجل بالغ يعرف مصلحته ولا يمكن توبيخه وكأنه طفل

رغم أن تصرفاته أثناء الثمالة كانت مشاكسة كتصرفات الأطفال

رفع يوسف عينيه نحو الساعة في هاتفه، اتسعت حدقتاه فجأة
"يا نهار أبيض...اتأخرت!"

وقف على الفور، حرك الكرسي بخفة حتى كاد يصطدم بالطاولة، ثم نظر إلى شريف وقال بسرعة وهو يلتقط أنفاسه
"شكراً على القهوة يا شريف، بجد...أنا لازم أمشي"

رد شريف بابتسامة خفيفة، صوته منخفض لكنه مطمئن لأن يوسف عاد لوعيه
"خلي بالك من نفسك"

تحرك يوسف بخطوات متسارعة، والهواء البارد يصفع وجهه كأنه يذكره بالواقع الذي عاد إليه بعد دوامة طويلة من الغياب

أما شريف، فبقي في مكانه، يراقب يوسف وهو يبتعد أكثر فأكثر حتى اختفى داخل المتجر، يفكر في ذلك التناقض الغريب بين يوسف الواعي ويوسف الثمل 

بدأ يوسف ورديته المسائية، بدأت أضواء مصابيح الشارع الصفراء تتسلل إلى المتجر وتنعكس على الرفوف المعدنية، مانحة المكان دفئاً هادئاً رغم برودة الجو في الخارج

شعر بحاجة ماسة إلى شيء يعيد له التركيز، شيء يُشبه الاستراحة الصغيرة ، فخرج من الباب الزجاجي إلى الشارع شبه الخالي، كان هواء الليل بارداً، عبر الشارع متجهاً نحو عربة القهوة الصغيرة عند الزاوية، هناك، كانت رائحة البن تلامس حواسه لتشعره بالراحة والحنين وكأنها مخدراته

وقف ينتظر قهوته، يراقب البخار يتمايل أمام وجهه، والضوء الأصفر ينعكس على زجاج السيارة، بينما فكر في كم مرة كرر هذه اللحظة نفس المذاق، نفس الطريق، نفس الوحدة التي لم تعد تؤلمه، بل أصبحت رفيقة هادئة لا تطلب منه شيئاً سوى أن يواصل السير

عاد للمتجر بكوب القهوة وجلس خلف طاولة الحساب، وضع الكوب على الطاولة إلى جانبه يبعث بخاراً خفيفاً، ورائحة القهوة تمتزج برائحة المنظفات والمنتجات المعبأة، ضغط على أزرار الجهاز بتتابع رتيب، يدون الأرقام ويجمع الفواتير بعناية، بينما الوقت يمضي ببطء

كان المتجر شبه فارغ، لا يدخل أحد، يرفع يوسف نظره نحو الباب الزجاجي كأنه ينتظر شيئاً، أو ربما شخصاً

مع ساعات الصباح الأولى، تسلل الضوء إلى الشارع ببطء، وبدأت القاهرة تستيقظ والاصوات تعلوا

كانت العاملة قد جاءت في موعدها لأول مرة منذ أسابيع، ما جعل يوسف يشعر بسعادة وهو يخرج من المتجر بعد ليلة طويلة

أغلق المعطف حول جسده متصدياً لبرودة الصباح، وسار بخطوات هادئة نحو البيت، رأسه مثقل بالتعب لكن مزاجه جيد، كان يدندن أغنية لأم كلثوم، كانت تملأ الطريق بنغمة مألوفة، كأنها تحرس وحدته وتكسر من حدة الصمت

قابلني والأشواق في عينيه سلم، سلم
سلم واخذ إيدي في إيديه، اخذ إيدي في إيديه
وهمس لي قال لي الحق عليه
نسيت ساعتها بعدنا ليه

كان يوسف يسير بخطوات بطيئة نحو بيته، وبذهنه يطفو هدوء بعد ليلة عمل طويلة، الهواء البارد لامس وجهه بلطف، والمدينة ما تزال تتثاءب في سكونها، حتى بدا له أن كل شيء في طريقه للاستقرار أخيراً

لكن عند اقترابه من البيت، لمح نادر واقفاً عند المدخل

كان يحمل باقة زهور صغيرة، مغلفة بورق بُني بسيط، وابتسامة خجولة ترتسم على وجه أنهكه الترقب
الضوء الفاتح كان ينعكس على عينيه فيظهر فيهما شيء يشبه الطمأنينة، تلك التي لا تأتي إلا بعد صراع طويل مع الذات

توقف يوسف في مكانه، يتأمله بصمت، فقد سبق لنادر أن اعتذر، قالها بصدق أربك يوسف نفسه

وقتها لم يجد يوسف في قلبه قسوة كافية ليرفض، فوافق لا يدري هل فعل هذا بدافع الضعف، أم بدافع التجربة، لكنه أراد أن يرى ما يمكن لنادر تقديمه بعد كل هذه التوسلات ليمنحه فرصة

ابتسم نادر وهو يقترب بخطوات واثقة، قال بصوت دافئ
"صباح الخير يا يوسف"

رفع يوسف رأسه نحوه ببطء، لم يكن يتوقع رؤيته هناك، قرب بيته، وبالأخص في تلك الساعة، في يد نادر كانت باقة زهور صغيرة، متشابكة الألوان، فيها شيء من الفوضى، كأنها التُقطت بعجلة أو بدفعة شعور مفاجئة

ثم مد يده يقدم له باقة الزهور، كانت أنفاس الصباح ما تزال عالقة على أوراقها، تفوح منها رائحة ندية تُشبه لحظة إعتراف خفي
تردد يوسف لثوان قبل أن يمد يده ليمسكها، بينما عينيه لا تفارقان ملامح نادر التي تجمع بين الحرج والدفء

مرر نادر يده في شعر يوسف بحركة ودية كعادته
"مش عارف إذا كانت مناسبة ولا لأ بس حسيت إنك تستاهلها"

ابتسم يوسف بسعادة لم يحاول إخفاءها، كانت ابتسامة صافية خرجت من أعماقه دون حساب، كأن شيئاً في تلك اللحظة لامس قلبه بلطف، لا يدري هل هي الهدية أم حديث نادر اللطيف

نظر إلى نادر بعينين يملؤهما الامتنان، ومد يده ليأخذ الباقة بحرص

قال بنبرة دافئة وهو يبتسم بإتساع
"شكراً يا نادر...بجد شكراً"

.

ودارت الأيام




.

19. النسخة السعيدة

(هاي هاي يا أصدقاء بنموت في مصر، زي ما عودناكم بنقترحلكم أغاني كل شهر، الشهر دا اتأخرنا معلش.. صديقة الصفحة ساسي هي اللي فكرتنا، شكراً ساسي، المهم نخش في الموضوع على طول، بنقترحلكم البوم Spinning the Truth Around, Pt. I لفرقة Blue October انجوي يا شباب، وخليكم فاكرين إن العذاب مش ابدي والحزن مش سرمدي، واحنا هنبقى زي الفل)

We take the one we think we deserve
And slowly, try to make it all work
Hurting you the way I was hurt
And every time we waste, it falls apart
Busy outlining the shape of your heart
To try to make this work of art

كانت الغرفة غارقة في ضوء ناعم، ينبعث من مصباح جانبي صغير، ينعكس على حوض السلاحف
كانت الأغنية الإنجليزية القديمة تدور في الخلفية، The Shape of My Heart، بصوت دافئ كأنها تتسلل إلى أعمق زاوية في ذهنه

"المفروض تشكروني أنا اللي فكرت ادمنز بنموت في مصر بالأغاني"
ارسلت سلمى، فقد كان ساسي هو اسم حسابها على فيسبوك

"شكراً يا ساسي"
رد يوسف

"على فكرة الأدمن بعتلي البوم خصوصاً ليا أنا بس، وأكيد مش هشاركه معاكم، عشان أنا مميزة جداً"
ارسلت وضحك يوسف 

كانت سلمى أول من كون علاقة صداقة بينها وبين مشرفين الصفحة وبعدها تبعها الباقون عندما وجدوا أن المشرفين حقاً لطفاء ويمكنهم مصادقتهم

مد يده في الحوض برفق، ينثر الطعام، بينما عيناه تتبعان حركة السلحفتين البطيئة الهادئة، كان ذهنه، على النقيض، صاخباً ومزدحماً بالذكريات، الملامح والنظرات الملتبسة

عاد إلى سريره، استلقى وراح يحدق في السقف كأنه ينتظر أن تهبط منه إجابة
نادر أم شريف؟
سؤال بسيط في ظاهره، لكنه بدا له كأنه عقدة تحتاج إلى عمر طويل لفكها

نادر لطيف، يعرف كيف يتحدث، كيف يقترب دون أن يثير الخوف، وكيف يزرع راحته في المكان

لكن شريف...مختلف
فيه تلك الهشاشة الهادئة التي تشبه الورد المجفف، لا يفقد جماله رغم الزمن، اعتنى به حين كان ثملاً دون أن يسأله عن أي شيئ، صنع له فطوراً بيديه، وابتسم بتلك الطريقة التي تجعل قلبه يرتجف

أدار وجهه نحو السقف أكثر، ضاحكاً بخفة متوترة
من أين أتته الجرأة أصلاً ليفكر في رجلين؟
أهو الحرمان الطويل؟ أم الوحدة التي جعلت أي اهتمام يبدو كالنجاة؟

تساءل في نفسه، هل حقاً هناك سباق خفي بينهما؟ أم أن عقله هو من اختلق هذا الصراع الجميل كي يشعر بأنه مرغوب، ولو للحظة؟

ابتسم يوسف بمرارة، ثم أغلق عينيه محاولاً اسكات رأسه، في نهاية الأمر، لم يكن يعرف أيهما يقترب من قلبه أكثر
لكنه كان متأكداً من أن قلبه بدأ يستيقظ بعد سُبات عميق

اعتدل جالساً ليتأمل الباقة التي وضعها على مكتبه، لقد أحضر له نادر باقة زهور!، لم يسبق أن اهداه أحد من قبل باقة زهور بطريقة رومنسية

اعتدل يوسف في جلسته، يسند ذقنه إلى كفه وهو يتأمل الباقة الموضوعة أمامه على المكتب، ألوانها الدافئة تتدرج بين الأحمر والبرتقالي، تفوح منها رائحة ناعمة تشبه نسيم الربيع، لم يكن يستوعب أن نادر هو من أحضرها له

ابتسم بخفة، ابتسامة بين الدهشة والارتباك
لم يهده أحد من قبل باقة زهور بهذا المعنى
صحيح أن سلمى كانت قد أهدته من قبل باقة عند لقائهما الأول، لكنها كانت تفعل ذلك مع جميع أصدقائها

أما هذه...فشيء آخر
كانت تحمل مشاعر خفية من الإعجاب، ودفئاً لا يمكن تجاهله

شعر بخفقة صغيرة في صدره، تلك الخفقة التي تأتي حين يدرك المرء أن أحدهم فكر فيه حقاً

التقط صورة للباقة، الضوء المنعكس من النافذة جعل الألوان أكثر حيوية، ثم فتح هاتفه ودخل إلى واحد من صفحاته المفضلة
(بنموت في مصر النسخة السعيدة)، وهي كاسمها، كانت النسخة السعيدة من صفحة (بنموت في مصر) كان يحب تلك الصفحة لأنها تُعطي الأمل في بلد تعج فيه القصص الحزينة

ارفق الصورة بنص
"أنا جالي بوكيه ورد يا أدمن... أنا مبسوط أوي"

أرسلها وترك الهاتف جانباً، مستلقياً على سريره والابتسامة لم تفارقه

غط في النوم سريعاً، وحين استيقظ قبل موعد عمله، مد يده بتثاقل نحو الهاتف، وظهر الإشعار الصغير في الأعلى

"يارب دايماً تفضل مبسوط، ومبروك البوكيه"
كانت الرسالة مرفقة بملصق فلب أحمر

كان المشرفين على صفحات (بنموت في مصر) السعيدة والحزينة منها لطفاء وكون معهم علاقة اشبه بالصداقة من خلال التعليقات، فهُم لا ينسون من يعلقون لهم بإستمرار

حين لمح رسالة شريف على شاشة الهاتف، شعر بالرجفة المعتادة، تلك التي يعرفها جيداً ولا يفهمها تماماً

"ممكن تخرج بدري النهاردة؟ تعالى نشرب قهوة سوا قبل الشغل"

لم تكن تلك المرة الأولى التي يطلب فيها شريف اللقاء، لكن شيئاً ما في قلب يوسف لم يعتد بعد فكرة الدعوة منه

كل مرة تحمل نفس الرعشة، نفس اللهفة التي يحاول التخفي منها خلف انشغالات واهية

أسند الهاتف إلى صدره للحظة، يسمع دقات قلبه وهي تتسابق مع عقله
لماذا لا يعتاد حضوره؟
ولماذا يظل اسمه حين يظهر على الشاشة، يثير فيه مزيجاً من الحماس والخوف، كأنهما وجهان لعاطفة واحدة؟

جلس على طرف السرير، وأخذ نفساً عميقاً ثم رد
"ماشي"

شغل تطبيق موسيقى يتيوب، فانطلقت أغنية لجورج وسوف تملأ الغرفة ببطء

أغمض عينيه وابتسم بخفوت كأنه يحاول إخفاء ارتباكه حتى عن نفسه

جرحونا برمش عين يا عين كلامهم مسنا
سألونا نبقى مين مين قدمنا نفسنا
قولنا إحنا اللي القمر يا قمر ما عرفش يذلنا
الناس طلعوا القمر و قمرنا نزلنا

اقترب من خزانته وبدأ يُخرج ملابسه بعشوائية، قميص صوفي رمادي، ثم أعاده
جاكيت أسود ثقيل، ثم تردد
بدل ثيابه أكثر من مرة، وكأنه يحاول أن يجد نسخة من نفسه تبدو أقل توتراً، أكثر اتزاناً أمام شريف

تأمل نفسه في المرآة، لم يكن راضياً عن شيء، لا عن شعره، ولا عن لونه الشاحب، ولا عن القلق الواضح في عينيه
مرر يده في شعره بعصبية ثم قال لنفسه
"دا شريف...عادي يعني يا يوسف"

وقف أخيراً أمام المرآة، عدل وشاحه أكثر من مرة، ومرر أصابعه في شعره ليبدو مرتباً بلا مبالغة
لم يكن مقتنعاً، لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة فيها استسلام

خرج إلى الشارع والبرد يعض أطرافه، لكنه لم يشعر به، كان داخله دفء غريب، قادم من فكرة أن شريف ينتظره، ومن هذا التوتر الذي لم يعرف له اسماً بعد

كان الهواء البارد يلسع وجنتيه حين اقترب يوسف من سيارة القهوة المعتادة، أنفاسه تتصاعد بخاراً خفيفاً في هواء الصباح، ويداه في جيبي معطفه يحاول بهما كبح ارتجاف لا يعرف إن كان سببه البرد أم الترقب

لمح شريف واقفاً قرب السيارة، يحيط به بخار القهوة، شعر بشيء ينقبض في صدره، مزيج من الحنين والدهشة والخوف اللذيذ

كانت ابتسامة شريف الواسعة، الدافئة، تستقبله وحده للحظة قصيرة، تمنى يوسف أن يظل المشهد متجمداً، أن يظل شريف واقفاً هكذا، يبتسم له فقط

تردد قبل أن يخطو نحوه، قلبه يدق بعنف كأنه يريد الهرب من صدره، أنفاسه تتلاحق رغم برودة الهواء، ويداه متعرقتان داخل جيب معطفه
وحين فتح شريف ذراعيه بعفوية، ولم يستطع يوسف المقاومة، فتقدم نحوه بخطوات مترددة وانتهى الأمر بأن استسلم لذلك العناق

كان يشعر بكل تفصيلة فيه، دفء صدر شريف، رائحة عطره الممزوجة بالقهوة، وطمأنينة لحظة جعلته ينسى كل شيء

عندما ابتعد قليلاً، كان ما يزال يشعر بحرارة لم تفارقه، وارتجافة خفيفة في يده لم يستطع السيطرة عليها

كان العناق قصيراً، لكنه ترك في صدر يوسف شيئاً يشبه الاطمئنان، كأن صخب الأيام كلها صمت للحظة
وحين ابتعدا قليلاً، ظلت ابتسامة شريف معلقة على وجهه وهو يقول بنبرة خافتة
"مساء الخير يا يوسف"

.

The Shape of Your Heart



جرحونا



.

20. كلمة ثقيلة
(ذكر- ستة وخمسون عاماً)
(عمي اغتصبني وأنا صغير ومش عارف أنسى ولا أعيش طبيعي، لحد دلوقتي الناس بتتكلم عليه، بيقولوا "الله يرحمه، كان أحن حد، كان سند بجد، مفيش منه اتنين." واخدينه قدوة، ومابتتجابش سيرته إلا بالخير، وكأنه ملاك نزل الأرض، وهو كان مكمل حياته عادي، كملها كأحسن واحد في العيلة، بيضحك ويساند الناس في الأزمات، وأنا؟ أنا واقف مكاني من ساعة اللي حصل مش عارف أعيش حياة طبيعية ولا خطوة لقدام
بكره الدنيا دي أوي، بكره إن اللي أذونا عايشين في راحة، واللي اتأذوا بيتعاقبوا بصمتهم، بكره إن العالم بيكافئ المجرمين وبيسكت الضحايا، محدش يعرف اللي حصل، ولا أعرف هو عمل كده مع حد غيري ولا لأ
بس اللي عارفه ومتأكد منه، إني بتمنى يوم يظهر فيه الحق، حتى لو متأخر، ولو فعلاً في جهنم… أتمنى يكون هو دلوقتي فيها، بيتحرق بنفس النار اللي ولعها جوايا)

حين لمح يوسف شريف واقفاً عند سيارة القهوة، تغمره أضواء المصابيح الصفراء في الشارع، شعر بارتباك دافئ اجتاح صدره
كان شريف يرتدي معطفاً ثقيلاً بلون رمادي، والبرد يلون وجنتيه بحمرة خفيفة، ما إن التقت عيناهما حتى اتسعت ابتسامة شريف، تلك الابتسامة التي تذيب الحواجز 

خطا نحوه بخطوات مترددة، نصفها حماس ونصفها خوف، وقبل أن يقول شيئاً، مد شريف ذراعيه نحوه بعفوية صادقة، فوجد يوسف نفسه بين ذراعيه في لحظة لم يُفكر فيها، فقط ترك جسده يستجيب لتلك الدعوة المطمئنة

كان العناق دافئاً، قوياً، كأنهما يعيدان اتزان العالم معاً، شعر يوسف بيد شريف تربت بخفة على ظهره، وبأنفاسه الهادئة تقترب من أذنه، فارتجف دون أن يدري إن كان من البرد أم من تلك الطمأنينة الغريبة التي لم يعرف مثلها من قبل

حين ابتعدا أخيراً، فعل ذلك شريف أولاً، ببطء محسوب، وكأنه يخشى أن يكسر شيئاً هشاً بينهما
ظل يوسف واقفًا في مكانه للحظات، يبتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة، بينما يحاول أن يخفي اضطراب أنفاسه

"المرة دي أنا اللي هدفع، اعتبرها هدية بسيطة عشان اليوم اللي ساعدتني فيه وأنا درانك"
قال محاولاً التخلص من ارتباكه

ابتسم شريف ابتسامة خفيفة، فيها مزيج من خجل ودفء، وهز رأسه رافضاً في البداية، ثم استسلم بعد إصرار يوسف
"ماشي يا سيدي، المرة دي ليك، بس المرة الجاية عليا"

جلسا إلى طاولة خشبية صغيرة بجوار سيارة القهوة، يتصاعد منها بخار المشروبات الساخنة، يتحدثان بهدوء عن العمل، عن الزبائن الغريبي الأطوار الذين يمرون كل يوم، وعن تمارين الرياضة التي وعد شريف أن يدربه عليها من جديد

كانت الضحكة تخرج من يوسف بسهولة غريبة، ناعمة كأن وجود شريف وحده جاذب للسعادة

وفي لحظة عابرة، بينما كان يوسف يميل للأمام ليضع كوبه على الطاولة، سقطت ورقة شجر صفراء من غصن قريب، استقرت على شعره

مد شريف يده بلا تفكير، وحرك أصابعه بخفة ليزيلها، ثم أبقى كفه للحظة أطول مما ينبغي، كأنه تردد في الابتعاد

لم يتنفس يوسف إلا بعد أن سحب شريف يده، وكأن لمسة الأصابع تلك أشعلت شيئاً ساكناً داخله

أخفض يوسف نظره وعبث بكوب القهوة أمامه، محاولاً استعادة صوته الذي تاه بين دفء اللحظة وبرودة الصباح، كان صاحب عربة القهوة يشغل أم كلثوم

فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير، كثير وقليل عاشقين
اللي بيشكي حاله لحاله
واللي بيبكي على مواله
أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين
أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين

"بتحب أم كلثوم؟"
سأل شريف بصوته الهادئ وهو يحرك كوب القهوة بين يديه كمن يحاول أن يُبقي أصابعه مشغولة عن قول شيء آخر

"أكيد"
أجاب يوسف بلا تردد

ابتسم شريف وهو يميل قليلاً إلى الأمام، نظراته تتفحصه باهتمام
"حاسس صوتك حلو"

رفع يوسف حاجبيه بدهشة، ثم ضحك بخفة وهو يرد بنبرة خجولة
"يا سلام!، عرفت منين؟"

"جرب غني كده"

ارتبك يوسف، أدار وجهه نحو الشارع يحاول أن يهرب بنظره من تلك الدعوة، أصابعه بدأت تدور الكوب في توتر ظاهر، كأنه يحاول إذابة ارتباكه في القهوة الساخنة

"طبعاً لا"
قالها وهو يضحك، لكن الضحكة خرجت مرتعشة بعض الشيء

اشاح شربف بوجهه
"مش ببص، غني بقى، بليز"
ترجاه وعندها استسلم يوسف

سكت لحظة طويلة، ثم أطلق زفير استسلام صغير، نظر أمامه، إلى نقطة غير محددة، ثم حمحم بهدوء
كان قلبه يخفق بقوة غريبة، شعور يشبه لحظة القفز في الماء البارد خوفٌ ولذة في آن واحد

ثم بدأ يغني، بصوت خافت في البداية، متردد ثم بدأ يعلو تدريجياً

يا اللي ظلمتوا الحب وقلتوا وعدتوا عليه
قلتوا عليه مش عارف إيه
العيب فيكم يا في حبايبكم
العيب فيكم يا في حبايبكم
أما الحب، أما الحب يا روحي عليه، يا روحي عليه

حين انتهى يوسف من الغناء، خيم صمت قصير كأن الهواء نفسه كان يستمع، ثم انطلقت ضحكة خفيفة من شريف، تلاها تصفيق حار وهو يقول بعينين لامعتين من الدهشة والإعجاب
"إيه ده إنت شاطر أوي بجد"

انفرجت شفتا يوسف عن ابتسامة محرجة، حاول يخفيها وهو يشيح بوجهه بعيداً، لكن حرارة الخجل كانت واضحة على خديه
قال وهو يضحك بخفوت
"شكراً"

تفقد الوقت في هاتفه وعندها استقام واقفاً
"هروح الشغل"

رفع شريف نظره إليه، وكأنه كان يتمنى أن يطول اللقاء أكثر، نهض هو الآخر، حركة بسيطة لكن يوسف شعر بها ثقيلة

قال شريف بابتسامة دافئة
"انبسطت إني شفتك"
مد له كيساً بلاستيكياً، ويده لامست أصابع يوسف لثانية واحدة

"إيه دا؟"
سأل ببلاهة

"تشيز كيك..بتحبها؟"

"أيوة"
اضاف بعدها
"هجيبلك هدية المرة الجاية"

"خالص...أنا عايزك تبقى مبسوط بس"
كان يبتسم ابتسامة دافئة

لم تكن الجملة طويلة، لكنها اخترقت يوسف كنسمة دافئة في مساء بارد أحس بشيء يضرب صدره من الداخل، مزيج من التوتر والامتنان والارتباك
رمش سريعاً، محاولاً أن يخفي ابتسامته، بينما كان قلبه يخفق بعنف
حتى الهواء من حولهما بدا مختلفاً... أخف، أدفأ، وأقرب إلى الارتباك الجميل الذي لا يُقال

ذهب يوسف إلى المتجر كعادته ليبدأ ورديته المسائية، وبينما كان الصمت يخيم على المكان مع اقتراب الفجر، جلس خلف المنضدة، يحدق في شاشة هاتفه لحظات طويلة قبل أن يفتح محادثة نادر
لقد أهداه باقة زهور، بدا جاداً في علاقتهما، صادقاً أو على الأقل راغباً في أن يبدو كذلك
وربما... آن الأوان أن يخبره بالسر الذي يخفيه

"نادر عايز أقولك حاجة"
ارسل ثم تنهد تنهيدة طويلة وكأنه بستعد لدخول معركة

"سامعك"
رد نادر

أحس يوسف بانقباض في صدره، ثم كتب
"أنا انترسكس"

"يعني إيه؟"

أسند يوسف ظهره إلى المقعد، وأغمض عينيه للحظة قبل أن يبدأ في الكتابة من جديد، أصابعه تتحرك بتردد فوق الشاشة
"يعني اتولدت وجسمي الخارجي بيوحي إني جنس بينما أنا كنت جنس تاني وعملت عمليات تصحيح"
بعد ارسال الرسالة شعر بأنها عشوائية، فقد كان قد تعب من شرح معنى بيني الجنس

"ترانس قصدك؟"

"لا، الترانس غير الانترسكس، أنا اتولدت جسمي الظاهر إني بنت بس داخلياً وهرمونياً كنت ولد بشهادة الأطباء اللي عملولي عمليات التصحيح، الترانس مش نفس الحاجة"

"طب هو في مشكلة؟"

"أنا بقولك عشان ما ابقاش بخبي عليك حاجة"

"هتضايق لو سألت أكتر؟"

تنهد يوسف بضيق ثم ارسل
"أيوة"

"اوكاي، خلاص بلاش..مش مهم أصلاً"

"لا، هو مهم لإن دا أنا"

"مش قصدي دا، إنت مهم طبعاً، هعرف معلوماتي بنفسي، اوكاي حبيبي!"

توقف يوسف عند الكلمة الأخيرة
حبيبي
كلمة ثقيلة... كبيرة... مليئة بالأحاسيس والصدق
نادر يقولها بخفة، كأنه لا يعرف وزنها
يوسف شعر بها ترتطم في صدره، لكنها لم تدخل قلبه تماماً

كان هناك شيء مريب في الطريقة التي يستخدمها بها، كأنها خرجت من شخص يقول الكلام المعسول أكثر مما يقول الصدق

"إيه رأيك اجي اوصلك للبيت؟"
سأل نادر

تجمد يوسف للحظة، ثم تذكر شريف الذي أصبح يراه كل صباح تقريباً بعد انتهاء العمل
لو وافق الآن، سيقصي شريف من وقته في يومه
ولا يدري لماذا، لكنه لا يريد ذلك
وجود شريف أصبح يعني له شيئاً لم يتجرأ بعد على تسميته

"لا، بلاش، نبقى نتقابل في وقت تاني"
رد ليحافظ على مساحة شريف في حياته، لا يدري لما يتمسك به لكن وجوده يهمه

وضع الهاتف جانباً، أسند رأسه إلى المقعد البارد خلفه، وأغمض عينيه
في الخارج كان الفجر يزحف على المدينة، وفي صدره كانت معركة صغيرة لا تهدأ بين من يريد الاقتراب، ومن يخشى أن يخطو خطوة واحدة أخرى

.

سيرة الحب





.
21. هدية غير متوقعة
(...- 23)
(أنا بحبه أوي يا ادمن، حاسس اني مش هعرف أعيش من غيره ودا هيجنني، كل يوم بصحى على صوته جوا دماغي، وبنام على صورته اللي محفورة في خيالي. بحاول أقنع نفسي إن الزمن هيعلمني أنساه، بس الوقت بيعدي ومافيش حاجة بتتغير، يمكن لأني مش بحبه بعقلي... أنا بحبه بروحي.
بحبه من غير مقابل معنوي، من غير ما يمدلي إيده، من غير ما يبصلي حتى
بحبه وأنا عارف إن كل الطرق بينا مقفولة، وإنه مش ليا، بس قلبي مصر يفضل واقف على الباب، مستني صدفة، أو حتى نسمة تيجي من ناحيته
يمكن اللي وجعني مش إنه مش بيحبني... اللي وجعني إني حبيته كأن الدنيا كلها بتدور حوالين وجوده، وهو مش حاسس حتى إني موجود
ومع كده، كل مرة أقول هبعد، ألاقي قلبي بيرجع له زي طفل بيجري للحضن اللي عمره ما كان له
يمكن الحب من طرف واحد هو أكتر حاجة بتوجع، بس برضو... هو أكتر حاجة بتحسسنا إننا لسه بنحس، ولسه عايشين.)

جلس يوسف على طرف الكرسي، عينيه شاردتين في الفراغ، ورأسه مليء بالأفكار المتشابكة كخيوط عنكبوتية، كل فكرة كانت تتصارع مع الأخرى، هل يجب أن يكشف لشريف أنه بيني الجنس؟ هل يعرف شريف بالفعل أنه نفس الشخص الذي طعنه بالمقص في الماضي؟

تذكر ذاك اليوم المشؤوم، اليد المرتجفة، الخوف، والدم على يده، والمقص...شعور بالذعر والارتباك 

ثم تخيل شريف، بوجهه الهادئ وطريقته المهذبة، وهو يبتسم له، هل سيتغير كل شيء بينهما إذا كشف عن نفسه؟ أم أن هذا سيكون عبئاً ثقيلاً على علاقتهما الناشئة؟

حاول يوسف أن يرتب أفكاره، لكن كل محاولة كانت تنهار تحت وطأة التوتر والخوف، قلبه ينبض بسرعة، وكأن كل نبضة تعيد تشغيل المشهد القديم في عقله، مع كل الاحتمالات الممكنة والمحتملة

في الداخل، كان هناك شعور بالخوف، شعور بالخجل، وشعور برغبة قوية في أن يكون مقبولاً، مفهوماً، ربما حتى محبوباً... لكن كل هذه المشاعر اصطدمت بالحذر والارتباك، تاركة يوسف عالقاً بين الماضي والحاضر، بين الحقيقة والوهم

انتهى وقت عمله وخرج من المتجر بخطوات متعبة، ما زال الصمت يلف الشارع وفي الهواء تطفو رائحة الخبز الطازج من المخبز القريب

حين لمح شريف واقفاً ينتظره، ارتبك للحظة، ثم سرى في صدره دفء غير متوقع، كان شريف يحمل كيساً بلاستيكياً بيده، وابتسامته المشرقة سبقت كلماته

"صباح الخير"
قالها بنبرة ودودة جعلت يوسف يبتسم بدوره دون تفكير

اقترب منه شريف بخطوات هادئة، ثم عانقه عناقاً قصيراً، بدا وكأنه عادة بسيطة بين صديقين، لكن قلب يوسف لم يتعامل معه بتلك البساطة، نبضه ازداد، وأنفاسه اختلطت بين ارتباك واطمئنان غريب

بعد أن تراجعا قليلاً، مد شريف له الكيس وهو يقول
"عملتلك فطار"

شعر يوسف بالحرج فور أن تناول الكيس، انخفض صوته وهو يقول بخجل ظاهر
"ماكانش لازم تتعب نفسك"

ابتسم شريف تلك الابتسامة الهادئة التي يعرفها يوسف جيداً، لكنه لم يعتدها أبداً، ثم رد ببساطة 
"تعبك راحة"

لكنها لم تكن عادية...لا في نبرة صوته، ولا في الطريقة التي نظر بها إليه
كانت نظراته أطول من المعتاد، دافئة أكثر مما يجب، محملة بشيء لا يستطيع يوسف أن يضع له اسماً
أحس بحرارة في وجهه، وبأن الكيس بين يديه أثقل من وزنه الحقيقي، كأن داخله كل ما لا يستطيع التعبير عنه بالكلام

"تيجي نقعد في حتة نفطر ونشرب حاجة؟"
قالها شريف بوجهٍ بريء وابتسامة لا تحتمل الرفض، تلك النوعية من الابتسامات التي تُسقط دفاعات يوسف دون مقاومة

تردّد لثوان، يبحث عن عذر في رأسه، لكن الشيئ الوحيد الذي وجده هو أنه لا يريد أن يقول "لا"

كان في ملامح شريف شيء يجعل الرفض فعلاً قاسياً، كأنه سيجرح روحاً وديعة لا تستحق إلا اللطف.
فاكتفى يوسف بهز رأسه مبتسماً، بينما داخله يعج بتوتر خفي، خليط غريب من الحماس والارتباك، دفء ينساب في صدره كلما نظر إليه، وأمان لا يعرف مصدره، لكنه يوقن أنه لا يشعر به إلا في حضرته

"ماشي بس هدفع أنا"
اشترط يوسف وهمهم شريف لثواني ثم قال
"أنا الكبير"

كان يوسف سيخبره بأنه كاذب وأنهما في نفس العمر لكن هذا كان سيجعل الحديث ينتقل لشيئ آخر

"ليه؟، كام سنة؟"

"تسعة وعشرين"

"أنا كمان تسعة وعشرين...شهر كام؟"

"ستة"

"أنا شهر عشرة"

"شفت!، أنا أكبر"
رد بفخر ثم نقر جبهة يوسف بسبابته
"يلا، أنا هدفع"

جلسا معاً عند سيارة القهوة، على الكرسيين البلاستيكيين المتقابلين، بينما وضع يوسف كيس الطعام على الطاولة الصغيرة وبدأ يأكل بهدوء. كان الجو بارداً والضوء الشاحب لشمس الصباح ينعكس على وجهيهما في لمسة خفيفة من الدفء

طلب شريف قهوته المعتادة، وبينما كانا يتحدثان بنبرة خافتة، لمح بائع زهور يمر على الرصيف المقابل، كان يوسف يتبعه بعينيه، عندما لاحظ شريف أشار للبائع بإيماءة صغيرة، ودون تردد اشترى وردة حمراء، ثم التفت إلى يوسف ومدها نحوه بابتسامة

تجمد يوسف للحظة، كأن عقله يحاول استيعاب ما يحدث، رمش بعينيه ببطء ثم سأل بصوت خافت يختبئ خلفه الخجل
"دي... ليا؟"

ابتسم شريف بهدوء وهو يقول ببساطة ونبرة لا تخلو من الدفء
"طبعاً"

كانت أنفاس يوسف تتلاحق، شعر بحرارة غريبة تصعد إلى وجهه، امتزجت بالسعادة والارتباك معاً، مد يده بخفة، أخذ الوردة بعناية كما لو كانت شيئاِ ثميناً، ثم قال بابتسامة صغيرة مرتجفة
"شكراً يا شريف"

"بتحب الورد؟"
سأل ورد يوسف بإيماءة بسيطة خجولة

ابتسم شريف من جديد، ولم يقل شيئاً، فقط ظل ينظر إليه بعينين فيهما من الطمأنينة ما جعل يوسف يشعر أن هذا الصباح هو الأجمل منذ زمن بعيد

تبادلا حديثاً خفيفاً عن العمل والبرد وأغاني الشتاء، كان الجو مشبعاً بسكون دافئ يليق بلقاء لا يريد أحدهما أن ينتهي، لكن الوقت مضى، فودع يوسف شريف بابتسامة خجولة وغادر بخطوات هادئة ليعود لمنزله

كانت الشوارع شبه فارغة، والنسيم البارد يلفح وجهه برفق، لكن قلبه كان دافئاً على غير عادته، كان يحمل الوردة في يده كما لو كانت سراِ صغيراً لا يود أن يشاركه أحد فيه

رفعها إلى أنفه، استنشق رائحتها الخفيفة، وابتسم بخجل ممزوج بفرحة طفولية

ظل يتأملها طوال الطريق، يمرر أنامله على أوراقها برقة، ثم رفع نظره إلى السماء الرمادية حيث الغيوم تغطي الشمس وهو يفكر
"شريف... ليه كل حاجة بيعملها بسيطة بس أثرها كبير"

عاد يوسف إلى بيته بخطوات خفيفة، كأن الهواء صار أقل وزناً حوله، وكأن الوردة الصغيرة التي يحملها في يده تُوازن شيئًا داخله كان مائلاً منذ زمن دخل الشقة الهادئة وأغلق الباب برفق، خلع معطفه ووضعه على الكرسي ثم توجه إلى مكتبه، أضاء المصباح الصغير الذي يبعث ضوءًا ذهبياً دافئاً، ووضع الوردة بعناية إلى جوار حوض السلاحف

تأملها للحظات طويلة، أخرج هاتفه، ضبط الزاوية، ثم التقط لها صورة ظل ينظر إليها في الشاشة، قبل أن يفتح صفحة (بنموت في مصر النسخة السعيدة)، الصفحة التي كانت بمثابة صديق سري له، كتب رسالته وهو يبتسم بتلقائية
"جالي وردة كمان يا ادمن، أنا مبسوط أوي أوي أوي"

قال مبتسماً وهو يراقب السلحفتين
"شايفين الوردة؟، حلوة صح؟"

كانت عيناه ما تزالان لامعتين، وفي داخله شعور غريب بالسكينة، مزيج من الطمأنينة والارتباك الجميل، كأن شيئاً صغيراً بدأ يتفتح في صدره دون أن يدري ما هو بالضبط، كان شريف بارع بجعله لا يستطيع التعبير عما يشعر به

لم يكد ينهي جملته حتى دوى صوت نغمة الإشعار من هاتفه، قطع صمته الهادئ كلمسة مفاجئة. التفت بسرعة، التقط الهاتف

تفقدها ووجدها رسالة من صفحة بنموت في مصر
"يا سيدي يا سيدي، هتفتح مشتل ولا إيه بكل الورد دا؟، بهزر معاك، مبروك عليك الورد يا عسل"

ابتسم ضاحكاً ثم شغل البوم Blue October التي اقترحته الصفحة وبدأت أغنية 
Shut up I Want You to Love Me Back

Your devastating eyes
Your green and yellow cries
Will make you forget everything
And but if love's worth fighting for
And but you don't know why anymore
You never knew how to fight
'Cause you were never really loved right
You're not just anybody, anybody
You're not just anyone, anyone
I know
What you'll say
Shut up
I want you to love me back

.

Shut up I Want You to Love Me Back



.

22. أنف وثلاثة عيون

(انثى- ثلاثة وثلاثون عاماً"
(كنت صغيرة… يمكن سبع سنين، أو أقل.
صحيت يومها مبسوطة، قالولي هنجيبلك حاجة حلوة.
ضحكت ولبست، فاكرة إني رايحة فسحة
بس الفرحة ما جتش.
اللي جه كان خوف عمره ما راح.
ناس كتير حواليا كتفوني
وفجأة، لقيت نفسي مش قادرة أتحرك.
ما كنتش عارفة ليه… ولا ليه ماما ساكتة، ولا ليه الكل بيتعامل كأن دا "حاجة عادية"
بس أنا حسيت إني بتدبح وإن الأمان راح ومش راجع تاني
كبرت وأنا بحاول أنسى، بس الجملة دي لسه بتوجعني
هنجيبلك حاجة حلوة.
خدوا مني حاجة ما بترجعش…مش جزء من جسمي بس، كمان إحساسي بالأمان، وبالثقة.)

كان يوسف يجلس خلف طاولة المحاسبة، منشغلاً بمراجعة الفواتير وإدخال الأرقام في الحاسوب، ضوء الشاشة ينعكس على ملامحه فيرسم خطوط التركيز والتعب معاً الجو في المتجر هادئ إلا من أصوات الأجهزة وصرير الباب الزجاجي كلما دخل زبون أو خرج

سمع صوت صرير الباب، فرفع يوسف رأسه ليرى نادر يدخل بخطوات واثقة وابتسامة صغيرة
"صباح الخير يا يوسف"

ابتسم يوسف بلطف ورد
"صباح النور يا نادر"

تقدم نادر واقترب من الطاولة، ألقى نظرة ثم سأل بإهتمام
"قولي، إجازتك إمتى؟"

توقف يوسف عن الكتابة، رفع عينيه نحوه مستغرباً
"ليه؟"

ابتسم نادر ابتسامة جانبية وقال بود
"عايز أخرج معاك"

بعد أن أنهى نادر حديثه، ظل واقفاً أمام طاولة الحساب للحظة، يتأمل وجه يوسف قبل أن يقول بنبرة هادئة 
"هوصلك للبيت، مش خلص وقت شغلك؟"

تجمد يوسف لوهلة، التقط أنفاسه بصمت، وفوراً مر بخاطره وجه شريف، تذكر كيف صار يلقاه كل صباح ويوصله من المتجر حتى منزله، وكيف تحول الأمر إلى طقس بينهما، فكرة أن يراه شريف الآن برفقة نادر كانت كفيلة بأن تربكه تماماً

ابتسم يوسف محاولاً أن يبدو طبيعياً وقال
"لأ بلاش"

رد نادر وهو يضع يديه في جيبه مبتسماً بمرح وهو يحاول اقناع يوسف
"مهو أنا موجود وشغلك خلص، سيبني اوصلك وخلاص، ما تخافش مش بعض"

ضحك يوسف بخفوت، لأن توتره ازداد
"بلاش، أنا مش عيل، بعرف ارجع لوحدي"

استمر نادر يحاول، وكأن المسألة تحولت إلى اختبارٍ للصبر
"يا سيدي خليها المرة دي بس طيب، هتكسفني؟"

"نادر، خلاص، مش لازم"
كانت نبرة يوسف هذه المرة أكثر جدية، فصمت نادر للحظة، لكن نظرة في عينيه أوحت بأنه لم يستسلم بعد

وصلت الموظفة في تلك اللحظة لتأخذ دورها في الوردية الصباحية وعندها ترك يوسف مكانه لها وقال
"ارجع البيت يا نادر أنا همشي لوحدي"

خرج يوسف من المتجر بخطوات سريعة نسبياً، يحاول إنهاء الموقف قبل أن يتطور، لكن صوت نادر لحق به
"يوسف، ما تعندش، خليني أوصلك"

توقف يوسف في منتصف الرصيف، أدار وجهه نحوه، مستعدًّا لقول شيء حاسم، لكن الكلمات تجمدت في حلقه فجأة، عيناه وقعتا على مشهد آخر تماماً شريف، يقف على بعد أمتار، يراقبهما في صمت، يحمل كيساً بيده، ووجهه ساكن على نحو أربكه

التفت نادر بدوره ليرى ما يشد انتباه يوسف، وعندها تلاقت العيون الثلاثة ثم انحصر كل شيء بين نظرتين فقط
نظرة نادر، الواثقة، المتفحصة، كأنها تتحدى دون كلام، ونظرة شريف، الهادئة في ظاهرها، لكن فيها برق خفي من الغيرة 

تجمد يوسف بينهما، يشعر أن الهواء من حوله تغير، صار أثقل

اقترب شريف بخطوات ثابتة، وجهه لا يحمل سوى هدوء غريب يُخفي تحته طبقات من المشاعر المتشابكة
قال بصوت منخفض لكنه واضح
"صباح الخير"

لم ينتظر رد يوسف، مد يده بالكيس نحوه، حركة سريعة، صامتة، لكنها كانت كافية لتجعل قلب يوسف يختنق في صدره

اخذ الكيس دون أن ينبس بكلمة، وعيناه تتبعان شريف الذي استدار وغادر بخطوات محسوبة، لا سريعة ولا بطيئة

وقف يوسف مكانه للحظات، يشعر بأن الهواء صار أثقل مما يحتمل، وأن قلبه يُعتصر بخيبة 

كان يتمنى لو يعود معه، لو يقول أي شيء يوقفه قبل أن يبتعد، لكن الكلمات خانته كالعادة، لم يستطع أن يحرك ساكناً

رأى شريف يبتعد بخطوات هادئة، ومع كل خطوة كانت المسافة بينهما تتسع كأنها فجوة 
أراد أن يناديه، أن يقول أي شيء لكن صوته اختنق في صدره

كان الخوف من أن يبدو متلهفاً أقوى من الرغبة في البقاء قريباً
ظل واقفاً يراقب حتى غاب شريف بين الزحام الصباحي، عندها فقط شعر بالبرد يتسلل إلى أطرافه

"باي يا نادر"
ودع نادر كي لا يتبعه

ثم بدأ يسير بخطوات مترددة، تارة سريعة وتارة بطيئة، كانت تجسد حيرته وخوفه، كان يسير في الاتجاه نفسه الذي سار فيه شريف، لا يعرف إن كان يطارده أم يهرب من خيبته، لكنه كان يحتاج أن يراه لمرة أخرى، ولو من بعيد

استمر في السير، حتى لمح شريف واقفاً أمام متجر صغير، منحنياً قليلاً وهو يلاعب طفلاً يبدو أنه لم يتجاوز السادسة
كان الطفل يضحك بصوت عالي، وشريف يشاركه الضحك

كان يوسف كل يوم يكتشف جانباً جديداً من شريف، كأنه كتاب لا يُقرأ دفعة واحدة، بل هو هذا النوع من الكتب الذي تستغرق قراءته اياماً

حتى صمته بدا له مريحاً، يشبه بطانية ثقيلة تُلقى على الجسد في ليالي الشتاء الباردة
لم يكن شريف يتصنع اللطف، بل يوزعه ببساطة عجيبة، دون وعي منه ربما

كان حضوره وحده كافياً ليُبدد توتر يوسف، وصوته حين يناديه يحمل شيئاً مطمئناً، كأن خلفه وعداً بالأمان

أحياناً كان يوسف يتساءل في نفسه
كيف يمكن لإنسان واحد أن تكون طاقته بهذا الدفء؟
ثم يبتسم بخفة، ويجيب رأسه
لأنه ببساطة... شريف

عاد يوسف إلى بيته مرهق الجسد، لكنه ما إن تمدد على السرير حتى داهمه الأرق كضيف ثقيل لا يعرف للرحيل طريقاً

ظل يتقلب بين الوسادة والغطاء، حتى مد يده إلى هاتفه وفتح صفحة (بنموت في مصر) التي اعتاد أن يبوح لها بما لا يقدر أن يقوله لأحد
كتب بأصابع مترددة ثم أرسل

"ليه مشاعر الإنسان بضان كده يا أدمن؟ أنا تقريباً شكلي بتعلق بحد مش المفروض أتعلق بيه"

ظل يحدق في الشاشة كأنه ينتظر إجابة من القدر نفسه، حتى وصل الرد بعد دقائق قصيرة
"معلش يا يويو، هو الإنسان كده... هنعمل إيه؟ المهم حاول تحافظ على نفسك، وما تخليش الحب يجرحك"

"بس أنا ماقولتش إني بحبه"
كان يوسف يرى الحب مؤذياً كتجاربه السابقة لذا لم يسمي تعلقه بشريف بالحب 

"حاضر، أنا آسف، ما تسيبش التعلق يجرحك"

"شكراً يا ادمن"

"على إيه؟، أتمنى تبقى أحسن"

"تقترحلي أغنية؟"

"قول كده من الأول، طمعان في ذوقي الموسيقى"
"ماشي يا سيدي، هبعتلك أغنية"

ارسل رابط أغنية وفتحها يوسف باسماً ثم ارسل بإمتنان حقيقي
"شكراً يا ادمن..شكراً بجد"

بدأت أغنية About you

I know a place
It's somewhere I go when I need to remember your face
We get married in our heads
Something to do while we try to recall how we met
Do you think I have forgotten?
Do you think I have forgotten?
Do you think I have forgotten about you?

.

About you



.

23. زهرتان على الطاولة

(هاي هاي يا اصحاب بنموت في مصر، الجو بقى ساقعة بجد الأيام دي، شغلوا أغنية sofia وتعالوا نتكلم شوية
يا جدعان، إحنا عارفين إن الحياة مش وردي طول الوقت. كل واحد فينا شايل هم، وبيضغط على نفسه عشان يعدي اليوم. يمكن تكون مشكلتك اللي بتواجهها دلوقتي حاسس إنها آخر الدنيا، وإنك خلاص جبت آخرك بس دا مش حقيقي
لو حاسس انك تايه خد استراحة واشرب حاجة دافية وافتكر إن لكل جواد كبوة، واننا موجودين، كومينتي كامل من البائسين المتمسكين بالحياة، بندعمك دايماً)

You know I'll do anything you ask me to
But, oh my god, I think I'm in love with you
Standin' here alone now, think that we can drive around
I just wanna say how I love you with your hair down
Baby, you don't gotta fight, I'll be here 'til the end of time
Wishing that you were mine, pull you in, it's alright

جلس يوسف على سريره، يحتضن الغطاء الفرو البني الداكن، ملمسه دافئ كحضن، المطر بالخارج كان ينقر على الزجاج بنغمة متقطعة

كانت الأغنية التي اقترحتها صفحة (بنموت في مصر) تتسلل من هاتفه بصوت شجي، تمتزج بأنفاسه، وتذكره بكل ما حاول يهرب منه طيلة الأيام الماضية

شد الغطاء أكثر حول جسده، كأنه يحتمي من فكرة أكثر من البرد، رأسه مزدحم
صوت شريف وهو يضحك، لمعة عينيه وهو يمد له وردة، طريقته في الحديث، كل ذلك يدور في رأسه كعرض لا نهاية له

كل مرة يحاول يقنع نفسه إن الذي يشعر به مجرد امتنان أو ارتياح مؤقت، لكن قلبه يكذبه كل مرة، ينبض بعناد وكأنه يصرخ
"دا حب، غصب عنك"

مد يده إلى هاتفه، فتح تطبيق الموسيقى، ضغط على الأغنية من جديد. شعر أن الصوت اعمق هذه المرة أقرب، كأنها تغني له وحده
ببطء نسخ رابط الأغنية، تردد، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها رجفة، وأرسلها إلى شريف دون كلمة واحدة

وعلى الطاولة، بجوار حوض السلحفتين الصغيرتين، كانت تقف زهرتان حمراوان تتجاوران في كوب زجاجي بسيط

إحداهما ذبلت أطرافها قليلاً، أما الأخرى فما زالت نضرة، يافعة، كأنها تحمل أنفاس من أهداها

كانت تلك الزهرة الثانية من شريف وضعها له في كيس الإفطار صباح ذاك اليوم دون أن يقول شيئاً، كعادته في ترك الأثر دون ضجيج

تأمل يوسف الزهرتين طويلاً، شعر أن بينهما حكاية تشبه حكايته هو وشريف، واحدة تعبق بالذاكرة، والأخرى تعد بالبداية

ابتسم بخفوت، ثم اعتدل جالساً ومال ناحية الطاولة، مد أصابعه ليلمس الزهرة الحديثة، ملمسها الناعم أيقظ في صدره دفئاً غريباً

كان تأثير الزهرة الثانية أقوى من الأولى، فالأولى بدت له وقتها مجرد مبادرة لطيفة، لفتة عابرة لا أكثر
أما الثانية، بعد أن سبقتها سؤاله إن كان حقاً يحب الزهور، بدت مختلفة تماماً، كأنها لم تكن زهرة وحسب، بل علامة صغيرة على انتباه عميق

كان يوسف يشعر أن شريف يصغي إليه بطريقة لا تشبه أحداً، فكلما أخبره أنه يحب شيئاً، يأتيه به

كما فعل حين قال إنه يحب طهيه ووجبة الافطار التي يعدها، فصار شريف يُعد له وجبته كل صباح، بنفس التفاصيل التي تثير الدفء في قلبه، وكأن اهتمام شريف ينسج حول أيامه طبقة من الحنان لا تُرى، لكن تأثيرها عميق لا يزول

اصدر هاتفه نغمة استلام الرسائل، كان نادر 
"عامل إيه في الجو دا؟"

"زي الفل"

"تيجي نخرج؟"

"صلي على النبي، في الجو دا ما بخرجش حتى من اوضتي"

"ليه كده؟"

"أنا كائن بيتوتي، لو اقدر أعمل بيات شتوي هعمل، بس ما اقدرش، لازم اجري على أكل عيشي"

"عامل إيه في الاجازة؟"
كانت رسالة من شريف 

ابتسم بخجل وعض ابهامه ثم رد
"تحت البطانية"

"بتحب إنت الجو دا؟"

ضحك يوسف لنفسه وبدأ يسجل رسالة صوتية بصوته المليء بالحماس
"بحب اكون تحت البطانية في الجو دا، بحب احساس الدفء وقت البرد، بحب البطاطين الناعمة اللي شكلها حلو، تعرف نفسي اجيب واحدة من اللي معموله بخيط بافي دي بس سعرها عايزلها تبيع كليتك"

أرسلها وهو يبتسم، ثم تابع القراءة في آخر ظهور شريف حتى لمح إشعار التسجيل من الجهة الأخرى

"إيه أكتر لون بتحبه؟"
سأل شريف بنبرة فضولية لم تخلُ من الدفء

"الرمادي الفاتح"

"حلو"

"وإنت؟"
كان يهز قدمه تحت الغطاء وهو يستمتع بمحادثة شريف، كان يمنحه شعور حماس ممزوج بتوتر

"بحب الأزرق"

"حلو"
أعاد الكلمة باقتضاب، لكن صدره كان ممتلئاً بمشاعر أكثر بكثير مما تعبر عنه الكلمة البسيطة، تقلب في سريره محاولاً إخفاء ابتسامته الخجلة والمتوترة في الوسادة
بدأت أفكاره تدور، لا يريد أن تنتهي المحادثة الآن
فتح جوجل بلا هدف، يبحث عن أي شيء يمكن أن يُبقي الحديث مستمرًا، حتى وقعت عيناه على قائمة "الأكثر بحثًا"، وكان من بينها "حساء البصل"

ضحك بخفة، وكأنه وجد طوق نجاة، ثم عاد إلى المحادثة وكتب بسرعة
"بتعرف تعمل اونيون سوب؟"

الرد جاء بسرعة
"طبعاً"
"بعرف كمان اعمل التوماتو سوب"

"لازم تدوقني"

"تعالى بيتي وقت ما تحب واعملك الإتنين"

"بجد!"
كانت ابتسامته الخجولة تعلو وجهه طيلة محادثتهما

"طبعاً، تعرف لو جيت دلوقتي هعملهالك حالاً"

ازدادت ضربات قلبه، وأجاب مازحاً دون أن يخفي خجله
"صعبة، أنا مش قادر أقوم"

جاء الرد الذي قلب كل شيء رأساً على عقب
"اجي اخدك!"
تجمد يوسف في مكانه، اعتدل جالساً بسرعة، يحدق في الشاشة وكأنها فجأة أصبحت أثقل من أن تُحمل، عض إبهامه بتوتر، ثم ترك الهاتف على صدره للحظة وهو يفكر
هل يمازحه؟

وعندما لم يرد ارسل شريف رسالة أخرى بعد أن اتخذ قراره
"أنا جاي اخدك"

"لا..ملوش لزوم تتعب نفسك"
كتبها على عجل، محاولاً تدارك الموقف

لكن الرد كان حاسماً، بصوت شريف نفسه هذه المرة، عميق وواثق عبر رسالة صوتية قصيرة
"أنا خرجت خلاص يا يوسف"

شعر بنبضات قلبه تتسارع، نهض بسرعة لدرجة أنه تعثر في الغطاء ووقع على وجهه بقوة، تحسس وجهه بألم ثم نهض بسرعة فليس لديه وقت لهذا، فتح خزانته وبدأ يفتش على ملابس مناسبة

كأن شيئاً اشتعل في داخله فجأة، خليط من الرعب والفرحة والارتباك
شعر بنبضات قلبه تصطدم ببعضها، ونهض بسرعة من السرير لدرجة أن الغطاء التف حول ساقه وأسقطه أرضاً، ارتطم وجهه بالأرض فتأوه بألم مكتوم، نهض بسرعة، يتلمس وجهه، ثم اندفع نحو الخزانة وبدأ يفتش بجنون، يسحب القمصان والكنزات، يتردد بين الرمادي والكحلي، بين الجينز والبنطال القماشي، كأن الاختيار نفسه صار مسألة حياة أو موت

كانت يداه ترتجفان وهو يحاول تمشيط شعره في المرآة، وقلبه يضرب بإيقاع غير منتظم
كل ما يفكر فيه الآن أن شريف في الطريق وأنه على وشك أن يراه، عن قرب

.

sofia



.

24.شوربة ونقنقة
(ذكر- تسعة وعشرون عاماً)
(أنا مش عارف أبدأ إزاي أو أرتب الكلام، بس أنا فتحت الصفحة وقلت أكتب أي حاجة. أنا بجد مش عارف هو دا كتير ولا دا الطبيعي بتاع البشر. المهم إني ماعشتش يوم حلو وأنا صغير.
وأنا طفل، اتعرضت لاعتداء (اغتصاب) من حد من قرايبنا، ومش مرة واحدة، أكتر من مرة. كنت طفل ومش فاهم أي حاجة، وكنت فاهم إن لو حد عرف هيضربوني، عشان هو قالي كده، كمان أهلي كانوا بيضربوني كتير أصلاً، فكنت خايف أتكلم. ماكانش عندي أي حد أحكي له، ولا عمري عرفت أحضن أبويا ولا أمي. أنا دلوقتي بخاف ألمس أي حد أصلاً.
المهزلة كانت إن في أي مناسبة، كنت بروح أسلم على اللي عمل فيا كده، عادي خالص. كنت بحط إيدي في إيده وكنت ساعتها بقرف من نفسي قرف مش طبيعي، بس يلا مش مشكلة، أنا كده كده قرفان من نفسي على طول.
كبرت وأنا لسه لوحدي زي ما أنا، لا عندي صحاب ولا عندي أي حد في حياتي. حتى اما دخلت علاقة مع واحدة مسحت بيا البلاط وخلتني اموت نفسي عياط. وبرضه قلت لنفسي "عادي، كل الناس كده، بطل تشتكي، حياتك طبيعية وكل ده بيحصل لأي حد."
بس أنا بجد تعبت.)

خرج يوسف إلى الشارع وهو يشعر أن الهواء أبرد مما كان يتوقع، كانت السماء ما تزال رمادية تتساقط منها قطرات خفيفة متقطعة، الأرض مبللة، وواجهات المحلات تلمع من أثر المطر، فيما تسري في الجو رائحة التراب المبتل ممزوجة برائحة الخبز الطازج من المخبز المجاور

كان يوسف يسير بحذر، يضم معطفه حول جسده النحيل، ويمسح بخفة على شعره الذي تشابك من التوتر، داخله كان صخب كامل لا يهدأ

الفرحة، القلق، الخجل، والارتباك المتخفي في هيئة خطوات متسرعة كل خطوة كانت كأنها تقترب من شيء لم يخطط له، لكنه يتمناه أكثر مما يعترف

رآه أخيراً
كان شريف يقف عند الرصيف المقابل، ممسكاً بمظلة سوداء، رفع يده محيياً، وابتسم ابتسامته الهادئة تلك ابتسامة يعرف يوسف تماماً أنها السبب في ضياع تركيزه أغلب الوقت

اقترب بخطوات مترددة، كمن يخشى أن يفسد لحظة يراها مثالية أكثر مما يجب، لم يقل شيئاً في البداية، اكتفى بنظرة قصيرة، ثم تنهد بخفة وقال بصوت أقرب للهمس
"إزيك؟"

لم يرد شريف بالكلام، بل مد ذراعيه نحو يوسف في ذلك الحضن الروتيني الذي صار بينهما عادة ثابتة سلام دافئ بلا مقدمات، لكن كالعادة كان يمنحه شعوراً مميزاً

حين لامست ذراعا شريف كتفيه، شعر يوسف بأن كل برودة الشارع تراجعت دفعة واحدة، وكأن جسده تذكر فجأة معنى الأمان
كان حضناً بسيطاً، لكنه أطول قليلاً من المعتاد، كأن شريف نسي أن يفلته
وربما.. وربما فقط...لم يرد يوسف أن يبتعد أيضاً

كان يسمع دقات قلبه بوضوح، يمتزج صوتها برذاذ المطر على المظلة فوقهما 
لم يتبادلا كلمة واحدة، لأن كل ما يمكن قوله كان قد قيل بالفعل في هذا الصمت الدافئ بين ذراعين اثنين

انفصلا عن العناق ببطء، وكأن الهواء نفسه كان يرفض أن يُعاد توزيعه بينهما من جديد، ظل يوسف ينظر إليه لثوان، وجهه ما زال محتفظاً ببقايا ذلك الدفء الذي يغزو الروح قبل الجسد

مد شريف يده بخفة وقال بابتسامته المعتادة
"يلا نشتري مكونات الأكل اللي هنعمله"

مد يوسف يده بتردد أولاً، ثم تشابكت أصابعه بأصابع شريف، في حركة بدت طبيعية جداً من الخارج، لكنها احدثت في داخله زلزلاً صغيراً، لمجرد ملامسة راحة يده، شعر بحرارة الجلد تمتد إلى أعماقه، بطمأنينة غريبة لا تفسير لها

سارا سوياً تحت المظلة، خطواتهما متناسقة على إيقاع المطر الخفيف، حتى وصلا إلى المركز التجاري الإضاءة البيضاء انعكست على وجهيهما بينما يدفعان عربة التسوق الصغيرة، كان شريف يسير أمام الرفوف باهتمام بالغ، يقرأ المكونات بدقة، يختار الأفضل، يضعها في العربة بترتيب منضبط 

أما يوسف فكان يراقبه بصمت، بعينين تملؤهما الدهشة، كان يرى في حركاته ما يتجاوز الاعتياد، طريقة اختياره للبصل، لمسه الناعم للطماطم قبل أن يقرر أيها سيأخذ، الطريقة التي يبتسم بها حين يجد نوع الجبن الذي يفضله كلها تفاصيل صغيرة جعلته يشعر وكأنه يعرفه منذ زمن بعيد

في تلك اللحظات، لم يكن يوسف يشعر بأنه يتعرف على شخص جديد، بل وكأنه يتذكر شيئاً نسيه منذ وقت طويل

كان الجو حولهما مليئاً برائحة الخبز الطازج والضوء الدافئ، لكن الدفء الحقيقي كان ينبع من جانبه الأيمن، حيث يد شريف المتشابكة مع يده بهدوء وثقة، كأنها تمسح على قلبه وتخبره أنه معه دائماً

بعد أن أنهيا التسوق وعادا إلى بيت شريف، انبعث من الداخل دفء ناعم يضاد برودة المطر بالخارج. دخل يوسف أولاً متردد الخطوات، بينما تبعته رائحة المطر والهواء البارد، فبادر شريف بإغلاق الباب بهدوء

خلعا أحذيتهما عند المدخل، ثم طلب شريف منه خلع معطفه المبلل، وناوله معطفاً من الفرو الرمادي الفاتح، ناعم الملمس بشكل مغري بالملامسة
قال وهو يمده إليه بابتسامة خفيفة
"تعالى، البس دا بدل المبلول."

تردد يوسف لثانية قبل أن يطيعه، خلع معطفه الرطب ببطء، ثم ارتدى المعطف الفرو، وما إن انزلق على كتفيه حتى شعر بدفءٍ يتسلل إلى جلده وكأنه عناق

مرر أصابعه على النسيج وهو يبتسم بخجل، تلك الابتسامة الهادئة التي تشبه طفلاً اكتشف ملمساً جديداً

كان شريف يراقبه بصمت، عيناه تتنقلان بين خصلات شعره المبتلة والابتسامة التي تلمع على شفتيه
شعر بشيء يزحف نحو صدره ببطء دفء يشبه الاطمئنان، لكنه أكثر رقة، أكثر إرباكاً

دخل شريف المطبخ بخطوات هادئة، ضغط على زر المذياع فبدأت أغنية قديمة تنساب، بينما ارتفعت رائحة القهوة التي كان قد حضرها قبل خروجه

بدأ يخرج المكونات من أكياس التسوّق واحداً تلو الآخر، يتحرك بخفة 

دخل يوسف خلفه متردداً في البداية، ثم جلس على الكرسي الخشبي قرب الطاولة، يراقبه في صمت مدهش

كان هناك شيء آسر في طريقة حركته في انحناء كتفيه، في انتباهه البسيط للتفاصيل، في الهدوء الذي يملأ المطبخ كأنه امتداد لشريف نفسه

بعد لحظات من المشاهدة الصامتة، قال يوسف بصوت خافت فيه شيء من الحرج
"أساعدك في حاجة؟"

التفت شريف نصف التفاتة، وعلى وجهه ابتسامة دافئة خفيفة وهو يقول
"بتعرف تقشر بصل؟"

رد يوسف باسماً، فلسبب ما لم تترك الابتسامة شفتيه للحظة
"أيوة"

ضحك شريف وقال وهو يناوله حبة بصل وسكين صغيرة
"يبقى دي فرصتك تشارك"

مد يوسف يده ليأخذ السكين لكن شريف سحبها منه وهو يقول بنبرة هادئة فيها دفء وحرص واضح
"خُد بالك من نفسك، السكينة حامية، ماشي؟"

رفع يوسف عينيه نحوه، ابتسامته المرتبكة لم تخفي أثر المفاجأة في ملامحه، لم يكن معتاداً على أن يُعامله أحد بهذا القدر من اللطف الحذر، كأن شريف يخشى عليه من أبسط الأشياء

أخذ السكين بتردد، وقال
"ما تقلقش، مش أول مرة أمسك سكينة"

رد شريف بابتسامة جانبية وهو يضع المكونات على الطاولة
"برضه خُد بالك"

توقف يوسف لحظة، يحدق في السكين ثم في شريف، وقد شعر بوخزة دفء في صدره، لم تأتي من البخار المتصاعد ولا من المعطف الفرو الذي يلتف حوله، بل من الطريقة التي قال بها الجملة، بسيطة، صادقة، تُشعره بأنه مُهم

بدأ شريف بتحضير الطعام بعناية واحترافية واضحة، كل حركة منه مدروسة: قطع الخضار بدقة، تحريك الشوربة بخفة على النار لتكتسب القوام المثالي، شوربة البصل تفوح برائحتها الغنية بينما الطماطم تترك عبيرها المنعش في المطبخ

ثم أخذ شريف خبز التوست، حمصه بحرص ليكتسب اللون الذهبي المائل للبراقة، وأصبح جاهزاً ليكمل وجبته 

بعد الانتهاء، رص الأطباق على الطاولة بطريقة مرتبة وجذابة، جلسا سوية، وأخذت أصوات الملاعق والضحكات الخجولة تتداخل مع رائحة الطعام الشهية، بينما شعور الدفء والارتياح يملأ الجو بينهما، كأن كل وجبة يحضرها شريف كانت بمثابة طقس صغير يربطهما أكثر ببعضهما

شغل شاشة التلفاز وفتح تطبيق شاهد ثم فتح مسلسل (البيت بيتي) مسلسل كوميدي خفيف ليتسليا اثناء تناول الطعام

"إنت شاطر أوي بجد، لازم تفتح مطعم"
قال يوسف باعجاب وضحك شريف بخفة
"شكراً..بس بحب اطبخ للي بحبهم بس"

جلس يوسف خجلاً أمام كلمات شريف، تشابكت مشاعره بين المفاجأة والخجل والارتباك، قلبه يكافح لينبض في صدره، بسرعة لا يمكن السيطرة عليها

لم يستطع أن يرفع عينيه مباشرة، فإكتفى يإبتسامة خجولة متوترة، وكأن كل كلمة قالها شريف كانت تؤثر فيه مثل شرارة صغيرة تشعل حرارة دافئة في داخله

فجأة، وقع في حيرة بين رغبته في الرد والابتعاد عن الحرج، وبين شعور لا يمكن إنكاره أنه محاط بعناية واهتمام شخص يعني له الكثير
عبارة "للي بحبهم بس" كانت كافية لتجعل كل تفاصيل اللحظة تتوهج في ذهنه، وتجعله يشعر بأن هذا الخجل والارتباك ما هو إلا انعكاس لمشاعر بدأ يكتشفها ببطء تجاه شريف

.


25. باقة من الذنب
(ذكر- تسعة عشر عاماً)
(أنا مسيحي وهي مسلمة...بس كده)

When all I dream of is your eyes
All I long for is your touch
And, darlin', something tells me that's enough, mm
You can say that I'm a fool
And I don't know very much
But I think they call this love

استيقظ يوسف بعد أن غط في النوم على الأريكة وهو يشاهد المسلسل، عيونه ما تزال نصف مفتوحة من أثر النعاس، يسمع أغنية تصدر من المطبخ مع صوت تدفق مياه، مع صوت اطباق، أخذ بعض الوقت ليستوعب أنه نام في منزل شريف للمرة الثانية

نهض ببطء وتوجه نحو المطبخ، هناك، لمح شريف يغسل الأطباق، وعندما لاحظه شريف أغلق الصنبور وجفف يديه في مئزره، ثم قال بقلق 
"خير! ما لحقتش تنام، ناملك حبة كمان"

"لا، أنا كويس، سوري دي تاني مرة أنام في بيتك"
كان محرجاً

اقترب شريف منه بينما تعلو شفتيه ابتسامة ودودة
"ما تقولش كده، البيت بيتك، روح ناملك شوية كمان"

"لا، كفاية كده، هرجع البيت"

"هتمشي دلوقتي يعني؟"
سأل ورد يوسف بإيماءة صغيرة

فتح شريف الثلاجة وأخرج علبتي طعام، ثم فتح خزانة المطبخ وأخرج منها كيساً بلاستيكياً، وضع العلبتين به ثم مده ليوسف
"خد دول معاك"

زاد توتر يوسف
"شكراً"

ابتسم شريف ضاحكاً
"على ايه؟، بألف هنا"

تردد يوسف قبل أن يتحرك، كأن قدميه سُمرتا في الأرض، لم يكن يريد أن يبتعد عن شريف، عن تلك الهالة الدافئة المريحة التي تحيط به وتجعله يشعر بالأمان، لكنه في النهاية انتزع نفسه انتزاعاً، ثم التقط حذاءه ببطء وانتعله، ألقى نظرة أخيرة نحو شريف ولوح له بابتسامة خفيفة قبل أن يفتح الباب

بمجرد أن فتح الباب، لفحه هواء بارد كأنه صفعة من الواقع بعد حضن طويل

تسلل البرد من ياقة معطفه إلى عنقه، ثم تسلل أعمق كأن جسده نفسه يعترض على فكرة المغادرة
شعر بأن الدفء الذي تركه خلفه لا يخص المنزل فقط، بل نظرة شريف وضحكته، وحتى الصمت المطمئن الذي كان يملأ الفراغ بينهما

الهواء في الخارج جاف، يحمل رائحة المطر القديمة، والسماء رمادية كأنها تعكس حالته.
أحكم إغلاق معطفه، لكن البرودة لم تكن في الجو فقط كانت في صدره، في المسافة التي بدأت تتّسع بينه وبين البيت الذي صار دفئه مؤقتاً أكثر مما يحتمل

تفقد اشعارات هاتفه ووجد رسالة من نادر، كانت منذ ساعتين
"إنت في البيت؟"

"سوري لسه ماسك الموبايل...لا"

"طيب إنت فين؟"

"راجع للبيت"

"اوكاي..تمام"

استغرب رده لكنه أكمل طريقه نحو بيته بخطوات مترددة، عقله ما زال عالقاً هناك، في المطبخ، عند صوت الأطباق وصوت شريف وهو يقول
"بحب أطبخ للي بحبهم بس"

لكن ما إن اقترب من الشارع المؤدي إلى منزله، حتى لمح ظلًا مألوفًا يقف على ناصية الطريق، كان نادر، واقفاً تحت عمود إنارة خافت، يحمل باقة زهور بألوان زاهية، تبعث شيئاً من البهجة والدفء وسط ليل المدينة البارد

توقف يوسف مكانه لحظة، وكأن عقله احتاج ثانية ليصدق ما يرى، ثم تقدم نحوه متفاجئاً
"بتعمل إيه هنا؟"

"مستنيك"
رد ببساطة ثم مد له باقة الزهور، تردد يوسف، ثم مد يده وأخذ الزهور وهو يبتسم بخجل لم يستطع إخفاءه
"شكراً، بس ما تعملهاش تاني"

رفع نادر حاجبه مستنكراً
"ليه؟، مش بتحب الورد؟"

"أيوة بس مش هعرف اخبيه من اهلي على طول"
رد وهمهم نادر
"فهمت"
مسح على شعر يوسف ثم مال وقبلَ جبينه قبلة سريعة
"اشوفك بعدين"

غادر نادر تاركاً يوسف يشعر بالبرد، اخفى الباقة في معطفه ودخل المنزل، اتجه مباشرةً لغرفته ووضع الباقة بجوار كتبه ومقالاته واخذ يتأملها

أخرج هاتفه ثم فتح محادثته مع صفحة (بنموت في مصر النسخة السعيدة) 
"جالي بوكية ورد كمان"
"مش عارف أوصف شعوري...بحب اما حد يفتكرني بس لسبب ما حاسس بالذنب"

بدأ يطعم سلحفتيه ويلعب معهما حتى وصله رد
"ليه كده؟، إيه اللي خلى هدية رقيقة زي الورد تحسسك بالشعور دا؟"

كتب يوسف ببطء، بعد تردد طويل
"مش عارف... يمكن عشان بحس إني باخد حاجات مش من حقي كل مرة حد يفتكرني أو يجيبلي حاجة بحس إني مش بستاهلها"
توقف للحظة، ينظر لزهور نادر اللي على الطاولة ثم أضاف 
"الورد جميل، بس بحس كأني بظلمه لما آخده من حد مش بحبه زي ما هو بيحبني، كأني بسرق حاجة مش بتاعتي"

"اوقات يا يوسف، الشعور بالذنب مش دليل إنك غلط، بالعكس، هو دليل إن قلبك لسه حساس وبيفكر في الناس، بس خُد بالك... مفيش قانون بيمنع إنك تتقدر.
مش لازم تكون بتحب الشخص عشان تستحق طيبته.
في ناس بتدي لأنها بتحب، مش لأنها مستنية مقابل، سيبهم يحبوك بطريقتهم.
إنت مش سارق حاجة، إنت بس ناسي إنك تستحق تتحب من غير شروط.
الورد مش دايماً بيتقدم للي شايف نفسه (يستحقه) ساعات بيتقدم للي محتاج يفتكر إنه يستحقه
ممكن يكون الورد هو اللي اختارك"
بعدها وصلته رسالة أخرى
"وبعدين يا سيدي، لو كل الناس فكرت كده مكنش حد هيقبل بأي هدية أبداً "

توقف يوسف عند الجملة الأخيرة، أعاد قراءتها كأنه يحاول أن يصدقها ثم كتب
"بس ساعات بحس إنهم يستاهلوا حد تاني... حد مش متلخبط زيي"

جاءه الرد سريعاً هذه المرة
"محدش بيستحق أكتر من التاني، يمكن الورد جالك عشان يطمنك إنك مش لوحدك في اللخبطة.
اللي بيحبك مش عايز نسخة مرتبة منك، هو عايزك زي ما إنت وفي الآخر كلنا متلخبطين، الفرق بينا بس إن في ناس بتخبي اللخبطة وبتوزع ورد" 

كان حديث صاحب الصفحة مطمئناً، لذا يحب الحديث معه، رغم أنه شخص حازم فيما يتعلق يقوانين الصفحة فهو أيضاً شخص لطيف

أحياناً يفكر في أن كل مرة يتحدث يرد نفس الشخص، رغم أنهم صرحوا أنهم أكثر من شخص يديرون الصفحة لكن في كل مرة يرسل يقرأ رداً بنفس الطريقة، لذا قرر تصديق أن هناك واحداً منهم فقط هو من يرد عليه

ربما يقسمون الرسائل فيما بينهم ويقع حظه عليه في كل مرة، ولكن لا يهم فهو مرتاح بالحديث مع ذاك الشخص المجهول

استلقى على السرير، يحدق في السقف ويفكر
زهرة شريف أم باقة زهور نادر؟
هل يستحقهما حقاً؟

بدأ يشعر بألم في رأسه ومعدته من فرط أفكاره، كان يكره أن جسده يشاركه المه النفسي، ولكنه لا يستطيع ايقافه

"الورد مش دايماً بيتقدم للي شايف نفسه (يستحقه) ساعات بيتقدم للي محتاج يفتكر إنه يستحقه
ممكن يكون الورد هو اللي اختارك"
تذكر كلمات صاحب الصفحة وعندها شعر برأسه يصبح اخف، وبألم معدته يتقلص

ربما يحتاج للتفكير في نفسه أكثر
ربما يستحق هذه الزهور حقاً...

.

I Think They Call This Love



.

26. النجدة

(انثى- ستة وعشرون عاماً)
(عارف لما تحب حد مش المفروض تحبه؟
مش عشان الحب نفسه غلط، بس عشان الناس شايفينه كده.
هي كانت من الصعيد، متربية في بيت كله خوف، كل حاجة عندها ليها قانون، تضحك إزاي، تمشي إزاي، تحب مين... أو بالأصح، ما تحبش مين.
اتعرفنا في رحلة تبع الكلية، صدفة بسيطة وروتينية
قعدت جنبي في الاتوبيس، ضحكتها كانت كفيلة تفتحلي باب معرفتش أقفله من يومها.
كل كلمة وكل حركة بتطلع منها محسوبة، كنت حاسة إنها بتحبني، بس الحب عندها كان زي نار اللي ماينفعش تولعها... حتى لو هتموت من البرد.
حاولت أفهمها إني مش عايزة أكتر من وجودها، بس كانت كل مرة تبعد أكتر، وفي كل مرة كانت بتسيبني فيها، كانت بتاخد جزء مني معاها.
الحب ده ماكنش ذنب، كان خوف، خوفها هي... وخيبتي أنا عشان حبيت واحدة ما ينفعش أحبها
أنا لسه بحبها، ومش عارفة ابطل مع إني عارفة إننا مستحيل نبقى مع بعض)

تمدد يوسف على سريره، يحدق في السقف بعينين متعبتين وهو يستمع للحضرة الصوفية
أدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني

كان الغطاء مرمياً على نصف جسده، والجزء الآخر يرتجف بخليط من البرد والارتباك
قلبه يدق بوتيرة غير منتظمة، يطارده سؤال واحد
كيف يقول لنادر الحقيقة؟
أن وجوده اللطيف يثقله، وأن كل وردة يتلقاها تجعله يشعر وكأنه يخون إحساساً لم يعترف به بعد

تقلب على جانبه، دفن وجهه في الوسادة وعض سفليته بقلق
يفكر أنه ربما يجب أن يصارحه، بهدوء، دون أن يجرحه، فقط ليوقف هذا الخيط من الذنب الذي يخنقه كل مرة يتذكر فيها نظرات شريف

جلس يوسف في الظلام، لا يضيء الغرفة سوى شاشة هاتفه، فتح محادثة نادر، ظلّ يحدق في المربع الفارغ للحروف، تنفس بعمق وبدأ يكتب

"نادر... أنا محتاج أقولك حاجة،إنت شخص محترم ولطيف جداً، 
بس أنا... مش قادر أرد الشعور ده
مش علشان فيك حاجة، العكس، بس أنا مش عارف ارد على مشاعرك نهائي، وكل مرة بتقرب بحس بالذنب، كأني بخدعك أو بخدع نفسي، عشان أكون صادق معاك الأحسن نبعد..أنا اتأكدت إني مش بحس بأي حاجة ناحيتك ومش عايز اظلمك معايا"

توقف لحظة، قرأ الرسالة مرتين، أحس بحرارة في صدره ورغبة غريبة في البكاء من فرط التوتر، ثم ضغط "إرسال"

لم تمر دقائق حتى وصل إشعار جديد
فتح يوسف الرسالة متردداً، وقرأ كلمات نادر التي جاءت مليئة برجاء واضح

"يوسف، أنا مش طالب منك تحبني دلوقتي... ولا حتى قريب، كل اللي طالبه فرصة، ووقت، يمكن لما تتعرف عليا أكتر، أو لما الوقت يخلي المسافة بينا اصغر، تحس بحاجة تانية، ما تستعجلش بالحكم على إحساسك، الدنيا ساعات بتفاجئنا"

ظل يوسف يقرأ الرسالة مراراً، شعر بشيء ثقيل يتكون في صدره، كان يعرف أن نادر لا يستحق القسوة، لكنه أيضاً لم يرد أن يمنحه أملاً زائفاً
تحركت أصابعه ببطء فوق لوحة المفاتيح، ثم كتب بهدوء

"أنا مش عايز أظلمك، ولا أظلم نفسي يا نادر...يمكن اللي بتقوله يحصل، ويمكن لأ، بس اللي متأكد منه إني مش عايزك تتأذى، إنت ما تستاهلش دا مني"

أرسلها، ثم ترك الهاتف جانباً كأنه تخلص من حجر كان يثقل روحه

اخذ غفوة قصيرة ثم استيقظ، وفوراً امسك هاتفه ليتفقد ما فاته، كانت هناك رسالة من نادر، لم يكن مستعداً لقراءتها لذا فتح محادثته مع صفحة (بنموت في مصر)

"أنا حاولت اكلم الراجل اللي مش بحبه بحزم المرة دي واحطله حدود، عارف إن كلامي مش هيأثر كتير بس على الأقل حاولت"

بعد ما يقارب الدقيقة وصله رد
"هايل!، كده المفروض تحس إنك أحسن وتبطل جلد ذات"

ابتسم يوسف ضاحكاً ثم ارسل
"أتمنى..نفسي بس وجع جسمي يخف"

"سلامتك، حصلك حاجة ولا إيه؟"

"لا، هو بيجي فجأة وبيمشي فجأة"

"هو الوجع اللي بيجيلك عامل إزاي؟"

بدأ يوسف محاولة كتابة ما يشعر به، كان متوتراً ومشوشاً فلم يسبق أن شرح شيئ كهذا من قبل، كان يحاول تحديد ما يؤلمه وما يشعر به بالضبط
"يعني...صداع، وجع بطن على صدر، خنقة، وأوقات بيقلب بأرتعاش أطراف"

"ما فكرتش تروح لدكتور؟"

"عشان إيه؟، كشفت انيميا وعظام طلعت زي الفل"

"دي اعراض انجزايتي اتاك يا يوسف مش انيميا"

تفاجأ يوسف
"بجد؟"

"أيوة..روح لدكتور نفسي يساعدك"

"بس أنا جبان أوي، وآخر تجربة ليا مع الدكاترة النفسيين كانت وحشة"
ارتسمت على وجهه نظرة شاردة، غاص في ذاكرة لا يريد تذكرها

آخر مرة حاول فيها أن يُشفى، كانت أيامه معلقة بين العمليات والجلسات النفسية

كان يجلس أمام الطبيب، يحكي ما يؤلمه على أمل أن يُفهم، لكنه لم يجد سوى خيانة جديدة فكل ما قاله، وصل إلى والده
وعندما يعود إلى البيت، لم يكن يجد عناية أو فهماً بل توبيخاً قاسياً وأسئلة تُطارده كاتهامات

منذ تلك الأيام، تعلم يوسف أن الحديث مع الطبيب النفسي خطر، وأن طلب المساعدة قد تكون وجهاً آخر من وجوه الألم

لم يعد يثق بسهولة، فكل كلمة تخرج من فمه باتت محسوبة، وكل محاولة للبوح تنتهي بصمته الطويل نفسه، كأن الخوف أمسك بلسانه، وأغلق عليه الباب من الداخل

"مش عشان تجربة وحشة هتلغي الطب النفسي خالص!، اسأل حد من صحابك على دكتور ثقة، وبالمرة خده معاك يشجعك"

بدأ يفكر ثم فتح محادثة الشخص الوحيد الذي يخبره بكل شيئ في حياته بشفافية، كما أن لديه تجارب كثيرة مع الأطباء النفسيين ويستطيع تمييز الجيد من السيئ

سلمى

"ساسي تعرفي دكتور نفسي كويس؟"
أرسل واخذ يعض ابهامه بتوتر، يفكر في حذف الرسالة والإنسحاب

"الا أعرف!، دا أنا معرفش إلا الدكاترة النفسيين، إنت نسيت ولا إيه؟"

"تعرفي حد كويس ليا أنا"

"أعرف طبعاً، فاضي امته اخدك؟"

فكر يوسف سريعاً بأن عليه اختيار موعد قريب قبل أن يغير رأيه
"بكرة؟"

"عنيا، هبقى اجي اخدك"

"شكراً ساسي"
رد وهي تجاهلت شكره فهي لا تعترف بالشكر بين الأصدقاء

تفقد الوقت ثم رتب مظهره ليذهب لعمله، كان يقوم به بروتينية لكنه كان يشعر بأن الحمل على صدره أصبح أخف لأنه صارح نادر بأنه لا يحمل تجاهه أي مشاعر

فتح مجموعة أصدقائه ووجدهم يتحدثون عن عرض سيقوم أيهم بتقديمه، التزلج على الجليد، كان أيهم متعدد الهوايات، يحب الرقص، التزلج على الجليد، التمثيل، العزف على الجيتار والنحت

سبق وتم تشخصيته بفرط الحركة وتشتت الإنتباه، فقد كان طفلاً نشيطاً ومراهقاً يعشق المغامرة

"اعزموا حبايبكم بس بلاش الاكسات عشان سلمى ما تفشخكمش"
قرأ رسالة أيهم وعندها ضحك بخفة

"مساء الخير!"
رفع وجهه من على الهاتف ليرى القادم، كان شريف، كان المتجر فارغاً، وكان يوسف يقف وحده لأن عادل خرج كعادته 

فور التقاء عينيهما ابتسم يوسف بسعادة حقيقية
"مساء الخير"

لن يكذب..هو حقاً يشعر بإنجذاب تجاه شريف، لكن كيف سينتهي الأمر؟

وضع شريف كيساً بلاستيكياً على الطاولة، كان أسود اللون هذه المرة، مد يوسف يده ليستكشف ما به، فوجد زجاجتي فودكا

"تشرب معايا؟"
سأل شريف بطريقته التي تجعل يوسف عاجزاً عن الرد

لكن ماذا لو زل لسانه وأخبره أنه معجب به؟
"أنا مش شاطر في الشرب"
رد بإرتباك واضح

"وأنا عمري ما شربت قبل كده"
رد ولم يصدقه يوسف
"بس إنت سألتني قبل كده عن اي دي"

"كنت بفكر أجرب يومها، واما قولتلي مافيش اعتبرتها اشارة اني ما اشربش"
كان رده مقنعاً تابع بعدها
"بس أنا مش بجبرك تجرب"

كيف يمكنه تجاهله وهو ينظر إليه بهذه النظرات؟
هل نظراته تبتزه عاطفياً أم أنه هو الضعيف عندما يتعلق الأمر به؟

تنهد بقلة حيلة
"فاين، هشرب معاك"

"اوعى يكون غصب عنك!"
نبهه وضحك يوسف
"أنا محدش يقدر يخليني أعمل حاجة غصب"

"هعدي عليك الصبح"
لوح له شريف ثم غادر وأخذ الكيس معه تاركاً التوتر يمتزح بالحماس داخل يوسف
.

ادين بدين الحب



.

27.كل شيئ بينسرق مني

(ذكر- اربعة وعشرون عاماً)
(أنا مش عارف أبدأ منين ولا أقول إيه، بس أنا تعبت من جوايا
أنا خاطب بنت محترمة، كويسة أوي، ومفيش فيها حاجة تعيبها، بس كل مرة ببص في وشها بحس إني بعمل حاجة غلط، مش قادر أحبها، مش قادر أكون معاها زي ما المفروض أي راجل يكون مع خطيبته.
كل الناس شايفاني عادي، بس أنا عارف إن جوايا حاجة مش ماشية صح، جوايا ميول تانية، مش عايزها، بخاف منها، وبكره نفسي لما بحس بيها. بحس إني لو سيبت نفسي ليها، هضيع، ربنا مش هيرضى عني
أنا بحب الرجالة حاولت كتير اغير دا حتى خطبت عشان اشغل نفسي بس فشلت، مش قادر احبها.. أنا مش قادر أعيش الكدبة دي. مش قادر أمثل إني كويس وأنا كل يوم بحارب نفسي. بحاول أقنع نفسي إن دا اختبار، إن ربنا بيشوفني هقدر أقاوم ولا لأ، بس الصراع دا بيأكل فيا.
أنا مش بطلب منكم حل، بس كنت محتاج أتكلم يمكن الكلمة تريحني شوية يمكن لما أقولها وأبطل أخاف من الصوت اللي جوايا)

كان شريف واقفاً أمام المتجر، ينتظر يوسف بصبر وهدوء، ويداه في جيب معطفه بينما تتسلل أنفاسه في الهواء البارد كسحابة صغيرة بيضاء
وما إن خرج يوسف من الباب الزجاجي حتى ارتسمت على وجه شريف ابتسامة دافئة، ثم تقدم نحوه دون أن يقول شيئاً، وشبك يديه معه

سارا معاً في الشارع المبتل، وصوت خطواتهما يختلط بقطرات المطر المتناثرة، لم يتبادلا الكثير من الكلام، لكن دفء اليدين كان كافياً ليقول كل ما عجزا عن التعبير عنه

وحين وصلا إلى منزل شريف، خلع معطفه ووضعه جانباً، ثم قال بابتسامة 
"أنا جهزت الفطار"

جلسا إلى الطاولة الصغيرة في المطبخ، تناول يوسف لقيماته الأولى بصمت متردد، بينما كان شريف يتحدث بهدوء عن أشياء بسيطة الطقس، الزحام، وموسيقى سمعها في الطريق
كان في صوته شيء مطمئن، كأن نبرته وحدها تكفي لتسكن الاضطراب الذي يجيش في صدر يوسف

وحين انتهيا من الإفطار، نهض شريف واتجه نحو الخزانة الخشبية واخرج منها زجاجتي فودكا بطعم جوز الهند، رفعها قليلاً وقال بابتسامة جانبية
"يلا!"

ارتبك يوسف للحظة، لكنه أومأ بالموافقة فقد سبق ووافق على هذا، ناوله شريف زجاجة، وأمسك يوسف بالزجاجة محاولاً فتحها، لكن أصابعه المرتجفة لم تساعده
اقترب منه شريف بخفة ومد يده قائلاً بهدوء
"هات، أنا هفتحها"

اخذ الزجاجة من بين يديه وفتحها بسهولة، ثم أعادها إليه مبتسماً

قال يوسف بخجلٍ وهو يشيح بنظره عنه
"شكراً"

ضحك شريف بخفة وبدأ يرتشف من زجاجته
"طعمها مش وحش..بتلسع شوية زي الصودا"
كان يعلق على تجربته الأولى للفودكا

ارتبك يوسف أكثر، وشعر بحرارةٍ خفيفة تزحف إلى وجنتيه، ثم رفع زجاجته وبدأ يشرب بحذر

"تحب نسمع حاجة؟"
سأل شريف وعندها أخرج يوسف هاتفه ثم شغل ومالي سواك

قهقه شريف وعندها قال يوسف بسرعة
"إيه؟"

"بتفكرني بواحد صاحبي بيحب يحشش على الحضرات الصوفية"
رد وأشار ليوسف أن يشرب المزيد 

ومالي سواك يا عزيز إليه أشكو
من نفسٍ توسوسني
وتبكيني وتقسو
وأعلم أنك الرزاق وحدك
وقد قدرت لكل الخلق رزقاً

انهيا الزجاجتين وبعد دقائق بدأ رأسهما يصبح خفيفاً فبدأ شريف سلسلة قهقهات وتبعه يوسف

"إنت حلو أوي اما بتضحك"
قال يوسف بثمالة وهو ينظر إلى شريف

توقف شريف عن القهقه ثم مد يده ليلمس بكفه وجه يوسف ولم يمانع يوسف الأمر بل أغمض عينيه ليشعر بلمسة كفه الدافئة على خده
"إنت حلو في كل الأحوال"

صفع يوسف يده
"ما بحبش السويت تولكرز"

"بس أنا بتكلم بجد"
رد ثم خلل أصابعه في شعره 
"عملت إيه مع البنت اللي كنت بتكراش عليها؟"
سأل لأن يوسف قبلاً سبق وأخبره بأن هناك فتاة تعطيه اشارات متضاربة

"يهمك أوي كده؟"

همهم شريف وتظاهر باللامبالاة
"يعني...شوية"

"مش هقولك"
رد بعناد طفولي

"اما ابقى غني هشتري السوبر ماركت اللي بتشتغل فيه وهتبقى شغال عندي"
عانده بدوره

"وبعدها تتجوزني وتستتني وارتاح من العبودية؟"
سأل ورد شريف بلا تفكير
"لا"

عبس يوسف ثم بدأ محايلته
"مش هطلب لا شبكة ولا مهر، بس أرتاح من العبودية"

"ليه فاكر نفسك صفية وأنا محمد؟"
قال وعندها اختنق يوسف واخذ يسعل، بدأ شريف يربت على ظهره حتى عاد للتنفس بشكل طبيعي

"بلاش ازدراء أنا مش عايز ادخل جهنم"

"إنت مؤمن بجد يا يوسف؟"
سأل بجدية وتلاه صمت طويل

همهم يوسف وهو يحاول ترتيب الكلام في رأسه لكن الكحول كان يمنعه لذا تنهد وقرر الحديث بلا تفكير
"مش عارف بصراحة، مش عارف هل ايماني نابع من الخوف إني لو قررت اكفر فا دا معناه اني هدور اكتر على حاجة تانية اقتنع بيها، ولا عشان أنا حاسس الدين فعلاً مش سيئ بالكامل..اصلي مش هكدب، أنا مش شايف الدين صح في كل حاجة، ومش عاجبني حاجات كتير فيه، بس لسه ما وصلتش لدرجة الكفر"
نظر لشريف الذي كان يستمع إليه بتركيز ثم أضاف
"فاهمني؟"

"يوسف إنت بتاخد الحلو منه وترمي الباقي"
قال وعندها صفق يوسف
"صح...شاطر"

"ودا مريحك؟"

"شوية..شوية"
كان يتمتم ثم قال بجدية بنبرة مرتعشة
"أنا خايف"

"من إيه؟"

"خايف اروح لدكتور نفسي واطلع مريض بجد"

"إيه المشكلة؟، نص الشعب محتاج علاج نفسي، دا مش وصمة"
حاول شريف التخفيف عنه وطمأنته

"أنا مش هعرف اتعامل مع نفسي لو طلعت مريض، ممكن اتجنن"
ضم فخذيه لصدره وهو يجلس على المقعد، محتضناً اياهما بقلق حقيقي وبدأ يعض شفتيه
"أنا خايف"

"مافيش الكلام دا، المرض النفسي شيئ عادي وناس كتير متعايشين معاه"

"مش أنا يا شريف...أنا بخاف...أنا جبان، أنا بحب أكون تايه أحسن ما اللاقي طريق مليان شوك"
كان يحدق في الأرض وهو يتحدث وكأنه جسد بلا روح

"ممكن اساعدك تكسر الشوك دا"

رفع رأسه لينظر لشريف
"لا"

قهقه شريف بسبب رد يوسف السريع ثم تنهد
"للدرجة دي بتكرهني؟"

مد يوسف يده في تردد ثم ما لبث أن تشابكت أصابعه مع أصابع شريف، كانت يده دافئة على نحو غريب، كأنها تعيد إليه شيئاً من اتزانه المفقود
"لا"

"لا إيه؟"
رفع شريف حاجبيه بدهشة خفيفة، ابتسامة صغيرة تتسلل إلى وجهه

هز يوسف رأسه، نظر إليه بعينين نصف مغمضتين، تغشاهما سُكره وضعفُه، وقال بصدق يندر أن يظهر على وجهه
"أنا مش بكرهك"

سكت شريف، ولم يجب، كأن الكلمات لامسته في مكان يعرفه جيداً، اقترب منه قليلاً، ثم رفع يده يلمس خده برفق، إبهامه مر على بشرته ببطء كأنما يخشى أن يوقظه من حلم، أغمض يوسف عينيه في استسلام، يتنفس بعمق، يشعر أن العالم أخيراً توقف عن الدوران

قال شريف بصوت خفيض أقرب إلى الهمس
"صوتك حلو يا يوسف.. ما تغني"

"عايزني أغني إيه؟"

فكر شريف لثواني ثم رد
"منير..شجر اللمون"

ساد الصمت، واعتقد شريف أن يوسف غفا، إلى أن سمع صوته المتعب يبدأ يغني، كأن الأغنية تخرج من عمق مكسور فيه
كام عام ومواسم عدو
و شجر اللمون دبلان على أرضه

كان يوسف يسترجع الكلمات بصعوبة، صوته متردد لكنه صادق، يغني وكأنه يبوح بشيءٍ لم يجرؤ على قوله من قبل
تابع، وعيناه مغمضتان

وفينك؟
بيني وبينك أحزان ويعدوا بيني وبينك أيام وينقضوا
شجر اللمون دبلان على ارضه

ثم صمت
صمت يشبه نهاية معركة طويلة
أدرك شريف أنه نام بالفعل، فمال برأسه برفق ليجعله يستريح على المقعد، ثم حمله بين ذراعيه بحذر، كان جسده ينساب في حضنه بخفة، ورائحة شعره تختلط برائحة الفودكا وقطرات المطر

في غرفة النوم، وضعه على السرير ببطء حريص، سحب الغطاء فوقه، ثم انحنى وقبله على خده قبلة خفيفة كأنها بديل لكلمات كثيرة لم تُقال.
همس في أذنه وهو يبتعد
"تصبح على خير... يا يوسف"

كان شريف على وشك أن يغادر الغرفة، خطواته خفيفة يخاف أن يُفسد هدوء اللحظة، مد يده نحو الباب ليغلقه خلفه، حين سمع صوتاً واهناً يتسلل من خلفه

همس بالكاد يُسمع، لكنه حمل اسمه بوضوح تام
"شريف..."

تجمد في مكانه
التفت ببطء، نظر إلى يوسف المستلقي على السرير، عيناه مغلقتان، ووجهه مائل قليلاً على الوسادة، يتنفس بعمق وهدوء، لم يكن مستيقظاً كان يحلم... به كما يبدو 

.

ومالي سواك



شجر اللمون



.

28. أيام ممطرة
استيقظ يوسف ببطء، غارقاً بين دفء الغطاء ورائحة تعبق في المكان... رائحة يعرفها جيداً، تمتزج برائحة خشب رطب، المسك، والصابون، رائحة شريف
أغمض عينيه للحظة، يتنفسها بعمق كأنها تُعيد ترتيب أنفاسه المبعثرة، ثم تقلب على جانبه مبتسماً دون وعي، جسده مسترخي وكأن الطمأنينة قررت أخيراً أن تزوره بعد أيام كان يطارده الأرق فيها

لكن شيئاً ما بدا غير مألوف
فتح عينيه قليلاً، تفحص السقف، الستائر، الضوء المتسلل من النافذة، ثم انتفض فجأة وجلس 
اتسعت عيناه وهو يدور بنظره في الغرفة الهادئة التي تعبق بتفاصيل لا تخصه، الصور على الجدار، الكتب المتناثرة على الطاولة، قميص أسود معلق خلف الباب

ابتلع ريقه بارتباك، وصوت في رأسه يهمس بيقين خافت
"دي أوضته... أوضة شريف!"

نهض يوسف على عجل، لم ينتبه لغطاء السرير الذي تشابك بساقه، فتعثر وسقط على الأرض فجأة

ارتطام جسده بالأرض كان قوياً، جعله يتحسس انفه متألماً، ودفقة حرارة خفيفة تمر في جسده من المفاجأة، ثم جلس على ركبتيه محاولاً استجماع تركيزه

كانت أنفاسه متقطعة، قلبه ينبض بسرعة، وعيناه تبحثان في الغرفة، يحاول أن يتأكد أن كل شيء حقيقي وأنه لم يعد يحلم، بينما قلبه لا يزال مشدوداً بين الحيرة والدهشة والدفء الذي تركته رائحة شريف في المكان

فتح شريف الباب بسرعة، وعيناه تمتلئان بالقلق، وسأل بسرعة
"انت كويس؟"

حين لمح يوسف شريف واقفاً هناك، ارتفعت حرارة وجهه فجأة، وتملكه إحساس غريب بين الإحراج والارتباك، وكأن كل خجل العالم قد تكدس في صدره دفعة واحدة، قلبه خفق بسرعة أكبر، وأنفاسه أصبحت متقطعة، وهو يحاول أن يبتسم بطريقة طبيعية بينما يومأ بالإيجاب رغم الحرارة التي اجتاحت وجهه

يوسف خفض رأسه، ويداه ترتجفان قليلاً وهو يهمس بإحراج
"أنا آسف... معرفش ازاي نمت كده"

ابتسم شريف بلطف، ورفع يده ليطمئنه بهدوء، وقال بصوت دافئ محاولاً التخفيف من حدة إحساسه بالذنب
"ما تقولش كده... البيت بيتك"

شعر يوسف بالدفء يتسلل إلى قلبه، وكأن كل التوتر والحرج بدأ يذوب أمام لطف شريف وحنانه

ساعده شريف على الاستقامة، واقفاً بجانبه يدعمه بلطف، بينما شعر يوسف بوخز الألم يتسرب إلى صدره مع كل نفس، وكأن الهواء نفسه ثقيل ومؤلم
قرر على الفور التظاهر بأنه مضطر للمغادرة ليهرب من هذا الألم، فنهض بسرعة، انتعل حذاءه وارتدى معطفه بعجلة، هارباً من إحساسه

وما إن خرج إلى الهواء البارد حتى بدأ يحاول تنظيم أنفاسه، كل شهيق وزفير كان مصحوباً بألم حاد، بينما قلبه يرفرف بين إحراج وارتباك وحنين دفين لدفء شريف الذي تركه وراءه

مع الألم الذي يسري في صدره ومع كل نفس، تذكر يوسف أنه تحدث مع سلمى عن الطبيب النفسي سابقاً، ففتح محادثتها على وتساب وسألها 
"امتى ممكن نشوف الدكتور؟"

جاء الرد سريعاً 
"حالاً لو عايز"

تنهد يوسف بارتياح وأرسل
"بليز"

شعر أنه لم يعد يحتمل الألم المتفاقم، وأنه في أمس الحاجة للمساعدة

اصطحبته سلمى إلى العيادة، وكان يوسف يسير بخطوات متوترة، كل حركة منه تعكس شعوره بالقلق والارتباك

حتى دخل إلى الغرفة، كانت الطبيبة تتابعه بعينين حريصتين وابتسامة لطيفة، سألته بهدوء
"حاسس بإيه؟"

كانت الطبيبة تبدو لطيفة، لكنها لم تمحُ التوتر الذي يتكوم في صدره

اجاب بصعوبة
"حاسس إن التنفس صعب"
بدأ يسعل ثم توقف وحاول تنظيم أنفاسه بينما ترتعش يديه

"طب هقولك أعراض وتقولي أه أو لأ، ماشي؟"
سألت بلطف وهو اومأ بالايجاب

"حاسس بخنقة؟"
اومأ بالايجاب وعندها تابعت
"حاسس إن نبض قلبك سريع، وبغثيان، وجع في بطنك ودوار؟"
اومأ وهي تابعت
"حاسس بإن راسك زحمة أوي ومش عارف تفكر في حاجة محددة؟"
كرر الايماء وتابعت
"جسمك بيترعش، ايديك...رجليك بتواجه صعوبة في السيطرة عليهم؟"

راقبته وهو يومأ ثم قالت
"اوكاي يا يوسف، دي أعراض انجزايتي اتاك، وحلها بالادوية، عندك قابلية إنك تاخد ادوية؟"

"أنا بشتغل"
كان قد سمع أن الادوية تؤثر على التركيز وتسبب النعاس لذا لم يكن يحب فكرة اخذ الأدوية

"مافيش مشكلة، نكتبلك ادوية مش بتنيم، ممكن تتعب بس في أول اسبوع بعدين جسمك هياخد عليها، بس قولي الأول، عندك أفكار انتحارية؟"

هز رأسه بالسلب وتابعت
"بتعمل أي نوع من أنواع السيلف هارم؟"
مجدداً هز رأسه بالسلب وعندها أمسكت قلمها وبدأت تكتب وهي تتحدث 
"كويس إنك ملتزم بشغل، اشغال النفس عن التفكير حاجة كويسة جداً، في حاجة حابب اني أعرفها؟"
لم ترد أن تضغط عليه أو أن تجبره على الحديث، ارادته أن يروي ما يريد فقط

اومأ بالسلب وعندها مدت له الورقة
"لو اعراض الانجزايتي اتاك لسه بتجيلك مع الادوية رجاءاً ترجعلي عشان اكتبلك حاجات تانية، ولو عندك أي أسئلة رقمي موجود في الروشيته ابعتلي على وتساب"
انهت حديثها بابتسامة ثم سألته
"عندك أي أسئلة؟"

"لا، شكراً"
رد بتوتر

"انبسطت اني شفتك النهاردة يا يوسف"
ودعته بابتسامة وفور خروجه عانقته سلمى ثم طبعت قبلة على خده

"شطور، هجيبلك حاجة حلوة"
عانقت ذراعه وسحبته ليخرجا من العيادة

أخذته لمتجر واشترت له كيس حلوى الجيلي المفضلة لديه، كانت تتجول في المتجر وهي تتمايل راقصة بينما تغني أغنية، يتبعها يوسف وهو يضحك

تحب سلمى نشر طاقتها السعيدة ويسميها أصدقائها (قاتلة الخوف) فهي لا تخاف من أي شيئ، لا تخاف نظرات الناس أو احكامهم، لا تخاف حتى أن تمسك بسكين وتطعن رجلاً يزعجها

ستقوم بتقبيل حبيبتها في منتصف الشارع وإذا إعترض احد ستقطع لسانه...بل سيكون محظوظاً إن اكتفت بلسانه فقط

ترى سلمى أن الصداقة علاقة مقدسة لا يفترض أن تلوثها العلاقات الأخرى، لذا لم تعرف حبيبتها بأصدقائها، تروي لهم عنها وتروي لها عنهم أحياناً، ويرون صورهما معاً، لكنها لم تجمعهم أبداً 

اشترى شريط من كل دواء وتردد قبل أن يبتلعه لكنه ابتلعه في النهاية، كانت المعلومات المغلوطة عن الأدوية تطارده رغم أنه يعرف أنها معلومات مغلوطة لكن قلقه يجعله يفكر بها

اخفى الادوية داخل درج سري ثم خرج ليلعب مع اولاد شقيقاته، في البداية كان الألم يسبب له الصداع والشعور بالإختناق، كان يخرج كثيراً من المتجر ليتنفس الهواء البارد ليشعر بأنه حي

"يوسف"
كان نادر الذي إقترب وسأل بقلق
"إنت كويس؟، وشك مخطوف"

حاول الاقتراب منه ليسنده لكن يوسف منعه
"نادر خلاص، لو سمحت ما تقربش مني"
قالها بحزم رغم أنه لم يكن متزناً بالكامل

عاد لداخل المتجر ليكمل عمله، ومع صباح اليوم التالي مر شريف ليصطحبه للمنزل كالعادة، كان يوماً ماطراً، عندما تقابلت عينيهما لاحظ شريف كم يبدو متعباً
"إنت كويس؟"
سأل بقلق، فمال يوسف برفق ليضع رأسه على صدر شريف، كمن يبحث عن ملاذ من ثقل التعب وأصوات المطر المتناثرة على الأسطح والزجاج

"أنا تعبان أوي"
همس بصوت خافت، يحمل بين كلماته الإجهاد والبرد الذي تسلل إليه من الأمطار المتقطعة التي بدأت من الصباح الباكر

بدأ شريف يمرر يده برفق على رأسه نزولاً إلى ظهره، بحركات هادئة وملطفة، وكأن كل لمسة منه تحمل دفءً يخفف من برودة الجو المبلل
"حاسس بإيه؟"

"تقريباً جالي برد من اليوم اياه"
كان يتحدث عن اليوم الماطر

"ممكن اخدك بيتي واعملك حاجة تشربها؟"
سأل بلطف وهو يحرك يده على ظهره

"بليز"
ترجاه مستسلماً فهو كان يشعر بجاحة ليد تمد له العون، يداً غير يد عائلته الذين يزيدون توتره

وجود شريف مريح نوعاً ما
ورغم أن فكرة وجود علاقة حقيقية بينهما كانت تبعث في داخله شعوراً مختلطاً من التوتر والخوف، فإن مجرد قربه، ولمساته الهادئة، ونبرة صوته الدافئة، كانت كافية لتسكين معظم تلك المشاعر المضطربة

كل خطوة مع شريف، وسط المطر والجو البارد، كانت تمنحه شعوراً بالطمأنينة، شعور بأن هناك من يهتم به حقاً، وأنه ليس وحده في مواجهة برودة العالم 

.

2٩. كبر البحر وبعد السما

فتح شريف باب منزله، كان صوت المطر بالخارج يتسلل معهما إلى الداخل 
تقدم شريف بخطوات هادئة، يتفقد وجه يوسف المتعب، بينما الأخير بالكاد يرفع رأسه

ما إن دخلا حتى جلس يوسف على الأريكة، أطلق تنهيدة طويلة وغطى وجهه بكفيه

قال شريف وهو يضع معطفه جانباً
"ادخل نام على السرير"

هز يوسف رأسه بعناد 
"أنا تمام هنا"

اقترب شريف دون كلام، ثم انحنى أمامه 
"قوم بس، الكنبة مش احسن حاجة"

ولم ينتظر جواباً وضع ذراعه اليمنى خلف ظهره واليسرى تحت ركبته ورفع جسده برفق، يوسف حاول الاحتجاج لكن صوته خرج مبحوحاً

حمله شريف حتى الغرفة، أزاح الغطاء ووضعه على السرير بحذر، ثم جلس بجواره للحظة يتأكد أنه مرتاح

قال شريف وهو يعدل الغطاء فوق يوسف
"إرتاح شوية، هجهزلك شوربة فراخ"

هز يوسف رأسه بلا مقاومة، التعب كان ظاهراً على وجهه، عينيه نصف مغلقتين، وجهه شاحب، وصوت المطر بالخارج صار خلفية مهدئة رغم كل ما يضج في داخله

نهض شريف متجهاً إلى المطبخ، خطواته ثابتة على أرضية الشقة
بعد دقائق، تسلل من المطبخ لحن هادئ، أغنية بصوت فيروز 

شايف البحر شو كبير، كبر البحر بحبك
شايف السما شو بعيدة، بعد السما بحبك
كبر البحر وبعد السما، بحبك يا حبيبي يا حبيبي
يا حبيبي بحبك

أغمض عينيه، واستسلم لذلك المزيج الغريب من الأمان والحنين، كأن المطر، والدفء، وصوت فيروز اتفقوا معاً على تهدئته

فتح يوسف عينيه على لمسة خفيفة على كتفه وصوت دافئ يقول
"معلش إني بصحيك، بس كُل وارجع نام تاني براحتك"

كان شريف واقف بجانب السرير، يحمل طبق الحساء بين يديه، ورائحة الدجاج الدافئة تتصاعد من الطبق، صوت قطرات المطر التي تصطدم بزجاج النافذة جعلت الجو أكثر دفئاً

مد يده ليوسف وساعده على الجلوس بحرص، يده ثابتة وحنونة كأنها تحمل طفلاً
تنهّد يوسف وهو يحاول التماسك، شعر بصداع خفيف، وجسده كان أثقل من أن يتحكم فيه، مد يده للمعلقة لكنه كان شبه نائم، فسقطت المعلقة في الطبق وتناثرت بضع قطرات على كنزته ووجهه

شعر شريف بالقلق لكنه تنهد براحة أن الطبق لم يسقط أيضاً وقال بصوت منخفض فيه حنان ممزوج بتوبيخ لطيف
"خلاص، هأكلك أنا"

جلس على طرف السرير، وأمسك المعلقة، يوسف لم يعترض، فقط أغمض عينيه قليلًا
كل ملعقة كان يتناولها ببطء، وصوتها وهي تلامس الطبق صار موسيقى ناعمة في الخلفية

بين كل لقمة وأخرى، كان شريف يمسح زاوية فم يوسف بمنديل، بحذر واهتمام 

علق يوسف بصوت مبحوح بالكاد يُسمع
"طعمها حلو"

ابتسم شريف دون أن يرد، فقط نظر إليه نظرة طويلة فيها مزيج من الراحة والشيء الآخر الذي لا يُسمى
وحين أنهى الطبق، وضعه جانباً، وساعده على الاستلقاء مجدداً، يسند رأسه على الوسادة ليعود للنوم

راقبه شريف وهو يغط في النوم ثم تنهد، مد يده برفق ليلمس يد يوسف، كان يسترجع ذكرياتهما معاً

في البداية ذكريات المرحلة الإعدادية ثم لقاءهما الأول، هو متأكد تماماً أنه يوسف نفسه، ومتأكد أن يوسف يعرفه فهو قد ناداه باسمه بدون أن يعرف بنفسه

لقد مر شريف بالكثير خلال تلك السنوات، تغير وتعلم دروساً كثيرة، ثم جمعهما القدر مرة أخرى، ليذكره بأنه لا يستطيع الهرب بسهولة من افعاله

جلس شريف على حافة السرير يراقب يوسف وهو يغط في نوم عميق، أنفاسه هادئة، ملامحه مسترخية، كان المطر بالخارج لا يزال ينقر على الزجاج بإيقاع رتيب

زفر شريف تنهيدة طويلة، امتزج فيها الحنين بالذنب، ثم مد يده ببطء، يخشى أن يوقظه، ولمس أطراف أصابع يوسف، كانت يده دافئة بسبب الحمى، ملمسها يعيده سنوات للوراء... إلى تلك المرحلة الإعدادية بدأ فيها كل شيئ

تنهد شريف، ورفع يده ببطء ليمرر أصابعه على شعر يوسف، ثم تراجع قبل أن يلمسه فعلاً
كيف له أن يلمسه الآن بعد كل ما فعله به؟

قبل سنين، كان يوسف ذلك الصبي الهادئ الذي يتحاشى النظر في عينيه، وشريف… كان المتنمر الذي وجد فيه فريسة لضعفه الخاص، لم يكن يدرك وقتها أنه يفرغ غضبه من الحياة في جسدٍ آخر. لم يكن يعرف أن الخوف يصنع جلادًا صغيرًا، ولا أن طعنة مقصّ في الخد يمكن أن تظل علامةً داخلية أكثر من كونها ندبة

مد يده لا شعوريًا ليلمس أثر الندبة القديمة على وجهه، ما زالت تلسعه في كل مرة ينظر فيها إلى يوسف
هو نفسه الذي طعنه، نفسه الذي كرهه، والآن يطعنه الحنين بطريقة أخرى

جلس صامتاً، عينيه تائهتين بين ملامح يوسف النائمة وبين الظل المنعكس على الحائط، كان يشعر أن القدر يستهزئ به، يعيده إلى النقطة الأولى لكن دون عنف ظاهر هذه المرة، بل بعقاب أهدأ وأقسى
الندم

لم يكن شريف يعرف متى بالتحديد بدأ يشعر أن وجود يوسف يهمه
في البداية، كان كل ما فيه مدفوعاً بفضول خفي، رغبة قديمة في التأكد هل هذا هو نفس يوسف؟ نفس الصبي الذي طعنه بالمقص قبل سنوات بعيدة؟

كان يراقبه في صمت، نبرة صوته حين يتحدث للزبائن، طريقة انحناء كتفيه حين يتعب، نظرة عينيه التي تتهرب دائماً من المواجهة
كل تفصيلة صغيرة كانت تُشعل داخله سؤالاً لم يجرؤ على طرحه

لم يكن ينتظر اعتذاراً منه، ولا أراد سماع شرح للحادث
كل ما يريده أن يظل قريباً، بصمت

لم يكن شريف يعرف متى تحول اهتمامه بيوسف إلى شيء يشبه الحب

ربما بدأ الأمر حين اكتشف أنه صار يغير طريقه اليومي ليمر أمام المتجر فقط ليلقي عليه نظرة
أو حين صار يشتري الخضار وهو يتخيل أي وجبة سيعدها ليتقاسمها معه

لم يكن يحتاج أن يعترف ويقول (بحبك) ليثبت حبه، فقد كان متأكداً.. كان يشعر بها في التفاصيل التي لا يلاحظها أحد سواه، في طريقة يوسف وهو يفرك كفيه حين يشعر بالبرد، في الطريقة التي يضغط بها على شفتيه حين يكتم وجعه، في تلك النظرة الضائعة التي يهرب بها من العيون

كان شريف يعد له الوجبات كما لو كان يعد طقوس صغيرة، يريد أن يقول من خلالها كل ما لا يعرف كيف ينطقه

كان يحب مراقبته وهو يأكل، وهو يضحك بخجل حين يثني عليه، يحب تلك اللحظة التي يرفع فيها يوسف عينيه نحوه ويقول (شكراً) بنبرة فيها شيء من الامتنان وشيء من الارتباك

في تلك اللحظة كان شريف يشعر أن العالم كله يهدأ، وأن كل ما في الخارج لا يهم مادام يوسف في مرمى بصره

لم يكن يحب يوسف كما تُروى القصص، لم يكن حباً درامياً، كان حباً يشبه المطر الخفيف، يتسلل على حين غفلة، يترك أثره على القلب ببطء دون أن يُحدث ضجيجاً

كان حبًّا حذراً، ناضجاً، ممتزجاً بالذنب والرغبة في التعويض، لكنه في جوهره
حب حقيقي، صادق، طيب النية

كل مرة يمد فيها يده ليساعد يوسف، كان يشعر أن تلك اليد التي أذته يوماً، خُلقت لتصلحه الآن

وكل مرة يبتسم فيها يوسف ابتسامة صغيرة، كان شريف يشعر أن قلبه، رغم كل الندوب، عاد لينبض كما لم يفعل منذ زمن طويل


.

شايف البحر شو كبير


.

30. تشابك النظرات

(هاي اصحاب بنموت في مصر!
عارفين اننا غيبنا من غير تحذير مسبق بس عدوها يعني كويس انها جت على اد كام يوم ما غيبناش سنتين زي قبل كده هاهاها، المهم وحشتونا، وهقدملكم قربان أغنية عشان تسامحونا، هنرجع تاني ننزل بوستات بس قلنا نصبح عليكم الأول)
تركوا في النهاية رابط أغنية forwards beckon rebound

بدأت نوبات القلق التي كانت تزور يوسف مع أقل فكرة تهجره ببطء، تحت تأثير الأدوية، وبدلها إحساس خفيف بالنشاط والسعادة

صار يستيقظ دون أن يثقل صدره الخوف، يقضي وقتاً أطول مع عائلته، ويضحك على أشياء بسيطة كان يعجز عن ملاحظتها من قبل حتى ملامحه بدأت تستعيد إشراقها شيئاً فشيئاً، كأن أحدهم أزاح عن وجهه 

وفي يوم عرض أيهم المسرحي، خطرت ليوسف فكرة دعوة شريف لمرافقته، لم يحتج أن يشرح كثيراً، فشريف وافق فوراً بابتسامة صافية، فكعادته مهتم بأي شيئ متعلق بقضاء وقت أطول مع يوسف 

قضى يوسف نصف ساعة كاملة أمام المرآة، يبدل قمصانه ويختار عطراً يناسب الأمسية، ليس لأنه يحب المسرح كثيراً، بل لأن رؤية شريف صارت طقساً خاصاً يجب أن يُستقبل بأناق

التقيا أمام المسرح، والمساء يهبط ببطء على المدينة، كان الهواء محملاً برائحة المطر الخفيف والطرقات المبتلة تلمع تحت أضواء السيارات

حين لمح شريف يوسف يقترب، تلاقت نظراتهما للحظة حملت ما لا يمكن ترجمته إلى كلمات
كان يوسف يرتدي معطفاً رمادياً بسيطاً، لكن ملامحه المتوهجة بالحياة جعلت المعطف يبدو مميزاً

أما شريف، فكان قد صفف شعره بعناية وارتدى قميصاً بلون البحر، ذلك اللون الذي دائماً ما كان يهدئ يوسف

دخلا القاعة وجلسا في الصف الخامس، حيث الأضواء الخافتة تعانق المقاعد الملساء،
جلس يوسف محاولاً التركيز في العرض، بينما الجزء الآخر من انتباهه كان مشغولاً باليد التي وضعت على ذراع المقعد بجانبه، قريبة بما يكفي لتثير ارتباكه

بعد دقائق، شعر بأصابع شريف تتسلل برفق نحو يده، تلامسها أولاً ببطء كأنها تستأذن، ثم تشابكها بخفة، حركة بسيطة لكنها أربكت كيانه كله

لم ينظر إليه يوسف، لم يجرؤ، اكتفى بأن يترك يده هناك، ساكنة بين أصابعه، وكأن العالم توقف على تلك اللمسة

أيهم كان يدور بخفة على الجليد، يرفع ذراعيه في انسجام مع الموسيقى، بينما يوسف كان يعيش في عالمه الخاص في الظل، عرض من نظرات مسروقة، وأصابع متشابكة ترفض الانفصال

انتهى عرض أيهم وسط تصفيق صاخب، بينما أخذت الأضواء تعود تدريجيًا إلى القاعة، وانسحبت الموسيقى الأخيرة
التفت يوسف نحو شريف وعلى وجهه ابتسامة مبهورة، قال وهو يصفق بخفة
"كنت عارف إنه هيكسر الدنيا"

أجابه شريف بابتسامة هادئة، وفي صوته نبرة إعجاب صادق
"صاحبك شاطر فعلاً"

ضحك يوسف، غير أنه لم يستطع تجاهل دفء الأصابع المتشابكة بينهما منذ منتصف العرض، لم يحاول أياً منهما سحب يده، وكأن تلك اللمسة كانت اتفاقاً صامتاً لا يحتاج إلى تفسير

وحين خفتت الأضواء نهائيًا وبدأ الجمهور في المغادرة، سحب شريف يده برفق، لكن أثرها ظل في راحة يوسف كعلامة خفية لا تزول

في الكواليس، لمح يوسف مجموعة من الوجوه المألوفة تلوح له بحماس كانت سلمى أول من وصلته، تحمل كوب شوكولاتة ساخنة وتهتف بصوت مرتفع
"يوسف!"

ابتسم يوسف وأشار نحو شريف بجانبه
"ده شريف... 
صمت لثواني ثم أضاف
"صاحبي"

مد رامي يده بسرعة وقال وهو يضحك
"إنت بقى شريف اللي بيعمل أكل؟"

احمر وجه يوسف على الفور وقال بسرعة
"رامي!"

تدخلت مريم وهي تضحك
"ما تكسفش الولد"

ابتسم شريف بخفة ورد
"أيوة أنا شريف اللي بيعمل الأكل ممكن اعملكم لو حابين"

"دا كتكوت خالص!"
علقت سهى ضاحكة

"منور يا شريف"
قال اليكس وهو يخرج من غرفة تبديل الملابس ورد شريف
"دا نورك، إنت شاطر أوي"

"جايز...جايز.. أنا مجهزة شقة خالتي، تيجوا نشرب سوا ولا هتجيبوا ورا؟"
سألت سهى وردوا جميعاً عدا يوسف
"نروح طبعاً"

"ام اوت"
قال يوسف وسأل شريف بإستغراب فلم يكن يفهم ما يقولونه
"هما بيتكلموا عن إيه؟"

"سهى بتجيب حشيش"
رد ببساطة

"أوه!"
نطقها بتلقائية بسبب تفاجؤه

"لو عايز ممكن تيجي وتسيبه"
عرض رامي على شريف 

وعندها شابك شريف يده بيد يوسف بإحكام
"لا.. أنا هوصل يوسف"

"ابقى طمني اما توصل"
قالت سلمى ثم اقتربت منه وقبلت خده قبلة قوية 
"سي يو"

خرج شريف ويوسف ثم توقف شريف عند مطعم وقال
"جعان!، ممكن نجيب أكل"

"اكلك أحلى"
رد بتلقائية، لم تمر جملته على فلتر الأفكار، لم يفكر ولو لثانية واحدة

ابتسم شريف بعد سماع جملته ثم قال
"اوكاي، يبقى تيجي بيتي اعملك أكل"

استوعب يوسف ما قاله فقال بسرعة
"مش قصدي اتعبك"

"ولا تعب ولا حاجة، أنا بحب الطبخ"
قال وهو يبتسم

ذهب يوسف مع شريف إلى منزله، والجو كان لا يزال يحمل رائحة المطر الخفيف 
خلع يوسف معطفه بهدوء، وتجول بنظره في أرجاء المكان كما لو يراه للمرة الأولى، كل زاوية بدت مألوفة له، ومع ذلك كانت تحمل شيئاً جديداً، تفصيلة لم يلحظها من قبل… حتى توقفت عيناه عند لوحة معلقة على الحائط المقابل للأريكة

كانت لوحة غريبة، مرسومة بألوان متداخلة كأنها خرجت من يد طفل صغير، خطوطها غير منتظمة، لكن روحها حية، فتاة صغيرة في المنتصف تمسك بيدي ولدين يقفان منتصف رجلين بالغين كما يبدو

لاحظ شريف نظراته فاقترب، وقال بابتسامة دافئة
"عجبتك؟ دي بنت في الدار هي اللي راسماها."

التفت إليه يوسف، مستغرباً
"دار إيه؟"

"دار ايتام"
رد ببساطة وسأل يوسف بإستغراب اكبر
"أيتام؟ بتروح هناك ليه؟"

أجاب شريف ببساطة
"أنا بتكفل بمصاريف مجموعة أطفال هناك. بروحلهم كل فترة، نلعب ونرسم سوا"

صمت يوسف للحظة، عينيه على اللوحة، وصوته خرج منخفضاً
"شكلهم بيحبوك أوي"

ابتسم شريف ابتسامة صادقة دافئة
"يمكن… بس الحقيقة إن أنا اللي بحبهم، بحس إن كل مرة بشوفهم، جزء مني بيتصلح"

يوسف شعر بدفء غامر يملأ قلبه، وكأن الصورة الجديدة لشريف كشخص متفاني وعطوف فتحت له نافذة لم يعرف عنها شيئاً من قبل، لم يكن الأمر مجرد إعجاب عابر، بل إحساس عميق بالاحترام والطمأنينة، شخص يهتم بالآخرين حتى الأطفال الذين لا يعرفهم، شخص يضع قلبه وجهده في كل عمل يقوم به

كان يوسف يتقلب داخلياً بين الدهشة والانبهار، شعور ممزوج بخجله المعتاد، لكنه هذه المرة خجل من إعجابه الصادق، كأن العالم كله أصبح أهدأ حوله عندما عرف كم أن شريف حنون حقاً، كل حركة منه، كل ابتسامة أو كلمة، أخذت معنى أعمق في ذهنه، وجعلت وجوده بقربه يشعره بالأمان، وكأن قلبه يمكن أن يثق فيه تماماً، بلا تحفظ

ثم التفت نحو يوسف وأردف
"زي ما بيحصل معايا لما بشوفك كده، فجأة كل حاجة تبان أبسط"

وقف يوسف للحظة، قلبه يدق بسرعة وهو يحاول استيعاب ما قاله شريف، حرارة خفية امتدت من صدره إلى وجهه، فاحمرت وجنتاه من تلقاء نفسها، حاول أن يبتسم بخفة ليخفي ارتباكه، لكنه شعر أن الابتسامة تكاد تنكسر بين الدهشة والخجل

همس بصوت منخفض، كأنه يتحدث مع نفسه قبل أن يسمعه شريف
"أنت… دايماً بتعرف إزاي تخليني أحس بحاجة… مش بعرف افهمها أو اوصفها"

ابتعدت عيناه قليلاً عن شريف، ليبحث عن شيء آخر في الغرفة يركز عليه، لكنه لم يستطع، فكل شيء بدا باهتاً مقارنةً بدفء حضوره وكلماته، ثم رفع رأسه مجدداً، محاولاً تمالك نفسه
"شكراً… على كل حاجة"

كانت كلماته بسيطة، لكنها مليئة بالامتنان والخجل، ومع ذلك كان يوسف يشعر بأن قلبه يصرخ بأشياء أكبر من تلك الكلمات، أشياء لم يكن قادراً على التعبير عنها بعد

.

forwards beckon rebound



.

31. يا ملتقى الصحبة

(هاي يا اصحاب بنموت في مصر!
مفيش رسايل حزينة النهاردة
النهاردة بنقولكم تكلموا اصحابكم...حبايبكم..قرايبكم، على حسب مين اقرب ليكم، النهاردة يوم مفتوح للإهتمام والسؤال وعودة العلاقات، عايزين نسمع أخبار تفرح، اتطمنوا على حبايبكم وكفاية صمت عقابي، مستنيين رسايلكم في نسختنا السعيدة)

التفت شريف إلى يوسف وقال بصوت هادئ
"زي ما بيحصل معايا لما بشوفك كده… فجأة كل حاجة تبان أبسط"

خفق قلب يوسف بسرعة، وارتجفت حرارته من صدره إلى خديه حاول أن يبتسم بخفة ليخفف ارتباكه، لكن الابتسامة كانت تتقاطع مع دهشته وخجله العميق

همس بصوت منخفض، كأنه يتحدث مع نفسه قبل أن يسمعه شريف
"أنت… دايماً بتعرف إزاي تخليني أحس بحاجة… مش بعرف أفهمها أو أوصفها"

ابتعدت عيناه قليلاً، يبحث عن شيء في الغرفة يُلهيه، لكنه لم يجد شيئاً، فكل ما حوله بدا باهتاً أمام دفء حضوره وكلماته

رفع رأسه مجدداً، محاولاً تمالك نفسه، وقال بخجل
"شكراً… على كل حاجة"

كانت الكلمات بسيطة، لكنها محملة بالامتنان والخجل، ومع ذلك كان قلبه يصرخ بأشياء أكبر، مشاعر لم يكن مستعداً بعد للتعبير عنها، لكنه شعر بأنها حاضرة في كل نبضة من قلبه تجاه شريف

ابتسم شريف ابتسامة هادئة، مليئة بالدفء والطمأنينة، كأنها تقول أكثر من ألف كلمة، ثم اقترب خطوة نحو يوسف وجلس بجانبه على الأريكة. مد يده برفق ليلمس كتف يوسف من دون أن يضغط، مجرد لمسة خفيفة تُشعره بالراحة والسكينة

نظر إليه بعينيه التي تبرز مشاعره بوضوح، وقال بصوت منخفض ودافئ
"مش محتاج تقول أكتر من كده… أنا فاهم… وأنت مش لوحدك"

حركة شريف البسيطة، ابتسامته الصادقة، وطريقته في النظر إلى يوسف جعلت الأخير يشعر بأن كل ما يختبئ في قلبه
الخجل، الامتنان، حتى الإعجاب، مفهوم ومحمي
قلبه خفق بقوة، لكنه لم يهرب، بل استسلم للحظة، مستمتعاً بدفء وجود شريف الذي كان أكثر من مجرد صديق، أكثر من مجرد شخص يشاركه الطعام والشراب وطريق العودة للمنزل

استفاق من شروده على صوت نغمة الاشعارات، كان قد عاد لمنزله لكنه لم يستطع النوم لذا جلس يفكر بشرود مستلقياً على السرير وهو يحدق في السقف

كانت رسالة من سلمى في مجموعتهم
"ملاك رجع مصر"

"أخيراً!"
ارسلت سهى

"تفتكروا اهله هيرجعوله الموبايل امته؟"
ارسل رامي

"أنا هلبس ثوب التقوى واروحله البيت واقنع اهله اني صاحبته من الكلية وانه لازم يبقى معاه موبايل ولازم يحضر"
ردت سلمى

"ابقي سلميلي عليه"
ارسل يوسف

"يوصل يا عسل"
ردت سلمى

"يا جماعة ما نروح كلنا نشاورله من تحت البيت حتى لو مش هندخل على الأقل نشوفه ويشوفنا"
كانت مريم

"فكرة حلوة...حد معترض؟"

"لا"
رد يوسف فهو كبقية المجموعة لا يعترضون على أي قرار تتخذه سلمى

دخلت سلمى المنزل بخطوات هادئة وابتسامة ود على وجهها، مرتدية ملابس محتشمة تحافظ على رصانتها، وهي تحيي والدي ملاك بتحية مهذبة وصوت خافت
"أنا سلمى صاحبة ملاك، هي مش بترد على التليفون فا جيت اسلمها المحاضرات اللي فاتتها"

"جزاكِ الله خيراً"
هكذا رد والد ملاك

كانت سلمى تتحدث بهدوء، كل كلمة فيها احترام واهتمام، لتظهر لوالدي ملاك أن تأثيرها عليه جيد

امام والدي ملاك فإن ملاك هي امرأة، أما ملاك فهو جندر فلويد يحب أن يتم الحديث معه بصيغة المذكر

بعد بضع لحظات، صعدت سلمى الدرج بخفة، لتصل إلى غرفة ملاك. وعندما التقت عيناهم، لم تستطع مقاومة ابتسامة واسعة، وعانقته بحرارة، شعورها بالإمتنان والدفء يملأ الغرفة
شعر ملاك المجعد القصير، الذي يصل كتفيه، تمايل قليلاً على وجهه مع الاحتضان، كان يرتدي بيجامة بيضاء عليها قلوب حمراء ناعمة، وفي اذنه مجموعة أقراط

تقدمت سلمى نحو النافذة وفتحتها ببطء، مشيرة لملاك ليقترب، كان مستغرباً ولا يفهم تصرفها، اقترب وعندها لمح أصدقائه في الأسفل يلوحون له بحماس، وجوههم مشرقة بالفرح والدهشة، فانطلقت في قلبه موجة سعادة غامرة

رفع يده يلوح لهم بحرارة، والشعور بالانتماء والفرح امتزج مع دفء حضن سلمى وكلماتها الرقيقة، كأن العالم بأسره أصبح مكاناً آمناً مليئاً بالمودة والطمأنينة

"ما تقلقش مش هيعرفوا يعزلوك على طول، شوية ويفكوا عشان الجامعة على الأقل"
طمأنته سلمى وهي تربت على كتفه

"ياريت عشان اتبضنت من معاملة المساجين دي"

"ما تقلقش، كله هيبقى تمام"
ربتت على رأسه 

ذهب يوسف للمتجر ليبدأ عمله بينما يبتسم متذكراً ذهابهم لمنزل ملاك، وقبلها قضاء الوقت مع شريف

قبيل الفجر فتح صفحة (بنموت في مصر) وارسل اليهم رسالة
"هو لو حد بيديني فيلينجز مميزة بس عمره ما نطق كلمة حب صريحة كده يبقى إيه؟، حاسس إني تايه"

وصله الرد بعد دقيقتين
"ممكن لغة حبه مختلفة عنك، مش ضروري يكون تلاعب"

"وأعرف إزاي ونبي؟
أضاف باستغراب
"هو إنت صاحي اربعة الفجر ليه؟، إنت روبوت؟"

"هحتفظ بالسبب لنفسي...اما بقى تعرف إزاي فا إنت بتحس دا، إنت اللي تعرف الشخص مش أنا، وإنت اللي هتميز دي لاف لانجويتش ولا بيشتغلك"

"أنا كنت مبسوط من شوية بس دلوقتي مكتئب..كسم الجنان"
وضع هاتفه في جيبه واستأذن من المدير وغادر في الخامسة صباحاً عائداً لمنزله ليرتاح

ارتمى على السرير وغط في النوم، كأن جسده يُعلن استسلامه الأخير بعد معركة طويلة مع نفسه
رن هاتفه، صوت الإشعار بدا كطعنة في رأسه المثقل، فمد يده وأغلق الصوت، ثم تكوم حول نفسه كطفل يبحث عن مخبأ يختبئ فيه من العالم، باحثاً عن أطول غفوة ممكنة، أو عن غيابٍ مؤقت يشبه الموت الصغير

حين استيقظ، لم يشعر بأنه استراح، بل كأن النوم زاد ثقله، نهض بثقلٍ غير طبيعي، وكأن كل خطوة تتطلب قراراً
كان جسده يتحرك ببطءٍ متعمد، بينما روحه عالقة في مكانٍ مظلم لم يجد طريقه للخروج منه
اغتسل والماء البارد لم يوقظه بل جعله أكثر وعياً بجموده، عاد لسريره، جلس على الحافة، يحدق في الأرض طويلاً دون تركيز، ثم تمدد من جديد

ذلك الحزن الذي يسكنه لم يكن له وجه واضح، ولا سبب محدد، فقط كتلة رمادية في صدره تتمدد كل يوم أكثر. شعر بأنه منهك من نفسه، من فكرة أن عليه أن يستمر، أن يفتح الهاتف، أن يبتسم، أن يرد

تفقد هاتفه أخيراً، ووجد عشرات الرسائل، من شريف، من أصدقائه، من صفحة "بنموت في مصر"
فتح أول رسالة

"جود لاك يا يوسف"
كانت رسالة الصفحة

فتح محادثة شريف ووجده يسأل عن حالته بقلق بعد أن سأل عنه وعلم أنه غادر قبل موعد انتهاء عمله 

"أنا كويس...كنت تعبان شوية بس"
رد ثم نهض

وقف أمام المطبخ، أعدّ كوب قهوة وهو يراقب تصاعد البخار كأنه ينظر لروحه تتبخر، جلس على الأرض بجانب السرير، يحتضن الكوب كأنه الشيء الوحيد الدافئ في هذا العالم البارد، ثم فتح صفحة (بنموت في مصر) وكتب
"أنا مكتئب أوي ومعرفش ليه... حاسس إني عايز أختفي... عايز أموت."

جاء الرد سريعاً
"رحت لدكتور؟"

"أيوة، حتى باخد أدوية"

"روح لدكتورك حالاً وبلغه بحالتك"

"مش عايز"

"ليه؟"

"مش عايز أشوف حد خالص، عايز اختفي"
توقف عن الكتابة، وضع الهاتف جانباً كمن يُسقط عبئاً ثقيلاً
دفن وجهه في الوسادة، محاولاً إخماد أنفاسه، كأنه يريد أن يختفي فعلاً، أن يذوب في الصمت، أن يتوقف عقله عن التفكير

كانت الغرفة ساكنة إلا من صوت أنفاسه المضطربة، والهواء المثقل بالوحدة

غط في نوم شعر فيه بأنه ميت، حتى تفاجأ بصوت شيئ يصطدم بزجاج نافذته، فرك عينيه وشعر بأنه يحلم حتى تكرر الصوت

نهض بتثاقل يجر قدميه للنافذة، فتحها ووجد مجموعة أصدقائه يلوحون له ثم ينادون بهمس
"يوسف"
كانوا يمطون حرف الواو وهم يلوحون بحماس

كان متفاجئاً لكنه ابتسم في النهاية، خرج من المنزل ليقابلهم ورحبوا به بالعناق والقُبلات، كانت مجموعة أصدقائه يشعرونه بأنه حي حقاً

.

32. سقوط قلب عبد القدوس

(انثى- واحد وعشرون عاماً)
(أوقات بحس أمي شيطان، بتتضايق لو حد قالي كلمة حلوة، بتحب تشوفي بعيط وبتعذب وبشوفها بتبتسم ومستمتعة، أول ما حد يشكر في أي حاجة بعملها بتتعصب وتتضايق، تضربني وتشتمني وتسم بدني بعدين تعيط وتقول إني بنت وحشة والناس بتطبطب عليها ويشتموني تاني كإن اللي عملته مش كفاية، السبب الوحيد اللي مانعني من قتلها اني هتعدم بعدها، غير كده كنت قتلتها من زمان...ياريتني قتلتها وأنا قاصر كان زماني مرتاحة، وكسم أي حد هيقولي مهما حصل دي أمك، كس أمي)

كان يعمل في المتجر بصمت وهو يفكر في لقاءه مع الطبيب، فبعد أن أخبره بالأفكار الانتحارية التي تخطر على باله قام بتغيير ادويته، ونصحه بممارسة بعض النشاطات، بينما يعمل سمع صوت الباب وشم رائحة عطر شريف وعندها ابتسم رغماً عنه ثم نظر إليه

"ما تيجي"
قال شريف بلا مقدمات واستغرب يوسف
"اجي!"

"مش عادل بيسيبك أوقات لوحدك؟، دا دورك تعالى معايا"
أمسك معصمه وسحبه ثم نظر لعادل وقال
"شوية وراجعين"

لم يكن يوسف يفهم شيئاً لكنه ترك شريف يسحبه لأنه كان يحب أي اتصال كلامي أو جسدي بينهما

لم يبتعدا، جلسا عند مقهى السيارة القريب الذي أصبح شاهداً على علاقتهما، كان الرجل يشغل أغنية وردة 

وبحبك والله بحبك والله، والله، والله بحبك
قد العيون السود أحبك
وانت عارف ما انت عارف
قد إيه كتيرة وجميلة
العيون السود في بلدنا يا حبيبي
أحبك والله بحبك والله، والله، والله بحبك
قد أغاني الصبر بحبك وانت عارف
قلنا إيه فيها كل ليلة

يحجب كل شيء من حولهما، ويترك الضوء الخافت للمصابيح الداخلية ينساب على وجهيهما برفق، كان الجو هادئاً، شديد البرودة، لكن قرب شريف جعله يشعر بدفء داخلي غير متوقع، كأن الحرارة لا تأتي من الهواء، بل من وجوده فقط

فتح شريف حقيبته وأخرج كيساً، كان به علبة تحوي قطع كعكة شوكولاته
"بتحب البراونيز؟"
سأل وابتسم يوسف واكتفي بإيماءة قصيرة

وضع شريف العلبة أمامه ليبدأ يوسف الأكل منها
"حلوة أوي"
قال بصدق حقيقي وعيون تلمع من الاعجاب وابتسم شريف لردة فعله
"بالهنا"

تترقب عيون شريف كل حركة صغيرة، بابتسامة هادئة تغمر المكان بأمان، كل كلمة يقولها شريف، كل نظرة، كانت تُحرك قلب يوسف بطريقة لم يعرفها من قبل
مزيج من التوتر، والانبهار، والخجل، ورغبة في الاقتراب أكثر، لكنه يخشى أن يظهر ضعفه

"ما تغني إنت كده"

ارتجف يوسف قليلاً، وكأن هذه الجملة وحدها جعلت كل إحساسه بالحرج ينبض في داخله بقوة
"أغني إيه؟"

صوته خرج مبحوحاً، وكأنه يحاول جمع شجاعته
ابتسم شريف ببطء، وصوته هادئ دافئ
"لوردة، العيون السود"

"طب ما الأغنية شغالة!"
استنكر يوسف طلبه

اسند خده على يده وقال وهو ينظر لعينيه
"عايزة اسمعها بصوتك إنت"

وقف يوسف للحظة، قلبه يدق بسرعة، الهواء البارد لم يستطع أن يخفف حرارة الخجل التي اجتاحته في هذه اللحظة، كان كل شيء آخر باهتاً
الشوارع، أضواء المدينة، كل تركيزه كان على شريف وعلى هذه اللحظة الصغيرة التي جعلته يشعر بأمان وحميمية، شعور لم يختبره من قبل إلا معه

جلس يوسف يحاول جمع شجاعته، وأخذ نفساً عميقاً، صوته خافت في البداية، متقطعاً

أحبك والله بحبك والله، والله، والله بحبك
قد اللي فات من عمري بحبك
قد اللي جاي من عمري بحبك

ظل شريف صامتاً، عينيه تتابع كل حركة، ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه، وكأن كل نبرة صوت من يوسف تقربه أكثر إليه

تعلق يوسف بالكلمات، يحاول ألا يتلعثم، لكنه شعر بدفء يد شريف على ذراعه، خفف توتره قليلاً، صوته بدأ يكتسب ثقة تدريجية

خفق قلبه بسرعة، وكانيشعر بأنه يسمع دقات قلبه في أذنه، لكنه استمر، كل كلمة كانت تحمل خجله، إعجابه، وحنينه المختلط بالمخاوف

أحبك والله بحبك والله، والله، والله بحبك
قد اللي فات من عمري أحبك
قد اللي جاي من عمري بحبك
وشوف قد إيه، شوف قد إيه بحبك

اقترب شريف منه بهدوء، مد يده لتلمس كتف يوسف برفق، وكأنها لمسة طبيعية لكنها مليئة بالمعنى، دفء يمر عبر الجلد، يلامس قلبه قبل يديه

همس شريف بصوت منخفض، حنون، ولكنه صادق لدرجة تخترق أعماقه
"بحبك"

ارتجف يوسف قليلاً، قلبه كاد يتوقف، دفء الكلام امتد داخله مصدراً صدى كأن الشمس قد أشرقت فجأة في ليلة باردة، كل خجل، كل خوف، كل ارتباك اندفع مع ذلك الصوت، عيونه اتسعت قليلاً، تنفسه تعثر، لكنه لم يتحرك بعيداً، بل شعر بالسلام الذي كان يبحث عنه طوال الوقت

مد شريف يده ثانية، هذه المرة يمسك يد يوسف بحذر، يربت برفق على ظهرها، ملمس يد ثابت، داعم، مليء بالأمان. يوسف شعر بكل التفاصيل
ملمس جلد شريف، دفء يده، وحتى رائحة عطره الخفيف التي اختلطت مع الهواء البارد

رأسه مائل قليلاً نحو شريف، يحاول تمالك نفسه، لكن قلبه يصرخ بصمت شعور بالاعتراف، بالطمأنينة، بالحب المتبادل الذي لم يكن يتخيله أن يسمعه بهذه الصراحة، كل ثانية تمر كأنها تتوقف، وكل نفس يبدو مليئاً بالأمان، القرب، والدفء الذي لطالما افتقده

شريف اقترب أكثر قليلاً، لمسة خفيفة على خد يوسف، همس آخر
"بجد... بحبك"

هذه المرة لم يكن هناك ارتباك، لم يكن هناك خوف، كان هناك استسلام لطاقة صادقة، لمحبة دفعت كل شيء آخر جانباً، تركته غارقاً في شعور لا يقدر على مقاومته، شعور بالطمأنينة، بالأمان، وبالحب الحقيقي الذي لا يحتاج إلى تفسير

استيقظ يوسف ببطء، شعور ثقيل يضغط على صدره، كأن الحلم لم يُرد أن يتركه بسهولة، عيناه تفتحان على ضوء النهار الباهت قلبه ما زال ينبض بسرعة، كان ما زال يسمع صدى صوت شريف في رأسه الهمسة الدافئة، الصادقة "بحبك" تتردد بين ضلوعه كصدى بعيد، ثم تبهت تدريجياً حتى تذوب في صمت الصباح

نظر إلى يده الممسكة بيد شريف، فادرك فجأة أن ما حدث كان حلمًا، لكن الحنين والدفء لم يختفيا، لمسة يده الحقيقية، برودة البلاستيك تحت يده، وقرب شريف الواقعي من جانبه، أعادته إلى الواقع بطريقة مؤلمة 

القى نظرة على شريف الذي كان منشغلاً بهاتفه
انكمش صدره، وابتلع خيبته في صمت
شعر كأن قلبه سقط فجأة من علو كبير، تحطم دون صوت
كان من الصعب عليه أن يصدق أن تلك الكلمة التي أذابته، كانت مجرد وهم صنعه عقله المتعب، ظل ينظر إلى شريف للحظات طويلة، يبحث في ملامحه عن بقايا الحلم، عن أي دليل يقول أن الأمر لم يكن كله خيالاً

لم يجرؤ على تحريك يده فوراً، كان قلبه يموج بمزيج من الدهشة والخجل والحنين لما شعر به في حلمه، لكنه في الوقت ذاته شعر براحة غريبة لأن شريف كان موجوداً بالفعل، ثابتاً، صامتاً لكنه موجود، يترك مساحة ليوسف ليتنفس ويستوعب مشاعره

جلس في صمت طويل، يراقب أصابعه المتشابكة بأصابع شريف، كأنها آخر خيط بينه وبين ما تمنى أن يكون حقيقياً

.

العيون السود


.

33. لكل عاشق وطن
كان الصباح بارداً، والسماء ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة تُنذر بمطرٍ قريب، خرج يوسف من المتجر كعادته، خطواته المألوفة على الرصيف المبلول تصدر صدى خافتاً، يده في جيبه ونظره يسبق جسده متوقعاً أن يرى شريف كالعادة واقفاً، ينتظره بابتسامته المعتادة

لكن المكان كان خالياً
توقف يوسف لحظة، مسح المكان بعينيه، ثم اخرج هاتفه واتصل
"ألو!، شريف؟"

جاء صوته مبحوحاً ومرهقاً من الجهة الأخرى
"أيوه... أنا تمام، بس عندي دور برد بسيط، ما تقلقش"

صمت يوسف لثوانٍ قبل أن يقول 
"طب ريح، أنا هعدي عليك أشوفك"

لم ينتظر رداً، فقط أغلق الخط واتجه بخطوات سريعة نحو أقرب صيدلية

اشترى علبة دواء، وأكياس فيتامين، ورقة خافضة للحرارة، وعلبة عسل، خرج وهو يضم الكيس إلى صدره، ووجهه مليئ بالقلق

وصل إلى منزل شريف، طرق الباب بخفة أولاً، ثم بقوة حين تأخر الرد
سمع حركة بطيئة من الداخل، وصوت السلسلة المعدنية تُفتح، قبل أن يُفتح الباب ببطء

ظهر شريف بوجه شاحب وعينين مثقلتين بالتعب، شعره غير مرتب، وصوته خرج خافتاً
"يوسف؟ إنت بتعمل إيه هنا؟"

ابتسم يوسف بخجل بسيط وهو يرفع الكيس
"جاي أطمن عليك... وجبتلك شوية حاجات تساعدك"

لم ينتظر إذنه، دخل بخطواتٍ مترددة، كان هناك شيئ داخله لا يحتمل أن يتركه وحيداً وهو مريض كانت تلك الرغبة المفاجئة بالعناية به أقوى من أي تردد أو خجل، وكأن الوقت حان أخيراً ليوسف أن يرد ولو جزءاً بسيطاً من دفء شريف الذي ظل يحيطه به منذ دخوله لحياته

كانت رائحة الشاي والنعناع تملأ المكان، بخار خفيف يتصاعد من كوب على الطاولة الصغيرة، ألقى يوسف نظرة سريعة حوله، الغرفة مرتبة رغم فوضى المرض، البطانية مطوية عند طرف الأريكة، ودفتر ملاحظات مفتوح على صفحةٍ فيها خطوط غير مكتملة، ربما كان يكتب شيئاً قبل أن ينهكه التعب

اقترب بخطوات حذرة ووضع الكيس على الطاولة
"بتعمل إيه؟"

ابتسم شريف ابتسامة شاحبة 
"بحاول أكتب، بس ياريت ما تبصش عليه عشان ما بحبش حد يقرأ اللي بكتبه"

ضحك يوسف بخجل، ثم جلس على طرف المقعد المقابل، يراقب أنفاس شريف المتثاقلة، وصوته وهو يسعل بين الحين والآخر، شعر بعقدة صغيرة في صدره، ذلك النوع من القلق الذي لا يهدأ إلا حين يتأكد بنفسه أن كل شيء بخير

مد يده دون وعي ليمسك بالكوب، يتأكد من حرارته، ثم ناوله إياه قائلاً
"اشرب"

كانت أصابعه تلامس أصابع شريف للحظة عابرة، قصيرة، لكنها أربكت دقات قلبه كلياً، شعر بشحنة كهرباء تسري في جسده، مزيج من الحرج والعاطفة والسكينة في آنٍ واحد، وكأن تلك اللمسة الصغيرة كانت أكثر صدقاً من أي كلمة

جلس شريف مستنداً إلى الأريكة، ينظر إليه بعينين نصف مغمضتين وقال بصوت خافت أقرب للهمس
"ماكانش لازم تتعب نفسك علشاني"

رد يوسف وهو يشيح ببصره بخجل
"مافيش ولا تعب ولا حاجة"
مد يده لجبينه ليتفقد درجة حرارته ثم أخرج اللاصقة الخافضة للحرارة والصقها على جبينه

لم يقل شريف شيئاً، فقط ظل ينظر إليه بابتسامةٍ صامتة، نظرة تحمل امتناناً أعمق من الكلام
أما يوسف فظل جالساً، يشعر بأن وجوده هنا في هذا المكان الصغير، قرب شخص يحمل له كل هذه المشاعر هو أبسط وأصدق ما يمكن أن يعنيه "البيت" 

شابك يديه بيد شريف الذي ابتسم بوهن واحكم اغلاق اصابعه على اصابع يوسف، كان سعيداً بتشابك يديهما

"تيجي نشوف فيلم!"
اقترح شريف ورد يوسف
"مش الأحسن تنام؟"

"وهو الفيلم اللي هيحوشني؟، اهو حاجة تسليني لحد ما أنام"

اشار ناحية جهاز التحكم، ناوله يوسف إليه وعندها فتح شريف التلفاز وبدأ يغير في القنوات حتى توقف على فيلم (أبو علي)

"بحب الفيلم دا"
علق شريف ووافقه يوسف
"أنا كمان"

لكل عاشق وطن، ولكل طير مرساه
ولكل شمس شروق، بعد الغروب تحياه
ولكل قلب حبيب، مكتوب عليه يلقاه

تسللت الكلمات إلى رأس يوسف ببطء، كأنها تسحب أنفاسه سحباً من مكان عميق، لم تكن مجرد أغنية تُذاع في الخلفية، بل كأنها رسالة موجهة إليه وحده
إلى قلبه المرتبك، الذي ظل طويلاً يحاول أن يتجاهل مشاعره الحقيقية

كانت الكلمات كأنها طعنة، شعر بوخزة في صدره، بخفق غير منتظم في قلبه، كأن كل نبضة تنادي باسم شريف

نظره كان يهرب تتجول عيناه في الغرفة، لكنها في النهاية تعود إلى وجه شريف، إلى عينيه الهادئتين، إلى تلك الابتسامة الصغيرة التي تضيء حتى تعبه

كان يراقبه وهو يجلس بهدوء، شعره مبعثر قليلاً من المرض، كوب النعناع بين يديه، ورغم الإرهاق بدا كأنه اوسم من أي وقت مضى

قدر وجمعنا، وأدى الحياه معنى
قولي بحبك خلي الدنيا تسمعنا

في تلك اللحظة، أدرك يوسف أن كل ما بينهما المكالمات، الزيارات، النكات العابرة، الاهتمام الصغير، وحتى الصمت الطويل بينهما لم يكن مجرد صداقة

كان حباً ينمو بصمت
أحس بحرارة غريبة في وجهه، ويديه تتجمدان فوق ركبتيه

كل ذرة في جسده كانت تصرخ بأن يقولها أن يبوح، أن يترك الكلمات تخرج أخيراً ليرتاح كما ارتاح في حضرة شريف مراراً
لكن شيئاً في داخله كبحه، ربما خوفه من أن يخسر هذا الأمان النادر، أو ربما لأنه لا يصدق أنه يستحق أن يُحب بهذه الطريقة

تنفس بعمق، عيناه معلقتان بشريف الذي لم يلحظ صراعه الداخلي بسبب ارهاقه

غفى شريف في النهاية بعد أن أرهقه السعال، فجلس يوسف بجانبه على حافة الاريكة، يراقب تنفسه المنتظم 

مد يده ليتفقد حرارته بخفة، أنامل مرتجفة من القلق، لكنه تنهد بارتياح عندما شعر بأن سخونته انخفضت

ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه، امتزج فيها التعب بالاطمئنان، ثم مال بهدوء ليعدل الغطاء على كتفي شريف، حريصاً ألا يوقظه

لكن ما إن اقترب أكثر حتى تحرك شريف بخفة، فتح عينيه بتثاقل، بعينين نصف مغمضتين غارقتين في النعاس، رمش مرتين قبل أن يتبين وجه يوسف أمامه، قريباً، حتى أن أنفاسه امتزجت بأنفاسه الدافئة
وفي حركة تلقائية، مد شريف ذراعيه وسحب يوسف نحوه، تجمد يوسف لثوانٍ، لم يدري إن كان يجب أن يبتعد أو يبقى

كان يحتبس أنفاسه، وكل ما يسمعه هو صوت دقات قلبه المتسارعة، كأنها تعلو على أي صوت آخر
شعر بحرارة جسد شريف تلامس صدره، برائحة النعناع والشاي التي التصقت بملابسه، وبذلك الهدوء الذي لم يذقه منذ زمن

كانت لحظة قصيرة، لكنها بدت له دهراً كاملاً، لحظة سقط فيها كل دفاع، كل عقل، كل حدود
أغمض يوسف عينيه بخفة، يحاول أن يسرق من الزمن ثانية واحدة يشعر فيها بالأمان الخالص حتى لو كان هذا حلماً آخر فهو لا يمانع

وفي داخله، صراع صغير يدور بين الخوف والرغبة في البقاء، بين عقل يخبره أن يبتعد، وقلب يتمسك بالدفء الذي لا يريد التفريط فيه

همس بصوتٍ خافت لا يكاد يُسمع، أقرب إلى تنهيدة من كلمة
"ارتاح يا شريف... أنا هنا"
ثم بقي على وضعه، لا يتحرك، كأنه يخشى أن أي حركة قد توقظهما، من هذا الحلم الذي أخيراً قد سمح لنفسه أن يعيشه للحظة

بعد دقائق، أخرج يوسف هاتفه من جيبه، جلس على طرف الأريكة بجوار شريف النائم، فتح تطبيق فيسبوك، ضغط على صندوق الرسائل وكتب ببطء لصفحة (بنموت في مصر)
"أنا تقريباً مبسوط.."

ضغط على "إرسال" وترك الهاتف على ركبته، لكن بعد ثوانٍ قصيرة اخترق الصمت صوت اشعارات ماسنجر من هاتف آخر في الغرفة، هاتف شريف على الطاولة

ولبعض الثواني شك في شيئ قرر تجاهله، ولكن رأسه لم يتوقف عن التفكير لذا ارسل رسالة أخرى
"إنت مبسوط يا ادمن؟"

اصدر هاتف شريف صوت اشعارات ماسنجر مرة أخرى،
رفع يوسف رأسه بدهشة، نظر نحو الطاولة الصغيرة بجانب الاريكة، حيث كان هاتفه هناك

شعر بوخزة في صدره، مزيج غريب من المفاجأة والارتباك والنبض السريع، مد يده ببطء نحو الهاتف، بينما عقله يتدافع بأسئلة كثيرة
"هل هذا ممكن؟"

أخذ الهاتف من على الطاولة، اضاء الشاشة وعندها رأى رسائله التي ارسلها في قائمة الاشعارات

تجمد يوسف في مكانه للحظات، كأن الهواء حوله اختفى فجأة، الضوء المنبعث من شاشة الهاتف انعكس على وجهه الشاحب، ويداه ارتجفتا وهو يحدق في اسم حسابه الموجود أعلى الإشعارات

أعاد النظر مرة أخرى، ليتأكد من أنه لا يتوهم، لكن كان كل شيئ حقيقياً
تجمدت أنفاسه، وعقله بدأ يدور كدوامة، يربط كل شيء كان غامضاً في سلوك شريف

الرسائل التي بدت كأنها تعرف ما يعجز عن قوله، التوقيت الدقيق لظهورها كل مرة كان يكتب فيها عن وجعه، الجمل التي طمأنته عندما لم يجد أحداً... كل شيء صار منطقياً الآن بشكل موجع

فكر في نفسه بارتباك وهو يشعر بحرارة تتصاعد من صدره إلى وجهه
لم يكن يعرف إن كان غاضباً أم خائفاً أم ممتناً، لأن الشخص الذي عرف أعمق أوجاعه لم يكن مجرد مجهول خلف الشاشة... بل كان شريف

مد يده ببطء ليضع الهاتف مكانه، لكن أصابعه كانت ترتجف كمن يحمل شيئاً قابلاً للانفجار

نظره انزلق إلى شريف النائم على الأريكة، وجهه الهادئ لا يناسب العاصفة التي اشتعلت في داخله
كان يريد أن يوقظه ويسأله
"ليه ما قلتليش؟ ليه خبيت؟"
لكنه ظل صامتاً، عاجزاً عن كسر تلك السكينة التي صارت الآن ثقيلة ومخيفة في آن واحد

جلس يوسف على طرف المقعد، يضم ذراعيه حول جسده، يشعر بأن قلبه يُقرع كطبلة في صدره، والأفكار تتناوب عليه بلا توقف
هل كتب له النصوص عمداً ليقربه؟ هل كان يهتم فعلاً؟ أم كان يتسلى بجعله يبدو كالأبله؟

في تلك اللحظة لم يعد يعرف أيهما الحقيقي... شريف الذي كان بجانبه، أم "الصفحة" التي كان يشاركها ايامه من بعيد وتكتب له كلاماً يلمسه في عمقه
الاثنان أصبحا شيئاً واحداً... وغريباً جداً في عينيه

.

لكل عاشق وطن


.

34. حبل الكدب

كان يوسف يراقب شريف الذي غط في نوم ثقيل، وجهه شاحب قليلاً بسبب الزكام، والتنفس المنتظم له يعطي إحساساً غريباً بالطمأنينة

كان يشعر بالقلق والحيرة في آن واحد، يراقب كل حركة صغيرة، طريقة تحرك صدر شريف مع كل نفس، خفوت الصوت، وحتى الطريقة التي ارتخى بها جسده

كان يوسف جالساً على الأريكة، قلبه ما زال ينبض بسرعة غير معتادة، وعيناه تتجهان بلا وعي إلى هاتفه الذي كشف الحقيقة

كل إشعار، كل رسالة، كل كلمة كتبها في الصفحة كانت صادرة من شريف نفسه، شعور مفاجئ بالذهول اجتاحه، يليه موجة من الأسئلة والحيرة

الصدمة امتزجت بالانبهار
يوسف بدأ يرى شريف من زاوية جديدة، الشخص الذي كان يعتقد أنه يعرفه جيداً، أصبح الآن أكثر تعقيداً
هذا الشخص الذي حضنه عندما كان متعباً، الذي أعد له وجباته المفضلة، والذي تواصل معه بلطف دون شروط

شعر بمزيج من القلق والخوف من الاقتراب أكثر، كل الذكريات الصغيرة معه، كل لمسة، كل كلمة كانت تحمل معنى أعمق الآن، كان أمامه خياران
أن ينسحب، يبعد نفسه عن هذا العالم الذي اكتشفه للتو، أو أن يواجه الحقيقة، أن يقترب أكثر ويعرف الدوافع الحقيقية لشريف

مد يده بحذر، ليلمس يد شريف المتراخية على جانب الأريكة، يشعر ببرودة أطرافه التي تصاحب الزكام، ثم جلس ساكناً، يتأمل وجهه، مستعيداً كل ذكرياتهما
ضحكاته، اهتماماته الصغيرة، حضنه، وكل ما جعل قلبه يطمئن عند قربه. كانت تلك اللحظات صامتة، لكنها مشحونة بالدفء، الحب الصامت، والامتنان العميق، وكأن الوقت توقف للحظة ليستطيع يوسف أن يكون قريباً منه، ويشعر أنه هنا من أجله

فتح شريف عينيه بتثاقل، وعندما لمح يوسف قريباً منه، مد يده برفق أكبر، وأمسك يديه ليشابكها مع يديه، ثم أغمض عينيه مجدداً وكأن لمسة يوسف كافية لتطمئنه، كان يوسف يشعر بتلك اللحظة بكل تفاصيلها حرارة يدي شريف الممتدة إلى يديه، خفقان قلبه الذي تسارع بفعل قربه، والحنان الصامت في كل حركة

أدرك يوسف حينها أن ما بينهما ليس مجرد صداقة عابرة، هناك رابط أعمق، مشاعر متشابكة بالكتمان، دفء واهتمام، شيء لم يتجرأ بعد على تسميته، وفي داخله صراع 

جزء منه يريد أن يسأل مباشرة عن حقيقة شريف وأنه صاحب صفحة بنموت في مصر، وجزء آخر يخشى أن يفسد اللحظة بسؤاله الذي سيفتح الكثير من الأبواب المغلقة

جلس يوسف ساكناً، يراقب شريف وهو ينام براحة، بينما يشعر أن تشابك ايديهما أكبر من مجرد لمسة بسيطة، بل هي جسر بين قلبين

إن اراد استمرار علاقتهما سواء اكانت صداقة أو شيئ آخر فعليه مصارحته فهو لن يقبل بالعلاقات التي تخفي اسراراً

فتح شريف عينيه وابعد يده الممسكة بيد يوسف ثم اعتدل في جلوسه ثم تحدث بصوته المتعب
"آسف..نمت من غير ما اخد بالي"

"ليه بتعتذر؟، إنت عيان طبيعي تنام"
رد يوسف وابتسم شريف 
"أنا مبسوط اني شفتك النهاردة"

كان نصف نائم لذا يتحدث بصراحة أكثر من المعتاد، نظر لعيني يوسف وقال بشرود
"كان هيجرالي حاجة لو ما شفتكش النهاردة"

"ليه؟"

"عشان اتعودت اشوفك كل يوم"

"روتين يعني!، زي قهوتك كده؟"
كان يحاول دفعه لتحديد نوع علاقتهما

"لا..طبعاً.."
بدأ يسعل سعالاً حاداً وعندها استقام يوسف واقفاً فوراً
"هعملك نعناع بلمون تشربه"

ذهب بسرعة للمطبخ ووضع الابريق على الموقد، وقف بجواره يفكر هل يواجه شريف أم يؤجل المواجهة حتى يشفى أولاً!

تنهد بقلة حيلة فلا يمكنه مواجهته أثناء مرضه، فهذه ليست أخلاقه، سينتظره حتى يشفى ثم سيتحدثان حديثاً طويلاً عن نوع علاقتهما وصفحة (بنموت في مصر)

ناول شريف كوب النعناع الساخن وجلس يراقبه بصمت، حتى لاحظ شريف نظراته وعندها سأل
"في حاجة؟"

عند تلك اللحظة، شعر يوسف بأن كل محاولاته لتأجيل الحديث صارت عبثاً، هو لم يعد يحتمل حمل السر أكثر، ولا يستطيع التظاهر بعد الآن بأن الأمر عادي

"إنت ليه ما قولتليش إنك ادمن بنموت في مصر"
قال بلا مقدمات وجعل شريف يتفاجأ لدرجة أن الكوب انسكب نصفه عليه

"يا نهار أبيض!"
قال يوسف في هلع، وأخذ الكوب بسرعة من يده ووضعه على الطاولة، ثم انحنى نحوه بقلق واضح
"إنت كويس؟"

"أيوة"
كانت ملامحه متألمة رغم محاولته التظاهر بالتماسك، يده ترتجف قليلاً، فقد كان فخذيه قد احترقا بسبب الماء الساخن

"هجيبلك بيجامة تانية"
قالها يوسف بسرعة، وتحرك بخطوات مضطربة نحو الغرفة، فتح الخزانة دون تردد وأخرج أول ما وقعت عليه يده، ثم استدار ليجد شريف يقف خلفه بالفعل، نظراته متوترة، وصوته أكثر هدوءاً

"أنا كويس، هغير بس"
قال محاولاً طمأنته 

خرج يوسف من الغرفة وترك شريف يبدل ملابسه، وعندما فتح الباب قال يوسف 
"نام على السرير أحسن"

سحبه برفق للسرير ثم سأله
"عندك مرهم للحروق؟"

"أيوة، ميبو في التلاجة"

ذهب يوسف إلى المطبخ بخطوات سريعة، فتح الثلاجة وهو يعض شفته السفلى بتوتر، أحضر المرهم وعاد به، حين ناوله لشريف، قال بصوتٍ منخفض يختلط فيه الخجل بالقلق
"أنا آسف بجد هعملك كوباية غيرها"

ثم اتجه للمطبخ مجدداً، وصوت الماء وهو يملأ الإبريق كان يغطي على اضطراب أنفاسه
بينما وقف هناك ينتظر غليان الماء، أحس بثقل غريب في صدره، ليس فقط بسبب الحادث الصغير، بل بسبب ما كشفه لتوه

سمع صوتاً فإلتفت ووجد شريف في المطبخ 
"قولتلك هعملك كوباية تانية بس"
اقترب محاولاً اعادته للغرفة

وقف يوسف أمام شريف، يتأمل ملامحه التي بدت مرهقة لكنها صادقة، وصوته يخرج محملاً بثقل لم يحاول إخفاءه
"يوسف أنا ما قصدتش اخدعك بس هوية اصحاب الصفحة كان لازم تفضل سرية"

"على الأقل ما كنتش ترد، كنت تتجاهلني أحسن"
كان خجلاً من الاحاديث التي تبادلها معه وكأنه شخص مختلف، فقد كان يستخدم الصفحة للتنفيس عن قلقه وافكاره الزائدة

"أنا عاملتك زي أي حد بيبعت رسايل، ما اتصرفتش بطريقة مميزة معاك كادمن الصفحة..أنا ما كدبتش عليك"

كان يوسف يشعر بالحرج أن الرجل الذي يحمل تجاهه مشاعراً هو نفسه الصفحة التي يخبرها بأسراره 

"أنا آسف بجد بس مكانش ينفع اتجاهلك، أنا عاملتك بشكل طبيعي"

سادت لحظة صمتٍ ثقيلة بينهما، لم يبددها سوى صفير الإبريق الذي كان يغلي على الموقد

وقف يوسف متشنج الكتفين، وكأن جسده كله متردد بين الهروب والبقاء
"شريف هو إنت موجود في حياتي ليه؟"
سأل بشكل مباشر بعد أن تعب من التلميحات

"إيه؟"
لم يستوعب شريف السؤال

"إنت ليه موجود؟، صاحب؟، قريب!، غريب!، ليه موجود في حياتي؟"
ارتفعت نبرة صوته 

نظر شريف إليه طويلاً، ثم قال بنبرة خافتة تتخللها نبرة تعب داخلي
"لو قولتلك هتسيبني افضل موجود؟"

لم يجبه يوسف فوراً، بل أدار بصره نحو الإبريق وهو يطلق صفيره العالي، فأطفأ الموقد ليسكت الصوت، ثم قال ببرود ظاهري يخفي ما يغلي بداخله
"على حسب"

تنهد شريف بقلة حيلة ثم رد على سؤاله بسؤال
"يوسف هو إنت بجد مش فاكرني؟"

اتسعت عينا يوسف، لم يتوقع السؤال، شعر كأنه يتلقى صفعة من الماضي
لكنه تمالك نفسه ورد بصوت منخفض، فيه مزيج من التحدي والارتباك، بعد أن استسلم عند هذه النقطة وقرر الإعتراف
"ولو فاكرك؟"

"إنت بتسألني ليه كدبت عليك مع إنك اللي بدأت الكدب أما قولت اننا ما اتقابلناش قبل كده"

تجمد يوسف في مكانه، عض على شفتيه بعجز واضح قبل أن يتمتم بخفوت
"معاك حق"

.


35. عناق مؤجل
يوسف وقف متلعثماً، قلبه يدق بسرعة غير معتادة، وعينيه مثبتتان على شريف الذي كان يقف أمامه كأن العالم كله اختزل في تلك المساحة الصغيرة بينهما

"يوسف… هو إنت بجد مش فاكرني؟"
سأل شريف بصوت منخفض، عيناه تبحثان عن اجابة في وجه يوسف

ابتلع يوسف ريقه، خفق قلبه أكثر، ثم همس بصوت يختنق بين الخجل والتوتر
"ولو فاكرك؟"

ابتسم شريف ابتسامة مشوبة بالحسرة، ثم سحب المقعد الذي يجلس عليه يوسف ليقربه منه، يده ارتجفت قليلًا وهو يمسك يد يوسف برفق
"أنا فاكرك كويس..وعايز ابقى معاك"

يوسف شعر بدفء يغمر صدره، جزء منه يريد أن يهرب من المواجهة، وجزء آخر يلهث لرؤية هذا الحب المتأخر لكنه حقيقي. ارتبك، خجله واضح، لكنه لم يبتعد

"تبقى معايا إزاي؟"
همس، عينيه لا تفارق عيني شريف، ويحاول أن يستوعب ما سمعه

شريف مد يده الأخرى، وضعها على كتفه برفق، وأمال جسده ليقترب أكثر
"مش محتاج تقول حاجة… مجرد إنك موجود جنبي كده كفاية"

كان يوسف منزعجاً أنه لم يبح بحبه مباشرةً بل اكتفى بالتلميح، لذا تحدث باستياء
"ما بحبش التلمي.."
قاطعه شريف
"أنا بحبك"

وقف يوسف للحظة، كأن الزمن تجمد من حوله، قلبه يخفق بسرعة تفوق أي شيء شعر به قبلاً، وبرغم الانزعاج الذي شعر به قبل لحظة، عاد الدهشة والارتباك يسيطران عليه حرارة غريبة انتشرت في صدره، امتزجت بخفقان عينيه ووجنتيه المحمرتين، وكأن كل جسده يصرخ بسبب الصدمة

لم يستطع الكلام فوراً، فالشعور بالطمأنينة والارتياح الذي أتى مع كلمات شريف قلب كل شيء من الداخل، شعور يوسف لم يكن مجرد إعجاب أو امتنان، بل كان خليطاً من الخجل، الرغبة، والاطمئنان، شعور بأنه أخيراً أصبح يمكنه التنفس بحرية بجانب الشخص الذي طالما أحبه بصمت بعد أن اعترف له بشكل مباشر

ارتبك يوسف بشدة، كأن اعتراف شريف ضرب قلبه قبل أذنه، نظر له بذهول، ابتلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج متقطعاً، أقرب إلى الهمس المرتبك
"بتكلمني أنا؟... بتحبني أنا؟"

ضحك شريف بخفة، اقترب منه خطوة أخرى، وقال بثقة وهو ينظر في عينيه مباشرةً
"أيوه… إنت بس"

تسارعت أنفاس يوسف، عيناه تهرب ثم تعود، وكأنه لا يعرف إلى أين ينظر أو كيف يتعامل مع ما سمعه للتو جزء منه لا يصدق، وجزء آخر يريد أن يعانقه، لكنه وقف ساكناً، يتلعثم وهو يحاول استيعاب الكلمة الصغيرة التي قلبت كيانه كله

مد يوسف يده ببطء نحو يد شريف، أمسكها برفق، كأنما يريد التأكد أن هذه الحقيقة ليست حلماً، وأن الكلمات التي سمعها ليست خيالاً خفق قلبه بسرعة، وصوته خرج متقطعاً بين ارتباك وخجل، همس بصوت متقطع
"أنا...أنا كمان"

ابتسم شريف بابتسامة دافئة، عيناه تتلألأ بالفرح، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن
"إنت كمان إيه؟"

"أنا كمان بحبك"
رد بخجل وبدأ يحاول تنظيم أنفاسه ثم تابع
"أنا بتوه بجد اما تبعد عني"

ابتسم شريف بخفة، كأن اعتراف يوسف أعاد ترتيب نبضه من جديد اقترب أكثر، حتى صارت أنفاسهما تتلامس، قال بصوت منخفض يحمل دفئاً
"وأنا ما برتاحش غير وأنا حواليك"

تجمد يوسف للحظة، عينيه لم تعد تقدر على الهروب، كل ما فيه انكسر أمام تلك النظرة الصادقة، الهواء بينهما صار أثقل

رفع شريف يده بهدوء، مسح بإبهامه على خد يوسف في لمسة مرتعشة لكنها مليئة بالحنان، وقال 
"أنا عمري ما نسيتك، إنت دايماً في بالي"

أغمض يوسف عينيه للحظة، وكأنه يحاول حفظ هذا الإحساس داخله، ثم فتحهما ببطء وهمس
"أنا كنت فاكر إني نسيتك..لحد ما اتقابلنا"

ابتسم شريف، ونظر إليه نظرة طويلة، فيها عتاب وحنين 
"أتمنى اننا ما نضيعش من بعض تاني"

نظرات شريف كانت تلتهمه ببطء، كأنها تحاسبه على كل المرات التي أخفى فيها مشاعره، فيها عتاب صامت وحنين قديم، فيها لهفة شخص انتظر طويلاً وانهكه التعب

عينيه كانت تتنقل بين ملامحه، من وجنتيه المرتبكتين إلى شفتيه 

أما يوسف، فكان جسده كله يرتجف من الداخل، لم يعد يعرف إن كانت تلك الحرارة في صدره من الخجل أم من الرغبة في أن يقترب أكثر

تسللت لمسة خفيفة إلى يده، خيط دافئ من أصابع شريف لامس جلده، فتوقف الزمن فعلاً. شعر بتيار يسري من أطراف أصابعه إلى قلبه مباشرة، كأن لمسة واحدة فقط أعادت ترتيب كل فوضاه القديمة

نظر شريف إليه بنظرة طويلة، فيها حنان يخترق الدفاعات التي بناها يوسف على مدى سنوات
في تلك النظرة، لم يكن هناك وعد أو طلب، فقط اعتراف صامت بأن كليهما وجد الأمان أخيراً

شعور غريب بالخفة اجتاح يوسف، كأن شيئاً كان يضغط على صدره وانزاح، الهواء صار دافئاً أكثر

ثم فجأة عاد شريف للخلف، استغرب يوسف لكن بعد أقل من ثانيتين
اندفعت نوبة سعال حادة من صدر شريف، انحنى قليلاً وهو يحاول السيطرة عليها، وصوته المخنوق قطع الصمت الدافئ الذي كان يغلف المكان

مشاعر القلق طغت على كل ما كان يفكر فيه يوسف قبل لحظات، وتذكر فجأة أنه لم يُجهز له كوب النعناع الذي كان قد وعده به
توجه نحو الموقد بخطوات سريعة، رفع الإبريق عن الموقد، والبخار تصاعد بخفة ليغمر المطبخ برائحة الماء المغلي، أفرغ محتواه في الكوب الزجاجي، ثم ألقى فيه أوراق النعناع الطازجة، وبدأ يُحركها بملعقة صغيرة بينما يتراقص البخار بين أصابعه

كانت يداه ترتجفان قليلاً
ليس فقط خوفاً على شريف فقط، بل لأن دفء الاعتراف ما زال عالقاً في صدره

أخذ نفساً عميقاً ثم تقدم نحوه، ساعده في الجلوس ثم وضع الكوب أمامه برفق وقال بصوت خافت
"اشرب"

لم يقل شيئاً آخر، فقط نظر إليه للحظة أطول من اللازم، نظرة امتزج فيها القلق بالعاطفة المكبوتة

شريف مد يده ليأخذ الكوب، أطراف أصابعه لامست أصابع يوسف للحظة، قصيرة لكنها كفيلة بإعادة كل المشاعر التي حاولا تمالكها قبل قليل

كانت رائحة النعناع تعبق بينهما، والسكوت هذه المرة لم يكن صمتاً محرجاً، بل راحة غير مألوفة، كأن العالم كله اختصر في كوب صغير بين يديهما

شريف رفع الكوب ببطء، أخذ رشفة صغيرة، ثم أغمض عينيه بهدوء، والدفء يتسلل إلى صدره 

رفع شريف عينيه نحوه، نظرته كانت مختلفة، أكثر صدقاً من أي مرة سابقة، كانت في عينيه تلك اللمعة التي تأتي بعد اعتراف مصيري

شعر يوسف بها قبل أن يراها، كأن الهواء بينهما أصبح أثقل قليلاً، والأنفاس أبطأ، لم يكن يدري إن كان هذا الحب الذي طال انتظاره أم بداية شيء أكبر من كليهما

مد شريف يده ووضع الكوب على الطاولة، ثم أبقى أصابعه قريبة من يد يوسف، كأنها تنتظر إشارة صغيرة فقط لتتشابك من جديد

حين وضع شريف الكوب أخيراً على الطاولة، بقيت أصابعه قريبة من يد يوسف، ثم تحركت بخفة نحوها لم يطلب، فقط لمسها 

يوسف لم يبتعد هذه المرة، ترك أصابعه تنزلق في يده، والدفء الذي انتقل بينهما كان أصدق من أي كلمة

ثم، دون تفكير، اقترب شريف أكثر
اقترب حتى صار وجهه على بُعد أنفاسٍ من وجه يوسف، وبدلًا من أن يقول شيئًا، مد ذراعيه ببطء، ضمه إليه برفق.
كان العناق هادئاً، لا يحمل اندفاعاً ولا خوفاً فقط راحة… راحة شخصين أرهقتهما الوحدة ووجدا أخيراً خلاصهما

يوسف أغمض عينيه، شعر بكتف شريف الدافئ يلامس خده، وبرائحة النعناع تتلاشى مقابل رائحة عطر شريف تمتزج برائحته المألوفة، تلك التي ارتبطت لديه بالأمان

يده ارتفعت دون وعي، استقرت على ظهره، تضغط بخفة كأنه يخشى أن يختفي إن أرخى ذراعيه

كان العناق دليلاً على ما قيل من قبل، تأكيد صامت أن كليهما، رغم كل ما حدث، اختار الآخر
وفي تلك اللحظة، لم يعد شيء في العالم يبدو معقداً
كل ما تبقى هو دفء صدرين يلتقيان، ونبضين يتناغمان للمرة الأولى

رن الهاتف فجأة، فاخترق صوته اللحظة الهشة التي كانت تجمع بينهما
تجمد يوسف في مكانه، قلبه انقبض كمن أُعيد قسراً إلى الواقع بعد حلم دافئ، نظر إلى شاشة الهاتف… الاسم الذي ظهر جعل الدم يتجمد في عروقه

ابتلع ريقه بصعوبة، شعر بثقل في صدره، ثم تنحنح ليُخفي اضطرابه قبل أن يضغط على زر الإجابة
"أيوه!" 
خرج صوته مبحوحاً، حذراً، كأنه يخشى أن ينكشف ما في قلبه عبر نبرته وحدها

"أخوك طلع مدمن يا يوسف، هو دا اللي قايلك تاخد بالك منه؟"
كانت كلمات والده حادة، كالسيف وهي تخترق أذنيه
رفع يوسف رأسه ببطء، عينيه اتسعتا، وصدره ضاق فجأة، كأن الأوكسجين في الغرفة تبخر

تفاجأ يوسف
"إيه!"
قالها لا شعورياً، صوتها كان أقرب إلى شهقة مصدومة
عبدالله مدمن!، لم يستوعب
الصور تتقافز في رأسه وهو يحاول التفكير هل فاته شيئ ما؟، فهو يرى شقيقه ابلهاً ومتهوراً ولكن ليس لدرجة التعاطي

"ارجع البيت حالاً"
قالها الأب بنبرة قاطعة ثم انهى المكالمة

"حاضر..حاضر"

ظل يوسف ممسكاً بالهاتف للحظات، كأنه فقد القدرة على الحركة
صوت الصمت بينه وبين شريف صار أثقل من أي ضجيج
أدار رأسه ببطء نحوه، وابتسامة باهتة ظهرت على وجهه، مبتسمة في ظاهرها، منكسرة في أعماقها
في عينيه كان هناك مزيج من الأسف والارتباك

مد يده وشبك أصابعه بأصابع شريف تلك اللمسة التي حملت وعوداً كثيرة في لحظة قصيرة

ضغط على يده برفق، نظراته ترجوه أن يفهم ما لم يستطع قوله
“لازم امشي"

لم يقل شريف شيئاً، اكتفى بايماءة صغيرة متفهمه
بينما ترك يوسف لمسة خفيفة على كف شريف قبل أن يبتعد

كانت يده ترتجف وهو يلتقط سترته، قلبه ممزق بين خوف على أخيه ووجع من ترك اللحظة التي كان ينتظرها منذ زمن

وقبل أن يخرج، التفت نحوه مرة أخيرة، نظرة طويلة، خافتة، مشبعة بكل ما لم يُقل
ثم خرج، تاركاً وراءه دفء العناق الذي لم يكتمل… ووعد بالعودة 

.

36. مواضيع تخص الكبار 

عاد يوسف إلى البيت بخطوات متوترة، رأسه مزدحم بالأفكار، عينيه معلقتان بالأرض، أنفاسه متقطعة، وملامحه متعبة من القلق والركض الداخلي الذي لم يتوقف منذ المكالمة

حين دخل من باب الشقة، وجد والده جالساً في غرفة الجلوس، ملامحه غاضبة على نحو لم يره منذ سنوات، يده تعانق مسبحته بعصبية، وصوته انطلق فور أن لمح يوسف
"كنت فين يا يوسف؟!"
تجمد في مكانه، نبرة أبيه كانت كفيلة بأن تفزعه

استعاد اتصاله بالواقع ثم اقترب بخطوات مترددة، صوته خرج منخفضاً متلعثماً قلق من قول شيئ قد يجعل والده يضربه هو أيضاً
"كنت...أنا جيت على طول.... هو عبدالله فين؟"

"هرب"
كلمة واحدة، لكنها سقطت في قلب يوسف كصخرة

"هرب!"
كررها بصدمة، كأنه يحاول إقناع نفسه أن ما سمعه غير صحيح، فهو لم يستوعب أن شقيقه مدمن بعد ليستوعب فكرة هروبه

أشار الأب بيده بعصبية، وقال بانفعال 
"قولتلك تاخد بالك منه، قولتلك ألف مرة يا يوسف، الولد كان بيضيع قدامك وانت ساكت، وادي آخرتها، فالح بس تقولي بلاش تضربه والجو الخولاتي بتاعكم دا"

يوسف وقف مذهولاً، وجهه شاحب، شفتيه تتحركان بلا صوت
"أنا... أنا ما كنتش أعرف... كنت فاكر بس إنه...هو إنت متأكد اصل عبدالله ما يعملهاش.."
قاطعه الأب بصوت مرتجف من الغضب
"ما كنتش تعرف؟، اومال مين اللي هيعرف؟، دا أنا قافشه وهو تحت تأثيرها، حد اتصل بيا وقالي أنه مرمي جمب الزبالة، العيال الصيع شافون بيموت رموه ومشيوا"

خفض يوسف رأسه، شعر بدمائه تغلي تحت جلده من الخزي والعجز والغضب من أصدقاء السوء الذين افسدوا شقيقه
كلماته لم تجد طريقها إلى فمه، فكل ما سمعه كان صدى كلمات والده

تراجع خطوة، مسح وجهه بكفيه، صوته خرج مبحوحاً
"هروح أدور عليه"

لكن والده صرخ بحدة
"اما تلاقيه أنا هموته..أنا هربيه بطريقتي ومش هسيبك تضيعه تاني"

كانت الكلمات كالسياط، تترك أثرها داخله أكثر من أي عقاب
ظل واقفًا، يحدق في الأرض، محاولاً تمالك نفسه، لكنه شعر بالاختناق

عاد ذهنه للحظة التي ترك فيها شريف، يداه التي كانت لا تزال تحتفظ بحرارة كف شريف بينهما، الآن ترتجفان من الخوف

في تلك اللحظة أدرك يوسف أنه خسر شيئاً آخر غير أخيه، خسر طمأنينته، خسر تلك الدقائق القليلة من السلام التي عاشها في حضن من أحب

قضى يوسف ساعات طويلة يتنقل بين الأزقة والمقاهي التي اعتاد عبد الله ارتيادها، يسأل هذا ويستوقف ذاك، وعيناه تائهتان كمن يبحث عن شبح

كان التعب بادياً على وجهه، وصوته مبحوحاً من كثرة السؤال، لكن الإجابات كانت تتشابه جميعها
"ماشفناهوش من امبارح"

ازداد القلق في صدره، شعور خانق كقبضة تضيق على قلبه شيئاً فشيئاً، حتى وصل أخيراً إلى مقهى صغير يعرف أن عبد الله كان يقضي فيه معظم وقته 

تقدم بخطوات مترددة، كان اليأس قد تمكن منه، لكنه واصل طرح نفس السؤال، ثم التفت إلى مجموعة من الشباب يجلسون في الركن

رفع أحدهم رأسه وقال بعد لحظة تذكر
"أيوه، شفته… كان مع واحد بيقول إنه قريبه، جه أخده ومشيوا سوا"

ارتفع صوت أنفاسه، إحساس غريب بالخطر بدأ يزحف في صدره، سأل الشاب بنبرة مضطربة، صوته يخرج متقطعاً بين خوف واستعجال
"قريبه؟ قصدك مين؟ تعرف اسمه؟"

هز الولد كتفيه ورد
«والله ماعرفش، كان شاب كده، لابس جاكيته زرقا، قالنا أنه قريبه ومشيوا مع بعض وهما بيهزروا عادي"

أخرج يوسف هاتفه بسرعة ويداه ترتجفان قليلاً، بحث في قائمة الأسماء حتى وصل إلى رقم "علي"
ضغط على الاتصال وانتظر، لكن الرد لم يأتي
الصوت الميكانيكي البارد أجابه
"الهاتف الذي طلبته مغلق أو خارج نطاق الخدمة"

تراجع يوسف خطوة، أنفاسه اختنقت في صدره، والشك بدأ يتحول إلى يقين غامض بأن هناك مصيبة ستحدث، حاول أن يقنع نفسه بأن الهاتف قد نفدت بطاريته، لكنه لم ينجح. تلك الصدفة السيئة لا تُشبه الصدف… كانت كأنها رسالة تحذير.

قرر الاتصال بعمه ناصر، والد علي، كي يستطيع الوصول لإبنه
رنّ الهاتف مرتين قبل أن يأتيه صوت العم، جافاُ بعض الشيء كالعادة
"يوسف! خير يا ابني، اتصلت بيا بالغلط ولا في حاجة؟"

ابتلع يوسف توتره وقلب عينيه بضجر من جملة عمه التي يكررها عليه في كل مرة يتصل بها
"أيوه يا عمي، كنت محتاج عنوان علي في مصر، الموضوع ضروري شوية، يخص العيلة"

سكت ناصر للحظة، وصوته اتخذ نبرة حذرة
"موضوع العيلة؟ خير؟ في إيه؟"

يوسف حاول أن يُبقي صوته طبيعياً، متجنباً كشف سبب قلقه الحقيقي
"هكلمه الأول يا عمي وأشرح له، وبعدين نحكيلك سوا، احنا خلاص كبرنا وبقينا رجالة، تقدر تثق إننا نتصرف كويس"

ضحك ناصر بخفة قصيرة فيها شيء من الفخر، ثم قال 
"تمام يا يوسف، طالما الموضوع كده…"

بدأ يوسف يكتب بسرعة وهو يصغي إلى العنوان
وقبل أن يُنهي المكالمة، قال له عمه بنبرة جادة
"بس لما تشوفوا بعض عايز أسمع الموضوع منكم كرجالة فاهمين، مش عيال"

"أكيد يا عمي، وعد"
أنهى المكالمة

توجه يوسف إلى العنوان الذي أعطاه له عمه، خطواته متسارعة وقلبه يطرق صدره بقلق واضح
المبنى قديم جدرانه متآكله، وصوت المذياع من أحد الشقق يذيع اخبار المساء، صعد الدرج بخطوات مضطربة حتى وصل إلى باب الشقة حيث يسكن علي، طرق الباب عدة مرات، إلى أن فتح له أحد الشباب، ملامحه مرهقة وعيناه متعبتان من السهر

"هو علي هنا؟"
سأل يوسف بصوت متردد

"علي؟ لأ والله، ماشفناهوش من امبارح، خرج ومارجعش"
رد الشاب بنبرة ناعسة

تجمد يوسف للحظة، شعر بأن الهواء انقطع من حوله، سأل بصوت مضطرب
"يعني إيه ما رجعش؟ حد فيكم كلمه؟ في حاجة حصلت؟"

تدافع ثلاثة شباب آخرين وردوا عليه بنفس الإجابة بعد أن ملأ التوتر الجو، كانوا فضوليين أيضاً تجاه الزائر الغريب لأنه لم يسبق أن زارهم أحد من قبل

بدأت أنفاس يوسف تضيق شيئاً فشيئاً، وارتعشت يداه بشكل واضح حاول أن يتحدث لكنه لم يجد الكلمات، انتشرت الرعشة حتى ساقيه

اقترب أحد زملاء علي وأمسكه من ذراعه بعد أن لاحظ رعشته قائلاً بقلق وهو يسحبه لمقعد احضره شاب آخر
"تعالى ارتاح شوية، شكلك تعبان"

وكأي مصريين روتينيين يرون شخص متعباً قاموا بتقديم العصير له
"أشرب بس وهتبقى كويس"

شرب يوسف رشفة صغيرة فقط، طعم العصير لم يصل إلى فمه، كل ما شعر به هو طنين في أذنيه وصورة عبدالله وهي تومض في رأسه ككابوس متكرر

بعد دقائق، بدأ يستعيد السيطرة على تنفسه ووعيه بجسده، شكرهم بصوت خافت ونهض رغم محاولاتهم معه أن يرتاح لفترة أطول

خرج إلى الشارع المزدحم، ضوء الغروب انعكس على وجهه المتعب سار بلا اتجاه محدد
رن هاتفه فجأة، نظر إلى الشاشة، وكان الاسم واضحاً سلمى

رفع الهاتف إلى أذنه بصوت مرهق
"أنا مش كويس خالص يا سلمى"

جاء صوتها مفعماً بالمرح المعتاد
"ولو قولتلك إني معايا حاجة بتدور عليها؟"

زفر يوسف ساخراً
"هيكون معاكي عبدالله يعني؟"

ساد الصمت للحظة قصيرة، قبل أن تأتي الإجابة بصوت عبدالله نفسه
"أيوة"

شهق يوسف كأنه يتنفس لأول مرة منذ ساعات وبدأ يتحدث بإندفاع متلعثماً
"عبدالله!، إزاي؟، إنت فين؟"

جاء صوت سلمى مجدداً
"تعالى على القهوة بتاعتنا وأنا هحكيلك كل حاجة"

.


37. عد لحد خمسة...
ذهب يوسف للمقهى وفور رؤيته لشقيقه عانقه بقوة كأنما يخشى أن يختفي إن تركه للحظة، وكأنه لا يصدق أنه وجده أخيراً

رفع رأسه أخيراً ونظر حوله، فوجد سلمى وأيهم وسهى جالسين على الطاولة المقابلة، يراقبون المشهد بصمت يشبه نظرات من سلموا طفلاً تائهاً لأهله أخيراً وجوههم تجمع بين الارتياح والحرج

قال يوسف بحدة وهو يقبض على كتفي عبدالله
"كنت فين؟ ليه عملت كده؟!"

قاطعته سلمى وهي ترفع يدها كمن يطلب الهدوء
"اهدى يا يوسف"
ثم التفتت نحو النادل القريب وأشارت له بإيماءة معتادة
"هاتله ليمون يا وائل، بسرعة"

سحبته سهى ليجلس وهي تقول بمرح يتخلله ضحكها المجنون
"اللفلك سجارة تروقك ولا إيه؟"

"سهى الموضوع دا مافيهوش هزار"
نظر لشقيقه 
"ليه عملت كده؟، بابا عايز يموتك"

"اهدى"
رفعت سلمى صوتها ثم سحبته ليجلس
"أخوك ما عملش حاجة، ابن عمك اللي حطله في العصير"

"وإنتي مصدقاه؟"
استنكر وقوست سلمى حاجبيه بتعجب
"وهيكدب ليه؟"

صدى السؤال في عقله لثواني، لقد رد كوالده، منذ متى وهو يقوم بتكذيب شقيقه؟، لقد تأثر بصراخ والده وتحدث مثله

"معاكي حق...أنا آسف"

"حبيبي ولا يهمك، بس اهدى على نفسك شوية"

"انتم لقيتوه إزاي؟"
سأل مالت سلمى على اُذنه
"كلمت ادمن بنموت في مصر، واحنا كتار أوي، لقيناه"

"يالهوي!"
تفاجأ وشعر بالقلق من أن يكون الأمر قد وصل لأقاربه
"ولو وصل الموضوع لأهلي؟"

"هيوصله إزاي؟، عملنا جروب للأشخاص الموثوقين، والموثوقين بعتوا لناس موثوقين...وترا...لقيناه"
كانت تشرح بمرح وحيوية

احضر النادل عصير الليمون، واجبرته سلمى على شربه، بعدها بدأ ينظم أنفاسه حتى هدأ، وبدأ يراقب شقيقه وهو يتبادل الأحاديث مع أصدقائه وهم يضحكون باستمتاع

لم يتخيل أبداً أن شيئ كهذا قد يحدث
"خلي بالك احنا صحاب اخوك مش اصحابك، مش عايزين نشوفك تاني"
نبهه أيهم

"ليه؟"
تذمر عبدالله فقد كان يراهم مجموعة مسلية

"ما تسألش بدل ما سلمى هي اللي هترد عليك"
قالت سهى هامسةً وعندها نظر عبدالله لسلمى التي كانت تعبث بهاتفها بوجه متجهم مرعب

"في حاجة؟"
سأل يوسف لتبعد عينيها عن الهاتف وتستقيم واقفة

"لقينا عبدالله...مبروك..أنا ورايا حاجة اعملها"
قالت ثم لوحت مودعة وغادرت

"في حد جنازته هتبقى النهاردة"
علقت سهى ضاحكة

"بمناسبة الجنازات يلا نرجع لبابا؟"
قال يوسف وعندها ارتعب عبدالله 
"مش هتخليه يضربني؟"

"لا، ما تقلقش، بس احكيلي بالظبط كل حاجة"
رد بقلة حيلة وعندها بدأ عبدالله يروي له بالضبط ما حدث

كان يجلس مع اصدقائه وفجأة مر عليه علي وطلب منه المساعدة مقابل المال، ولأن عبدالله بلا عمل في الوقت الحالي وجدها فرصة جيدة لكسب المال

لكنه لم يكن يعلم نهاية هذا الطلب، لقد لمح على بضع مسحوقاً في العصير لكنه خمن أنه لربما سكر مطحون، فهو لم يكن ليتخيل أن ابن عمه قد يؤذيه 

كان يوسف على عكسه، فقد توقع هذا من علي بالأخص، فلطالما كره عبدالله وكره أنه اذكى منه، فبالرغم من درجات عبدالله المتدنية فقد كان ذكياً حقاً، لكنه أكسل من أن يركز في الإختبارات

لذا كان يستخدم ذكائه في الأمور الحياتيه فقط 

عاد يوسف إلى المنزل برفقة عبدالله، والليل يزحف ببطء على الشوارع التي بدت ساكنة أكثر من اللازم، كأنها تستشعر العاصفة المقبلة

فتح الباب بهدوء، ووجد والده جالساً في الصالة، ينتظر، ووجهه متجهم على نحو ينذر بالكارثة
بمجرد أن وقعت عيناه على عبدالله، ارتفع صوته كالصفعة
"أخيراً شرفت"

لم يمهل أحداً فرصة للرد، اندفع إلى غرفته بسرعة، وعاد يحمل الحزام الجلدي، وقف يوسف في المنتصف فوراً، جسده حاجز بين والده وأخيه الذي اشار له ليختبأ في غرفته

"استنى يا بابا، اسمعني الأول"

كان صراخ والده يتردد في المنزل 
"ابعد من وشي يا يوسف"

"هو غلطان، أيوه، بس اسمعني الأول"
لكن الغضب في عيني الأب كان أعمى
اندفع نحوه دون تفكير، والحزام انطلق في الهواء قبل أن يهوي على كتف يوسف بصوت حاد اخترق الصالة
صرخ يوسف من الألم، لكنه ظل واقفاً، ثابتاً أمام الباب، يحمي عبدالله بجسده المرتعش

"قولتلك ابعد"
صاح الأب مجدداً وضربه هذه المرة في بطنه، ضربة قوية جعلت الهواء يهرب من صدره دفعة واحدة

تراجع يوسف خطوة، ثم أخرى، بينما الألم يتضاعف مع كل نفس، وصوت أمه من بعيد يصرخ باسمه، لكن كل شيء صار باهتاً

أحس بدوار شديد، جدران المنزل بدأت تميل من حوله، كل ما رآه قبل أن ينهار هو وجه عبدالله، فزع، يمد يده نحوه ويصرخ باسمه
ثم سقط يوسف أرضاً فاقداً الوعي
وصوت والده اختفى تماماً بين صرخات البيت المرتبكة

استيقظ يوسف متألماً من ضرب والده، يشعر بألم نابض في بطنه وكتفه، ورأسه يملأه الطنين وكأنه عش دبابير،. فجأة تذكر أنه فوت ميعاد جرعتين من أدويته النفسية اليوم، تساءل في نفسه
هل هذا سبب فقدانه للتوازن والدوار؟ فالأدوية النفسية، كما يعرف، تتحكم بكيمياء المخ، فهو معتاد على ضرب والده وبالتأكيد الضرب ليس سبب فقدانه لوعيه

القى نظرة سريعة على الباب وهو يسمع بتركيز ليتأكد أنه لا يوجد أحد قادم لغرفته، ثم فتح درجه السري وأخرج ادويته، ابتلعها بلا ماء كعادته ثم اغلق الدرج بحرص

امسك هاتفه ليتفقد الرسائل وتجاهل جميع الرسائل وتوجه مباشرةً لرسائل شريف

"عامل إيه؟"
ابتسم بخجل بتلقائية بعد أن قرأ الرسالة ثم عض ظفر ابهامه

"كويس"
رد ولم تتبدد ابتسامته حتى اللحظة

"وحشتني"

"إنت كمان"

"اقابلك في الشغل؟"

"غالباً مش هروح"

"ليه؟"

"تعبان شوية"
لم يرد اخباره بأنه تعرض للتعنيف من والده، لسببين، الأول أنه يشعر بالخجل من كونه تعرض للتعنيف كطفل اخطأ، والثاني أنه لا يريد الشفقة من شريف

"ممكن اعدي عليك"
حدق في رسالته لثواني

هل يريد لشريف رؤية هذا الجانب منه؟، هو قطعاً لن يروي له عن والده فهو لا يريد أن تختلط مشاعرهما بصدماته
"لا، بلاش، هشوفك بكرة"

"نلعب طايرة؟"
سأل ورغم ارهاق يوسف فقد كان يستمتع برؤية شريف يلعب فرد
"ماشي...بس أنا هتفرج بس مش هلعب"

"وإيه المتعة في كده؟"
استنكر شريف

"اهو كيفي كده"
رد بعناد وهو يتخيل تعبيرات وجه شريف عندما يقرأ رسالته

"ماشي، زي ما تحب"

انفتح الباب وعندها أغلق شاشة هاتفه ووضعه جانباً، كان القادم والدته التي سألت بقلق 
"عامل إيه دلوقتي؟"

"أنا زي الفل ما تقلقيش"

"ما تكدبش، أنا شفت ابوك وهو بيضربك، بس ما تقلقش انا اخدت حقك"

قالت وعندها رد يوسف ضاحكاً
"إنتي بتتلككي عشان عايزة تتخانقي معاه وبتلبسيهالي!"
كانت والدته تتشاجر مع والده بإستمرار، وكأنها هواية نكسر الروتين الذي تعيش به

صفعت كتفه بخفة مكان الضربه وعندها صرخ من الألم فقالت بسرعة بتوتر
"ما كانش قصدي، بهزر معاك"

"ولا يهمك يا أمي، اكسري وأنا اجبس"

"يبعد الشر عنك، ما عاش ولا كان اللي يكسرك"

"اهو شايفة بتتلككي عشان عايزة تتخانقي مع بابا وخلاص"
قال ضاحكاً

تذكر عبدالله فقال بسرعة
"عبدالله فين؟"

"مرزي في اوضته"

"اوعي يكون بابا ضربه!"
كان قلقاً من أن يكون مجهوده قد ذهب بلا فائدة وأن يكون والده قد ضربه

"حوشت عنه، مع إن الود ودي اسيب ابوك يربيه، هي حصلت مخدرات!"

"يا أمي إنتي تعرفي دا عن عبدالله؟، عبدالله اخره يدمن ترمس، مخدرات إيه اللي ياخدها"

"وجالنا ليه وهو ضارب بقى؟"
لم تصدقه

"هحكيلك، بس هاتيلي مية عشان ريقي ناشف"

"حاضر يا حبيبي"
خرجت من الغرفة وعندها فتح محادثة شريف ليقرأ آخر رسالة

"المهم تكون موجود معايا...بتلعب أو لا مش مهم"
ابتسم بخجل بعد أن قرأ الرسالة

.

38.أنت لي
جهز يوسف نفسه للخروج لمقابلة شريف قبل العمل، شعر بوخزة من التوتر وهو يرتدي معطفه ويحزم حقيبته، قبل أن يفتح الباب سمع والده يتنحنح خلفه، فالتفت ببطء، وإذا به يجلس هناك بنظرة جادة وقليل من القلق

"عايز اتكلم معاك لحظة"

جلس يوسف في المقعد المقابل له، يحاول السيطرة على تنفسه الخافت، وقال بصوت هادئ
"اؤمرني"

كان والده متوتراً، غير متأكد من طريقة بدء الحديث، فقد كان يعرف قيمة يوسف ويحترمه، ويعلم أنه لن يحظى بإبن مثله
مجتهد، متفوق، كان يعمل أثناء الدراسة، ولم يكلفهم جنيهاً واحداً على تعليمه فقد كان يكسب قوت يومه بنفسه من عمله، بخلاف عبدالله الذي يرى فيه فشلاً متراكماً

"إنت عارف إني بحبك صح؟"
أومأ يوسف برأسه
"أكيد"

"أنا اتعصبت بس من اخوك لأنه عرنا"

رفع يوسف حاجبيه ودافع عن شقيقه
"عبدالله عمره ما يعمل كده يا بابا"

تنهد والده، وارتخت كتفاه قليلاً
"مش مهم، يغور عبدالله، إنت اللي تهمني دلوقتي"

"لا، مهم تعرف إن عبدالله مش عيل صايع وأنه عمره ما يعمل كده"
كان يصر على الدفاع عن شقيقه

"طيب، صدقتك، ارتحت كده؟"

ابتلع يوسف ريقه وحاول انهاء الموضوع
"حصل خير...ممكن امشي؟، ورايا شغل"

ابتسم والده أخيراً بطريقة هادئة
"روح شغلك يا ابني"

فتح يوسف الباب بخطوات سريعة، قلبه يرفرف من الحماس والترقب لمقابلة شريف، وترك وراءه كل ما أثقل صدره قبل لحظة، يشعر بأن كل شيء آخر أصبح خلفه، وأن لحظة اللقاء تنتظره بكل دفئها

وصل يوسف للنادي وظلت عيناه تجوبان بحثاً عن شريف حتى وقعت عيناه عليه، يقف في الملعب، يمسح عرق جبينه

اقترب يوسف من شريف بسرعة، كأن كل لحظة تأخير تزيد شعوره بالاشتياق، وعندما وصل إليه، التف حوله بذراعيه في عناق طويل، مشدود لكنه مفعم بالحنان، وكأن جسده يحاول أن يثبت لنفسه أن شريف هنا، حقيقي

ذراع شريف التفت حول يوسف برفق، يمسح ظهره بخفة بين حين وآخر، كأنه يشارك يوسف شعور الأمان نفسه، بينما أصابع يوسف تتشابك مع ظهر شريف وتضغط قليلاً، محاولة أن تثبت أن هذا العناق ليس حلماً

حرارة أجسادهم امتزجت، ودفء الأنفاس جعل قلب يوسف يخفق بشدة، يختلط معه شعور بالراحة والاطمئنان والرغبة في البقاء على هذا الوضع للأبد

كل لمسة صغيرة، كل ضغط من اليدين، وكل ميل من الجسد إلى الآخر كان يحمل معنى، رسالة صامتة عن الشوق المكبوت والفرح باللقاء بعد فترات انتظار طويلة

أغمض يوسف عينيه للحظة، مستمتعًا بالهدوء الذي يملأ صدره، بالدفء الذي يحيط به من كل جانب، وبحقيقة أن شريف موجود، في حضنه، وأنه لم يعد وحيداً مع مشاعره بعد الآن

بعد أن أنهى العناق، سأل شريف يوسف عن حاله، لكن يوسف كان غارقًا في شدة تركيزه على وجه شريف، عيناه تتتبع ملامحه بدقة، تمر على عينيه، شفتيه، تفاصيل وجهه الصغيرة التي طالما أثارته

لم يستطع نطق كلمة، اكتفى بالايماء والابتسام وهو يتأمل وجهه

جلس يوسف على مقاعد الاحتياط، عينيه لا تفارق شريف، وكأن كل حركة منه، كل لمسة للكرة، وكل خطوة يخطوها تعكس له شيئاِ أعمق من مجرد لعبة

كان شارداً في مشاعره، يراقب تفاصيل وجهه بدقة، عينيه التي تلمع بالتركيز، شفتيه التي تتحرك أحياناً بلا وعي، وعضلات وجهه المتوترة أحياناً من الجهد، صراخه على اللاعبين عندما يرتكبون خطئاً، كل شيء فيه بدا ليوسف مميزاً، كأن شريف هنا وفي الوقت ذاته بعيد عنه تماماً

شريف لاحظ نظرات يوسف، وعندها تلاشى عبوسه وابتسم ابتسامة صافية، وعيناه تلمعان بلطف ثم لوح له 

شعر يوسف بدفء يغمر صدره، خليط من الإعجاب والحنين والطمأنينة، لكنه فضل الصمت، مكتفياً بالمشاهدة، كل حركة لشريف كانت تربك قلبه، وكل لمحة عين منه كانت رسالة صامتة تزعزع استقراره، تزرع فيه شعوراً مميزاً لم يقم بتسميته بعد 

حتى عندما أشار شريف للكرة أو تفاعل مع زملائه في الملعب، ظل يوسف متمركزاً في مكانه، يراقب، يحفظ، ويتذوق اللحظة

بعد انتهاء المباراة اقترب شريف وسأل يوسف عن رأيه في أدائه بمرح، ظل يتحدث معه لبعض الوقت بينما يرد يوسف ردود بسيطة، ثم قال شريف أنه سيذهب للاستحمام سريعاً وتبديل ملابسه

مرت الدقائق كالساعات بالنسبة ليوسف، كل ثانية ثقيلة بشوقه وترقبه، فتوجه نحو غرفة تبديل الملابس ليتفقده

وعندها رأى شريف يخرج من الحمام عاري الصدر، وهو يجفف شعره، ارتبك يوسف تماماً، وأنفاسه صارت قصيرة متقطعة، كل حركة من شريف كانت تأسره وتزيد من ارتعاش جسده

وقف يوسف قلبه يخفق بسرعة غير معتادة، ويداه ترتجفان قليلاً وهو يحاول أن يسيطر على حرارة وجنتيه المتصاعدة

عضلات الصدر المشدودة، قطرات الماء التي تتلألأ على جسده، وخصلة الشعر التي تتساقط على جبينه، حاول يوسف أن ينظر بعيداً، أن يركز على أي شيء آخر في الغرفة، لكن عينيه كانت تعود تلقائياً إلى شريف، وكأنما هناك مغناطيس خفي يجذبه إليه

الهواء بدا أثقل، وكل ثانية تمر كانت مليئة بالخجل، الرغبة، والدهشة التي تزداد مع كل نفس
شعر يوسف وكأنه يختنق قليلاً من شدة المشاعر، وكأن قلبه يصرخ بأنه يريد الاقتراب، لكنه متردد، متوتر، وخائف من أن يفضح كل إحساس دفين في صدره

شعر شريف بالقلق واقترب منه بخطوات هادئة، صوته منخفض وهو يسأله
"انت كويس؟"

عاد يوسف خطوة إلى الوراء، يحاول تنظيم أنفاسه، قلبه يخفق بسرعة، ويداه ترتجفان من مزيج الحرج والدهشة، لكنه لم يستطع كبح ابتسامته المشرقة بالحب حين سمع اسمه يُنادى بصوت رقيق
"يوسف..."

كرر شريف نداءه، بنبرة أكثر حزماً لكن مع لمسة حنان
"يوسف..."

ابتسم يوسف بشرود، كأن كلماته خرجت من قلبه قبل فمه
"يا قلب يوسف"

اقترب يوسف أكثر، وأحاط ذراعيه حول رقبة شريف، وجذبه نحو صدره، ليشعر بدفء جسده وكأن كل ما حوله اختفى، تاركاً بينهما مساحة ضيقة مليئة بالشوق والحنين

قبل يوسف شريف قبلة خفيفة، دافئة، تحمل مزيجاً من الحنان والاشتياق، ثم زادت قوتها تدريجياً، فارتجف يوسف من شدة المشاعر، واندمجت أنفاسهما معاً، كل لمسة كل نظرة وكل خفقة قلب تعبر عن الوقت الذي قضياه في الصمت والانتظار

ابتعد شريف قليلًا، ينظر في عيني يوسف، يلمح الخجل والارتباك المختلط بالشغف، وقال بصوت منخفض
"أنا بحبك..."

ارتجف يوسف قليلاً قبل أن يهمس بصوت متقطع
"وأنا كمان... بحبك"

عاد شريف ليميل نحو يوسف، قبلة أطول وأعمق، كل لمسة تحمل وعداً، وكل همسة تعكس الشغف المكتوم شعر يوسف بدقات قلبه تتسابق مع دقات قلب شريف، وكأن الزمن توقف بينهما، وكل ما يهمهما الآن هو دفء هذا العناق وهذه اللحظة التي طال انتظارها

زاد من قربهما، شعوره بأن يوسف هنا، حقيقي، ليس خيالًا، ملأ قلبه بالطمأنينة، كل حركة كانت لغة صامتة تقول
"أنا هنا...وأنت لي"

ابتعدا قليلاً عن بعضهما، لكن ببطء، لم يرغب أي منهما في إنهاء اللحظة، أبصرا لبعضهما بعينين تلمعان بالحب، والابتسامة على وجهيهما لم تفارقهما، وكأن العالم كله أصبح خلف هذا الحاجز الصغير من الدفء والحميمية

.

39. الحب كله

قبيل الفجر، حين كان المتجر يغط في السكون، دخل شريف قاطعاً الصمت وهو يحمل حقيبة هدايا كبيرة، وعلى وجهه ابتسامة خجولة تعبر أكثر مما تنطق، ابتسم يوسف بتلقائية كعادته عندما يرى شريف

تقدم شريف بهدوء، وقدم ليوسف الحقيبة
استغرب يوسف للحظة، ثم فتحها بفضول، وجد بها بطانية باللون الرمادي الفاتح، محاكة بخيط البافي الناعم

تصلب يوسف للحظة، ثم تذكر
كان قد تمنى هذه البطانية سابقاً في إحدى محادثاته العادية مع شريف، لكنه كان قد نسي تماماً أنه حادثه عنها، فبالنسبة ليوسف، كانت مجرد تفصيلة عابرة

"معلش اتأخرت عقبال ما عملتها، بس كنت بشتغل عليها وقت ما أفضي"
قال شريف بهدوء، موضحاً أن الهدية ليست جاهزة، بل مصنوعة يدوياً بيديه الدافئتين

هذا الاهتمام بالتفاصيل البسيطة، وتلك اللفتة العملية والحميمة التي دلت على أن شريف كان يستمع بعمق لكل كلمة ليوسف، كانت أكثر تأثيراً من ألف كلمة حب شعور يوسف بأن أحداً يهتم ويحفظ أمنياته البسيطة غمره بالامتنان والدفء، وتلاشى القلق للحظة

لم يستطع يوسف أن يتكلم من فرط مشاعره التي داهمته، أعاد البطانية بسرعة إلى الحقيبة، ثم سحب شريف من ذراعه بقوة مفاجئة، اتجه به نحو حمام الموظفين الفارغ في ذلك الوقت، ودفع الباب خلفهما

في عزلة حميمية وفارغة، لم تعد الكلمات ضرورية، ارتمى يوسف على شريف وقبله كانت القبلة تحمل اعتراف يوسف الصامت بالحب، كانت انغماس عاطفي وشكراً على الدفء والأمان الذي جلبه شريف إلى عالمه البارد

شعر يوسف بيد شريف القوية تلتف حول ظهره، كانت قبلة طويلة، متبادلة، حيث امتزجت رائحة القهوة والعطر الرجولي الخفيف على قميص شريف برغبة يوسف الملحة في الثقة والتعلق بهذا الرجل الذي أثبت أنه يستحق كل المودة

كانت قُبلات لزجة طويلة، في تلك اللحظة، شعر يوسف بأنه مُحتوى بالكامل، وأن كل الأقنعة سقطت أمام هذا الحب العملي والصادق

"يوسف!"
سمع صوت عادل وعندها فصل القبلة بسرعة ثم أشار لشريف أن يبقى مكانه، خرج من الحمام ثم عاد بسرعة لمكانه وهو يمسح شفتيه 
"هنا!، جيت بدري يعني!"

عاد لمكانه خلف طاولة الحساب ورد عادل بخيبة
"اتخانقنا"

"هو مين دا اللي بتقابله وش الفجر؟"
سأل محاولاً أن يشتت الانتباه عنه

"بنت كنا سوا بس خلاص بقى"

"ما طبيعي، مش لاقيين معاد إلا قبل الفجر؟"
سخر يوسف 

"بقولك إيه انا مش ناقص تقطيم"
قال بإنزعاج واضح فرد يوسف
"ماشي يا سيدي"

خرج شريف من الحمام ثم أخذ علبة شوكولاته من الرف واقترب من طاولة شريف متظاهراً بأنه كان في المتجر فقط

دفع ثمنها ثم ابتسم ليوسف الذي كان مرتبكاً ورمقه بنظرات تحذيرية، غادر شريف في النهاية تاركاً يوسف يتأمل حقيبة الهدايا 

بقى مزاج يوسف جيداً في ذلك الصباح، حتى حين تأخرت زميلته عن الحضور، وتذمرت تذمراتها المعتادة، رغم هذا لم يعل صوته، ولم يتنهد بضيق كما يفعل كل مرة، اكتفى بنظرة عابرة نحو الساعة ثم غادر 

خرج من المتجر في صمت، يده في جيبه وشفتيه تعلوهما ابتسامة واسعة بلهاء، كانت نابعة من عمق دافئ بداخله، حتى الهواء بدا البارد، لم يجعله يشعر بالبرد، فقد كانت هدية شريف التي يحملها في يده تمنحه شعوراً غامراً بالدفء

وجد شريف ينتظره قرب عربة القهوة، اقترب منه بشوق ثم القى التحية لاهثاً من فرط شوقه رغم أنهما كانا معاً منذ دقائق
"هاي!"

"وحشتني"
همس شريف واتسعت ابتسامة يوسف الخجلة

"قهوة مظبوطة"
اخبر الرجل ليقوم باعداد قهوة لهما

جلسا وقدم شريف له كيس الإفطار كالعادة، ورغم أن هذا شيئ كان يقوم به شريف منذ مدة فإن الإفطار كان له نكهة مختلفة، لأن هذه المرة شريف قدمه له بصفته حبيبه وليس مجرد رجل عادي يعرفه 

جلس يوسف أمام شريف وهو لا يكاد يصدق أن هذا الصباح حقيقي، أن كل تلك التفاصيل الصغيرة التي لطالما تمنى حدوثها، تحدث الآن ببساطة

كانت يداه لا تزالان تمسكان بكوب القهوة، لكنه لم ينتبه حتى لحرارته، فذهنه مشتّت بين ملامح شريف وصوته، وبين البطانية الرمادية التي ما زال ملمسها على أطراف أصابعه

"هو فعلاً عملها بإيده؟"
سؤال تردد في ذهنه عشرات المرات، يرافقه ذاك الإحساس الطفولي بالدهشة والامتنان، لم تكن البطانية مجرد هدية، بل دليل اهتمام، شيء يقول له دون كلمات
"أنا فاكر كل كلمة قولتها، حتى اللي قلتها وانت مش واخد بالك"

كان قلبه يخفق بخفة غريبة، ونظرته لا تعرف أين تستقر، كل مرة تلتقي فيها عيناه بعيني شريف كان يشعر وكأنه يُضبط متلبساً بالحب، فيشيح ببصره سريعاً، ثم يعود ليتأمل تفاصيل وجهه من جديد كأنما لا يمكنه المقاومة

لم يكن يدري أيهما أسعده أكثر الغطاء الذي صنعه شريف بنفسه، أم نظرة الحنان التي يرمقه بها الآن، تلك النظرة التي تحمل ألف اعتذار وألف وعد في الوقت نفسه

ابتسم يوسف ابتسامة هائمة، ورفع كوبه ليخفي بها ارتباكه، بينما كان داخله يعج بحياة لم يعرفها من قبل، دفء يشبه البطانية الناعمة تماماً لكن مصدره هذه المرة لم يكن خيطاً ولا صوفاً، بل قلب شريف نفسه

كان طريق العودة هذه المرة مختلفاً تماماً، السماء رمادية تميل للزرقة، والهواء البارد يداعب أطرافهما دون أن يتمكن من إفساد دفئهما الداخلي كانا يسيران جنباً إلى جنب، كفيهما يتلامسان في كل خطوة، وبينهما أحاديث متقطعة وضحكات خافتة تنساب كالموسيقى بين ضجيج السيارات

يوسف كان يتكلم أكثر من عادته، يحكي تفاصيل صغيرة لا معنى لها، فقط لأنه يريد أن يسمع صوت شريف وهو يجيبه، كل كلمة من الأخير كانت تترك دفئاً في صدره، حتى أن خطواته خفت كأنه يخشى أن يصل للمتزل فيفترقا

كان شريف يلتفت إليه بين الحين والآخر بابتسامة مطمئنة، فيشعر يوسف أن كل ما في الحياة مستقر بسبب تلك الابتسامة فقط

عند المفترق، تبادلا نظرة صامتة تشبه وعداً غير معلن، قبلَ شريف جبينه بنعومة جعلت يوسف يشهق من الصدمة، لوح له شريف وغمز ثم افترقا بخفة تُخفي ثقل الاشتياق القادم

واصل يوسف طريقه وحده، يده تضغط على حقيبة الهدايا، وجهه ما زال يعلوه ابتسامة لا تزول، بدأ يدندن أغنية لأم كلثوم

الهوى العطشان عطشان في قلبي بيندهك
يا أرق من النسمة وأجمل من ملك
إنت روحي وكل عمري ونور حياتي
انت روحي وكل عمري ونور حياتي، يا حياتي

حين وصل إلى باب البيت، تسربت إلى داخله رهبة خفيفة. أدخل المفتاح ببطء، وما إن فتح الباب حتى جمد في مكانه
كانت والدته واقفة في الردهة، وجهها يحمل مزيجاً من الدهشة والهدوء المريب، نظرتها انزلقت ببطء إلى الحقيبة التي يحملها، ثم عادت لترتفع نحوه من جديد

في تلك اللحظة، انكمش قلب يوسف كأن الهواء تجمد حوله
شعر بوخزة قلق في صدره، نظراتها كانت تفكّكه في صمت، تفحصه بعيني أم تعرف متى يختبئ ابنها شيئاً
حاول أن يرسم ابتسامة عابرة، أو يفر إلى غرفته، لكن خطواتها نحوه كانت بطيئة وثابتة، وعيناها لا تزالان تمسحانه بتمعن، كأنها تبحث في ملامحه عن الإجابة التي لم ينطق بها بعد

كيف يبرر لها سبب وجود حقيبة الهدايا تلك معه؟

.

الحب كله


.


40. هو يوسف

وقف يوسف وجهاً لوجه مع والدته، قلبه يرفرف كأنه يريد الخروج من صدره، لا يعرف بأي كلمات يرد، أو كيف يفسر مشاعره، حتى جاء صوت فتح باب الحمام ليقطع اللحظة، فابتسمت والدته ابتسامة خفية وأشارت له بأن يذهب لغرفته فوراً، واقفة لتغطيه عن أعين والده

هرب يوسف نحو الغرفة وهو لا يزال مذهولاً، كأنه لم يصدق أنه نجا من المواجهة، وما إن أُغلق الباب خلفه حتى دخلت والدته بعده بدقائق بخطوات هادئة، عينيها تلتمعان بفضول لعوب، تنهدت براحة وابتسامة تزين شفتيها، ثم قالت بحماس
"أخيراً!"

فهم يوسف عندها ما ترمي إليه، هي تعتقد أنه مرتبط بامرأة وأن هذه الهدية دليل على ذلك
"اسمها إيه بقى؟" 
سألت بحماس 

"يا أمي بلاش الجو دا…" 
رد بصوت متلعثم، محاولاً استعادة رباطة جأشه، لكن والدته استغلت الموقف
"ماشي ماشي براحتك، بس مش نكمل بقى بقية العمليات عشان نفرح بيك؟"

تذمر يوسف بضيق، محاولاً التملص
"يا أمي كفاية هتخليني أنط من الشباك…"

ابتسمت والدته بسعادة، وكأنها حققت نصراً صغيراً
"خلاص..مش مهم..المهم أخيراً شوفنالك حد!"
ثم خرجت من الغرفة وهي تغني من فرط الحماس

تنهد يوسف بقلة حيلة، جلس على سريره، أخرج البطانية ببطء، وعانقها محاولاً استنشاق رائحة شريف، شعور بالدفء اجتاح صدره، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه، وكأن العالم كله أصبح آمناً ومملوءاً بالطمأنينة

لمح ورقة في حقيبة الهدية بعد أن أفرغها، كانت رسالة
( يوسف العزيز،
هذه البطانية قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها كل ما أحببت أن أهديه لك، دفء، محبة، وذكرياتنا الصغيرة التي لا تفارق ذهني، حين تلمسها، تذكر أن هناك من يحبك ويهتم لأمرك دائمًا، مهما فرّق بيننا الزمان والمكان)

ارتفعت حرارة وجنتيه من الخجل وابتسم ثم عانق الرسالة وقربها من أنفه ليشم رائحة عطر شريف العالق بها

لم يكن يعلم إلى أي مدى قد سقط في حبه، لكنه ادرك الآن أنه قد غرق تماماً

عانق البطانية واستلقى على السرير لينام براحة وهو يشم رائحة شريف حوله، غط في النوم ثم استيقظ فزعاً بعد أن تذكر أنه نسي اخذ ادويته، فتح الدرج وابتلعها ثم عاد للاستلقاء بسلام

لم يكن يوسف ليحلم بعلاقة لطيفة كتلك بعد تجربته السابقة، فقد جعله يعتقد أنه لن يستطيع الارتباط من بعده، ولكن هاهو يرتبط برجل لطيف ووسيم، ويحرص على اسعاده

كيف للرجل الذي طعنه في خده أن يكبر ليصبح رجلاً صالحاً؟، لا أحد كان ليتوقع شيئاً كهذا

كان شريف قد اصيب بالتعب النفسي بسبب الرسائل على الصفحة لذا قرر أخذ استراحة، وبدأ يفكر بجدية في اغلاق الصفحة، ولكنه كان قلقاً من أن يتسبب هذا في ارتفاع معدلات الانتحار لأن الناس البؤساء لن يجدوا ملجأهم

عيناه تتنقل بين الرسائل على الصفحة، قلبه مثقل بالمسؤولية والقلق، كل رسالة تصل إليه كانت كإشعال شرارة في عقله، تذكره بالأرواح التي تعتمد على كلماته، على نصائحه، على مجرد وجود صفحة توفر لهم متنفساً، ولو حتى مؤقتاً

أثناء مروره بين الرسائل، توقف عند حساب ساسي، وأحس بشيء من الأمل يتسلل إلى صدره، فكرة أن شخصاً آخر يمكنه أن يشارك المسؤولية، أن يخفف عنه العبء، جعل قلبه يخفق بخفة، فكتب لها
"عايزة تبقي ادمن بنموت في مصر؟"
ارسل إليها

لم تمر ثوانٍ حتى وصل الرد
"أنا؟"

ابتسم شريف بخفوت، وأعاد صياغة سؤاله
"أيوة..إيه رأيك تحبي تبقي ادمن؟، مش بضغط عليكي دا عرض، براحتك"

جاء الرد سريعاً، مليئاً بالحماس
"أحب طبعاً"

تنهد شريف براحة، ثم أضاف تعليماته
"اوكي، خليكي فاكرة هويتك سرية حتى اصحابك المقربين ما يعرفوش عشان اما يحتاجوا يبعتوا للصفحة يعرفوا بدل ما يتحرجوا لأنهم هيكونوا عارفين انك الأدمن"

"فهمت...فهمت"

جلس شريف لبرهة، ينظر إلى الشاشة وكأنه يرى أمامه فرصة لإحداث فرق، شعور بالمسؤولية يختلط معه بالطمأنينة، وكأن شخصاً آخر سيكون معه في رحلة دعم هؤلاء الذين يبحثون عن بصيص أمل وسط ظلامهم

دخل يوسف النادي وعيونه تبحث عن شريف بين اللاعبين، وما إن لمحه حتى تسارع بخطواته نحوه، قلبه يرفرف بشدة. بمجرد أن اقترب، لم يتردد للحظة، واحتضنه عناقاً حميماً، عناق ملؤه الدفء والفرح، شعور بالراحة ينساب في كل أوصاله. ضحك الاثنان بصوت خافت، ابتساماتهما تتبادل الطاقة، كأن العالم كله اختزل في تلك اللحظة

لم يترك شريف الأمور تمر ككل مرة يأتي يوسف للمشاهدة فقط، هذه المرة أصر على أن يشارك يوسف في التمرين أمسك يديه بلطف لتوجيهه خلال تمارين الإحماء، كل حركة كانت مليئة بالاهتمام، وصوته يحثه بهدوء ودفء

بعد الإحماء، بدأا اللعب، وكانت عيناه تراقب يوسف بدهشة ورضا، متساهلاً معه عمداً، حتى يستمتع باللعبة، يشعر بالحماسة والمرح دون ضغط، ضحكاتهما تتناغم مع صوت الكرة، والملعب يمتلئ بالفرح المتبادل بين قلبين يفرحان ببساطة اللحظة

بعد انتهاء اللعب خرجا للتمشية وأخرج شريف من حقيبته زجاجة فودكا بدأ يشرب منها حتى انهى نصفها وناول الباقي ليوسف الذي شرب الباقي فلم يعد يخاف الكحول

بدأ يغني بصوته الذي يحبه شريف بشدة وهو يسير مترنحاً بينما يسنده شريف كي لا يسقط على الأرض

ياما عيون شاغلوني، شاغلوني لكن ولا شغلوني
إلا عُيونك إنت دول بس اللي خدوني، خدوني
وبحُبك أمروني
أمروني أحب لقيتني بحب
لقيتني بحب وأدوب في الحب

كان شريف يقهقه بسعادة وهو يستمع لصوته، توقفا عند بائع حمص الشام واشتريا ووقفا يراقبان النيل الهادئ بينما يلفح وجهيهما الهواء البارد

اوصل شريف يوسف لمنزله ثم ودعه بقبلة، وعاد هو لمنزله سعيداً ثم شغل أغنية القاني أنا هلأ مضطر أروح بينما يقوم بحذف نفسه من صفحة بنموت في مصر

فهذه الصفحة هي جزء من شعوره الكبير بالذنب، وإن لم يتخلص منها فلن يتخلص من شعوره أبداً

لقد أصبح في علاقة مع يوسف، عليه أن يكون أكثر صدقاً واتزاناً، بعد أن حذف نفسه صفق بفخر ثم ارتمى على السرير وهو يسمع صوت القاني

صحيح اني وقعت، بس زي الترامبولين
كل ما نزلت لتحت كل ما اعلى بطير
و هيني تحت، شفت الحل بالسكوت، سكتت
بس اعرف انه هدوء ما قبل العاصفة
يمكن اكون خربت حياتي بهالكلام بس زي ما قلت
بولعلك بحالي اللهيب
بلكي من النار احس اني لو لحظة عشت 
و لما تحسني بعيد تذكر اني
لساتني هون
بلعن القدر اللي حرمني، ارفع الصوت
فارفع الصوت و اسمعني
إذا لسا بتسمعني

.

تمت
13-11-2025

.

سيرة الحب



أنا هلأ مضطر اروح



.



تعليقات

  1. كل مرة أقرأها بحب علاقة الصحاب دي

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. قرأتها ثلث مرات وبعشقها

    ردحذف
  4. بحبها اوي بتديني مشاعر حلوه وبتفكرني بالشتا دايما

    ردحذف

إرسال تعليق